٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
164
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولاً وعلى توحيده وبراءته على الأضداد والأنداد ثانياً، وقبل الخوض في شرح تلكم الدلائل لا بد من بيان مسائل: المسألة الأولى: وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟ فقال عالم من الناس: الخلق هو المخلوق. واحتجوا عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، وذلك لأنه تعالى قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } إلى قول: {لأَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور. أحدها: أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فهذا الإخراج لو كان أمراً مغايراً للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديماً أو حديثاً، فإن كان قديماً فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال، وإن كان محدثاً فلا بد له أيضاً من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل. وثانيها: أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجاً للأشياء من عدمها إلى وجودها، ثم في الأزل هل أحدث أمراً أو لم يحدث؟ فإن أحدث أمراً فذلك الأمر الحادث هو المخلوق، وإن لم يحدث أمراً فالله تعالى قط لم يخلق شيئاً. وثالثها: أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى، وحصول الأثر إما في الحال أو في الإستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادراً مختاراً بل ملجأ مضطراً إلى ذلك التأثير فيكون علة موجَبة وذلك كفر. واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه. أولها: أن قالوا: لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء، والخالق هو الموصوف بالخلق، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفاً بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات، وذلك لا يقوله عاقل. وثانيها: أنا إذا رأينا حادثاً حدث بعد أن لم يكن قلنا: لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا: إنه حق وصواب، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه، فالخلق غير المخلوق. وثالثها: أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب. ورابعها: أن النحاة قالوا: إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم. وخامسها: أنه يصح أن يقال: خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة. المسألة الثانية: قال أبو مسلم رحمه الله: أصل الخلق في كلام العرب التقدير وصار ذلك اسماً لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صواباً قال تعالى: {أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } تفسير : [الفرقان: 2] ويقول الناس في كل أمر محكم هو معمول على تقدير. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقاً ألبتة إلى تحصيل هذا الغرض. المسألة الرابعة: ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية: عن عطاء أنه عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [البقرة: 163] فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وعن سعيد بن مسروق قال: سألت قريش اليهود فقالوا حدثونا عما جاءكم به موسى من الأيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى فقالت قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد يقيناً وقوة على عدونا، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين فقال عليه السلام: «حديث : ذرني وقومي أدعوهم يوماً فيوماً»تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية مبيناً لهم أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهباً ليزدادوا يقيناً فخلق السموات والأرض وسائر ما ذكر أعظم. واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام: القسم الأول: في تفصيل القول في كل واحد منها، فالنوع الأول من الدلائل: الاستدلال بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } تفسير : [البقرة: 22] ولنذكر ههنا نمطاً آخر من الكلام: روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري، فقال بعض الفقهاء يوماً: ما الذي تقرؤنه فقال: أفسر آية من القرآن، وهي قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ} تفسير : [ق: 6] فأنا أفسر كيفية بنيانها، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته فنقول: الكلام في أحوال السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول: الفصل الأول في ترتيب الأفلاك قالوا: أقر بها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ثم كرة الثوابت، ثم الفلك الأعظم. واعلم أن في هذا الموضوع أبحاثاً: البحث الأول: ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه. الأول: السير، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد،. ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب، كصفرة عطارد، وبياض الزهرة وحمرة المريخ، ودرية المشتري، وكمودة زحل، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة، وكثيراً من الثوابت في طريقه في ممر البروج، وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس. الثاني: اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فقليل جداً، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الطريق بين جداً لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب، وشاهده على الوجه الذي حكيناه، فأما من لم يمارسه، فإنه يكون مقلداً فيه، لا سيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر. الثالث: قال بطليموس: إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلاً عن سائر الأبعاد، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الدليل ضعيف، فإنه منقوض بالقمر، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد، مع أنه تحت الكل. البحث الثاني: في أعداد الأفلاك، قالوا إنها تسعة فقط، والحق أن الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها، فأما ما عداها، فلما لم يدل الرصد عليه، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها، وذكر ابن سينا في الشفاء: أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة، أو كرات منطبق بعضها على بعض، وأقول: هذا الإحتمال واقع، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال: إن حركاتها متساوية، وإذا كان كذلك وجب كونها مركوزة في كرة واحدة، والمقدمتان ضعيفتان. أما المقدمة الأولى: فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة، لكنها في الحقيقة لعلها ليست كذلك، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ستة وثلاثين ألف سنة، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان عاشرة، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة، لا شك أن حصة كل يوم، بل كل سنة، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوساً، وإذا كان كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت. وأما المقدمة الثانية: وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة في كرة واحدة وهي أيضاً ليست يقينية، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد اشتراكها في لازم واحد، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة الثوابت قائم في جميع الكرات، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ذكرناه وزيفناه، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جداً لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل. ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت، وتحت الفلك الأعظم، واحتجوا من وجوه. الأول: أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار، وكل من كان رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم، فإن بطليموس وجده. (كج نا) ثم وجد في زمان المأمون (كج له) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة، وذلك يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى، وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل، ويكون كرة الثوابت يدور أيضاً قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً، وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب. وثانيها: أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات، حتى أن بطليموس حكى عن أبرخس أنه كان شاكاً في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو مختلفة. ثم إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين. أحدهما: قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطتي الإعتدالين لاختلاف بعدهما من الأوج، فيختلف زمان سير الشمس من أجله. وثانيهما: قول أهل الهند والصين وبابل، وأكثر قدماء علماء الروم ومصر والشام: أن السبب فيه انتقال فلك البروج، وارتفاع قطبيه وانحطاطه، وحكى أبرخس أنه كان يعتقد هذا الرأي، وذكر باربا الإسكنداني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك أيضاً، وأن قطب فلك البروج يتقدم عن موضعه ويتأخر ثمان درجات، وقالوا: إن ابتداء الحركة من (كب) درجة من الحوت إلى أول الحمل. وثالثها: أن بطليموس رصد الثوابت فوجدها تقطع في كل مائة سنة درجة واحدة والمتأخرون رصدوها فوجدوها تقطع في كل مائة سنة درجة ونصفاً، وهذا تفاوت عظيم يبعد حمله على التفاوت في الآلات التي تتخذها المهرة في الصناعة على سبيل الإستقصاء، فلا بد من حمله على ازدياد الميل ونقصانه، وذلك يوجب القول بثبوت الفلك الذي ذكرناه. البحث الثالث: احتجوا على أن الكواكب الثابتة مركوزة في فلك فوق أفلاك هذه الكواكب السبعة، فقالوا: شاهدنا لهذه الأفلاك السبعة حركات أسرع من حركات هذه الثوابت، وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة الفلك، وهذا يقتضي كون هذه الثوابت مركوزة في كرة سوى هذه السبعة، ولا يجوز أن تكون مركوزة في الفلك الأعظم لأنه سريع الحركة، يدور في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب، ثم قالوا: إنها مركوزة في كرة فوق كرات هذه السبعة، لأن هذه الكواكب السبعة قد تكسف تلك الثوابت، والكاسف تحت المكسوف، فكرات هذه السبعة وجب أن تكون دون كرات الثوابت. وهذا الطريق أيضاً ضعيف من وجوه. أحدها: أنا لا نسلم أن الكوكب لا يتحرك إلا بحركة فلكية، وهم إنما بنوا على امتناع الخرق على الأفلاك، ونحن قد بينا ضعف دلائلهم على ذلك. وثانيها: سلمنا أنه لا بد لهذه الثوابت من كرات أخرى إلا أن مذهبكم أن كل كرة من هذه الكرات السبعة تنقسم إلى أقسام كثيرة، ومجموعها هو الفلك الممثل وأن هذه الممثلة بطيئة الحركة على وفق حركة كرة الثوابت، فلم لا يجوز أن يقال: هذه الثوابت مركوزة في هذه الممثلات البطيئة الحركة، فأما السيارات فإنها مركوزة في الحوامل التي هي أفلاك خارجة المركز، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات كرة الثوابت. وثالثها: هب أنه لا بد من كرة أخرى فلم لا يجوز أن يكون هناك كرتان إحداهما فوق كرة زحل، والأخرى دون كرة القمر، وذلك لأن هذه السيارات لا تمر إلا بالثوابت الواقعة في ممر تلك السيارات، فأما الثوابت المقاربة للقطبين فإن السيارات لا تمر بشيء منها ولا تكسفها، فالثوابت التي تنكسف بهذه السيارات هب أنا حكمنا بكونها مركوزة في كرة فوق كرة زحل، أما التي لا تنكسف بهذه السيارات فكيف نعلم أنها ليست دون السيارات فثبت أن الذي قالوه غير برهاني بل احتمالي. البحث الرابع: زعموا أن الفلك الأعظم حركته أسرع الحركات فإنه يتحرك في اليوم والليلة قريباً من دورة تامة، وأنه يتحرك من المشرق إلى المغرب. وأما الفلك الثامن الذي تحته فإنه في نهاية البطء حتى إنه يتحرك في كل مائة سنة درجة عند بطليموس، وعند المتأخرين في كل ستة وستين سنة درجة، وأنه يتحرك من المغرب إلى المشرق على عكس الحركة الأولى، واحتجوا عليه بأنا لما رصدنا هذه الثوابت وجدنا لها حركة على خلاف الحركة اليومية. واعلم أن هذا أيضاً ضعيف، فلم لا يجوز أن يقال: إن الفلك الأعظم يتحرك من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة تامة، والفلك الثامن أيضاً يتحرك من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة إلا بمقدار نحو عشر ثانية فلا جرم نرى حركة الكواكب في الحس مختلفة عن الحركة الأولى بذلك القدر القليل في خلاف جهة الحركة الأولى، فإذا اجتمعت تلك المقادير أحس كأن الكوكب الثابت يرجع بحركة بطيئة إلى خلاف جهة الحركة اليومية، فهذا الاحتمال واقع، وهم ما أقاموا الدلالة على إبطاله، ثم الذي يدل على أنه هو الحق وجهان. الأول: وهو برهاني، أن حركة الفلك الثامن لو كانت إلى خلاف حركة الفلك الأعظم لكان حينما يتحرك بحركة الفلك الأعظم إلى جهة إما أن يتحرك بحركة نفسه إلى خلاف تلك الجهة أو لا يتحرك في ذلك الوقت بمقتضى حركة نفسه، فإن كان الأول لزم كون الشيء الواحد دفعة واحدة متحركاً إلى جهتين، والحركة إلى جهتين تقتضي الحصول في الجهتين دفعة وذلك محال، وإن كان القسم الثاني لزم انقطاع الحركات الفلكية، وهم لا يرضون بذلك. الثاني: أن نهاية الحركة حاصلة للفلك الأعظم، ونهاية السكون حاصلة للأرض، والأقرب إلى العقول أن يقال: كل ما كان أقرب من الفلك الأعظم كان أسرع حركة، وكل ما كان أبعد كان أبطأ حركة، ففلك الثوابت أقرب الأفلاك إليه، فلا جرم لا تفاوت بين الحركتين إلا بقدر قليل، وهو الذي يحصل من اجتماع مقادير التفاوت في كل مائة سنة درجة واحدة، ويليه فلك زحل فإنه أبطأ من فلك الثوابت فلا جرم كان تخلفه عن الفلك الأعظم أكثر حتى إن مقادير التفاوت إذا اجتمعت بلغت في كل ثلاثين سنة إلى تمام الدور، وعلى هذا القول كل ما كان أبعد عن الفلك الأعظم كان أبطأ حركة، فكان تفاوته أكثر حتى يبلغ إلى فلك القمر الذي هو أبطأ الأفلاك حركة، فهو في كل يوم يتخلف عن الفلك الأعظم ثلاث عشرة درجة، فلا جرم يتمم دوره في كل شهر، ولا يزال كذلك حتى ينتهي إلى الأرض التي هي أبعد الأشياء عن الفلك، فلا جرم كانت في نهاية السكون، فثبت أن كلامهم في هذه الأصول مختل ضعيف والعقل لا سبيل له إلى الوصول إليها. الفصل الثاني في معرفة الأفلاك القوم وضعوا لأنفسهم مقدمتين ظنيتين. إحداهما: أن حركات الأجرام السماوية متساوية متصلة، وأنها لا تبطىء مرة وتسرع أخرى، وليس لها رجوع عن متوجهاتها. والثانية: أن الكواكب لا تتحرك بذاتها بل بتحرك الفلك، ثم إنهم بنوا على هاتين المقدمتين مقدمة أخرى فقالوا: الفلك الذي يحمل الكواكب إما أن يكون مركزه مركز الأرض أو لا يكون، فإن كان مركزه مركز الأرض، فإما أن يكون الكوكب مركوزاً في ثخنه أو مركوزاً في جرم مركوز في ثخن ذلك الفلك، فإن كان الأول استحال أن يختلف قرب الكوكب وبعده من الأرض، وأن يختلف قطعه للقسى من ذلك الفلك والأعراض الإختلاف في حركة الفلك، أو حركة الكوكب، وقد فرضنا أنهما لا يوجدان ألبتة، فبقي القسمان الآخران. أحدهما: أن يكون الكوكب مركوزاً في جرم كري مستدير الحركة، مغروز في ثخن الفلك المحيط بالأرض، وذلك الجرم نسميه بالفلك المستدير، فحينئذ يعرض بسبب حركته اختلاف حال الكوكب بالنسبة إلى الأرض تارة بالقرب والبعد وتارة بالرجوع والإستقامة، وتارة بالصغر والكبر في المنظر وإما أن يكون الفلك الميحط بالأرض ليس مركزه موافقاً لمركز الأرض، فهو الفلك الخارج المركز، ويلزم أن يكون الحامل في أحد نصفي فلك البروج من ذلك الفلك أعظم من النصف، وفي نصفه الآخر أقل من النصف، فلا جرم يحصل بسببه: القرب والبعد من الأرض، وأن يقطع أحد نصفي فلك البروج في زمان أكثر من قطعه النصف الآخر، فظهر أن اختلاف أحوال الكواكب في صغرها وكبرها، وسرعتها وبطئها، وقربها وبعدها، من الأرض لا يمكن حصوله إلا بأحد هذين الشيئين، أعني التدوير، والفلك الخارج المركز. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى التفصيل قولهم في الأفلاك، فقالوا: هذه الأفلاك التسعة، منها ما هو كرة واحدة، وهو الفلك الأعظم، وفلك الثوابت، ومنها ما ينقسم إلى كرتين، وهو فلك الشمس، وذلك أنه ينفصل منه فلك آخر مركزه غير مركز العالم، بحيث يتماس سطحاهما المحدبان على نقطة تسمى الأوج، وهو البعد الأبعد من الفلك المنفصل، ويتماس سطحاهما المقعران على نقطة تسمى الحضيض، وهو البعد الأقرب منه، وهما في الحقيقة فلك واحد، منفصل عنه فلك آخر، إلا أنه يقال: فلكان، توسعا، ويسمى المنفصل عنه: الفلك الممثل، والمنفصل الخارج المركز فلك الأوج، وجرم الشمس مغرق فيه بحيث يماس سطحه سطحيه، ومنها ما ينقسم إلى ثلاث أكر، وهي أفلاك الكواكب العلوية والزهرة، فإن لكل واحد منهما فلكين مثل فلك الشمس، وفلكاً آخر موقعه من خارج المركز مثل موقع جرم الشمس من فلكه ويسمى: فلك التدوير والكوكب مغرق فيه بحيث يماس سطحه ويسمى الخارج المركز: الفلك الحامل، ومنها ما ينقسم إلى أربع أكر وهو فلك عطارد والقمر، أما عطارد فإن له فلكين مثل فلكي الشمس وينفصل من الثاني فلك آخر انفصال الخارج المركز عن الممثل بحيث يقع مركزه خارجاً عن المركزين وبعده عن مركز الخارج المركز مثل نصف بعد ما بين مركزي الخارج المركز والممثل ويسمى المنفصل عنه الفلك المدير والمنفصل الفلك الحامل، ومنه فلك التدوير وعطارد فيه كما سبق في الكرات الأربعة، وأما القمر فإن فلكه ينقسم إلى كرتين متوازيتين والعظمى تسمى الفلك المثل والصغرى الفلك المائل وينقسم المائل إلى ثلاث أكر كما في الكواكب الأربعة، وكل فلك ينفصل عنه فلك آخر على الصورة التي عرفتها في فلك الشمس، فإنه يبقى من المنفصل عنه كرتان مختلفتا الثخن يسميان متممين لذلك الفلك المنفصل وكل واحد من هذه الأفلاك يتحرك على مركزه حركة دائمة متصلة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا والناس إنما وصلوا إلى معرفة هذه الكرات بناء على المقدمة التي قررناها ولا شك أنها لو صحت لصح القول بهذه الأشياء إنما الشأن فيها. الفصل الثالث في مقادير الحركات قال الجمهور: إن جميع الأفلاك تتحرك من المغرب إلى المشرق سوى الفلك الأعظم، والمدير لعطارد والفلك الممثل والمائل والمدير للقمر فالحركة الشرقية تسمى: الحركة إلى التوالي والغربية إلى خلاف التوالي، والفلك الأعظم يتحرك حركة سريعة في كل يوم بليلته دورة واحدة على قطبين يسميان قطبي العالم ويحرك جميع الأفلاك والكواكب، وبهذه الحركة يقع للكواكب الطلوع والغروب وتسمى الحركة الأولى، وفلك الثوابت يتحرك حركة بطيئة في كل ست وستين سنة عند المتأخرين درجة واحدة على قطبين يسميان قطبي فلك البروج، وهما يدوران حول قطبي العالم بالحركة الأولى وتتحرك على وفق هذه الحركة جميع الأفلاك المتحركة، وبهذه الحركة تنتقل الأوجات عن موضعها من فلك البروج وتسمى الحركة الثانية وحركة الأوج وهي حركة الثوابت والثوابت إنما سميت ثوابت لأسباب. أحدها: كونها بطيئة لأنها بإزاء السيارة تشبه الساكنة. وثانيها: السيارة تتحرك إليها وهي لا تتحرك إلى السيارة فكأن الثوابت ثابتة لانتظارها. وثالثها: عروضها ثابتة على مقدار واحد لا يتغير. ورابعها: أبعاد ما بينها ثابتة على حال واحد لا تتغير الصورة المتوهمة عليها من الصور الثماني والأربعين. وخامسها: الأزمنة عند أكثر عوام الأمم منوطة بطلوعها وأفولها بحيث لا يتفاوت إلا في القرون والأحقاب. وأما الأفلاك الخارجة المركز فإنها تتحرك في كل يوم هكذا: زحل (ب أ) المشتري (دنط) المريخ بدلالة الشمس (لاكر) الزهرة (نط ج) عطارد (نط ح) والقمر (يج يج مو) وتسمى حركة المركز، وحركة الوسط، وهي حركات مراكز أفلاك التداوير ومركز الشمس والأفلاك التداوير تتحرك بهذا المقدار زحل (نرح) المشتري (ند ط) المريخ (كرمب) الزهرة (لونط) عطارد (ج وكد) القمر (يج ج ند) وتسمى: الحركة الخاصة، وحركة الاختلاف وهي حركات مراكز الكواكب. واعلم أن بسبب هذه الحركات المختلفة يعرض لهذه الكواكب أحوال مختلفة. أحدها: أنه يحصل للقمر مثلاً أبعاد مختلفة غير مضبوطة بالنسبة إلى هذا العالم والأنواع المضبوطة منها أربعة. الأول: أن يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز ويقال له البعد الأقرب، وهو الثلاث وثلاثون مرة مثل نصف قطر الأرض بالتقريب. الثاني: أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأقرب للأبعد وهو ثلاث وأربعون مرة مثل نصف قطر الأرض. الثالث: أن يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد للأقرب وهو أربعة وخمسون مرة مثل نصف قطر الأرض. الرابع: أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد وهو أربعة وستون مرة مثل نصف قطر الأرض، ثم إن ما بين هذه النقط الأربعة الأحوال مختلفة على ما أتى على شرحها أبو الريحان. وثانيها: أن جميع الكواكب مرتبطة بالشمس ارتباطاً ما، فأما العلوية فإن بعد مراكزها عن ذرى أفلاك تداويرها أبداً تكون بمقدار بعد مركز الشمس عن مراكز تداويرها وحينئذ تكون محترقة ومتى كانت في الحضيض كانت في مقابلتها وحينئذ تكون مقابلة للشمس وذلك يقارن الشمس في منتصف الاستقامة ويقابلها في منتصف الرجوع وقيل: إن نصف قطر فلك تدوير المريخ أعظم من نصف قطر فلك ممثل الشمس فيلزم أنه إذا كان مقارناً للشمس يكون بعد مركزه عن مركز الشمس أعظم منه إذا كان مقابلاً لها، وأما السلفيات فإن مراكز أفلاك تدويرها أبداً يكون مقارناً للشمس فيلزم أن تقارن الشمس الذروة والحضيض في منتصفي الاستقامة، والرجوع غاية بعد كل واحد منهما عن الشمس بمقدار نصف قطر فلك تدويرهما، وهو للزهرة (مه) ولعطارد (كه) بالتقريب وأما القمر فإن مركز الشمس أبداً يكون متوسطاً بين بعده الأبعد وبين مركز تدويره ولذلك يقال لبعدمركز تدويره عن البعد الأبعد البعد المضاعف لأنه ضعف بعد مركز تدويره من الشمس فلزم أنه متى كان مركز تدويره في البعد الأبعد، فإما أن يكون مقابلاً للشمس أو مقارناً لها، ومتى كان في البعد الأقرب تكون الشمس في تربيعه فلذلك يكون اجتماعه واستقباله في البعد الأبعد وتربيعه مع الشمس في الأقرب. الفصل الرابع في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال على وجود الصانع وهي من وجوه. أحدها: النظر إلى مقادير هذه الأفلاك، فإنها مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، اختص كل واحد منها بمقدار خاص، مع أنه لا يمتنع في العقل وقوعها على أزيد من ذلك المقدار أو أنقص منه بذرة، فلما قضى صريح العقل بأن المقادير بأسرها على السوية، قضى بافتقارها في مقاديرها إلى مخصص مدبر. وثانيها: النظر إلى أحيازها، فإن كل فلك مماس بمحدبه فلكاً آخر فوقه وبمقعره فلكاً آخر تحته، ثم ذلك الفلك إما أن يكون متشابه الأجزاء أو ينتهي بالآخرة إلى جسم متشابه الأجزاء، وذلك الجسم المتشابه الأجزاء لا بد وأن تكون طبيعة كل واحد من طرفيه مساوية لطبيعة طرفه الآخر، فكما صح على محدبه أن يلقى جسماً وجب أن يصح على مقعره أن يلقى ذلك الجسم، ومتى كان كذلك صح أن العالي يمكن وقوعه سافلاً، والسافل يمكن وقوعه عالياً، ومتى كان كذلك كان اختصاص كل واحد منها بحيزه المعين أمراً جائزاً يقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى. وثالثها: أن كل كوكب حصل في مقعره اختص به أحد جوانب ذلك الفلك دون سائر الجوانب، ثم إن ذلك الموضع المنتفي من ذلك الفلك مساو لسائر جوانبه، لأن الفلك عنده جسم متشابه الأجزاء، فاختصاص ذلك المقعر بذلك الكوكب دون سائر الجوانب يكون أمراً ممكناً جائزاً فيقضي العقل بافتقاره إلى المخصص. ورابعها: أن كل كرة فإنها تدور على قطبين معينين، وإذا كان الفلك متشابه الأجزاء كان جميع النقط المفترضة عليه متساوية، وجميع الدوائر المفترضة عليه أيضاً متساوية، فاختصاص نقطتين معينتين بالقطبية دون سائر النقط مع استوائها في الطبيعة يكون أمراً جائراً، فيقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى، وهكذا القول في تعين كل دائرة معينة من دوائرها بأن تكون منطقة. وخامسها: أن الأجرام الفلكية مع تشابهها في الطبيعة الفلكية كل واحد منها مختص بنوع معين من الحركة في البطء والسرعة، فانظر إلى الفلك الأعظم مع نهاية اتساعه وعظمه ثم إنه يدور دورة تامة في اليوم والليلة، والفلك الثامن الذي هو أصغر منه لا يدور الدورة التامة إلا في ستة وثلاثين سنة على ما هو قول الجمهور، ثم إن الفلك السابع الذي تحته يدور في ثلاثين سنة، فاختصاص الأعظم بمزيد السرعة، والأصغر بمزيد البطء مع أنه على خلاف حكم العقل فإنه كان ينبغي أن يكون الأوسع أبطأ حركة لعظم مداره، والأصغر أسرع استدارة لصغر مداره ليس إلا لمخصص، والعقل يقضي بأن كل واحد منها إنما اختص بما هو عليه بتقدير العزيز العليم. وسادسها: أن الفلك الممثل إذا انفصل عنه الفلك الخارج المركز بقي متممان: أحدهما: من الخارج، والآخر: من الداخل، وأنه جرم متشابه الطبيعة، ثم اختص أحد جوانبهما بغاية الثخن، والآخر بغاية الرقة بالنسبة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون نسبة ذلك الثخن والرقة إلى طبيعته على السوية، فاختصاص أحد جانبيه بالرقة والآخر بالثخن، لا بد وأن يكون بتخصيص المخصص المختار. وسابعها: أنها مختلفة في جهات الحركات، فبعضها من المشرق إلى المغرب، وبعضها من المغرب إلى المشرق، وبعضها شمالية، وبعضها جنوبية، مع أن جميع الجهات بالنسبة إليها على السوية، فلا بد من الإفتقار إلى المدبر. وثامنها: أنا نراها الآن متحركة ومحال أن يقال إنها كانت أزلاً متحركة، أو ما كانت متحركة، ثم ابتدأت بالحركة، ومحال أن يقال: إنها كانت أزلاً متحركة لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بين الحركة والأزلية محال، وإن قلنا إنها ما كانت متحركة أزلاً سواء قلنا إنها كانت قبل تلك الحركة موجودة أو كانت ساكنة، أو قلنا: إنها كانت قبل تلك الحركة معدومة أصلاً، فالإبتداء بالحركة بعد عدم الحركة يقتضي الإفتقار إلى مدبر قديم سبحانه وتعالى ليحركها بعد أن كانت معدومة، أو بعد أن كانت ساكنة، وهذا المأخذ أحسن المآخذ وأقواها. وتاسعها: أن يقال: إن حركاتها إما أن تكون من لوازم جسمانيتها المعينة، لكنا نرى جسمانياتها المعينة منفكة عن كل واحد من أجزاء تلك الحركة، فإذن كل واحد من أجزاء حركته ليس من لوازمه، فافتقرت الأفلاك في حركاتها إلى محرك من خارج، وذلك هو محرك المتحركات، ومدبر الثوابت والسيارات، وهو الحق سبحانه وتعالى. وعاشرها: أن هذا الترتيب العجيب في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركاتها أترى أنها مبنية على حكمة، أم هي واقعة بالجزاف والعبث؟ أما القسم الثاني: فباطل وبعيد عن العقل، فإن جوز في بناء رفيع، وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر، ثم تولد منهما لبنات، ثم تركبها قصر مشيد وبناء عال، فإنه يقضي عليه بالجنون، ونحن نعلم أن تركيب هذه الأفلاك وما فيها من الكواكب، وما لها من الحركات ليس أقل من ذلك البناء، فثبت أنه لا بد فيها من رعاية حكمة، ثم لا يخلو إما أن يقال: إنها أحياء ناطقة فهي تتحرك بأنفسها أو يقال: إنه يحركها مدبر قاهر، والأول باطل لأن حركتها إما أن تكون لطلب استكمالها أو لا لهذا الغرض، فإن كانت طالبة بحركتها لتحصيل كمال فهي ناقصة في ذواتها، طالبة للاستكمال أو لا لهذا الغرض، والناقص بذاته لا بد له من مكمل، فهي مفتقرة محتاجة، وإن لم تكن طالبة بحركتها للاستكمال، فهي عابثة في أفعالها، فيعود الأمر إلى أنه يبعد في العقول أن يكون مدار هذه الأجرام المستعظمة، والحركات الدائمة، على العبث والسفه، فلم يبق في العقول قسم هو الأليق بالذهاب إليه إلا أن مدبراً قاهراً غالباً على الدهر والزمان يحركها لأسرار مخفية، ولحكم لطيفة هو المستأثر بها، والمطلع عليها، وليس عندنا إلا الإيمان بها على الإجمال على ما قال: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191]. والحادي عشر: أنا نراها مختلفة في الألوان، مثل صفرة عطارد، وبياض الزهرة وضوء الشمس وحمرة المريخ ودرية المشتري، وكمودة زحل واختلاف كل واحد من الكواكب الثابتة بعظم خاص ولون خاص وتركيب خاص، ونراها أيضاً مختلفة بالسعادة والنحوسة، ونرى أعلى الكواكب السيارة أنحسها ونرى ما دونها أسعدها، ونرى سلطان الكواكب سعيداً في بعض الاتصالات نحساً في بعض ونراها مختلفة في الوجوه والخدود واللثات والذكورة والأنوثة وكون بعضها نهارياً وليلياً وسائراً وراجعاً ومستقيماً وصاعداً وهابطاً مع اشتراكها بأسرها في الشفافية والصفاء والنقاء في الجوهر فيقضي العقل بأن اختصاص كل واحد منها بما اختص به لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص. والثاني عشر: وهو أن هذه الكواكب وكان لها تأثير في هذا العالم فهي إما أن تكون متدافعة أو متعاونة، أو لا متدافعة ولا متعاونة، فإن كانت متدافعة فإما أن يكون بعضها أقوى من بعض أو تكون متساوية في القوة وإن كان بعضها أقوى من بعض كان القوي غالباً أبداً والضعيف مغلوباً أبداً، فوجب أن تستمر أحوال العالم على طبيعة ذلك الكوكب لكنه ليس الأمر كذلك وإن كانت متساوية في القوة وهي متدافعة وجب تعذر الفعل عليها بأسرها فتكون الأفعال الظاهرة في العالم صادرة عن غيرها فلا يكون مدبر العالم هو هذه الكواكب، بل غيرها وإن كانت متعاونة لزم بقاء العالم أيضاً على حالة واحدة من غير تغير أصلاً وإن كانت تارة متعاونة وتارة متدافعة كان انتقالها من المحبة إلى البغضة وبالعكس تغيراً لها في صفاتها فتكون هي مفتقرة في تلك التغيرات إلى الصانع المستولي عليها بالقهر والتسخير. والثالث عشر: أنها أجسام وكل جسم مركب وكل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل جسم هو مفتقر إلى غيره ممكن وكل ممكن مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فله مؤثر وكل ماله مؤثر فافتقاره إلى مؤثره إما أن يكون حال بقائه، أو حال حدوثه أو حال عدمه، والأول باطل لأنه يقتضي إيجاد الموجود وهو محال، فبقي القسمان الآخران وهما يقتضيان الحدوث الدال على وجود الصانع. والرابع عشر: أن الأجسام متساوية في الجسمية لأنه يصح تقسيم الجسم إلى الفلكي والعنصري والكثيف واللطيف، والحار والبارد، والرطب واليابس، ومورد التقسيم مشترك بين كل الأجسام. فالجسمية قدر مشترك بين هذه الصفات، والأمور المتساوية في الماهية يجب أن تكون متساوية في قالمية الصفات، فإذن كل ما صح على جسم صح على غيره، فإذن اختصاص كل جسم بما اختص به من المقدار، والوضع، والشكل، والطبع، والصفة، لا بد وأن يكون من الجائزات، وذلك يقضي بالافتقار إلى الصانع القديم جل جلاله، وتقدست أسماؤه ولا إله غيره، فهذا هو الإشارة إلى معاقد الدلائل المستنبطة من أجسام السموات والأرض، على إثبات الصانع: {أية : وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 27]. النوع الثاني: من الدلائل أحوال الأرض وفيه فصلان: الفصل الأول في بيان أحوال الأرض اعلم أن لاختلاف أحوال الأرض أسباباً: السبب الأول: اختلاف أحوالها بسبب حركة الفلك، وهي أقسام: القسم الأول: المواضع العديمة العرض، وهي التي على خط الاستواء بموافقتها قطبي العالم، تقاطع معدل النهار على زوايا قائمة، وتقطع جميع المدارات اليومية بنصفين، وتكون حركة الفلك دولابية، ولم يختلف هناك ليل كوكب مع نهاره، ولم يتصور كوكب أبدي الظهور، ولا أبدي الخفاء، بل يكون لكل نقطة سوى القطبين: طلوع وغروب، ويمر فلك البروج بسمت الرأس في الدورة مرتين، وذلك عند بلوغ قطبية دائرة الأفق، وتمر الشمس بسمت الرأس مرتين في السنة، وذلك عند بلوغها نقطتي الإعتدالين. القسم الثاني: المواضع التي لها عرض، فإن قطب الشمال يرتفع فيها من الأفق، وقطب الجنوب ينحط عنه ويقطع الأفق معدل النهار فقط على نصفين، فأما سائر المدارات فيقطعها بقسمين مختلفين، الظاهر منهما في الشمالية أعظم من الخافي وفي الجنوبية بخلاف ذلك، ولهذا يكون النهار في الشمالية أطول من الليل، وفي الجنوبية بالخلاف، وتصير الحركة ههنا حمائلية، ولم يتفق ليل كوكب مع نهاره، إلا ما كان في معدل النهار، وتصير الكواكب التي بالقرب من قطب الشمال أبدية الظهور، والتي بالقرب من قطب الجنوب أبدية الخفاء، وتمر الشمس بسمت الرأس في نقطتين بعدهما عن معدل النهار إلى الشمال مثل عرض الموضع. القسم الثالث: وهو الموضع الذي يصير ارتفاع القطب فيه مثل الميل الأعظم، وههنا يبطل طلوع قطبي فلك البروج وغروبهما إلا أنهما يماسان الأفق، وحينئذ يمر فلك البروج بسمت الرأس، ولم تمر الشمس بسمت الرأس إلا في الإنقلاب الصيفي. القسم الرابع: وهو أن يزداد العرض على ذلك، وههنا يبطل مرور فلك البروج والشمس بسمت الرأس، ويصير القطب الشمالي من فلك البروج أبدي الظهور، والآخر أبدي الخفاء. القسم الخامس: أن يصير العرض مثل تمام الميل، وههنا ينعدم غروب المنقلب الصيفي وطلوع الشتوي لكنهما يماسان الأفق، وعند بلوغ الاعتدال الربيعي أفق المشرق، والخريفي أفق المغرب يكون المنقلب الصيفي في جهة الشمال والشتوي في جهة الجنوب وحينئذ ينطبق فلك البروج على الأفق، ثم يطلع من أول الجدي، إلى أول السرطان دفعة، ويغرب مقابله كذلك ثم تأخذ البروج الطالعة في الغروب، والغاربة في الطلوع، إلى أن تعود الحالة المتقدمة، وينعدم الليل هناك في الإنقلاب الصيفي، والنهار في الشتوي. القسم السادس: أن يزداد العرض على ذلك، فحينئذ يصير قوس من فلك البروج أبدي الظهور مما يلي المنقلب الصيفي، بحيث يكون المنقلب في وسطها، ومدة قطع الشمس إياها يكون نهاراً، ويصير مثلها مما يلي المنقلب الشتوي أبدي الخفاء، ومدة قطع الشمس إياها يكون ليلاً، ويعرض هناك لبعض البروج نكوس، فإذا وافى الجدي نصف النهار من ناحية الجنوب، كان أول السرطان عليه من ناحية الشمال، ونقطة الإعتدال الربيعي على أفق المشرق، فإذن قد طلع السرطان قبل الجوزاء، والجوزاء قبل الثور، والثور قبل الحمل، ثم إذا تحرك الفلك يطلع بالضرورة آخر الحوت وأوله تحت الأرض، وكل جزء يطلع فإنه يغيب نظيره، فالبروج التي تطلع منكوسة يغيب نظيرها كذلك. القسم السابع: أن يصير ارتفاع القطب تسعين درجة، فيكون هناك معدل النهار منطبقاً على الأفق، وتصير الحركة رحوية، ويبطل الطلوع والغروب أصلاً، ويكون النصف الشمالي من فلك البروج أبدي الظهور، والنصف الجنوبي أبدي الخفاء، ويصير نصف السنة ليلاً ونصفها نهاراً. السبب الثاني: لاختلاف أحوال الأرض اختلاف أحوالها بسبب العمارة: اعلم أن خط الاستواء يقطع الأرض نصفين: شمالي وجنوبي، فإذا فرضت دائرة أخرى عظيمة مقاطعة لها على زوايا قائمة، انقسمت كرة الأرض بهما أرباعاً، والذي وجد معموراً من الأرض أحد الربعين الشماليين مع ما فيه من الجبال والبحار والمفاوز، ويقال والله أعلم أن ثلاثة الأرباع ماء، فالموضع الذي طوله تسعون درجة على خط الإستواء، يسمى: قبة الأرض، ويحكى عن الهند أن هناك قلعة شامخة في جزيرة هي مستقر الشياطين، فتسمى لأجلها: قبة، ثم وجد طول العمارة قريباً من نصف الدور، وهو كالمجمع عليه، واتفقوا على أن جعلوا ابتداءها من المغرب، إلا أنهم اختلفوا في التعيين، فبعضهم يأخذه من ساحل البحر المحيط وهو بحر أوقيانوس، وبعضهم يأخذه من جزائر وغلة فيه تسمى: جزائر الخالدات، زعم الأوائل أنها كانت عامرة في قديم الدهر، وبعدها عن الساحل عشرة أجزاء، فيلزم من هذا وقوع الاختلاف في الإنتهاء أيضاً، ولم يوجد عرض العمارة إلا إلى بعد ست وستين درجة من خط الإستواء، إلا أن بطليموس زعم أن وراء خط الإستواء عمارة إلى بعد ست عشرة درجة، فيكون عرض العمارة قريباً من اثنتين وثمانين درجة، ثم قسموا هذا القدر المعمور سبع قطع مستطيلة على موازاة خط الإستواء، وهي التي تسمى: الأقاليم وابتداؤه من خط الإستواء، وبعضهم يأخذ أول الأقاليم من عند قريب