Verse. 170 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِلٰـہُكُمْ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ۝۰ۚ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ھُوَالرَّحْمٰنُ الرَّحِيْمُ۝۱۶۳ۧ
Wailahukum ilahun wahidun la ilaha illa huwa alrrahmanu alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قالوا صف لنا ربك: «وإلهكم» المستحق للعبادة منكم «إِلهٌ واحد» لا نظير له في ذاته ولا في صفاته «لا إلهَ إلا هو» هو «الرحمن الرحيم» وطلبوا آيه على ذلك فنزل.

163

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } أما الواحد ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي: قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم. أحدهما: أن يكون اسماً والآخر أن يكون وصفاً، فالإسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد نحو: واحد اثنان ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف كما أن سائر أسماء العدد كذلك، وأما كونه صفة فنحو قولك مررت برجل واحد وهذا شيء واحد فإذا أجرى هذا الإسم على الحق سبحانه وتعالى جاز أن يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو الاسم كقولنا شيء ويقوي الأول قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } وأقول: تحقيق هذا الكلام في العقل أن الأشياء التي يصدق عليها إنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية، ومختلفة في خصوصيات ماهياتها، أعني كونها جوهراً، أو عرضاً، أو جسماً، أو مجرداً، ويصح أيضاً فعل كل واحد منهما، أعني ماهيته، وكونه واحداً مع الذهول عن الآخر، فإذن كون الجوهر جوهراً مثلاً غير، وكونه واحداً غير، والمركب منهما غير، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد، وهذا هو الاسم، وتارة يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتاً لشيء آخر، وهذا معنى كونه نعتاً. المسألة الثانية: الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا؟ اختلفوا فيها فقال قوم: إنها صفة زائدة على الذات، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا؛ هذا الجوهر واحد، فالمفهوم من كونه جوهراً، غير المفهوم من كونه واحداً، بدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحداً، ولا يشاركه في كونه جوهراً، ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهراً حال الذهول عن كونه واحداً والمعلوم مغايراً لغير المعلوم، ولأنه لو كان كونه واحداً نفس كونه جوهراً، لكان قولنا الجوهر واحد جارياً مجرى قولنا: الجوهر جوهر، ولأن مقابل الجوهر هو العرض، ومقابل الواحد هو الكثير، فثبت أن المفهوم من كونه واحداً، إما أن يكون سلبياً أو ثبوتياً لا جائز أن يكون سلبياً لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، فإن كانت الكثرة سلبية، والوحدة سلب الكثرة، كانت الوحدة سلباً للسلب وسلب السلب ثبوت، فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فلو كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمراً موجوداً وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن يقال إنه لا تحقق لها إلا في الذهن أولها تحقق خارج الذهن والأول باطل وإلا لم يكن الذهني مطابقاً لما في الخارج، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه واحداً وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن وجد ذهنياً وفرضياً واعتبارياً، فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات، واحتج من أبى كون الوحدة صفة ثبوتية بأن قال: لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات، كانت الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال. المسألة الثالثة: الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه واحد، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فإن العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها فإن قلت: عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة بالموجود فظن أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته والحق أنه ليس كذلك، لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيء مغاير لما به الانقسام. المسألة الرابعة: الحق سبحانه وتعالى {واحِدٌ } باعتبارين. أحدهما: أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة. والثاني: أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات، فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول، وليس واحد بالتفسير الثاني. والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركباً لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركباً، فإذن حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، لا كثرة مقدارية، كما تكون للأجسام، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاته أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه. أحدها: أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول: إن ذاته المخصوصة غير معلومة، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، فإذن هذه الصفات أمور زائدة على الذات. وثانيها: أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات: إنها عالمة أو ليست عالمة جارياً مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات، ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته فإن من قال: الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال: الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه، ولما كان قولنا: الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات. وثالثها: أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط وذاته ليست إلا شيئاً واحداً لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادراً تغني عن إقامة الدلالة على كونه عالماً، وعلى كونه حياً، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى دليل خاص، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات، إذا ثبت أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات، فنقول: هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، لا جائز أن تكون سلبية، لأن السلب نفي محض، والنفي المحض لا تخصص فيه، ولأنا جعلنا كونه عالماً قادراً عبارة عن نفي الجهل والعجز، فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي: وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب، فيكون ثبوتياً، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة، فإن الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع أنه غير موصوف بالعلم والقدرة، فثبت أن صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة، فكيف القول فيه؟ وإشكال آخر: وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة، فهناك أمور ثلاثة: تلك الحقيقة، وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية، فذلك ثالث ثلاثة، فأين التوحيد؟ وإشكال ثالث: وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا؟ فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية، وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب، فإنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات لأن الوجوب صفة لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية والانتساب مغاير بين الشيئين مغاير لكل واحد منهما من حيث هو فلأن تكون صفة ذلك الإنتساب مغايرة لهما أولى، وأيضاً فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمراً قائماً بالنفس ولأنا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه محال، فثبت أنه لو وجب موجود واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائداً على ذاته، فهناك أمران تلك الذات مع ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث. وإشكال رابع: وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها وهل يمكن التعبير عنها أم لا. والأول محال لأن الإخبار إنما يكون بشيء عن شيء، فالمخبر عنه غير المخبر به فهما أمران لا واحد، وإن لم يكن التعبير عنه فهو غير معلوم ألبتة لا بالنفي ولا بالإثبات فهو مغفول عنه، فهذا جملة ما في هذا المقام من السؤال: والجواب عن الأول: أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ولا شك أن المجموع مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها، ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات فهذا مما لا امتناع فيه عند العقل. وأما الإشكال الثاني: وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات فإذا نظرت إليها من حيث أنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد، فالجواب أن الذي ذكرته حق ولكن فرق بين النظر إليه من حيث أنه هو وبين النظر إليه من حيث أنه محكوم عليه بأنه واحد، فإذا نظرت إليه من حيث أنه هو مع ترك الإلتفات إلى أنه واحد فهناك تتحقق الوحدة وههنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره وهذا أيضاً هو الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب. أما الإشكال الرابع: وهو أنه هل يمكن التعبير عنه؟ فالحق أنه لا يمكن التعبير عنه لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر، والمخبر عنه مغاير للمخبر به لا محالة، فليس هناك توحيد، ولو أخبرت عنه بأنه لا يمكن الإخبار عنه، فهناك ذات مع سلب خاص، فلا يكون هناك توحيد فأما إذا نظرت إليه من حيث أنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات، فهناك تحقق الوصول إلى مبادىء عالم التوحيد، ثم الإلتفات المذكور لا يمكن التعبير عنه إلا بقوله {هو} فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في بحار التوحيد، وسنذكر شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى، أما الوحدة بالمعنى الثاني، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب الوجود، فكأن هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى، وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] أم الوحدة بالتفسير الأول، فليست من خواص ذات الحق سبحانه وتعالى لأنه لا شك في وجود موجودات وهذه الموجودات إما مفردات أو مركبات، فالمركب لا بد فيه من المفردات فثبت أنه لا بد من إثبات المفردات في عالم الممكنات، فالواحدية بالمعنى الأول ليست من الأمور التي توحد الحق سبحانه بها، أما الواحدية بالمعنى الثاني فالحق سبحانه وتعالى متوحد بها ومتفرد بها، ولا يشاركه في ذلك النعت شيء سواه، فهذه تلخيص الكلام في هذا المقام بحسب ما يليق بعقل البشر وفكره القاصر، مع الاعتراف بأنه سبحانه منزه عن تصرفات الأفكار والأوهام، وعلائق العقول والأفهام. المسألة الخامسة؛ قال الجُبائي: يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه أربعة: لأنه ليس بذي أبعاض، ولا بذي أجزاء، ولأنه منفرد بالقدم، ولأنه منفرد بالإلهية، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالماً بنفسه، وقادراً بنفسه، وأبو هاشم يقتصر على ثلاثة أوجه: فجعل تفرده بالقدم، وبصفات الذات وجهاً واحداً، قال القاضي: وفي هذه الآية المراد تفرده بالإلهية فقط، لأنه أضاف التوحيد إلى ذلك، ولذلك عقبه بقوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وقال أصحابنا: إنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، أما أنه واحد في ذاته فلأن تلك الذات المخصوصة التي هي المشارإليها بقولنا هو الحق سبحانه وتعالى إما أن تكون حاصلة في شخص آخر سواه، أو لا تكون، فإن كان الأول كان امتياز ذاته المعينة عن المعنى الآخر، لا بد وأن يكون بقيد زائد، فيكون هو في نفسه مركباً بما به الإشتراك وما به الإمتياز، فيكون ممكناً معلولاً مفتقراً وذلك محال، وإن لم يكن فقد ثبت أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له، وأما أنه واحد في صفاته فلأن موصوفيته سبحانه بصفات متميزة عن موصوفية غيره بصفات من وجوه. أحدها: أن كل ما عداه فانٍ، لأن حصول صفاته له لا تكون من نفسه بل من غيره وهو سبحانه يستحق حصول صفاته لنفسه لا لغيره. وثانيها: أن صفات غيره مختصة بزمان دون زمان لأنها حادثة، وصفات الحق ليست كذلك. وثالثها: أن صفات الحق غير متناهية بحسب المتعلقات، فإن علمه متعلق بجميع المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات، بل له في كل واحد من المعلومات الغير المتناهية معلومات غير متناهية لأنه يعلم في ذلك الجوهر الفرد أنه كيف كان ويكون حاله بحسب كل واحد من الأحياز المتناهية وبحسب كل واحد من الصفات المتناهية فهو سبحانه واحد في صفاته من هذه الجهة. ورابعها: أنه سبحانه ليست موصوفية ذاته بتلك الصفات بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذاته محلاً لها، ولا أيضاً بحسب كون ذاته مستكملة بها لأنا بينا أن الذات كالمبدأ لتلك الصفات فلو كانت الذات مستكملة بالصفات لكان المبدأ ناقصاً لذاته مستكملاً بالممكن لذاته وهو محال، بل ذاته مستكملة لذاته ومن لوازم ذلك الإستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال معه إلا أن التقسيم يعود في نفس الإستكمال فينتهي إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به. خامسها: أنه لا خبر عند العقول من كنه صفاته كما لا خبر عندها من كنه ذاته، وذلك لأنا لا نعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي لأجله ظهر الإحكام والإتقان في عالم المخلوقات، فالمعلوم من علمه أنه أمر ما لا ندري أنه ما هو ولكن نعلم منه أنه يلزمه هذا الأثر المحسوس، وكذا القول في كونه قادراً وحياً، فسبحان من ردع بنور عزته أنوار العقول والأفهام، وأما إنه سبحانه وتعالى واحد في أفعاله فالأمر ظاهر لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، فالواجب هو هو، والممكن ما عداه وكل ما كان ممكناً فإنه يجوز أن لا يوجد ما لم يتصل بالواجب ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات سواء كان ملكاً أو ملكاً أو كان فعلاً للعباد أو كان غير ذلك فثبت أن كل ما عداه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته واستيلائه، وعند هذا تدرك شمة من روائح أسرار قضائه وقدره، ويلوح لك شيء من حقائق قوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] وتعرف أن الموجود ليس البتة إلا ما هو هو، وما هو له وإذا وقعت سفينة الفكرة في هذه اللجة، فلو سارت إلى الأبد لم تقف، لأن السير إنما يكون من شيء إلى شيء، فالشيء الأول متروك، والشيء الثاني مطلوب وهما متغايران، فأنت بعد خارج عن عالم الفردانية والوحدانية، فأما إذا وصلت إلى برزخ عالم الحدوث والقدم، فهناك تنقطع الحركات، وتضمحل العلامات والأمارات، ولم يبق في العقول والألباب إلا مجرد أنه هو، فيا هو ويا من لا هو إلا هو أحسن إلى عبدك الضعيف، فإن عبدك بفنائك ومسكينك ببابك. المسألة السادسة: إن قيل: ما معنى إضافته بقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ } وهل تصح هذه الإضافة في كل الخلق أو لا تصح إلا في المكلف؟ قلنا: لما كان الإله هو يستحق أن يكون معبوداً والذي يليق به أن يكون معبوداً بهذا الوصف، إنما يتحقق بالنسبة إلى من يتصور منه عبادة الله تعالى، فإن هذه الإضافة صحيحة بالنسبة إلى كل المكلفين، وإلى جميع من تصح صيرورته مكلفاً تقديراً. المسألة السابعة: قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ } يدل على أن معنى الإله ما يصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود. المسألة الثامنة: قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } معناه أنه واحد في الإلهية، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد، وبأنه عالم واحد، ولما قال: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق، فقال: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وذلك لأن قولنا: لا رجل يقتضي نفي هذه الماهية، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فمتى حصل ذلك الفرد، فقد حصلت الماهية، وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية: فثبت أن قولنا: لا رجل يقتضي النفي العام الشامل، فإذا قيل بعد: إلا زيداً، أفاد التوحيد التام المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث. أحدها: أن جماعة من النحويين قالوا: الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير: لا إله لنا، أو لا إله في الوجود إلا الله، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك لأنك لو قلت: التقدير أنه لا إله لنا إلاالله، لكان هذا توحيداً لألهنا لا توحيد للإله المطلق، فحينئذ لا يبقى بين قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } وبين قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فرق، فيكون ذلك تكراراً محضاً، وأنه غير جائز، وأما لو قلنا: التقدير لا إله في الوجود، فذلك الإشكال زائل، إلا أنه يعود الإشكال من وجه آخر، وذلك لأنك إذا قلت: لا إله في الوجود لا إله إلا هو؛ كان هذا نفياً لوجود الإله الثاني، أما لو لم يضمر هذا الإضمار كان قولك: لا إله إلا الله نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى، فإن قيل: نفي الماهية كيف يعقل؟ فإنك إذا قلت السواد ليس بسواد، كان ذلك حكماً بأن السواد ليس بسواد، وهو غير معقول، أما إذا قلت: السواد ليس بموجود، فهذا معقول منتظم مستقيم، قلنا: بنفي الماهية أمر لا بد منه، فإنك إذا قلت: السواد ليس بموجود، فقد نفيت الوجود، والوجود من حيث هو وجود ماهية، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية أيضاً، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا: لا إله إلا الله على ظاهره، من غير حاجة إلى الإضمار، فإن قلت: إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود، قلت: فموصوفية الماهية بالوجود، هل هي أمر منفصل عن الماهية وعن الوجود أم لا، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفياً لتلك الماهية، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها، وحينئذ يعود التقريب المذكور، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمراً منفصلاً عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار ألبتة. البحث الثاني: فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور الإثبات، فإنك ما لم تتصور الوجود أولاً، استحال أن تتصور العدم، فأنت لا تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود. فتصور الوجود غني عن تصور العدم، وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات. والجواب: أن الأمر في العقل على ما ذكرت، إلا أن تقديم النفي على الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد. البحث الثالث: في كلمة {هُوَ } أعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهو قد تقدمت في {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } أما الأسرار المعنوية فنقول، اعلم أن الألفاظ على نوعين: مظهرة ومضمرة: أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على الماهيات المخصوصة من حيث هي هي، كالسواد، والبياض، والحجر، والإنسان، وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما، هو المتكلم، والمخاطب، والغائب، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين، وهي ثلاثة: أنا، وأنت، وهو، وأعرفها أنا، ثم أنت، ثم هو، والدليل على صحة هذا الترتيب أن تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الاشتباه، فإنه من المستحيل أن أصير مشتبهاً بغيري، أو يشتبه بي غيري، بخلاف أنت، فإنك قد تشتبه بغيرك، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني، وأيضاً فأنت أعرف من هو، فالحاصل أن أشد المضمرات عرفاناً أَنا وأشدها بعداً عن العرفان. (هو) وأما (أنت) فكالمتوسط بينهما، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه القضية، ومما يدل على أن أعرف الضمائر قولاً قولي (أنا) أن المتكلم حصل له عند الإنفراد لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث من غير فصل، لأن الفصل إنما يحتاج إليه عند الخوف من الإلتباس، وههنا لا يمكن الإلتباس، فلا حاجة إلى الفصل، وأما عند التثنية والجمع فاللفظ واحد، أما في المتصل فكقولك: شربنا، وأما المنفصل فقولك: نحن، وإنما كان كذلك للأمن من اللبس، وأما المخاطب فإنه فصل بين لفظ مؤنثه ومذكره، ويثنى ويجمع، لأنه قد يكون بحضرة المتكلم مؤنث ومذكر وهو مقبل عليهما، فيخاطب أحدهما فلا يعرف حتى يبينه بعلامة: وتثنية المخاطب وجمعه إنما حسن لهذه العلة، وأما إن الحاضر أعرف من الغائب فهذا أمر كالضروري، إذا عرفت هذا فنقول: ظهر أن عرفان كل شيء بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضراً أو غائباً؛ فالعرفان التام بالله ليس إلا الله: لأنه هو الذي يقول لنفسه (أنا) ولفظ (أنا) أعرف الأقسام الثلاثة، فلما لم يكن لأحد أن يسير إلى تلك الحقيقة بالضمير الذي هو أعرف الضمائر وهو قول (أنا) إلا له سبحانه علمنا أن العرفان التام به سبحانه وتعالى ليس الإله. بقي أن هناك قوماً يجوزون الاتحاد: الأرواح البشرية إذا استنارت بأنوار معرفة تلك الحقيقة اتحد العاقل بالمعقول وعند الاتحاد يصح لذلك العارف أن يقول: أنا الله إلا أن القول بالاتحاد غير معقول، لأن حال الاتحاد إن فنيا أو أحدهما، فذاك ليس باتحاد، وإن بقيا فهما اثنان لا واحد، ولما انسد هذا الطريق الذي هو أكمل الطرق في الإشارة بقي الطريقان الآخران، وهو (أنت) و (هو) أما (أنت) فهو للحاضرين في مقامات المكاشفات والمشاهدات لمن فني عن جميع الحظوظ البشرية على ما أخبر الله تعالى عن يونس عليه السلام أنه بعد أن فنى عن ظلمات عالم الحدوث وعن آثار الحدوث وصل إلى مقام الشهود فقال: {أية : فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ } تفسير : [الأنبياء: 87] وهذا ينبهك على أنه لا سبيل إلى الوصول إلى مقام المشاهدة والمخاطبة إلا بالغيبة عن كل ما سواه وقال محمد صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»تفسير : وأما {هو} فللغائبين، ثم ههنا بحث وهو: أن {هو} في حقه أشرف الأسماء، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن الإسم إما كلي أو جزئي، وأعني بكلي أن يكون مفهومه بحيث لا يمنع تصوره من وقوع الشركة، وأعني بالجزئي أن يكون نفس تصوره مانعاً من الشركة، وهو اللفظ الدال عليه من حيث إنه ذلك المعين، فإن كان الأول فالمشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه، لأنه لما كان المفهوم من ذلك الاسم أمراً لا يمنع الشركة وذاته المعينة سبحانه وتعالى مانعة من الشركة وجب القطع بأن المشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه، فإذن جميع الأسماء المشتقة: كالرحمن، والرحيم، والحكيم، والعليم، والقادر، لا يتناول ذاته المخصوصة ولا يدل عليها بوجه ألبتة، وإن كان الثاني فهو المسمى باسم العلم والعلم قائم مقام الإشارة فلا فرق بين قولك: يا زيد وبين قولك: يا أنت ويا هو. وإذا كان العلم قائماً مقام الإشارة فالعلم فرع واسم الإشارة أصل والأصل أشرف من الفرع، فقولنا: يا أنت، يا هو أشرف من سائر الأسماء بالكلية إلا أن الفرق أن (أنت) لفظ يتناول الحاضر و (هو) يتناول الغائب وفيه سر آخر وهو أن (هو) إنما يصح التعبير عنه إذا حصل في العقل صورة ذلك الشيء وقولك (هو) يتناول تلك الصورة وهي حاضرة، فقد عاد القول إلى أن (هو) أيضاً لا يتناول إلا الحاضر. وثانيها: أنا قد دللنا على أن حقيقة الحق منزهة عن جميع أنحاء التراكيب، والفرد المطلق لا يمكن نعته، لأن النعت يقتضي المغايرة بين الموصوف والصفة وعند حصول الغيرية لا تبقى الفردانية، وأيضاً لا يمكن الإخبار عنه لأن الإخبار يقتضي مخبراً عنه ومخبراً به وذلك ينافي الفردانية، فثبت أن جميع الأسماء المشتقة قاصرة عن الوصول إلى كنه حقيقة الحق وأما لفظ (هو) فإنه يصل إلى كنه تلك الحقيقة المفردة المبرأة عن جميع جهات الكثرة فهذه اللفظة لوصولها إلى كنه الحقيقة وجب أن تكون أشرف من سائر الألفاظ التي يمتنع وصولها إلى كنه تلك الحقيقة. وثالثها: أن الألفاظ المشتقة دالة على حصول صفة للذات ثم ماهيات صفة الحق أيضاً غير معلومة إلا بآثارها الظاهرة في عالم الحدوث، فلا يعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي باعتباره صح منه الإحكام والإتقان، ومن قدرته إلا أنها الأمر الذي باعتباره صح منه صدور الفعل والترك، فإذن هذه الصفات لا يمكننا تعقلها إلا عند الالتفات إلى الأحوال المختلفة في عالم الحدوث، فالألفاظ المشتقة لا تشير إلى الحق سبحانه وحده، بل تشير إليه وإلى عالم الحدوث معاً والناظر إلى شيئين لا يكون مستكملاً في كل واحد منهما بل يكون ناقصاً قاصراً، فإذن جميع الأسماء المشتقة لا تفيد كمال الاستغراق في مقام معرفة الحق بل كلها تصير حجاباً بين العبد وبين الاستغراق في معرفة الرب، وأما (هو) فإنه لفظ يدل عليه من حيث هو هو لا من حيث عرضت له إضافة أو نسبة بالقياس إلى عالم الحدوث، فكان لفظ (هو) يوصلك إلى الحق ويقطعك عما سواه، وما عداه من الأسماء فإنه لا يقطعك عما سواه، فكان لفظ (هو) أشرف. ورابعها: أن البراهين السالفة قد دلت على أن منبع الجلال والعزة هو الذات، وأن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لكمالها استلزمت صفات الكمال، ولفظ (هو) يوصلك إلى ينبوع الرحمة والعزة والعلو وهو الذات وسائر الألفاظ لا توقفك إلا في مقامات النعوت والصفات، فكان لفظ (هو) أشرف، فهذا ما خطر بالبال في الكشف عن أسرار لفظ (هو) وإليه الرغبة سبحانه في أن ينور بدرة من لمعات أنوارها صدورنا وأسرارنا، ويروح بها عقولنا وأرواحنا حتى نتخلص من ضيق عالم الحدوث إلى فسحة معارج القدم، ونرقى من حضيض ظلمة البشرية إلى سموات الأنوار وما ذلك عليه بعزيز. المسألة التاسعة: قال النحويون في قوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } ارتفع {هو} لأنه بدل من موضع {لا} مع الاسم ولنتكلم في قوله: ما جاءني رجل إلا زيد فقوله: إلا زيد مرفوع على البدلية لأن البدلية هي الإعراض عن الأول والأخذ بالثاني فكأنك قلت: ما جاءني إلا زيد وهذا معقول لأنه يفيد نفي المجيء عن الكل إلا عن زيد، أما قوله: جاءني إلا زيداً فههنا البدلية غير ممكنة لأنه يصير في التقدير: جاءني خلق إلا زيداً، وذلك يقتضي أنه جاء كل أحد إلا زيداً وذلك محال فظهر الفرق والله أعلم. أما (الرحمن الرحيم) فقد تقدم القول في تفسيرهما وبينا أن الرحمة في حقه سبحانه هي النعمة وفاعلها هو الراحم فإذا أردنا إفادة الكثرة قلنا (رحيم) وإذا أردنا المبالغة التامة التي ليست إلا له سبحانه قلنا {ٱلرَّحْمَـٰنُ }. واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية وإشعاراً بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان. الأولى: قوله تعالى: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لما حذّر تعالى من كتمان الحق بيّن أن أوّل ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر البرهان؛ وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع؛ ليعلم أنه لا بدّ له من فاعل لا يشبهه شيء. قال ٱبن عباس رضي الله عنهما: قالت كفار قريش: يا محمد ٱنسب لنا ربك؛ فأنزل الله تعالى سورة «الإخلاص» وهذه الآية. وكان للمشركين ثلثمائة وستون صنماً؛ فبيّن الله أنه واحد. الثانية: قوله تعالى: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نَفْيٌ وإثبات. أوّلها كفر وآخرها إيمان، ومعناه لا معبود إلا الله. وحُكي عن الشّبليّ رحمه الله أنه كان يقول: الله؛ ولا يقول: لا إلٰهَ؛ فسُئل عن ذلك فقال أخشى أن آخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار. قلت: وهذا من علومهم الدقيقة، التي ليست لها حقيقة؛ فإن الله جلّ ٱسمه ذكر هذا المعنى في كتابه نفياً وإثباتاً وكرره، ووعد بالثواب الجزيل لقائله على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم؛ خرّجه الموطأ والبخاريّ ومسلم وغيرهم. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان آخر كلامه لا إلٰه إلا الله دخل الجنة»تفسير : . خرّجه مسلم. والمقصود القلب لا اللسان؛ فلو قال: لا إلٰه ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات لكان من أهل الجنة بٱتفاق أهل السُّنة. وقد أتينا على معنى ٱسمه الواحد، ولا إلٰه إلا هو والرحمن الرحيم في «الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحنسى». والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} خطاب عام، أي المستحق منكم العبادة واحد لا شريك له يصح أن يعبد أو يسمى إلهاً. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تقرير للوحدانية، وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلهاً ولكن لا يستحق منهم العبادة. {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } كالحجة عليها، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها وفروعها وما سواه إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره، وهما خبران آخران لقوله إلهكم، أو لمبتدأ محذوف. قيل لما سمعه المشركون تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فائت بآية نعرف بها صدقكك فنزلت.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية، وأنه لاشريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم، وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة، وفي الحديث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} و{الۤمۤ * ٱللَّهُ لاَۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } [آل عمران: 1 ـ 2]»تفسير : ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قالوا صف لنا ربك: {وَإِلَٰهُكُمْ } المستحق للعبادة منكم {إِلَٰهٌ وٰحِدٌ } لا نظير له في ذاته ولا في صفاته {لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ } هو {ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ } .

