١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
103
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت، واعتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكرها فربما آمنوا، فلما ذكرها أصروا على كفرهم فنزلت هذه الآية، وكأنه إشارة إلى ما ذكره الله تعالى في قوله: { أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] قال أبو بكر بن الأنباري: جواب {لَوْ } محذوف، لأن جواب {لَوْ } لا يكون مقدماً عليها فلا يجوز أن يقال. وقال الفراء في «المصادر» يقال: حرص يحرص حرصاً، ولغة أخرى شاذة: حرص يحرص حريصاً. ومعنى الحرص: طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد. وقوله: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } معناه ظاهر وقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } أي هو تذكرة لهم في دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد والقصص والتكاليف والعبادات، ومعناه: أن هذا القرآن يشتمل على هذه المنافع العظيمة، ثم لا تطلب منهم مالاً ولا جعلاً، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا. وقوله تعالى: {وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } يعني: أنه لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها. واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة لابد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي إما الأجرام الفلكية وأما الأجرام العنصرية، أما الأجرام الفلكية: فهي قسمان: إما الأفلاك وإما الكواكب. أما الأفلاك: فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع وقد يستدل بكون بعضها فوق البعض أو تحته، وقد يستدل بأحوال حركاتها إما بسبب أن حركاتها مسبوقة بالعدم فلا بد من محرك قادر، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها وبطئها، وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات. وأما الأجرام الكوكبية فتارة يستدل على وجود الصانع بمقاديرها أحيازها وحركاتها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتار بتأثيراتها في حصول الأضواء والأظلال والظلمات والنور، وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية: فإما أن تكون مأخوذة من بسائط، وهي عجائب البر والبحر، وإما من المواليد وهي أقسام: أحدها: الآثار العلوية كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح. وثانيها: المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها. وثالثها: النبات وخاصية الخشب والورق والثمر واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص وخاصية مخصوصة. ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها. وخامسها: تشريح أبدان الناس وتشريح القوى الإنسانية وبيان المنفعة الحاصلة فيها فهذه مجامع الدلائل. ومن هذا الباب أيضاً قصص الأولين وحكايات الأقدمين وأن الملوك الذين استولوا على الأرض وخربوا البلاد وقهروا العباد ماتوا ولم يبق منهم في الدنيا خبر ولا أثر، ثم بقي الوزر والعقاب عليهم هذا ضبط أنواع هذه الدلائل والكتاب المحتوي على شرح هذه الدلائل هو شرح جملة العالم الأعلى والعالم الأسفل والعقل البشري لا يفي بالإحاطة به فلهذا السبب ذكره الله تعالى على سبيل الإبهام قال صاحب «الكشاف» قرىء {وٱلأَرْضِ } بالرفع على أنه مبتدأ و {يَمُرُّونَ } عليها خبره وقرأ السدي {وٱلأَرْضِ } بالنصب على تقدير أن يفسر قوله: {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } بقولنا يطوفونها، وفي مصحف عبدالله {وٱلأَرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْهَا } برفع الأرض. أما قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } فالمعنى: أنهم كانوا مقرين بوجود الإله بدليل قوله: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] إلا أنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين يشبهون الله بخلقه وعنه أيضاً أنه قال: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب لأنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وعنه أيضاً أن أهل مكة قالوا: الله ربنا وحده لا شريك له الملائكة بناته فلم يوحدوا، بل أشركوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزيز ابن الله، وقالت النصارى: ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله، وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا، وقال المهاجرون والأنصار ربنا الله وحده ولا شريك معه، واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن الإقرار باللسان فقط، لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنهم مشركون، وذلك يدل على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار باللسان، وجوابه معلوم، أما قوله: {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ } أي عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم وتغمرهم {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } أي فجأة. وبغتة نصب على الحال يقال: بغتهم الأمر بغتاً وبغتة إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } كالتأكيد لقوله: {بَغْتَةً }.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ } على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم. {بِمُؤْمِنِينَ } لعنادهم وتصميمهم على الكفر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {وَلَوْ حَرَصْتَ } على إيمانهم {بِمُؤْمِنِينَ }.