من ثلاث عشرة درجة من خط الإستواء، وآخر الأقليم السابع إلى بعد خمسين درجة ولا يعد ما وراءها من الأقاليم، لقلة ما وجدوا فيه من العمارة. السبب الثالث: لاختلاف أحوال الأرض، كون بعضها برياً وبحرياً، وسهلياً وجبلياً، وصخرياً ورملياً وفي غور وعلى نجد ويتركب بعض هذه الأقسام ببعض فتختلف أحوالها اختلافاً شديداً، وما يتعلق بهذا النوع فقد استقصيناه في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاءً } تفسير : [البقرة: 22] ومما يتعلق بأحوال الأرض أنها كرة وقد عرفت أن امتداد الأرض فيما بين المشرق والمغرب يسمى طولاً وامتدادها بين الشمال والجنوب يسمى عرضاً فنقول: طول الأرض إما أن يكون مستقيماً أو مقعراً أو محدباً والأول باطل وإلا لصار جميع وجه الأرض مضيئاً دفعة واحدة عند طلوع الشمس ولصار جميعه مظلماً دفعة واحدة عند غيبتها، لكن ليس الأمر كذلك لأنا لما اعتبرنا من القمر خسوفاً واحداً بعينه، واعتبرنا معه حالاً مضبوطاً من أحواله الأربعة التي هي أول الكسوف وتمامه، وأول انجلائه وتمامه لم يوجد ذلك في البلاد المختلفة الطول في وقت واحد ووجد الماضي من الليل في البلد الشرقي منها أكثر مما في البلد الغربي والثاني أيضاً باطل وإلا لوجد الماضي من الليل في البلد الغربي أكثر منه في البلد الشرقي لأن الأول يحصل في غرب المقعر أولاً ثم في شرقه ثانياً ولما بطل القسمان ثبت أن طول الأرض محدب، ثم هذا المحدب إما أن يكون كرياً أو عدسياً، والثاني باطل لأنا نجد التفاوت بين أزمنة الخسوف الواحد بحسب التفاوت في أجزاء الدائرة حتى أن الخسوف الذي يتفق في أقصى عمارة المشرق في أول الليل، يوجد في أقصى عمارة المغرب في أول النهار فثبت أنها كرة في الطول، فأما عرض الأرض فإما أن يكون مسطحاً أو مقعراً أو محدباً، والأول: باطل وإلا لكان السالك من الجنوب على سمت القطب لا يزداد ارتفاع القطب عليه، ولا يظهر له من الكواكب الأبدية الظهور ما لم يكن كذلك، لكنا بينا أن أحوالها مختلفة بحسب اختلاف عروضها، والثاني: أيضاً باطل وإلا لصارت الأبدية الظهور خفية عنه على دوام توغله في ذلك المقعر، ولا ننقص ارتفاع القطب والتوالي كاذبة على ما قطعنا في بيان المراتب السبعة الحاصلة بحسب اختلاف عروض البلدان وهذه الحجة على حسن تقريرها إقناعية. الحجة الثانية: ظل الأرض مستدير فوجب كون الأرض مستديرة. بيان الأول: أن انخساف القمر نفس ظل الأرض، لأنه لا معنى لانخسافه إلا زوال النور عن جوهره عند توسط الأرض بينه وبين الشمس ثم نقول: وانخساف القمر مستدير لأنا نحس بالمقدار المنخسف منه مستديراً، وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة لأن امتداد الظل يكون على شكل الفصل المشترك بين القطعة المستضيئة بإشراق الشمس عليها، وبين القطعة المظلمة منها فإذا كان الظل مستديراً وجب أن يكون ذلك الفصل المشترك الذي شكل كل الظل مثل شكله مستديراً فثبت أن الأرض مستديرة ثم إن هذا الكلام غير مختص بجانب واحد من جوانب الأرض لأن المناظر الموجبة للكسوف تتفق في جميع أجزاء فلك البروج مع أن شكل الخسوف أبداً على الاستدارة فإذن الأرض مستديرة الشكل من كل الجوانب. الحجة الثالثة: أن الأرض طالبة للبعد من الفلك ومتى كان حال جميع أجزائها كذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة، لأن امتداد الظل كرة، واحتج من قدح في كرية الأرض بأمرين، أحدهما: أن الأرض لو كانت كرة لكان مركزها متطبقاً على مركز العالم، ولو كان كذلك لكان الماء محيطاً بها من كل الجوانب، لأن طبيعة الماء تقتضي طلب المركز فيلزم كون الماء محيطاً بكل الأرض. الثاني: ما نشاهد في الأرض من التلال والجبال العظيمة والأغوار المقعرة جداً. أجابوا عن الأول بأن العناية الإلهية اقتضت إخراج جانب من الأرض عن الماء بمنزلة جزيرة في البحر لتكون مستقراً للحيوانات، وأيضاً لا يبعد سيلان الماء من بعض جوانب الأرض إلى المواضع الغائرة منها وحينئذ يخرج بعض جوانب الأرض من الماء. وعن الثاني أن هذه التضاريس لا تخرج الأرض عن كونها كرة، قالوا: لو اتخذنا كرة من خشب قطرها ذراع مثلاً، ثم أثبتنا فيها أشياء بمنزلة جاروسات أو شعيرات، وقورنا فيها كأمثالها فإنها لا تخرجها عن الكرية ونسبة الجبال والغيران إلى الأرض دون نسبة تلك الثابتات إلى الكرة الصغيرة. الفصل الثاني في بيان الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع اعلم أن الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع أسهل من الاستدلال بأحوال السموات على ذلك وذلك لأن الخصم يدعى أن اتصاف السموات بمقاديرها وأحيازها وأوضاعها أمر واجب لذاته، ممتنع التغير فيستغني عن المؤثر، فيحتاج في إبطال ذلك إلى إقامة الدلالة على تماثل الأجسام الأرضية فإنا نشاهد تغيرها في جميع صفاتها أعني حصولها في أحيازها وألوانها وطعومها وطباعها ونشاهد أن كل واحد من أجزاء الجبال والصخور الصم يمكن كسرها وإزالتها عن مواضعها وجعل العالي سافلاً والسافل عالياً وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن اختصاص كل واحد من أجزاء الأرض بما هو عليه من المكان والحيز والمماسة والقرب من بعض الأجسام والبعد من بعضها ممكن التغير والتبدل وإذا ثبت أن اتصاف تلك الأجرام بصفاتها أمر جائز وجب افتقارها في ذلك الاختصاص إلى مدبر قديم عليم سبحانه وتعالى عن قول الظالمين، وإذا عرفت مأخذ الكلام سهل عليك التفريع. النوع الثالث: من الدلائل اختلاف الليل والنهار وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا للاختلاف تفسيرين. أحدها: أنه افتعال من قولهم: خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني، فاختلاف الليل والنهار تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان إذا كان يذهب إليه ويجيء من عنده فذهابه يخلف مجيئه ومجيئه يخلف ذهابه وكل شيء يجيء بعد شيء آخر فهو خلفه، وبهذا فسر قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } تفسير : [الفرقان: 62]. والثاني: أراد اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان. وعندي فيه وجه ثالث، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة، فهما يختلفان بالأمكنة، فإن عند من يقول: الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي موضع ثالث عصر، وفي رابع مغرب، وفي خامس عشاء وهلم جرا هذا إذا اعتبرنا البلاد المخالفة في الأطوال، أما البلاد المختلفة بالعرض، فكل بلد تكون عرضه الشمالي أكثر كانت أيامه الصيفية أطول ولياليه الصيفية أقصر وأيامه الشتوية بالضد من ذلك فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلدان وعرضها أمر مختلف عجيب، ولقد ذكر الله تعالى أمر الليل والنهار في كتابه في عدة مواضع فقال في بيان كونه مالك الملك: {أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } تفسير : [الحديد: 6] وقال في القصص: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غير ٱللَّه يَأتِيكُم بِضِياءٍ أفلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفلا تبصرون * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تفسير : [القصص: 71 ـ 73] وفي الروم: {أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } تفسير : [الروم: 23] وفي لقمان: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى إِلَىٰ أَجَلٍ } تفسير : [لقمان: 29] وفي الملائكة: {أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ } تفسير : [فاطر: 13] وفي يس: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } تفسير : [يۤس: 37] وفي الزمر: {أية : يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى } تفسير : [غافر: 5] وفي حم غافر: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } تفسير : [غافر: 61] وفي عم: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تفسير : [النبأ: 10 ـ 11] والآيات من هذا الجنس كثيرة وتحقيق الكلام أن يقال: إن اختلاف أحوال الليل والنهار يدل على الصانع من وجوه. الأول: أن اختلاف أحوال الليل والنهار مرتبط بحركات الشمس، وهي من الأيات العظام. الثاني: ما يحصل بسبب طول الأيام تارة، وطول الليالي أخرى من اختلاف الفصول، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء، وهو من الآيات العظام. الثالث: أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة في الأيام وطلب النوم والراحة في الليالي من الآيات العظام. الرابع: أن كون الليل والنهار متعاونين على تحصيل مصالح الخلق مع ما بينهما من التضاد والتنافي من الآيات العظام، فإن مقتضى التضاد بين الشيئين أن يتفاسدا لا أن يتعاونا على تحصيل المصالح. الخامس: أن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولاً عند النفخة الأولى في الصور ويقظتهم عند طلوع الشمس شبيهة بعود الحياة إليهم عند النفخة الثانية، وهذا أيضاً من الآيات العظام المنبهة على الآيات العظام. السادس: أن انشقاق ظلمة الليل بظهور الصبح المستطيل فيه من الآيات العظام كأنه جدول ماء صاف يسيل في بحر كدر بحيث لا يتكدر الصافي بالكدر ولا الكدر بالصافي، وهو المراد بقوله تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ ٱللَيل سكنا } تفسير : [الأنعام: 96]. السابع: أن تقدير الليل والنهار بالمقدار المعتدل الموافق للمصالح من الآيات العظام كما بينا أن في الموضع الذي يكون القطب على سمت الرأس تكون السنة ستة أشهر فيها نهاراً وستة أشهر ليلاً وهناك لا يتم النضج ولايصلح المسكن لحيوان ولا يتهيأ فيه شيء من أسباب المعيشة. الثامن: أن ظهور الضوء في الهواء لو قلنا إنه حصل بقدرة الله تعالى ابتداء عند طلوع الشمس، من حيث إنه تعالى أجرى عادته بخلق ضوء في الهواء عند طلوع الشمس فلا كلام وإن قلنا الشمس توجب حصول الضوء في الجرم المقابل له كان اختصاص الشمس بهذه الخاصية دون سائر الأجسام مع كون الأجسام بأسرها متماثلة، يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المحرك لأجرام السموات ملك عظيم الجثة والقوة، وحينئذ لا يكون اختلاف الليل والنهار دليلاً على أنه الصانع قلنا: أما على قولنا فلما دل الدليل على أن قدرة العبد غير صالحة للإيجاد، فقد زال السؤال، وأما على قول المعتزلة فقد نفى أبو هاشم هذا الاحتمال بالسمع. النوع الرابع من الدلائل: قوله تعالى: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } تفسير : [البقرة: 164] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: الفلك أصله من الدوران وكل مستدير فلك، وفلك السماء اسم لا طواق سبعة تجري فيها النجوم، وفلكت الجارية إذا استدار ثديها وفلكة المغزل من هذا والسفينة سميت فلكاً لأنها تدور بالماء أسهل دوران قال: والفلك واحد وجمع فإذا أراد بها الواحد ذكر، وإذا أريد به الجمع أنث ومثاله قولهم: ناقة هجان ونوق هجان ودرع دلاص ودروع دلاص قال سيبويه: الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة باء برد وخاء خرج، وإذا أريد به الجمع فضمة الفاء فيه بمنزلة الحاء من حمر والصاد من صفر فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فهما مختلفتان في المعنى. المسألة الثانية: قال الليث سمي البحر بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه ويقال استبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه والراعي وتبحر فلان في المال وقال غيره سمي البحر بحراً لأنه شق في الأرض والبحر الشق ومنه البحيرة. المسألة الثالثة: ذكر الجبائي وغيره من العلماء بمواضع البحور أن البحور المعروفة خمسة أحدها: بحر الهند، وهو الذي يقال له أيضاً بحر الصين. والثاني: بحر المغرب. والثالث: بحر الشام والروم ومصر. والرابع: بحر نيطش. والخامس: بحر جرجان. فأما بحر الهند فإنه يمتد طوله من المغرب إلى المشرق، من أقصى أرض الحبشة إلى أقصى أرض الهند والصين، يكون مقدار ذلك ثمانمائة ألف ميل، وعرضه ألفي وسبعمائة ميل ويجاوز خط الإستواء ألفاً وسبعمائة ميل، وخلجان هذا البحر. الأول؛ خليج عند أرض الحبشة، ويمتد إلى ناحية البربر، ويسمى الخليج البربري، طول مقدار خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل. والثاني: خليج بحر أيلة وهو بحر القلزم، طوله ألف وأربعمائة ميل، وعرضه سبعمائة ميل، ومنتهاه إلى البحر الذي يسمى البحر الأخضر، وعلى طرفه القلزم، فلذلك سمي به، وعلى شرقيه أرض اليمن وعدن، وعلى غربيه أرض الحبشة. الثالث: خليج بحر أرض فارس، ويسمى: الخليج الفارسي، وهو بحر البصرة وفارس، الذي على شرقيه تيز ومكران، وعلى غربيه عمان طوله ألف وأربعمائة ميل، وعرضه خمسماية ميل، وبين هذين الخليجين أعني خليج أيلة وخليج فارس أرض الحجاز واليمن وسائر بلاد العرب، فيما بين مسافة ألف وخمسائة ميل. الرابع: يخرج منه خليج آخر إلى أقصى بلاد الهند ويسمى الخليج الأخضر طوله ألف وخمسمائة ميل قالوا: وفي جزيرة بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة: ألف وثلثمائة وسبعون جزيرة منها جزيرة ضخمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق عند بلاد الصين وهي: سرنديب، يحيط بها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر، وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة، فيها مدائن عامرة وقرى كثيرة ومن جزائر هذا البحر جزيرة كله، التي يجلب منها الرصاص القلعي، وجزيرة سريرة التي يجلب منها الكافور. وأما بحر المغرب: فهو الذي يسمى بالمحيط وتسميه اليونانيون: أوقيانوس، ويتصل به بحر الهند ولا يعرف طرفه إلا في ناحية المغرب والشمال، عند محاذاة أرض الروس والصقالبة فيأخذ من أقصى المنتهى في الجنوب، محاذياً لأرض السودان، ماراً على حدود السوس الأقصى وطنجة، وتاهرت، ثم الأندلس، والجلالقة والصقالبة ثم يمتد من هناك وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي غير المسكونة نحو بحر المشرق وهذا البحر لا تجري فيه السفن وإنما تسلك بالقرب من سواحله وفيه ست جزائر مقابل أرض الحبشة تسمى: جزائر الخالدات، ويخرج من هذا البحر خليج عظيم في شمال الصقالبة، ويمتد هذا الخليج إلى أرض بلغار المسلمين، طوله من المشرق إلى المغرب ثلثمائة ميل وعرضه مائة ميل. وأما بحر الروم وأفريقية ومصر والشام: فطوله مقدار خمسة آلاف ميل، وعرضه ستمائة ميل، ويخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية، طوله خمسمائة ميل، وعرضه ستمائة، ويخرج منه خليج آخر إلى أرض سرين، طوله مائتا ميل، وفي هذا البحر مائة واثنتان وستون جزيرة عامرة، منها خمسون جزيرة عظام. وأما بحر نيطش فإنه يمتد من اللاذقية إلى خلف قسطنطينية، في أرض الروس والصقالبة طوله ألف وثلثمائة ميل، وعرضه ثلثمائة ميل. وأما بحر جرجان فطوله من المغرب إلى المشرق ثلثمائة ميل، وعرضه ستمائة ميل، وفيه جزيرتان كانتا عامرتين فيمن مضى من الزمان ويعرف هذا البحر ببحر آبسكون، لأنها على فرضته ثم يمتد إلى طبرستان، والديلم، والنهروان، وباب الأبواب، وناحية أران، وليس يتصل ببحر آخر، فهذه هي البحور العظام، وأما غيرها فبحيرات وبطائح، كبحيرة خوارزم، وبحيرة طبرية. وحكي عن أرسطاطاليس: أن بحر أوقيانوس ميحط بالأرض بمنزلة المنطقة لها، فهذا هو الكلام المختصر في أمر البحور. المسألة الرابعة: في كيفية الإستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصانع تعالى وتقدس، وهي من وجوه. أحدها: أن السفن وإن كانت من تركيب الناس إلا أنه تعالى هو الذي خلق الآلات التي بها يمكن تركيب هذه السفن، فلولا خلقه لها لما أمكن ذلك. وثانيها: لولا الرياح المعينة على تحريكها لما تكامل النفع بها. وثالثها: لولا هذه الرياح وعدم عصفها لما بقيت ولما سلمت. ورابعها: لولا تقوية قلوب من يركب هذه السفن لما تم الغرض فصيرها الله تعالى من هذه الوجوه مصلحة للعباد، وطريقاً لمنافعهم وتجاراتهم. وخامسها: أنه خص كل طرف من أطراف العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك داعياً يدعوهم إلى اقتحامهم هذه الأخطار في هذه الأسفار ولولا أنه تعالى خص كل طرف بشيء وأحوج الكل إليه لما ارتكبوا هذه السفن، فالحامل ينتفع به لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه. وسادسها: تسخير الله البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان البحر إذا هاج، وعظم الهول فيه إذا أرسل الله الرياح فاضطربت أمواجه وتقلبت مياهه. وسابعها: أن الأودية العظام، مثل: جيحون، وسيحون، تنصب أبداً إلى بحيرة خوارزم على صغرها، ثم إن بحيرة خوارزم لا تزداد ألبتة ولا تمتد، فالحق سبحانه وتعالى هو العالم بكيفية حال هذه المياه العظيمة التي تنصب فيها. وثامنها: ما في البحار من الحيوانات العظيمة ثم إن الله تعالى يخلص السفن عنها، ويوصلها إلى سواحل السلامة. وتاسعها: ما في البحار من هذا الأمر العجيب، وهو قوله تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمن: 19 ـ 20] وقال: {أية : هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } تفسير : [فاطر: 12] ثم إنه تعالى بقدرته يحفظ البعض عن الإختلاط بالبعض، وكل ذلك مما يرشد العقول والألباب إلى افتقارها إلى مدبر يدبرها ومقدر يحفظها. المسألة الخامسة: دل قوله على صفة الفلك: {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } على إباحة ركوبها، وعلى إباحة الاكتساب والتجارة وعلى الانتفاع باللذات. النوع الخامس: قوله تعالى: {أية : وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [البقرة: 164]. واعلم أن دلالته على الصانع من وجوه. أحدها: أن تلك الأجسام، وما قام بها من صفات الرقة، والرطوبة، والعذوبة، ولا يقدر أحد على خلقها إلا الله تعالى، قال سبحانه: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30]. وثانيها: أنه تعالى جعله سبباً لحياة الإنسان، ولأكثر منافعه قال تعالى: {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ * أأنتم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } تفسير : [الواقعة: 68، 69] وقال: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنبياء: 30]. وثالثها: أنه تعالى كما جعله سبباً لحياة الإنسان، جعله سبباً لرزقه قال تعالى: {أية : وَفِى ٱلسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } تفسير : [الذاريات: 22]. ورابعها: أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة، التي تسيل منها الأودية العظام تبقى معلقة في جو السماء وذلك من الآيات العظام. وخامسها: أن نزولها عند التضرع واحتياج الخلق إليه مقدراً بمقدار النفع من الآيات العظام، قال تعالى حكاية عن نوح: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } تفسير : [نوح: 10، 11]. وسادسها: ما قال:{أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ } تفسير : [فاطر: 9] وقال: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } تفسير : [الحج: 5] فإن قيل: أفتقولون: إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الأرض فيخرج منها أبخرة متصاعدة فإذا وصلت إلى الجو البارد بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، فاتصلت فتولدت من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر. قلنا: بل نقول إنه ينزل من السماء كما ذكره الله تعالى وهو الصادق في خبره، وإذا كان قادراً على إمساك الماء في السحاب، فأي بعد في أن يمسكه في السماء، فأما قول من يقول: إنه من بحار الأرض فهذا ممكن في نفسه، لكن القطع به لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار، وقدم العالم، وذلك كفر، لأنا متى جوزنا الفاعل المختار القادر على خلق الجسم، فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه. أما قوله: {أية : فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [الجاثية: 5] فاعلم أن هذه الحياة من جهات. أحدها: ظهور النبات الذي هو الكلأ والعشب وما شاكلهما، مما لولاه لما عاشت دواب الأرض. وثانيها: أنه لولاه لما حصلت الأقوات للعباد. وثالثها: أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة، لأنه تعالى ضمن أرزاق الحيوانات، بقوله: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود: 6]. ورابعها: أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح للملابس، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله. وخامسها: يحصل للأرض بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة. واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز، لأن الحياة لا تصح إلى على من يدرك ويصح أن يعلم، وكذلك الموت، إلا أن الجسم إذا صار حياً حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء، والنشور والنماء، فأطلق لفظ الحياة على حصول هذه الأشياء، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع المعاني الكثيرة. واعلم أن إحياء الأرض بعد موتها يدل على الصانع من وجوه. أحدها: نفس الزرع، لأن ذلك ليس في مقدور أحد على الحد الذي يخرج عليه. وثانيها: اختلاف ألوانها على وجه لا يكاد يحد ويحصى. وثالثها: اختلاف طعوم ما يظهر على الزرع والشجر. ورابعها: استمرار العادات بظهور ذلك في أوقاتها المخصوصة. النوع السادس من الآيات: قوله تعالى: {أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } تفسير : [البقرة: 164] ونظيره جميع الآيات الدالة على خلقة الإنسان، وسائر الحيوانات، كقوله: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءَ } تفسير : [النساء: 1]. واعلم أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد، وقد يكون بالتوالد، وعلى التقديرين فلا بد فيهما من الصانع الحكيم فلنبين ذلك في الناس ثم في سائر الحيوانات. أما الإنسان فالذي يدل على افتقاره في حدوثه إلى الصانع وجوه. أحدها: يروى أن واحداً قال عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أتعجب من أمر الشطرنج، فإن رقعته ذراع في ذراع، ولو لعب الإنسان ألف ألف مرة، فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد فقال عمر بن الخطاب ههنا ما هو أعجب منه، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر، ثم إن موضع الأعضاء التي فيها كالحاجبين والعينين والأنف والفم، لا يتغير ألبتة ثم إنك لا ترى شخصين في الشرق والغرب يشتبهان، فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها. وثانيها: أن الإنسان متولد من النطفة، فالمؤثر في تصوير النطفة وتشكيلها قوة موجودة في النطفة أو غير موجودة فيها فإن كانت القوة المصورة فيها، فتلك القوة إما أن يكون لها شعور وإدراك وعلم وحكمة حتى تمكنت من هذا التصوير العجيب، وأما أن لا تكون تلك القوة كذلك، بل يكون تأثيرها بمجرد الطبع والعلية، والأول ظاهر الفساد لأن الإنسان حال استكماله أكثر علماً وقدرة، ثم إنه حال كماله لو أراد أن يغير شعرة عن كيفيتها لا يقدر على ذلك، فحال ما كان في نهاية الضعف كيف يقدر على ذلك، وأما إن كانت تلك القوة مؤثرة بالطبع، فهذا المعنى إما أن يكون جسماً متشابه الأجزاء في نفسه، أو يكون مختلف الأجزاء، فإن كان متشابه الأجزاء فالقوة الطبيعية إذا عملت في المادة البسيطة، لا بد وأن يصدر منه فعل متشابه، وهذا هو الكرة فكان ينبغي أن يكون الإنسان على صورة كرة، وتكون جميع الأجزاء المفترضة في تلك الكرة متشابهة في الطبع، وهذا هو الذي يستدلون به على أن البسائط لا بد وأن تكون كرات، فثبت أنه لا بد للنطفة في انقلابها لحماً ودماً وإنساناً من مدبر ومقدر لأعضائها وقواها وتراكيبها، وما ذاك إلا الصانع سبحانه وتعالى. وثالثها: الإستدلال بأحوال تشريح أبدان الحيوانات والعجائب الواقعة في تركيبها وتأليفها، وإيراد ذلك في هذا الموضع كالمتعذر لكثرتها، واستقصاء الناس في شرحها في الكتب المعمولة في هذا الفن. ورابعها: ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم، ومن عجائب الأمر في هذا التركيب أن أهل الطبائع قالوا: أعلى العناصر يجب أن يكون هو النار، لأنها حارة يابسة، وأدون منها في اللطافة الهواء، ثم الماء والأرض لا بد وأن تكون تحت الكل لثقلها وكثافتها ويبسها، ثم إنهم قلبوا هذه القضية في تركيب بدن الإنسان، لأن أعلى الأعضاء منه عظم القحف والعظم بارد يابس على طبيعة الأرض، وتحته الدماغ وهو بارد رطب على طبع الماء، وتحته النفس وهو حار رطب على طبع الهواء، وتحت الكل: القلب، وهو حار يابس على طبع النار، فسبحان من بيده قلب الطبائع يرتبها كيف يشاء، ويركبها كيف أراد. ومما ذكرنا في هذا الباب أن كل صانع يأتي بنقش لطيف فإنه يصونه عن التراب كي لا يكدره وعن الماء كي لا يمحوه، وعن الهواء كي لا يزيل طرواته ولطافته، وعن النار كيلا تحرقه، ثم إنه سبحانه وتعالى وضع نقش خلقته على هذه الأشياء، فقال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] وقال: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىّ } تفسير : [الأنبياء: 30] وقال في الهواء: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } تفسير : [التحريم: 12] وقال أيضاً: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا } تفسير : [المائدة: 110] وقال: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [الحجر: 29] وقال في النار: {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ } تفسير : [الرحمن: 15] وهذا يدل على أن صنعه بخلاف صنع كل أحد. وخامسها: انظر إلى الطفل بعد انفصاله من الأم، فإنك لو وضعت على فمه وأنفه ثوباً يقطع نفسه لمات في الحال، ثم إنه بقي في الرحم الضيق مدة مديدة، مع تعذر النفس هناك ولم يمت، ثم إنه بعد الإنفصال يكون من أضعف الأشياء وأبعدها عن الفهم، بحيث لا يميز بين الماء والنار، وبين المؤذي والملذ، وبين الأم وبين غيرها، ثم إن الإنسان وإن كان في أول أمره من أبعد الأشياء عن الفهم، فإنه بعد استكماله أكمل الحيوانات في الفهم والعقل والإدراك، ليعلم أن ذلك من عطية القادر الحكيم، فإنه لو كان الأمر بالطبع لكان كل من كان أذكى في أول الخلقة، كان أكثر فهماً وقت الإستكمال، فلما لم يكن الأمر كذلك، بل كان على الضد منه، علمنا أن كل ذلك من عطية الله الخالق الحكيم. وسادسها: اختلاف الألسنة واختلاف طبائعهم، واختلاف أمزجتهم من أقوى الدلائل ونرى الحيوانات البرية والجبلية، شديدة المشابهة بعضها بالبعض، ونرى الناس مختلفين جداً في الصورة، ولولا ذلك لاختلت المعيشة، ولاشتبه كل أحد بأحد، فما كان يتميز البعض عن البعض، وفيه فساد المعيشة، واستقصاء الكلام في هذا النوع لا مطمع فيه لأنه بحر لا ساحل له. النوع السابع من الدلائل: تصريف الرياح، وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه الإستدلال بها أنها مخلوقة على وجه يقبل التصريف، وهو الرقة واللطافة، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجه يقع به النفع العظيم في الإنسان والحيوان والنبات، وذلك من وجوه. أحدها: أنها مادة النفس الذي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات، وقيل فيه إن كل ما كانت الحاجة إليه أشد، كان وجدانه أسهل، ولما كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء، وبعد الهواء الماء فإن الحاجة إلى الماء أيضاً شديدة دون الحاجة إلى الهواء فلا جرم سهل أيضاً وجدان الماء ولكن وجدان الهواء أسهل. لأن الماء لا بد فيه من تكلف الاغتراف بخلاف الهواء، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبداً، ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة ولكن دون الحاجة إلى الماء، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين، والأدوية النادرة قليلة، فلا جرم عزت هذه الأشياء، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جداً، فلا جرم كانت في نهاية العزة، فثبت أن كل ما كان الاحتياج إليه أشد، كان وجدانه أسهل وكل ما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب وما ذاك إلا رحمة منه على العباد ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أعظم الحاجات فنرجوا أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شيء وعبر الشاعر عن هذا المعنى فقال:شعر : سبحان من خص القليل بعزه والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي نفس لمحتاج إلى أنفاسه تفسير : وثانيها: لولا تحرك الرياح لما جرت الفلك وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله فلو أراد كل من في العالم بقلب الريح من الشمال إلى الجنوب، أو إذا كان الهواء ساكناً أن يحركه لتعذر. المسألة الثانية؛ قال الواحدي: {وتصريف الرياح} أراد وتصريفه الرياح فأضاف المصدر إلى المفعول وهو كثير. المسألة الثالثة: الرياح جمع الريح قال أبو علي الريح اسم على فعل والعين منه واو انقلبت في الواحد للكسرة ياء فإنه في الجمع القليل أرواح وذلك لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب الاعلال، كالواو في قوم وقول، وفي الجمع الكثير رياح انقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها نحو ديمة وديم وحيلة وحيل قال ابن الأنباري: إنما سميت الريح ريحاً لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم فهي مأخوذة من الروح والدليل على أن أصلها الواو قولهم في الجمع أرواح. المسألة الرابعة: قالوا: الرياح أربع، الشمال والجنوب والصبا والدبور، فالشمال من نقطة الشمال، والجنوب من نقطة الجنوب، والصبا مشرقية، والدبور مغربية وتسمى الصبا قبولاً لأنها استقبلت الدبور وما بين كل واحد من هذه المهاب فهي نكباء. المسألة الخامسة؛ اختلف القراء في الرياح فقرأ أبو عمرو، وعاصم وابن عامر {الرياح} على الجمع في عشرة مواضع البقرة، والأعراف، والحجر، والكهف، والفرقان والنمل والروم في موضعين، والجاثية وفاطر، وقرأ نافع في اثني عشر موضعاً هذه العشرة وفي إبراهيم: {أية : كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرّيَاحِ } تفسير : [ابراهيم: 18] وفي حم عسق: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرّيَاحِ } تفسير : [الشورى: 33] وقرأ ابن كثير: {الرياح} في خمسة مواضع البقرة والحجر والكهف والروم في موضعين وقرأ الكسائي في ثلاثة مواضع: في الحجر والفرقان والروم الأول منها. واعلم أن كل واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية، وأما من وحد فإنه يريد به الجنس، كقولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحد كقراءة من جمع، فأما ما روي في الحديث من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا هبت الريح قال: «حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً»تفسير : فإنه يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى، قال تعالى: {أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } تفسير : [الروم: 46] وإنما يبشر بالرحمة، وقال في موضع الإفراد: {أية : فِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ } تفسير : [الذاريات: 41] وقد يختص اللفظ في القرآن بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } تفسير : [الشورى: 17] وما كان من لفظ أدراك فإنه مفسر لمبهم غير معين كقوله: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ ماهية } تفسير : [القارعة: 3، 10]. النوع الثامن من الدلائل: قوله تعالى: {أية : ٱلرّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ } تفسير : [البقرة: 164] سمي السحاب سحاباً لانسحابه في الهواء، ومعنى التسخير التذليل، وإنما سماه مسخراً لوجوه. أحدها: أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع، فلا بد من قاسر قاهر يقهره على ذلك فلذلك سماه بالمسخر. الثاني: أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث أنه يستر ضوء الشمس، ويكثر الأمطار والابتلال، ولو انقطع لعظم ضرره لأنه يقتضي القحط وعدم العشب والزراعة، فكان تقديره بالمقدار المعلوم هو المصلحة فهو كالمسخر لله سبحانه يأتي به في وقت الحاجة ويرده عند زوال الحاجة. الثالث: أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء فذلك هو التسخير فهذا هو الإشارة إلى وجوه الاستدلال بهذه الدلائل. وأما قوله تعالى: {أية : لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } تفسير : [الروم: 24] ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {لاَيَاتٍ } لفظ جمع فيحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى الكل، أي مجموع هذه الأشياء آيات ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد مما تقدم ذكره، فكأنه تعالى بين أن في كل واحد مما ذكرنا آيات وأدلة وتقرير ذلك من وجوه. أحدها: أنا بينا أن كل واحد من هذه الأمور الثمانية يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة. وثانيها: أن كل واحد من هذه الآيات يدل على مدلولات كثيرة فهي من حيث إنها لم تكن موجودة ثم وجدت دلت على وجود المؤثر وعلى كونه قادراً، لأنه لو كان المؤثر موجباً لدام الأثر بدوامه، فما كان يحصل التغير ومن حيث أنها وقعت على وجه الإحكام والاتقان دلت على علم الصانع، ومن حيث أن حدوثها اختص بوقت دون وقت دلت على إرادة الصانع، ومن حيث أنها وقعت على وجه الأتساق والانتظام من غير ظهور الفساد فيها دلت على وحدانية الصانع، على ما قال تعالى {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22]. وثالثها: أنها كما تدل على وجود الصانع وصفاته فكذلك تدل على وجوب طاعته وشكره علينا عند من يقول بوجوب شكر المنعم عقلاً لأن كثرة النعم توجب الخلوص في الشكر. ورابعها: أن كل واحد من هذه الدلائل الثمانية أجسام عظيمة فهي مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ فذلك الجزء الذي يتقاصر الحس والوهم والخيال عن إدراكه قد حصل فيه جميع هذه الدلائل، فإن ذلك الجزء من حيث إنه حادث، فكان حدوثه لا محالة مختصاً بوقت معين ولا بد وأن يكون مختصاً بصفة معينة مع أنه يجوز في العقل وقوعه على خلاف هذه الأمور، وذلك يدل على الافتقار إلى الصانع الموصوف بالصفات المذكورة، وإذا كان كل واحد من أجزاء هذه الأجسام ومن صفاتها شاهداً على وجود الصانع، لا جرم قال: إنها آيات وحاصل القول أن الموجود إما قديم وإما محدث، أما القديم فهو الله سبحانه وتعالى، وأما المحدث فكل ما عداه، وإذا كان في كل محدث دلالة على وجود الصانع كان كل ما عداه شاهداً على وجوده مقراً بوحدانيته معترفاً بلسان الحال بإلهيته، وهذا هو المراد من قوله: {أية : وَإِن مّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } تفسير : [الإسراء: 44]. أما قوله تعالى: {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه ليقوموا بشكره، وما يلزم عبادته وطاعته. واعلم أن النعم على قسمين نعم دنيوية ونعم دينية، وهذه الأمور الثمانية التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل بها على معرفة الصانع صارت نعماً دينية لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال: {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } قال القاضي عبد الجبار: الآية تدل على أمور. أحدها: أنه لو كان الحق يدرك بالتقليد واتباع الآباء والجري على الألف والعادة لما صح ذلك. وثانيها: لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات. وثالثها: أن سائر الأجسام والأعراض وإن كانت تدل على الصانع فهو تعالى خص هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعماً على المكلفين على أوفر حظ ونصيب ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثير في الخواطر.