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أراد بذلك أمرين: أحدهما: أن إله جميع الخلق واحد، لا كما ذهبت إليه عبدة الأصنام من العرب وغيرهم أن لكل قوم إلَهاً غير إله من سواهم. والثاني: أن الإله وإنْ كان إلهاً لجميع الخلق فهو واحد لا ثاني له ولا مثل له. ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {لآَّ إِلّهَ إِلاَّ هُوَ}، ثم وصف فقال: {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} ترغيباً في عبادته وحثاً على طاعته.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا ثاني له ولا نظير، أو إله جميع الخلق واحد بخلاف ما فعلته عبدة الأصنام فإنهم جعلوا لكل قوم إلهاً غير إله الآخرين. {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} رَغَّبهم بذكر ذلك في طاعته وعبادته.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}. قال ابن عرفة: الإلاه في اصطلاح المتقدمين من الأصوليين هو الغني بذاته المفتقر غيره إليه، وعند الأصوليين (المتأخرين) واللغويين هو المعبود تقربا، وبه يفهم قوله عز وجل {أية : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : وقول إبراهيم لأبيه آزر {أية : أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً}تفسير : وقول الله عز وجل {أية : ءَأَٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ }. تفسير : قال ابن عطية: ومعناه نفي (المثل) والنظير. وقال أبو العالية: (نفى) التبعيض (والانقسام). قال ابن عرفة: فعلى الأول نفي الكمّية المنفصلة وعلى الثاني نفي الكمية المتصلة، ويحتمل الأمرين إن قلنا إن الوحدة ينطلق عليها بالتواطُؤ، وإن كان إطلاقها عليها بالاشتراك فما يتم إلا على القول بتعميم المشترك، وقوله: نفي للتبعيض والانقسام صوابه أن يقول: نفي لقابلية (الانقسام) بمعنى واحد، أي (غير) معروض للانقسام فيخرج الجوهر الفرد لأنه لا ينقسم، لكنه في حيز والحيز منقسم. فإذا قلنا غير معروض للانقسام انتفى الجوهر الذي في الحيز. قوله تعالى: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ...}. (قال أبو حيان: "إِلاّ هو" بدل من اسم "لاَ". ورده المختصر وأنه لا يجوز أن يقال: لا إلَهَ إلا هو. ابن عرفة: لرده وجه آخر ذكره النحويون وهو أن يكون بدلا من مجموع "لا" واسمها، ومعناه الموجود الذي نفيت الألوهية عن غيره، وأثبت له هو الله. قلت: قال الأستاذ أبو العباس أحمد بن القصار. هذا ذكره النحويون وعادتي استشكله لأنه يلزم عليه بدل المثبت من المنفي، وكذلك قال سيبويه: لا رجلَ في الدار وامرأةً، بالنصب إنه معطوف على مجموع لا واسمها وكنت أنا أستشكله بأنّ "امرأة" مثبت فكيف يعطف المثبت على المنفي؟ وكان الأستاذ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن قيس يجيبني عنه بأنه معطوف على اسم "لا" فقط، لكنهم لما ركبوا "لا" مع اسمها وصار كجزء واحد، فالعطف عليه كالعطف على خبر الكلمة، كرهوا التصريح بالعطف عليه فقالوا: إنه معطوف على المجموع ومرادهم أنه معطوف على اسم لا فقط فكذلك يجيء هاهنا. قال أبو حيان: وقال صاحب المنتخب: المعنى لاَ إلاهَ لنا ولاَ إِلَهَ موجود، ورده المختصر بأنه يلزمه المفهوم في لاَ إِلاَهَ لنا و قوله لاَ إِلاهَ موجود باطل على مذهب المعتزلة. وأجاب ابن عرفة: أن الوجود على أربعة أقسام، فمنها وجود في الإيمان ووجود في الأذهان، فإن أراد الوجود في الإيمان فما قاله صحيح لأن أهل السّنة يمنعونه والمعتزلة يجيزونه، فيقولون: إن للمعدوم تقررا في العدم، وإن أراد الوجود في الأذهان فممنوع لأن اجتماع النقيضين باعتبار التصور الذهني فيه خلاف، فإن قلنا بامتناعه فكلام المجيب حق، وإن قلنا بصحته فكلام السائل صحيح. قلت: وقال الأستاذ ابن القصار: المعتزلة إنما قالوا: إنّ المعدوم ثابت في العدم ولم يقولوا أصلا: إنه موجود في العدم. فالموجود لا يثبت إلا في الوجود. قال أبو حيان عن الزمخشري في المفصل: لا يجوز أن تكون "إلاّ هو" خبراً عن "لا إلاه" لأنه بيان له فيمتنع الإخبار عنه به قال: وفيه بَحث. قال ابن عرفة: يظهر لي أنّ البحث الذي فيه هو أنّ الحكم قسمان: تقييدي، وإسنادي. فالبيان بالحكم التقييدي لا يصح والبيان بالإسنادي صحيح، نقول: زيد العاقل الكريم الشجاع، فإن كانت نعوتا امتنع البيان بها وإن كانت خبرا صح البيان بها. قلت: وقال ابن القصار: البحث الذي فيه هو أنّ الإسناد قيد في المبتدإ، فلا يصح أن يكون خبرا عنه لكنه نائب مناب الخبر، لأن التقدير: لا إلاه كائن في الوجود إلا هو، فهو استثناء من الضمير المستكن في كائن أو في الوجود، فلما حذف ذلك الخبر ناب هذا الاستثناء منابه، فهو نائب مناب الخبر، وقيد فيه، قال وهذا راجح في المعنى. قيل لابن عرفة: ثم قال أبو حيان بعد كلام طويل ذكره قال: فرق ابن الحاجب بين الرفع والنصب في قوله: ما قام القوم إلا زيد برفع زيد ونصبه؟ ابن عرفة: لا فرق بينهما في هذا والحال فيها واحد. قال ابن عرفة: وقد أغفل أبو حيان الفرق بينهما فقد) قال النحويون: إنك إذا قلت: ما قام القوم إلا زيد بالرفع يكون نفيت القيام عن القوم وأثبته لزيد. وإن قلت: إلا زيدا بالنصب يكون نفيت القيام عن القوم ونفيت ذلك النفي عن زيد ونفي الإثبات في حقه محتمل مشكوك فيه على (خلاف) في ذلك عندهم، فإذا قال قائل: لا إلاه إلا الله بالنصب فيلزمه الكفر لأن المراد نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها له. وهذا المعنى لايحصل إلا مع الرفع، وأمّا النّصب فما فيه إلا نفيها عما سوى الله ونفي ذلك (النفي) عن الله وأما الثبوت فلا. قيل لابن عرفة: إذا انتفت الألوهية عما سوى الله ثبتت له بالضرورة؟ فقال: يبقى القول (بالتعّطيل) فقال الله تعالى {أية : وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }. تفسير : قلنا: قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: إن مذهب سيبويه وجمهور البصريين أنك إذا قلت: "قام القوم إلا زيد" تكون أخرجت زيدا من القوم ومن وصفهم. ومذهب (الفراء) أنك أخرجت وصفه من وصفهم (ولم) تخرجه من (صفهم). ومذهب الكسائي أنك أخرجته هو منهم ولم تخرج وصفه من وصفهم فمعناه أنه لم يقم معهم أعمّ من أن يكون قام وحده أو لم يقم فالاستثناء عنده بالنصب محتمل وهذا البحث هنا إنّما هو على المشهور.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لا إله إلا هو} بالمد وكذلك جميع التهليل. روى الهاشمي عن ابن كثير لورود الأثر في هذه الكلمة وهو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال لا إله إلا الله ومدها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" تفسير : وروى أبو الفرج عن قتيبة "إلا" هو بالإمالة حيث كان. {الريح} مفرداً: حمزة وعلي وخلفٍ. الباقون: الرياح مجموعاً. الوقوف: {واحد} ج نظراً إلى أن ما بعده وصف آخر. وإلى الاختلاف بالنفي والإثبات {الرحيم} ه {من كل دابة} ص ضرورة طول الآية وإلا فاسم "إن" {لآيات} والجار وما يتصل به معترض، والأولى الوصل والرجوع. {يعقلون} ه. التفسير: الواحد قد يكون اسماً وذلك في العدد واحد، اثنان، ثلاثة. وقد يكون صفة كقولك "شخص واحد" ومعناه أنه لا ينقسم من جهة ما قيل: له إنه واحد. فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان، لأن الإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم إلى إنسانين، بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء وذلك من جهة أخرى. ثم زعم قوم أن الواحدية صفة زائدة على الذات لأن الجوهر قد يشارك العرض في كونه واحداً لا يشاركه في كونه جوهراً فقط، ولأنه يصح تعقل الجوهر مع الذهول عن كونه واحداً، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، ولأن قولنا "الجوهر واحد" ليس يجري مجرى قولنا "الجوهر جوهر" ولأن مقابل الجوهر العرض، ومقابل الواحد هو الكثير. ثم المفهوم من كونه واحداً أمر ثبوتي لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة. فإن كانت الكثرة سلبية وسلب السلب ثبوت فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب، وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية. ثم إنه لا يمكن أن يقال: إنه لا تحقق لها إلا في الذهن لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن يوجد في ذهننا واعتبارنا فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات. والجواب أن كون الشيء واحداً في ذاته معناه كونه بحيث يصح أن يدرك الذهن منه معنى الوحدة، وهذه الحيثية لا تتوقف على حصول الذهن في الخارج. ثم إن الوحدة لو كانت صفة زائدة على الذات كانت الوحدات متساوية في ماهية الوحدة ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة وحدة أخرى وهلم جرا وذلك محال، ثم إن شيئاً من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد، فإن العشرة الواحدة يعرض لها الوحدة من حيث هي عشرة واحدة. فإن قلت: عشر ثانٍ فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت لها الوحدة من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة. ولكن الوحدة تغاير الوجود لأن الموجود ينقسم إلى الواحد، والكثير والمنقسم إلى شيئين: مغاير لما به الانقسام. والواحد الحق سبحانه وتعالى واحد باعتبارين: أحدهما أن ذاته ليست مركبة من أمور كثيرة بل ولا من أمرين أيضاً وإليه الإشارة بقوله {إلهكم إله واحد} والخطاب للممكنات بأسرهم. والتذكير لتغليب ذوي العقول الذكور، وثانيهما أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب وفي كونه مبدأ لجميع الممكنات وهو المراد بقوله {لا إله إلا هو} ويمكن أن يقال: القرينتان تدلان على نفي الشريك إلا أن الأولى منهما تدل على إثبات وحدته في الإلهية بالمطابقة. ويلزم منه نفي الشريك كقولك "هو سيد واحد" تريد الوحدة في السيادة، فيلزم نفي أن يكون غيره سيداً. والقرينة الثانية تدل على نفي الشريك بالمطابقة. ثم على إثبات المعبودية بالحق فمعناه لا إله في الوجود إلا هو. وفيه نكتة شريفة وهي أن إثبات الحق وقع في كلتا القرينتين بالمطابقة ليعلم أنه المقصد الأسنى والغاية القصوى. وتحقيقه أن العارف له رجوع وعروج، وذلك أنه قد يفنى في عالم اللاهوت ويبقى ببقاء الحي الذي لا يموت، ويطالع عالم الشهود فيلزمه حينئذ نفي ما سوى الحق. وإذا رجع إلى عالم الناسوت ضرورة وجب عليه نفي كل من سواه حتى يعرج إلى المقصود. فهذا سر عكس الترتيب في القرينتين، ولأن الأولى مرتبة الصديقين السابقين فلا جرم وقع التكليف بالترتيب الأخير "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". ثم البرهان العقلي على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه لا يجمعه أجزاء مقدارية كما للأجسام، ولا يحصره أجزاء معنوية كما في البسائط النوعية، ولا أجزاء اعتبارية كما في البسائط الجنسية، هو أن كل مركب فإنه يفتقر في تحققه أجزائه، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجب الوجود لذاته. وأيضاً فكل ممكن فإن وجوده زائد على ماهيته في العقل والاعتبار فإنه يمكن تصور الممكن من حيث إنه ممكن مع الشك في وجوده الخارجي. ولكن لا يمكن تعقل الواجب من حيث إنه واجب مع الشك في وجوده، ولا نعني بكون الوجود زائداً على الماهية وغير زائد إلا هذا. وأما أنه تعالى وحده لا شريك له فلأن وجوب الوجود يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقراً في شيء إلى شيء أصلاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان في غاية الكمال ونهاية الجلال والجمال، ولا ريب أن من كمالات الجميل كونه عديم النظير. ومن تحقق معنى وجوب الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في وجوده تعالى ولا في أن واجب الوجود من جميع جهاته، وواجب الوجود في جميع صفاته، وواحد بجميع اعتباراته حتى عن حمل الوحدة عليه وعن تصور ذاته. وههنا حالة عجيبة، فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة. فاعرف هذه الأسرار لتتخلص عن ظلمات شبهات الأشرار وتفوز بمقامات الأبرار وتستغرق في بحار عالم الأنوار بعون الملك الجبار وشروق أنوار الواحد القهار. ولك أن تقول: إنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. أما أنه واحد في ذاته فلأنه لو شاركه غيره في حقيقته لزم تركبه مما به الاشتراك وما به الامتياز، وكل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن. وأما أنه واحد في صفاته فلأن صفات غيره من غيره وصفاته من نفسه، ولأن صفات غيره زمانية دون صفاته ولأن صفات غيره متناهية وصفاته غير متناهية كعلمه مثلاً، فإن له معلومات غير متناهية بل له في كل معلوم علوم غير متناهية بحسب أحياز ذلك المعلوم وأوقاته وسائر أحواله، ولأن موصوفية ذاته بالصفات ليست بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذات محلاً لها، ولا بمعنى أن ذاته تستكمل بها لأن ذاته كالمبدأ لتلك الصفات ولن يستكمل المبدأ بما عن المبدأ بل ذاته مستكملة بذاته. ومن لوازم ذلك الاستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال، وقد يفضي التقرير ههنا إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به، وتلك أنه لا خبر عند العقول من صفاته كما أنه لا خبر عندها من ذاته، فإنا لا نعرف من علمه إلا أنه الآمر الذي لأجله ظهر الأحكام والإتقان في المخلوقات، كما أنا لا نعلم من ذاته إلا أنه مبدأ جميع الممكنات. من طبع على قلبه مني بالخذلان، ومن كشف له الغطاء صار حيران فلا إحاطة للقطرة بكرة الماء، ولا ظهور لضوء السهى عند حلول الشمس. شعر : كبـد السـماء أشتاقـه فـإذا بـدا أطـرقـت مــن إجــلالــه لا خيفـــة بــل هيبــــة وصيـــانـة لجمــــالــه فــالمــوت فــي إدبــاره والعيــش فــي إقبــالـــه وأصــدّ عنـــه إذا بـــدا وأروم طيــف خيـــالـــه تفسير : وأما أنه واحد في أفعاله فلأن ما سواه ممكن الوجود لذاته، وبقدر البون بين الواجب للذات والممكن للذات يوجد التفاوت بين فعليهما إن فرض للممكن فعل من نفسه {أية : الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} تفسير : [الروم: 40] ثم إنه تعالى خص الموضع بذكر الرحمن الرحيم، لأن الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فقعبهما بذكر الصفتين ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية وإشعاراً بأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان {إن في خلق السموات والأرض} الآية. ذكر علماء المعاني في إيجاز هذه الآية أن في ترجيح وقوع أيّ ممكن كان على "لا وقوعه" لآيات للعقلاء. إلا أن الكلام لما كان مع الإنس أو الجن فحسب بل مع الثقلين، ولا مع قرن دون قرن بل مع القرون كلهم إلى انقراض الدنيا وفيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من لا يحصي من طوائف الغواة، لم يكن مقام أدعى لترك الإيجاز إلى الإطناب من هذا. عن عطاء قال: نزل بالمدينة على النبي صلى الله عليه وسلم {وإلهكم إله واحد} فقالت كفار قريش بمكة - ولهم حينئذ حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً -: كيف يسع الناس إله واحد؟ فنزلت {إن في خلق السموات والأرض} إلى آخرها وعن سعيد بن مسروق: لما نزلت {وإلهكم إله واحد} تعجب المشركون وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقاً فليأتنا بآية فنزلت. وزعم بعض الناس أن الخلق هو المخلوق وهو الذي يدل على الصانع. والتحقيق أنه غيره لأن الخلق التقدير، وتقدير المخلوقات غير نفس المخلوقات، ولو كان عينها والخالقية صفة لله تعالى لزم اتصافه تعالى بالقاذورات، والشياطين. ولأنه يصح تعليل حدوث الحادث بخلق الله تعالى فلا يصح تعليل حدوثه بنفس ذلك الحادث، ولأنه يصح أن يقال: خلق السواد وخلق البياض ومفهوم الخلق فيهما واحد، ومفهوم السواد غير مفهوم البياض، ولاتفاق المعتبرين من النحاة على أن العالم في قول "خلق الله العالم" مفعول به لا مفعول مطلق. ثم لا نزاع في الاستدلال على الخالق بالمخلوق، لكن لا من جهة عينه بل من جهة خلق الله إياه، وهذه الجهة التي صيرته آية. وقد عدد الله تعالى في هذه الآية ثماني آيات: الأولى: خلق السموات وقد تكلمنا في عددها وترتيبها في تفسير قوله تعالى {أية : فسوّاهن سبع سموات} تفسير : [البقرة: 29] وقد زعم أهل الهيئة لما شاهدوا من كل واحد من السيارات السبع حركات مختلفة كالبطء والسرعة بعد التوسط في الحركة والوقوف والرجوع بعد الاستقامة وهي الحركة على توالي البروج وعندهم مقدمتان كليتان إحداهما أن السمويات لا يتطرق إليها إلا الاختلاف الوضعي. الثانية: أن حركة الكوكب في الفلك ليست كحركة السمك في الماء ولكه يدور بإدارة الفلك إياه، أن كل واحد من أفلاك السيارات ينقسم إلى أفلاك أخر يتضمنها فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم، ومراكزها تخالف مركزه في الأغلب. ثم إن كان مع المخالفة في المركز محيطاً بالأرض يخص باسم الخارج المركز ويبقى بعد توهم انفصاله من الفلك الكلي جسمان تعليميان متبادلاً وضع الغلظ والرقة يسميان المتممين، وإن لم يكن محيطاً بالأرض سمي بالتدوير، ويكون الكوكب مركوزاً فيه كالفص في الخاتم. ويلزم له من مجموع الحركات المركبة من تلك الأفلاك حركة مختلفة في النظر، وإن كان كل منهما متشابهاً في نفس الأمر، ويعني بالتشابه ههنا أن يقطع المتحرك من المحيط في أزمنة متساوية قسياً متساوية، أو يحدث عند المركز زوايا متساوية وبالاختلاف نقيض ذلك. فللقمر من تلك الأفلاك أربعة: اثنان متوافقان في المركز وخارج وتدوير. وللعطارد أربعة: أحدها يوافق مركزه مركز العالم وخارجان وتدوير. وللزهرة ثلاثة: وللشمس اثنان: موافق وخارج. ولكل من الثلاثة العلوية كما للزهرة. ومقادير حركات هذه الأفلاك بسيطة موضوعة في الزيجات، وأما المختلفة فالشمس تقطع جميع الفلك في سنة شمسية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وكل من عطارد والزهرة كالشمس وزحل في ثلاثين سنة، والمريخ في سنتين، والمشتري في اثنتي عشرة سنة جميع ذلك بالتقريب. وإذا تقرر ذلك على الإجمال فنقول في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال: إن اختصاص مقادير كل واحد من الأفلاك بمقدار معين مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، تدل على مخصص مدبر مختار خبير قهار. وكذا تخصص كل منها بحيز معين، وكذا تعيين نقطتين من سطح الفلك للقطبية مع تساوي جميع النقط المفروضة عليه في صلوح ذلك، وكذا حصول الكواكب أو التدوير في جانب معين من الفلك، وكذا تفصيل الأفلاك الكلية إلى الخوارج المراكز وإبقاء المتممات على أقدار معينة في الرقة والغلظ، وكذا تعيين كل من الأجرام بحركة معينة. السيارات كما قلنا آنفاً والثوابت بحيث تتم دوراً في ستة وثلاثين ألف سنة على ما في المجسطي، أو في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة عند المتأخرين، والفلك الأعظم في يوم بليلة. وكذا تعيين جهات الحركات شرقاً أو غرباً أو شمالاً أو جنوباً، وكذا تعيين مبادئ الحركات وتخصيصها بزمان دون زمان، فإن الأفلاك سواء قلنا أن ذواتها حادثة أو يقال إنها أزلية، لا بد أن يكون لحركاتها أول فإن الحركة انتقال من حالة إلى حالة، وكون الحركة أزلية ينافي المسبوقية بالغير. فالابتداء بالحركة بعد أن لم تكن يقتضي الافتقار إلى فاعل مختار يكون الكل تحت قهره وتسخيره، وكذا تخصيص كل من الكواكب بعظم آخر وبلون آخر وبلون آخر كصفرة عطارد وبياض الزهرة كمودة زحل ودريّة المشتري وحمرة المريخ وظلمة القمر في ذاته بحيث إذا حال حائل بين الناظر وبين الشمس - وذلك في الاجتماع المرئي - كسفه. وكذا اختلاف تأثيراتها في هذا العالم بإذن خالقها. وبالجملة فإن هذا الترتيب العجيب والنسق الأنيق في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركتها وارتباط أجرامها واختلاف أوضاعها المستتبعة لاتصالاتها وانصرافاتها، أترى أنها مبنية على حكمة وبقدرة قدير خبير أم هي واقعة عبثاً وجزافاً؟ هيهات فإن من جوّز في بناء رفيع وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر ثم تولد منهما اللبنات ثم تركبت تلك اللبنات وتولدت من تركيبها القصر ثم تزين بنفسه بالنقوش الغريبة والرسوم اللطيفة، قضى العقل له بالجنون وسجل عليه بسخافة الرأي بل يعد من زمرة الأنعام من جملة الأنام. الآية الثانية خلق الأرض: ومن تأمل في شكلها من الاستدارة وفي حيزها من كونها واقعة في مركز العالم حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها مخروط ظلي في مقابلة الشمس متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى السماء حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكواكب بسمت رؤوس قطان البلدان وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً} تفسير : [البقرة: 22] علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير واحد في ملكه يفعل ما يشاء كما يشاء من غير منازع ومعاند. الثالثة: اختلاف الليل والنهار: أما النهار فإنه عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق. وفي عرف الشرع: زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس. وأما الليل، فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك لأن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعاً عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جداً وانبسط النور حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق طلع مركز جرم الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان أي يتعاقبان مجيئاً وذهاباً كقوله {أية : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} تفسير : [الفرقان: 62] أو يختلفان ظلاماً وضياءً أو طولاً وقصراً لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ضرورة كون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة. أو كيف يختلفان في الأمكنة فإن نهار كل بقعة تقابلها ضرورة كروية الأرض. أو كيف يختلفان باختلاف البلدان فإن البلد كلما ازداد عرضاً عن خط الاستواء - وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم المسماة معدل النهار - ازداد نهاره في الصيف طولاً وفي الشتاء قصراً وبالعكس في الليل وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب إلى حيث يصير اليوم بليلته نهاراً كله وبإزائه الليل، ثم إلى أكثر من ذلك إلى حيث يكون نصف السنة نهاراً ونصفها الآخر ليلاً وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذياً لسمت الرأس ولا عمارة هناك، ولا حيث يزيد النهار الأطول على يوم بليلته لشدة البرد اللازم من قبل انخفاض الشمس. وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام والنوم والراحة في الليالي. ومن الغرائب تعاون المتنافيين على أمر واحد هو إصلاح معاش الحيوان، وأن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولاً عند النفخة الأولى، ويقظتهم عند طلوع الفجر تضاهي عود الحياة إليهم في النفخة الثانية، وانشقاق ظلمة الليل بظهور الفجر المستطيل فيه من أعجب الأشياء كأنه جدول ماء صاف يسيل فيما بين بحر كدر بحيث لا يمتزجان. وكل هذه الأمور دلائل على وجود مبدع عظيم الشأن غني عن الزمان والمكان مبرأ عن سمات الحدوث والإمكان. الرابعة: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس أي متلبسة بالذي ينفعهم مما يحمل فيها، أو بنفع الناس. والفلك بالضم والسكون السفينة، واحد وجمع. فضمة الواحد ضمة برد وضمة الجمع ضمة أسد، وتأنيث صفته ههنا أن يكون لتضمين معنى السفينة، ويحتمل أن يكون لمعنى الجمعية أي المراكب التي تجري، والتركيب يدل على الاستدارة والدوران ومنه "الفلك جسم كروي يحيط به سطحان متوازيان مركزهما واحد" "وفلكة المغزل" "وفلك ثدي الجارية استدار". والبحر خلاف البر. قيل: سمي بذلك لاتساعه وتعمقه ومنه "تبحر في العلم والمال" ويسمى الفرس الواسع الجري بحراً. قال صلى الله عليه وسلم في فرس أبي طلحة: حديث : إن وجدناه لبحراً تفسير : وقيل: من الشق بحرت أذن الناقة شققتها. ومنه البحيرة. هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً} تفسير : [البقرة: 22]. أن الماء محيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط. وقد دخل من ذلك الماء من جانب الجنوب متصلاً بالمحيط الشرقي ومنقطعاً عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خلجان: أولها إذا ابتدئ من الغرب الخليج البربري لكونه حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة وستون فرسخاً، وعرضه خمسة وثلاثون فرسخاً. وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة. وثانيها الخليج الأحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخاً، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرقي النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بلاد الزنج من البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز، ثم سواحل اليمن، ثم عدن على الزاوية الشرقية منه. وثالثها خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه قريب مائة وثمانين، وعلى سواحل ضلعه الغربي اليمن وبلاد عمان ولهذا ينسب البحر هناك إليها. وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا البحر والشرقي من الخليج الأحمر، فلهذا تسمى العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة زاد الله شرفها. وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند. ورابعها الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال. ضلعه الشرقي من بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران يتصل بالمحيط الشرقي. وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريباً. وعلى سواحل هذا الضلع ولايات القتا والصين ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الشرقية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولاياتهم على سواحله، وأيضاً قد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد أندلس والجلانقة والصقالبة إلى بلاد الروم والشام، ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار يسمى بحر ورتك. طوله المعلوم مائة فرسخ، وعرضه ثلاثة وثلاثون. وإذا جاوز تلك النواحي امتدّ نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأراض غير مسكونة، ويتشعب منه أيضاً شعبة تسمى بحر طرابزون. فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط. أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الأبواب والخرز والبكون، لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مائتين وخمسين فرسخاً، ومن الجنوب إلى الشمال تقريب من مائتين. ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الأعظام والأنواع والأصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها. فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة ألف وثلثمائة وسبعون، منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر تقابل أرض الهند في ناحية المشرق. وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرنديب دورها ثلاثة آلاف ميل، فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر. وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة "كلة" التي يجلب منها الرصاص القلعي، وجزيرة "سريرة" التي يجلب منها الكافور. وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج وسئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه. والسفينة مما ألهم الله تعالى تركيبها ثم أجراها بقدرته على وجه الماء، فلولا رقة الماء وخفة مادة السفينة ثم عجيب صنعتها لما تم جريها، ولولا الرياح المعينة على تحركها لما تكامل النفع بها، ولولا اعتدال الريح لما سلمت من تلاطم الأمواج، ولولا تقوية قلوب راكبيها لما صبروا على شدائد ركوبها، ولولا أنه تعالى خص كل طرف بشيء لم تنبعث الدواعي إلى اقتحام الأخطار في هذه الأسفار وحمل الأمتعة إلى الأمصار في البراري والبحار، فلا جرم ينتفع الحامل من حيث إنه يربح، وينتفع المحمول إليه من حيث إنه يجد ما أعوزه. وفي الآية دليل على إباحة ركوب السفينة وإباحة الانتفاع بالتجارة. الخامسة: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} أما نزول المطر من السماء فقد مر تحقيق ذلك في تفسير قوله تعالى {أية : أو كصيبٍ من السماء} تفسير : [البقرة: 19] وأن المراد من السماء السحاب أو التقدير من جانب السماء. وأما تنكير {من ماء} فلأن الغرض الوحدة الشخصية أو الصنفية يعني ماء هو سبب حياة الأرض لا المطر الذي قد لا ينبت شيئاً كما جاء في الحديث "حديث : ليس السنة بالتي لا تمطر وإنما السنة التي تمطر ولا تنبت"تفسير : ولا ريب أن في إنزال ذلك الماء دلالات على الصانع ووحدانيته حيث جعله في غاية الصفاء واللطافة والعذوبة وصيره سبباً للأرزاق وأنزله بعد قنوط الناس منه وشدة احتياجهم إليه وأودع في نزوله حياة الأرض أي حسنها ونضارتها ورواءها وبهجتها وخضرتها بخروج أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار وأنواع الأشجار والأثمار وجريان الجداول بينها والأنهار بحيث تروق الناظرين وتشوق السامعين. شعر : فـوقـت الـربيـع فـي الأزمـان كســن الصبـا فـي الأسنــان تفسير : وموت الأرض من ترشيح الاستعارة، فإنه لما عبر عن بهجتها ونضرتها وخضرتها بالحياة، عبر عن جمودها وكمودتها وبقائها على الهيئة الأصلية بالموت كأنها جسد لا روح فيه. فلا دواء عليه. السادسة: {وبث فيها من كل دابةٍ} وإنه معطوف على {أنزل} فيدخل تحت حكم الصلة، ويصح عود الضمير {فيها} إلى الأرض لأن قوله {فأحيا} عطف على {أنزل} فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد. فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ويجوز عطفه على {أحيا} أي فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابةٍ، لأن معاش الحيوان بل حياته يدور على الماء {أية : وجعلنا من الماء كل شيء حي} تفسير : [الأنبياء: 30]. واعلم أن الحيوان إما توليدي أو توالدي، وكلا الصنفين يحتاج إلى صانع فردٍ حكيم. يحكى أن شخصاً قال بحضرة عمر: إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر: ههنا ما هو أعجب منه، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير ألبتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبداً يشتبهان في الصورة. فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم. ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب. السابعة: تصريف الله تعالى الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد، وبجريان السفن بهبوب الرياح، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله تعالى، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع. والمراد بتصريفها تقليبها في جهات العالم على حسب المصالح شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً أي صباً ودبوراً على كيفيات متخالفة حارّة وباردة وعاصفة ورخاء. ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام، والذي جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح قال: حديث : اللَّهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً. تفسير : فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما قال تعالى: {أية : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} تفسير : [الروم: 46] وقال {أية : وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} تفسير : [الذاريات: 41] وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء فتكون أمارة له. فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله {وما يدريك} مبهم غير معين قال {أية : وما يدريك لعل الساعة قريب} تفسير : [الشورى: 17] وما كان من لفظ "أدراك" فإنه مفسر {أية : وما أدراك ما القارعة}تفسير : [القارعة: 3] {أية : وما أدراك ما هيه} تفسير : [القارعة: 10]. الثامنة: السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحاباً لانسحابه في الهواء. ومعنى التسخير التذليل. وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر. وأيضاً لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة. وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على الرعد والبرق والسحمة والتطبيق إلى غير ذلك من العجائب دلالات واضحة على كمال حكمة موجده ومقدّره. وأما قوله تعالى {الآيات} فيحتمل أن يكون راجعاً إلى الكل أي مجموع هذه الأشياء الثمانية آيات، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد فإن كل واحد منها يدل على مدلولات كثيرة كما فصلنا. وأيضاً فكل واحدة منها من حيث إنها موجودة فدل على وجود موجدها، وكونه قادراً ومن حيث إنها وقعت على وجه الإحكام والإتقان تدل على علم الصانع، ومن حيث حدوثها واختصاصها بوقتٍ دون وقت تدل على إرادته واختياره، ومن حيث إنها وجدت على الاتساق والانتظام دلت على وحدانية الله تعالى {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} تفسير : [الأنبياء: 22]. وأما قوله تعالى {لقوم يعقلون} فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه والاستدلال به. وفي الآية من الفوائد أن التقليد مذموم فيما إلى تحقيقه سبيل. وفيها أن جميع المعارف ليست ضرورية وإلا لم يحتج إلى النظر في شيء منها، وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ذرّة من الذرات، لأنها جامعة بين كونها نعماً على المكلفين، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيراً في الخواطر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويلٌ لمن قرأ هذه الآية فمج بها"تفسير : أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها حسبي الله ونعم الوكيل.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ...} الآية: إِعلام بالوحدانيّة. قال عطاءٌ: لما نزلَتْ هذه الآية بالمدينَةِ، قال كفَّار قريشٍ بمكَّة: ما الدليلُ علَىٰ هذا، وما آيته، وعلامته؟ ونحوه عن ابن المُسَيَّب، فنزل عنْد ذلك قولُه تعالَىٰ: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية، أي: في اختراعها وإنشائها. و {ٱلنَّهَارِ}: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «حديث : إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَسَوَادُ الَّليْلِ» تفسير : ، وهذا هو مقتضى الفقْهِ في الأيْمَانِ ونحوها، وأما على ظاهر اللغة، وأخذه من السعة، فهو من الإِسْفَار، وقال الزَّجَّاج في «كتاب الأنوار»: أَوَّلُ النهارِ ذُرُورُ الشمسِ، قال: وزعم النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ؛ أن أول النهار ابتداءُ طلوعِ الشمسِ، ولا يعدُّ ما قبل ذلك من النَّهار. قال: * ع *: وقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو الحَكَم. {وَٱلْفُلْكِ }: السُّفُن، ومفرده وجمعه بلفظ واحد. {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِن مَّاءٍ} يعني به الأمطارَ، {وَبَثَّ}: معناه: فرق، وبسط، و {دَآبَّةٍ}: تجمع الحيوان كلَّه. و {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ}: إِرسالها عقيماً، وملقَّحة وَصِرًّا ونَصْراً وهلاكاً وجنوباً وشَمالاً وغير ذلك، والرِّيَاحُ: جمع ريحٍ، وجاءت في القرآن مجموعةً مع الرحمة، مفردةً مع العذاب، إِلا في «يُونُسُ» في قوله سبحانَه: {أية : وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } تفسير : [يونس:22] وهذا، أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديثِ: «حديث : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ، ٱجْعَلْهَا رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً»تفسير : ، وذلك لأن ريح العذابِ شديدةٌ ملتئمة الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجـــيء من ههنا وههنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك؛ لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ»، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ: إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع. {وَٱلسَّحَابِ }: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك؛ لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.