ابن عطية
تفسير : هاتان الآيتان تدلان أن الآية التي قبلهما فيها تعريض لقريش ومعاصري محمد عليه السلام، كأنه قال: فإخبارك بالغيوب دليل قائم على نبوتك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وإن كنت أنت حريصاً على إيمانهم، أي يؤمن من شاء الله. وقوله: {ولو حرصت} اعتراض فصيح. وقوله: {وما تسألهم} الآية، توبيخ للكفرة وإقامة الحجة عليهم، أي ما أسفههم في أن تدعوهم إلى الله دون أن تبغي منهم أجراً فيقول قائل: بسبب الأجر يدعوهم. وقرأ مبشر بن عبيد: "وما نسألهم" بالنون. ثم ابتدأ الله تعالى الإخبار عن كتابة العزيز. أنه ذكر وموعظة لجميع العالم - نفعنا الله به ووفر حظنا منه بعزته -. وقرأت الجماعة "وكأيّن" بهمز الألف وشد الياء، قال سيبويه: هي كاف التشبيه اتصلت بأي، ومعناها معنى كم في التكثير. وقرأ ابن كثير "وكائن" بمد الألف وهمز الياء، وهو من اسم الفاعل من كان، فهو كائن ولكن معناه معنى كم أيضاً. وقد تقدم استعاب القراءات في هذه الكلمة في قوله: {أية : وكأين من نبي قتل} تفسير : [آل عمران: 146]. والـ {آيه} هنا المخلوقات المنصوبة للاعتبار والحوادث الدالة على الله سبحانه في مصنوعاته، ومعنى {يمرون عليها} الآية - أي إذا جاء منها ما يحس أو يعلم في الجملة لم يتعظ الكافر به، ولا تأمله ولا أعتبر به بحسب شهواته وعمهه، فهو لذلك كالمعرض، ونحو هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل] شعر : تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها تفسير : وقرأ السدي "والأرضَ" بالنصب بإضمار فعل، والوقف - على هذا - في {السماوات} وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد "والأرضُ" بالرفع على الابتداء، والخبر قوله: {يمرون} وعلى القراءة بخفض "الأرضِ" فـ {يمرون} نعت الآية. وفي مصحف عبد الله: "والأرض يمشون عليها". وقوله: {وما يؤمن أكثرهم} الآية، قال ابن عباس: هي في أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه، أو من حيث قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. وقال عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد هي في كفار العرب، وإيمانهم هو إقرارهم بالخالق والرازق والمميت، فسماه إيماناً وإن أعقبه إشراكهم بالأوثان والأصنام -فهذا الإيمان لغوي فقط من حيث هو تصديقها. وقيل: هذه الآية نزلت بسبب قول قريش في الطواف والتلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع أحدهم يقول: لبيك لا شريك لك، يقول له: قط قط، أي قف هنا ولا تزد: إلا شريك هو لك. والـ {غاشية} ما يغشي ويغطي ويغم، وقرأ أبو حفص مبشر بن عبد الله: "يأتيهم الساعة بغتة" بالياء، و {بغتة} معناه: فجأة، وذلك أصعب، وهذه الآية من قوله: {وكأين} وإن كانت في الكفار -بحكم ما قبلها - فإن العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ، ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغوياً كالرياء، فقد قال عليه السلام: "حديث : الرياء: الشرك الأصغر ". تفسير : وقوله تعالى: {قل هذه سبيلي} الآية، إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها. قال ابن زيد: المعنى: هذا أمري وسنتي ومنهاجي. وقرأ ابن مسعود: "قل هذا سبيلي" "والسبيل": المسلك، وتؤنث وتذكر، وكذلك الطريق، و {بصيرة}: اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين، و"البصيرة" أيضاً في كلام العرب: الطريقة في الدم، وفي الحديث المشهور: "حديث : تنظر في النصل فلا ترى بصيرة" تفسير : ، وبها فسر بعض الناس قول الأشعر الجعفي: شعر : راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتد وأي تفسير : يصف قوماً باعوا دم وليهم فكأن دمه حصلت منه طرائق على أكتفاهم إذ هم موسومون عند الناس ببيع ذلك الدم. قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن تكون "البصيرة" في بيت الأشعر على المعتقد الحق، أي جعلوا اعتقادهم طلب النار وبصيرتهم في ذلك وراء ظهورهم، كما تقول: طرح فلان أمري وراء ظهره. وقوله: {أنا ومن اتبعني} يحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في {ادعوا} ويحتمل أن تكون الآية كلها أمارة بالمعروف داعية إلى الله الكفرة به والعصاة. و {سبحان الله} تنزيه لله، أي وقل: سبحان الله، وقل متبرئاً من الشرك. وروي أن هذه الآية: {قل هذه سبيلي} إلى آخرها كانت مرقومة على رايات يوسف عليه السلام.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سبيلي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع {نوحي} بالنون وكسر الحاء: حفص. الآخرون بالياء وفتح الحاء {يعقلون} على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وابن كثير والأعشى والبرجمي. والباقون بتاء الخطاب. {كذبوا} مخففاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويزيد. الباقون بالتشديد. {فنجي} بضم النون وكسر الجيم المشددة وفتح الياء: ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. فعلى هذا يكون فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول. وعن الكسائي مثل هذا ولكن بسكون الياء. وخطأه علي بن عيسى بناء على أنه فعل مستقبل من الإنجاء والنون لا يدغم في الجيم، أو من التنجية والنون المتحركة لا تدغم في الساكن. وأقول: إن كان فعلاً ماضياً من التنجية والنون المتحركة لا تدغم كما في القراءة الأولى ولكن سكن الياء للتخفيف لم يلزم منه خطأ. الآخرون: قرأوا بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء فعلاً مضارعاً من الإنجاء على حكاية الحال الماضية. الوقوف: {إليك} ج لابتداء النفي مع واو العطف {يمكرون} ه {بمؤمنين} ه {أجر} ط {للعالمين} ه {معرضون} ه {مشركون} ه {لا يشعرون} ه {ومن اتبعن} ط {المشركين} ه {القرى} ط {من قبلهم} ط {اتقوا} ط {تعقلون} ه {نصرنا} ط رمن قرأ {فننجي} بالتخفيف ولا وقف على {من نشاء} ومن قرأ {فنجي} مشددة وصله بما قبله ووقف على {من نشاء} {المجرمين} ه {الألباب} ط {يؤمنون} ه. التفسير: {ذلك} الذي