القرطبي
تفسير : فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قال عطاء: لما نزلت {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} قالت كفار قريش: كيف يسع الناس إلٰه واحد! فنزلت {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. ورواه سفيان عن أبيه عن أبي الضُّحى قال: لما نزلت {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} قالوا هل من دليل على ذلك؟ فأنزل الله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فكأنهم طلبوا آية فبيّن لهم دليل التوحيد، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بدّ له من بان وصانع. وَجَمَعَ السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى. وَوَحّدَ الأرض لأنها كلها تراب؛ والله تعالى أعلم. فآية السموات: ٱرتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها؛ ودلّ ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبيّ فتُحدِّي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزاً. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نَيّرة وممحّوة آية ثانية. وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. الثانية: قوله تعالى: {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} قيل: اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم. وقيل: اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة؛ مثل تَمَرة وتَمْر ونخلة ونخل. ويجمع أيضاً ليالي وليال بمعنىً، وهو مما شذّ عن قياس الجموع؛ كشَبه ومشَابه وحاجة وحوائج وذكر ومذاكر؛ وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة. وقد ٱستعملوا ذلك في الشعر قال:شعر : في كلِّ يوم وكل ليلاة تفسير : وقال آخر:شعر : في كلِّ يومٍ ما وكُلِّ لَيْلاه حتى يقول كلُّ راءٍ إذ رآه يَا وَيْحَهُ مِن جَمَلٍ ما أشقاه تفسير : قال ٱبن فارس في المُجْمل: ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا؛ ولا أعرفه. والنهار يجمع نُهُر وأنْهِرَة. قال أحمد بن يحيى ثعلب: نَهَر جمع نُهُر وهو جمع (الجمع) للنهار، وقيل النهار ٱسم مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر، كقولك الضياء، يقع على القليل والكثير. والأوّل أكثر؛ قال الشاعر:شعر : لولا الثَّرِيدانِ هَلكْنا بالضُّمُرْ ثريدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بالنُّهُرْ تفسير : قال ٱبن فارس: النهار معروف، والجمع نهر وأنهار. ويقال: إن النهار يجمع على النهر. والنهار: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ورَجُل نَهِرٌ: صاحب نهار. ويقال: إن النّهار فَرْخ الحُبَارى. قال النَّضر بن شُمَيْل: أوّل النهار طلوع الشمس، ولا يُعَدَّ ما قبل ذلك من النهار. وقال ثعلب: أوّله عند العرب طلوع الشمس؛ وٱستشهد بقول أُمَيّة بن أبي الصَّلْت:شعر : والشمس تطلع كلَّ آخرِ ليلةٍ حمراء يُصبح لوْنُهَا يتورّد تفسير : وأنشد قول عَدِيّ بن زيد:شعر : وجاعلُ الشمسِ مِصْراً لا خفاءَ به بين النهار وبين الليل قد فَصَلاَ تفسير : وأنشد الكسائي:شعر : إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليك فسلِّمِي تفسير : قال الزجاج في كتاب الأنواء: أوّل النهار ذرور الشمس. وقسّم ٱبن الأنباري الزمن ثلاثة أقسام: قسماً جعله ليلاً محضاً؛ وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقسماً جعله نهاراً محضاً؛ وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقسماً جعله مشتركاً بين النهار والليل؛ وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لبقايا ظلمة الليل ومبادىء ضوء النهار. قلت: والصحيح أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ كما رواه ٱبن فارس في المُجْمَل؛ يدلّ عليه ما ثبت في صحيح مسلم "حديث : عن عَدِيّ بن حاتم قال: لما نزلت {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} قال له عَدِيّ: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عِقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسودَ، أعرف بهما الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن وِسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار»»تفسير : . فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ وهو مقتضى الفقه في الأيمان، وبه ترتبط الأحكام. فمن حلف ألاّ يُكلّم فلانا نهاراً فكلّمه قبل طلوع الشمس حَنِث؛ وعلى الأوّل لا يحنَث. وقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الفَيْصل في ذلك والحكَم. وأمّا على ظاهر اللغة وأخذه من السُّنّة فهو من وقت الإسفار إذا ٱتسع وقت النهار؛ كما قال:شعر : ملكتُ بها كفِّي فأنهرتُ فتقها يرى قائمٌ من دونها ما وراءها تفسير : وقد جاء عن حذيفة ما يدلّ على هذا القول؛ خرّجه النسائي. وسيأتي في آي الصيام إن شاء الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} الفلك: السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويذكّر ويؤنّث. وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع، بل كأنه بَنَى الجمع بناء آخر؛ يدلّ على ذلك توسّط التثنية في قولهم: فُلْكان. والفلك المفرد مذكّر؛ قال تعالى: {أية : فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}تفسير : [يس: 41] فجاء به مذكّراً، وقال: {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} فأنّث. ويحتمل واحداً وجمعاً؛ وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ}تفسير : [يونس: 22] فجمع؛ فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المَرْكب فيذكّر، وإلى السفينة فيؤنّث. وقيل: واحده فلك؛ مثل أَسد وأُسْدٍ، وخَشَب وخُشْبٍ، وأصله من الدَّوران، ومنه: فلك السماء التي تدور عليه النجوم. وفَلَّكَت الجاريةُ ٱستدار ثديها؛ ومنه فَلْكَة المِغْزَل. وسُمّيت السفينة فُلْكاً لأنها تدور بالماء أسهل دور. ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إيّاها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها. وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى؛ وقال له جبريل: اصنعها على جُؤجُؤ الطائر؛ فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل. فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها؛ قاله ٱبن العربي. الرابعة: هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقاً لتجارة كان أو عبادة؛ كالحج والجهاد. ومن السُّنة حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. الحديث. وحديث أنس بن مالك في قصة أمّ حرام؛ أخرجهما الأئمة: مالك وغيره. روى حديث أنس عنه جماعةٌ عن إسحٰق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس، ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحٰق عن أنس عن أمّ حرام؛ جعله من مسند أم حرام لا من مسند أنس. هكذا حدّث عنه به بُنْدار محمد بن بشار؛ ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء؛ وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما المنع من ركوبه. والقرآن والسُّنة يرد هذا القول؛ ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين قالوا له: إنا نركب البحر. وهذه الآية وما كان مثلها نَصٌّ في الغرض وإليها المفزع. وقد تُؤوّل ما روي عن العُمَرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها؛ وأما في أداء الفرائض فلا. ومما يدلّ على جواز ركوبه من جهة المعنى أن الله تعالى ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العُدْوَتين، وقسّم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشقّ البحر لها؛ فسهّل الله سبيله بالفُلْك؛ قاله ٱبن العربي. قال أبو عمر: وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب للحج في البحر، وهو للجهاد لذلك أكره. والقرآن والسُّنة يردّ قوله، إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال: إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز صغار، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها؛ وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البرّ ممكناً؛ فلذلك كره مالك ذلك. وأمّا السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس. قال: والأصل أن الحج على كل من ٱستطاع إليه سبيلاً من الأحرار البالغين، نساء كانوا أو رجالاً، إذا كان الأغلب من الطريق الأمن، ولم يخصّ بحراً من بَرّ. قلت: فدل الكتاب والسّنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعاً: العبادة والتجارة؛ فهي الحجة وفيها الأُسْوة. إلا أنّ الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم؛ فرُبّ راكبٍ يسهل عليه ذلك ولا يشقّ، وآخر يشق عليه ويضعف به؛ كالمائد المفرط المَيْد، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض؛ فالأوّل ذلك له جائز، والثاني يحرم عليه ويمنع منه. ولا خلاف بين أهل العلم وهي: الخامسة: إن البحر إذا أَرْتَجَ لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين إرتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة؛ وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمنٍ تكون السلامة فيه الأغلب؛ فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم، والذين يهلكون فيه محصورون. السادسة: قوله تعالى: {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم. وبركوب البحر تكتسب الأرباح، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضاً. وقد قال بعض من طعن في الدِّين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:38] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من المِلْح والفُلْفُل وغير ذلك؟ فقيل له في قوله: {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}. السابعة: قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ} يعني بها الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، وجعل منه المخزون عُدّة للانتفاع في غير وقت نزوله؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [المؤمنون: 18]. الثامنة: قوله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أي فرّق ونَشر؛ ومنه {كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}. ودابة تجمع الحيوان كله؛ وقد أخرج بعض الناس الطير، وهو مردود، قال الله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}تفسير : [هود: 6] فإن الطيرَ يدِبّ على رجليه في بعض حالاته؛ قال الأعشى:شعر : دبِيب قَطا البَطْحاء في كلِّ مَنْهَل تفسير : وقال علقمة بن عَبَدة:شعر : صواعِقُها لطيرِهِنّ دَبِيبُ تفسير : التاسعة: قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} تصريفها: إرسالها عقيماً ومُلْقِحة، وصِرّا ونَصْراً وهلاكاً، وحارّة وباردةً، وليّنة وعاصفة. وقيل: تصريفها إرسالها جنوباً وشمالاً، ودَبوراً وصَباً، ونَكْباءَ، وهي التي تأتي بين مَهَبَّيْ ريحين. وقيل: تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها، والصغار كذلك؛ ويصرف عنهما ما يضرّ بهما، ولا ٱعتبار بكبر القلاع ولا صغرها؛ فإن الريح لو جاءت جسداً واحداً لصدمت القلاع وأغرقت. والرياح جمع ريح سُمِّيت به لأنها تأتي بالروح غالباً. روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الريح من رَوْح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تَسُبُّوها وٱسألوا الله خيرها وٱستعيذوا بالله من شرها»تفسير : . وأخرجه أيضاً ٱبن ماجه في سُنَنه حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزُّهري حدّثنا ثابت الزُّرَقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تَسُبُّوا الريح فإنها من رَوح الله تأتي بالرحمة والعذاب ولكن سَلُوا الله من خيرها وتعوّذوا بالله من شَرها»تفسير : . وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تسبُّوا الريح فإنها من نَفَس الرحمن»تفسير : . المعنى: أن الله تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح؛ والإضافة من طريق الفعل. والمعنى: أن الله تعالى جعلها كذلك. وفي صحيح مسلم عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نُصِرْتُ بالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُور»تفسير : . وهذا معنى ما جاء في الخبر أن الله سبحانه وتعالى فرّج عن نبيّه صلى الله عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب؛ فقال تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}تفسير : [الأحزاب: 9]. ويقال نفّس الله عن فلان كُربة من كرب الدنيا؛ أي فرّج عنه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «حديث : مَن نفّس عن مسلم كُربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة»تفسير : أي فرّج عنه. وقال الشاعر:شعر : كَأَنّ الصَّبا ريح إذا ما تنّسمت على كبْد مهموم تجلّت همومُها تفسير : قال ٱبن الأعرابي: النسيم أوّل هبوب الريح. وأصل الريح روح، ولهذا قيل في جمع القلة أرواح، ولا يقال: أرياح؛ لأنها من ذوات الواو، وإنما قيل: رياح من جهة الكثرة وطلب تناسب الياء معها. وفي مصحف حفصة «وتصريف الأرواح». العاشرة: قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} قرأ حمزة والكسائي «الريح» على الإفراد، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والرُّوم وفاطر والشُّورى والجاثية؛ لا خلاف بينهما في ذلك. ووافقهما ٱبن كثير في الأعراف والنمل والرُّوم وفاطر والشُّورى. وأفرد حمزة {الرِّيح لواقح}. وأفرد ٱبن كَثير {وَهُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرِّيحَ} في الفُرقان. وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع؛ ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع. والذي ذكرناه في الرُّوم هو الثاني {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ}تفسير : [الروم: 48]. ولا خلاف بينهم في {أية : ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} تفسير : [الروم:46]. وكان أبو جعفر يزيد بن القَعْقَاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن؛ سوى {أية : تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ} تفسير : [الحج: 31] و{أية : ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ}تفسير : [الذاريات: 41]. فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد. فمن وجّد الريح فلأنه ٱسم للجنس يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهبّ منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووحّد مع العذاب فإنه فعل ذلك ٱعتباراً بالأغلب في القرآن؛ نحو: {ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} و {ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب؛ إلا في يونس في قوله: {أية : وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ}تفسير : [يونس: 22]. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذَا هَبت الرّيح: «حديث : اللَّهُمَّ ٱجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً»تفسير : . وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطّعة فلذلك هي رياح. فأفرِدت مع الفُلْك في «يونس»؛ لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متّصلة ثم وُصفت بالطّيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب. الحادية عشرة: قال العلماء الريح تحرّك الهواء؛ وقد يشتدّ ويضعف. فإذا بَدَت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبةً إلى سَمْت القِبلة قيل لتلك الريح: «الصَّبَا». وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة قيل لتلك الريح: «الدَّبُور». وإذا بَدَت حركة الهواء عن يمين القِبلة ذاهبةً إلى يسارها قيل لها: «ريح الجنوب». وإذا بَدَت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبةً إلى يمينها قيل لها: «ريح الشَّمال». ولكل واحدة من هذه الرياح طبع، فتكون منفعتها بحسب طبعها؛ فالصَّبا حارّةٌ يابسة، والدَّبورُ باردةٌ رطبة، والجنوب حارّةٌ رطبةٌ، والشَّمال باردةٌ يابسة. وٱختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة. وذلك أن الله تعالى وضع للزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء؛ فجعل الربيع الذي هو أوّل الفصول حارًّا رَطْباً، ورتّب فيه النَّشْء والنُّمُو فتنزل فيه المياه، وتُخرج الأرض زهرتها وتظهر نباتها، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزرع، وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان. فإذا ٱنقضى الرّبيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة، ومباين له في الأخرى وهي الرطوبة؛ لأن الهواء في الصيف حارّ يابس، فتَنْضَج فيه الثمار وتيبس فيه الحبوب المزروعة في الربيع. فإذا ٱنقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس، ومباين له في الأخرى وهي الحرارة؛ لأن الهواء في الخريف بارد يابس، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس وتجفّ فتصير إلى حال الادّخار، فتُقطف الثمار وتُحصد الأعناب وتَفرغ من جمعها الأشجار. فإذا ٱنقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعتيه وهي البرودة، ومباين له في الأخرى وهو اليبس؛ لأن الهواء في الشتاء بارد رطب، فتكثر الأمطار والثلوج وتَهْمُد الأرض كالجسد المستريح؛ فلا تتحرّك إلاّ أن يعيد الله تبارك وتعالى إليها حرارة الربيع، فإذا ٱجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النَّشْء والنُّمُوّ بإذن الله سبحانه وتعالى. وقد تَهُبّ رياح كثيرة سوى ما ذكرناه، إلاّ أن الأصول هذه الأربع. فكل ريح تَهُبّ بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها وتسمى «النَّكْبَاء». الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} سُمّي السحاب سحاباً لانسحابه في الهواء. وسحبت ذَيْلي سحْباً. وتَسحّب فلان على فلان: اجترأ. والسَّحْب: شدّة الأكل والشرب. والمسخّر: المذلّل؛ وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر. وقيل: تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق؛ والأوّل أظهر. وقد يكون بماء وبعذاب؛ روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينما رجلٌ بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة ٱسْقِ حديقة فلان فتنحّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حَرّة فإذا شَرْجَة من تلك الشِّراج قد ٱستوعبت ذلك الماء كله فتتّبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء بِمسحاته فقال له يا عبد اللَّه ما ٱسمك قال فلان للاسم الذي سَمِع في السحابة فقال له يا عبد اللَّه لم تسألني عن ٱسمي فقال إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول ٱسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع (فيها) قال أمّا إذ قلتَ هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدّق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأردّ فيها ثلثه. وفي رواية «وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وٱبنِ السبيل»»تفسير : . وفي التنزيل: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ}تفسير : [فاطر: 9]، وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}تفسير : [الأعراف: 57] وهو في التنزيل كثير. وخرّج ٱبن ماجه "حديث : عن عائشة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى سحاباً مقبلاً من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله فيقول: اللّهُم إنا نعوذ بك من شرّ ما أُرسل به فإن أمطر قال: «اللَّهُمّ سَيْباً نافعاً» مرتين أو ثلاثة، وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك"تفسير : . أخرجه مسلم بمعناه عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الرّيح والغيم عُرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر؛ فإذا مَطَرت سُرّ به وذهب عنه ذلك. قالت عائشة: فسألته فقال: «إني خشيت أن يكون عذاباً سُلّط على أمّتي». ويقول إذا رأى المطر: «رحمة» في رواية فقال: لعلّه يا عائشة كما قال قوم عاد {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}»تفسير : . فهذه الأحاديث والآي تدلّ على صحة القول الأوّل وأن تسخيرها ليس ثبوتها؛ والله تعالى أعلم. فإن الثبوت يدلّ على عدم الانتقال؛ فإن أريد بالثبوت كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض فصحيح؛ لقوله «بين» وهي مع ذلك مسخرة محمولة، وذلك أعظم في القدرة، كالطير في الهواء؛ قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [النحل: 79]، وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [الملك: 19] الثالثة عشرة: قال كعب الأحبار: السحاب غِربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض؛ رواه عنه ٱبن عباس. ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن عليّ عن معاذ بن عبد اللَّه بن خُبيب الجُهَنيّ قال: رأيت ٱبن عباس مرّ على بغلة وأنا في بني سلمة، فمرّ به تُبَيْع ٱبن ٱمرأة كعب فسلّم على ٱبن عباس فسأله ٱبن عباس: هل سمعت كعب الأحبار يقول في السحاب شيئاً؟ قال: نعم؛ قال: السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض. قال: سمعتَ كعباً يقول في الأرض تنبت العام نباتاً، وتنبت عاماً قابلاً غيره؟ قال نعم، سمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء. قال ٱبن عباس: وقد سمعت ذلك من كعب. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {لآيَاتٍ} أي دلالات تدل على وحدانيّته وقدرته؛ ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} ليدلّ بها على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : وَيْلٌ لمن قرأ هذه الآية فمّج بها»تفسير : أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبرها. فإن قيل: فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها. قيل له: هذا محال؛ لأنها لو أحدثت أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة؛ فإن أحدثتها وهي معدومة كان محالاً؛ لأن الإحداث لا يتأتّى إلا من حيّ عالم قادر مريد، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك، وإن كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث أنفسها. وأيضاً فلو جاز ما قالوه لجاز أن يحدث البناء نفسه؛ وكذلك النجارة والنسج، وذلك محال، وما أدّى إلى المحال محال. ثم أن الله تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرّد الأخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن؛ فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [يونس: 101]، والخطاب للكفار؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 185] يعني بالملكوت الآيات. وقال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] يقول: أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبُّر حتى يستدلّوا بكونها محلاًّ للحوادث والتغييرات على أنها محدَثات، وأن المحدَث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم؛ لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه وذلك محال. وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 12] يعني آدم عليه السلام، «ثُمَّ جَعَلْنَاهُ» أي جعلنا نسله وذرّيته {أية : نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 13] إلى قوله: {تُبْعَثُونَ}. فالإنسان إذا تفكّر بهذا التنبيه بما جُعل له من العقل في نفسه رآها مدبّرة وعلى أحوال شتّى مصرّفة. كان نُطْفَةً ثم عَلَقة ثم مُضْغة ثم لحماً وعظماً؛ فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال؛ لأنه لا يقدر على أن يُحدِث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أَشُدّه عضواً من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة؛ فيدلّه ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز. وقد يرى نفسه شاباً ثم كَهْلاً ثم شيخاً وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوّة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا ٱختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المَشيب ويراجع قوّة الشباب؛ فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه، وأن له صانعاً صنعه وناقلاً نقله من حال إلى حال؛ ولولا ذلك لم تتبدّل أحواله بلا ناقل ولا مدبّر. وقال بعض الحكماء: إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، الذي هو بدن الإنسان؛ ولذلك قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] وقال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات:21]. فحواسّ الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة، والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها، وأعضاؤه تصير عند البِلَى تراباً من جنس الأرض؛ وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنّفَس، ومن جنس النار فيه المِرّة الصفراء. وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض، وكبده بمنزلة العيون التي تستمدّ منها الأنهار؛ لأن العروق تستمدّ من الكبد. ومثانته بمنزلة البحر؛ لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر. وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض. وأعضاؤه كالأشجار؛ فكما أن لكل شجر ورقاً أو ثمراً فكذلك لكل عضو فعل أو أثر. والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض. ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان؛ فهو العالَم الصغير مع العالَم الكبير مخلوق محدَث لصانع واحد؛ لا إلٰه إلا هو.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} إنما جمع السموات وأفرد الأرض، لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين. {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تعاقبهما كقوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً }تفسير : [الفرقان: 62] {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} أي ينفعهم، أو بالذي ينفعهم، والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص {ٱلْفُلْكِ} بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه، ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما البحر في غالب الأمر، وتأنيث {ٱلْفُلْكِ} لأنه بمعنى السفينة. وقرىء بضمتين على الأصل، أو الجمع وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين. {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن مَّاءٍ} من الأولى للإِبتداء، والثانية للبيان. والسماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بالنبات {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ} عطف على أنزل، كأنه استدل بنزول المطر وتكوين النبات به وبث الحيوانات في الأرض، أو على أحيا فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة. والبث النشر والتفريق. {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ } في مهابها وأحوالها، وقرأ حمزة والكسائي على الإِفراد. {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله تعالى. وقيل: مسخر الرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى، واشتقاقه من السحب لأن بعضه يجر بعضاً. {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها»تفسير : أي لم يتفكر فيها. واعلم أن دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلاً، والكلام المجمل أنها: أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة، وأنحاء مختلفة، إذ كان من الجائز مثلاً أن لا تتحرك السموات، أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها، وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلاً، وعلى هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها، فلا بد لها من موجد قادر حكيم، يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته، متعالياً عن معارضة غيره. إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه الآخر. فإن توافقت إرادتهما: فالفعل إن كان لهما، لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن كان لأحدهما، لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وجز الآخر المنافي لآلهيته. وإن اختلفت: لزم التمانع والتطارد، كما أشار إليه بقوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }تفسير : [الأنبياء: 22] وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله، وحث على البحث والنظر فيه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتقارضان، كما قال تعالى: {أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ}تفسير : [الحج: 61] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب؛ لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الاقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} كما قال تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ }تفسير : ـ إلى قوله ـأية : ومما لا يعلمون}تفسير : [يس: 33 ـ 36] {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [هود: 6] {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ} أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبوراً، وهي غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتباً كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول ههنا، والله أعلم، {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى {لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} تفسير : [آل عمران: 190 ـ 191]. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك، ونقاتل معك، قال: «حديث : أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهباً لتؤمنن بي»تفسير : فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهباً على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، قال محمد صلى الله عليه وسلم: «حديث : رب لا، بل دعني وقومي فلأدعهم يوماً بيوم»تفسير : ، فأنزل الله هذه الآية: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} الآية، ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة به، وزاد في آخره: وكيف يسألونك الصفا، وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا؟ وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} إلى قوله: {لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء، وقال وكيع بن الجراح: حدثنا سفيان عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: لما نزلت: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ} إلى آخر الآية، قال المشركون: إن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} إلى قوله: {يَعْقِلُونَ} رواه آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر، هو الرازي، عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وما فيهما من العجائب {وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان {وَٱلْفُلْكِ } السفن {ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ } ولا ترسب موقرة {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } من التجارات والحمل {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن مَّاءٍ } مطر {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ } بالنبات {بَعْدَ مَوْتِهَا } يَبَسِهَا {وَبَثَّ } فرّق ونشر به {فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ } تقليبها جنوباً وشمالاً حارة وباردة {وَٱلسَّحَابِ } الغيم {ٱلْمُسَخَّرِ } المذلل بأمر الله تعالى يسير إلى حيث شاء الله {بَيْنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } بلا علاقة {لأَيَٰتٍ } دلالاَت على وحدانيته تعالى {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبرون.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} عقب ذلك بالدليل الدالّ عليه، وهو هذه الأمور التي هي من أعظم صنعة الصانع الحكيم، مع علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أحد من الآلهة التي أثبتها الكفار أن يأتي بشيء منها، أو يقتدر عليه، أو على بعضه، وهي خلق السموات، وخلق الأرض، وتعاقب الليل والنهار، وجرى الفلك في البحر، وإنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض به، وبثّ الدوابّ منها بسببه، وتصريف الرياح، فإن من أمعن نظره، وأعمل فكره في واحد منها انبهر له، وضاق ذهنه عن تصوّر حقيقته. وتحتم عليه التصديق بأن صانعه هو الله سبحانه، وإنما جمع السموات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، ووحد الأرض؛ لأنها كلها من جنس واحد، وهو التراب. والمراد باختلاف الليل، والنهار تعاقبهما بإقبال أحدهما، وإدبار الآخر، وإضاءة أحدهما، وإظلام الآخر. والنهار: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقال النضر بن شميل: أوّل النهار طلوع الشمس، ولا يعدّ ما قبل ذلك من النهار. وكذا قال ثعلب، واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت:شعر : والشَّمْسُ تَطْلع كلَّ آخر لَيْلةٍ حمراء يُصْبح لوْنُهَا يتورَّدُ تفسير : وكذا قال الزجاج. وقسم ابن الأنباري الزمان إلى ثلاثة أقسام: قسماً جعله ليلاً محضاً، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقسماً جعله نهاراً محضاً، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقسماً جعله مشتركاً بين النهار والليل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لبقايا ظلمة الليل ومبادىء ضوء النهار. هذا باعتبار مصطلح أهل اللغة. وأما في الشرع فالكلام في ذلك معروف. والفلك: السفن، وإفراده، وجمعه بلفظ واحد، وهو هذا، ويذكر، ويؤنث. قال الله تعالى: {أية : فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } تفسير : [الشعراء: 19] {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ } وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] وقيل: واحده فلَك بالتحريك، مثل أسد وأسَد. وقوله: {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } يحتمل أن تكون "ما" موصولة، أي: بالذي ينفعهم، أو مصدرية، أي: بنفعهم، والمراد بما أنزل من السماء المطر الذي به حياة العالم، وإخراج النبات، والأرزاق. والبثّ: النشر، والظاهر أن قوله: {بَثَّ } معطوف على قوله: {فَأَحْيَا } لأنهما أمران متسببان عن إنزال المطر. وقال في الكشاف: إن الظاهر عطفه على أنزل. والمراد بتصريف الرياح: إرسالها عقيماً، وملقحة، وصرّاً، ونصراً، وهلاكاً، وحارة، وباردة، ولينة، وعاصفة، وقيل: تصريفها: إرسالها جنوباً، وشمالاً ودَبُوراً، وصباً، ونكباً وهي: التي تأتي بين مهبَّي ريحين، وقيل تصريفها: أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها، والصغار كذلك، ولا مانع من حمل التصريف على جميع ما ذكر. والسحاب سمي سحاباً؛ لانسحابه في الهواء، وسحبت ذيلي سحباً، وتسحب فلان على فلان: اجترأ. والمسخر: المذلل، وسخره: بعثه من مكان إلى آخر. وقيل: تسخيره: ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد، ولا علائق والأوّل أظهر. والآيات: الدلالات على وحدانيته سبحانه لمن ينظر ببصره، ويتفكر بعقله. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً نتقوى به على عدوّنا، فأوحى الله إليه: "إني معطيهم، فأجعل لهم الصفار ذهباً، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين"، فقال: حديث : ربّ، دعني، وقومي، فأدعوهم يوماً بيوم، تفسير : فأنزل الله هذه الآية. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرج وكيع، والفريابي وآدم ابن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الضحى قال: لما نزلت: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } عجب المشركون، وقالوا: إن محمداً يقول: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء نحوه. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: الليل موكل به ملك يقال له: شراهيل، فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء، فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة عين، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء الليل، فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجىء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء، فيعلقها من قبل المطلع، فإذا رآها شراهيل مدّ إليه خرزته، وترى الشمس الخرزة البيضاء، فتطلع، وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت جاء النهار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: {وَٱلْفُلْكِ } قال: السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: {بَثَّ } خلق، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ } قال: إذا شاء جعلها رحمة لواقح للسحاب، وبشراً بين يدي رحمته، وإذا شاء جعلها عذاباً ريحاً عقيماً لا تلقح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح، فهي رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح، فهي عذاب. وقد ورد في النهي عن سبّ الريح، وأوصافها أحاديث كثيرة لا تعلق لها بالآية.
الماوردي
تفسير : ثم دل على ما ذكرهم من وحدانيته وقدرته، بقوله تعالى: {إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: فآية السماء: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة. وآية الأرض: بحارها، وأنهارها، ومعادنها، وشجرها، وسهلها، وجبلها. وآية الليل والنهار: اختلافها بإقبال أحدهما وإدبار الآخر، فيقبل الليل من حيث لا يعلم، ويدبر النهار إلى حيث لا يعلم، فهذا اختلافهما. ثم قال: {وَالْفُلْكِ الَّتي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} الفلك: السفن، الواحدُ والجمع بلفظ واحد، وقد يذكر ويؤنث. والآية فيها: من وجهين: أحدهما: استقلالها لحملها. والثاني: بلوغها إلى مقصدها. ثم قال تعالى: {وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ} يعني به المطر المنزل منها، يأتي غالباً عند الحاجة، وينقطع عند الاستغناء عنه، وذلك من آياته. ثم قال تعالى: {فَأَحْيَا الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وإحياؤها بذلك قد يكون من وجهين: أحدهما: ما تجري به أنهارها وعيونها. والثاني: ما ينبت به من أشجارها وزروعها، وكلا هذين سبب لحياة الخلق من ناطق وبُهْم. ثم قال تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} يعني جميع الحيوان الذي أنشأه فيها، سماه (دابة) لدبيبه عليها، والآية فيها مع ظهور القدرة على إنشائها من ثلاثة أوجه: أحدها: تباين خلقها. والثاني: اختلاف معانيها. والثالث: إلهامها وجوه مصالحها. ثم قال تعالى: {وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ} والآية فيها من وجهين: أحدهما: اختلاف هبوبها في انتقال الشمال جنوبها، والصبا دبوراً، فلا يعلم لانتقالها سبب، ولا لانصرافها جهة. والثاني: ما جعله في اختلافها من إنعام ينفع، وانتقام يؤذي. وقد روى سعيد بن جبير عن شريح قال: ما هاجت ريح قط إلا لسُقْمِ صحيح أو لشفاء سقيم والرياح جمع ريح وأصلها أرواح. وحكى أبو معاذ أنه كان في مصحف حفصة: {وَتَصْرِيفِ الأرْوَاحِ}. وقال ابن عباس: سميت الريح لأنها تريح ساعة بعد ساعة. قال ذو الرمة: شعر : إذا هبت الأرواح من نحو جانب به آل مَيٍّ هاج شوقي هبوبها تفسير : ثم قال تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ} المسخر: المذلل، والآية فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: ابتداء نشوئه وانتهاء تلاشيه. والثاني: ثبوته بين السماء والأرض من غير عَمَد ولا علائق. والثالث: تسخيره وإرساله إلى حيث يشاء الله عز وجل. وهذه الآية قد جمعت من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ما صار لذوي العقول مرشداً وإلى الحق قائداً. فلم يقتصر الله بنا على مجرد الإخبار حتى قرنه بالنظر والاعتبار.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} بغير عمد ولا عَلاَّقة، وشمسها وقمرها ونجومها، {وَالأَرْضِ} بسهلها، وجبلها، وبحارها، وأنهارها، ومعادنها، وأشجارها {وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بإقبال أحدهما، وإدبار الآخر. {وَالْفُلْكِ} باستقلالها وبلوغها إلى مقصدها، وجمع الفلك ومفردها بلفظ واحد، ويذكَّر ويؤنَّث. {مِن مَّآءٍ} مطر يجيء [غالباً] عند الحاجة إليه، وينقطع إذا استُغني عنه. {فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ} بإنبات أشجارها وزروعها، أو بإجراء أنهارها وعيونها، فيحيا بذلك الحيوان الذي عليها. {دَآبَّةٍ} سمي الحيوان بذلك لدبيبه على وجهها، والآية ـ بعد القدرة على إنشائها ـ فيها تباين خلقها، واختلاف منافعها، ومعرفتها بمصالحها. {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} جمع ريح أصلها "أرواح". شعر : إذا هبت الأرواح من نحو جانب به آلُ مي هاج شوقي هبوبُها تفسير : وتصريفها: انتقال الشمال جنوباً, والصبا دَبورا، أو ما فيها من الضر والنفع، شريح: ما هاجت ريح قط إلا لسقم صحيح، أو شفاء سقيم. {الْمُسَخَّرِ} المذلل. وآيته ابتداء نشوءه وتلاشيه، وثبوته بين السماء والأرض، وسيره إلى حيث أراده منه.
الخازن
تفسير : فأنزل الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض} وعلمه كيفية الاستدلال على وحدانية الصانع، وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في عجائب مصنوعاته وإتقان أفعاله ففي ذلك دليل على وحدانيته إذ لو كان في الوجود صانعان لهذه الأفعال، لاستحال اتفاقهما على أمر واحد ولامتنع في أفعالهما التساوي في صفة الكمال فثبت بذاك أن خالق هذا العالم والمدبر له واحد قادر مختار، فبين سبحانه وتعالى من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع أولها: إن في خلق السموات والأرض وإنما جمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى ووحد الأرض جنس واحد وهو التراب، والاية في السماء هي سمكها وارتفاعها بغير عمد، ولا علاقة وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار والنبات. النوع الثاني قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} أي تعاقبهما في المجيء والذهاب وقيل اختلافهما في الطول والقصر والزيادة والنقصان والنور والظلمة. وإنما قدم الليل على النهار لأن الظلمة أقدم. والآية في الليل والنهار أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار وطلب النوم والراحة يكون في الليل فاختلاف الليل والنهار إنما هو لتحصيل مصالح العباد. والنوع الثالث قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر} أي السفن واحدة وجمعه سواء، وسمي البحر بحراً لاتساعه وانبساطه، والآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرجال فلا ترسب وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان الماء، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلاّ الله تعالى النوع الرابع قوله تعالى: {بما ينفع الناس} يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات لطلب الأرباح، والآية في ذلك أن الله تعالى لو لم يقو قلب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في تجاراتهم، ومنافعهم وأيضاً فإن الله تعالى خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك سبباً يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوض البحر وغير ذلك فالحامل ينتفع، لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه. النوع الخامس قوله تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء} يعني المطر قيل أراد بالسماء السحاب سمي سماء لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء خلق الله الماء في السحاب، ومنه ينزل إلى الأرض وقيل: أراد السماء بعينها خلق الله الماء في السماء ومنه ينزل إلى السحاب ثم منه إلى الأرض {فأحيا به} أي بالماء {الأرض بعد موتها} أي يبسها وجدبها سماه موتاً مجازاً لأنها إذا لم تنبت شيئاً، ولم يصبها المطر فهي كالميتة، والآية في إنزال المطر وإحياء الأرض به أن الله تعالى جعله سبباً لإحياء الجميع من حيوان ونبات ونزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة، وعند الاستسقاء والدعاء وإنزاله بمكان دون مكان. النوع السادس قوله تعالى: {وبث} أي فرق {فيها} أي في الأرض {من كل دابة} قال ابن عباس: يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، والآية في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم ثم ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان. النوع السابع قوله تعالى: {وتصريف الرياح} يعني في مهابِّها قبولاً ودبوراً وشمالاً وجنوباً ونكباء وهي الريح التي تأتي من غير مهب صحيح، فكل ريح تختلف مهابها تسمى: نكباء. وقيل: تصريفها في أحوال مهابها لينة وعاصفة وحارة وباردة وسميت ريحاً لأنها تريح قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح وقيل ما هبت ريح إلاّ لشفاء سقيم أو ضده. وقيل: البشارة في ثلاث رياح الصبا والشمال والجنوب والدبور: هي الريح العقيم التي أهلكت بها عاد فلا بشارة فيها، والآية في الريح أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهي مع ذلك في غاية القوة تقلع الشجر والصخر وتخرب البنيان العظيم وهي مع ذلك حياة الوجود فلو أمسكت طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض. النوع الثامن قوله تعالى: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض}أي الغيم المذلل سمي سحاباً لسرعة سيره كأنه يسحب. والآية في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية العظيمة يبقى معلقاً بين السماء والأرض، ففي هذه الأنواع الثمانية المذكورة في هذه الآية دلالة عظيمة على وجود الصانع القادر المختار،وأنه الواحد في ملكه فلا شريك له ولا نظير وهو المراد من قوله: {أية : وإلهكم إله واحد لا إله إلاّ هو} تفسير : [البقرة: 163] وقوله: {لآيات} أي فيما ذكر من دلائل مصنوعاته الدالة على وحدانيته قيل إنما جمع آيات لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الآنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقاً مدبراً مختاراً {لقوم يعقلون} أي ينظرون بصفاء عقولهم ويتفكرون بقلوبهم، فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقاً ومدبراً مختاراً وصانعاً قادراً على ما يريد.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...}. قال ابن عرفة: تقدمها آية النبوة والرسالة في قوله تعالى {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ}تفسير : وآية الوحدانية في قوله تعالى {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}تفسير : فيحتمل أن يكون دليلا لهذه أو هذه. قال ابن عطية:/ عن عطاء: قال لما نزلت الآية المقدسة بالمدينة، قال كفار قريش بمكة: ما الدّليل على هذا وما آيته وما علامته؟ فطلبوا دلالة الوحدانية فنزلت هذه الآية. وقال سعيد بن (المسيب) رضي الله عنه: قالوا إن كان ما تقول حقا فأت بآية تدل على صدقك حتى "حديث : قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا فقيل لهم: ذلك (لكم)، ولكن إن كفروا عُذبوا فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال: "دَعْنِي أدْعُهُمْ يَوْما فَيَوْما ". تفسير : قال ابن عرفة: ظاهره أنه رق لحالهم. ويحتمل أن يكون ذلك لما في سورة الأنعام {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّاكَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ }. تفسير : فكأنه قال: ولو حصل لهم الصّفا ذهبا فإنهم لن يؤمنوا. قال ابن عرفة: قد تقرر الخلاف في الخلق هل هو نفس (المخلوق) وهو مذهب أهل السنة. وإن من يقول: إنه غير نفس المخلوق يلزمه التسلسل وهو مذهب المعتزلة لأن ذلك الخلق يحتاج إلى خلق آخر لأنه يقال بماذا وجد؟ فيقول: بخلق آخر. وهل هو نفس المخلوق (أم) لا ويتسلسل. وأجابوا بأنه أمر نسبي فهو غيره ولكنه أمر نسبي ليس فيه تسلسل. قيل لابن عرفة: والأمور النسبية عدمية والعدمية لا يصح الاحتجاج بها فكيف يستقيم الاستدلال بها في الآية؟ فقال: الاستدلال بها من حيث إضافتها إلى أمر موجود وهو المخلوق. قيل لابن عرفة: إن الفخر ابن الخطيب احتج بها على أن الخلق غير المخلوق. قال: لأنه لا يقع الاعتبار إلا بالنظر إلى المخلوقات بعد وجودها لا بخلقها لأنه غير مرئي. فقال: الاعتبار بها من حيث إيجادها (من) عدم وهو خلقها، أي معنى خلقها. قال: والناس قسمان: عالم وجاهل، فالجاهل يعتبر بنفس خلقها على الجملة والعالم ينظر فيجد المعمور من الأرض أقل من الخالي بالنسبة إلى سائر الأرضين أقل، والأرضون بالنسبة إلى سماء الدنيا وما فوقها أقل، والسماء الدنيا وما فوقها بالنسبة إلى الشمس أقل، لأنها في السماء الرابعة، والشمس بالنسبة إلى السماء الّتي فوقها أقل منها. قال ابن عرفة: وإنما جمعت السماوات وأفردت الأرضون مع أنها سبع لأنّ عدد السماوات يدرك بالرصد، وطول الأعمار، والكسوفات، وأطوال البلاد وأعراضها، وجري الكواكب، والأرضون لا طريق لنا إلى إدراكها بوجه إلا من السمع، لأن المشاهد لنا منها إنما هي أرض واحدة فأفردت بالذكر، ولذلك اختلف فيها الإمام المازري وشيخه عبدالحميد الصائغ /انتهى/. وأجاب القرطبي عن هذا السؤال بأنّ السماوات مختلفة، فقد ورد في الحديث أن بعضها من فضة وبعضها من زبرجد، وبعضها من لؤلؤ إلى غير ذلك، فلذلك جمعت بخلاف الأرضين فإنها متماثلة كلها من شيء واحد. ورده ابن عرفة بوجهين: - الأول مذهب المتكلمين أنّ الجواهر كلها متساوية في الحد والحقيقة، وإنما تختلف في الأعراض فلا فرق بين جسم الذهب وجسم الفضة. - الثاني: أنّ النحويين أجازوا جمع المتماثلات، ألا تراهم يجمعون زيدا وزيدا مع تماثلهم في اللفظ والمعنى، فكذلك يجمعون الأرضون هنا؟ قال ابن عرفة: وإنما الجواب ما قلناه في قوله تعالى في: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الى قوله {يَعْقِلُونَ}: فإن قلت: هلا أريد بخلق السماوات والأرض أنفسها أو نفس إيجادها وإثباتها؟. قلت: مذهب أهل السّنة أن الخلق نفس المخلوق لا أنه أمر زائد عليه. وكان شيخنا الإمام أبو عمرو بن الحاجب يقول بحسب ذلك: خلق الله السماوات مصدر، كقولك: خلق الله خلقا، وينكر طلبة النحو ذلك لاستغرابهم كون الجوامد مصادر وما لهم تصور لحقائق علم الكلام، ولا لهم إحاطة بالضروريات الملجئة إلى مخالفة، فإن المتكلمين التجأوا إلى ذلك لعلمهم أنّ الخلق لو كان معنى زائدا لكان وجوديا، ولكان مخلوقا ولكان خلقه مفتقرا إلى خلق آخر. فلما قطعوا باستحالة ذلك قطعوا بأن القدرة تتعلق بذات العين، فتوجدها (أفعال) الله كما أن المعاني أفعال. فإن قلت: حاصل ذلك لا تغاير بين الخلق والمخلوق فلا مصدر إذاً، لأن (المصدر) في قولك: ضربت زيدا ضربا زائد على ذات زيد و (لا هناك) زائد، ولا يستقيم إذا كان الموت مصدرا. قلت: هو ما ذكرت. والمستقيم كون الموت مفعولا به وهي نفس الفعل وهو الذي أراد الشيخ ابن الحاجب ولكن لو أعدّها مفعولا به لجمع بين الاصطلاح وبين المعقول. فإن قلت: لو قال قائل: خلق الله السماوات خلقا، فكيف يعرب خلقا؟ قلت: مصدرا، وهو نفس المفعول به في المعنى فاحفظ الصناعة والحقيقة معا، فالتغاير بين المصدر والمفعول به حقيقي في غير هذا الباب ولفظي هنا. فإن قلت: ما وجه (المعطوفات) في الآية على "خلق السماوات" وقد فسرت خلقها بمخلوقاتها وكلما ذكر من المخلوقات فيصير من/ عطف الشيء على نفسه؟ قلت: هو من عطف الجزء على الكل لثبوتهما بالجزء أو من عطف الأخبار في غيرها وإن كانت فيها. فإن قلت: ما وجه التقوية؟ (قلت) باعتبار مقصد الاستدلال لأن ذوات السماوات والأرض لا دلالة لها من حيث الأعراض القائمة بها وأنها لا أعراض بدلالة الأكوان إذ الطبيعي (محال) في إنكار الأكوان، وأبعد الأكوان الحركة والسكون، والحركة أبعد لمشاهدتها ضرورة ولأجله استفتح الشيخ الأشعري في البرهان لقوله: تحرك الجوهر وكان ساكنا. ولا دعوى (للطبيعي) إلا في كونها تستفتح للجمع بين النقيضين. وعلى هذه النكتة دارت هذه الأدلة (فاختلاف) اللّيل والنهار (راجع إلى الحركات وذكر الفلك) باعتبار جرمها وتحركها حركات قوية ضرورية متوالية. قوله تعالى: {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ...}. أي يحدث الله المنفعة به في نفوسهم (فيقطع) قول الطبيعي: "الحركة عدم" لأن المعدوم لا ينفع وإنما ينفع الله بالفلك بواسطة حركاتها ولا فرق بين عدم النفع والنفع بالعدم. ثم ذكر (الماء) بواسطة كونه (منزلا بحركة) من السماء والأرض ثم ذكر أنه بث الأحياء بواسطة تلك الحركة، وكيف يكون العدم واسطة في الإحياء ثم إحياء الأرض عبارة عن تحريك الحب الكائن فيها إلى الظهور، ثم ذكر بث الدواب وهي المتحركات بالوصيب ثم ذكر تصريف الرياح أي تحريكها من قطر إلى قطر (ثم ذكر السحاب المسخر أي المحرك من قطر إلى قطر وكله) استدلال على حدوث الجواهر وحدوث حركاتها التي لا (تنافي) وجودها بدليل إثارتها الحسية. فإن قلت: ليس له في كل شيء (دلالة) فما فائدة هذه الأدلة والأمثلة؟ قلت: الإيقاظ بعد الإيقاظ والإيقاع بعد الإيقاع والضرب على الضرب حتى لا يبقى للقبول علة في الاستدامة والغفلة، حتى تتحرك الدواعي حركات متتابعة متسارعة إلى ضرب (النّجاة). قوله تعالى {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ...}. قال ابن عطية: أي تخالفهما ومعاقبة أحدهما للآخر أو يريد اختلاف أوصافهما فالليل تارة أطول والنهار تارة أطول. قال ابن عرفة: أو المراد اختلاف كل واحد منهما في نفسه فَلَيْلَةُ البارحة أقصر من ليلة اليوم ونهار اليوم أطول من نهار غد وأشار إليه الفخر. قوله تعالى {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ...}. مجاز في الإفراد وهو لفظ إحيائها ولفظ موتها. قوله تعالى: {مِن كُلِّ دَآبَّةٍ...}. "من" للتبعيض في الأصناف و "كُلّ" للعموم في الأنواع. قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ...}. تصريفها هبوبها من (جهاتها) المختلفة أو دوران الرّيح إلى المغرب بعد هبوبه من المشرق. قوله تعالى: {لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. لم يقل: يعلمون، لأن هذا من باب الاستدلال (والاستدلال) مقدمة شرطها العقل وأما العلم نتيجة عن تلك المقدمات فلذلك لم يذكر هنا. قيل لابن عرفة: عادة المتكلّمين في كتبهم يذكرون (باب) حدوث العلم ويستدلّون (فيه) على وجود الصانع ويفردون بابا آخر للاستدلال على وحدانية الصانع (فيجعلونهما بابين والآية اقتضت الاستدلال بحدوث العالم على وحدانية الصانع)؟ فأجاب ابن عرفة بوجهين: - الأول: قال: إن الآية خطاب لقريش وهم مقرون بأن المؤثر واحد والشركاء غير مؤثرين، فلا استدلال بالآية مع ضميمة اعتقاد أن المؤثر واحد استْدل به على أنه موجود. - الجواب الثاني: أنها دليل على أن هذه الأشياء لها فاعل ومؤثر، وقد دل الدليل العقلي على منع اجتماع مؤثرين على أثر واحد فصح بالآية وجود الصانع ووحدانيته.