ابن عادل

تفسير : قوله: "إلهٌ وَاحدٌ" خبر المبتدأ، و"وَاحِدٌ" صفةٌ، وهو الخبر في الحقيقة؛ لأنَّه مَحَطّ الفائدةَ، ألاَ ترى أنَّه لو اقتصر [على ما قَبْلَه، لم يُفد، وهذا يُشْبهُ الحالَ الموطِّئة؛ نحو: "مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلاً صَالِحاً" فـ"رَجُلاً" حالٌ] وليستْ مقصودة، إِنَّما المقصودُ وصْفُها. قال أبو عليٍّ: قولُهُمْ واحدٌ: اسمٌ جَرَى على وَجْهَيْن في كلامِهِم. أحدهما: أن يكونَ اسماً. والآخَرُ: أن يكونَ وَصْفاً، فالاسْمُ قولُهُمْ في العَدَد: واحد، اثْنَانِ، ثلاثةٌ، فهذا اسمٌ لَيْسَ بوصف، كما أنَّ سائر أسماء العَدد كذلك، وأَمَّا كونُهُ صفةً؛ فقولُكَ: مَرَرْتُ برَجُلٍ وَاحِدٍ، وهَذَا شَيءٌ وَاحِدٌ، فإذا جرى هذا الاسمُ على الحَقِّ سُبْحانه وتعالى، جاز أن يكون الذي هو الوصفُ كالعالِم والقادِرِ، وَجَازَ أن يكون الذي هو الاسْمُ كقولكِ شَيْء ويقوِّي الأوَّل قوله تعالى: {وَإِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحدٌ}. فصل في وجوه وصفه تعالى بأنه واحد قال الجُبَّائِيُّ: وُصِفَ اللَّه بأنَّه واحدٌ منْ وجُوهٍ أربعة: لأنَّه ليس بذي أبْعَاضٍ، ولا بذِي أَجْزَاء؛ ولأنَّه منفردٌ [بالقِدَمِ؛ ولأنَّه مُنْفَردٌ] بالإلهيَّة؛ ولأنه منفردٌ بصفات ذاتِهِ؛ نَحُو كوْنِهِ [عَالِماً بنَفْسِه، قَادِراً بنَفْسِهِ. قوله تعالى: "إلا هُوَ": رفع "هُوَ" على أنه] بدلٌ من اسْم "لا" على المَحَلِّ؛ إذ محلُّه الرفْعُ على الابتداء، أو هو بَدَلٌ من "لاَ" وما عملتْ فيه، لأنَّها وما بعْدَها في مَحلِّ رفْعٍ بالابتداء، وقد تَقدَّم تقريرُ ذلك، ولا يجُوزُ أنْ يَكُون "هو" خبر "لاَ" التَّبْرِئَةِ، لما تقرَّر من أنَّها لا تعملُ في المَعَارف، بَلِ الخَبر مَحْذُوفٌ، أي: "لاَ إِلهَ لَنَا" هذا إذا فَرَّعنا على أنَّ "لاَ" المبنيَّ معها اسْمُها عاملةٌ في الخَبَرِ، أمَّا إذا جعلْنَا الخَبَرَ مَرْفُوعا بما كان علَيْه قَبْل دخولِ "لاَ" ولَيْسَ لها فيه عَمَلٌ وهو مذهبُ سيبَوَيْهِ فكَان ينبغي أن يكون "هُوَ" خبراً إلاَّ أنَّه مَنَع منه كوْنُ المبتدأ نكرةً، والخبَر معرفةً، وهو ممنوعٌ إلاَّ في ضرائر الشِّعْر في بَعْض الأَبْوَاب. واستَشكَلَ الشَّيْخُ أبو حَيَّان كَونَهُ بَدَلاً منْ "إِلَهَ". [قال: لأنَّه لَمْ يمكنْ تكريرُ العَامِلِ؛ لا نقولُ: "لاَ رَجُلَ إِلاَّ زَيْدٌ" والذي يظهر أنه لَيْسَ بدلاً من "إلَه"] ولا مِنْ "رَجُل" في قولك: "لاَ رَجُلَ إِلاَّ زَيْدٌ"، إنما هو بَدَلٌ من الضَّمير المستكنِّ في الخبر [المحْذُوفِ، فإذا قلنا: لا رجل إلاّ زيَدٌ، فالتقديرُ: "لاَ رَجُلَ كائنٌ، أو مَوْجُودٌ إِلاَّ زَيْدٌ"، فـ"زَيْدٌ" بدلٌ من الضمير المستكنِّ في الخبر] لا مِنْ "رَجُل"، فليس بدلاً على مَوْضِع اسم "لا"، وَإِنَّما هو بدلٌ مَرْفُوعٌ منْ ضمير مَرْفوعٍ، وذلك الضَّميرُ هو عائدٌ على اسم "لا"، ولولا تصريح النَّحويِّين: أنَّه بَدَلٌ على الموضِعِ مِنِ اسم"لاَ"، لتأوَّلنا كلامَهُمْ على ما تقدَّم تأويلُهُ. قال شهاب الدين: والَّذي قالُوهُ غَيْرُ مُشْكِلٍ؛ لأنهم لم يقولُوا: هو بدَلٌ من اسْم "لاَ" على اللَّفظِ؛ حتى يلزمَهُمْ تكريرُ العامِلِ، وإنَّما كان يشكلُ لو أجازُوا إبْدَالَهُ مِن اسْمِ "لاَ" على اللَّفظِ، وهم لم يجيزوا ذلك لعَدَم تكير العَامِلِ، ولذلك منعوا وجْهَ البَدَلِ في قولهمْ "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ" وجعلُوهُ انتصاباً على الاستِثْناءِ، وأَجَازُوهُ في قولك: "لا رَجُلَ في الدَّارِ إلاَّ صاحِباً لك" لأنَّه يُمْكِن فيه تكريرُ العَامِلِ. قوله تعالى: "الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ" فيه أربعةُ أوْجُهٍ: أحدها: أن يكونَ بَدَلاً منْ "هُوَ" بدَلَ ظاهرٍ مِنْ مُضْمَرٍ، إلا أن هذا يُؤَدِّي إلى البَدَلِ بالمُشْتقَّاتِ وهو قليلٌ؛ ويُمْكِنُ أنْ يجاب بأنَّ هاتَين الصفتَيْن جَرَتا مَجْرَى الجوامِدِ ولا سِيَّمَا عنْدَ من يَجْعل [الرَّحْمن] علماً، وقد تقدَّم تحقيقُهُ في "البَسْمَلَةِ". الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هُو الرَّحْمَنُ، وحسَّنَ حذْفَهُ توالي اللفْظِ بـ"هُوَ" مرَّتَيْن. الثالث: أن يكوم خبراً ثالثاً لقوله: "وَإلَهُكُمْ" أخبر عنْهُ بقوله: "إِلَهٌ وَاحِدٌ" وبقوله: "لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ" وبقوله: "الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ"، وذلك عند مَنْ يَرَى تعدّدَ الخَبَرِ مُطْلقاً. الرابع: أن يكون صفةً لقولِهِ "هُوَ"، و[ذلك] عند الكِسَائِيِّ؛ فإنَّه يجيزُ وَصف الضَّمير الغائب بصفة المَدح، فاشترط في وصف الضَّمير هذَين الشَّرْطَين: أن يكون غائباً، وأن تكون الصفَةُ صفةَ مَدْحٍ؛ وإن كان ابنُ مالكٍ أطْلَقَ عَنْه جوازَ وَصْفِ ضمير الغائِب، ولا يجوز أنْ يكُون خبراً لـ"هُوَ" هذه المذكورةِ؛ لأنَّ المستثنى ليْسَ بجُملةٍ. فصل في سبب النُّزُول قال ابن عبَّاسِ: سَبَبُ نُزُول هذه الآية أَنَّ كُفَّار قُرَيش قالوا: يا مُحَمَّد، صِفْ وانسُبْ لَنَا رَبَّكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى سُورَةَ الإخْلاَصِ، وهَذه الآيَة. قال أبو الضُّحَى: لمَّا نزلَّتْ هذه الآيةُ، قال المُشْرِكُون: إنَّ محمَّداً يقُولُ: إلَهكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ، إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَنْزل اللَّهُ - عَزَّ وَجَّل -: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [والمرادُ بالخَلْق هنا المخلُوقُ. قال أبو مسلم: وأصْلُ الخَلْق التقديرُ؛ قالَ تعالى: {أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}تفسير : [الفرقان: 2].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وأبو مسلم الكجي في السنن وابن الضريس وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ‏{‏وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم‏}‏ و ‏{الۤمۤ، الله لا إله إلا هو الحي القيوم‏} ‏[آل عمران: 1 - 2‏] ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الديلمي عن أنس ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ليس شيء أشد على مردة الجن من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة ‏{‏وإلهكم إله واحد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيتين‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن وثمة قال‏:‏ الآيات التي يدفع الله بهن من اللمم من لزمهن في كل يوم ذهب عنه ما يجد ‏ {‏وإلهكم إله واحد‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وآية الكرسي، وخاتمة البقرة، و {‏أية : إن ربكم الله‏}‏تفسير : ‏[‏الأعراف: 54‏]‏ إلى المحسنين، وآخر الحشر، بلغنا إنهن مكتوبات في زوايا العرش، وكان يقول‏:‏ اكتبوهن لصبيانكم من الفزع واللمم‏.‏