ذكر من نبأ يوسف هو من أخبار الغيب وقد مر تفسير مثل هذا في آخر قصة زكريا في سورة آل عمران. ومعنى إجماع الأمر العزم عليه كما مر في سورة يونس في قصة نوح. وأراد عزمهم على إلقاء يوسف في البئر وهو المكر بعينه وذلك مع سائر الغوائل من المجيء على قميصه بدم كذب ومن شراهم إياه بثمن بخس. قال أهل النظم: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله أنه إذا ذكرها فربما أمنوا فلما ذكرها لهم أصروا على كفرهم فنزل: {وما أكثر الناس} أي أكثر خلق الله المكلفين أو أكثر أهل مكة قاله ابن عباس. {ولو حرصت} جوابه مثل ما تقدم أي ولو حرصت فما هم {بمؤمنين} والحرص طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد ونظير الآية قوله: {أية : إنك لا تهدي من أحببت}تفسير : [القصص: 56] {وما تسألهم عليه} على ما تحدثهم به {من أجر} كما سأل القاص {إن هو إلا ذكر} عظة من الله {للعالمين} عامة على لسان رسوله. {وكأين من آية} الأكثرون على أنه لفظ مركب من كاف التشبيه وأيّ التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية. والتمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً، والأكثر إدخال "من" في تمييزه وقد مر في سورة البقرة في تفسير قوله سبحانه: {أية : إن في خلق السموات والأرض}.تفسير : {الآية: 164] وفي مواضع أخر تفصيل بعض الآيات السماوية والأرضية الدالة على توحيد الصانع وصفات جلاله. ومن جلمة الآيات قصص الأوّلين وأحوال الأقدمين. ومعنى {يمرون عليها} أشياء يشاهدونها {وهم عنها معرضون} لا يعتبرون بها. وقرىء {والأرض} بالرفع على الابتداء خبره {يمرون} والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر. والحاصل أن جملة العالم العلوي والعالم السفلي محتوية على الدلائل والبينات على وجود الصانع ونعوت كماله ولكن الغافل يتعامى عن ذلك. {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وذلك أنهم كانوا مقرين بإلاله {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}تفسير : [لقمان: 25] لكنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية هو الأصنام ويقولون: هم الشفعاء. وكان أهل مكة يقولون: الملائكة بنات الله. وعن الحسن: هم أهل الكتاب يقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله. وعن ابن عباس: هم الذين يشبهون الله بخلقه. احتجت الكرامية بالآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار. والجواب أن مجرد الإقرار لو كان كافياً لما اجتمع مع الشرك غاشية عقوبة تغشاهم وتغمرهم. {قل} يا محمد لهم {هذه} السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان {سبيلي} وسيرتي وقوله {أدعو إلى الله} تفسير لـ {سبيلي} و {على بصيرة} يتعلق بأدعوا و{أنا} تأكيد للمستتر في أدعو {ومن اتبعن} عطف عليه ويجوز أن يكون {على بصيرة} حالاً من أدعو عاملة في {أنا ومن اتبعن}، ويجوز أن يكون {أنا} مبتدأ معطوفاً عليه و{من اتبعن} و {على بصيرة} خبراً مقدماً فيكون ابتداء إخبار بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وتشهٍ {و} قل {سبحان الله} تنزيهاً له عما أشركوا {وما أنا من المشركين} لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً. قال: {وما أرسلنا من قبلك} وفي "الأنبياء" {قبلك}[الأنبياء: 7] بغير "من" لأن قبلاً اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و"من" تفيد استيعاب الطرفين، وفي هذه السورة أريد الاستيعاب. قوله: {إلا رجالاً} ردّ على من زعم أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً أو يمكن أن يكون امرأة مثل سجاح المتنبئة. وقوله: {من أهل القرى} خصهم بالاستنباء لما في أهل البادية في الغلظ والجفاء {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم}تفسير : [آل عمران: 159] قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل" تفسير : {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا} إلى مصارع الأمم المكذبة إنما قال: {أفلم يسيروا} بالفاء بخلاف ما في "الروم" والملائكة لاتصاله بقوله: {وما أرسلنا من قبلك} فكان الفاء أنسب من الواو {ولدار الآخرة} موصوفه محذوف أي ولدار الساعة والحال الآخرة لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة. وبيان الخيرية قد مر في "الأنعام". وإنما خصت ههنا بالحذف لتقدم ذكر الساعة. قال في الكشاف: حتى غاية لمحذوف دل عليه الكلام والتقدير فتراخى نصر أولئك الرجال حتى إذا استيأسوا عن النصر أو عن إيمان القوم {وظنوا أنهم قد كذبوا} فيه وجوه لقراءتي التخفيف والتشديد ولإمكان عود الضمير في الفعلين إلى الرسل أو إلى المرسل إليهم الدال عليهم ذكر الرسل أو السابق ذكرهم {أفلم يسيروا} وأما وجوه التخفيف فمنها: وظن الرسل أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذب رجاؤهم لقولهم رجاء صادق وكاذب. والمراد أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله قد تطاولت وتمادت حتى توهموا أن لا نصر لهم في الدنيا. قال ابن عباس: ظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر. قال: وكانوا بشراً ألا تراً إلى قوله: {وزلزلوا} والعلماء حملوا قول ابن عباس على ما يخطر بالبال شبه الوسواس وحديث النفس من عالم البشرية. وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فلا، لأن الرسل أعرف الناس بالله وبأن ميعاده مبرأ عن وصمة الأخلاف. ومنها وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر. ومنها وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليه ولم يصدقوهم فيه. وأما قراءة التشديد فإن كان الظن بمعنى اليقين فمعناه أيقن الرسل أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر عنهم الإيمان بعد فحينئذ دعوا عليهم فهناك نزل عذاب الاستئصال، أو كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم. وإن كان بمعنى الحسبان فالمعنى توهم الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا تأويل