ابن عادل
تفسير : ذكر ابن جرير في سَبَب نُزُول هذه الآيةِ عن عطاءٍ أيضاً ما ذكرْنَاه آنفاً. وعن سعيد بن مَسْروق، قال: سألت قُرَيشٌ اليَهودَ، فقالوا: حدِّثُونَا عَمَّا جَاءَكُم به موسى - عليه السَّلام - من الآيَاتِ. فَحَدَّثوهُمْ بالعَصا وبالْيَدِ البَيْضاءِ، وسَأَلُوا النَّصَارَى عَمَّا جاءَهُمْ به عيسى، فَحدَّثُوهُم بإبراءِ الأَكْمَه والأَبْرَصِ وإحياءِ المَوتَى؛ فقالت قُرَيش عِند ذلك للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ادْعُ اللَّهَ لَنَا أنْ يَجْعَلَ الصَّفا ذَهَباً، فَنَزدَادَ يقيناً، ونَتَقَوَّى على عدُوِّنَا [فَسَأل ربَّهُ ذلك] فأوحَى اللَّهُ تعالى إليه أنْ يعطيهم، ولكن إن كذَّبُوا بَعْدَهُ، عَذَّبْتُهُم عَذَاباً شدِيداً لا أعذِّبُهُ أحداً مِنَ العالمين فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام: - حديث : ذَرْنِي وَقَوْمِي، أدعُوهُمْ يَوماً فَيَوْماًتفسير : ، فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية مُبَيِّناً لهم أنهم إنْ كانوا يريدون أنْ أجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَباً؛ ليزدادوا يقيناً؛ فَخَلقُ السَّموات والأَرْض وسائِرُ ما ذكر أعظمُ وأكْبرُ. وقيل: لمَّا نزل قوله: "وَإِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ"، قالوا: هل مِنْ دليلٍ على ذلك فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؛ فبيَّن لهم الدَّليل وقد تقدَّم في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ}تفسير : [البقرة: 22]. قال البغويِ: ذكر "السموات" بلَفظ الجَمْع، لأنَّ كُلَّ سماء من جِنسٍ آخَرَ، وأفْرَد الأرْضَ؛ لأن الأرَضينَ كلَّها مِنْ جنْسٍ واحدٍ، وهو الترابُ، والآيةُ في السَّموات سُمْكُها وارتفاعُها مِنْ غير عَمدٍ، ولا عَلاقَةَ، وما يُرى فيها من الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجوم، واختلافِ أحوالها مِنَ الطُّلُوع، والغُرُوبُ، وغير ذلك، والآيةُ من الأَرْضِ: مَدُّها، وبَسْطُها وسَعَتُها، وما يُرَى فيها من الأشجار، والاثمَار، والنْهَار، والجِبَالِ، والبِحَار، والجواهر، والنبات، وقد تقدّم طَرَفٌ من هذا. قوله تعالى: وَاخْتلاف اللَّيل والنَّهَار" ذكَرُوا للاخْتلاَف تفْسيرَينْ: أحدهما: أنَّه افْتِعَالٌ مِنْ قَولِهِمْ:"خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ" إذا ذهبَ الأوَّل، وجاء الثَّاني، فاختلاف اللَّيْل والنَّهار تَعَاقُبُهُمَا في الذَّهاب والمجِيء؛ يقالُ: فلانٌ يَخْتلف إلى فلانٍ، إذا كان يَذْهب إلَيه ويجيء من عنده، فَذَهَابُهُ يَخْلُفُ مجيئَهُ، ومجيئُهُ يخْلُفُ ذَهَابه، وكلُّ شيءٍ يجيء بعد شيءٍ آخَرَ، فهو خِلْفَةُ، وبهذا فَسَّرُوا قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً}تفسير : [الفرقان: 62]؛ ومنه قول زهير: [الطويل] شعر : 862 - بِهَا الْعِينُ والأَرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَةً َأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ تفسير : وقال آخر: [المديد] شعر : 863 - وَلَهَا بِالمَاطِرُونِ إِذَا أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي صَنَعَا خِلْفَةٌ حَتَّى إِذَا ارْتَبَعَتْ سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا تفسير : الثاني: اختلاف الليل والنهار، في الطول والقِصَر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. قال الكسائي: "يقال لكُلِّ شيئَيْن اختَلفَا: هُمَا خلَفَان". قال ابن الخطيبِ: وعندي فيه وجهٌ ثالثٌ، [وهو] أنَّ اللَّيْل والنهارَ كما يختلفان بالطُّول والقِصَرِ في الأزمِنَةِ، فهُمَا يختلفَانِ في الأمكنةِ فإنَّ مَنْ يقول: إِنَّ الأرض كُرَةٌ، فكلُّ ساعةٍ عنيتها، فتلْكَ الساعةُ في موضِعٍ مِنَ الأرض صُبحٌ، وفي موضِعٍ آخَرَ ظُهْرٌ، وفي آخرَ عَصْرٌ وفي آخَرَ مَغْرِبٌ، وفي آخَرَ عِشَاءٌ، وهلُمَّ جرّاً، هذا إذا [اعتبرنا البلادَ المُخْتلفَةَ في الطُول، أما البلادُ المختلفَةُ] في العَرْضِ، فكُلُّ بَلَدٍ يكُونُ عَرْضُهُ الشماليُّ أكْثَرَ، كانَتْ أَيَّامُهُ الصيفيَّة أطْوَلَ وليالِيهِ الصَّيفيَّةُ أقْصَرَ، وأَيَّامُهُ الشتويَّة بالضِّدِّ مِنْ ذلك، فهذه الأحوالُ المختلفةُ في الأيَّام واللَّيالي بحَسَب اختلاف أَطْوالِ البلاَد وعُرُوضها أمْرٌ عجيبٌ مختلفٌ. وأيضاً: فإنَّ إقْبال الخَلق في أوَّل الليل على النَّوم يُشْبه مَوْتَ الخلائِق عند النَّفخةِ الأولى في الصُّور، ويقظتهم آخِرَ اللَّيْل يشبهُ عَوْدَة الحياة إليهم عند النَّفخة الثانية، هذا أيضاً من الآياتِ العَظِيمة. وأيضاً: انشقاقُ ظُلمة الليْلِ بظهورِ الصُّبْحِ المستطيل كأنَّهُ جَدولُ ماءٍ صافٍ يَسيلُ في بَحْرِ كَدِرٍ بحيث لا يتكدّر الصَّافي بالكَدِرِ، ولاَ الكَدرُ الصافي، وهو المرادُ بقوله: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً}تفسير : [الأنعام: 96]. قال علماءُ الهَيْئَة: إنَّ الموضع الذي يكون القُطب فيه على سَمْتِ الرأسِ تكُونُ السَّنَةُ فيه [سِتَّةَ أشهرٍ نهاراً] وستَّةُ أشْهُرٍ ليلاً، وهناكَ لا يَتِمُّ النُّضج، ولا يصلحُ لِمَسْكنِ الحيوانِ ولا يتهيأُ فيه سبَبٌ من أسْبَاب المَعيشة. فصل في أصل الليل اختلفُوا؛ قيل: الليلُ: اسم جنس، فيفرق بَيْن واحد وجمعه بتاء التأنيث؛ فيقال: لَيْلَةٌ وَلَيْلٌ؛ كتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، واللَّيالي جمعُ الجَمْعِ، والصحيحُ: أنَّهُ مفْرَدٌ، ولا يحفظ له جَمعٌ؛ وكذلك خطَّأ الناسُ مَنْ زعَمْ أنَّ "الليالي" جَمْعُ "لَيْلٍ"، بل الليالي جمعُ "لَيْلَة" وهو جمعٌ غريبٌ، ولذلك قالُوا: هو جمعُ "لَيْلاَةٍ" تقديراً، وقد صُرِّح بهذا المفْرَدِ في قول الشَّاعر: [السريع أو الرجز] شعر : 864 - في كُلِّ يَوْمٍ ما وَكُلِّ لَيْلاَهْ حَتَّى يَقُولَ كُلُّ رَاءٍ إِذَ رَآهْ يَا وَيْحَهُ مِنْ جَمَلٍ مَا أَشْقَاهْ تفسير : ويدلُّ على ذلك تصغيرُهُمْ لها على "ليُيْلَةٍ" ونظيرُ "لَيْلَةٍ" و "ولَيَالٍ": "كَيْكَةٌ وكَيَاك"؛ كأنَّهم توهَّموا أَنَّها "كَيْكَاتٌ" في الأصْل، والكَيْكَةُ: البَيْضَةُ. وأمَّا النَّهار: فقال الرَّاغب: "هو في الشَّرْع: اسمٌ لما بين طُلُوع الفجر إلى غروب الشَّمس". قال ابن فَارِس: "والنَّهارُ": ضياءُ مَا بين طُلُوع الفَجْر إلى غُرُوب الشمس قال القرطبي: وهُوَ الصحيحُ؛ ويدلُّ عليه ما ثبت في "صحيح مُسْلِم": عن عَدِيِّ بن حاتم، قال: لَمَّا نَزلَتْ: {أية : حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [البقرة: 187] "حديث : قال له عَدِيٌّ: يا رسول اللَّهِ، إنِّي جَعَلتُ تَحتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْن؛ عِقَالاً أَبْيَضَ، وعِقَالاً أَسْوَدَ، أَعْرِفُ بهما اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَواتُ اللَّهِ البَرِّ الرَّحِيم وسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: إِنَّ وسَادَكَ لَعَرِيضٌ"تفسير : يعني إنَّما هو سوادُ الليْلِ وبياضُ النهارِ، وبهذَا يقْضِي الفقهُ في الأيْمَان، وبه ترتبطُ الأحْكام. وظاهرُ اللُّغَة أنَّه مِنْ وَقْت الإسْفَار. وقال ثعلب والنَّضْرُ بن شُمَيلٍ:"هو مِنْ طُلُوع الشَّمْس" زاد النَّضْرُ: ولا يعدُّ ما قبل ذلك مِنَ النَّهَار. وقال الزَّجَّاج: "أوَّلُ النَّهار ذُرُورُ الشَّمْس". ويُجْمَعُ على نُهُرٍ وأَنهِرَة؛ نحو: قَذالٍ، وقُذُلٍ، وأَقْذِلَة. وقيل: لا يُجْمَعُ؛ لأنه بمنزلة المَصْدَر، [والصحيحُ: جمعُهُ على ما تقدَّم]. قال: [الرجز] شعر : 865 - لَوْلاَ الثَّرِيدَان لَمُتْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيدُ لَيْلٍ، وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ تفسير : وقد تقدَّم اشتقاق هذه المادَّة، وأنَّها تدُلُّ على الاتِّسَاعِ، ومنه "النَّهَارُ" لاتِّسَاع ضَوْئه عِنْد قوله: {أية : مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ}تفسير : [البقرة: 25] قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما-. قال ابن فارس: ويقال: "إنَّ [النَّهار] فَرْخُ الحُبَارَى" وقدم اللَّيْل على النَّهار لأنَّهُ سَابقُهُ؛ وقال تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس: 37] وهذا أصحُّ القولَين. وقيل: النُّورُ سابِقُ الظلمةِ، وينبني على هذا الخلافِ فائدةٌ، وهي أنَّ الليلة، هَلْ هي تابعةُ لليوم [قبْلَهَا، أو لِلْيَومِ بَعْدها. فعلى الصَّحيح: يكونُ الليل للْيَوم بَعْدها، فيكونُ اليَوْم تابعاً لها، وعلى الثاني: تكونُ للْيَوْم قبْلَها، فتكون اللَّيلة تابعةً له] فيَوْمُ عَرَفَةَ؛ على الأوَّل: مستثنىً من الأصْلِ؛ فإنَّه تابعٌ لِلَّيْلة الَّتي بَعْده، وعلى الثاني: جاء على الأصْلِ. قال القرطبي: وقسَّم ابن الأنباريّ الزَّمن ثلاثة أقسام: قِسْماً جعَلَه لَيْلاً مَحْضاً؛ وهو مِنْ غُرُوب الشَّمْس إلى طُلُوعِ الفجر، وقِسْماً جعَلَهُ نهاراً مَحضاً، وهو مِنْ طُلُوع الشَّمْس إلى غُرُوبها، وقِسْماً جعَلَهُ مُشْترِكاً بين النَّهارِ واللَّيْلِ؛ وهو مِنْ طُلُوع الفجْر إلى طُلُوع الشَّمْس؛ لبقايا ظلمة اللَّيْل، [ومَبَادِئ ضَوء النَّهار]. قوله تعالى: "وَالفُلْك" عَطْفٌ على "خَلْقِ" المجرورِ بـ"فِي" لا على "السَّمَوَاتِ" المجرور بالإضَافة، و"الفُلْك" يكونُ واحداً؛ كقوله: {أية : فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}تفسير : [يس: 41]، وجَمْعاً كقَوْله: {أية : فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس: 22] فإذا أُرِيدَ به الجَمْعُ، ففيه أقوالٌ: أصحُّها - وهو قولُ سيبويه -: أنَّهْ جَمع تَكْسيرٍ، وإنْ قيل: جمْعُ التكسيرِ لا بُدَّ فيه من تَغَيُّرٍ ما، فالجَوَابُ: أنَّ تغييره مقدَّرٌ، فالضمة في حال كونِهِ جَمْعاً، كالضمة في "حُمُرٍ" و "نُدُبٍ" وفي حال كون مفرداً، كالضَّمَّة في "قُفْلٍ"، وإنَّما حمل سيبويه على هذا، ولم يجعلهُ مشتركاً بين الواحد والجمع؛ نحو: "جُنُبٍ" و "شُلُلٍ" [فلَمَّا ثَنَّوْهُ، وقالوا: فُلْكَانٍ، علمْنا] أنَّهم لم يَقْصِدُوا الاشْتراك الَّذي قصَدُوه في "جُنُبٍ" و "شُلُل" ونظيرُه ناقَةٌ هِجَانٌ ونُوقٌ هِجَانٌ، ودرْعٌ دِلاَصٌ، ودُرُوعٌ دِلاَصٌ، فالكَسْرة في المفرد كالكسرة في "كِتَاب" وفي الجمع كالكسرة في "رِجَال"؛ لأنهم قالوا في التَّثْنيَة: هِجَانَانِ ودِلاَصَانِ. الثاني: مذهب الأخفش: أنَّه اسم جمعٍ، كصحبٍ، وركبٍ. الثالث: أنَّه جمع "فَلَكٍ" بفتحتين، كأسدٍ وأُسدٍ، واختار أبو حيَّان أنه مشتركٌ بين الواحد والجمع، وهو محجوجٌ بما تقدَّم من التثنية، ولم يذكر لاختياره وجهاً، وإذا أفرد "فلك"، فهو مذكَّر؛ قال تعالى: {أية : فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}تفسير : [يس: 41]. وقال جماعةٌ، منهم أبو البقاء: يجوزُ تَأْنيثُهُ؛ مستدلِّين بقوله: {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} فوصفه بصفة التأنيث، ولا دليل في ذلك؛ لاحتمال أن يراد به الجمع؛ وحينئذٍ فيوصف بما يوصف به المؤنثة الواحد. قال الواحديُّ: وأصله من الدَّوَرَان، فكل مستدير فلك، ومنه "فَلَكُ السَّمَاءِ"؛ لدوران النُّجوم فيه، و"فَلْكَةُ المِغْزَلِ" [وفَلكَتِ الجَارِيَةُ: استدارَ نَهْدُها]، وسُمِّيت السَّفينة فُلْكا لأنَّها تدور بالماء أسهل دورٍ. وجاء بصلة "الَّتِي" فعلاً مضارعاً؛ ليدلَّ على التجدُّد والحدوث، وإسناد الجري إليها مجازٌ، وقوله: "فِي البَحْرِ" توكيدٌ؛ إذ المعلوم أنَّها تجري في غيره؛ كقوله {أية : يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38]. فصل في عدد البحور قال ابنُ الخَطِيبِ - رحمه الله - قيل: إنَّ البُحُورَ المَعْرُوفَةَ [خَمْسَةٌ]: بحرُ الهند: وهو بحرُ الصِّين، وبحرُ المغرب، وبحر الشَّام، وبحر الرُّوم [ومِصْر] وبحر نيطش وبحر جُرْجان. فالأوَّل يمتدُّ طوله [من المغرب إلى المَشْرقِ]، من أقصى أرض الحبشة إلى أقصى أرض الهند، ويخرج منه خليج عند أرض الحبشة يمتد إلى ناحية البربر، يسمَّى البربريُّ، وخليج بحر أيلة، وهو بحر القلزم، ينتهي إلى البحر الأخضر على شرقيّ أرض اليمن وعلى غربيّ أرض الحبشة، وخليج بحر فارس يسمى الفارسي وهو بحر البصرة على شرقي تيز ومكران، وعلى غربيه غمان وبين هذين الخليجين خليج أيلة، وخليج فارس الحجاز واليمن، وبلاد المغرب وخليج رابع إلى أقصى الهند يسمَّى الأخضر، وفي بحر الهند ألف وثلثمائة وسبعون جزيرة منها سرنديب عند بلاد الصين يحيط بها ثلاثة الآف ميل فيها جبالٌ وأنهارٌ، ومنها يخرجُ الياقوتُ الأحمر. وأمَّا بحر المغرب، فهو المحيط ويسمِّيه اليونانيُّون: أوقيانوس، ويتّصل به بحر الهند، وطرفه في ناحية المغرب والشمال محاذياً لأرض الروم والصقالبة ويأخذ في الجنوب محاذياً لأرض السُّودان مارّاً على [حدود السّوس، وطنحة وتاهرت]، ثم الأندلس والجلالقة والصَّقالبة، ثم يمتد من هناك وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي غير المسكونة نحو بحر المشرق، وهذا البحر لا تجري فيه السُّفن إلا بقرب ساحله، وفيه ستُّ جزائر تسمى الخالدات، تقابل أرض الحبشة، ويخرج منه خليجٌ عظيمٌ يمتد إلى أرض بلغار. وأما بحر الرُّوم وإفريقية [ومصر والشَّام:] فيخرج منه إلى أرض البربر، وفي هذا البحر مائة واثنتان وستُّون جزيرةً. وأما بحر نيطش: فيمتدُّ من اللاذقيَّة إلى خلف قسطنطينيَّة، وأرض الرُّوم والصَّقالبة. وأمَّا بحر جرجان، ويعرف بـ"بحر السُّكون" فيمتدُّ إلى طبرستان والدَّيلم، وباب الأبواب، وليس يتصل ببحر آخر، فهذه هي [البُحُور] العظامُ، وأما غيرها: فهي بَطَائح؛ كبحيرة خوارزم، وبحيرة طبريَّة. فصل في سبب تسمية البحر بالبحر قال اللَّيثُ: سمي البحر بحراً؛ لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلانٌ [في العلم]، إذا اتَّسَعَ فيه؛ وتَبَحَّر الرَّاعي في الرَّعي كَثُرَ، وتبحَّر فلانٌ في المال. وقال غيره: سُمِّيَ البحر بحراً؛ لأنَّه شقّ في الأرض، والبحر الشَّقُّ، ومنه البُحَيْرَة. قوله تعالى: "بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ". [في "ما" قولان: أحدها: أنها موصولة اسميَّةٌ؛ وعلى هذا: الباء للحال، أي: تجري مصحوبةً بالأعيان الَّتي تنفعُ النَّاس. الثَّاني: أنها] حرفيَّةٌ، وعلى هذا تكونُ الباءُ للسَّبب، أي: تجري بسَبَبِ نفع النَّاس في التِّجارة وغيرها. فصل في الاستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصانع. فأما كيفيَّة الاستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصَّانع تعالى وتقدَّس: فهو أنَّ السُّفُن، وإن كانت من تركيب النَّاس إلاَّ أنَّه تعالى [هو الَّذي] خلق الآلات الَّتي يمكن بها تركيب هذه السُّفُن، وتبحرُ بها الرياح، وقوَّى قلوبَ من ركِبَها، وخصَّ كُلَّ طَرَفٍ من أطراف العالم بشيءٍ معيَّن، وأحوج الكُلَّ إلى الكُلِّ؛ حتَّى صار ذلك داعِياً يدعوهم إلى اقتحامِ هذه الأخطار في هذه الأسفار، ويخَّر البحر لحمل الفلك، مع قوَّة سلطان البحر إذا هاج، وعظُم هوله، واضطربت أمواجه، مع ما فيه من الحيوانات العظيمة ثم إنه تبارك وتعالى يُخَلِّص السُّفُن عنها ويوصِّلها إلى ساحل السَّلامة، وهذا أمرٌ لا بد له من مدَبِّر يُدَبِّره، ومقتدر يحفظه، وهذه الآية الكريمة تدلُّ على إباحة ركوب البحر وعلى إباحة الاكتساب، والتِّجارة؛ لقوله: "بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ". فصل في بيان الحالة المستثناة في ركوب البحر البحر إذا أرتج، لم يجز ركوبه لأحدٍ بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه، ولا في الزَّمن الذي الأغلب فيه عدم السَّلامة؛ وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمنٍ يكون الغالب فيه السلامة - [نقله القُرْطُبيُّ]. قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ} [البقرة: 164] ["من"] الأولى معناها ابتداءُ الغاية، أي: أنزل من جهة السماء، واما الثانيةُ فتحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون لبيان الجِنسِ فإنَّ المنزل من السَّماء ماءٌ وغيره. والثاني: أن تكون للتَّبعيض؛ فإنَّ المنزل منه بعضٌ لا كلٌّ. والثالث: أن تكون هي وما بعدها بدلاً من قوله: "من السماء" بدل اشتمالٍ بتكرير العامل، وكلاهما أعني "مِن" الأولى، و"مِن" الثانية متعلِّقان بـ"أَنْزَلَ". فالجوابُ: أنَّ الممنوع من ذلك أن يتَّحدا معنًى من غير عطف، ولا بدلٍ، لا تقول: أَخَذْتُ من الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَأَمَّا الآية الكريمة: فإنَّ المحذورَ فيه مُنْتَفٍ، وذلك أنَّك إن جَعَلْتَ "مِنَ" الثانية للبيان، أو للتبعيض، فظاهرٌ؛ لاختلاف معناهما؛ فإنَّ الأولى للابتداء، وإن جعلناها لابتداء الغاية، فهي وما بعدها بدلٌ، والبدلُ يجوز ذلك فيه، كما تقدَّم، ويجوز أن تتعلَّق "مِن" الأولى بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ؛ إمَّا من الموصول نفسه، وهو "مَا"، أو من ضميره المنصوب بـ"أنْزَلَ"، أي: وما أَنْزَلَ اللَّهُ حالَ كَوْنِهِ كائناً من السَّماء. فصل في أن إنزال الماء من السماء آية دالَّة على وجود الصانع قيل: أراد بالسَّماء السَّحَابَ؛ فإنَّ كلَّ ما علاك يُسَمَّى سماءً، ومنه قيل: سَقْفُ البيت سماؤُهُ، وقيل: أراد السَّماء المعروفة، وأنَّه ينزل من السَّماء إلى السَّحاب، ومن السحاب إلى الأرض، وفي دلالة إنزالِ الماء من السَّماء على وجود الصَّانع: أنَّ جسم الماء، وما قام به من صفات الرِّقَّة، والرُّطوبة، واللَّطَافة والعُذُوبة، وجعله سبباً لحياة الإنسان، ولأكثر [منافعه]، وسبباً لرزقه، وكونه من السحاب معلَّقاً في جَوِّ السَّماء، وينزل عند التضرُّع، واحتياج الخلق إليه - مقدار المنفعة، وسوقه إلى بلد ميِّت، فيحيي به - من الآيات العظيمة الدَّالَّة على وجود الصانع المدبِّر القدير. قوله تعالى: "فَأَحْيَا بِهِ" عطف "أحْيَا" على "أَنْزَلَ" الَّذي هو صلة بفاء التَّعقيب، دلالة على سُرعة النبات، و"بِهِ" متعلِّق بـ"أَحْيَا" والباءُ يجوزُ أن تكون للسَّبب، وأن تكون باء الإله، وكلُّ هذا مجازٌ؛ فإنَّه متعالٍ عن ذلك، والضميرُ في "به" يعود على الموصول. فصل في دلالة إحياء الأرض بعد موتها على وجود الصانع اعلم أنَّ "أحْيَا الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا" يدلُّ على وجود الصانع من وجوه: [فإنَّ نفس الزَّرع وخروجه على هذا الحدِّ ليس في مقدور أحدٍ. واختلاف ألوانه على وجه] [لا يُحَدُّ، ولا يُحْصَى]، واختلاف الطُّعُوم والروائح، مع كونه يسقى بماء واحدٍ. واستمرار العادة بذلك في أوقات مخصوصةٍ، فإنَّ ظهور النَّبات من الكلأ، والعشب، وغيرهما، لولاه ما عاش دوابُّ الأرض، ولما حصلت أقوات العباد [وملابسهم]. وهذا لا بُدَّ له من [مُدَبِّر]، حكيمٍ، قادرٍ. ووصف الأرض بالحياة بعد الموت مجازٌ؛ لأنَّ الحياة لا تصحُّ إلاَّ على من يدرك، ويصحُّ أن يعلم، وكذلك الموت؛ إلاَّ أنَّ الجسم، إذا صار حيّاً، حصل فيه أنواعٌ من الحسن، والنُّضرة، [والبَهَاء]، والنَّماء، فكذلك الأرض، لمَّا حصل لها سبب النبات، حسن، ونضرة، ونور، ورونق، وذلك لشبهه [بالحياة]، وموتها [يبسها، وجدبها]، وهذا مجاز أيضاً؛ لشبهة بالموت. قوله تعالى: "وَبَثَّ فِيهَا" يجوز في "بَثَّ" وجهان: أظهرهما: أنَّهما عطفٌ على "أَنْزَلَ" داخلٌ تحت حُكم الصِّلة؛ لأنَّ قوله "فَأَحْيَا" عطفٌ على "أَنْزَلَ" فاتصل به، وصارا جميعاً كالشَّيء الواحد، وكأنه قيل: "وَمَا أَنْزَلَ في الأَرْضِ مِنْ مَاءٍ، وبَثَّ فيها من كُلِّ دابِّة؛ لأنَّهم يَنْمُونَ بالخِصْبِ، ويَعِيشُون بالحَيَا": قاله الزمخشريُّ. والثاني: أنه عطفٌ على "أَحْيَا". واستشكل أبو حيَّان عطفه [عليها؛ لأنَّها صلةٌ للموصول، فلا بُدَّ من ضمير يرجع من هذه الجملة إليه، وليس ثمَّ ضميرٌ في اللَّفظ]؛ لأن "فيها" يعود على الأَرْض، فبقي أن يكون محذوفاً، تقديره: وبَثَّ به فيها، ولكن لا يجوز حذف الضمير المجرور بحرف إلا بشروطٍ: أن يكون الموصول مجروراً بمثل ذلك الحرف. وأن يتَّحِد متعلَّقهما. وألاَّ يُحْصَرَ الضَّميرُ. وأن يتعيَّن للرَّبط. وألا يكون الجارُّ قائماً مقام مرفوعٍ. والموصول هنا غير مجرورٍ ألبتَّة، ولمَّا استشكل هذا بما ذكر، خرَّج الآية على حذف موصول اسميٍّ؛ قال: وهو جائزُ شائعٌ في كلامهم، وإن كان البصريُّون لا يجيزُونه؛ وأنشد شَاهِداً عليه: [الخفيف] شعر : 866 - مَا الَّذِي دَأْبَهُ احْتِيَاطٌ وَحَزْمٌ وَهَوَاهُ أَطَاعَ يَسْتَوِيَانِ تفسير : أي: والَّذي أَطَاعَ؛ وقوله: [الوافر] شعر : 867 - أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ تفسير : أي: ومن [يَمْدَحُهُ] وَيَنْصُرُهُ. وقوله: [الطويل] شعر : 868 - فَوَاللَّهِ، مَا نِلْتُمْ وَمَا نِيلَ مِنْكُمُ بِمُعْتَدِلٍ وَفْقٍ وَلاَ مُتَقَارِبِ تفسير : أي: "مَا الَّذِي نِلْتُمْ"، وقوله تعالى: {أية : وَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ}تفسير : [العنكبوت: 46]؛ [أي: وبِالَّذِي أُنْزِلَ إليكم]؛ ليطابق قوله: {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ}تفسير : [النساء: 136]، ثم قال: وقد يتمشَّى التقدير الأوَّل - يعني: جواز الحذف - وإن لم يوجد شرطه. قال: وقد جاء ذلك في أشعارِهِم؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 869 - وَإِنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا وَهُوَّ عَلَى مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ تفسير : أي: عَلْقَمٌ عَلَيْهِ، وقوله: [الطويل] شعر : 870 - لَعَلَّ الًَّذِي أَصْعَدْتنِي أنْ يَرُدَّنِي إلى الأَرْضِ إِنْ لَمْ يَقْدِرِ الخَيْرَ قَادِرُهُ تفسير : أي: أصْعَدتنِي بِهِ. [قوله تعالى: "مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ" يجوز في "كُلِّ" ثلاثة أوجُهٍ: أحدها: أن يكون في موضع المفعول به]، وتكون "مِنْ" تبعيضيَّةً. الثاني: [أن تكون "مِنْ" زائدةً على مذهب الأخفش، و"كُلِّ دَابَّةٍ" مفعولٌ به لـ"بَثَّ" أيضاً. والثالث]: أن يكون في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول "بَثَّ" المحذوف، إذَا قلنا: إنَّ ثَمَّ موصولاً محذوفاً، تقديره: وما بَثَّ حال كونه كائناً من كُلِّ دابَّةٍ؛ وفي "مِنْ" حينئذٍ وجهان: أحدهما: {أن تكون للبيان. والثاني]: أن تكون للتبعيض. وقال أبو البَقَاءِ رحمه الله: ومفعول "بَثَّ" محذوفٌ، تقديره: {وَبَثَّ فِيهَا دَوَابَّ مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} وظاهرُ هذا أنَّ "مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ": صفةٌ لذلك المحذوف، {وهو تقديرٌ لا طائلَ تحته]. والبَثُّ: نَشْرٌ وتفريقٌ. قال: [الطويل] شعر : 871 -..................... وَفِي الأَرْضِ مَبْثُوثاً شُجَاعٌ وَعَقْرَبُ تفسير : ومضارِعُه: يَبُثُّ، بضم العين، وهو قياسُ المُضَاعف [المُتَعَدِّي]، وقد جاء الكَسر في أُلَيْفَاظٍ؛ قالوا: "نَمَّ الحديثَ يَنُمُّهُ" بالوجهين. والدَّابَّةُ: اسمٌ لكلِّ حيوانٍ، وزَعَمَ بعضهم إخراج الطَّير منه، ورُدَّ [عليه] بقول عَلْقَمَةَ: [الطويل] شعر : 872 - كَأَنَّهُمْ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ تفسير : وبقول الأعْشَى: [الطويل] شعر : 873 -...................... دَبِيبَ قَطَا البَطْحَاءِ في كُلِّ مَنْهَلِ تفسير : وبقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ}تفسير : [النور: 45] ثمَّ فَصَّل: بمن يمشي على رجلين، وهو الإنسان والطَّير. فصل في أنَّ حدوث الدواب دليل على وجود الصانع اعلم أنَّ حدوث الحيوانات قد يكون بالتَّوليد، وقد يكون بالتَّوَالد: وعلى التقديرين: فلا بُدَّ فيهما من [الافتقار إلى] الصَّانع الحَكِيم؛ يُرْوَى أنَّ رَجُلاً قال عند عُمَرَ بن الخَطَّاب - رضي الله عنه -: إنِّي لأَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِ الشِّطْرَنْجِ، فإنَّ رُقْعَتَهُ ذِرَاعٌ في ذِرَاعٍ، وإنَّه لَوْ لَعِبَ الإِنْسَانُ ألْفَ ألْفِ مَرَّةٍ، فَإِنَّه لا يَتَّفِقُ مَرَّتَان على وجه واحد، فقال عمر بن الخَطَّاب - رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين -: ههنا ما هو أَعْجب منه، وهو أنَّ مقدار الوجه شبرٌ [في شبرٍ]، ثم إن موضع الأعضاء التي فيه؛ كالحاجبين، والعينين، والأنف، [والفم]، لا يتغيَّر ألبَتَّة، ثم إنَّك لا ترى شخصين في الشَّرق والغرب يشتبهان في الصُّورة، وكذا اللَّون، والألسنة، والطِّباع، والأمزجة، والصَّوت، والكثافة، واللَّطَافة، والرِّقَّة، والغلظ، والطُّول، والقصر، وبقيَّة الأعضاء، والبَلاَدة، والفِطنة، فما أعظم تلك المقدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرُّقعة الصَّغيرة هذه الاختلافات الَّتي لا حدَّ لها! ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - [أنه قال]: "سُبْحَانَ مَنْ أَبْصَرَ بِشَحْمٍ، وأَسْمَعَ بعَظْمٍ، وأنْطَقَ بلَحْمٍ". واعلَمْ أنَّ أهل الطبائع؛ قالوا: أعلى العناصر يجبُ أن يكون هو النَّار؛ لأنّها حارَّةٌ يابسةٌ، ودونها في اللَّطافة: الهواء، وهو حارٌّ رطبٌ، ودونها: الماء؛ لأنَّه باردٌ رطبٌ، والأرض لا بدَّ أن تكون تحت الكُلِّ؛ لثقلها، وكثافتها، [ويُبْسها]، ثُمَّ إنَّهم قلبوا هذه القضيَّة في [تركيب] بَدنِ الإنسان؛ لأنَّ أعلى الأعضاء منه عظم القحف، والعظم وهو باردٌ يابسٌ، فطبيعته على طبيعة الأرض، وتحته الدِّماغُ، وهو باردٌ رطبٌ على طبع الماء، وتحته النَّفَسُ، وهو حارٌّ رطبٌ على طبع الهواء، وتحت الكل: القلبُ، وهو حارٌّ يابسٌ على طبع النَّار، فسبحان من [بيده قلبُ] الطبائع، وترتيبها كيف يشاء، وتركيبها كيف أراد. ومن هذا الباب: أنَّ كُلَّ صانعٍ يأتي بنقشٍ لطيفٍ، فإنَّه يصونه عن التُّراب؛ لئلاَّ يكدِّره، وعن النار؛ لئلاَّ تحرقه، وعن الهواء؛ لئلاَّ يغيره، وعن الماءِ؛ لئلا تذهب به، ثم إنَّه سبحانه وتعالى وضع نقش خلقته على هذه الأشياء؛ فقال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59]، وقال في النار {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}تفسير : [الرحمن: 15] وقال تعالى {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا}تفسير : [الأنبياء: 91] وقال تعالى في الماءِ: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حيٍّ}تفسير : [الأنبياء: 30]؛ وهذا يدلُّ على أن صنعه بخلاف صنع كُلِّ أحدٍ؛ وأيضاً: انظر إلى الطِّفل بعد انفصاله من أُمِّه، لو وضعت على فمه وأنفه ثوباً [فانْقَطَع نَفَسُه]، لمات في الحَال، ثمَّ إنه بَقِيَ في الرَّحم المنطبق مدَّةً [مديدةً]، مع تعذُّر النَّفس هناك، ولم يمُتْ، [ثم إنَّهُ] بعد الانفصال يكون من أضعف الأشياء، وأبعدها عن الفهم؛ بحيث لا يميز بين الماء والنَّار، وبين الأُم وغيرها، وبعد استكماله يصير أكمل الحيوانات في الفهم والعقل والإدراك، ليعلم أنَّ ذلك من عظمة القادر الحكيم، هذا بعض ما في الإنسان. وأمَّا الكلام على بقيَّة الحيوان، فبَحْرٌ لا ساحل له. قوله تعالى: "وَتَصْرِيفِ الرَّيِاحِ": "تَصْرِيفِ": مصدرُ "صَرَّفَ"، وهو الرَّدُّ والتَّقْلِيب، ويجوزُ أنْ يكون مضافاً للفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: [وتصريف الرِّياح السَّحَابَ فإنَّها تسوق السَّحاب، وأن يكون مضافاً للمفعول، والفاعل محذوفٌ، أي:] وتصريفُ الله الرِّياح، والرِّياح: جمعُ "رِيح"، جمع تكسير، وياء الرِّيح، والرِّياح عن واو، والأصلُ "روحٌ"؛ لأنَّه من: رَاحَ يَرُوحُ، وإنَّما قُلِبَتْ في "ريحٍ"؛ لِسُكُونها، وانكسار ما قَبْلها، وفي "رِيِاحٍ"؛ لأنَّها عينٌ [في جمعٍ] بعد كسرةٍ، وبعدها ألفٌ، وهي ساكنةٌ في المفرد، وهي إبدالٌ مطَّردٌ؛ ولذلك لمَّا زال موجب [قلبها، رجعت إلى أصلها]؛ فقالوا: أرواحٌ؛ قال: [الطويل] شعر : 874 - أَرَبَّتْ بِهَا الأَرْوَاحُ كُلَّ عَشِيَّةِ فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ آلُ خَيْمٍ مُنَضَّدِ تفسير : ومثله: [الوافر] شعر : 875 - لَبَيْتٌ تَخْفقُ الأَرْوَاحُ فِيهِ أَحَبُّ إليَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ تفسير : فصل في لحن من قال: الأرياح وقد لَحَنَ عَمَارَةُ بْنُ بِلاَلٍ، فقال "الأرْيَاحَ" في شعره، فقال له أبو حَاتِمٍ: "إنَّ الأرْيَاحَ لا تجُوزُ" فقال له عمارةُ: ألاَ تَسْمَعُ قولهم: رِيَاحٌ؟ فقال أبو حاتمِ: هذا خلاف ذلك، فقال: صَدَقْتَ، ورجع. قال أبُو حَيَّان: وفي محفوطي قديماً؛ أنَّ "الأَرْيَاح" جاء في شعر بعض فُصَحَاءِ العَرَب المستَشْهَد بكلامهم، كأنَّهم بنوه على المفرد، وإن كانت علَّة القلب مفقودةً في الجمع، كما قالوا: "عيدٌ وأعْيَادٌ" والأصلُ "أَعْوَاد"؛ لأنَّه من: "عَادَ يَعُودُ"، لكنه لما ترك البَدَل، جعل كالحرف الأصليِّ. قال شِهِابُ الدِّيِن: ويؤيد ما قاله الشَّيْخُ أن التزامَهُمُ "الياء" في "الأَرْيَاحِ"؛ لأجل اللَّبس [بينه، وبين "أَرْوَاح" جمع "رُوح"، كما قالوا: التُزمت الياء في "أعْيَاد"؛ فَرْقاً] بينه وبين "أعْوَاد" جمع عود الحطب؛ كما قالوا في التصغير: "عُيَيْد" دون "عُوَيْد"؛ وعلَّلوه باللَّبْس المذكور. وقال أبو عليٍّ: [يجمع] في القليل "أرْوَاح" وفي الكثير "رِيَاح". قال ابن الخطيب وابن عطِيَّة: "وجاءت في القرآن مجموعةً مع الرَّحمة، مفردةً مع العذابِ، إلاَّ في قوله تعالى: {أية : وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ}تفسير : [يونس: 22] وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: "حديث : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً"تفسير : ؛ لأنَّ رِيحَ العذَابِ شديدةٌ ملتئمةُ الأجْزاءِ، كأنَّهَا جسْمٌ واحدٌ، وريح الرَّحْمَة ليِّنَةٌ متقطِّعَةٌ، وإنما أُفْرِدَتْ مع الفُلْكِ - يعني في يونس - لأنَّها لإجراء السُّفُن، وهي واحدةٌ متَّصِلَةٌ؛ ثمَّ وصفت بالطَّيِّبَةِ، فزال الاشتراك بينها، وبين ريح العذاب". انتهى. وردَّ بعضهم هذا؛ باختلاف القُرَّاء في اثْنَي عَشَرَ موضعاً في القرآن، وهذا لا يَرُدُّه لأنَّ من جمع في الرَّحمة، فقد أتى بالأصل المُشِار إليه، ومن أفرد في الرّحمة، فقد أراد الجنس، [وأما الجمع في العذاب، فلم يأتِ أصلاً]، وإما الإفراد فإن وصف، كما في يونس من قوله: "بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ" فإنَّه مزيلٌ للَّبس، وإن أطْلَقَ، كان للعذَابِ، كما في الحديث، وقد تختصُّ اللفظة في القرآن بشيءٍ، فيكون أمارةً له، فمن ذلك: ان عامَّة ما في القرآن من قوله:{أية : يُدْرِيكَ}تفسير : [الشورى: 17] مبهمٌ غير مبيَّن، قال تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}تفسير : [الشورى: 17] وما كان من لفظ "أَدْرَاك" فإنَّه مفسَّر؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ}تفسير : [القارعة: 10 - 11]. وقرأ حَمْزَةُ، والكسائيُّ هنا "الرِّيح" بالإفراد، والباقون بالجَمع، فالجمع لاختلاف أنواعها: جَنُوباً ودَبُوراً وصَباً وغير ذلك، وإفرادها على إرادة الجنس، وكلُّ ريح في القرآن ليس فيها ألفٌ ولامٌ، اتفق القرَّاء على توحيدها، وما فيها ألف ولام، اختلفوا في جمعها، وتوحيدها، إلاَّ الرِّيح العقيم في سورة الذَّاريات[41]، اتفقوا على توحيدها، والحرف الأوَّل من سورة الرُّوم {أية : ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}تفسير : [الروم: 46] اتفقوا على جمعها، والرِّياح: تذكَّر، تؤنَّث. فصل في بيان تصريف الرياح وأمَّا تصريفها: فإنها تُصرَّفُ إلى الشَّمال والجنوب والقبول والدَّبور، وما بين كلِّ واحدٍ من هذه المهابِّ، فهي نكباء، وقيل في تصريفها: إنها تارةً تكون ليِّنة، وتارةً تكون عاصفةٌ، [وتارةً حارَّةً]، وتارة باردةً. قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما -: أعظم جنود الله تعالى الرِّيح، والماء، وسمِّيت الرِّيح ريحاً؛ لأنها تريح النفوس. قال القاضي شريح: ما هبَّت ريحٌ إلاَّ لشفاء سقيم، ولسقم صحيحٍ. والبشارة في ثلاث من الرِّياح، في الصَّبا، والشَّمال، والجنوب، وأمَّا الدَّبور، فهي: الرِّيح العقيم، لا بشارة فيها. وقيل: الرِّياح ثمانيةٌ: أربعةٌ للرَّحمة: المبشرات، والنَّاشرات، والذَّاريات، والمرسلات، وأربعة للعذاب: العقيم، والصَّرصر في البرِّ، والعاصف والقاصف في البحر. روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [وشرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم:] "حديث : الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ عزَّ وَجَلَّ ". تفسير : قال أبو سَلَمَةَ - رضي الله تعالى عنه-: فروح الله سبحانه وتعالى] تأتي بالرَّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبُّوها واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرِّها. قال ابن الأعرابيِّ: النَّسيم أوَّل هبوب الريح. فصل في بيان دلالة الآية على الوحدانية فأما وجه الاستدلال بها على وحدانيَّة الله تعالى الصَّانع، فإنَّه صرَّفها على وجوه النَّفع العظيم في الحيوان، فإنَّها مادَّة النَّفس الَّذي لو انقطع ساعةً في الحيوان، لمات. قيل: إنَّ كلَّ ما كانت الحاجة إليه أشدَّ، كان وجدانه أسهل، ولما كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات؛ حتى لو انقطع عنه لحظة، لمات؛ لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كلِّ شيءٍ. وبعد الهواء الماء؛ لأنَّ الحاجة إلى الماء أيضاً شديدةٌ؛ فلا جرم أيضاً سهل وجدان الماء، ولكنَّ وجدان الهواء أسهل؛ لأنَّ الماء لا بُدَّ من تكلُّف الاغتراف، بخلاف الهواء؛ فإنَّ الآلات المهيئة لجذبه حاضرةٌ أبداً. ثم بعد الماء: الحاجة إلى الطَّعام شديدةٌ، ولكن دون الحاجة إلى الماء؛ فلا جرم كان تحصيل الطَّعام أصعب من تحصيل الماء؛ لأنَّه يحتاجُ إلى تكلُّفٍ أكثر، والمعاجين والأدوية تقلُّ الحاجة إليها؛ فلا جرم عسرت وقلَّت، ولمَّا عظمت الحاجة إلى رحمة الله تعالى، نرجو أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كلِّ شيءٍ، ولولا تحرُّك الرياح، لما جرت الفلك، وذلك ممَّا لا يقدر عليه أحدٌ إلاَّ الله تعالى، فلو أراد كلُّ من في العالم ان يقلب الرياح من الشَّمال إلى الجنوب، او إذا كان الهواء ساكناً، أن يحركه، لم يقدر على ذلك. قوله تعالى: "والسَّحَاب" اسم جنس، واحدته "سَحَابَةٌ" [سُمِّي بذلك]؛ لانسحابه في الهواء؛ كما قيل له" حَباً" لأنَّه يحبو، ذكره أبو عليٍّ. قال القرطبيُّ: ويقال: سَحَبْتُ ذَيْلِي سَحْباً، وتَسَحَّبَ فُلاَنٌ على فُلاَنٍ؛ والسَّحْبُ شدة الأكل والشُّرب؛ وباعتبار كونه اسم جنس، وصفه بوصف الواحد المنكِّر في قوله: "المُسَخَّرِ" كقوله: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر: 20] ولما اعتبر معناه تارةً أخرى، وصفه بما يوصف به الجمع في قوله: "سَحَاباً ثِقَالاً" ويجوز أن يوصف بما توصف به المؤنَّثة الواحدة؛ كقوله: {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 7] وهكذا: كلُّ اسم جنسٍ فيه لغتان: التذكير باعتبار اللّفظ، والتأنيث باعتبار المعنى. والتَّسخير: التذليل، وجعل الشَّيء داخلاً تحت الطَّوْع، وقال الرَّاغب: هو القهر على الفعل، وهو أبلغ من الإكراه. قوله تعالى: {بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ} في "بَيْنَ" قولان: أحدهما: أنه منصوبٌ بقوله: "المُسَخَّرِ" فيكون ظرفاً للتَّسخير. والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير المستتر [في اسم المفعول]؛ فيتعلَّق بمحذوف، أي: كائناً بين السَّماء والأرض، و"لآيَاتٍ" اسم "إنَّ"، والجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، ودخلت اللاَّم على الاسم؛ لتأخُّره عن الخبر، ولو كان موضعه، لما جاز ذلك فيه. وقوله: "لِقَوْمٍ": في محلِّ نصبٍ، لأنَّه صفةٌ لـ"آياتٍ"، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وقوله: "يَعْقِلُونَ": الجملة في محلِّ جرٍّ؛ لأنها صفةٌ لـ"قَوْمٍ"، والله أعلم. فصل في تفسير "السَّحَاب" روى ابن عبَّاس عن كعب الأحبار - رضي الله عنه - قال: "السَّحَابُ غِرْبَالُ المَطَرِ، لَوْلاَ السَّحَابُ حِينَ ينزل المَاء مِنَ السَّمَاءِ، لأَفْسَدَ مَا يَقَعْ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ". وقال ابن عَبَّاسِ - رضي الله عنهما -: سَمِعْتُ كَعْباً، يَقُولُ: إنَّ الأرْضَ تُنْبِتُ العام نباتاً، وتُنْبِتُ نَبَاتاً عَاماً قَابِلاً غَيْرَهُ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ البَذْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ المَطَرِ، فَيَخْرُجُ في الأَرْضِ. فصل في الاستدلال بتسخير السحاب على وحدانية الله في الاستدلال بتسخير السَّحاب على وحدانيَّة الصَّانع: أنَّ طبع الماء ثقيلٌ يقتضي النُّزول فكان بقاؤه في جوِّ الهواء على خلاف الطَّبع، فلا بُدَّ من قادرٍ قاهرٍ، يقهر على ذلك، فلذلك سمَّاه بالمسخَّر، وأيضاً: فإنَّه لو دام، لعظم ضرره من حيث إنَّه يستر ضوء الشَّمس، ويكثر [الأمطار، والابتلال]، ولو انقطع، لعظم ضرره؛ لأنَّه يفضي إلى القحط وعدم العشب، والزراعة؛ فكان تقديره بالمقدار المعلوم الذي يأتي في وقت الحاجة، ويزول عند زوال الحاجة بتقدير مقدِّرٍ قاهرٍ أيضاً؛ فإنَّه لا يقف في موضع معيَّن، بل الله تعالى يسيّره بواسطة تحريك الرِّياح إلى حيث شاء وأراد، وذلك هو التَّسخير. روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: حديث : بَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً مِنَ سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، فَتنَحَّى ذلك السَّحَابُ، فأفرغ ماءَهُ في جرَّةٍ، فإذا بشرجةٍ من تلك الشِّراج، وقد استوعبت ذلك الماء كلَّه، فتتبَّع الماء، فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان؛ للاسم الذي سمع من السَّحاب، فقال له: يا عبد الله، لم تَسْأَلُني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً من السَّحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فماذا تصنع؟ قال: أمَّا إذا قلت هذا، فإنِّي أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدَّق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً وأردُّ فيها ثلثه. تفسير : وفي روايةٍ: حديث : وأجعل ثلثه للمساكين، والسَّائلين، وابن السَّبيل تفسير : قوله: "يَعْقِلُونَ"، أي: يعلمون لهذه الأشياء خالقاً وصانعاً. قال القاضي: دلت الآية على أنَّه لو كان الحقُّ يدرك بالتقليد، واتباع الآباء، والجري على الإلف والعادة، لما صَحَّ قوله: {لآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، وأيضاً: لو كانت المعارفُ ضروريَّةً، وحاصلةً بالإلهام، لما صَحَّ وصفُ هذه الأمُور بأنَّها آياتٌ؛ لأنَّ المعلومَ بالضَّرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات. قال وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثلاثة لا يدرى من أين يَجِيء: الرَّعد، والبرق، والسَّحاب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً نتقوّى به على عدوّنا، فأوحى الله إليه: إني معطيهم فأجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال: رب دعني وقومي فادعوهم يوماً بيوم، فأنزل الله هذه الآية {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر} وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: سألت قريش اليهود فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات، فأخبروهم أنه كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد به يقيناً ونتقوّى به على عدونا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه. فأوحى الله إليه: إني معطيكم ذلك، ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال: ذرني وقومي فأدعوهم يوماً بيوم، فأنزل الله عليه {إن في خلق السماوات والأرض...} الآية. فخلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهباً ". تفسير : وأخرج وكيع والفريابي وآدم بن أبي أياس وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الضحى قال: لما نزلت {أية : وإلهكم إله واحد}تفسير : [البقرة : 163] عجب المشركون، وقالوا: إن محمداً يقول: وإلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين! فأنزل الله {إن في خلق السماوات والأرض...} الآية يقول: إن في هذه الآيات {لآيات لقوم يعقلون} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء قال: نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة {أية : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} تفسير : [البقرة : 163] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟! فأنزل الله {إن في خلق السماوات والأرض} إلى قوله {لقوم يعقلون} فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء. أما قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} . أخرج أبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: الليل موكل به ملك يقال له شراهبل، فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة عين، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء الليل، فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته وترى الشمس الخرزة البيضاء فتطلع، وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت جاء النهار. أما قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر} . أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {والفلك} قال: السفينة. أما قوله تعالى: {وبث فيها من كل دابة} . أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وبث فيها من كل دابة} قال: بث خلق. وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، إن الله يبث من خلقه بالليل ما شاء ". تفسير : أما قوله تعالى: {وتصريف الرياح} . أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وتصريف الرياح} قال: إذا شاء جعلها رحمة للسحاب ونشراً بين يدي رحمته، وإذا شاء جعلها عذاباً ريحاً عقيماً لا تلقح. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بن كعب قال: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن. قوله {وتصريف الرياح والسحاب المسخر} ولكن قولوا: اللهم أن نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: الريح من روح الله، فإذا رأيتموها فاسألوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة عن أبيها قال: إن من الرياح رحمة ومنها رياح عذاب، فإذا سمعتم الرياح فقولوا: اللهم اجعلها رياح رحمة ولا تجعلها رياح عذاب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: الماء والريح جندان من جنود الله، والريح جند الله الأعظم. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الريح لها جناحان وذنب. وأخرج أبو عبيد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عمرو قال: الرياح ثمان: أربع منها رحمة، وأربع عذاب، فأما الرحمة فالناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وأما العذاب فالعقيم، والصرصر وهما في البر، والعاصف، والقاصف، وهما في البحر. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الريح ثمان: أربع رحمة، وأربع عذاب. الرحمة المنتشرات، والمبشرات، والمرسلات، والرخاء. والعذاب العاصف، والقاصف، وهما في البحر، والعقيم، والصرصر وهما في البر. وأخرج أبو الشيخ عن عيسى ابن أبي عيسى الخياط قال: بلغنا أن الرياح سبع: الصبا، والدبور، والجنوب، والشمال، والخروق، والنكباء، وريح القائم. فأما الصبا فتجيء من المشرق، وأما الدبور فتجيء من المغرب، وأما الجنوب فيجيء عن يسار القبلة، وأما الشمال فتجيء عن يمين القبلة، وأما النكباء فبين الصبا والجنوب، وأما الخروق فبين الشمال والدبور، وأما ريح القائم فأنفاس الخلق. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: جعلت الرياح على الكعبة، فإذا أردت أن تعلم ذلك فاسند ظهرك إلى باب الكعبة، فإن الشمال عن شمالك وهي مما يلي الحجر، والجنوب عن يمينك وهو مما يلي الحجر الأسود، والصبا مقابلك وهي مستقبل باب الكعبة، والدبور من دبر الكعبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين بن علي الجعفي قال: سألت إسرائيل بن يونس عن أي شيء سميت الريح؟ قال: على القبلة. شماله الشمال، وجنوبه الجنوب، والصبا ما جاء من قبل وجهها، والدبور ما جاء من خلفها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ضمرة بن حبيب قال: الدبور والريح الغريبة، والقبول الشرقية، والشمال الجنوبية، واليمان القبلية، والنكباء تأتي من الجوانب الأربع. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الشمال ما بين الجدي، والدبور ما بين مغرب الشمس إلى سهيل. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : الجنوب من ريح الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ريح الجنوب من الجنة وهي من اللواقح وفيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة، فتصيبها نفحة من الجنة فبردها من ذلك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وإسحق بن راهويه في مسنديهما والبخاري في تاريخه والبزار وأبو الشيخ عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله خلق في الجنة ريحاً بعد الريح بسبع سنين من دونها باب مغلق، وإنما يأتيكم الروح من خلل ذلك الباب، ولو فتح ذلك الباب لأذرت ما بين السماء والأرض، وهي عند الله الأزيب وعندكم الجنوب ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الجنوب سيدة الأرواح واسمها عند الله الأزيب، ومن دونها سبعة أبواب، وإنما يأتيكم منها ما يأتيكم من خللها، ولو فتح منها باب واحد لأذرت ما بين السماء والأرض. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الشمال ملح الأرض، ولولا الشمال لأنتنت الأرض. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: لو احتبست الريح عن الناس ثلاثة أيام لأنتن ما بين السماء والأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المبارك قال: إن للريح جناحاً، وأن القمر يأوي إلى غلاف من الماء. وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الأعرج قال: إن مساكن الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش، فتهيج فتقع بعجلة الشمس فتعين الملائكة على جرها، ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع في البحر، ثم تهيج في البحر فتقع برؤوس الجبال، ثم تهيج من رؤوس الجبال فتقع في البر، فأما الشمال فإنها تمر بجنة عدن فتأخذ من عرف طيبها، ثم تأتي الشمال وحدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، وتأتي الدبور وحدها من مغرب الشمس إلى مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش، فلا تدخل هذه ولا هذه في حد هذه. وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: أخذت لنا الريح بطريق مكة، وعمر حاج، فاشتدت فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله من خيرها، وعوذوا بالله من شرها ". تفسير : وأخرج الشافعي عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا تسبوا الريح، وعوذوا بالله من شرها ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس "حديث : أن رجلاً لعن الريح فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وأنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه ". تفسير : وأخرج الشافعي وأبو الشيخ والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس قال "حديث : ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً تفسير : . قال ابن عباس: والله إن تفسير ذلك في كتاب الله {أية : أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً}تفسير : [القمر: 19]. {أية : أرسلنا عليهم الريح العقيم} تفسير : [الذاريات: 41] وقال {أية : وأرسلنا الرياح لواقح} تفسير : [الحجر: 22]. {أية : أن يرسل الرياح مبشرات} تفسير : [الروم : 46]. وأخرج الترمذي والنسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تعالى، وسلوا الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وتعوذوا بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: هاجت ريح فسبوها. فقال ابن عباس: لا تسبوها فإنها تجيء بالرحمة وتجيء بالعذاب، ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عمر. أنه كان إذا عصفت الريح فدارت يقول: شدوا التكبير فإنها مذهبة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا تسبوا الليل والنهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح، فأنها تبعث عذاباً على قوم ورحمة على آخرين ". تفسير : أما قوله تعالى: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض} . أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني قال: رأيت ابن عبّاس سأل تبيعا ابن امرأة كعب هل سمعت كعباً يقول في السحاب شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: إن السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض. قال: وسمعت كعباً يذكر أن الأرض تنبت العام وتنبت نباتاً عاماً قابلاً غيره. وسمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء مع المطر فيخرج في الأرض. قال ابن عباس: صدقت، وأنا قد سمعت ذلك من كعب. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء قال: السحاب تخرج من الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: أن في الجنة شجرة تثمر السحاب، فالسوداء منها الثمرة التي قد نضجت التي تحمل المطر، والبيضاء الثمرة التي لا تنضج لا تحمل المطر. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن أبي المثنى أن الأرض قالت: رب أروني من الماء، ولا تنزله علي منهمراً كما أنزلته علي يوم الطوفان. قال: سأجعل لك السحاب غربالاً. وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وأبو الشيخ عن الغفاري "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ينشىء السّحاب فتنطق أحسن المنطق، وتضحك أحسن الضحك ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عائشة "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أنشأت بحرية ثم تشامت فتلك عين، أو عام غديقة يعني مطراً كثيراً ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه قال: أشد خلق ربك عشرة: الجبال، والحديد ينحت الجبال، النار تأكل الحديد، والماء يطفىء النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح تنقل السحاب، والإِنسان يتقي الريح بيده ويذهب فيها لحاجته، والسكر يغلب الإِنسان، والنوم يغلب السكر، والهم يمنع النوم، فأشد خلق ربك الهم. أخرج أبو الشيخ عن الحسن. أنه كان إذا نظر إلى السحاب قال فيه: والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بذنوبكم. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى سحاباً ثقيلاً من أفق من آفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله، فيقول: اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به فإن أمطر. قال: اللهم سيبان نافعاً مرتين أو ثلاثاً، وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك ".
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي في إبداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من تعاجيب العِبَر وبدائِع صنائعَ يعجِزُ عن فهمها عقولُ البشر، وجمعُ السموات لما هو المشهورُ من أنها طبقاتٌ متخالفة الحقائقِ دون الأرض {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي اعتقابِهما وكونِ كلَ منهما خلَفاً للآخر كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } تفسير : [الفرقان، الآية 62] أو اختلافُ كل منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً على ما قدّره الله تعالى {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ} عطفٌ على ما قبله، وتأنيثُه إما بتأويل السفينة أو بأنه جمعٌ فإن ضمةَ الجمعِ مغايرةٌ لضمة الواحد في التقدير إذ الأُولى كما في حُمُر والثانية كما في قُفْل وقرىء بضم اللام {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} أي ملتبسة بالذي ينفعُهم مما يُحمل فيها من أنواع المنافعِ أو بنفعهم {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن مَّاء} عطفٌ على الفلك، وتأخيرُه عن ذكرها مع كونه أعمَّ منها نفعاً لما فيه من مزيد تفصيلٍ وقيل: المقصودُ الاستدلالُ بالبحر وأحوالِه، وتخصيصُ الفلك بالذكر لأنه سببُ الخوض فيه والاطلاعِ على عجائبه، ولذلك قدِّم على ذكر المطرِ والسحابِ لأن منشأهما البحرُ في غالب الأمر، و(من) الأولى ابتدائيةٌ والثانية بـيانية أو تبعيضية، وأيا ما كان فتأخيرُها لما مرَّ مراراً من التشويقِ، والمرادُ بالسماء الفَلَكُ أو السحابُ أو جهةُ العلوِّ {فأحيا بِهِ ٱلأرْضُ} بأنواع النباتِ والإزهارِ وما عليها من الأشجار {بَعْدَ مَوْتِهَا} باستيلاء اليُبوسةِ عليها حسبما تقتضيه طبـيعتُها كما يوزن به إيرادُ الموت في مقابلة الإحياء {وَبَثَّ فِيهَا} أي فرَّق ونشر {مِن كُلّ دَابَّةٍ} من العقلاء وغيرهم، والجملة معطوفةٌ على (أنزل) داخلةٌ تحت حكمِ الصلةِ، وقوله تعالى: فأحيا الخ متصلٌ بالمعطوف عليه بحيث كانا في حكم شيءٍ واحد، كأنه قيل: وما أَنزل في الأرض من ماءٍ وبثَّ فيها الخ أو على أحيا بحذف الجارِّ والمجرور العائدِ إلى الموصول، وإن لم تتحقق الشرائِطُ المعهودةُ كما في قوله: [الطويل] شعر : وإن لساني شَهْدةٌ يُشتفىٰ بها ولكنْ على مَنْ صَبَّه الله علقمُ تفسير : أي علقمٌ عليه وقولِه: شعر : لعلَّ الذي أصْعَدْتَني أن يرُدَّني إلى الأرضِ إن لم يقدِرِ الخيرَ قادِرُهْ تفسير : على معنى فأحيا بالماء الأرضَ وبث فيها من كل دابةٍ فإنهم ينمُون بالخصب ويعيشون بالحَيا {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ} عطفٌ على (ما أنزل) أي تقليبِها من مقلبٍ إلى آخرَ أو من حال إلى أخرى، وقرىء على الإفراد {وَٱلسَّحَابِ} عطفٌ على تصريفِ أو الرياحِ، وهو اسمُ جنسٍ واحده سَحابةٌ سمي بذلك لانسحابه في الجو {ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ} صفةٌ للسحاب باعتبار لفظه، وقد يُعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله تعالى:{أية : سَحَابًا ثِقَالاً } تفسير : [سورة الأعراف، الآية 57] وتسخيرُه تقليبُه في الجو بواسطة الرياحِ حسبما تقتضيه مشيئةُ الله تعالى، ولعل تأخيرَ تصريفِ الرياحِ وتسخيرِ السحاب في الذكر عن جريان الفُلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجيّ لما مر في قصة البقرة من الإشعار باستقلال كلٍّ من الأمور المعدودة في كونها آيةً، ولو رُوعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لربما تُوهُم كونُ المجموعِ المترتبِ بعضُه على بعضٍ آيةً واحدة {لاَيَاتٍ} اسمُ (إن) دخلته اللامُ لتأخرّه عن خبرها، والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً، أي آياتٍ عظيمةً كثيرةً دالةً على القدرة القاهرة والحِكمة الباهرةِ، والرحمةِ الواسعة المقتضيةِ لاختصاص الألوهية به سبحانه {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول، وفيه تعريضٌ بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبـي صلى الله عليه وسلم آيةً تصدِّقه في قوله تعالى: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} تفسير : [البقرة، الآية: 163] وتسجيلٌ عليهم بسخافة العقولِ وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجدَ كلاً منها ناطقةً بوجوده تعالى ووحدانيته وسائرِ صفاتِه الكماليةِ الموجبةِ لتخصيص العبادةِ به تعالى واستُغني بها عن سائرها فإن كل واحدٍ من الأمور المعدودةِ قد وجد على وجه خاصٍّ من الوجوه الممكنةِ دون ما عداه مستتبعاً لآثار معينةٍ وأحكامٍ مخصوصةٍ من غير أن تقتضي ذاتُه وجودَه فضلاً عن وجوده على نمطٍ معين مستتبعٍ لحكمٍ مستقل، فإذن لا بد له حتماً من موجدٍ قادر حكيمٍ يوجده حسبما تقتضيه حكمتُه وتستدعيه مشيئتُه متعالٍ عن معارضة الغير، إذ لو كان معه آخرُ يقدِر على ما يقدر عليه لزمَ إما اجتماعُ المؤثِّرَيْن على أثر واحدٍ، أو التمانعُ المؤدي إلى فساد العالم.
القشيري
تفسير : تَعَرَّف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات قدرته، وأمارات وجوده، وسمات ربوبيته التي هي أقسام أفعاله. ونبههم على وجود الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهينَ تلطف عن العبارة، ووجوهٍ من الدلالات تَدِقُّ عن الإشارة، فما من عينٍ من العدم محصولة - من شخصٍ أو طلل، أو رسم أو أثر، أو سماء أو فضاء، أو هواء أو ماءٍ، أو شمسٍ أو قمر، أو قَطْرٍ أو مطر، أو رَمل أو حجرٍ، أو نجم أو شجرٍ - إلا وهو على الوحدانية دليل، ولِمَنْ يقصد وجوده سبيل.