القشيري

تفسير : شَرَّفهم غايةَ التشريف بقوله {وَإِلَـٰهُكُمْ}. وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا: علامةُ من يَعُدُّه من خاصَّ الخواص أن يقول له: عبدي، وذلك أتمُّ من هذا بكثير لأن قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ}: وإضافة نَعْتِهِ أتمُّ من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لَكَ بلا عِلَّة، وكونُك له عبد يُعوِّض كل نقصك وآفتك. ومتى قال لكم {وَإِلَـٰهُكُمْ}. حين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل الأزل حين لا حِينَ، ولا أوَانَ، ولا رسم ولا حدثان. و (الوَاحِدُ) من لا مِثْلَ له يدانيه، ولا شكل يلاقيه. لا قسيم يجانسه ولا نديم يؤانسه. لا شريكَ يعاضده ولا مُعِين يساعده ولا منازعَ يعانده. أحديُّ الحق صمديُّ العين ديموميُّ البقاء أبديُّ العز أزليُّ الذات. واحدٌ في عز سنائه فَردٌ في جلال بهائه، وِتْرٌ في جبروت كبريائه، قديم في سلطان عِزِّه، مجيد في جمال ملكوته. وكل مَنْ أطنب في وصفه أصبح منسوباً إلى العمى (فـ) ـلولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبدُ إذا تعرَّض لعرفانه عند أول ساطعٍ من بادياتِ عزِّه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإلهكم} خطاب عام لكافة الناس اى المستحق منك للعبادة {إله واحد} فرد فى الآلهية لا شريك له فيها ولا يصح ان يسمى غيره آلها فلا معبود الا هو وهو خبر مبتدأ وواحد صفة وهو الخبر فى الحقيقة لانه محط الفائدة ألا يرى انه لو اقتصر على ما قبله لم يفد {لا إله إلا هو} تقرير للوحدانية وازاحة لا يتوهم ان فى الوجود آلها ولكن لا يستحق منهم العبادة يعنى بهذا فاعرفوه ودائما فاعبدوه ولا ترجوا غيره ولا تخافوا سواه ولا تعبدوا الا اياه والاستثناء بدل من اسم لا على المحل اذ محله الرفع على الابتداء والخبر محذوف اى لا اله كائن لنا او موجود فى الوجود الا الله. واعلم ان الاسماء على ضربين اسم ظاهر واسم ضمير وكلمة هو اسم ضمير فكونها ضميرا لا ينافى كونها اسما وقد حقق الامام فى التفسير الكبير اسمية هذه الكلمة فليراجع وعند اهل الحقيقة كلمة هو اسم بحت لان كل ما يدل على الذات الاحدية فهو اسم محض عندهم سواء كان مظهرا او مضمرا ولذا يقال عالم الهوية باللام فاعرف هذا فانه ينفعك: وفى المثنوى شعر : از هواها كى رهى بى جام هو اى ز هو قانع شده با نام هو هيسج نامى بى حقيقت ديده يا ز كاف ولام كل كل جيده اسم خواندى رو مسمارا بجو مه ببالا دان نه اندر آب جو كرز نام وحرف خواهى بكذرى باك كن خودرا زخودهان يكسرى همجو آهن زاهنى بى رنك شو در رياضت آينه بى زنك شو خويش را صافى كن ازاوصاف خويش تا بينى ذات باك صاف خويش بينى اندر دل علوم انبياء بى كتاب وبى معيد و اوستا علم كان نبود ز هو بى واسطه آن نبايد همجو رنك ماشطه تفسير : {الرحمن الرحيم} اى المولى لجميع النعم اصولها وفروعها ولا شىء سواه مستحق هذه الصفة فان كل شىء سواه اما نعمة واما منعم عليه فثبت ان غيره لا يستحق العبادة فلا يكون آلها فقوله الرحمن الرحيم كالحجة على الوحدانية. وعن اسماء بنت يزيد انها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ان فى هاتين الآيتين اسم الله الاعظم وآلهكم اله واحد لا اله الا هو الرحمن الرحيم: والله لا اله الا هو الحيى القيومbr>". تفسير : قيل كان للمشركين حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا وقالوا كيف يسع الناس اله واحد فان كان محمد صادقا فى توحيد الاله فليئتنا بآية نعرف بها صدقه فنزل قوله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إلهكم إله واحد} مبتدأ وخبر، وجملة {لا إله إلا هو}: تقرير لها وتأكيد، و {الرحمان الرحيم}: خبران آخران، أو عن مبتدأ مضمر، وأنث {الفلك} لأنه بمعنى السفينة، و {من السماء} ابتدائية، و {من ماء} بيانية، و {بث}: عطف على {أنزل} أو {أحيا} لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب، والبث: النشر والتفريق و {تصريف الريح}: هبوبها من الجهات المختلفة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإلهكم} يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد {إله واحد} لا شريك له، ولا نظير، ولا ضد له ولا ند، {لا إله إلا هو}، إذ لا يستحق العبادة غيره، إذ هو {الرحمن} بنعمة الإيجاد {الرحيم} بنعمة الإمداد، فكل ما سواء مُكونٌ مخلوق، إما مُنْعَم عليه أو نعمة، فلم يستحق العبادة غيره. ثم برهن على وجوده، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور، فقال: {إن في خلق السماوات} طباقاً متفاصلة مرفوعة بغير عمد، وما اشتملت عليه من الكواكب والبروج والمنازل، وفي {الأرض} وما اشتملت عليه من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وأنواع الثمار، وفي {اختلاف الليل والنهار} بالطول القصَر، أو تعاقبها بالذهاب والمجيء، {و} في {الفلك التي تجري في البحر} بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل، متلبسة {بما ينفع الناس} من التجارة وغيرها. وقال البيضاوي: القصد بالاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه؛ ولذلك قَدَّمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما منه في الغالب. هـ. {و} في {ما أنزل الله من السماء من ماء} من غير ظهور مادة سابقة، بل تُبرزه القدرة من عالم الغيب قريب عهد بالله، ولذلك (كان عليه الصلاة والسلام يَتَمَطَّر) أي: يَنْصُبُ وجهه للمطر إذا نزل تبركاً به، {فأحيا} الحقّ تعالى بذلك المطر {الأرض بعد موتها} ويُبْسِها، بالنبات والأزهار وأصناف النّوار والثمار، وفيما نشر {فيها من كل دابة} من النملة إلى الفيلة، {و} في {تصريف الرياح} وهبوبها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات مختلفة، مُلَقِّحَةٍ للشجر وعقيم وصرِ، وللنصر والهلاك {و} في {السحاب المسخر} أي: المذلَّل {بين السماء والأرض} لا يسقط ولا يرتفع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، أو مسخر للرياح تُقَلِّبه في جو السماء بمشيئة الله {لآيات لقوم يعقلون}. أي: تلك المخلوقات آيات دالّة على وحدانيته تعالى وباهرٍ قدرته، و{أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22]. وفي الآية حَضٍّ على التفكر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : ويلٌ لِمَنْ قَرأَ هَذهِ الآيةِ فَمَجَّ بِها"تفسير : ، أي: لم يتفكر فيها دلالة على شرف علم التوحيد العام والخاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد: (التوحيد معنى تضْمَحِل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكونُ الله كما لم يزل). قلت: وهذا هو التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل الشهود والعيان: ثم قال: (وأصولُه خمسة أشياء: رفعُ الحدَث، وإثبات القدم، وهُجْران الإخُوان، ومفارقةُ الأوطان، ونسيان ما عَلِم وجَهِل). هـ. قلت: قوله: (وهجران الإخوان)، يعني: غيرَ مَنْ يستعين بهم على السير، وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم. واعلم أن توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات: الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصِمُ النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نَفْيُ الشركاء والأنداد، والصاحبةِ والأولاد، والأشباه والأضداد. الثانية: توحيد الخاصة، وهو أنْ يَرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإنَّ ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مَقامُ الخاصة يقينٌ في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاعُ إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجوا الله، ولا يخاف أحداً سواه، إذ ليس يَرى فاعلاً إلا الله، فيَطْرَحُ الأسباب، وينبذ الأرباب. الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيبَ عن النظر إلى الأكوان في شهود المُكَوَّن، وهذا مقام الفناء، فإن رُدّ إلى شهود الأثر بالله سُمي مقام البقاء. هـ. قال بعضَه ابنُ جُزَيّ باختصار. قلت: وفي التحقيق أنهما أنهما مقامان؛ مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوّضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف. (أهل الدليل والبرهان عمومٌ عند أهل الشهود والعيان)؛ لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحقّ تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه؟ ومتى بَعُد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟ - ولله در القائل: شعر : لقد ظهرتَ فما تَخْفَى على أحدٍ إلا على أَكْمَهِ لا يُبْصِرُ القمرَا لَكِنْ بَطَنْتَ بما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِبا وكيفَ يُبْصَرُ مَن بالعزةِ استترَا؟ تفسير : وقال آخر: شعر : ما لِلحِجَابِ مَكَانٌ في وجُودِكُمُ إِلا بِسِرِّ حُروفِ (انظُرْ إلى الجَبَلَ) أنتُم دلَلْتُمُ عليكُم مِنكُمُ ولكُمْ دَيمُومَةٌ عبَّرتْ عَنْ غاَمِضِ الأزلِ عَرَّفْتُم بكُم هذا الخبيرَ بِكُم أنتُمْ هُمُ يا حياةَ القلْبِ يا أمَلِي تفسير : ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية، فكلما قَويَ التوحيدُ في القلب قويت المحبة؛ لانحصارها في واحد، ذكرها بأثر التوحيد.

الطوسي

تفسير : المعنى: يوصف تعالى بأنه واحد على أربعة أوجه أولها - إنه ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام. الثاني - واحد في استحقاق العبادة. الثالث - واحد لا نظير له ولا شبيه. الرابع - واحد في الصفات التي يستحقها لنفسه، فهو قديم، وقادر لا يعجزه شيء، وعالم لا يخفى عليه شيء، فكل هذه الصفات يستحقها وحده، والواحد شيء لا ينقسم عدداً كان أو غيره، ويجري على وجهين: على الحكم، وعلى جهة الوصف، فالحكم كقولك: الجزء واحد، والوصف كقولك: إنسان واحد، ودار واحدة. ومعنى إله أنه يحق له العبادة، وغلط الرماني، فقال: هو المستحق للعبادة، ولو كان كما قال لما كان تعالى إلها فيما لم يزل، لأنه لم يفعل ما يستحق به العبادة. ومعنى ما قلناه: أنه قادر على ما إذا فعله استحق به العبادة. وقيل معنى إله انه منعم بما يستحق به العبادة، وهذا باطل لما قد بيناه، ولا يجوز أن يحيّّا أحد من الخلق بالألهية، لانه يستحيل ان يقدر أحد سوى الله على ما يستحق به العبادة من خلق الأجسام، والقدرة، والحياة، والشهوة، والنفاد، وكمال العقل، والحواس وغير ذلك، فلا تصح الآلهية الاّ له، لأنه القادر على ما عددناه، والآية تتصل بما قبلها وبما بعدها، فاتصالها بما قبلها، كاتصال الحسنة بالسيئة، لتمحو أثرها، وتحذرمن مواقعتها، لانه لما ذكر الشرك، وأحكامه أتبع ذلك بذكر التوحيد وأحكامه، واتصالها بما بعدها كاتصال الحكم بالدلالة على صحته، لأن ما ذكر في الآية التي بعدها حجة على صحة التوحيد. فان قيل: كيف يتصل الوصف بالرّحمة بما قبله؟ قلنا، لأن العبادة تستحق بالنعمة التي هي في أعلى مرتبة، ولذلك بولغ في الصفة بالرحمة، ليدل على هذا المعنى. الاعراب: و {هو} في موضع رفع، ولا يجوز النصب، ورفعه على البدل من موضع {لا} مع الاسم، كقولك: لا رجل إلا زيد كأنك قلت: ليس إلا زيد - فيما تريد من المعنى - إذا لم يعتد بغيره، ولا يجوز النصب على قولك: ما قام احد إلا زيداً، لان البدل يدّل على أن الاعتماد على الثاني، والمعني ذلك، والنصب يدّل على أن الاعتماد في الاخبار إنما هو على الاول، وقوله تعالى: {لا إله إلا هو} إثبات لله تعالى وحده وهو بمنزلة قولك: الله إله وحده، وإنما كان كذلك لأنه القادر على ما يستحق به الالهية، ولا يدّل على النفي في هذا الخبر من قبل أنه لم يدّل على إله موجود، ولا معدوم سوى الله عزّ وجل، لكنه نقيض لقول من إدعى إلها مع الله. وإنما النفي إخبار بعدم شيء كما أن الاثبات إخبار بوجوده.

الجنابذي

تفسير : {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ} جملة مستأنفة لابداء حكم آخر على مجيء الواو للاستئناف او حاليّة والمعنى أنّهم مخلّدون فى العذاب لا يخفّف عنهم ولا يمهلون والحال ان لا اله سوى الاله المعذّب يدفع عنهم العذاب ويخلّصهم من الاله المعذّب، والاله مأخوذ من اله بفتح العين بمعنى عبد فهو فعال بمعنى المفعول وجاء اله كفرح بمعنى تحيّر، وعليه؛ اشتدّ جزعه عليه، واليه؛ فزع ولاذ، والهه أجاره وآمنه، ويصحّ جعله مشتقّاً من الجميع؛ ومعنى الهكم اله أنّ ما جعلتموه معبوداً مستحقّ للعبادة لا انّه غير مستحقٍّ للعبادة {وَاحِدٌ} لا متعدّد {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يعنى لا مستحقّ للعبادة سواه حتى يكون معبوداً لغيركم او يدافعكم عن الهكم {ٱلرَّحْمَـٰنُ} المفيض لوجود الاشياء كلّها والمبقى لها والمعطى لما تحتاج هى اليه فى بقائها {ٱلرَّحِيمُ} المفيض للكمالات الاختياريّة البشريّة فاثبت ألا ألهةً للاله المضاف الى المخاطبين ثمّ التّوحيد ثمّ حصر الآلهة فيه وأثبت له المبدئيّة والمنتهائيّة والمالكيّة وهذه فى امّهات صفاته تعالى وأقام البرهان عليه بقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}

اطفيش

تفسير : {وإلهكُم إلهٌ واحدٌ}: لا إله معهُ يستحق أن يسمى إلهاً، أو أن يعبد ولا قائل كقوله، ولا فاعل كفعله، ولا موصوف بصفته، ولا تركيب لذاته ولا جزء لا يوصف ببساطة ولا تركيب، والخطاب عام لجميع العقلاء أو لمن أنكر وحدانية الله سبحانه وتعالى من العرب، ويدخل كل منكر لها وكل مصدق لها بالمعنى، وأعاد لفظ إله للتأكيد إذ كان يكفى أن يقال: وإلهكم واحد، ولا شك أن فى قولك سيدكم سيد واحد ما ليس فى قولك سيدكم واحد. {لا إله إلاَّ هُو}: تقرير وتأكيد للوحدانية الى صرح بها قولهُ تعالى: {وإلهكُم إلهٌ واحدٌ}، ودفع لما يتوهمهُ معاند من الكلام أن فى الوجود من يسمى إلهاً لا يستحق العبادة، لأن معنى قوله تبارك وتعالى: {وإلهكُم إلهٌ واحدٌ} ومعبودكم معبود واحد فدفع ذلك التوهم بقوله عز وجل: {لا إلهَ إلا هُو} أى لا مسمى بهذا الإسم المشعر بوجود العبادة إلا هو. {الرَّحْمن الرَّحِيمُ}: مولى جلائل النعم ودقائقها، وتقدم تفسيرهما، وكل نعمة منه، ونعمة عمت الخلق كله الحيوان والجماد وكل مخلوق، ثم إن بعض مخلوقاتهِ أيضاً أنعم بهِ على بعض، وإذا ثبت أن كل نعمة منهُ، وأن نعمته عمت المخلوقات، وأن بعضها منعم به أيضا، وبعضها منعم عليه، فلا يستحق عبادة المخلوقات إلا الذى أنعم عليها، فقوله: {الرَّحمن الرَّحيمُ} حجة على وجوب العبادة التى تضمنها قوله جل وعلا: {وإلهكم إلهٌ واحد لا إلهَ إلا هُو}، وأخرج أبو داود والترمذى، وقال الترمذى حديث صحيح عن أسماء بنت يزيد، قالت: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اسم الله الأعظم فى هاتين الآيتين: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} وفاتحة آل عمران: {اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ الحىُّ القَيُّوم} " تفسير : وذكر أبو حامد أن قوله تعالى: {وإلهكُم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلاَ هُو الرَّحمنُ الرَّحيمُ} مع قوله تبارك وتعالى: {أية : ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام}تفسير : ينفع من وجع الثديين، وإن قلت: كيف يصح أن يكون هو بدلا من إله وقد تخالفا سلباً وإيجاباً؟ قلت: النفى فى إله منتقض بإلا بالنسبة إلى قوله: (هو) فهو معتبر فى هو منتقضا، فاتفقا فى النفى بإلا مثلا، هو إثبات فقد اتفقا إثباتاً. وإن قلت فكيف يكون الرحمن الرحيم صفتين لقوله: (هو) والضمير لا يوصف؟ قلت: أجاز الكسائى وصفه وليس متعيناً، والصحيح أنه لا يوصف بأن الرحمن الرحيم خبران لمحذوف، أى هو الرحمن الرحيم، أو خبران آخران لقوله: {إلهكم} أو الرحمن خبر آخر أو لمحذوف. والرحيم صفته على أنه علم، والصحيح أنه صفة كالرحيم، قال ابن هشام: جوز الكسائى نعت الضمير إن كان لغائب والنعت لغير توضيح نحو: {أية : قل إنَّ ربِّى يقْذِفٌ بالحقِّ علام الغُيُوب}تفسير : وفى نحو: {لا إلهَ إلاَّ هُو الرَّحْمنُ الرَّحيم} فقدر كلاماً نعتاً للضمير المستتر فى يقذف، والرحمن الرحيم نعتن لهو، وصحح ابن هشام أن الرحمن علم قيل إن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صف لنا ربك فانسبه، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية وسورة الإخلاص. قال عطاء وابن المسيب: ولما نزل ذلك أما الآية ففى المدينة، وأما سورة الإخلاص ففى مكة تعجبوا من قوله إنه واحد، وقد كان لهم حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً وقالوا له ائنتا بآية إن كنت صادقاً نعرف بها صدقك فأنزل الله تبارك وتعالى: {إنَّ في خَلْق السّماواتِ والأرضِ...}