عائشة قالت: ما وعد الله محمداً شيئاً إلا وعلم أنه سيوفيه، ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم. {لقد كان في قصصهم} قصص الرسل إضافة للمصدر إلى الفاعل، ويحسن أن يقال: الضمير لإخوة يوسف وله لاختصاص هذه السورة بهم. والعبرة نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم أن يعلم أنه لا خير إلا في العمل الصالح والتزوّد بزاد التقوى فإن الملوك الذي عمروا البلاد وقهروا العباد ثم لم يراعوا حق الله في شيء من ذلك ماتوا وانقرضوا وبقي الوزر والوبال عليهم. وعلى الخصوص أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلاء شأنه بعد حبسه في السجن واجتماعه بأهله بعد طول البعاد قادر على إظهار محمد وإعلاء كلمته. والكل مشترك في الدلالة على صدق محمد لأن هذا النوع من القصص الذي أعجز حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء دليل ظاهر وبرهان باهر على أنه بطريق الوحي والتنزيل، وإنما يكون دليلاً واعتباراً {لأولي الألباب} وأصحاب العقول الذين يتأملون ويتفكرون لا الذين يمرون ويعرضون على أن الدليل دليل في نفسه للعقلاء وإن لم ينظر فيه مستدل قط كما أن الرئيس الحقيقي من له أهلية الرياسة وإن كان في نهاية الخمول {ما كان} مدلول القصص وهو المقصوص أو القرآن {حديثاً يفترى} لظهور إعجازه {ولكن} كان {تصديق الذي بين يديه} من الكتب السماوية {وتفصيل كل شيء} يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس. وقيل: تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته قال الواحدي: وعلى التفسيرين فهو ليس على عمومه لأن المراد به الأصول والقوانين وما يؤل إليها {وهدى} في الدنيا {ورحمه} في الآخرة {لقوم يؤمنون} لأنهم هم المنتفعون بذلك. التأويل: {من أنباء الغيب} لأن هذا الترتيب في السلوك لا يعلمه إلا الوالجون ملكوت السماء الغوّاصون في بحر بطن القرآن {وما كنت لديهم} بالصورة ولكن كنت حاضراً بالمعنى {وما أكثر الناس} وهم صفات الناسوتية {وما تسألهم عليه من أجر} لأن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية وإن دعتها إلى الاستكمال لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها {وكأين من آية} في سموات القلوب وأرض النفوس تمر الأوصاف الإنسانية عليها {وهم عنها معرضون} لإقبالها على الدنيا وشهواتها {وما يؤمن} أكثر الصفات الإنسانية بطلب الله وتبدل صفاته {إلا وهم مشركون} في طلب الدنيا وشهواتها، أو طلب الآخرة ونعمها، أو وما يؤمن أكثر الخلق بالله وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب أنها منهم لا من الله، فكل من يرى السبب فهو مشرك، وكل من يرى المسبب فهو موحد كل شيء هالك في نظر الموحد إلا وجهه، أو وما يؤمن أكثر الناس بالله وبقدرته وإيجاده إلا وهم مشركون في طلب الحاجة من غير الله {غاشية} جذبة تقهر إرادتهم. وتسلب اختيارهم كما قيل: العشق عذاب الله {أو تأتيهم الساعة} ساعة الانجذاب إلى الله {هذه سبيلي} لأن طريق السير والسلوك مختص به وبأمته {إلا رجالاً من أهل قرى} الملكوت دون مدن الملك والأجساد، والرجال من القرى ويشبه أن يعبر عن عالم الأرواح بالقرى لبساطتها. والقرى أقل أجزاء من المدن {أفلم يسيروا في} أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة ليصلوا إلى فضاء عالم الحقيقة {وظنوا أنهم قد كذبوا} ففي إبطاء النصر ابتلاء للرسل؛ الله حسبي ونعم الوكيل.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} يريد به العمومَ أو أهلَ مكة {وَلَوْ حَرَصْتَ} أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآياتِ القاطعةِ الدالةِ على صدقك {بِمُؤْمِنِينَ} لتصميمهم على الكفر وإصرارِهم على العناد، روي أن اليهود وقريشاً لما سألوا عن قصة يوسفَ وعدوا أن يُسْلموا فلما أخبرهم بها على موافقة التوراةِ فلم يسلموا حزِن النبـيُّ صلى الله عليه وسلم فقيل له ذلك {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ} أي على الإنباء أو على القرآن {مِنْ أَجْرٍ} من جُعْل كما يفعله حَمَلةُ الأخبار {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} عظةٌ من الله تعالى {لّلْعَـٰلَمِينَ} كافة لا أن ذلك مختصٌّ بهم. {وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ} أي كأي عددٍ شئت من الآيات والعلاماتِ الدالةِ على وجود الصانِع ووحدتِه وكمال علمِه وقدرتِه وحكمته غيرِ هذه الآيةِ التي جئتَ بها {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ} أي كائنةٍ فيهما من الأجرام الفلكية وما فيها من النجوم وتغيّر أحوالها ومن الجبال والبحار وسائرِ ما في الأرض من العجائب الفائتةِ للحصر {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي يشاهدونها ولا يعبأون بها، وقرىء برفع (الأرضِ) على الابتداء ويمرّون خبره وقرىء بنصبها على معنى ويطؤون الأرضَ يمرون عليها وفي مصحف عبد اللَّه {وٱلأَرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْهَا} والمراد ما يرَون فيها من آثار الأمم الهالكةِ وغيرُ ذلك من الآيات والعبر {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} غيرُ ناظرين إليها ولا متفكّرين فيها {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ} في إقرارهم بوجوده وخالقيته {إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} بعبادتهم لغيره أو باتخاذهم الأحبارَ والرهبانَ أرباباً أو بقولهم باتخاذه تعالى ولداً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبـيراً، أو بالنور والظلمة، وهي جملةٌ حالية أي لا يؤمن أكثرُهم إلا في حال شركِهم، قيل: نزلت الآيةُ في أهل مكة، وقيل: في المنافقين، وقيل: في أهل الكتاب. {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} أي عقوبةٌ تغشاهم وتشمَلُهم {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} فجأةً من غير سابقةِ علامة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بإتيانها غير مستعدّين لها.