البقلي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اى ان في ابداع السموت والارض كشوف نور الصفات في نور الافعال فظهور نور الافعال في مسرح الايات وايضا السماء اشارة الى الراس والارض اشارة الى الصورة وايضا السماء اشارة الى الروح والارض اشارة الى القلب وقوله {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} اى فى نقصانهما وزيادتهما وذهابهما ومجيئهما اعتبار بطلوع شمس المعرفة من مشرق القربة وغروبها في مغرب النكرة في وقت الغيبة عن المشاهدة فظهور بظلم ليالى الهجر في ذهاب نور الوصل وزوالها باشراق انوار تجلى الحق في قلوب اهل المحبة وايضا اى اعتبروا بهما في مواجيد الاحوال واستقرارها فيكم وفقدانها في وقت انقباضكم عن رؤية البسط والانبساط {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} الا العرافين فى جريان القلب في بحار القدم والابد وموج بحر الصفات لطلب در المعرفة من قعر بحر الذات بمنافع المريدين رؤية الصفات الجبروتية في الايات الملكوتية {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ولهم ايضا فى تفكر انزال الله تعالى من ساء القربة مزن رشاش المشاهدة واحيائه القلب الميت من فقد نيل القربة ورؤية خصائص المنة {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} من مايضالهم في ادراك التفرق وشتات سيارات عالم الملكوت فى قولكم لطائف الخطاب {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} اى لهم فى رؤية تصريف الرياح وتسخير الحساب بين السماء والارض وجدان تصريف رياح المنة وتسخير سحاب الشفقة بين نور الروح ونار القلب اذا كان الرياح تحرك السحاب وتعصرها حتى تمطر قطرات مياه الخطاب على نيران القلب ليسكن بها ساعة عن الاحراق بالنهار نار الوجد {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } اى لاولى النهى علامات صفات القذرة بادراك بصائرهم الحكمة {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} الانداد تقع على كل شئ بمنع العبد عن خدمة سيده من جملتها النفس والهوى كما قال تعالى {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : ومنها الخلق لاجل الرياسة ومنها الدنيا والشيطان {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ} لانهم يذوقون طعم معرفة الله ولذة محبته ولا يرون نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه ومع ذلك محبتهم للخلق محبةٌ معلولةٌ لانهم لو لم يجدوا منهم مأمولهم يفرون منهم فرار الزحف {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} لان اهل الايمان والتوحيد سمعوا خطاب قوله الست بربكم بالسمع الخاص في سابق الدهر ورَاَوا مشاهدة الجلالة قبل وقوع البلايا فيبقى فى قلوبهم لذة المشاهدة والخطاب فيجدون مرارة بلائه و غصص امتحانه يقبلون منه ببذل نفوسهم وترك حظوظهم والوفاء بصد عقودهم في امر محبوبهم وقال القاسم وممن اخرجناهم من جملة الخطاب الخاص مخاطبة الايمان اقوم يتخذون اهواءهم الهة يعبونها ويحبونها والذين امنوا اشد حبا لله منهم لا هوائهم لانهم يرون البلاء من الله نعمته ولا يحجررهم عن محبتهم اربهم ترادف المحن عليهم بل يزيدهم بذلك محبةٌ له فلذلك قال والذين امنوا اشد حبا لله وقال الشبلى من ادعى محبة الله تعالى ونسى فكره طرفة عين فهو المستهزئ والمفترى على الله ويصنع به ما يصنع بالمفترى وقال جعفر الصادق في قوله والذين أمنوا اشد حبا لله قال يباهى الله على خلقه عجبته للمؤمنين له ويشير المحبة اخصُّ ما بتعبد به المتّعبدون وقال ابن عطاء حبوا الله يجب الله وحب الله حب باق فصار حبهم باقيا ببقاء حب الله تعالى.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن فى خلق السموات والارض} اى فى ابداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من تعاجيب العبر وبدائع الصنايع التى يعجز عن فهمها عقول البشر وانما جمع السموات وافرد الارض لان كل سماء ليست من جنس الاخرى بين كل سماءين من البعد مسيرة خمسمائة عام او لان فلك كل واحدة غير فلك الاخرى والارضون كلها من جنس واحد وهو التراب. قال ابن التمجيد فى حواشيه وعند الحكماء محدب كل سماء مماس لمقعر ما فوق غير الفلك التاسع المسمى بالعرش فان محدبه غير مماس لشىء من الافلاك لان ما فوقه خلاء وبعد غير متناه عندنا وعند الحكماء لا خلاء فيه ولا ملاء والعلم عند الله {واختلاف الليل والنهار} اى فى تعاقبهما فى الذهاب والمجىء يخلف احدهما صاحبه اذا جاء احدهما جاء الآخر خلفه اى بعده وفى الزيادة والنقصان والظلمة والنور {والفلك التى تجرى فى البحر} لا ترسب تحت الماء وهى ثقيلة كثيفة والماء خفيف لطيف وتقبل وتدبر بريح واحدة والفلك فى الآية جمع وتأنيثه بتأويل الجماعة {بما ينفع الناس} ما اسم موصول والمصاحبة والجملة فى موضع النصب على الحالية من فاعل تجرى اى تجرى مصحوبة بالاعيان والمعانى التى تنفع الناس فانهم ينتفعون بركوبها والحمل فيها للتجارة فهى تنفع الحامل لانه يربح والمحمول اليه لانه ينتفع بما حمل اليه {وما} اى ان فيما {ما انزل الله من السماء} من لابتداء الغاية اى من جهة السماء {من ماء} بيان للجنس فان المنزل من السماء يعم الماء وغيره والسماء يحتمل الفلك على ما قيل من ان المطر ينزل من السماء الى السحاب ومن السحاب الى الارض ويحتمل جهة العلو سماء كانت او سحابا فان كل ما علا الانسان يسمى سماء ومنه قيل للسقف سماء البيت {فاحيى به} عطف على ما انزل اى نضر بالماء النازل {الارض} بانوا النبات والازهار وما عليها من الاشجار {بعد موتها} اى بعد ذهاب زرعها وتناثر اوراقها باستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها. قال ابن الشيخ فى حواشيه لما حصل للارض بسبب ما نبت فيها من انواع النبات حسن وكمال شبه ذلك بحياة الحيوان من حيث ان الجسم اذا صار حيا حصل فيه انواع من الحسن والنضارة والبهاء والنماء فكذلك الارض اذا تزينت بالقوة المنبتة وما يترتب عليها من انواع النبات {وبث فيها} اى فرق ونشر فى الارض {من كل دابة} من كل حيوان يدب على وجهها من العقلاء وغيرهم وهو معطوف على فاحيى والمناسبة ان بث الدواب يكون بعد حياة الارض بالمطر لانهم ينمون بالخصب ويعيشون بالمطر {وتصريف الرياح} عطف على ما انزل اى فى تقليبها فى مهابها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا وفى كيفيتها حارة وباردة وفى احوالها عاصفة ولينة وفى آثارها عقما ولواقح وقيل فى اتيانها تارة بالرحمة وتارة بالعذاب. قال ابن عباس رضى الله عنهما اعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحا لانها تريح النفوس. قال وكيع الجراح لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا. قال شريح القاضى ما هبت الريح الا لشفاء سقيم او لسقم صحيح وقال بكر بن عباس لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل فى السحاب هذه الرياح الاربع فالصبا تهيجه والجنوب تقدره والدبور تلقحه والشمال تفرقه واصول الرياح هذه الاربع فالشمال من ناحية الشام والجنوب تقابلها والصبا هى القبول من المشرق والدبور تقابلها وكل ريح جاءت بين مهب ريحين فهى نكباء لانها نكبت اى عدلت ورجعت عن مهاب هذه الاربع. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص الرياح ثمان اربع رحمة واربع عذاب فالرحمة الناشرات وهى الرياح الطيبة والمبشرات وهى الرياح التى تبشر بالغيث واللواقح وهى التى تلقح الاشجار والذاريات وهى التى تذر والتراب وغيره والعذاب الصرصر والعقيم وهما فى البر والعاصف والقاصف وهما فى البحر والعقيم هى التى لم تلقح سحابا ولا شجرا والعاصف الشديدة الهجوم التى تقلع الخيام {والسحاب المسخر} عطف على تصريف اى الغيم المذلل المنقاد الجارى على ما اجراه الله تعالى عليه وهو اسم جنس واحده سحابة وسمى سحابا لانه ينسحب فى الجو اى يسير فى سرعة كأنه يسحب اى يجر {بين السماء والأرض} صفة للسحاب باعتبار لفظه وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما فى قوله تعالى {أية : سحابا ثقالا} تفسير : [الأعراف: 57] اى لا ينزل الارض ولا ينكشف مع ان طبع السحاب يقتضى احد هذين النزول والانكشاف. قيل لانه لو كان خفيفا لطيفا ينبغى ان يصعد ولو كثيفا يقتضى ان ينزل {لآيات} اسم ان دخلته اللام لتأخره عن خبرها ولو كان فى موضعه لما جاز دخول اللام عليه والتنكير للتفخيم كما وكيفا اى آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة والواسعة المقتضية لاختصاص الالوهية به سبحانه {لقوم} فى محل النصب لانه صفة لآيات فيتعلق بمحذوف {يعقلون} فى محل الجر على انه صفة لقوم اى يتفكرون فيها وينظرون اليها بعيون العقول والقلوب ويعتبرون بها لانها دلائل على عظم قدرة الله فيها وباهر حكمته فيستدلون بهذه الاشياء على موجدها فيوحدونه وفيه تعريض لجهل المشركين الذين اقترحوا على الرسول آية تصدقه فى قوله تعالى {أية : وإلهكم إله واحد} تفسير : [البقرة: 163]. وتسجيل عليهم بسخافة العقول اذ لو عقلوه لكفاهم بهذه التصاريف آية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بهاbr>". تفسير : المج حقيقة قذف الريق ونحوه من الفم عدى بالباء لما فيه من معنى الرمى واستعير ههنا لعدم الاعتبار والاعتداد فان من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه. واعلم ان قوله تعالى {أية : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} تفسير : [البقرة: 163] اول آية نزلت فى التوحيد بحسب الرتبة اى اقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا فان اول رتبة التوحيد من طرفنا توحيد الافعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ افهام الناس نزل الى مقام توحيد الصفات بقوله الرحمن الرحيم ثم الى توحيد الافعال ليستدل به عليه فقال ان فى خلق الآية كذا فى التأويلات القاشانية. ومن نتائج صفة الرحمن الرحيم فى حق الانسان ما اشار اليه فى قوله ان فى خلق الخ يعنى ان الحكمة فى خلق هذه الاشياء ان يكون كل شىء مظهر آية من آيات الله ولا فائدة لهذه الاشياء من الآيات المودعة فيها فان فائدتها عائدة الى الانسان لانهم قوم يعقلون الآيات كما قال {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} تفسير : [فصلت: 53]. فالعالم بما فيه خلق بتبعية الانسان لان العالم مظهر آيات الحق والآيات المرئيات الانسان والانسان مظهر معرفة الحق ولهذا قال {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56]. اى ليعرفون فلو لم يكن لاجل معرفة الله ما خلق الانسان ولو لم يكن لاجل الانسان ما خلق العالم بما فيه كما قال للنبى عليه الصلاة والسلام "حديث : لولاك لما خلقت الكونbr>". تفسير : وكان العالم مرآة يظهر فيه آيات كمال الحق وجلاله والانسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال فى مرآة العالم وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم وما يظهر فيه كما قال تعالى {أية : وفى أنفسكم أفلا تبصرون} تفسير : [الذاريات: 21]. وهذا تحقيق قوله "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربهbr>". تفسير : لان نفسه مرآة جمال ربه وليس احد غير الانسان يشاهد حال ربه فى مرآة العالم ومرآة نفسه باراءة الحق كما قال {أية : سنريهم آياتنا} تفسير : [فصلت: 53]. فاعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين ومما يدل على ان خلق السموات والارض وما بينهما تبع لخلق الانسان قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الارض الله الله" تفسير : يعنى اذا مات الانسان الذى هو يقول الله الله قامت القيامة فلم تبق السموات والارض لان وجودهما كان تبعا لوجود الانسان فاذا لم يبق المتبوع ما بقى التابع كذا فى التأويلات النجمية. فعلى السالك ان يصل بالذكر الحقيقى الى المقصود الاصلى فان التوحيد ينفى الباطل وينفى الاغيار. روى عمران بن حصين قال حديث : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لابى حصين "كم تعبد اليوم من اله" فقال اعبد سبعا ستا فى الارض وواحدا فى السماء قال "وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك "فقال الذى فى السماء فقال عليه الصلا والسلام "فيكفيك اله السماء" ثم قال يا حصين لو اسلمت علمتك كلمتين تنفعانك فأسلم حصين ثم قال يا رسول الله علمنى هاتين الكلمتين فقال عليه الصلاة والسلام "قل اللهم ألهمنى رشدى واعذنى من شر نفسى "
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ نافع, وابن كثير، وابو عمرو، وابن عاصم، وابن عامر {الرّياح} على الجمع. الباقون على التوحيد، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ولام. المعنى: لما أخبر الله تعالى الكفار بأن إلههم إله واحد لاثاني له، قالوا: ما الدلالة على ذلك؟ فقال الله عزّ وجل: {إنّ في خلق السماوات والأرض} الآية الى آخرها. ووجه الدّلالة من الآية {أن في خلق السماوات والأرض} يدل على أنّ لها خالق، لا يشبهها ولا تشبهه، لانه لا يقدر على خلق الاجسام إلا القديم القادر لنفسه الذي ليس بجسم، ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولابدّ له من محدث ليس بمحدث، لاستحالة التسلسل. وأما {الليل والنهار}، فيدلان على عالم مدبر من جهة أنه فعل محكم، متقن، واقع على نظام واحد، وترتيب واحد، لا يدخل شيئاً من ذلك تفاوت، ولا اختلاف. وأما {الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} فتدل على منعم دبّر ذلك لمنافع خلقه، ليس من جنس البشر، ولا من قبيل الأجسام، لان الاجسام يتعذر عليها فعل ذلك. وأما الماء الذي ينزل من السماء، فيدل على منعم به يقدر على التصريف فيما يشاء من الأمور، لايعجزه شيء. وأمّا {إحياء الأرض بعد موتها}، فيدل على الانعام بما يحتاج اليه العباد. وإحياؤها: إخراج النبات منها، وأنواع الثمار {وبث فيها من كل دابة} دالّ على ان لها صانعاً مخالفاً لها منعماً بأنواع النعم. {وتصريف الرياح} يدل على الاقتدار على ما لا يتأتى من العباد ولو حرصوا كل الحرص، واجتهدوا كل الاجتهاد، لأنه إذا ذهبت جنوباً مثلا، فاجتمع جميع الخلق على أن يقلبوها شمالاً أو صباً أو دبوراً، لما قدروا على ذلك، ولا تمكنوا على ردِّه من الجهة التي يجيء منها. وأما {السحاب المسخر} فيدل على أنه يمسكه القديم، والذي لاشبه له ولا نظير، لأنه لا يقدر على تسكين الاجسام الثقال بغير علاقة ولا دعامة إلا الله تعالى، وكذلك لا يقدر على تسكين الارض كذلك إلا القادر لنفسه،، فهي تدل على صانع غير مصنوع قديم لا يشبهه شيء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء، حي لا يموت واحد ليس كمثله شيء، سميع بصير {أية : لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض}تفسير : لان صفات النقص لا تجوز عليه تعالى. ويدل على أنه منعم بما لا يقدر غيره على الانعام بمثله، أنه يستحق بذلك العبادة دون غيره. اللغة: والخلق هو الاحداث للشيء على تقدير من غير احتذاء على مثال، ولذلك لا يجوز إطلاقه إلا في صفات الله، لأنه ليس أحد - جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء على مثال - إلا الله تعالى. وقد استعمل الخلق بمعنى المخلوق كما استعمل الرضى بمعنى المرضى، وهو بمنزلة المصدر، وليس معنى المصدر معنى المخلوق، واختلف أهل العلم فيه إذا كان بمعنى المصدر، فقال قوم: هو الارادة له. وقال آخرون: إنما هو على معنى مقدر، كقولك: وجود وعدم، وحدوث وقدم، وهذه الاسماء تدل على مسمى مقدر للبيان عن المعاني المختلفة وإلا فالمعنى بما هو الموصوف في الحقيقة. وإنما جمعت السماوات ووحدت الأرض، لأنه لما ذكرت السماء بأنها سبع في قوله تعالى: {أية : ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات}تفسير : وقوله: {أية : خلق سبع سماوات}تفسير : جمع لئلا يوهم التوحيد معنى الواحدة من هذه السبع. وقد دل مع ذلك قوله {أية : ومن الأرض مثلهن} تفسير : على معنى السبع، ولكنه لم يجر على جهة الافصاح بالتفصيل في اللفظ. ووجه آخر: وهو أن الأرض لتشاكلها تشبه الجنس الواحد، كالرجل، والماء الذي لا يجوز جمعه إلا أن يراد الاختلاف، وليس تجري السماوات مجرى الجنس، لأنه دبر في كل سماء أمرها. والتدبير الذي هو حقها. وفي اشتقاق قوله {واختلاف الليل والنهار} قولان: احدهما - من الخلف، لأن كل واحد منهما يخلف صاحبه على وجه المعاقبة له. والثاني - من اختلاف الجنس كاختلاف السواد والبياض، لأن أحدهما لا يسد مسد الآخر في الادراك. والمختلفان مالا يسد أحدهما مسد الآخر فيما يرجع الى ذاته. والنهار: إتساع الضياء، وأصله الاتساع، ومنه قول الشاعر: شعر : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها تفسير : أي أوسعت، ويصلح ان يكون من النهر أي جعله كالنهر. والنهر أوسع مجاري الماء، فهو أوسع من الجدول، والساقية. وإنما جمعت الليلة، ولم يجمع النهار لأن النهار بمنزلة المصدر، كقولك: الضياء، يقع على الكثير والقليل، فأما الليلة، فمخرجها مخرج الواحد من الليل على أنه قد جاء جمعه على وجه الشذوذ. قال الشاعر: شعر : لولا الثريدان هلكنا بالضُّمر ثريد ليل وثريد بالنُّهر تفسير : والفلك: السفن يقع على الواحد، والجمع بلفظ واحد، ومنه قوله: {أية : في الفلك المشحون}تفسير : ومنه {أية : واصنع الفلك بأعيننا}تفسير : والفلك: فلك السماء. قال الله تعالى: {أية : كل في فلك يسبحون}.تفسير : وكل مستدير فلك، والجمع أفلاك وقال صاحب العين: قيل: اسم للدوران خاصة. وقيل: بل اسم لأطواق سبعة فيها النجوم. وفلكت الجارية إذا استدار ثديها. والفلكة: فلكة المغزل معروف. وفلكة الجدي، وهو قضيب يدار على لسانه لئلا يرضع. واصل الباب الدور، والفلك السفينة لأنها تدور بالماء أسهل دور. وإنما جعل الفلك للواحد، والجمع بلفظ واحد، لأن فعل وفعل يشتركان كثيراً: العرب، والعرب، والعجم، والعُجم، والبخل والبخل. ومن قال في أسد: أسد. قال في فلك: فلك، فجمعه على فُعل. وإنما أنث الفلك إذا أريد به الجمع، كقولك: السفن التي تجري في البحر. وقوله: {وما أنزل الله من السماء} يعني من نحو السماء عند جميع المفسرين. وقال قوم: السماء تقع على السحاب، لأن كل شيء علا فوق شيء، فهو سماء له. فان قيل: هل السحاب بخارات تصعد من الأرض؟ قلنا ذلك جائز لا يقطع به، ولا مانع ايضاً من صحته من دليل عقل، ولا سمع. والسماء: السقف، فسماء البيت سقفه قال تعالى: {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً}تفسير : فالسماء المعروفة سقف الأرض. وأصل الباب السمو: وهو العلو. والسماء: الطبقة العالية على الطبقة السافلة إلا أنها صارت بمنزلة الصفة على السماء المعروفة: وهي التي من أجل السمو كانت عالية على الطبقة السافلة. والأرض الطبقة السافلة. يقال: أرض البيت وأرض الغرفة، فهو سماء لما تحته من الطبقة، وارض لما فوقه، وقد صار الاسم كالعلم على الأرض المعروفة. وإنما يقع على غيرها بالاضافة. والليل هو الظلام المعاقب للنهار. وقد يقال لما لا يصل اليه ضوء الشمس: هو الليل وإن كان النهار موجوداً. والبحر: هو الخرق الواسع الماء الذي يزيد على سعة النهر. والمنفعة: هي اللذة، والسرور وما أدى إليهما. أو إلى كل واحد منهما. والنفع، والخير، والحظ نظائر، وقد تكون المنفعة بالآلام إذا أدّت الى لذات. والاحياء: فعل الحياة. وحياة الارض: عمارتها بالنبات، وموتها إخرابها بالجفاف الذي يمتنع معه النبات. والبثّ: التفريق، وكل شيء بثثته، فقد فرقته، ومنه قوله تعالى: {أية : كالفراش المبثوث}، تفسير : وتقول: انبث الجراد في الأرض، وتقول: بثثته سري، وابثثته إذا أطلعته عليه. والبث: ما يجده الرجل من كرب، أو غم في نفسه، ومنه قوله: {أية : أشكو بثي وحزني إلى الله}.تفسير : وأصل الباب التفريق. وقال صاحب العين: كل شيء مما خلق الله يسمى دابة مما يدب، وصار بالعرف اسماً لما يركب، ويقولون للبرذون: دابة وتصغيرها دويبة. ودب النمل يدب دبيبه. ودب الشراب بالانسان دبيباً. ودب القوم إلى العدو أى مشوا على هيئتهم لم يشرعوا. والدبابة تتخذ في الحروب, ثم يدفع إلى أصل حصن فينفقون وهم في جوف الدبابة والدب: نوع من السباع، والانثى دبه. والدبة لزوم حال الرجل في فعاله. ركب فلان دبة فلان، وأخذ بدبته أي عمل بعمله. وقوله تعالى: {وتصريف الرياح} التصريف والتقليب والتسليك نظائر. وتصريف الرياح تصرفها من حال إلى حال، ومن وجه إلى وجه، وكذلك تصرف الخيول، والسيول، والأمور. وصرف الدهر تقلبه، والجمع صروف. والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته. وقال بعضهم: لا يسمى صريفاً حتى يتصرف به الضرع. والصريف صريف الفحل بنابه حتى يسمع لذلك صوت، وكذلك صريف البكرة. وعنز صارف: إذا أرادت الفحل. والصرف: صبغ أحمر، قال الاصمعي: هو الذي يصبغ به الشرك. والصرف: فضل الدرهم على الدرهم في الجودة. وكذلك بيع الذهب بالفضة، ومنه اشتق إسم الصيرفي، لتصريفه أحدهما في الآخر. والصرف: النافلة. والعدل: الفريضة. والصرفة: منزل من منازل القمر: كوكب إذا طلع قدام الفجر، فهو أول الخريف، وإذا غاب من طلوع الفجر، فذاك أول الربيع. والصرف: الشراب غير ممزوج. والصرفان تمر معروف، أوزنه وأجوده. وأصل الباب: القلب عن الشيء. والسحاب: مشتق من السحب وهو حرك الشيء على وجه الأرض، تسحبه سحباً كما تسحب المرأة ذيلها، وكما تسحب الريح التراب، وسمي السحاب سحاباً، لا نسحابه في السماء وكل منجر منسحب. والتسخير، والتذليل، والتمهيد نظائر. تقول: سخر الله لفلان كذا إذا سهله له، كما سخر الرياح لسليمان. وسخرت الرجل تسخيراً إذا اضطهدته، فكلفته عملا بلا أجرة. وهي السخرة، وسخر منه إذا استهزأ به، قال الله تعالى {أية : فيسخرون منهم سخر الله منهم}تفسير : وقال {أية : فاتخذتموهم سخريا} تفسير : من الاستهزاء، وسخريا من تسخير الحول وما اشبهه. واصل الباب: التسخير: التذليل. المعنى: وقيل في تصريف الرياح قولان: احدهما - هبوبها شمالا وجنوباً وصبا ودبوراً. والثاني - قيل مجيؤها بالرحمة مرة وبالعذاب أخرى. وهو قول قتادة. وقوله: {لقوم يعقلون} فيه قولان: احدهما - أنه عام لمن استدل به، ومن لم يستدل من العقلاء. والثاني - أنه خاص لمن استدل به كما قال: {أية : إنما أنت منذر من يخشاها}تفسير : وكما قال {أية : هدى للمتقين}تفسير : لما كانوا هم الذين اهتدوا بها وخشوا عند مجيئه أضيف إليهم وإنما أضيفت الآيات الى العقلاء لامرين: أحدهما - لأنها نصبت لهم. والثاني - لأنها لا يصح أن يستدل بها سواهم. اللغة: قال ابو زيد: قال القيسيون: الرياح أربع: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور. فأما الشمال عن يمين القبلة والجنوب عن شمالها والصبا والدبور متقابلتان، فالصبا من قبل المشرق والدبور من قبل المغرب واذا جائت الريح بين الصبا، والشمال، فهي النكباء التي لايختلف فيها. والتي بين الجنوب والصبا، فهي الجريباء، وروى ابن الاعرابي عن الاصمعي، وغيره: ان الرياح اربع: الجنوب، والشمال، والصبا، والدبور. قال ابن الاعرابي: كل ريح بين ريحين، فهي نكباء. قال الاصمعي: اذا انحرفت واحدة منهن، فهي نكباء، وجمعها نكب. فاما مهبهن، فان ابن الاعرابي قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا من مطلع الثريا الى بنات نعش، والشمال من بنات نعش الى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر الى مطلع سهيل، والجنوب، والدبور لهما هيف والهيف: الريح الحارة، والصبا، والشمال: لا هيف لهما. وقال الأصمعي: ما بين سهيل الى طرف بياض الفجر: جنوب. ومابان انهما هما، يستقبلهما من الغرب: شمال، وما جاء من وارء البيت الحرام فهو دبور، وما جاء قبالة ذلك، فهو صباً. وتسمى الصّبا قبولا، لأنها تستقبل الدبور، وتسمى الجنوب الازيب، والنعامى. وتسمى الشمال محوة ولا تصرف، لأنها تمحوا السحاب وتسمى الجريباء، وتسمى مسعا، وتسعا وتسمى الجنوب اللاقح. والشمال حائلا، وتسمى ايضاً عقيما، وتسمى الصبا عقيما ايضاً. قال الله تعالى: {أية : وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} تفسير : وهي التي لا تلقح السحاب. والذاريات التي تذروا التراب ذرواً. ومن قرأ بلفظ الجمع، فلأن كل واحدة من هذه الرياح مثل الاخرى في دلالتها على التوحيد وتسخيرها لنفع الناس. ومن وحّد أراد به الجنس كما قالوا أهلك الناس الدينار، والدرهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فهو استئناف فى مقام التّعليل وجمع السّماوات لتعدّدها حقيقة بخلاف الارض وآيات خلق السّماوات الدّالّة على صانعٍ حكيمٍ عليمٍ قادرٍ ذى عناية بالخلق رحمنٍ رحيمٍ كثيرة خارجة عن احصاء البشر وما أحصوه منها لا يحيط به البيان من وضع أفلاكها الكلّيّة والجزئيّة المحيطة وغير المحيطة وحركاتها الجزئيّة والكلّيّة المختلفة بالسّرعة والبطوء والاقامة والاستقامة والرجعة والشرقيّة والغربيّة المنضبطة فى اختلافها المنوط بها نظام مواليد الارض من توليدها وبقائها واستكمالها فى ذاتها وصفاتها ووضع كواكبها واختلافها بالقرب والبعد من الارض وشدّة النّور وضعفه وعظم الجرم وصغره والتّسخين والتّبريد وظهور آثارٍ منها فى الارضيّات وغير ذلك ممّا فصّل فى علم الهيئة والنّجوم وأحكام النّجوم وكذا آيات خلق الارض من تحيّزها حول المركز بحيث يمكن تأثير السّماويّات فيها من جوانبها ودورانها حولها وتحيّز الماء حولها وخروج بعض سطوحها عن الماء لامكان توليد المواليد البرّيّة عليها وتوليد الماء فى جوفها ووضع الجبال عليها وانحدار سفوحها لامكان جريان العيون عليها وامكان اجراء القنوات فيها وجعلها غير ليّنة غامرة وغير صلبة صعبة البناء عليها متماسكة يتماسك البناء عليها وغير ذلك من المنافع الكثيرة الّتى لا يحصيها الاّ الله والآيات المستنبطة من كيفيّة تعانقهما ومحبّتهما وتأثير كلّ وتأثّرها من الاخرى كثيرة ايضاً. {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} اى تعاقبهما ومجيء كلّ خلف الآخر او اختلاف كلٍّ منهما فى ازمان السّنة بالزيادة والنّقصان او اختلافهما بزيادة أحدهما على الآخر فى أغلب الاوقات وباختلافهما فى الصّفات والآثار آيات عديدة دالّة على صانعٍ حكيمً قادرٍ رحمنٍ رحيمٍ {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} يعنى فى جعل الماء مائعة سائلة وجعل موادّ الفلك بحيث تطفو على وجه الماء وهدايتكم الى ترتيبها بحيث يجريها الرّياح على وجه الماء غير خارجة عن اختياركم وفى الآثار المترتّبة على الفلك وسرعة سيرها مع عدم احتياجها الى مؤنة من حمل اثقال كثيرة الى بلاد بعيدة آيات عديدة دالّة على صانعٍ حكيمٍ قديرٍ ذى عناية بالخلق {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من جهة الفلك او من جهة العلو {مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بتهييج قواها وانبات نباتها وتوريق أشجارها {وَبَثَّ} عطف على أنزل الله اى فيما بثّ من الحشرات والانعام والسّباع وأصناف الانسان، او عطف على أحيا اى فيما أنزل من السّماء فأحيا بسببه الارض وبثّ بسببه {فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} ولفظة من على الاوّل بيانيّة، وعلى الثّانى تبعيضيّة ووجة سببيّة المطر لبثّ الدّوابّ انّ توليد المتولّدات من الحشرات انّما يكون برطوبة الارض والهواء الممتزجة بحرارة الشّمس المختلطة بالاجزاء الارضيّة المتعفّنة بسبب الحرارة وبقائها وبقاء المتولّدات وتعيّشها انّما يكون بسبب كثرة نبات الارض الحاصلة من كثرة رطوبة الارض والهواء الحاصلة من كثرة المطر {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} الّذى به تبديل الهواء حتّى لا يركن فيتعفّن فيفسد أمزجة الحيوان والنّبات وحتّى يذهب بالهواء العفن ويبرد ابدان الحيوان والنّبات بتبديل الهواء المجاور المتسخّن بالمجاورة والرّكون، وتنتفعون به فى معايشكم باجراء الفلك واقلال السّحاب وتمييز الحبوب من الاتبان {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} بحيث يحمل الاجزاء الرّشّيّة المائيّة ويستحيل اليها اجزاء هوائيّة فيذهب بها الى مواضع أمره الله بالامطار فيها فيمطر بحيث ينتفع الارض به من أنواع المطر لا بحيث يفسد الارض وعماراتها ومواليدها وقد يأتى بالثّلج فى وقته او بالبَرد فى محلّ ينتفع به وقد يأتى بالمطر او الثّلج او البرد بحيث يكون ضررها اكثر من نفعها اذا أراد الله بقومٍ ضرّاً {لآيَاتٍ} دالّة على صانعٍ عليمٍ حكيمٍ قادرٍ لا يشذّ عن علمه شيءٌ رحمن رحيم كما اشير اليها {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يدركون بالعقول لا بالمدارك الحيوانيّة او لقومٍ صائرين عقلاء، والاتيان بالمضارع للدّلالة على حدوث العقل بعد ان لم يكن لا لغير العقلاء ممّن كانوا كالانعام او هم أضلّ فانّ العاقل يدرك من الاشياء دقائق الحكم المودعة فيها واسبابها ومسبّباتها لا غيره.
اطفيش
تفسير : {إنَّ فى خَلْق السّماواتِ والأرضِ}: إلى آخر الآية: وهى تدل على وجود الله عز وجل وكمال قدرته ووحدانيته إجمالا وتفصيلا، أما الإجمال فإن السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وجميع المخلوقات قد كان من الجائز أن تتباعد أكثر مما تباعدت، وتتقارب أكثر مما تقاربت، وتغلظ أكثر مما غلظت، وترق أكثر مما رقت، وتطول أكثر مما طالت، وتقصر أكثر مما قصرت، وتعرض أكثر مما عرضت، وتعرض أقل، ويكون لونها أشد أو أقل مما كان، ويكون لونها غير لونها الذى هى عليه، ويكون ما هو طرفا أو وسطا فى غير محله، وتكون قبل وقتها أو بعده، وألا يتحرك الفلك أو غيره، وأن يتحرك إلى غير الجهة التى يتحرك إليها، وألا تدور على القطب الشمالى والجنوبى، وأن يدور على واحد ما يكون دوره على الآخر، وقد قيل إنما رد سهيل إلى الجنوب يدور على قطب الجنوب، وما سواه على قطب الشمال، وألا يكون أعلى وأسفل، وأن يكون الأعلى أسفل والأسفل أعلى، وأن يكون الكورى بسيطا والبسيط كوريا إلى غير ذلك من صفات الأجسام والأعراض، ولما خصت بصفة مخصوصة، وكم مخصوص، وغير ذلك من المخصوصيات، علمنا أن لها موجداً قادراً حكيماً مختاراً، اختار كونها على حالها الذى هى عليه بمقتضى حكمته ومشيئته، ولا بد أن يكون واحداً لأنه لو تعدد وأراد كل منهما ما لم يرده الآخر فالغالب منهما هو الإله لا المغلوب، لأن العجز ينافى الألوهية، ولو تعادلا أو عاند أحدهما الآخر لظهر خلافهما، فالمصنوعات لتمانعهما وتطاردهما. وبهذا قال الله جل وعلا: {أية : لوْ كانَ فِيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا}، تفسير : وقال: {أية : إذاً لذهب كل إله بما خَلَق}، تفسير : ولو تعدد وأراد كل منهما ما أراد الآخر فهذه المصنوعات إن كانت مصنوعة لهما، كل جزء مصنوع لهما معاً، لزم اجتماع فاعلين على فعل واحد وهو محال، وإن كانت مصنوعة لأحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح ولزم عجز الآخر عما أراد، والعجز ينافى الألوهية والألوهية تقتضى القدرة التامة على كل شئ، وهذا طرف من علم الكلام، والآية من حيث بنائها عليه تدل على شرف علم الكلام وأهله والحث عليه، وكذا مثلها كقوله عز وجل: {لو كان فيهما}، وقوله: {إذاً لذهب}، وأما التفصيل فيأتى فى تفسير الآية، فإن علو السماوات وعظمها ووقوفها بلا علاقة، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم ظاهر وعلى جوده وكمال قدرته. وكذلك مد الأرض وغلظها وكبرها وجبالها وعيونها وبحورها ومعادنها، وأشجارها وثمارها ونباتها. وإنما جمع السماء وأفرد الأرض لأن كل سماء أفضل من السماء (التى) تحتها فى ذاتها، ومخالفة لها بالحقيقة، فإن بعضا موج مكفوف، وبعضاً فضة، وبعضاً ذهب وغير ذلك، بخلاف الأرض فإنهن من جنس واحد مستو وهو التراب، فناسب فيهن الإفراد لفظاً، ولو كان المراد جنس الأرض أو ناسب ذكر الأرض الواحدة المشاهدة فقياس عليها غيرها، وأيضا لم يجمع الأرض لثقل وهو أرضون وأراض، وقالت الحكماء الأرض طبقة واحدة لا سبع أرضين، فلذلك على هذا لم تجمع بخلاف السماء، والحق أنهن سبع أيضاً كما يدل عليهِ القرآن أنهن سبع وأن غلظ كل واحدة خمسمائة عام، وبينها وبين ما تحتها خمسمائة عام، وقدم السماوات لأنهن أفضل بالوحى والملائكة والعرش والكرسى والجنة والعبادات الكثيرة التى لا يفتر عنها. {واختِلافِ اللَّيل والنَّهارِ}: بالظلمة والنور. والذهاب والمجئ. والزيادة والنقصان، والطول والقصر اللازمين عن الزيادة والنقصان، والإراحة فى الليل بالنوم، والكف عن العمل، والإقدار عن العمل نهاراً، وذلك هو الآية فى اختلاف الليل والنهار، وذلك كقوله عز وجل: {أية : فمحونا آيةَ الليْل وجعَلْنا آية النَّهار مُبْصرة}،تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {أية : لِتسْكُنوا فيه ولتَبتغُوا من فَضْله}،تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {أية : وجَعَل لكُم اللَّيل لباساً والنَّوم سباتاً}،تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {أية : جَعَل اللَّيلَ والنَّهار خِلْفَةً}،تفسير : وقوله: {أية : يُولج اللَّيل فى النَّهار ويُولج النَّهارَ فى اللَّيل}،تفسير : وقدم الليل لأن الظلمة أصل والنور عارض فيها بالشمس والقمر والنيرات، والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقتضى بذلك قول النبى، صلى الله عليه وسلم، لعدى بن حاتم: "حديث : إنما هو بياض النهار وسواد الليل"، تفسير : وقيل النهار من انتشار ضوء الشمس فى الطرق قبل ظهورها إلى غروبها، وقال الزجاج: أول النهار ذرور الشمس، وقال النظر بن شميل: أوله ابتداء طلوعها فى أفق السماء فى الجانب الغربى، وما ذكره النبى، صلى الله عليه وسلم، هو الحق، واختلفوا فى الإيمان فقيل ترجع إلى النوى وقيل إلى العرف. وقيل إلى اللغة. {والفُلْكِ}: عطف على خلق فى قوله جل وعلا: {إنَّ فى خَلْق السَّماوات}، لا على السماوات، لأن المراد هنا الاستدلال بنفس الفلك لا بخلقها. {الَّتى تَجْرى فى البَحْر}: الفلك واحدة السفن وأل فيه للجنس، فيشتمل كل سفينة فهى للحقيقة أو للاستغراق، ويجوز أن يكون جميعاً للفلك التى هى واحدة، فإنه لفظ يستعمل للمفرد والجمع، فضمة فائه وسكون لامه مفرداً غيرهما إذا كان جمعاً، ويجوز أن يكون الفلك بإسكان اللام مخفف فلك بضمها كالفاء، والفلك بضمهما جمع فلك بفتحهما أو مفرد. فإن الفلك أيضا بضمتين يستعمل جمعاً ومفرداً، وضمتاه حال الجمع غيرهما حالة الإفراد وذلك هو التحقيق، وليس كما قيل إنما توافق فى المفرد وجمعه من حركة وسكون هو شئ واحد، وقرئ والفلك (بضم الفاء واللام) وعلى الجمعية فى ذلك فالإفراد فى التى، وتجرى بتأويل الجماعة، وعلى الإفراد، فالتأنيث فى التى تجرى، لأن الفلك الواحد بمعنى السفينة، ووجه الدلالة فى الفلك أنها مع ثقلها بنفسها ومما حمل فيها، أو بما ملئت به تجرى فى الماء، ولا تغرق فيه مع رقته ولطافته، وقوة الموج وهيجانه، وتجرى بالريح مقبلة ومدبرة، ولم يذكر الدلالة بالبحر مع أنه عجيب، بل بالسفينة لأن جريان السفينة فيه مع ذلك بالريح أعجب، ولأن السفينة سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه، وفى ضمن ذلك استدلال بالبحر، إذ حمل السفينة مع ذلك، وسمى بحراً لاتساعه، وتقدم كلام فى ذلك، وقدم البحر والسفينة على ذكر المطر والسحاب لأنهما ينشآن من البحر غالبا. {بما يَنْفعُ النَاسَ}: يتعلق بحال محذوفة جوازاً لأنها كون خاص، أى تجرى فى البحر موقورة بما ينفع الناس من الطعام والشراب واللباس وغير ذلك، ومعنى موقورة محملة جميع ما تسعه، والباء للآلة أو للتعدية، ويجوز أن تقدر مصحوبة بما ينفع الناس، فالباء الحال كقوله: أتى بمال، وما اسم موصول أو نكرة موصوفة على تلك الأوجه، وضمير ينفع عائد عليها ويجوز أن تكون الباء سببية متعلقة بتجرى، وما حرف مصدرى، وفاعل ينفع ضمير عائد إلى الجرى المفهوم من تجرى، أو إلى الفلك على أنه مفرد جائز التذكير، بل أصله التذكير، وإنما أنث للتأويل بالسفينة، فذكر نظراً للأصل لأنه مركب، ورد تذكيره وتأنيثه عن العرب لذلك أو لغيره، وأنث فى التى وتجرى نظراً للتأويل، أى ينفع الناس. ونفعهم يكون بالركوب، وحمل ما أرادوا للأكل أو للتجارة أو لغير ذلك، وذلك النفع آية عظيمة إذ خلق فى كل قطر ما لم يخلق فى الأخرى، وأحوج أهل كل قطر إلى ما عند أهل القطر الآخر، وجعل ذلك سبباً يقتحمون به خطر ركوب البحر. قال العلامة الأندلسى يحيى الشريفى المنسوب إلى قرية فى الأندلس تسمى شرف: شعر : قد يحسد الكلب فوق البحر راكبه والكلب من جوعه يستلحس الدبرا تفسير : {وما أنزلَ اللهُ مِن}: للابتداء. {السّماء مِنْ}: للبيان، {ماءٍ}: السماء واحد السمٰوات السبع وهى الأولى أو الدنيا أو الجنس. لأنه إذا قلنا إنهُ ينزل من الجنة أو من تحت العرش، فإنه يخرقهن، أو المراد السحاب، لأن كل ما علاك فهو سماء لك، أو المراد جهة العلوى لأنها فوقك. الماء المطر، خلق الله تبارك وتعالى الماء فى السماء الدنيا، ومنه ينزل إلى السحاب ثم منه إلى الأرض، وقيل من الجنة أو من تحت العرش، قيل السحاب من شجرة مثمرة فى الجنة والمطر من بحر تحت العرش، وقيل خلق فى السحاب، وهو مسمى باسم السماء، وقيل يطلع من البحر فيعذب فى الهواء، وهو قول الحكماء وبعض العرب، وتقدم كلام فى ذلك. {فأحْيا بهِ الأرضَ بَعْد مَوْتها}: شبه يبسها وعدم التولد منها بالموت وحاله، وشبه إنزال الماء عليها والإنبات منها بإحياء ميت، والآية فى ذلك إحياء الناس والدواب والنبات به، ونفع الخلق به، ونزوله بقدر الحاجة لا نزولا مغرقا، ونزوله عند الاستسقاء والدعاء، ونزوله فى مكان دون مكان {وبَثَّ}: فرق. {فيها من كلِّ دابَّة}: أى فرق ونشر فيها جماعة من كل نوع من أنواع الدابة، فمفعول بث محذوف تقديره جماعة أو فرقة، أو إفرادا. والدابة: الجنس. قال ابن عباس: يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، وذلك أن الدواب ينمون بالخصب والمطر، ويعيشون، ووجه الآية أنزل الماء الذى لا يتماسك من جهة العلو وتكوين النبات به، وعمارة الأرض بالحيوان بسبب الماء والنبات، وتأثير الماء والنبات فى الحيوان كله مع اختلاف أنواعه وألوانه وصفاته وأشكاله وطبائعه وأصواته، ورجوع كل نوع إلى أصل واحد كالناس إلى دم والجمال والنوق إلى أصلهما، وجملة (بث) معطوفة على جملة أنزل الله، أو جملة (أحيا به) إن لم نجعل (ما) موصولا اسمياً حرفيا، فلا يحتاج إلى عائد فى صلته فضلا عن أن يحتاج إليه فيما عطف على صلته، والمعنى على كونها حرفية وإنزال الله من السماء شيئاً من ماء فأحياؤه به الأرض بعد موتها، ونشره فيها إفراد كل نوع من أنواع الدواب، وإن جعلنا ما اسما لم يصح عطف بث على أنزل الله، لأن الله صلة وعائدها محذوف منصوب، أى وما أنزل لله، والمعطوف على الصلة صلة فيحتاج لعائد، كما احتاجت الصلة المعطوف عليها ولا عائد فيها فلم يصح عطفها على الصلة، وإن قلت: تقديره وبث به أى أنزل من الماء بدليل فأحيا به. قلت: لا يجوز لأنك قدرته مجروراً، وشرط تقديره مجروراً كون الموصول مجروراً بمثل جاره متعلقاً بمثل متعلقه، وهذا الشرط غير موجود هنا، اللهم إلا إن اغتفر فى التابع ما لم يغتفر فى المتبوع، والكلام فى عطفه على (أحيا) كذلك، لأن (أحيا) معطوف على أنزل الله فكأنه صلة، ولذا ربط بالهاء من به، والمعطوف على ما عطف على الصلة كالمعطوف على الصلة، واختار أبو حيان أن يكون المعطوف موصولا محذوفاً يعطف على الموصول، أى ما بثه فيها من كل دابة لفهم المعنى ولزيادة الفائدة وهو جعله آية مستقلة، قال وحذف الموصول شائع فى كلام العرب، قال ابن هشام: أجاز الكوفيون والأخفش وابن مالك حذفه، واشترط فى بعض كتبه عطفه على موصول مذكور، وإذا كان العطف لبثٍّ على (أحيا) فالاستدلال يكون بأل الدواب تنمو بالخصب وتعيش بالمطر، وإذا كان على (أنزل) فنزول المطر وتولد النبات به ونشر الحيوانات. {وتَصْريفِ الرِّياحِ}: تقليبها من موضع إلى آخر، ومن حال إلى أخرى كحرارة إلى برودة وبرودة إلى حرارة، ومن لين إلى شدة، ومن شدة إلى لين، ومن عقم، إلى لقح ومن لقح إلى عقم، ومن رحمة لعذاب، ومن نصر لإذلال، ومن إذلال لنصر، ومن عذاب لرحمة، وسميت ريحاً لأنها تريح. أعنى تزيل ضيقاً من هَمّ أو من حرارة أو غير ذلك، لأنها من الترويح بالواو، وإنما قيل رياح بالياء بكسر الراء فلا يقال أرياح لزوال الكسرة، بل أرواح، واستعمل عمارة بن عقيل ابن بلال بن جرير الأرياح فى شعره ولحن فى ذلك، وقال له أبو حاتم إن الأرياح لا يجوز، فقال: أما تسمع قولهم أرياح. فقال أبو حاتم: هذا خلاف ذاك، فقال: صدقت ورجع. قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح، قيل ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم، أو إسقام صحيح، قيل البشارة فى ثلاث: رياح ريح الصبا وريح الشمال وريح الجنوب، وأما ريح الدبور فهى الريح العقيم التى أهلكت بها عاد، فلا بشارة فيها، قال الشيخ هود: الجنوب فيما بلغنا من مطلع الشمس إلى مطلع سهيل، والشمال من مغرب الشمس إلى بنات نعش، والصبا من بنات نعش إلى مطلع الشمس، والدبور من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل. انتهى. وقيل القبول وهى الصبا من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور تقابلها، والشمال هى التى تهب من جانب القطب، والجنوب تقابلها والريح التى تأتى من غير مهب صحيح تسمى نكباء، وجاءت الريح فى القرآن جمعاً فى الرحمة مفردة مع العذاب إلا قوله تعالى: {أية : وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : وإنما أفردت فيه مع أنها رحمة، لأن الريح اللائقة بالسفن هى الواحدة المتصلة من جانب واحد، وذلك أغلب وقوع الريح، والرياح فى سائر الكلام، وكان، صلى الله عليه وسلم، إذا هبت ريح يقول: "حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" تفسير : وذلك أن ريح الرحمة تجئ متقطعة لينة من ها هنا وها هنا، وريح العذاب متصلة ملتئمة من جهة واحدة، كأنها جسم واحد، والاستدلال بتصريف الرياح أن الريح جسم لطيف لا جسم ألطف منه غير الهواء، أعنى الجو، لا يمكن أن تمسكها أولا تراها، ولا أن تحبسها فى موضع، ومع ذلك تقلع الشجر الغليظ والصخر والبناء القوى المحكم، ويصرفها الله جل وعلا كصرفك ما بك، وإن قلت فإنى أراها. قلت: الذى تراه هو ما حملته من تراب لا هى، ومع ذلك لو أمسكها الله طرفة عين لمات كل ذى روح، وأنتن ما على وجه الأرض، وأنتنت الأرض. وقرأ حمزة والكسائى وتصريف الريح بالإفراد، وكذا قرأ فى الكهف والجاثية. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائى فى الأعراف والنمل، والثانى من الروم وفاطر بالإفراد، والباقون بالجمع وحمزة فى الحجر بالإفراد والباقون بالجمع، ونافع فى إبراهيم والشورى بالجمع والباقون بالإفراد. {والسَّحاب المسَخَّر بيْن السَّماء والأرض}: عطف على خلق، أى وفى السحاب المسخر، أو على الرياح، أى وتصريف السحاب، وسمى سحاباً لسحبه فى الهواء، وقيل بحر بعضه بعضاً، والمسخر المذلل، سحره الله جل وعلا للرياح تذهب به حيث شاء الله، ويمطر حيث شاء الله، أو سخره الله تعالى فتماسك مع أن طبعه إما أن ينزل أو يصعد أو ينكشف، لأن الشئ إذا كان متضاما كثيفا فطبعه النزول، وإن لطف وخف جدا اقتضى طبعه الصعود، وإن توسط بين ذلك تفرق للجوانب وزال عن موضعه والآية فى ذلك أن السحاب مع حمله المياه العظيمة التى تسيل بها الأودية تتعلق بين السماء والأرض، ويسير بسرعة كالشئ المسحوب. {لآياتٍ}: دلائل على وجود الله تعالى وكمال قدرته، وجمع آية على سبيل التوزيع، أى فى كل واحد من ذلك آية أو جمعها لأن فى كل واحد من ذلك آيات كثيرة لكن بحيث يجوز أن تسمى آية واحدة كما فى الوجه الأول. {لِقومٍ يَعْقلونَ}: يدركون الحق بعقولهم لتفكرهم بعقولهم واستعمالهم إياها، فيوقنون أن لهذه الصنعة صانعاً قادراً كل القدرة سبحانه وتعالى. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها" تفسير : أى لم يتفكر فيها، شبه سماعها بدون أن تدخل إلى القلب بإدخال شئ فى الفم حلو مرغوب فيه بدون أن يسوغه لبطنه، بل أخرجه ورمى به.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ} أخرج البيهقي عن أبـي الضحى ـ معضلاً ـ أنه كان للمشركين حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت. ولفرط جهلهم لم يكفهم الحجة الإجمالية المشير إليها الوصفان، وإنما جمع السمٰوات وأفرد الأرض للانتفاع بجميع أجزاء الأولى باعتبار ما فيها من نور كواكبها وغيره دون الثانية فإنه إنما ينتفع بواحدة من آحادها ـ وهي ما نشاهده منها ـ وقال أبو حيان: لم تجمع الأرض لأن جمعها ثقيل وهو مخالف للقياس، ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد، وجمع لم يقع مفرده ـ كالألباب ـ وفي «المثل السائر» نحوه، وقال بعض المحققين: جمع السمٰوات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [البقرة: 29] سواء كانت متماسة ـ كما هو رأي الحكيم ـ أو لا كما جاء/ في الآثار ـ أن بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام ـ مختلفة الحقيقة لما أن الاختلاف في الآثار المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } تفسير : [فصلت: 12] يدل عليه، ولم يجمع الأرض لأن طبقاتها ليست متصفة بجميع ذلك فإنها، سواء كانت متفاصلة بذواتها، كما ورد في الأحاديث ـ من أن بين كل أرضين كما بين كل سماءين ـ أو لا تكون متفاصلة ـ كما هو رأي الحكيم ـ غير مختلفة في الحقيقة اتفاقاً. {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي تعاقبهما وكون كل منهما خلفاً للآخر، أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً، أو ظلمة ونوراً، وقدم الليل لسبقه في الخلق أو لشرفه. {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ} عطف على {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} لا على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أو عطف على {ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}، {وَٱلْفُلْكِ} من الألفاظ التي استعملت مفرداً وجمعاً، وقدر بينهما تغاير اعتباري، فإن اعتبر أن ضمته أصلية كضمة ـ قفل ـ فمفرد، وإن اعتبر أنها عارضة كضمة ـ أسد ـ فجمع، ومن الأول: قوله تعالى: {أية : فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ }تفسير : [يسۤ: 41] ومن الثاني: قوله تعالى: {أية : إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] وقيل: إنه جمع فلك ـ بفتح الفاء وسكون اللام ـ وقيل: إنه اسم جمع، وزعم بعضهم أنه قرىء {فَلَك} بضمتين وهو عند بعض مفرد لا غير. وقال الكواشي: الفلك والفلك ـ بضمتين ـ لغتان الواحد والجمع سواء في اللفظ، ويعرف ذلك بجمع ضمير فعلهما وإفراده. {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} (ما) إما مصدرية أي ـ بنفعهم ـ أو موصولة أي ـ بالذي ينفعهم ـ وعلى الأول: ضمير الفاعل إما ـ للفلك ـ لأنه مذكر اللفظ مؤنث المعنى ـ كما قيل ـ أو ـ للجري ـ أو ـ للبحر ـ واحتمال كونها موصوفة لا يلائمه مقام الاستدلال. {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن مَّاء} عطف على {ٱلْفُلْكِ} وقيل: وتأخيره عن ذكرها مع كونه أعم منها نفعاً لما فيه من مزيد تفضيل، وقيل: المقصود من الأول الاستدلال بالبحر وأحواله لا بالفلك الجاري فيه لأن الاستدلال بذلك إما بصنعته على وجه يجري في الماء، أو العلم بكيفية إجرائه، أو ـ بتسخير الريح والبحر ـ لذلك، أو توسله إلى ما ينفع الناس وشيء منها ليس من حاله في نفسه، ولأن الاستدلال ـ بالفلك الجاري في البحر ـ استدلال بحال من أحوال البحر بخلاف ما لو استدل بالبحر وجميع أحواله فإنه أعم وأليق بالمقام، إلا أنه خص الفلك بالذكر مع أن مقتضى المقام حينئذٍ أن يقال: والعجائب التي في البحر ـ لأنه سبب الاطلاع على أحواله وعجائبه ـ فكان ذكره ذكراً لجميع أحواله، وطريقاً إلى العلم بوجوه دلالته، ولذلك قدم على ذكر ـ المطر والسحاب ـ لأن منشأهما البحر في غالب الأمر، وإلا فالمناسب بعد ذكر اختلاف الليل والنهار الذي هو من الآيات العلوية ذكر ـ المطر والسحاب ـ اللذين هما من كائنات الجو وعدم نظم الفلك في البين لكونها من الآيات السفلية. وعندي أن هذا خلاف الظاهر جداً ـ وإن جل قائله ـ إذ يؤول المعنى إلى ـ والبحر الذي تجري فيه الفلك بما ينفع الناس ـ وهو قلب للنظم الكريم بغير داع إليه ولا دليل يعوّل عليه، وأي مانع من كون الاستدلال باختلاف الفلك وذهابها مرة كذا ومرة كذا على حسب ما تحركها المقادير الإلۤهية، أو بالفلك الجارية في البحر من حيث إنها جارية فيه موقرة مقبلة ومدبرة، متعلقة بحبال الهواء على لطفه، وكثافتها لا ترسب إلى قاع البحر مع تلاطم أمواجه واضطراب لججه، وكون شيء من ذلك ليس حالاً لها في نفسها غير مسلم، ووجه الترتيب ـ على ما أرى ـ أنه سبحانه ذكر أولاً: خلق أمرين علوي وسفلي، واختلاف شيئين بمدخلية أمرين سماوي وأرضي ثانياً: إذ تعاقب الليل والنهار أو اختلافهما/ ازدياداً وانتقاصاً أو ظلمة ونوراً إنما هو بمدخلية سير الفلك وحيلولة جرم الأرض على كيفيتين مخصوصتين، ثم عقب ذلك بما يشبه آيتي الليل والنهار السابح كل منهما في لجة بحر فلكه الدوار المسخر بالجريان فيه ذهاباً وإياباً بما ينفع الناس في أمر معاشهم وانتظام أحوالهم، وهو الفلك التي تجري على كبد البحر بذلك، ويختلف جريانها شرقاً وغرباً على حسب تسليك المقادير الإلۤهية لها في هاتيك المسالك، فالآية حينئذٍ على حد قوله تعالى: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ * لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ }تفسير : [يسۤ: 37ـ41] إلا أن الفرق بين الآيتين أن الآيتين في الثانية ذكرتا متوسطتين صريحاً بين حديث الفلك وشأن الليل والنهار، وفي الأولى تقدم ما يشعر بهما ويشير إليهما، ثم عقب ذلك بما يشترك فيه العالم العلوي والعالم السفلي، وله مناسبة لذكر البحر بل ولذكر الفلك التي تجري فيه بما ينفع الناس وهو إنزال الماء من السماء ونشر ما كان دفيناً في الأرض بالإحياء، وفي ذلك النفع التام والفضل العام. و (من) الأولى: ابتدائية والثانية: بيانية، وجوّز أن تكون تبعيضية وأن تكون بدلاً من الأولى، والمراد من السماء جهة العلو، وقد تقدم تحقيق ذلك. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} بتهييج قواها النامية، وإظهار ما أودع فيها من أنواع النبات والأزهار والأشجار {بَعْدَ مَوْتِهَا} وعدم ظهور ذلك فيها لاستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ} عطف إما على {أَنَزلَ } والجامع كون كل منهما آية مستقلة لوحدانيته تعالى وهو الغرض المسوق له الكلام مع الاشتراك في الفاعل، و (أحيا) من تتمة الأول كان الاستدلال بالإنزال المسبب عنه الإحياء فلا يكون الفصل به مانعاً للعطف، إما على (أحياء) فيدخل تحت فاء السببية، وسببية إنزال الماء للبث باعتبار أن الماء سبب حياة المواشي والدواب ـ والبث ـ فرع الحياة، ولا يحتاج إلى تقدير الضمير للربط لإغناء فاء السببية عنه في المشهور، وقيل: يحتاج إلى تقدير به ـ أي بالماء ـ ليشعر بارتباطه بأنزل استقلالاً كأحيا وفاء السببية لا تكفي في ذلك إذ يجوز أن يكون السبب مجموعهما، وحديث أن المجرور إنما يحذف إن جر الموصول بمثله أكثري لا كلي، و{مِن} بيانية على التقدير الأول على الصحيح، والمراد من {كُلّ دَابَّةٍ} كل نوع من الدواب، ومعنى ـ بثها ـ تكثيرها بالتوالد والتولد، فالاستدلال بتكثير كل نوع مما يدب على الأرض وعدم انحصاره في البعض، وقيل: تبعيضية لأن الله تعالى لم يبث إلا بعض الأفراد بالنسبة إلى ما في قدرته، على أنه أثبت الزمخشري دواب في السماء أيضاً في سورة {أية : حـم * عسق }تفسير : [الشورى: 1ـ2]، وفيه أن بث كل نوع مما يدب على الأرض لا ينافي كون بعض أفراده مقدراً ولا وجوده في السماء، على أن مدلول التبعيضية كون شيء جزءاً من مدخولها لا فرداً منه، وزائدة على التقدير الثاني لعدم تقدم المبين، وعدم صحة التبعيض، وهي زيادة في الإثبات لم يجوزها سوى الأخفش. {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَـٰحِ} أي تقليب الله تعالى لها جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقيماً ولواقح، وتارة بالرحمة ومرة بالعذاب، وقرأ حمزة والكسائي (الريح) على الإفراد وأريد به الجنس، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ الرياح ـ للرحمة والريح للعذاب، وروي أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت ريح قال: «حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً»تفسير : ولعله قصد بالأول والثاني قوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } تفسير : [الروم: 46] وقوله تعالى: {أية : وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ }تفسير : [الذاريات: 41]/ وعقب إحياء الأرض بالمطر، وبث كل دابة فيها بتصريف الرياح لأن في ذلك تربية النبات وبقاء حياة الحيوانات التي تدب على وجه الأرض ولو أمسك الله تعالى الريح ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض كما نطق به بعض الآثار. {وَٱلسَّحَابِ} عطف على ما قبله، وهو اسم جنس واحده سحابة سمي بذلك لانسحابه في الجو أو لجر الرياح له {ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَاء وَٱلارْضِ} صفة ـ للسحاب ـ باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كـ {أية : سَحَابًا ثِقَالاً }تفسير : [الأعراف: 57]، و(بين) ظرف لغو متعلق بالمسخر ومعنى تسخيره أنه لا ينزل ولا يزول مع أن الطبع يقتضي صعوده إن كان لطيفاً وهبوطه إن كان كثيفاً، وقيل: الظرف مستقر وقع حالاً من ضمير المسخر ومتعلقه محذوف أي المسخر للرياح حيث تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى، وتعقيب تصريف الرياح بالسحاب لأنه كالمعلول للرياح كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً }تفسير : [الروم: 48] ولأن في جعله ختم المتعاطفات مراعاة في الجملة لما بدىء به منها لأنه أرضي سماوي فينتظم بدء الكلام وختمه، وبما ذكرنا علم وجه الترتيب في الآية، وقال بعض الفضلاء: لعل تأخير تصريف الرياح وتسخير السحاب في الذكر عن جريان الفلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجي للإشعار باستقلال كل من الأمور المعدودة في كونها آية ولو روعي الترتيب الخارجي لربما توهم كون المجموع المرتب بعضه على بعض آية واحدة، ولا يخفى أنه يبعد هذا التوهم ظاهر قوله تعالى: {لاَيَـٰتٍ} اسم (إن) دخلته ـ اللام ـ لتأخره عن خبرها والتنكير للتفخيم كماً وكيفاً أي آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الإلۤهية به سبحانه. {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي يتفكرون، فالعقل مجاز عن التفكر الذي هو ثمرته، أخرج ابن أبـي الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال: «حديث : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»تفسير : وفيها تعريض بجعل المشركين الذين اقترحوا على النبـي صلى الله عليه وسلم آية تصدقه وتسجيل عليهم بسخافة العقول، وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجد كلاً منها مشتملاً على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفاته الكمالية الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى واستغنى عن سائرها، ومجمل القول في ذلك أن كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاص من الوجوه الممكنة دون ما عداه مستتبعاً لآثار معينة، وأحكام مخصوصة من غير أن تقتضي ذاته وجوده فضلاً عن وجوده على النمط الكذائي فإذاً لا بد له من موجد لامتناع وجود الممكن بلا موجد قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، حكيم عالم بحقائق الأشياء وما فيها من المفاسد والمصالح يوجده حسبما يستدعيه علمه بما فيه من المصلحة وتقتضيه مشيئته، متعال عن مقابلة غيره إذ لو كان معه واجب يقدر على ما يقدر الحق تعالى عليه فإن وافقت إرادة كل منهما إيجاده على وجه مخصوص أراده الآخر فالتأثير إن كان لكل منهما لزم اجتماع فاعلين على أثر واحد وهو يستلزم اجتماع العلتين التامتين، وإن كان الفعل لأحدهما لزم ترجيح الفاعل من غير مرجح لاستوائهما في إرادة إيجاده على الاستقلال، وعجز الآخر لما أن الفاعل سد عليه إيقاع ما أراده، وإن اختلفت الإرادتان بأن أراد أحدهما وجوده على نحو، وأراد الآخر وجوده على نحو آخر لزم التمانع والتطارد لعدم المرجح فيلزم عجزهما والعجز مناف للألوهية بديهة، وفي الآية إثبات الاستدلال بالحجج العقلية وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله وربما أشارت إلى شرف علم الهيئة.
ابن عاشور
تفسير : موقع هاته الآية عقب سابقتها موقع الحجة من الدعوى، ذلك أن الله تعالى أعلن أن الإله إله واحد لا إله غيره وهي قضية من شأنها أن تُتلقى بالإنكار من كثير من الناس فناسب إقامة الحجة لمن لا يقتنع فجاء بهذه الدلائل الواضحة التي لا يسع الناظر إلاّ التسليم إليها. فإن هنا لمجرد الاهتمام بالخبر لِلَفْت الأنظار إليه، ويحتمل أنهم نُزلوا منزلة من ينكر أن يكون في ذلك آيات (لقوم يعقلون) لأنهم لم يجروا على ما تدل عليه تلك الآيات. وليست {إن} هنا بمؤذنة بتعليل للجملة التي قبلها لأن شرط ذلك أن يكون مضمون الجملة التي بعدها صالحاً لتعليل مضمون التي قبلها بحيث يكون الموقع لفاء العطف فحينئذٍ يغني وقوع (إن) عن الإتيان بفاء العطف كما ذكره الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» وقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى: { أية : اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم } تفسير : [البقرة: 61]. والمقصود من هاته الآية إثبات دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته ولذلك ذكرت إثر ذكر الوحدانية لأنها إذا أثبتت بها الوحدانية ثبت الوجود بالضرورة. فالآية صالحة للرد على كفار قريش دُهريهم ومشركهم والمشركون هم المقصود ابتداء، وقد قرر الله في هاته الآية دلائل كلها واضحة من أصناف المخلوقات وهي مع وضوحها تشتمل على أسرار يتفاوت الناس في دركها حتى يتناول كل صنف من العقلاء مقدار الأدلة منها على قدر قرائحهم وعلومهم. والخلق هنا بمعنى المصدر واختير هنا لأنه جامع لكل ما فيه عبرة من مخلوقات السماوات والأرض، وللعبرة أيضاً في نفس الهيئة الاجتماعية من تكوين السماوات والأرض والنظام الجامع بينها فكما كل مخلوق منها أو فيها هو آية وعبرة فكذلك مجموع خلقها، ولعل الآية تشير إلى ما يعبر عنه في علم الهيئة بالنظام الشمسي وهو النظام المنضبط في أحوال الأرض مع الكواكب السيارة المعبر عنها بالسماوات. و{السموات} جمع سماء والسماء إذا أطلقت مفردة فالمراد بها الجو المرتفع فوقنا الذي يبدو كأنه قبة زرقاء وهو الفضاء العظيم الذي تسبح فيه الكواكب وذلك المراد في نحو قوله تعالى: { أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } تفسير : [الملك: 5]، { أية : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } تفسير : [الصافات: 6]، { أية : وأنزل من السماء ماء } تفسير : [البقرة: 22]. وإذا جمعت فالمراد بها أجرام عظيمة ذات نظام خاص مثل الأرض وهي السيارات العظيمة المعروفة والتي عرفت من بعد والتي ستعرف: عطارد والزهرة والمريخ والشمس والمشتري وزحل وأرانوس ونبتون. ولعلها هي السموات السبع والعرش العظيم، وهذا السر في جمع (السموات) هنا وإفراد (الأرض) لأن الأرض عالم واحد وأما جمعها في بعض الآيات فهو على معنى طبقاتها أو أقسام سطحها. والمعنى إن في خلق مجموع السموات مع الأرض آيات، فلذلك أفرد الخلق وجعلت الأرض معطوفاً على السموات ليتسلط المضاف عليهما. والآية في هذا الخلق {لقوم يعقلون} آية عظيمة لمن عرف أسرار هذا النظام وقواعد الجاذبية التي أودعها الله تعالى في سير مجموع هاته السيارات على وجه لا يعتريه خلل ولا خرق { أية : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } تفسير : [يس: 40]، وأعظم تلك الأسرار تكوينها على هيئة كرية قال الفخر كان عمر بن الحسام يقرأ «كتاب المجسطي» على عمر الأبهري فقال لهما بعض الفقهاء يوماً ما الذي تقرءونه فقال الأبهري أفسِّر قوله تعالى: { أية : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } تفسير : [ق: 6] فأنا أفسر كيفية بنائها ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار المخلوقات كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته اهــــ. قلت ومن بديع هذا الخلق أن جعله الله تعالى يمد بعضه بعضاً بما يحتاجه كل فلا ينقص من الممدِّ شيء، لأنه يُمده غيرهُ بما يُخلف له ما نقص، وهكذا نجد الموجودات متفاعلة، فالبحر يمد الجو بالرطوبة فتكون منه المياه النازلة ثم هو لا ينقص مع طول الآباد لأنه يمده كل نهر وواد. وهي آية لمن كان في العقل دون هاته المرتبة فأدرك من مجموع هذا الخلق مشهداً بديعاً في طلوع الشمس وغروبها وظهور الكواكب في الجو وغروبها. وأما الاعتبار بما فيها من المخلوقات وما يحف بها من الموجودات كالنجوم الثوابت والشهب وما في الأرض من جبال وبحار وأنهار وحيوان فذلك من تفاريع تلك الهيئة الاجتماعية. وقوله: {واختلاف الليل والنهار} تذكير بآية أخرى عظيمة لا تخفى على أحد من العقلاء وهي اختلاف الليل والنهار أعني اختلاف حالتي الأرض في ضياء وظلمة، وما في الضياء من الفوائد للناس وما في الظلمة من الفوائد لهم لحصول سكونهم واسترجاع قواهم المنهوكة بالعمل. وفي ذلك آية لخاصة العقلاء إذ يعلمون أسباب اختلاف الليل والنهار على الأرض وأنه من آثار دوران الأرض حول الشمس في كل يوم ولهذا جعلت الآية في اختلافهما وذلك يقتضي أن كلاً منهما آية. والاختلاف افتعال من الخلف وهو أن يجيء شيء عوضاً عن شيء آخر يخلفه في مكانه والخلفة بكسر الخاء الخلف قال زهير: شعر : «بها العين والآرام يمشين خلفة» تفسير : وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار لأن كل واحد منهما يخلف الآخر فتحصل منه فوائد تعاكس فوائد الآخر بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضرراً { أية : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَنْ إلٰهٌ غير اللَّه يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مَنْ إلٰهٌ غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تُبْصرون } تفسير : [القصص: 71، 72]. وللاختلاف معنى آخر هو مراد أيضاً وهو تفاوتهما في الطول والقصر فمرة يعتدلان ومرة يزيد أحدهما على الآخر وذلك بحسب أزمنة الفصول وبحسب أمكنة الأرض في أطوال البلاد وأعراضها كما هو مقرر في علم الهيئة، وهذا أيضاً من مواضع العبرة لأنه آثار الصنع البديع في شكل الأرض ومساحتها للشمس قرباً وبعداً. ففي اختيار التعبير بالاختلاف هنا سر بديع لتكون العبارة صالحة للعبرتين. والليل اسم لعرض الظلمة والسواد الذي يعم مقدار نصف من كرة الأرض الذي يكون غير مقابل للشمس فإذا حجب قرص الشمس عن مقدار نصف الكرة الأرضية بسبب التقابل الكروي تقلص شعاع الشمس عن ذلك المقدار من الكرة الأرضية فأخذ النور في الضعف وعادت إليه الظلمة الأصلية التي ما أزالها إلاّ شعاع الشمس ويكون تقلص النور مدرجاً من وقت مغيب قرص الشمس عن مقابلة الأفق ابتداء من وقت الغروب ثم وقت الشفق الأحمر ثم الشفق الأبيض إلى أن يحلك السواد في وقت العشاء حين بعد قرص الشمس عن الأفق الذي ابتدأ منه المغيب، وكلما اقترب قرص الشمس من الأفق الآخر أكسبه ضياء من شعاعها ابتداء من وقت الفجر إلى الإسفار إلى الشروق إلى الضحى، حيث يتم نور أشعة الشمس المتجهة إلى نصف الكرة تدريجاً. وذلك الضياء هو المسمى بالنهار وهو النور التام المنتظم على سطح الكرة الأرضية وإن كان قد يستنير سطح الكرة بالقمر في معظم لياليه استنارة غير تامة، وبضوء بعض النجوم استنارة ضعيفة لا تكاد تعتبر. فهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار أي تعاقبهما وخلف أحدهما الآخر، ومن بلاغة علم القرآن أن سمى ذلك اختلافاً تسمية مناسبة لتعاقب الأعراض على الجوهر لأنه شيء غير ذاتي فإن ما بالذات لا يختلف فأومأ إلى أن الليل والنهار ليسا ذاتين ولكنهما عرضان خلاف معتقد الأمم الجاهلة أن الليل جسم أسود كما صوره المصريون القدماء على بعض الهياكل وكما قال امرؤ القيس في الليل: شعر : فقلتُ له لما تمطى بصُلبه وأردفَ أعجازاً ونَاءَ بكلكل تفسير : وقال تعالى في سورة الشمس: { أية : والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها } تفسير : [الشمس: 3 ــــ 4]. وقوله: {والفلك} عطف على {خلق} و{اختلاف} فهو معمول لفي أي وفي الفلك، ووصفها بالتي تجري الموصول لتعليل العطف أي إن عطفها على خلق السماوات والأرض في كونها آية من حيث إنها تجري في البحر، وفي كونها نعمة من حيث إنها تجري بما ينفع الناس، فأما جريها في البحر فهو يتضمن آيتين، إحداهما آية خلق البحر الذي تجري فيه الفلك خلقاً عجيباً عظيماً إذ كان ماء غامراً لأكثر الكرة الأرضية وما فيه من مخلوقات وما ركب في مائه من الأملاح والعقاقير الكيمياوية ليكون غير متعفن بل بالعكس يخرج للهواء أجزاء نافعة للأحياء على الأرض، والثانية آية سير السفن فيه وهو ماء من شأنه أن يتعذر المشي عليه فجري السفن آية من آيات إلهام الله تعالى الإنسان للتفطن لهذا التسخير العجيب الذي استطاع به أن يسلك البحر كما يمشي في الأرض، وصنع الفلك من أقدم مخترعات البشر ألهمه الله تعالى نوحاً عليه السلام في أقدم عصور البشر. ثم إن الله تعالى سخر للفلك الرياح الدورية وهي رياح تهب في الصباح إلى جهة وفي المساء إلى جهة في السواحل تنشأ عن إحياء أشعة الشمس في رابعة النهار الهواء الذي في البر حتى يخف الهواء فيأتي هواء من جهة البحر ليخلف ذلك الهواء البري الذي تصاعد فتحدث ريح رخاء من جهة البحر ويقع عكس ذلك بعد الغروب فتأتي ريح من جهة البر إلى البحر، وهذه الريح ينتفع بها الصيادون والتجار وهي تكون أكثر انتظاماً في مواقع منها في مواقع أخرى. وسخر للفلك رياحاً موسمية وهي تهب إلى جهة واحدة في أشهر من السنة وإلى عكسها في أشهر أخرى تحدث من اتجاه حرارة أشعة الشمس على الأماكن الواقعة بين مدار السرطان ومدار الجدي، من الكرة الأرضية عند انتقال الشمس من خط الاستواء إلى جهة مدار الشرطان وإلى جهة مدار الجدي، فتحدث هاته الريح مرتين في السنة وهي كثيرة في شطوط اليمن وحضرموت والبحر الهندي وتسمى الريح التجارية. وأما كونها نعمة فلأن في هذا التسخير نفعاً للتجارة والزيارة والغزو وغير ذلك ولذلك قال بما ينفع الناس لقصد التعميم مع الاختصار. والفلك هنا جمع لا محالة لأن العبرة في كثرتها، وهو ومفرده سواء في الوزن فالتكسير فيه اعتباري وذلك أن أصل مفرده فلك بضمتين كعنق وكسر على فلك مثل عرب وعجم وأسد وخفف المفرد بتسكين عينه لأن ساكن العين في مضموم الفاء فرع مضموم العين ما قصد منه التخفيف على ما بينه الرضي فاستوى في اللفظ المفرد والجمع، وقيل المفرد بفتح الفاء وسكون اللام والجمع بضم الفاء وضم اللام قيل أسد وأسد وخَشَب وخُشَبُ ثم سكنت اللام تخفيفاً، والاستعمال الفصيح في المفرد والجمع ضم الفاء وسكون اللام قال تعالى: { أية : واصنع الفلك } تفسير : [هود: 37]. و { أية : الفلك المشحون } تفسير : [الشعراء: 119] وقال {والفلك التي تجري في البحر} وقال { أية : والفلك تجري في البحر بأمره } تفسير : [إبراهيم: 32]، { أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين } تفسير : [يونس: 22]، ثم إن أصل مفرده التذكير قال تعالى: {والفلك المشحون} ويجوز تأنيثه على تأويله بمعنى السفينة قال تعالى: { أية : وقال اركبوا فيها } تفسير : [هود: 41] { أية : وهي تجري بهم } تفسير : [هود: 42] كل ذلك بعد قوله: { أية : ويصنع الفلك } تفسير : [هود: 38]. وكأن هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب إذ عد لفظ الفلك مما أنث بدون تاء ولا ألف فقال في قصيدته «والفلك تجري وهي في القرآن» لأن العبرة باستعماله مؤنثاً وإن كان تأنيثه بتأويل، وقد قيل إنه يجوز في مفرده فقط ضم اللام مع ضم الفاء وقرىء به شاذاً والقول به ضعيف، وقال الكواشي هو بضم اللام أيضاً للمفرد والجمع وهو مردود إذ لم ينص عليه أهل اللغة ولا داعي إليه وكأنه قاله بالقياس على الساكن. وفي امتنان الله تعالى بجريان الفلك في البحر دليل على جواز ركوب البحر من غير ضرورة مثل ركوبه للغزو والحج والتجارة، وقد أخرج مالك في «الموطأ» وتبعه أهل «الصحيح» حديث أم حرام بنت مِلحان في باب الترغيب في الجهاد الثاني من «الموطأ» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. فنام يوماً ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة قالت فقلت ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها»تفسير : الحديث. وفي حديث أبي هريرة « حديث : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء » تفسير : الحديث. وعليه فما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص أن لا يحمل جيش المسلمين في البحر مؤول على الاحتياط وترك التغرير وأنا أحسبه قد قصد منه خشية تأخر نجدات المسلمين في غزواتهم لأن السفن قد يتأخر وصولها إذا لم تساعفها الرياح التي تجري بما لا تشتهي السفن ولأن ركوب العدد الكثير في سفن ذلك العصر مظنة وقوع الغرق، ولأن عدد المسلمين يومئذٍ قليل بالنسبة للعدو فلا ينبغي تعريضه للخطر فذلك من النظر في المصلحة العامة في أحوال معينة فلا يحتج به في أحكام خاصة للناس. ولما مات عمر استأذن معاوية عثمان فأذن له في ركوبه فركبه لغزو (قبرص) ثم لغزو القسطنطينية وفي غزوة (قبرص) ظهر تأويل رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم حرام، وقد قيل إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة نهى عن ركوبه ثم ركبه الناس بعده. وروي عن مالك كراهة سفر المرأة في البحر للحج والجهاد، قال ابن عبد البر وحديث أم حرام يرد هذه الرواية ولكن تأولها أصحابه بأنه كره ذلك لخشية اطّلاعهن على عورات الرجال لعسر الاحتراز من ذلك فخصه أصحابه بسفن أهل الحجاز لصغرها وضيقها وتزاحم الناس فيها مع كون الطريق من المدينة إلى مكة من البر ممكناً سهلاً وأما السفن الكبار كسفن أهل البصرة التي يمكن فيها الاستتار وقلة التزاحم فليس بالسفر فيها للمرأة بأس عند مالك. {وما أنزل الله من السماء من ماء} معطوف على الأسماء التي قبله جيء به اسم موصول ليأتي عطف صلة على صلة فتبقى الجملة بمقصد العبرة والنعمة، فالصلة الأولى وهي أنزل الله من السماء من ماء تذكير بالعبرة لأن في الصلة من استحضار الحالة ما ليس في نحو كلمة المطر والغيث، وإسناد الإنزال إلى الله لأنه الذي أوجد أسباب نزول الماء بتكوينه الأشياء عند خلق هذا العالم على نظام محكم. والسماء المفرد هو الجو والهواء المحيط بالأرض كما تقدم آنفاً، وهو الذي يشاهده جميع السامعين. ووجه العبرة فيه أن شأن الماء الذي يسقي الأرض أن ينبع منها فجعل الماء نازلاً عليها من ـــ ضدها وهو السماء ـــ عبرة عجيبة. وفي الآية عبرة علمية لمن يجيء من أهل العلم الطبيعي وذلك أن جعل الماء نازلاً من السماء يشير إلى أن بخار الماء يصير ماء في الكرة الهوائية عند ما يلامس الطبقة الزمهريرية وهذه الطبقة تصير زمهريراً عندما تقل حرارة أشعة الشمس، ولعل في بعض الأجرام العلوية وخاصة القمر أهوية باردة يحصل بها الزمهرير في ارتفاع الجو فيكون لها أثر في تكوين البرودة في أعلى الجو فأسند إليها بإنزال الماء مجازاً عقلياً وربما يستروح لهذا بحديث مروي وهو أن المطر ينزل من بحر تحت العرش أي إن عنصر المائية يتكون هنالك ويصل بالمجاورة حتى يبلغ إلى جونا قليل منه فإذا صادفته الأرض تكون من ازدواجهما الماء وقد قال تعالى: { أية : وينزل من السماء من جبال فيها من برد } تفسير : [النور: 43]، ولعلها جبال كرة القمر وقد ثبت في الهيئة أن نهار القمر يكون خمسة عشر يوماً، وليله كذلك، فيحصل فيه تغيير عظيم من شدة الحر إلى شدة البرد فإذا كانت مدة شدة البرد هي مدة استقباله الأرض أحدث في جو الأرض عنصر البرودة. وقوله: {فأحيا به الأرض} معطوف على الصلة بالفاء لسرعة حياة الأرض إثر نزول الماء وكلا الأمرين الفعل والفاء موضع عبرة وموضع منة. وأطلقت الحياة على تحرك القوى النامية من الأرض وهي قوة النبات استعارة لأن الحياة حقيقة هي ظهور القوى النامية في الحيوان فشبهت الأرض به. وإذا جعلنا الحياة حقيقة في ظهور قوى النماء وجعلنا النبات يوصف بالحياة حقيقة وبالموت فقوله: {فأحيا به الأرض} مجاز عقلي والمراد إحياء ما تراد له الأرض وهو النبات. وفي الجمع بين السماء والأرض وبين أحيا وموت طباقان. وقوله: {وبث فيها من كل دابة} عطف إما على {أنزل} فيكون صلة ثانية وباعتبار ما عطف قبله على الصلة صلة ثالثة، وإما عطف على {أحيا} فيكون معطوفاً ثانياً على الصلة، وأيّاً ما كان فهو آية ومنة مستقلة، فإن جعلته عطفاً على الصلة فمن في قوله: {من كل دابة} بيانية وهي في موضع الحال ظرف مستقر، وإن جعلته عطفاً على المعطوف على الصلة وهو {أحيا} فمن في قوله: {من كل دابة} تبعيضية وهي ظرف لغو، أي أكثر فيها عدداً من كل نوع من أنواع الدواب بمعنى أن كل نوع من أنواع الدواب ينبث بعض كثير من كل أنواعه، فالتنكير في دابة للتنويع أي أكثر الله من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر. والبث في الأصل نشر ما كان خفياً ومنه بث الشكوى وبث السر أي أظهره. قالت الأعرابية «لقد أبثثتك مكتومي وأطعمتك مأدومي» وفي حديث أم زرع قالت السادسة "ولا يولج الكف ليعلم البث" أي لا يبحث عن سر زوحته لتفشوه له، فمثلت البحث بإدخال الكف لإخراج المخبوء، ثم استعمل البث مجازاً في انتشار الشيء بعد أن كان كامناً كما في هاته الآية واستعمل أيضاً في مطلق الانتشار، قال الحماسي: شعر : وهلاّ أعَدُّوني لِمِثلي تفاقدوا وفي الأرض مثبوتٌ شجاعٌ وعقرب تفسير : وبث الدواب على وجه عطفه على فعل {أنزل} هو خلق أنواع الدواب على الأرض فعبر عنه بالبث لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر فالمعنى وخلق فبث فيها من كل دابة. وعلى وجه عطف {وبث} على {فأحيا} فبث الدواب انتشارها في المراعي بعد أن كانت هازلة جاثمة وانتشار نسلها بالولادة وكل ذلك انتشار وبث وصفه لبيد بقوله: شعر : رُزقت مرابيعَ النجوم وصَابَهَا وَدْق الرواعدِ جَوْدُها فرِهامُها فعلا فروعُ الأيْهقان وأطفَلَتْ بالجَلْهتينِ ظِباؤها ونعامها تفسير : والآية أوجز من بيتي لبيد وأوفر معنى فإن قوله تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء} أوجز من البيت الأول، وقوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها} أوجز من قوله فعلا فروع الأيهقان وأعم وأبرع بما فيه من استعارة الحياة، وقوله: {وبث فيها من كل دابة} أوجز من قوله وأطفلت البيت مع كونه أعم لعدم اقتصاره على الظباء والنعام. والدابة ما دب على وجه الأرض وقد أذنت كلمة {كل} بأن المراد جميع الأنواع فانتفى احتمال أن يراد من الدابة خصوص ذوات الأربع. وقد جمع قوله تعالى: {فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} أصول علم التاريخ الطبيعي وهو المواليد الثلاثة المعدن والنبات والحيوان، زيادة على ما في بقية الآية سابقاً ولاحقاً من الإشارات العلمية الراجعة لعلم الهيئة وعلم الطبيعة وعلم الجغرافيا الطبيعية وعلم حوادث الجو. وقوله: {وتصريف الرياح} عطف على مدخول {في} وهو من آيات وجود الخالق وعظيم قدرته