اطفيش

تفسير : {وَإِلَٰهُكُمْ} معشر الخلق، الأجسام والأعراض، العقلاء وغيرهم، الحيوان والجماد، بتغليل العقلاء، ويختص بهم ما يناسبهم بعد ويتجدد لهم معرفته أنه لغيرهم أيضاً، وقيل الخطاب للعقلاء، وقيل لقريش القائلين: صف لنا ربك يا محمد، ويلحق بهم غيرهم، وزعم بعض أنه للكاتمين {إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ} أى أن الذى يستحق العبادة عنكم إله واحد، فى ذاته، لا يتجزأُ فى صفاته وأقواله وأفعاله، وفى أولوهيته، وقيل: الوحدة هنا عدم التجزؤ، والأولى أن المعنى لا نظير له، فيدخل ما ذكر وعدم التجزؤ. سألت اليهود وقريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربهم فنزلت سورة الإخلاص، وقوله تعالى {وَإِلَٰهُكم إِلَٰهُ وَاحد لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ} الجملة خبر ثان، أو نعت ثان لاإله، والنفى الآلهة الحقة، أى لم يوجد إله بحق إلاّ الله، أو الآلهة الباطلة، أى ليست موجودة من حيث الألوهية، ولو ادعاها عابدوها، والرحمن الرحيم خبران لإلهكم، وقيل الرحمن بدل من هو، والرحيم نعت لرحمن، وقيل بدلان من هو، وقيل خبر لمحذوف. وروى أنه كان حول الكعبة ثلثمائة وستين صنما، ولما نزل {وإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ} قالوا متعجبين: إيت بآية على ذلك، فنزل {إن في خلق السمٰوٰتِ...} الخ، وهم غير القائلين لا شريك لك، إلا إلها تملكه، وما ملكت هو الخالق، وما سواه منعم عليه، ونعمه مشكورة أو مكفورة بالعصيان والشرك، وطلبوا آية على ذلك فنزل قوله تعالى: {إِنَّ فِى خَلْقِ} إيجاد {السَّمَٰوَٰتِ} السبع، من حيث ارتفاعها بلا عمد ولا علاقة ونيرانها {وَالأَرْضِ} أى جنسها، فصدق بسبع فى قوله تعالى: "أية : ومن الأرض مثلهن"تفسير : [الطلاق: 12]، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اقتطع قيد شبر من أرض جاره طوقه من سبع أرضين"تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، من حيث مدها، وكونها على الماء، ومن حيث شجرها، وجبالها، وبحارها، ومعادنها، وجواهرها، وعيونها، وثمارها، وحيواناتها"تفسير : ، وأفردها لأنها متفقة بالحقيقة: وهى التراب بخلاف السماوات. فالأولى: من زبد الماء متجمداً. والثانية: من رخام أبيض. والثالثة: من حديد. والرابعة: من نحاس. والخامسة: من فضة. والسادسة: من ذهب. والسابعة: من ياقوت أحمر. وقيل: الأولى: زبد جامد. والثانية: من نحاس. والثالثة: من فضة. والرابعة: من ذهب. والخامسة: من ياقوت. والسادسة: من زمرد والسابعة: من نور العرش وبين كل سماء وأخرى، وأرض وأخرى، والأرض والسماء خمسمائة عام كغلظ كل {وَاخْتِلَٰفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} من الافتعال، بمعنى التفاعل يتخالفان طولا وقصراً إلا وقت الاعتدال، وزيادة ونقصاً، وذهاباً ومجيئاً، وظلمة ونوراً، وسكوناً للجوارح والإبصار، وراحة وانتشاراً لها، واختلافاً للأَوقات، فكل ساعة مغرب فى موضع، وعشاء فى آخر، وثلث ليل فى آخر ونصفه فى آخر، وسدس فى آخر، وسحر فى آخر، وتوسط فى آخر، وزوال فى آخر، ووسط الوقتين فى آخر، وعصر فى آخر، واصفرار فى آخر، وغروب فى آخر، وما بين ذلك كله أيضاً متخالف، ولا تزول ولو لحظة، تغرب عن موضع، وتطلع فى آخر من خلفها وقدامها، وأينما كانت الشمس عند غروبها فى موضع، وطلوعها فى آخر يكون وراءها مثل الفجر الكاذب، شفقاً أبيض، وقدامها مثله، وكل بلذ يكون عرضة للشمال أكثر من طوله، يكون أيام صيفه أقصر من أيام شتائه، والظلمة سابقة على الضوء فقدم الليل لذلك، فالنهار لليلة قبله، وهو الصحيح، وقيل بالعكس، واستثنى بعضهم يوم عرفة على الأول، وجعله لليلة بعده، ولا يصح ذلك، وإنما نتبع الحكم الشرعى، وليس رجوعا لتقدم اليوم والليلة {وَالْفُلْكِ} جماعة بدليل قوله: {الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} فدل على الجماعة بضم الفاء وإسكان اللام مع الحروف، بخلاف الفلك المفرد فإنه لا دلالة لضمه وسكونه على معنى أو سكنت اللام عن ضم الجميع تخفيفا، والمعنى أن فى خلق السموات والأرض الخ، وفى الفلك، فالعطف على خلق، أو أن فى خلق السموات الخ وفى خلق الفلك، فالعطف على السموات، وقد يجوز عطفه على الليل، أى واختلاف الفلك ذهابا ورجوعا، وعلى حال إن فى ذاتها وإيجادها من حيث إنها لا تنزل إلى أسفل الماء مجردة أو محمولا فيها ما خف أو ما ثقل، وجريانها على وجه الماء بالريح مقبلة ومدبرة مع قوة الماء وهيجانه {بِمَا} أى بالذى {يَنْفَعُ النَّاسَ} من التجارة وسائر ما يحمل فيها، قيل برد الضمير لما على أنها موصولة اسمية، أو بنفعه الناس على أن ما مصدرية برد الضمير للجرى أو للبحر، والرد للجرى أولى لأن النفع بالجرى بالذات، بخلاف البحر فبواسطة الجرى، ولو كان الجرى بواسطة البحر، وقيل يجوز تذكير الفلك وتأنيثه، مجردا أو جماعة، فيجوز رد الضمير للفلك، وقد قيل إنه مفرد أنث بتأويل السفينة أولا، وذكر ثانيا على أصله، وفى البحر أيضا عجائب، حيتان، ولؤلؤ، ومرجان، وياقوت، والسفينة آلة الخوض فيها والاطلاع على ذلك، ولكن لا تحمل الآية على لإشارة لذلك لما فيه من التكلف، ولو كانت الفلك سببا. {وَمَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَّآءٍ} أى وفى خلق ما أنزله من السحاب، أو فى ما أنزله من السحاب، سماه سماء، أو من السماء إحدى السبع، يصل بسرعة، أو أريد بالسماء جهة العلو، فيشمل الوجهين، والماء تارة من السماء، أو من الجنة، ينزل فى أقرب مدة، كسرعة الملك فى النزول، وتارة من البحر والعيون بخارا، وهذا الأكثر، وتارة يتقلب أجزاء الهواء الصغار الهبائية ماء بسبب، وأخره، مع أنه أفضل، قيل لفضله الزائد، أو لحمعه العلو والسفل، إذ منه ما من السماء وما من البحر، كما أن اختلاف الليل والنهار فيه ذلك، لأن الضوء والظلمة فى الأرض والجو والفلك بالماء والريح {فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ} بالنبات، أظهر بهجتها وزيادة منها، إظهاراً شبيهاً بإحياء ما مات، وبإدخال الروح فيما ليس حيا قط، بجامع الحسن والزيادة، وهى قبل النبات جماد، وكميت بعد حياة، كما قال {بَعْدَ مَوْتِهَا} أى عدم النبات فيها أو زواله عنها، وذلك أن الماء سبب للحياة فى الحيوانات، وسبب للنبات والثمار، وينزل عند الحاجة، وبالدعاء والاستقساء، وفى مكان دون مكان، وهو لكل سنة مقدار مخصوص، ويكون فى بعض الماء دون بعض {وَبَثَّ} به، أى فرق، أى بما أنزل من السماء من ماء، وفيه حذف رابط الصلة المجرور بدون جر الموصول بمثله، ودون تعلقه بما تعلق به جاز الموصول على الصلة، أو عَلَى ما عطف عليها، ولا يضر فصله لأنه سببى، وكأنه صلة، وهذا أولى من أن يقال بثه أى بث به {فِيهَا} دواب {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} أى من كل نوع من الدواب، توجد بالماء خلقا وينمو الموجود منها بالتوالد، مع اختلافهما، خرسا ونطقا، وصوتا، ولونا، ووحشا، وإنسا، ونقعا وضرا وطبعا، وغير ذلك كطول حياة وقصرها، وطول ذات وقصرها، ورقة وغلظة، وفى السماء دواب أيضا {وَتَصْرِيفِ الرِّيَٰحِ} تقليبها جنوبا وشمالا، وقبولا ودبورا، حارة وباردة، ولينة وعاصفة، وعقيما، ولا قحا للمطر والشجر. وكان صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح قال: "حديث : اللَّهُم اجعلها رياحا لا ريحا"تفسير : ، لأن مفردها فى القرآن سوء، كقوله تعالى: "أية : وَفِى عَادٍ..." تفسير : [الذاريات: 41] الخ، وجعلها فى خبر، كقوله تعالى: "أية : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات" تفسير : [الروم: 46] ويقال سميت ريحا لأنها تريح النفوس، وياؤه عن واو، ويقال ما هبت إلا لشفاء سقيم، أو سقم صحيح، ويقال البشارة فى الصَّبا، والشمال والجنوب، وأما الدبور فعقيم لا بشارة فيها، وسميت الصبا قبولا، لاستقبالها وجه الكعبة، وهى حارة يابسة، ويسميها أهل مصر الشرقية، لأنها تهب من الشرق، ويقال، المبشرات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، والرُّخا للرحمة، والعقيم والصرصر والعاصف والقاصف فى البحر للعذاب، والصبا من مطلع الشمس فى الاعتدال، والدبور تقابلها، والشمال من جانب القطب، والجنوب تقابلهما، وطبع الدبور البرد والرطوبة، يسميها أهل مصر الغربية، لأن مهبتها الغرب، وتأتى من دبر الكعبة، وطبع الشمال البرد واليبس، وتسمى البحرية لأنه يسار بها فى البحر على كل حال، وقلما تهب ليلا، وطبع الجنوب الحرارة، وتسمى القبلية لأن مهها من مقابل القطب وهى عن يمين مستقبل المشرق، ويقال إذا هبت على أهل مصر سبع ليال استعدوا للأكفان، ولو أمسكت الريح طرفة عين لمات كل ذى روح وأنتن على ما على الأرض {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ} المذلل {بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} بلا عمد، ولا علاقة، مع ما فيه من المياه الثقيلة العظيمة التى تملأ منها الأودية، والأراضى، سميت لانسحابها وانجرارها ويسير بواسطة الرياح، وبين متعلق بمسخر، أو حال من المستتر فيه {لأَيَٰتٍ} دلائل على وجود الله، وقدرته، وكونه لا كالأشياء {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم، فيدركون بها الحق ولا يهملونها. روى ابن أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . تفسير : وتلك الأمور من الجائز، قابلة لعكس ما هى عليه كله، من حركة أو سكون، وبسط وكورية وغير ذلك، ومثلها لا يفعلها ولا تفعل نفسها، فالفاعل هو غيرها، وغير مثلها، والفعل لا يكون من فاعلين، والمصطلحان عاجزان، وإن كان فى حدهما فغير الفاعل ليس إلها.

الالوسي

تفسير : {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} نزلت كما روي عن ابن عباس لما قال كفار قريش للنبـي صلى الله عليه وسلم: صف لنا ربك، والخطاب عام لكل من يصح أن يخاطب كما هو الظاهر غير مختص بشأن النزول، والجملة معطوفة على {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } تفسير : [البقرة: 159] عطف القصة على القصة، والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى، وقيل: الخطاب للكاتمين، وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم حيث يكتمون وحدانيته، ويقولون: ـ عزير وعيسى ـ ابنان لله عز وجل، وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أنه فيه خروج شأن النزول عن الآية ـ وهو باطل ـ وإضافة ـ إله ـ إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق لا باعتبار الوقوع فإن الآلهة الغير المستحقة كثيرة، وإعادة/ لفظ ـ إله ـ وتوصيفه بالوحدة لإفادة أن المعتبر الوحدة في الألوهية، واستحقاق العبادة، ولولا ذلك لكفى ـ وإلهكم واحد ـ فهو بمنزلة وصفهم الرجل ـ بأنه سيد واحد، وعالم واحد ـ وقال أبو البقاء: ـ إله ـ خبر المبتدأ، و (واحد) صفة له، والغرض هنا هو الصفة إذ لو قال: ـ وإلهكم واحد ـ لكان هو المقصود إلا أن في ذكره زيادة تأكيد، وهذا يشبه الحال الموطئة كقولك: مررت بزيد رجلاً صالحاً، وكقولك في الخبر: زيد شخص صالح، ولعل الأول ألطف، وأكثر الناس على أن الواحد هنا بمعنى لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقيل إن المراد به ما ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام ولا يحتمل التجزئة أصلاً، وليس المعنى به هنا مبدأ العدد، وأصح الأقوال عند ذوي العقول السليمة أنه الذي لا نظير له ولا شبيه له في استحقاق العبادة وهو مستلزم لكل كمال آب عما فيه أدنى وصمة وإخلال. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، وعلى أي تقدير هو مقرر للوحدانية ومزيح ـ على ما قيل ـ لما عسى أن يتوهم أن في الوجود إلهاً لكن لا يستحق العبادة، والضمير المرفوع على الصحيح بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، وقد اختلف في المنفي هل المعبود بحق أو المعبود بباطل؟ فقال محمد الشيشيني: النفي إنما تسلط على الآلهة المعبودة بباطل تنزيلاً لها منزلة العدم، وقال عبد الله الهبطي: إنما تسلط على الآلهة المعبدة بحق ولكل انتصر بعض، وذكر الملوي أن الحق مع الثاني لأن المعبود بباطل له وجود في الخارج، ووجود في ذهب المؤمن بوصف كونه باطلاً، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقاً فهو من حيث وجوده في الخارج في نفسه لا تنفي لأن الذات لا تنفي، وكذا من حيث كونه معبوداً بباطل لا ينفي أيضاً إذ كونه معبوداً بباطل أمر حق لا يصح نفيه وإلا كان كذباً، وإنما ينفي من حيث وجوده في ذهن الكافر من حيث وجوده في ذهنه بوصفه كونه معبوداً بحق، فالمعبودات الباطلة لم تنف إلا من حيث كونها معبودة بحق فلم ينف في هذه الكلمة إلا المعبود بحق غيره تعالى فافهم، وسيأتي تحقيق ما في هذه الكلمة الطيبة في محله إن شاء الله تعالى. {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}. خبران آخران بعد خبر أو خبرين لقوله تعالى: {إِلَهَـٰكُمْ} أو لمبتدأ محذوف والجملة معترضة، أو بدلان على رأي وجىء بهما لتمييز الذات الموصوفة بالوحدة عما سواه وليكون الجواب موافقاً لما سألوه وفي ذلك إشارة إلى حجة الوحدانية لأنه لما كان مولى النعم كلها أصولاً وفروعاً دنيا وأخرى، وما سواه إما خير محض أو خير غالب، وهو إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره لاستواء الكل في الاحتياج إليه تعالى في الوجود وما يتبعه من الكمالات.