القشيري
تفسير : أخبر عن سابق علمه بهم، وصادق حُكْمِه حكمته فيهم. ويقال معناه: أَقَمْتُكَ شاهداً لإرادة إيمانهم، وشِدَّةِ الحِرْصِ على تحقُّقهِم بالدِّين، وإيقانهم. ثم إنِّي أعلم أنهم لا يؤمن أكثرُهم، وأخبرتك بذلك، وفُرِضَ عليكَ تصديقي بذلك، وفرضتُ عليك إرادتي كونَ ما عَلِمْتُ أنه لا يكون من إيمانهم.
اسماعيل حقي
تفسير : بقوله {وما اكثر الناس} عام لاهل مكة وغيرهم {ولو حرصت} على ايمانهم وبالغت فى اظهار الآيات لهم والحرص طلب شيء باجتهاد فى اصابته {بمؤمنين} لعنادهم وتصميمهم على الكفر وهذا فى الحقيقة من اسرار القدر لان عدم ايمانهم من مقتضيات استعداداتهم الازلية الغير المجعولة واحوال اعيانهم الثابتة. فان قلت فما فائدة التكليف والامر بما يعلم عدم وقوعه. قلت فائدته تمييز من له استعداد ذلك لتظهر السعادة والشقاوة واهلهما. فان قلت لم كان الكفرة اكثر من الله تعالى خلق الخلق للعبادة. فان المقصود ظهور الانسان الكامل وهو واحد كالف
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية بقلة من آمن به بأن الناس كثيرون، وان حرصت على ان يكونوا مؤمنين فانهم قليلون. والاكثر القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل. والناس جماعة الانسان، وهو من ناس ينوس نوساً إِذا تحرك يميناً وشمالاً، من نفسه لا بمحرك. والحرص طلب الشيء في اصابته، حرص عليه يحرص حرصاً، فهو حريص على الدنيا إذا اشتد طبله لها والتقدير: وما اكثر الناس بمؤمنين، ولو حرصت على هدايتهم.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ} على ايمانهم {بِمُؤْمِنِينَ} استدراك بمنزلة ولكنّ ما اكثر النّاس مع ظهور امثال تلك الآيات والاخبار المغيّبة من مثلك الامّىّ بمؤمنين بك وبرسالتك ولو حرصت على ايمانهم وبالغت فيه.
الهواري
تفسير : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} قال: {وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {مِنْ أَجْرٍ} فيكونون إنما حملهم على تركه الغرم. وقال في آية أخرى: (أية : قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ).تفسير : [الأنعام:90] قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} يذكرون به الجنة والنار. قوله: {وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ} أي: وكم من آية ودليل { فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي: يرونها { وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يعني بآيات السماوات الشمس والقمر والنجوم، وبالآيات التي في الأرض ما خلق الله فيها وآثار من أهلك الله من الأمم السالفة. يقول: لا يتعظون بالآيات. قوله: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} وهي مثل قوله:(أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) تفسير : [الزخرف:87]: قال بعضهم: إيمانهم أنك لا تَسأل أحداً إلا أنبأك أَنَّ الله ربُّه، وهو في ذلك مشرك في عبادته. قوله: {أَفَأَمِنُوا} يعني المشركين {أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ} على الاستفهام، أي: غاشية تغشاهم من عذاب الله، وهم آمنون من ذلك غافلون. أي: إنهم ليسوا بآمنين أن يأتيهم ذلك في تفسير الحسن. وقال غيره: {غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ}، أي: عقوبة من عذاب الله، { أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} أي تبغتهم فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: وهم غافلون. يعني الذين تقوم عليهم الساعة بالعذاب. قوله: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ} أي: طريقي، وهو الهدى { أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [أي: على يقين] { أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} أي: أنا على الهدى ومن اتبعني على بصيرة، أي: على الهدى الذي أتانا من ربنا { وَسُبْحَانَ اللهِ} أمره أن ينزِّه الله عما قال المشركون. {وَما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ}. قوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى}. قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية، ولا من النساء، ولا من الجن. قال: لأن أهل القرى كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : فضيلة أهل المدائن على أهل القرى كفضيلة الرجال على النساء، وفضيلة أهل القرى على أهل العمود كفضيلة الرجال على النساء، وأهل الكفور كأهل القبور. فقيل ما الكفور؟ قال:البيت بعد البيت تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما من ثلاثة يكونون في قرية أو بدو ولا يجمعون للصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان. وإنما يأخذ الذيب من الغنم القاصية تفسير : ذكروا عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الشيطان ذئب الإِنسان كذئب الغنم، يأتي الشاذة والقاصية والناحية. عليكم بالمساجد والجماعة والعامة، وإياكم والشعاب تفسير : ذكروا أن معاذ بن جبل كان على بعض أهل الشام فجاءه ناس من أهل البادية فقالوا: قد شقّت علينا الإِقامة، فلو بدأت بنا، فقال لعمري، لا أبدأ بكم قبل الحاضرة، أهل العبادة وأهل المساجد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : عليهم تنزل السكينة، وإليهم يأتي الخبر، وبهم يبدأ يوم القيامة. قال والخبر أي الوحي . تفسير : قوله: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يقول: قد ساروا في الأرض فرأوا آثار الذين أهلكهم الله من الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم. كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم فصيّرهم إلى النار. يقول: أفلم يسيروا في الأرض فيحذروا أن ينزل بهم ما نزل بالقرون من قبلهم. { وَلَدَارُ الأَخِرَةِ} هي دار المؤمنين في الآخرة { خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا} أي: خير لهم من الدنيا { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وما أكثرُ النَّاس} على العموم أو ما أكثر أهل مكة {ولوْ حَرصتَ} على إيمانهم جدا وبالغت فى إظهار لآيات {بمؤمنين} لتصميمهم على الكفر، وعنادهم، فليس ذكرنا قصة يوسف وإخوته مؤثر فيهم بالإيمان.