لأن هبوب الريح وركودها آية، واختلاف مهابِّها آية، فلولا الصانع الحكيم الذي أودع أسرار الكائنات لما هبت الريح أو لما ركدت، ولما اختلفت مهابُّها بل دامت من جهة واحدة وهذا موضع العبرة، ومن تصريف الرياح أيضاً موضع نعمة وهو أن هبوبها قد يحتاج إليه أهل موضع للتنفيس من الحرارة أو لجلب الأسحبة أو لطرد حشراتٍ كالجراد ونحوه أو لجلب منافع مثل الطير. وقد يحتاج أهل مكان إلى اختلاف مهابها لتجيء ريح باردة بعد ريح حارة أو ريح رطبة بعد ريح يابسة، أو لتهب إلى جهة الساحل فيرجعَ أهل السفن من الأسفار أو من الصيد، فكل هذا موضع نعمة، وهذا هو المشاهد للناس كلهم، ولأهل العلم في ذلك أيضاً موضع عبرة أعجب وموضع نعمة، وذلك أن سبب تصريف الرياح أن الله أحاط الكرة الأرضية بهواء خلقه معها، به يتنفس الحيوان وهو محيط بجميع الكرة بَحْرِها وبرها متصل بسطحها ويشغل من فوق سطحها ارتفاعاً لا يعيش الحيوان لو صعد إلى أعلاه، وقد خلقه الله تعالى مؤلفاً من غازين هما (النيتروجين والأكسجين) وفيه جزء آخر عارض فيه وهو جانب من البخار المائي المتصاعد له من تبخر البُحار ورطوبة الأرض بأشعة الشمس وهذا البخار هو غاز دقيق لا يشاهد، وهذا الهواء قابل للحرارة والبرودة بسبب مجاورة حارَ أو بارد، وحرارته تأتي من أشعة الشمس ومن صعود حرارة الأرض حين تسخنها الشمس وبرودته تجيء من قلة حرارة الشمس ومن برودة الثلوج الصاعدة من الأرض ومن الزمهرير الذي يتزايد بارتفاع الجو كما تقدم. ولما كانت الحرارة من طبعها أن تُمَدِّد أجزاء الأشياء فتتلطف بذلك التمدد كما تقرر في الكيمياء، والبرودة بالعكس، كان هواء في جهة حارة كالصحراء وهواء في جهة باردة كالمنجمد وقع اختلاف بين الهواءين في الكثافة فصَعِد الخفيف وهو الحار إلى الأعلى وانحدر الكثيف إلى الأسفل وبصعود الخفيف يترك فراغاً يخلفه فيه الكثيف طلباً للموازنة فتحدث حركة تسمى ريحاً، فإذا كانت الحركة خفيفة لقرب التفاوت بين الهواءين سميت الحركة نسيماً وإذا اشتدت الحركة وأسرعت فهي الزوبعة. فالريح جنس لهاته الحركة والنسيم والزوبعة والزعزع أنواع له. ومن فوائد هاته الرياح الإعانة على تكوين السحاب ونقله من موضع إلى موضع وتنقية الكرة الهوائية مما يحل بها من الجراثيم المضرة، وهذان الأمران موضع عبرة ونعمة لأهل العلم. وقد اختير التعبير بلفظ التصريف هنا دون نحو لفظ التبديل أو الاختلاف لأنه اللفظ الذي يصلح معناه لحكاية ما في نفس الأمر من حال الرياح لأن التصريف تفعيل من الصرف للمبالغة وقد علمت أن منشأ الريح هو صرف بعض الهواء إلى مكان وصرف غيره إلى مكانه الذي كان فيه فيجوز أن تقدر: وتصريف الله تعالى الرياح، وجعل التصريف للريح مع أن الريح تكوَّنت بذلك التصريف لأنها تحصل مع التصريف فهو من إطلاق الاسم على الحاصل في وقت الإطلاق كما في قوله تعالى: { أية : ويلعنهم اللاعنون } تفسير : [البقرة: 159] وهو ضرب من مجاز الأوْل، وأن تجعل التصريف بمعنى التغيير أي تبديل ريح من جهة إلى جهة فتبقى الحقيقة ويفوت الإعجاز العِلمي ويكون اختيار لفظ التصريف دون التغيير لأنه أخف. وجُمع الرياح هنا لأن التصريف اقتضى العدد لأنها كلما تغير مهبها فقد صارت ريحاً غيرَ التي سبقت. وقرأه الجمهور (الرياح) بالجمع وقرأه حمزة والكسائي (الريح) بالإفراد على إرادة الجنس، واستفادة العموم من اسم الجنس المعرف سواء كان مفرداً أو جمعاً سَواءٌ، وقد قيل إن الرياح بصيغة الجمع يكثر استعماله في ريح الخير وإن الريح بالإفراد يكثر استعماله في ريح الشر واعتضدوا في ذلك بما رووه حديث : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول إذا رأى الريح: "اللهم اجعلها رياحاً لا ريحاً" تفسير : ، وهي تفرقة أغلبية وإلاّ فقد غير بالإفراد في موضع الجمع، والعكس في قراءة كثير من القراء. والحديثُ لم يَصح، وعلى القول بالتفرقة فأحسن ما يعلل به أن الريح النافعة للناس تجيء خفيفة وتتخلل موجاتها فجَوات فلا تحصل منها مضرة فباعتبار تخلل الفجوات لهبوبها جُمعت، وأما الريح العاصف فإنه لا يترك للناس فجوة فلذلك جعل ريحاً واحدة وهذا مأخوذ من كلام القرطبي. والرياح جمع ريح والريح بوزن فِعْل بكسر الفاء وعينها واو انقلبت ياء لأجل الكسرة بدليل قولهم في الجمع أرواح وأما قولهم في الجمع رياح فانقلاب الواو فيه ياء كانقلابها في المفرد لسبب الكسرة كما قالوا دِيمَة ودِيَمَ وحِيلة وحِيَل وهما من الواوي. وقوله: {والسحاب المسخر} عطف على {وتصريف الرياح} أو على {الرياح} ويكون التقدير: وتصريف السحاب المسخر أي نقله من موضع إلى موضع. وهو عبرة ومنة أما العبرة ففي تكوينه بعد أن لم يكن وتسخيره وكونِه في الفضاء، وأما المنة ففي جميع ذلك فتكوينه منة وتسخيره من موضع إلى موضع منة وكونه بين السماء والأرض منة لأنه ينزل منه المطر على الأرض من ارتفاع فيفيد اختراق الماء في الأرض، ولأنه لو كان على سطح الأرض لاختنق الناس فهذا ما يبدو لكل أحد، وفي ذلك أيضاً عبرة ومنة لأهل العلم فتكوينه عبرة لهم وذلك أنه يتكون من تصاعد أبْخرة البحار ورطوبة الأرض التي تبخِّرها أشعة الشمس ولذا لم يخْلُ الهواء من بُخار الماء كما قدمناه إلاّ أن بخار الماء شفاف غازي فإذا جاور سطحاً بارداً ثقل وتكاثف فصار ضباباً أو ندى أو سحاباً، وإنما تكاثف لأن أجزاء البخار تجتمع فتقل قدرة الهواء على حمله، ثم إذا تكامل اجتماعه نزل مطراً، ولكون البخار الصاعد إلى الجو أكثر بخار البحر؛ لأن البحر أكثر سطح الكرة الأرضية كانت السحب أكثر ما تتكون من جهة البحار، وكانوا يظنون أن المطر كله من ماء البحر وأن خراطيم السحاب تتدلى إلى أمواج البحر فتمتص منه الماء ثم ينزل مطراً. قال أبو ذؤيب الهذلي: شعر : سقى أم عمرو كلَّ آخر ليلة حناتمُ سودٌ ماؤهن ثجيج شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجُجٍ خُضرٍ لهن نئيج تفسير : وقال البديع الإصطرلابي: شعر : أهْدِي لمجلسك الشريف وإنما أهْدِي له ما حُزتُ من نعمائه كالبحر يُمطره السحابُ ومالَه فضلٌ عليه لأنه من مائه تفسير : فلولا الرياح تسخره من موضع إلى موضع لكان المطر لا ينزل إلاّ في البحار. وموضع المنة في هذا في تكوينه حتى يحمل الماء ليحيى الأرض، وفي تسخيره لينتقل، وفي كونه بين السماء والأرض فهو مسخر بين السماء والأرض حتى يتكامل ما في الجو من الماء فيثقل السحاب فينزل ماء إذا لم تبق في الهواء مقدرة على حمله قال تعالى: { أية : وينشىء السحاب الثقال } تفسير : [الرعد: 12] وقوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} أي دلائل وقد تقدم الكلام على الآية والآيات، وجمع الآيات لأن في كل ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما عطف عليه آيات. فإن أريد الاستدلال بها على وجود الله تعالى فقد كانت دلائل واضحة وكان رداً على الدُّهريين من العرب وكان ذكرهم بعد الذين كفروا وماتوا وهم كفار المراد بهم المشركون تكميلاً لأهل النحل في العرب، ويكون قوله بعد ذلك: { أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً } تفسير : [البقرة: 165] رجوعاً إلى المشركين وهذا الوجه يرجع إلى الاستدلال بالعالم على الصانع وهو دليل مشهور في كتب الكلام. وإن أريد الاستدلال بهاته الدلائل على وحدانية الله تعالى المستلزمة لوجوده وهو الظاهر من قوله: {لقوم يعقلون}، لأن الاستدلال بهاته الدلائل وأمثالها على وجود الصانع لا يدل على كمال عقل بخلاف الاحتجاج بها على الوحدانية، ولأنه ذكره بعد قوله: {وإلٰهاكم إلٰه واحد لا إلٰه إلا هو}، ولأن دهماء العرب كانوا من المشركين لا من المعطلين الدهريين. وكفاية هذه الدلائل في الرد على المشركين من حيث إنهم لم يكونوا يدعون للأصنام قدرة على الخلق كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } تفسير : [النحل: 17]. وإن أريد الاستدلال بهذه الآثار لوحدانية الله على الأمم التي تثبت الاشتراك للآلهة في الإيجاد مثل مجوس الفرس ومشركي اليونان. فوجه دلالة هاته الآيات على الوحدانية أن هذا النظام البديع في الأشياء المذكورة وذلك التدبير في تكوينها وتفاعلها وذهابها وعودها ومواقيتها كل ذلك دليل على أن لها صانعاً حكيماً متصفاً بتمام العلم والقدرة والحكمة وهي الصفات التي تقتضيها الأُلْهانية، ولا جرم أن يكون الإلٰه الموصوف بهاته الصفات واحداً لاعتراف المشركين بأن نواميس الخلق وتسيير العالم من فعل الله تعالى، إذا لم يدعوا لشركائهم الخلق ولذلك قال تعالى: { أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } تفسير : [النحل: 17]، وذكر في سورة النمل الاستدلال ببعض ما هنا على أن لا إلٰه مع الله، فالمقصود التذكير بانتفاء حقيقة الإلٰهية عن شركائهم، وأما طريقة الاستدلال العلمية فهي بالبرهان الملقب في علم الكلام ببرهان التمانع وسيأتي عند قوله: { أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } تفسير : [الأنبياء: 22] في سورة الأنبياء. والقوم: الجماعة من الرجال ويطلق على قبيلة الرجل كما قال عمرو بن معدي كرب: شعر : فلو أن قومي أنقطتني رماحهم تفسير : ويطلق على الأمة. وذكر لفظ {لقوم يعقلون} دون أن يقال للذين يعقلون أو للعاقلين لأن إجراء الوصف على لفظ قوم يومىء إلى أن ذلك الوصف سجية فيهم، ومن مكملات قوميتهم، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها كما قال تعالى: { أية : وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } تفسير : [التوبة: 56]، وقد تكرر هذا في مواضع كثيرة من القرآن ومن كلام العرب، فالمعنى إن في ذلك آيات للذين سجيتهم العقل، وهو تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بآيات ذلك ليست عقولهم براسخة ولا هي ملكات لهم وقد تكرر هذا في سورة يونس.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لم يبين هنا وجه كونهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} تفسير : [ق: 6-8]، وقوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 3-5]، وقوله في الأرض: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} تفسير : [الملك: 15]. قوله تعالى: {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}. لم يبين هنا وجه كون اختلافهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [القصص: 71-73]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}. لم يبين هنا كيفية تسخيره، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} تفسير : [الأعراف: 57]، وقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} تفسير : [النور: 43].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 164- وقد أقام الله سبحانه وتعالى دلائل وآيات لكل ذى عقل على وجوده وألوهيته، ومن ذلك السموات التى ترونها تسير فيها الكواكب بانتظام دون تزاحم ولا صدام تبعث الحرارة والنور لهذا العالم، والأرض وما فيها من البر والبحر، وتعاقب الليل والنهار وما فى ذلك من المنافع، وما يجرى فى البحر من السفن تحمل الناس والمتاع، ولا يسيِّرها إلا الله، فهو الذى يرسل الرياح التى يسير بها المطر ينزل فيحيى الحيوان ويسقى الأرض والنبات، والرياح وهبوبها فى مهابها المختلفة، والسحاب المعلق بين السماء والأرض، فهل هذه الأشياء كلها بهذا الاتقان والإحكام من تلقاء نفسها أم هى صنع العليم القدير؟. 165- ومع هذه الدلائل الواضحة اتخذ بعض الناس ممن ضلّت عقولهم أرباباً غير الله يطيعونهم ويعبدونهم كعبادة الله ويجعلونهم مثل الله، والمؤمن يسلم القيادة لله وحده وطاعته له لا تنقطع، أما هم فإن ولاءهم لآلهتهم يتزلزل عند النوائب فيلجأون إلى الله سبحانه، وهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم لو عاينوا ما سينالهم من العذاب يوم الجزاء حين ينكشف ملك الله وتكون الطاعة له وحده، لانتهوا عن جرمهم وأقلعوا عن إثمهم. 166- فى ذلك اليوم يرجو الأتباعُ أن ينجيهم رؤساؤهم من الضلال فيتنكرون لهم ويتبرَّأون منهم ويقولون: ما دعوناكم لطاعتنا فى معصية ربكم، وإنما هو هواكم وسوء تصرفكم، وتنقطع بينهم الصلات والمودات التى كانت بينهم فى الدنيا، ويصير بعضهم لبعض عدواً.
القطان
تفسير : في هذه الآية عرض موجز لبعض مشاهد الكون العجيب، وآيات لكل ذي عقل على وجود الله وألوهيته. وفيها تنبيه للحواس والمشاعر تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون، فمن ذلك: ابداع السموات التي ترونها والكواكب تسير فيها بانتظام دون ان تتزاحم او تصطدم، بل تبعث الحرارة والنور لهذا العالم، والارضُ وما فيها من البر والبحر، وتعاقب الليل والنهار في حياتها وما في ذلك مع المنافع للناس. كذلك ما يجري في البحر من السفن التي تحمل الناس والمتاع، ولا يسيّرها الا الله. كذلك فهو الذي يرسل الرياح التي تبعث المطر، فيحيي الحيوان ويسقي الارض، والنبات. ومن خلقه ايضا ما ترونه من السحاب المعلّق بين السماء والارض. والآن، هل يعقل ان تقوم هذه الأشياء كلها، وبهذا الاتقان والإحكام من تلقاء نفسها! ام هي صنع العليم القدير! ويدلنا علم الفلك ان عدد نجوم السماء مثل عدد ذرات الرمال الموجودة على سواحل البحار في الدنيا كلها، فمنها ما هو أكبر من الأرض وما هو أصغر منها. لكن أكثرها كبير جداً، حتى ليمكن ان يعدِل أحدها ملايين النجوم التي في مثل حجم ارضنا هذه. عندما تكون السماء صافية نستطيع ان نرى بالعين المجردة خمسة آلاف من النجوم ولكن هذا العدد يتضاعف الى أكثر من مليونين حين نستعمل تلسكوباً عادياً. ذلك ان الفضاء الكوني فسيح جداً، تتحرك فيه كواكب لا حصر لها، وبسرعة خارقة. فبعضها يواصل رحلته وحده، ومنها ما يسير مثنى مثنى، أو في مجموعات. وأقرب حركة منا هي حركة القمر الذي يبعد حوالي 000ر240 ميل. وهو يكمل دورته حول الارض من تسعة وعشرين يوماً ونصف يوم. كذلك تبعد أرضنا عن الشمس مسافة (000ر000ر92) ميل، وهي تدور حول محورها بسرعة الف ميل في الساعة، وقطر فلكها (000ر000ر190) ميل تكمله مرة واحدة في السنة. وهناك تسعة كواكب مع الارض وكلّها تدور حول الشمس بسرعة فائقة. فالمشتري مثلا يكمل دورة واحدة حول الشمس كل 11 سنة وستة وثمانين يوما. وزحل كل 29 سنة وستة وأربعين يوما. وأورانس كل 84 سنة ويومين. ونبتون كل 164 سنة وسبعة وتسعين يوما. وأبعد هذه الكواكب السيّارة حول الشمس هو بلوتو الذي تستغرق دورة واحدة منه حول الشمس 248 سنة و 43 يوما. وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمرا. ولا ننسى ذلك العملاق الذي نسميه "الشمس"، وهي أكبر من الأرض بمليون ومئتي ألف مرة. ثم ان هذه الشمس ليست بثابتة في مكانها وانما هي بدورها تدور مع كل هذه السيارات والنجيمات في هذا النظام الرائع. وهناك آلاف من الأنظمة غير نظامنا الشمسي، يتكون منها ذلك النظام الذي يسمى المجرات. وكأنها جميعا طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة كما يدور الخذروف يلعب به الطفل، {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. ويقدّر علماء الفلك ان هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون واحدة من هذه المجرات، ويرون ان هذا الكون الفسيح بأعداده الهائلة من الكواكب والنجوم انما يسير بحركة منتظمة، طبقاً لنظام وقواعد محكمة لا يصطدم فيها بعضها ببعض. وان العقل حين ينظر الى هذا النظام العجيب، والتنظيم الدقيق الغريب، لا يلبث ان يحكم باستحالة أن يكون هذا قائما بنفسه، بل يجزم ان هناك قدرة هي التي تقيمه وتهيمن عليه. تلك هي قدرة الله الواحد القدير. أفليس في هذه العجائب والمشاهد عبر ومواعظ لمن يتدبر بعقله ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة مبدعها وحكمته! وقد قال بعض العلماء: ان لله كتابين، كتاباً مخلوقاً هو الكون، وكتابا منزلا مقروءاً هو القرآن، يرشدنا الى طرق العلم بذلك، فمن اعتبر بهما فاز. القراءات قرأ حمزة والكسائي "وتصريف الريح" على الإفراد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {وَٱخْتِلاَفِ} {ٱللَّيْلِ} {ٱلرِّيَاحِ} {لآيَاتٍ} (164) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ العُقَلاَءِ مِنَ النَّاسِ إِلى الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ، وَهِيَ الآيَاتُ التِي أَقَامَها فِي الكَوْنِ، وَمِنْ هذِهِ الآيَاتِ: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ عَجَائِبَ، وَارتِفَاعُ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبُها، وَدَوَرَانُ فَلَكِهَا، وَاتِّسَاعُها، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ بِحَارٍ وَجِبَالٍ وَأَنْهَارٍ وَعُمْرانٍ وَقِفَارٍ .... وَاختِلاَفُ الَّليلِ وَالنَّهَارِ وَتَعَاقُبُهُمَا، يَجيءُ هذا وَيَذْهَبُ، وَيَعْقُبُهُ الآخَرُ، وَاختِلاَفُهُما طُولاً وَقَصَراً .. وَتَسْخِيرُ البَحْرِ لِحَمْلِ السُّفُنِ (الفُلْكِ) لِيَنْتَقِلَ بِهَا النَّاسُ مِنْ جَانِبٍ إِلى آخَرَ، وَإِنْزَالُ اللهِ المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ ليُحْييَ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ يَبَسِهَا (مَوْتِهَا)، فَتَزْدَهِرَ وَتَنْبُتَ بِالخُضْرَةِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ. وَمِنَ آيَاتِهِ بَثُ الدَّوَابِّ فِي الأَرْضِ عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا وَأَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ ذلِكَ الخَلْقَ كُلَّهُ وَيَرْزُقُهُ. وَمِنْها تَسْخِيرُ الرِّيَاحِ السَّائِرَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ إِلى مَشيئَةِ اللهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَسَوْقُ الغُيُومِ حَيْثُ يَشَاءُ اللهُ ... فَكُلُّ هذِهِ الآيَاتِ فِيها عِبَرٌ وَدَلاَلاَتٌ لِلنَّاسِ العُقَلاءِ عَلَى أُلُوهِيَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ. بَثَّ - نَشَرَ وَفَرَّقَ فِيهَا بِالتَّوالُدِ، وَبَثَّ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْزََلَ. تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ- تَقْلِيبِهَا فِي مَهَابِّها، وَتَصْرِيفِ مَعْطوفٌ عَلَى خَلْقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الله سبحانه برحمته خلق الإنسان منعماً عليه، وخلق كل ما في الكون نعمة له، ويلفتنا إلى الدليل على هذه القضية بالكون نفسه. ويحدد مظاهر في الكون لم يدّع أحد أنه خلقها وأوجدها، فإذا ما جاء الناس الذين لا يؤمنون بالإله الواحد يزحزحون الألوهية إلى سواه نقول لهم: هذا الكون العجيب الذي يتمثل في الأرض ويتمثل في السماء، ويتمثل في اختلاف الليل والنهار، ويتمثل في الفلك التي تجري في البحر، ويتمثل في ما أنزل الله من السماء من ماء، ويتمثل في السحاب المسخر بين السماء والأرض؛ كل هذه الآيات - أي الأمور العجيبة - .. تلفت إلى أن موجدها أعظم منها. إنه سبحانه يريد أن ينبه العقل إلى أن يستقبل نعمة الوجود في ذاته وفي الكون المسخر له ليستنبط من هذه الآيات العجيبة صدق الله في قوله: {أية : .. وإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [البقرة: 163]، لأنه ليس من المعقول أن يخلق غير الله كل ذلك الخلق ثم يسكت عنه!، فضلاً عن أن أحداً لم يدع أنه خلقها، وما دام لم يدع أحدٌ ذلك، وأنت أيها الإنسان لم تخلقها، ورغم الكفر والعناد لم يدع أحد هذه القضية قط، إذن سيظل الملك لله وحده إلى أن يقول أحدٌ: أنا لي الملك، ولم يوجد إلى الآن من يجرؤ على هذه الكلمة، وهذا دليل على أن الله واحد أحد. إن الحق سبحانه يقول: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [غافر: 57]. لماذا؟. لأن الناس من الأرض قد خُلقوا، وبما في الأرض عاشوا، فالأصل هو أن خلق السماوات والأرض أَكبر من خلق الناس؛ فالناس أبناء الأرض، واقتياتهم منها وبقاء حياتهم عليها. ومن المعقول أن الحق سبحانه قد خلق ما يخلق منه الإنسان قبل أن يخلق الإنسان، وحتى يعيش ذلك الإنسان أمده الله بجنس ما خُلِق منه. واذكروا جيداً أننا قلنا إن الله حين يعرض قضية الخلق للإنسان؛ فهو سبحانه يعرضها عرضاً فيه مناعة ضد أي قضية أخرى تناقضها. ولذلك يقول لنا: إن خلق السماوات والأرض وخلقكم هو أمر غيبي، وما دام أمراً غيبياً فلا رائي له ولا مشاهد له إلا الذي خلقه، فخذوا علم الخلق منه، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}تفسير : [الكهف: 51]. فيجب أن نحذر هؤلاء المضللين الذين يحاولون إضلالنا بقضايا ليست حقيقية، فالحق قد علم أزلا بأنه سيوجد قوم يقولون: إن السماء والأرض خلقتا بطريقة كذا، والإنسان خلق بأسلوب كذا، وعندما نسمع هؤلاء نقول: هؤلاء هم المضللون، وقد نبهنا الله أزلا إليهم. إذن، فوجود المضللين هو عين الدليل على صدق الله، هؤلاء الذين قالوا: الأرض كانت جزءاً من الشمس وانفصلت عنها، والإنسان أصله قرد، لأنه لو لم يوجد مضللون لقلنا: "أين يا رب ما قلت عنهم إنهم مضللون؟". وحينما يعرض الله سبحانه وتعالى أنه خلقنا من الأرض؛ وجعل اقتياتنا منها، فإن العلم يأتي - حتى من الكافرين بالله - ليؤيد هذه القضية. فحينما حللوا الإنسان؛ وجدوه مكوناً من ستة عشر عنصراً، وحللوا الطين الذي يأتي منه الزرع والخصوبة فوجدوه ستة عشر عنصراً أيضاً تتطابق مع عناصر الإنسان، أولها الأكسجين وآخرها المنجنيز. وعلى ذلك فالحق عندما يقول: أنا خلقت الإنسان من طين. نقول له: صدقت يا رب فقد جعلت اقتياتنا مما يخرج من الطين. إذن فمسألة خلق السماوات والأرض يجب أن يبدأ منها التعجب، وأنت أيها الإنسان يجب أن تفطن إلى ما خُلق لك لتستدل على خالقك، ولتؤمن ولتشهد أنه إله واحد، وإن حاول أحد إضلالك وقال لك: هناك إله آخر، فقل: لا إله إلا هو سبحانه. وحين يتكلم الحق عن الإنسان فهو سبحانه يتكلم عن مكين في الكون، وهذا المكين في الكون يحتاج إلى شيئين: إلى زمان، وإلى مكان. والمكان للإنسان هو الأرض التي يسير عليها والسماء التي تظلله، والزمان هو ما ينشأ من الليل وما ينشأ من النهار، ولذلك يريد الحق سبحانه أن يعطينا العبرة في اختلاف الليل والنهار. ومعنى اختلاف الليل والنهار أن كلا منهما يأتي خلف الآخر، النهار يأتي خلف الليل، والليل يأتي خلف النهار: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً}تفسير : [الفرقان: 62]. فاختلاف الليل والنهار يعني ألا يكون النهار سرمداً أي دائماً لا ينقطع، ولا يكون الليل كذلك سرمداً، ولذلك فإن هناك آيات أخرى يمتن فيها الحق علينا بهذه النعمة فيقول: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [القصص: 71-72]. إذن، فأنت أيها المتحرك في الكون ينطبق عليك ما ينطبق على كل متحرك، لابد لك من سكون بقدر حركتك، ولذلك انقسم الزمان إلى ليل تسكن فيه، وإلى نهار تتحرك فيه، ولذلك يقول الحق: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً ..}تفسير : [الفرقان: 47]. ويعلم سبحانه أزلاً أنه لا يمكن أن يكون الليل - أي وقت الراحة - سباتاً لكل الناس، بل لابد من أناس يقومون بأمور تقتضي اليقظة بالليل، ولهؤلاء يقول سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ..}تفسير : [الروم: 23]. إنه يعطي فرصة لهؤلاء الذين تظل عيونهم ساهرة طوال الليل ليستريحوا بالنهار. إذن، فمن عظمة الحق أنه جعل الزمان خلفة، فلو كان الليل سرمداً والنهار سرمداً لفسدت الحياة، ولذلك نجد أن الحق أقسم بقوله: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-2]. فالضحى محل الحركة والكدح، والليل محل السكون، ولابد أن يوجد الاثنان معاً. والحق سبحانه يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ} [البقرة: 164] وكلمة "فلك" يستوي فيها المفرد والجمع، كقوله عن سفينة نوح: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} تفسير : [هود: 37]. يعني يصنع سفينة واحدة أما الفلك التي تجري فهي كل الفلك، وكيف يكون جريان الفلك في الماء آية؟. إن الإنسان يدرك أن الماء لو لم يكن على هذه السيولة، لما استطاعت المراكب أو الفلك الإبحار فوقه، بل لابد أن يكون الماء سائلاً حتى تستطيع أن تجري فوقها الفلك، وقبل اختراع آلات البخار كانت هذه الفلك تجري في البحر بقوة الرياح، لماذا؟. لأن المائية تنقسم قسمين: * مائية أنهار. * ومائية بحار. ومياه الأنهار تجري دائماً من أعلى إلى أسفل ناحية المصب، ولذلك فمن المعقول أن نسلم جريان السفينة فيها إلى مجرى الماء، ولكن إذا كنا نريد أن نسيرها عكس جريان الماء؛ فلا بد من الريح ليساعدنا على ذلك، ونحن نأخذ كلمة الريح على أنها الهواء. ولكن الريح هي القوة؛ لأن الله سبحانه يقول: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 46]. يعني قوتكم، أي أن النزاع إنما ينتج عنه تبديد القوة، وكانت الريح قوة ظاهرة، وعندما توصل الإنسان إلى اختراع آلة البخار وتم تشغيل السفن به، استغنى الإنسان عن تشغيل السفن بالريح. وهكذا نعرف أن كلمة "الريح" تؤخذ أيضاً على أنها مطلق القوة، وتؤخذ ثالثاً على معنى الرائحة. والقرآن يوضح لنا ذلك، فعند استخدام معنى الريح كمطلق القوة نجد القرآن يقول: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..}تفسير : [الشورى: 33]. أي أن الله حين يشاء يعطل القوة المحركة لأي شيء فهو سبحانه يفعل. أما عن معنى الريح كرائحة فنحن نجده في قوله الحق: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف ..}تفسير : [يوسف: 94]. إن يعقوب والد يوسف عليهما السلام كان يملك حاسة شم قوية، فعندما خرجت القافلة من مصر، قال والده: إني أشم رائحة يوسف. وفي الريف نحن نسمع مَنْ يقول: "سأنتقم من فلان ولا اجعل له ريحة في الأرض"، ويقصد أنه لن يجعل له أثراً في الأرض، ولماذا استخدم هنا كلمة الرائحة؟. لقد ثبت حديثاً فقط أن الرائحة هي أبقى الآثار بالنسبة إلى الكائن الحي، بدليل أن الذين عندهم حاسة الشم قوية من الكائنات كالكلاب البوليسية يستدلون برائحة الجاني على مكان وجوده، كأن الجاني يترك أثراً لرائحته في مكان الجريمة، وكل ما هو مطلوب أن يوجد مَنْ له حاسة شم قوية ليستدل عليه. والحق سبحانه وتعالى أعطانا العقل، ولكن أبقى لبعض منا ولغير العاقل ما لا تستطيع أغلبيتنا أن تصل إليه، وأصبح الكلب الذي هو حيوان بهيم أعجم يستدل على أشياء لا نستطيع نحن أن نستدل عليها، لأنه لا يزال في عالم الحس فقط، بينما الإنسان أخذ جانباً من عالم الحس. وجانباً من العقل. وقوله الحق: {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164] فهل يعني هذا القول أن الماء في السماء؟.. لا، إن الماء أصله في الأرض، لكن ماء الأرض الثابت لا ينفع لرينا ولا لري زرعنا إنه ملح أجاج مُرٌّ، والذي يوجد على الأرض منه هو مخزون فقط، ولذلك وضع الله له المواد الكيماوية التي تجعله لا يفسد ولا تتغير صفاته وطبيعته، ثم تتسع رقعة الماء على قدر اليابس ثلاث مرات، لماذا؟. لأن الله يريد أن تتسع صفحة الماء اتساعاً يجعل للبخر مصادر كبيرة واسعة، هذا البخر هو عملية التقطير الإلهي. إن إنزال الماء من السماء هو الذي نراه على هيئة المطر، لكن تسبق نزوله مراحل متعددة هي بخر وتكثيف وتلقيح الرياح للسحاب وغيرها. وتلك المراحل المتعددة اهتدينا إليها مؤخراً، بدليل أننا حاولنا تقليد هذه الدورة، بأن نبخر الماء المالح ونكثفه لنستخرج ماء مقطراً، لكن ذلك له تكاليفه المالية العالية، فكوب واحد من الماء المقطر يستغرق وقتاً ويستلزم جهداً وتكاليف بينما المعمل الإلهي يدر لنا ماءً غدقاً لا حصر لكمياته، إن هذا المعمل يعمل ونحن لا ندري. إن الدورة المائية تبدأ بصعود البخار من الماء، وبعد ذلك يصادف منطقة باردة فينزل ماء عذباً. ومن دقة الخالق الحكيم سبحانه أن جعل منسوب الماء العذب دائماً أعلى من منسوب الماء المالح، فلو كان منسوب المالح أعلى من العذب فسيطغى عليه ويفسده، ولا نجد ماء نشربه، لكن الخالق الحكيم جعل منسوب المياه العذبة في الأنهار أعلى من ماء البحار والمحيطات حتى ينساب الماء من النهر إلى البحر؛ وذلك لا يسبب ضرراً. فالحق سبحانه وتعالى يعلمنا أنه أنزل من السماء ماء، كيف ينزل هذا الماء؟. هذا ما عرفناه مؤخراً، وبالماء العذب يُحيي الله الأرض بعد موتها، وما هو الموت؟ إن الموت هو ذهاب الحركة، كذلك الأرض عندما تجف فلا تبقى لها حركة، ونحن لا نستطيع بحواسنا أن ندرك حركة الأرض أثناء نمو النبات، لكن الله عز وجل يؤكد ذلك في قوله{أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ..}تفسير : [الحج: 5]. فالأرض عندما ينزل عليها المطر تنتفخ قشرتها، وتطفو تلك القشرة على سطح الأرض، ثم ماذا يحدث؟. {أية : وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}تفسير : [الحج: 5]. وهذا هو معنى قوله تعالى: {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164]. ثم تمضي الآية {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} [البقرة: 164] أي نشر فيها كل ما يدب على الأرض، و{وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} [البقرة: 164] ومعنى التصريف هو التحويل والتغيير، أي توجيه الرياح إلى نواح مختلفة سواء إلى الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، وهذا الاختلاف لم يجعل للهواء مساراً رتيباً، وعندما نتأمل عملية الاستطراق في الهواء نجد أنها تعطي اعتدالاً مزاجياً للهواء، فمرة يأتي من ناحية حارة؛ ليهب على المناطق الباردة، ومرة يأتي من المناطق الباردة؛ فيهب على المناطق الحارة، وهذا التصريف نعمة من نعم الله، فلو كانت الرياح ثابتة لصارت مرهقة للبشر. ونحن نسمع عن أسماء الرياح مثل الصبا والدابور، وريح الشمال، وريح الجنوب، والنكباء، والزعزع، والصرصر، وساعة تسمع كلمة "رياح" بصيغة الجمع، فلنعلم أنها للخير، وإن جاءت "ريح" بصيغة المفرد فلنعلم أنها عقيم ضارة. مثل قوله الحق: {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6]، لكن هذه القاعدة كسرتها آية واحدة في قوله تعالى:{أية : وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ..}تفسير : [يونس: 22]. لماذا؟. لأن الريح لو اختلفت على السفينة لكانت كارثة؛ فكان لابد أن تأتي الرياح إلى السفينة من اتجاه واحد، ولذلك لم يترك الله كلمة "ريح" مطلقة، وإنما وصفها بأنها ريح طيبة. وفي قول آخر يقول الحق سبحانه وتعالى:{أية : وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ}تفسير : [يونس: 22]. إنه سبحانه يلفتنا إلى قدرته، حتى لا يعتقد أحد أن الله خلق الخلق وخلق لهم قانوناً ثم تخلى عن حكمهم، لا، إنه سبحانه هو ما يزال قيوم السماوات والأرض وله مطلق القدرة. {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 164]. والتسخير معناه حمل الشيء على حركة مطلوبة منه لا اختيار له فيها، والله يسخر السحاب لأنه يريده أن يمطر هنا، فيأتي مسخر الرياح فيسوقه إلى حيث يريد الله، وأنت قد تنتفع بمطر ينزل من سحابة في غير مكانك، ونحن ننتفع - في مصر - بماء النيل برغم أن المطر ينزل في جنوب السودان، وفي هضاب الحبشة، ولو اقتصرنا على الماء الذي ينزل من سماء مصر لكنا قد هلكنا عطشاً، وهذا يؤكد معنى قوله تعالى: {أية : إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ ..}تفسير : [الأعراف: 57]. إن السحاب يسير مسخراً إلى غاية مطلوبة منه ولا إرادة له فيها. ويختم الحق الآية بقوله: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] أي أنها عجائب لقوم يعقلون. وحين يقول الحق: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] فكأنه ينبه المَلَكَة المفكرة العاقلة في الإنسان. وحين يخاطبك مخاطب؛ وينبه فيك الملكة العاقلة؛ فأعلم أن ما يخبر به ينتهي عقلك إليه بمجرد أن تفكر، وإلاّ لو لم يكن الأمر كذلك؛ ما كانت هناك ضرورة أن يذكر لك كلمة العقل. والقرآن الكريم دائما يقول: "يتفكرون"، و"يعقلون" و"يتدبرون" و"يتذكرون" وكل ذلك معناه أنهم لو فكروا، ولو عقلوا، ولو تدبروا، ولو تذكروا؛ لانتهوا إلى الحقيقة التي يريدها الله. والحق سبحانه وتعالى ينبه المسلم دائماً لأن يستقبل الأمور بعقله وبفكره وبتدبره وبتذكره، لأنه سبحانه يعلم أن الإنسان إذا فكر أو عقل أو تذكر أو تدبر فسوف ينتهي إلى ذات القضية. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} فالفُلكُ: السَّفينةُ. وهو واحدٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا} معناهُ فَرَّقَ فيها وَبَسَطَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة، آيات أي: أدلة على وحدانية الباري وإلهيته، وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته، ولكنها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له، فعلى حسب ما منّ الله على عبده من العقل، ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبُّره، ففي { خَلْقِ السَّمَاوَاتِ } في ارتفاعها واتساعها، وإحكامها، وإتقانها، وما جعل الله فيها من الشمس والقمر، والنجوم، وتنظيمها لمصالح العباد. وفي خلق { الأرْضِ } مهادا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، والاعتبار. ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير، وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها، وحكمته التي بها أتقنها، وأحسنها ونظمها، وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، لانفراده بالخلق والتدبير، والقيام بشئون عباده { و } في { اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه. { و } في { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } وهي السفن والمراكب ونحوها، مما ألهم الله عباده صنعتها، وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها. ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح، التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال، والبضائع التي هي من منافع الناس، وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم. فمن الذي ألهمهم صنعتها، وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها البحر، تجري فيه بإذنه وتسخيره، والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية، النار والمعادن المعينة على حملها، وحمل ما فيها من الأموال؟ فهل هذه الأمور، حصلت اتفاقا، أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز، الذي خرج من بطن أمه، لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة، وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد، حكيم عليم، لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته، واستكانت لعظمته، وخضعت لجبروته. وغاية العبد الضعيف، أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب، التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع الطاعة، والذل والتعظيم. { وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } وهو المطر النازل من السحاب. { فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها. أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله، وأخرج به ما أخرج ورحمته، ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ { وَبَثَّ فِيهَا } أي: في الأرض { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، ما هو دليل على قدرته وعظمته، ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع. فمنها: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. وفي { تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } باردة وحارة، وجنوبا وشمالا وشرقا ودبورا وبين ذلك، وتارة تثير السحاب، وتارة تؤلف بينه، وتارة تلقحه، وتارة تدره، وتارة تمزقه وتزيل ضرره، وتارة تكون رحمة، وتارة ترسل بالعذاب. فمن الذي صرفها هذا التصريف، وأودع فيها من منافع العباد، ما لا يستغنون عنه؟ وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات، وتصلح الأبدان والأشجار، والحبوب والنوابت، إلا العزيز الحكيم الرحيم، اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع، ومحبة وإنابة وعبادة؟. وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير، فيسوقه الله إلى حيث شاء، فيحيي به البلاد والعباد، ويروي التلول والوهاد، وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه، فإذا كان يضرهم كثرته، أمسكه عنهم، فينزله رحمة ولطفا، ويصرفه عناية وعطفا، فما أعظم سلطانه، وأغزر إحسانه، وألطف امتنانه" أليس من القبيح بالعباد، أن يتمتعوا برزقه، ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟ أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره، وعفوه وصفحه، وعميم لطفه؟ فله الحمد أولا وآخرا، وباطنا وظاهرا. والحاصل، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة، علم بذلك، أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها. فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [164] الآية 30- أنا هارون بن عبد الله، ويوسف بن سعيد - واللفظ له، نا حجَّاج، عن ابن جُريج قال: أخبرني إسماعيل بن أُمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: حديث : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: "خلق الله التُّربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الأشجار يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النُّور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدَّوابات يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر آخر الخلق آخر ساعات النهار ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):