ابن عاشور

تفسير : معطوف على جملة: { أية : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } تفسير : [البقرة: 161]. والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين أن الذي كفروا به وأشركوا هو إلٰه واحد وفى هذا العطف زيادة ترجيح لما انتميناه من كون المراد من {الذين كفروا} المشركين لأن أهل الكتاب يؤمنون بإلٰه واحد. والخطاب بكاف الجمع لكل من يتأتى خطابه وقت نزول الآية أو بعده من كل قارىء للقرآن وسامع فالضمير عام، والمقصود به ابتداء المشركون لأنهم جهلوا أن الإلٰه لا يكون إلاّ واحداً. والإلٰه في كلام العرب هو المعبود ولذلك تعددت الآلهة عندهم وأطلق لفظ الإلٰه على كل صنم عبدوه وهو إطلاق ناشىء عن الضلال في حقيقة الإلٰه لأن عبادة من لا يغني عن نفسه ولا عن عابده شيئاً عبث وغلط، فوصف الإلٰه هنا بالواحد لأنه في نفس الأمر هو المعبود بحق فليس إطلاق الإلٰه على المعبود بحق نقلاً في لغة الإسلام ولكنه تحقيق للحق. وما ورد في القرآن من إطلاق جمع الآلهة على أصنامهم فهو في مقام التغليط لزعمهم نحو { أية : فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } تفسير : [الأحقاف: 28]، والقرينة هي الجمع، ولذلك لم يطلق في القرآن الإلٰه بالإفراد على المعبود بغير حق، وبهذا تستغنى عن إكداد عقلك في تكلفات تكلفها بعض المفسرين في معنى {وإلٰهكم إلٰه واحد}. والإخبار عن إلٰهكم بإلٰه تكرير ليجري عليه الوصف بواحد والمقصود وإلٰهكم واحد لكنه وسط لفظ {إلٰه} بين المبتدأ والخبر لتقرير معنى الألوهية في المخبر عنه كما تقول عالم المدينة عالم فائق وليجيء ما كان أصله مجيء النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار نعتاً إذ أصل النعت أن يكون وصفاً ثابتاً وأصل الخبر أن يكون وصفاً حادثاً، وهذا استعمال متبع في فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبنى على وصف أو متعلق كقوله { أية : إلٰهاً واحداً } تفسير : [البقرة: 133]. وقوله: { أية : وإذا باللغو مروا كراماً } تفسير : [الفرقان: 27] وقد تقدم عند قوله تعالى:... والتنكير في {إله} للنوعية لأن المقصود منه تقرير معنى الألوهية، وليس للإفراد لأن الإفراد استفيد من قوله {واحد} خلافاً لصاحب «المفتاح» في قوله تعالى: { أية : إنما هو إله واحد } تفسير : [الأنعام: 19] إذ جعل التنكير في {إلٰه} للإفراد وجعل تفسيره بالواحد بياناً للوحدة لأن المصير إلى الإفراد في القصد من التنكير مصير لا يختاره البليغ ما وجد عنه مندوحة. وقوله: {لا إلٰه إلا هو} تأكيد لمعنى الوحدة وتنصيص عليها لرفع احتمال أن يكون المراد الكمال كقولهم في المبالغة هو نسيج وحده، أو أن يكون المراد إلٰه المسلمين خاصة كما يتوهمه المشركون ألا ترى إلى قول أبي سفيان: «لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم». وقد أفادت جملة {لا إلٰه إلا هو} التوحيد لأنها نفت حقيقة الألوهية عن غير الله تعالى. وخبر {لا} محذوف دل عليه ما في {لا} من معنى النفي لأن كل سامع يعلم أن المراد نفي هذه الحقيقة فالتقدير لا إله موجود إلاّ هو. وقد عرضت حيرة للنحاة في تقدير الخبر في هاته الكلمة لأن تقدير موجود يوهم أنه قد يوجد إلٰه ليس هو موجوداً في وقت التكلم بهاته الجملة، وأنا أجيب بأن المقصود إبطال وجود إلٰه غير الله رداً على الذين ادعوا آلهة موجودة الآن وأما انتفاء وجود إلٰه في المستقبل فمعلوم لأن الأجناس التي لم توجد لا يترقب وجودها من بعد لأن مثبتي الآلهة يثبتون لها القدم فلا يتوهم تزايدها، ونسب إلى الزمخشري أنه لا تقدير لخبر هنا وأن أصل لا إلٰه إلا هو هو إلٰه فقدم {إلٰه} وأخر (هو) لأجل الحصر بإلاّ وذكروا أنه ألف في ذلك «رسالة»، وهذا تكلف والحق عندي أن المقدرات لا مفاهيم لها فليس تقدير لا إلٰه موجود بمنزلة النطق بقولك لا إلٰه موجود بل إن التقدير لإظهار معاني الكلام وتقريب الفهم وإلاّ فإن لا النافية إذا نفت النكرة فقد دلت على نفي الجنس أي نفي تحقق الحقيقة فمعنى {لا إلٰه} انتفاء الألوهية {إلاّ الله} أي إلاّ لله. وقوله: {الرحمٰن الرحيم} وصفان للضمير، أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها وهما وصفان للمدح وفيهما تلميح لدليل الألوهية والانفراد بها لأنه منعم، وغيره ليس بمنعم وليس في الصفتين دلالة على الحصر ولكنهما تعريض به هنا لأن الكلام مسوق لإبطال ألوهية غيره فكان ما يذكر من الأوصاف المقتضية للألوهية هو في معنى قصرها عليه تعالى، وفي الجمع بين وصفي {الرحمٰن الرحيم} ما تقدم ذكره في سورة الفاتحة على أن في ذكر صفة الرحمٰن إغاظة للمشركين فإنهم أبوا وصف الله بالرحمٰن كما حكى الله عنهم بقوله: { أية : قالوا وما الرحمٰن } تفسير : [الفرقان: 60]. واعلم أن قوله: {إلا هو} استثناء من الإلٰه المنفي أي إن جنس الإلٰه منفي إلاّ هذا الفرد، وخبر (لا) في مثل هاته المواضع يكثر حذفه لأن لا التبرئة مفيدة لنفي الجنس فالفائدة حاصلة منها ولا تحتاج للخبر إلاّ إذا أريد تقييد النفي بحالة نحو لا رجل في الدار غير أنهم لما كرهوا بقاء صورة اسم وحرف بلا خبر ذكروا مع اسم لا خبراً ألا ترى أنهم إذا وجدوا شيئاً يسد مسد الخبر في الصورة حذفوا الخبر مع لا نحو الاستثناء في لا إلٰه إلاّ الله، ونحو التكرير في قوله لا نسب اليوم ولا خُلة. ولأبي حيان هنا تكلفات. وقوله {الرحمٰن الرحيم} زيادة في الرد على المشركين لأنهم قالوا {وما الرحمٰن}.

الواحدي

تفسير : {وإلٰهكم إله واحدٌ} كان للمشركين ثلثمائةٍ وستون صمناً يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، فبيَّن الله سبحانه أنَّه إِلههم، وأّنَّه واحدٌ، فقال: {وإلٰهكم إله واحدٌ} أَيْ: ليس له في الإِلهيَّة شريكٌ، ولا له في ذاته نظيرٌ {لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم} كذَّبهم الله عزَّ وجلَّ في إشراكهم معه آلهةً، فعجب المشركون من ذلك، وقالوا: إنَّ محمداً يقول: {وإلهكم إله واحد} فليأتنا بآيةٍ إن كان من الصَّادقين، فأنزل الله تعالى: {إنَّ في خلق السموات والأرض} مع عظمهما وكثرة أجزائهما {واختلاف الليل والنهار} ذهابهما ومجئيهما {والفلك} السُّفن {التي تجري في البحر بما ينفع الناس} من التِّجارات {وما أنزل الله من السماء من ماء} من مطرٍ {فأحيا به الأرض} أخصبها بعد جدوبتها {وبثَّ} وفرَّق {فيها من كلِّ دابة وتصريف الرياح} تقليبها مرَّة جنوباً ومرَّة شمالاً، وباردةً وحارَّة {والسحاب المسخَّر} المُذلَّل لأمر الله {بين السماء والأرض لآياتٍ} لدلالاتٍ على وحدانية الله {لقوم يعقلون} فعلَّمهم الله عزَّ وجلَّ بهذه الآية كيفية الاستدلال على الصَّانع وعلى توحيده، وردَّهم إلى التًّفكُّر في آياته والنَّظر في مصنوعاته، ثمَّ أعلم أنَّ قوماً بعد هذه الآيات والبيِّنات يتَّخذون الأنداد مع علمهم أنَّهم لا يأتون بشيءٍ ممَّا ذكر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الإِله: المعبود بحق أو بباطل، والله سبحانه وتعالى هو الإِله الحق المعبود بحق. وإلهكم إله واحد: في ذاته وصفاته، وفي ربوبيته فلا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون والحياة إلا هو وفي ألوهيته أي في عبادته فلا معبود بحق سواه. اختلاف الليل والنهار: بوجود أحدهما وغياب الثاني لمنافع العباد بحيث لا يكون النهار دائماً ولا الليل دائماً. وبث فيها من كل دابة: وفرق في الأرض ونشر فيها من سائر أنواع الدواب. تصريف الرياح: باختلاف مهابها مرة صبا ومرة دبور ومرة شمالية ومرة غربية أو مرة ملقحة ومرة عقيم. معنى الآيتين: لما أوجب الله على العلماء بيان العلم والهدى وحرم كتمانهما أخبر أنه الإِله الواحد الرحمن الرحيم وأن هذا أول ما على العلماء أن يبينوه للناس وهو توحيده تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، ولما سمع بعض المشركين تقرير هذه الحقيقة: وإلهكم إله واحد قالوا: هل من دليل - يريدون على أنه لا إله إلا الله - فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} إلى قوله {يَعْقِلُونَ} مشتملة على ستّ آيات كونية كل آية برهان ساطع ودليل قاطع على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي كلها موجبة لعبادته وحده دون من سواه. الأولى: خلق السماوات والأرض وهو خلق عظيم لا يتأتى إلا للقادر الذي لا يعجزه شيء. الثانية: اختلاف الليل والنهار بتعاقبهما وطول هذا وقصر ذاك. الثالثة: جريان الفلك - السفن - في البحر على ضخامتها وكبرها وهي تحمل مئات الأطنان من الأرزاق وما ينتفع به الناس في حياتهم. الرابعة : إنزاله تعالى المطر من السماء لحياة الأرض بالنباتات والزروع بعد جدبها وموتها. الخامسة: تصريف الرياح حارة وباردة ملقحة وغير ملقحة، شرقية وغربية وشمالية وجنوبية بحسب حاجة الناس وما تطلبه حياتهم. السادسة: السحاب المسخر بين السماء والأرض تكوينه وسوقه من بلد إلى آخر ليمطر هنا ولا يمطر هناك حسب إرادة العزيز الحكيم. ففي هذه الآيات الست أكبر برهان وأقوى دليل على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته وهو لذلك رب العالمين وإله الأولين والآخرين ولا رب غيره ولا إله سواه. إلا أن الذي يجد هذه الأدلة ويراها ماثلة في الآيات المذكورة هو العاقل أما من لا عقل له لأنه عطل عقله فلم يستعمله في التفكير والفهم والإِدراك، واستعمل بدل العقل الهوى فإنه أعمى لا يبصر شيئاً وأصم لا يسمع شيئاً، وأحمق لا يعقل شيئاً، والعياذ بالله تعالى. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- لا إله إلا الله فلا تصح العبادة لغير الله تعالى، لأنه لا إله حق إلا هو. 2- الآيات الكونية في السماوات والأرض تثبت وجود الله تعالى رباً وإلهاً موصوفاً بكل كمال منزهاً عن كل نقصان. 3- الآيات التنزيلية القرآنية تثبت وجود الله رباً وإلهاً وتثبت النبوة المحمدية وتقرر رسالته صلى الله عليه وسلم. 4- الانتفاع بالآيات مطلقاً - آيات الكتاب أو آيات الكون - خاص بمن يستعملون عقولهم دون أهوائهم.

القطان

تفسير : يبين الله تعالى هنا القاعدة الكبرى في هذا الدين والأساس الأول الذي يبنى عليه وهي الوحدانية. فالذي يستحق منكم الطاعة ويستوجب منكم العبادة هو معبود واحد ورب واحد. فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه. انه الذي وسعت رحمتُه كل شيء، فحسْب المرء ان يرجو رحمته ولا يعتمد رحمة سواه. وقد قرَن الوحدانيةَ مع الرحمة دون غيرهما من صفاته، ليبين لعباده انه يرحم ويغفر أكبر الذنوب، يفعل ذلك ترغيباً في التوبة والرجوع اليه في كل حين.