اطفيش
تفسير : {ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ} ناس مكة وليس المراد الناس كلهم، ولو كان الواقع كذلك لقوله {وَلَوْ حَرَصْتَ} إِذ لا حرص له على من فات، والمراد الحرص على إِيمان أَهل مكة لينفسخ الإِيمان إِلى غيرها، إِلآ أَن يراد بالحرص مطلقاً الرغبة فتصدق بالناس كلهم {بِمُؤْمِنِينَ} مع أَنك أَخبرتهم بها على وفق التوراة ووعدوا لك بالإِيمان إِن أَخبرتهم فلم يوفوا.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} الظاهر العموم، وقال ابن عباس: إنهم أهل مكة {وَلَوْ حَرَصْتَ } أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك عليهم {بِمُؤْمِنِينَ} لتصميمهم على الكفر وإصرارهم على العناد حسبما اقتضاه استعدادهم وحرص من باب ضرب وعلم وكلاهما لغة فصيحة، وجواب {لَوْ} محذوف للعلم به، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر. قال ابن الأنباري: سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام فنزلت مشروحة شرحاً وافياً فأمل عليه الصلاة والسلام أن يكون ذلك سبب اسلامهم، وقيل: إنهم وعدوه أن يسلموا فلما لم يفعلوا عزاه تعالى بذلك. وقيل: إنها نزلت في المنافقين، وقيل: في النصارى، وقيل: في المشركين فقط، وقيل: في أهل الكتاب فقط؛ وقيل: في الثنوية.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من سوق هذه القصة إلى العبرة بتصميم المشركين على التكذيب بعد هذه الدلائل البينة، فالواو للعطف على جملة { أية : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } تفسير : [يوسف: 102] باعتبار إفادتها أن هذا القرآن وحي من الله وأنه حقيق بأن يكون داعياً سامعيه إلى الإيمان بالنبي. ولما كان ذلك من شأنه أن يكون مطمعاً في إيمانهم عقب بإعلام النبي بأن أكثرهم لا يؤمنون. و{الناس} يجوز حمله على جميع جنس الناس، ويجوز أن يراد به ناس معيّنون وهم القوم الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بمكّة وما حولها، فيكون عموماً عرفياً. وجملة {ولو حرصت} في موضع الحال معترضة بين اسم {ما} وخبرها. {ولو} هذه وصلية، وهي التي تفيد أن شرطها هو أقصى الأسباب لجوابها. وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى: { أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به } تفسير : في سورة آل عمران (91). وجواب {لو} هو {وما أكثر الناس} مقدّم عليها أو دليل الجواب. والحرص: شدة الطلب لتحصيل شيء ومعاودته. وتقدم في قوله تعالى: { أية : حريص عليكم } تفسير : في آخر سورة براءة (128). وجملة {وما تسألهم عليه من أجر} معطوفة على جملة {وما أكثر الناس} إلى آخرها باعتبار ما أفادته من التأييس من إيمان أكثرهم. أي لا يسوءك عدم إيمانهم فلست تبتغي أن يكون إيمانهم جزاء على التبليغ بل إيمانهم لفائدتهم، كقوله: { أية : قل لا تمنوا علي إسلامكم } تفسير : [سورة الحجرات: 17]. وضمير الجمع في قوله: {وما تسألهم} عائد إلى الناس، أي الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. وجملة {إن هو إلا ذكر للعالمين} بمنزلة التعليل لجملة {وما تسألهم عليه من أجر}. والقصر إضافي، أي ما هو إلا ذكر للعالمين لا لتحصيل أجرِ مبلّغه. وضمير {عليه} عائد إلى القرآن المعلوم من قوله: { أية : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } تفسير : [يوسف: 102].