د. أسعد حومد

تفسير : (163) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلاَ عِدْلَ، وَأَنَّهُ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، وَقَدْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في كفّار قريش قالوا: يا محمّد صف وأنسب لنا ربّك فأنزل الله تعالى سورة الاخلاص وهذه الآية. جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً يعبدون من دون الله إفكاً وشرّاً فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}. سعيد عن أبي الضحى: قال: لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّداً يقول الهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء والاختلاف: الإفتعال من خلف يخلف خلوفاً يعني إنّ كل واحد منهما إذا ذهب أحدهما جاء آخر خلافه أي: بعده، نظير قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} تفسير : [الفرقان: 62]. عطاء وابن كيسان: أراد في اختلاف الليل والنّهار في اللّون والطّول والقصر والنّور والظلمة والزيادة والنقصان يكون أحدهما على الآخر، والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونحلة ونحل، واللّيالي جمع الجمع والنّهار واحد وجمعه نُهر. قال الشّاعر: شعر : لولا الثّريدان هلكنا بالضّمر ثريد ليل وثريد بالنّهر تفسير : وقدّم الليل على النّهار بالذكر لإنّه الأصل والأقدام قال الله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37]. خلق الله تعالى الأرض مظلمة ثمّ خلق الشمس والقمر وهذا كتقديمه الصّوامع والبيع والصلوات على المساجد. {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} يعني السفن واحدة وجمعه سواء قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} تفسير : [الصافات: 139-140]. وقال في الجمع: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} تفسير : [يونس: 22] يذكّر ويؤنّث قال الله تعالى: {ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} وقال في التأنيث {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} فالتذكير على الفظ الواحد والتأنيث على معنى الجمع. {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وانواع المطلب. {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ} يعني المطر. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بعد يبوستها وجدوبتها. {وَبَثَّ} نشر وفرّق. {فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} أي يقلّبها قبولاً ودبوراً وشمالاً وجنوباً. وقيل: تصريفيها مرّة بالرحمة ومرّة بالعذاب. وقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: الرّيح بغير ألف على الواحد وقرأ الباقون: الرّياح بالجمع. قال ابن عبّاس: الرّياح للرحمة والريح للعذاب، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا هاجت الريح يقول: "حديث : اللّهمّ اّجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ". تفسير : والرّيح يذكر ويؤنث. {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ} أي الغيم المذلّل {بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} سمّي سحاباً لأنّه يسحب أي يسير في سرعته كأنّه يسحب: أي يجرّ. {لآيَاتٍ} دلالات وعلامات. {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فيعلمون إنّ لهذه الأشياء خالقاً وصانعاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها"تفسير : . أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبر بها. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ} يعني الأصنام المعبودة من دون الله قال أكثر المفسّرين. وقال السّدي: ساداتهم وقاداتم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيحبّونهم {كَحُبِّ ٱللَّهِ} أي كحبّ المؤمنين الله، وهذا كما يقال: بعت غلامي كبيع غلامك يعني: كبيعك غلامك. وأنشد الفرّاء: شعر : ولستُ مسلّماً ما دمت حيّاً على زيد كتسليم الأمير تفسير : أي كتسليمي على الأمير هذا قول أكثر العلماء، وقال ابن كيسان والزجّاج: تقدير الآية: يحبّونهم كحبّهم الله يعني أنّهم يسووّن بين هذه الأصنام وبين الله في المحبّة ثمّ قال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} قال ابن عبّاس: أثبت وأدوم وذلك إن المشركين كانوا يعبدون صنماً فإذا رأوا شيئاً أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن. عكرمة: أشدّ حبّاً في الآخرة. قتادة: إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ولا يقبل على الله عزّ وجلّ لقوله: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67]. والمؤمن لا يعرض عن الله في الضّراء والسرّاء والرّخاء والبلاء ولا يختار عليه سواه. الحسن: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة وذلك قولهم للأصنام: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 18]. وقوله: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]. والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة ولذلك قال عزّ من قائل: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}. سعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة من أحرف نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم فيأتون لعلمهم إنّ عذاب جهنم على الدّوام ثمّ يقول للمؤمنين بين أيدي الكافرين: إنّ كنتم أحبّائي لا تحبّون النّار فينادي مناد من تحت العرش {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}. وقيل: لأنّ حبّ المشركين لأوثانهم مشترك لأنّهم يحبّون الأنداد الكثيرة وحبّ المؤمنين لربّهم غير مشترك لأنّهم يحبّون ربّاً واحداً، وقيل: لأنّ حبّهم هوائي وحبّ المؤمنين عقلي. وقيل إنّ حبّهم للأصنام بالتقليد وحبّ المؤمنين لله تعالى بالدّليل والتمييز. وقيل: لأنّ الكافرين يرون معبودهم ومصنوعهم والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم، وقيل: لأنّ المشركين أحبّوا الأصنام وعاينوها والمؤمنون يحبّون الله ولم يعاينوه بل آمنوا بالغيب في الغيب للغيب. وقيل: إنّما قال {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} لأنّ الله أحبّهم أوّلاً ثمّ أحبّوه ومن شهد له المعبود بالمحبّة كان محبّته أتم وأصح. قال الله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]. وقرأ أبو رجاء العطاردي: يحبونهم بفتح الياء وهي لغة يقال: حببت الرجل فهو محبوب قال الفرّاء أنشدني أبو تراب: شعر : أحبّ لحبّها السّوادن حتّى حببت لحبّها سواد الكلاب تفسير : {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبه ونافع وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيّوب وابن عبّاس ولوترى بالتّاء: أي تبصر يا محمّد وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالتّاء فهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والجواب محذوف تقديرها ولو ترى: أي تبصر يا محمّد الّذين ظلموا: أشركوا. {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} لرأيت أمراً عظيماً ولعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجّبت منه، ومن قرأ بالياء فمعناه: لوترى الّذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أو لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر ونظير هذه الآية من المحذوف الجواب قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} تفسير : [الرعد: 31] الآية: يعني لكان هذا القرآن وهو كما يقول: لو رأيت فلاناً والسّياط تأخذه. فتستغني عن الجواب؛ لأنّ المعنى مفهوم {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ}. وقرأ أبو البرخثم وابن عامر: يُرون بضم الياء على التعدي، وقرأ الآخرون بفتحها على اللزوم. {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: (إنّ القوّة وإن الله) بكسر الألف فيهما على الأستئناف والكلام تام عند قوله {يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} مع أضمار الجواب، كما ذكرنا. وقرأ الباقون: بفتحها على معنى بانّ القوّة وبانّ الله، وقيل: معناه ليروا أنّ القوّة لله أي لأيقنوا وعاينوا. قال عطاء: ولو يرى الذيّن ظلموا يوم القيامة إذ يرون العذاب حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمسمائة عام لتلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبّة؛ لعلموا أنّ القوّة والقدرة والملكوت والجبروت لله جميعاً. {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتلك هي قضية الحق الأساسية، و{وَإِلَـٰهُكُمْ} [البقرة: 163] يعني أن المعبود إله واحد، فالواقع أن الإله الحق موجود قبل أن يوجد الكفر. و{لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 163] هذه قضية ثانية، لأن غفلة الناس هي التي جعلت بعضا من نفوس الناس تلتفت إلى آلهة أخرى. وقوله الحق أنه سبحانه: {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] أي ليس له ثان، والفارق بين "واحد" و"أحد" هو أن "واحد" تعني ليس له ثان، و"أحد" يعني ليس مركباً ولا مكوناً من أجزاء، ولذلك فالله لا يمكن أن نصفه بأنه "كُلّ" أو "كُلّي" لأن "كل" يقابلها "جزء" و"كلي" يقابلها "جزئي"، و"كل" هو أن يجتمع من أجزاء. والله متفرد بالوحدانية، وسبحانه المنزه عن كل شيء وله المثل الأعلى، وأضرب هذا المثل للتقريب لا للتشبيه، إن الكرسي "كل" مكون من خشب ومسامير وغراء وطلاء، فهل يمكن أن نطلق على الخشب أنه "كرسي" أو على المسامير أو على الغراء أو على الطلاء؟. لا، إذن كل جزء لا يطلق على "الكل"، بل الكل ينشأ من اجتماع الأجزاء. و"الكلي" يُطلق على أشياء كثيرة؛ لكن كل شيء منها يحقق الكلي، فكلمة "إنسان" نقول عنها "كلي"؛ جزئياتها محمد وزيد وبكر وعمر وخالد، فنقول: زيد إنسان، وهو قول صحيح، ونقول عمر إنسان وذلك قول صحيح. والله سبحانه وتعالى لا هو "كلي" لأنه واحد، ولا هو "كل" لأنه أحد. إن القضية الأساسية في الدين هي {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 163] والقرآن لا ينفي ويقول: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 163] إلا حين توجد غفلة تعطي الألوهية لغير الله، أو تعطي الألوهية لله ولشركاء معه، إن القرآن ينفي ذلك ويقول: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} وليس هناك شيء غير الله إلا نعمة منه سبحانه أو مُنَعم عليه. إن ما دون الله إما نعمة وإما مُنْعَم عليه بالنعمة، وهذه كلها نفح الرحمن، ونفح الرحيم. وما دام كل شيء ما عدا الله إما نعمة وإما منعم عليه فلا توصف النعمة بأنها إله، ولا يقال في المنعم عليه: إنه إله، لأن المُنعم عليه معناه أن غيره أفاض عليه نعمه، لأن النعمة موهوبة، والمُنعَم عليه موهوب إليه، فإذا كانت هبة أو موهوبة إليه فلا يصح أن تكون إلهاً، لكن الذين يُفتنون إنما يُفتنون في الأسباب، والحق سبحانه وتعالى هو المسبب لكل الأسباب. وبعد ذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى خدمة هذه القضية فيدعونا أن ننظر في الكون ونتأمل في النعمة الموجودة لنا، وبعد ذلك فأنت يا مَنْ أنعم الله عليه بهذه النعمة إن وجدت أحداً يدعيها لنفسه فأعطها واتركها له وانسب النعم إلى موجدها وهو الله، وإياك أن تشرك في نعمة الله أحداً غيره، لأن الله يقول: في الحديث القدسي:"حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمَنْ عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه ". تفسير : ويلفتنا الحق إلى الكون فيقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحدين لآيات الله وما لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى بالبراهين على وجود الخالق الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي ثم بالعالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بث في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله لفائدة الإِنسان وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله، وإِعمال العقل في جميل خلقه، ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبّر الحكيم. اللغَة: {وَإِلَـٰهُكُمْ} الإِله: المعبود بحقٍ أو باطل والمراد به هنا المعبود بحق وهو الله رب العالمين {ٱلْفُلْكِ} ما عظم من السفن وهو اسم يطلق على المفرد والجمع {وَبَثَّ} فرَّق ونشر ومنه {أية : كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 4] {دَآبَّةٍ} الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من إِنسانٍ وحيوان مأخوذ من الدبيب وهو المشي رويداً وقد خصّه العرف بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالى {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} تفسير : [النور: 45] فجمع بين الزواحف والإِنسان والحيوان {تَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} الرياح: جمع ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفُها تقليبها في الجهات ونقلها من حال إِلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً {ٱلْمُسَخَّرِ} من التسخير وهو التذليل والتيسير {أَندَاداً} جمع نِدّ وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام {ٱلأَسْبَابُ} جمع سبب وأصله الحبل والمراد به ما يكون بين الناس من روابط كالنسب والصداقة {كَرَّةً} الكرَّة: الرَّجعة والعودة إِلى الحالة التي كان فيها {حَسَرَاتٍ} جمع حسْرة وهي أشد الندم على شيء فائت وفي التنزيل {أية : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 56]. سَبَبُ النّزول: عن عطاء قال: أنزلت بالمدينة على النبي صلى الله عليه وسلم {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} فقالت كفار قريش بمكة كيف يسعُ النّاسَ إِلهٌ واحد؟ فأنزل الله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ... إِلى قوله لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} التفسِيْر: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي إِلهكم المستحق للعبادة إِلهٌ واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} أي لا معبود بحق إِلا هو جلّ وعلا مُولي النعم ومصدر الإِحسان {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي إِن في إِبداع السماوات والأرض بما فيهما من عجائب الصنعة ودلائل القدرة {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي تعاقبهما بنظام محكم، يأتي الليل فيعقبه النهار، وينسلخ النهار فيعقبه الليل، ويطول النهار ويقصر الليل والعكس {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء وهي موقرةٌ بالأثقال {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} أي بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ} أي وما أنزل الله من السحاب من المطر الذي به حياة البلاد والعباد {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أي نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} أي تقليب الرياح في هبوبها جنوباً وشمالاً، حارة وباردة، وليّنة وعاصفة {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي السحاب المذلّل بقدرة الله، يسير حيث شاء الله وهو يحمل الماء الغزير ثم يصبُّه على الأرض قطرات قطرات، قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إِله قادر حكيم. ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله فقال {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} أي ومن الناس من تبلغ بهم الجهالة أن يتخذ من غير الله أنداداً أي رؤساء وأَصناماً {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ} أي يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} أي حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعدّ لهم يوم القيامة أَن القدرة كلها لله وحده {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} أي وأنَّ عذاب الله شديد أليم وجواب "لو" محذوف أي لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} أي تبرأ الرؤساء من الأتباع {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} أي حين عاينوا العذاب وتقطعت بينهم الروابط وزالت المودّات {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أي تمنّى الأتباع لو أنّ لهم رجعة إِلى الدنيا ليتبرءوا من هؤلاء الذين أضلوهم السبيل {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} أي كما تبرأ الرؤساء من الأتباع في ذلك اليوم العصيب.. قال تعالى {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} أي أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك يريهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} أي ليس لهم سبيل إِلى الخروج من النار، بل هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي. البَلاَغَة: 1- {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} ورد الخبر خالياً من التأكيد تنزيلاً للمنكر منزلة غير المنكر، وذلك لأن بين أيديهم من البراهين الساطعة والحجج القاطعة ما لو تأملوه لوجدوا فيه غاية الإِقناع. 2- {لآيَاتٍ} التنكير في آيات للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على قدرة قاهرة وحكمة باهرة. 3- {كَحُبِّ ٱللَّهِ} فيه تشبيه (مرسل مجمل) حيث ذكرت الأداة وحذف وجه التشبيه. 4- {أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} التصريح بالأشدّية أبلغ من أن يقال "أحبُّ لله" كقوله {أية : فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة: 74] مع صحة أن يقال: أو أقسى. 5- {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} وضع الظاهر موضع الضمير {ولو يرون} لإِحضار الصورة في ذهن السامع وتسجيل السبب في العذاب الشديد وهو الظلم الفادح. 6- في قوله {رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} و{تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} من علم البديع ما يسمى بـ "الترصيع" وهو أن يكون الكلام مسجوعاً. 7- {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} الجملة إِسمية وإِيرادها بهذه الصيغة لإِفادة دوام الخلود. الفوَائِد: الأولى: ذكر تعالى في الآية من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع تنبيهاً على ما فيها من العبر واستدلالاً على الوحدانية من الأثر، الأول: خلق السماوات وما فيها من الكواكب والشمس والقمر، الثاني: الأرض وما فيها من جبال وبحار وأشجار وأنهار ومعادن وجواهر، الثالث: اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان، الرابع: السفن العظيمة كأنها الراسيات من الجبال وهي موقرة بالأثقال والرجال تجري بها الريح مقبلة ومدبرة، الخامس: المطر الذي جعله الله سبباً لحياة الموجودات من حيوان ونبات وإِنزاله بمقدار، السادس: ما بثّ في الأرض من إِنسان وحيوان مع اختلاف الصور والأشكال والألوان، السابع: تصريف الرياح والهواءُ جسم لطيفٌ وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الصخر والشجر ويخرب البنيان العظيم وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض، الثامن: السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية الكبيرة يبقى معلقاً بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده فسبحان الواحد القهار. الثانية: ورد لفظ الرياح في القرآن مفردة ومجموعة، فجاءت مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب كقوله {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} تفسير : [الروم: 46] وقوله {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الفرقان: 48] وجاءت مفردة في العذاب كقوله {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6] وقوله {أية : ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إِذا هبت الريح "حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " .

الجيلاني

تفسير : { وَإِلَـٰهُكُمْ} المظهر لكم أيها المؤمنون وإله الكافرين الكاتمين {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لا تعدد فيه ولا اثنينية بل {لاَّ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود حقيقي {إِلاَّ هُوَ} الموجود الحقيقي الحق؛ إذ لا كثرة في الوجود، بل هو واحد في الذات، فرد في الصفات، ليس كمثله شيء {ٱلرَّحْمَـٰنُ} المبدئ لكم ولهم عامة بإشراق تجلياته ومد أظلاله على العدم في النشأة الأولى {ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 163] المعيد لكم خاصة إلى مبدئكم الأصلي ومقصدكم الحقيقي في النشأة الأخرى. ولما كان لوحدته سبحانه آيات ودلائل واضحات لمن تأمل في عجائب مصنوعاته، وبدائع مبدعاته ومخترعاته، المترتبة إلى أسمائه وصفاته المستندة إلى وحدة ذاته، أشار سبحانه إلى نبذتها إرشاداً وتنبيهاً فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: إظهار العلويات التي هي الأسماء والصفات المؤثرة الفاعلة {وَٱلأَرْضِ} أي: السفلية التي هي طبيعة العدم القابلة المتأثرة من العلويات {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ} أي: ظلمة العدم والجهل والعمى {وَٱلنَّهَارِ} نور الوجود والعلم والعين {وَٱلْفُلْكِ} أي: الأجساد الحاصلة من تأثير الأسماء وتأثير الطبيعة منها {ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} أي: بحر الوجود الذلا لا ساحل له ولا قعر {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من جواهر المعارف، ودرر الحقائق المستخرجة منه {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} من كرمه وجوده بلا عوض ولا غرض {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} المعدة للإفاضة {مِن مَّآءٍ} علمٍ وعينٍ وكشفٍ {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} أي: الطبيعة {بَعْدَ مَوْتِهَا} بالجهل الجبلي {وَ} بعدما ما أصابها {بَثَّ} بسط ونشر {فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} من القوى المدركة والمحركة المتشعبتين بالشعبة الكثيرة على صنعة الحياة المتفرعة على التجلي الحي {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} المروحة للنفوس، المتوجهة الناشئة المنشئة من النفس الرحمانية نحو الطبيعة المكدرة بالكدورات الجسمانية {وَٱلسَّحَابِ} أي: حجاب العبودية وقيود الغيرية الناشئة من مقتضيات الأسماء والصفات {ٱلْمُسَخَّرِ} الممدود {بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: سماء الأسماء الإلهية وأرض الطبيعة الكونية {لآيَاتٍ} دلائل وبراهين يقينيةٍ دالةٍ على أن مظهر الكل واحد {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] يعلمون الأشياء بالدلائل العقلية اليقينة المنتجة لعلم اليقين إلى العين والحق لو كوشفوا. ربنا اكشف علينا ما أودعت فينا بفضلك وتوفيقك، إنك أنت الجواد الكريم. {وَ} مع لوام هذه الآيات والدلائل الشواهد وبروق الواردات الغيبية، وشروق المكاشفات العينية الدالة على وحدة الذات {مِنَ ٱلنَّاسِ} المخلوقين على فطرة التوحيد القابلين لها {مَن يَتَّخِذُ} منهم جهلاً وعناداً {مِن دُونِ ٱللَّهِ} المعني للكثرة مطلقاً {أَندَاداً} أمثالاً أحقاء للألوهية والربوبية مستحقين للعابدة إلى حيث {يُحِبُّونَهُمْ} أي: كلاً منه معبودهم {كَحُبِّ ٱللَّهِ} الجامع للكل لحصر كل طائفة منهم مرتبة للألوهية في مظهرٍ مخصوصٍ، ولذلك كفروا {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله {أَشَدُّ حُبّاً} منهم {للَّهِ} المحيط للكل الحقيق بالحقية؛ لحصرهم الألوهية والربوبية والتحقق والوجود والهوية، والذات والحقيقة والصفات على الله لا على غيره؛ إذ لا غير في الوجود، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم في النشأةالأولى، وإليه الرجوع في النشأة الأخرى. أذقنا حلاوة اليقين وارزقنا محبة المؤمنين الموقنين. {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} حين خرجوا عن طريق التوحيد، وانصرفوا عن الصراط المستقيم واتخذوا أمثالاً يحبونهم كحب الله ما يرون حين {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} النازل عليهم باتخاذهم من {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ} الكاملة والقدرة الشاملة الجامعة {للَّهِ جَمِيعاً} المنفرد بالمجد وإليها {وَ} من {أَنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء {شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} [البقرة: 165] صعب الانتقام، سريع الحساب، لتبرءوا من متبوعهم في الدنيا كما تبرءوا منهم في الآخرة. اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ} من الأنداد والأمثال {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} من المتخذين {وَ} ذلك حين {رَأَوُاْ} المتبوعين {ٱلْعَذَابَ} النازل على تابعيهم باتخاذهم آلهة، كذبوهم وأظهروا البراءة عنهم براءة نفوسهم {وَ} التابعون أيضاً يرونهم ويفهمون براءتهم ويقصدون انتقامهم ولا يستطيعون؛ إذ {تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} [البقرة: 166] أي: أسباب الانتقام بانقطاع النشأة الأولى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه { إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك في ذاته، ولا سمي له ولا كفو له، ولا مثل، ولا نظير، ولا خالق، ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك، فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه، لأنه { الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } المتصف بالرحمة العظيمة، التي لا يماثلها رحمة أحد، فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي، فبرحمته وجدت المخلوقات، وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عنها كل نقمة، وبرحمته عرّف عباده نفسه بصفاته وآلائه، وبيَّن لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة، فمن الله، وأن أحدا من المخلوقين، لا ينفع أحدا، علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاعات. وأن من أظلم الظلم، وأقبح القبيح، أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد، وأن يشرك المخلوق من تراب، برب الأرباب، أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع الوجوه، مع الخالق المدبر القادر القوي، الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء. ففي هذه الآية، إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم، واندفاع [جميع] النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 51 : 84 - سفين عن أبيه سعيد بن مسروق عن أبي الضحى في قوله عز وجل {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} قال، قال المشركون: (آيتنا بآية). فنزلت {إِنَّ فِي (خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَ)ٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ... لآيَاتٍ} الى آخر الآية. [الآية 163-164]. 52 : 91 - سفين عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير قال، قال إبن عباس حين قال المشركون: (آيتنا بآية)، فقال ابن عباس، الآية كان سال الرجل، فجآء ثمه. يقول، علامة لهذه الأمة. [الآية 164].