القطان
تفسير : غاشية: عقوبة شاملة. الساعة: القيامة. بغتة: فجأة. {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}. انتهت قصة يوسف وبدأت بعد ذلك التعقيبات عليها، ومعها لفتات متنوعة، وجولات موحية في صفحة الكون وفي أغوار النفس، وفي الغيب المجهول، وكل هذا لولا وحيُ الله تعالى لما وصل الى علم النبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام. لقد كان رسولُ الله حريصاً على إيمان قومه، رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم، ورحمة لهم مما ينتظرُ المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة. وما اكثرُ مشركي قومك يا محمد - ولو حَرَصت على ان يؤمنوا بك ويتبعوا ما جئتهم به من عند ربك - بمؤمنين. {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}. أنت غنيّ عن ايمانهم يا محمد، فلستَ تطلب منهم أجرا على الهداية ولا مالا ولا منفعة. انك انما تدعوهم ان يتبعوا أمر ربك، وفي ما تدعوهم اليه تذكير وموعظة لارشاد العالمين كافة الا لهم خاصة. {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}. ما اكثر الدلائل المبثوثة في تضاعيف الكون على وجود الخالق ووحدانيته وكماله. انها معروضة للابصار والبصائر، في السماوات والارض، وهم يمرون عليها صباح مساء، ولكنهم لا يروْنها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون ايقاعها العميق. {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}. قال ابن عباس: هم اهل مكّة آمنوا وأشركوا وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك، الا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وهذا هو الشِرك الاعظم. فايمان اكثرهم لا يقوم على اساس سليم من التوحيد، لأنهم لا يعترفون بوحدانية اله اعترافا خالصا، ولكنه مقترن في نفوسهم بشوائب تسلكهم في مسلك المشركين. والشرك انواع، روى الامام احمد ان رسول الله قال: "حديث : انّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الاصغر، قالوا: وما الشِرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة اذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا الى الّذين كنتم تراءون في الدّنيا فانظُروا هل تجِدون عندَهم من جزاء ". تفسير : وبعد، فما الذي ينتظره أولئك المعرِضون عن آياتِ الله الناطقة في صفحات الوجود بعد اعراضهم عن آيات القرآن التي لا يُطلب منهم عليها أجر. {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. افأمِنَ هؤلاء الذين يؤمنون بالله لكنهم يشركون به غيره في العبادة، ان تاتيهم عقوبة شاملة تغشاهم، او تأتيهم الساعة فجأة حيث لا يتوقعون!!
د. أسعد حومد
تفسير : (103) - وَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَنْ يُؤْمِنُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَوْ حََرَصْتَ أَنْتَ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنينَ، وَلَوْ أَتَيْتَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فأنت يا محمد لن تجعل كل الناس مؤمنين؛ ولو حرصت على ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على أن يؤمن قومه، فهو منهم. ويقول فيه الحق سبحانه: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. لكنهم جحدوا ما جاءهم به؛ وقد أحزنه ذلك الأمر. وفي الحرص نجد آية خاصة باليهود؛ هؤلاء الذين دفعوا أهل مكة أن يسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف؛ يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ..} تفسير : [البقرة: 96]. وكان على أهل مكة أن يؤمنوا ما دام قد ثبت لهم بالبينات أنه رسول من الله. وجاء قول الحق: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]. جاء ذلك القولُ تسليةً من الحق سبحانه لرسوله، وليؤكد له أن ذلك ليس حال أهل مكة فقط، ولكن هذه هي طبيعة معظم الناس. لماذا؟ لأن أغلبهم لا يُحسن قياس ما يعطيه له منهج الله في الدنيا والآخرة، والإنسان حين يُقبل على منهج الله، يقيس الإقبال على هذا المنهج بما يُعطِيه له في الآخرة؛ فلسوف يعلم أنه مهما أعطى لنفسه من مُتَع الدنيا فعُمْره فيها مَوْقُوت بالقَدْر الذي قدَّره له الله، والحياة يمكن أن تنتهي عند أية لحظة. والحق سبحانه حين خبأ عن الناس أعمارهم في الدنيا، لم يَكُنْ هذا الإخفاء إبهاماً كما يظن البعض، وهذا الإبهام هو في حقيقته عَيْن البيان، فإشاعة حدوث الموت في أي زمن يجعل الإنسان في حالة ترقُّب. ولذلك فميتات الفُجَاءة لها حكمة أن يعرف كل إنسان أن الموت لا سببَ له، بل هو سبب في حَدِّ ذاته؛ سواء كان الموت في حادثة أو بسبب مرض أو فجأة، فالإنسان يتمتع في الدنيا على حسب عمره المحدد الموقوت عند الله، أما في الآخرة فإنه يتمتع على قدر إمدادات الخالق سبحانه. والإنسان المؤمن يقيس استمتاعه في الآخرة بقدرة الله على العطاء، وبإمكانات الحق لا إمكانات الخَلْق. وهَبْ أن إنساناً معزولاً عن أمر الآخرة، أي: أنه كافر بالآخرة وأخذها على أساس الدنيا فقط، نقول له: انظر إلى ما يُطلب منك نهياً؛ وما يُطلب منك أمراً، ولا تجعله لذاتك فقط، بل اجعله للمقابل لك من الملايين غيرك. سوف تجد أن نواهي المنهج إن منعتْك عن شر تفعله بغيرك؛ فقد منعتْ الغير أن يفعل بك الشر، في هذا مصلحة لك بالمقاييس المادية التي لا دَخْل للدين بها. ويجب أن نأخذ هذه المسألة في إطار قضية هي "دَرْء المفسدة مُقدّم على جَلْب المصلحة". وهَبْ أن إنساناً مُحباً لك أمسك بتفاحة وأراد أن يقذفها لك، بينما يوجد آخر كاره لك، ويحاول أن يقذفك في نفس اللحظة بحجر، وأطلق الاثنان ما في أيديهما تجاهك، هنا يجب أن تردَّ الحجر قبل أن تلتقط التفاحة، وهكذا يكون دَرْء المفسدة مُقدّماً على جَلْب المصلحة. وعلى الإنسان أن يقيس ذلك في كل أمر من الأمور؛ لأن كثيراً من أدوات الحضارات أو ابتكارات المدنية أو المخترعات العلمية قد تعطينا بعضاً من النفع، ولكن يثبت أن لها - من بعد ذلك - الكثير من الضرر. مثال هذا: هو اختراع مادة "د. د. ت" التي قتلت بعض الحشرات، وقتلت معها الكثير من الطيور المفيدة. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} تفسير : [الإسراء: 36]. وعليك أن تدرس أيَّ مُخْتَرع قبل استعماله؛ لترى نفعه وضرره قبل أن تستعمله. وقد رأينا مَنْ يُدخِلون الكهرباء إلى بيوتهم، يحاولون أن يرفعوا موقع "فِيَش" الكهرباء عن مستوى تناول الأطفال؛ كي لا يضيع طفل أصابعه في تلك الفتحات فتصعقهم الكهرباء، ووجدنا بعضاً من المهندسين قد صَمَّموا أجهزة تفصل الكهرباء آلياً إنْ لمستْها يَدُ بشر. وهذا هو دَرْء المفسدة المُقدَّم على جَلْب المنفعة، وعلينا أن نحتاط لمثل هذه الأمور. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق سبحانه يقول: {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]. وهل قوله: {أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ ..} [يوسف: 103]. نسبة للذين لا يؤمنون، يعني أن المؤمنين قلة؟ نقول: لا؛ لأن "أكثر" قد يقابله "أقل"، وقد يقابله "الكثير". ويقول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18]. وهكذا نجد أن كلمة "كثير" قد يقابلها أيضاً كلمة "كثير". وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لو حرص ما استطاع أن يجعل أكثر الناس مؤمنين، والحِرْص هو تعلُّق النفس وتعبئة مجهود للاحتفاظ بشيء نرى أنه يجلب لنا نفعاً أو يذهب بضُرٍّ، وهو استمساك يتطلب جهداً. ولذلك يوضح له الحق سبحانه: أنت لن تهدي مَنْ تحرص على هدايته. ويقول سبحانه: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ..} تفسير : [النحل: 37]. ومن هذه الآية نستفيد أن كل رسول عليه أن يوطن نفسه على أن الناس سيعقدون مقارناتٍ بين البدائل النفعية؛ وسيقعون في أخطاء اختيار غير الملائم لفائدتهم على المدى الطويل؛ فوطِّنْ نفسك يا محمد على ذلك. وإذا كنتَ يا رسول الله قد حملتَ الرسالة وتسألهم الإيمان لفائدتهم، فأنت تفعل ذلك دون أجر؛ رغم أنهم لو فَطِنوا إلى الأمر لكان يجب أن يقدروا أجراً لمن يهديهم سواء السبيل، لأن الأجر يُعْطَى لمن يقدم لك منفعة. والإنسان حريص على أن يدفع الأجر لمن يُعينه على منفعة؛ والمنفعة إما أن تكون موقوتة بزمن دنيوي ينتهي، وإما أن تكون منفعة ممتدة إلى ما لا نهاية؛ راحة في الدنيا وسعادة في الآخرة. ويأتي القرآن بقول الرسل: {أية : لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ..} تفسير : [الأنعام: 90]. ولم يَقُلْ ذلك اثنان هما: إبراهيم عليه السلام، وموسى عليه السلام. وكان العقل يقول: كان يجب على الناس لو أنها تُقدِّر التقدير السليم؛ أن تدفع أجراً للرسول الذي يُفسِّر لهم أحوال الكون، ويُطمئنهم على مصيرهم بعد الموت، ويشرح لهم منهج الحق، ويكون لهم أُسْوة حسنة. ونحن نجد في عالمنا المعاصر أن الأسرة تدفع الكثير للمدرس الخصوصي الذي يُلقِّن الابن مبادىء القراءة والكتابة، فما بالنا بمَنْ يضيء البصر والبصيرة بالهداية؟ ومقتضى الأمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقدم نفعاً أبدياً لمن يتبعه، لكنه لم يطلب أجراً. ويقول الحق سبحانه: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ } على إيمانهم { بِمُؤْمِنِينَ } فإن مداركهم ومقاصدهم قد أصبحت فاسدة، فلا ينفعهم حرص الناصحين عليهم ولو عدمت الموانع، بأن كانوا يعلمونهم ويدعونهم إلى ما فيه الخير لهم، ودفع الشر عنهم، من غير أجر ولا عوض، ولو أقاموا لهم من الشواهد والآيات الدالات على صدقهم ما أقاموا. ولهذا قال: { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } يتذكرون به ما ينفعهم ليفعلوه، وما يضرهم ليتركوه. { وَكَأَيِّنْ } أي: وكم { مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } دالة لهم على توحيد الله { وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }. ومع هذا إن وجد منهم بعض الإيمان فلا { يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } فهم وإن أقروا بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإنهم يشركون في ألوهية الله وتوحيده، فهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحال لم يبق عليهم إلا أن يحل بهم العذاب، ويفجأهم العقاب وهم آمنون، ولهذا قال: { أَفَأَمِنُوا } أي: الفاعلون لتلك الأفعال، المعرضون عن آيات الله { أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ } أي: عذاب يغشاهم ويعمهم ويستأصلهم، { أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } أي: فجأة { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: فإنهم قد استوجبوا لذلك، فليتوبوا إلى الله، ويتركوا ما يكون سببا في عقابهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):