٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
165
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ولذلك قال الشاعر: وبضدها تتبين الأشياء، وقالوا أيضاً النعمة مجهولة، فإذا فقدت عرفت، والناس لا يعرفون قدر الصحة، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها، وكذا القول في جميع النعم، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية، وهنا مسائل: المسألة الأولى: أما الند فهو المثل المنازع، وقد بينا تحقيقه في قوله تعالى في أول هذه السورة: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 22] واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال. أحدها: أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، وهو قول أكثر المفسرين، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي أمثال ليس إنها أنداداً لله، أو المعنى: إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة. وثانيها: إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، عن السدي، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه. الأول: أن قوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ } الهاء والميم فيه ضمير العقلاء. الثاني: أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع. الثالث: أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } تفسير : [البقرة: 166] وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالاً لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى. القول الثالث: في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك نداً لله تعالى وهو المراد من قوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الفرقان: 43]. أما قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ } فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم فلا بد من محذوف، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو جميع ذلك، وقوله: {كَحُبّ ٱللَّهِ } فيه ثلاثة أقوال: قيل فيه كحبهم لله، وقيل فيه: كالحب اللازم عليهم لله، وقيل فيه: كحب المؤمنين لله، وإنما اختلفوا هذا الإختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم لا؟ فمن قال: كانوا يعرفون مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم لله ومن قال إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله والقول الأول أقرب لأن قوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ } راجع إلى الناس الذين تقدم ذكرهم، وظاهر قوله: {كَحُبّ ٱللَّهِ } يقتضي حباً لله ثابتاً فيهم، فكأنه تعالى بين في الآية السالفة أن الإله واحد، ونبه على دلائله، ثم حكى قول من يشرك معه، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى. فإن قيل: العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع، ولا تضر، ولا تسمع، ولا تبصر ولا تعقل، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعاً مدبراً حكيماً ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 38] ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى، وأيضاً فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] وإذا كان كذلك، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى، فكيف يعقل الإستواء في الحب مع هذا القول، قلنا قوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ } أي في الطاعة لها، والتعظيم لها، فالإستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى، اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى، والقرآن ناطق به، كما في هذه الآية، وكما في قوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } تفسير : [المائدة: 54] وكذا الأخبار، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟ فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا رسول الله متى الساعة؟ فقال ما أعددت لها؟ فقال ما أعددت كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب»تفسير : . فقال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك، وروي أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر، وقد نحلت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى؟ فقالوا: الخوف من النار، فقال حق على الله أن يؤمن الخائف، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين، فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام؟ قالوا؛ الشوق إلى الجنة، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً، كأن وجوههم المرايا من النور، فقال: كيف بلغتم إلى هذه الدرجة، قالوا: بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة»تفسير : ، وعند السدي قال: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها، فيقال: يا أمة موسى، ويا أمة عيسى، ويا أمة محمد، غير المحبين منهم، فإنهم ينادون: يا أولياء الله، وفي بعض الكتب: «عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محباً». واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة، لكنهم اختلفوا في معناها، فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته، فإذا قلنا: نحب الله، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته، أو نحب ثوابه وإحسانه، وأما العارفون فقد قالوا: العبد قد يحب الله تعالى لذاته، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة، واحتجوا بأن قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها، والكمال أيضاً محبوب لذاته، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا: لم تكتسبون؟ قلنا: لنجد المال، فإن قيل: ولم تطلبون المال؟ قلنا: لنجد به المأكول والمشروب، فإن قالوا: لم تطلبون المأكول والمشروب؟ قلنا: لتحصل اللذة ويندفع الألم، فإن قيل لنا: ولما تطلبون اللذة وتكرهون الألم؟ قلنا: هذا غير معلل، فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوباً لأجل شيء آخر، لزم إما التسلسل، وإما الدور، وهما محالان، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوباً لذاته، وإذا أثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها، والألم مطلوب الدفع لذاته، لا لسبب آخر، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم، واستفنديار، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوباً لذاته، إذا ثبت هذا فنقول: الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته، أو على محبة ثوابه، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته، أما العارفون الذين قالوا: إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته، وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى، فإنه لوجوب وجوده: غنى عن كل ما عداه، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى، وأنه محبوب في ذاته ولذاته، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب، فنقول: العبد لا سبيل له إلى الإطلاع على الله سبحانه ابتداء، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم، كان علمه بكماله أتم، فكان له حبه أتم، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى، ثم تحدث هناك حالة أخرى، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى، كثر ترقيه في مقام محبة الله، فإذا كثر ذلك صار ذلك سبباً لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف القلب بكيفيتها، واشتد ألفه بها وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الإلتفات إلى ما عداه يشغله عن الإلتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبة الله، ونفرته عما سواه على القلب، ويشتد كل واحد منهما بالآخر، إلى أن يصير القلب نفوراً عما سوى الله تعالى، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيراً بأنوار القدس، مستضيئاً بأضواء عالم العصمة فانياً عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية. المسألة الثانية: في معنى الشوق إلى الله تعالى، اعلم أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلاً، فلا يشتاق إليه، فإن لم ير شخصاً ولم يسمع وصفه، لم يتصور أن يشتاق إليه ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين. أحدهما: أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية. والثاني: أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره، ولا سائر محاسنه، فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط، والوجهان جميعاً متصوران في حق الله تعالى، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح، مشوب بشوائب الخيالات، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتمثيلات، وهي مدركات للمعارف الروحانية، ولا يحصل تمام التجلي إلا في الآخرة، وهذا يقتضي حصول الشوق لا محالة في الدنيا فهذا أحد نوعي الشوق فبما اتضح اتضاحاً. والثاني: أن الأمور الإلهية لا نهاية لها، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها، وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة، فإذا علم العارف أن ما غاب عن عقله أكثر مما حضر فإنه لا يزال يكون مشتاقاً إلى معرفتها، والشوق بالتفسير الأول ينتهي في دار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة، ولا يتصور أن يكون في الدنيا، وأما الشوق بالتفسير الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال الله وصفاته، وحكمته في أفعاله، وهي غير متناهية، والإطلاع على غير المتناهي على سبيل التفصيل محال، وقد عرفت حقيقة الشوق إلى الله تعالى، واعلم أن ذلك الشوق لذيذ لأن العبد إذا كان في الترقي حصل بسبب تعاقب الوجدان، والحرمان، والوصول، والصد آلاماً مخلوطة بلذات، واللذات محفوفة بالحرمان والفقدان، كانت أقوى، فيشبه أن يكون هذا النوع من اللذات مما لا يحصل إلا للبشر، فإن الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل، والبهائم لا تستعد لها أما البشر فهم المترددون بين جهتي السفالة والعلو. المسألة الثالثة: في بيان أن الذين آمنوا هم أشد حباً لله، أما المتكلمون فقالوا: إن حبهم لله يكون من وجهين. أحدهما: أنه ما يصدر منهم من التعظيم، والمدح، والثناء والعبادة خالصة عن الشرك وعما لا ينبغي من الاعتقاد ومحبة غيرهم ليست كذلك. والثاني: أن حبهم لله اقترن به الرجاء والثواب والرغبة في عظيم منزلته والخوف من العقاب والأخذ في طريق التخلص منه، ومن يعبد الله ويعظمه على هذا الحد تكون محبته لله أشد، وأما العارفون فقالوا: المؤمنون هم الذين عرفوا الله بقدر الطاقة البشرية، وقد دللنا على أن الحب من لوازم العرفان فكلما كان عرفانهم أتم وجب أن تكون محبتهم أشد، فإن قيل: كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حباً لله. والجواب من وجوه. أحدها: أن الذين آمنوا لا يتضرعون إلا إلى الله بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة، وعند زوال الحاجة، يرجعون إلى الأنداد، قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [العنكبوت: 6] إلى آخره والمؤمن لا يعرض عن الله في الضراء والسراء والشدة والرخاء، والكافر قد يعرض عن ربه، فكان حب المؤمن أقوى. وثانيها: أن من أحب غيره رضي بقضائه، فلا يتصرف في ملكه، فأولئك الجهال قتلوا أنفسهم بغير إذنه، أما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه، وذلك في الجهاد. وثالثها: أن الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرب، فالذي فعلوه باطل. ورابعها: قال ابن عباس: إن المشركين كانوا يعبدون صنماً، فإذا رأوا شيئاً أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن. وخامسها: أن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون مع الصنم أصناماً فتنقص محبة الواحد، أما الإله الواحد فتنضم محبة الجميع إليه. أما قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قراءة هذه الآية أبحاثاً: البحث الأول: قرأ نافع وابن عمر: (ولو ترى) بالتاء المنقوطة من فوق خطاباً للنبي عليه السلام، كأنه قال: لو ترى يا محمد الذين ظلموا، والباقون بالياء المنقوطة من تحت على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال: ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد، ثم قال بعضهم: هذه القراءة أولى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار، ويعاينون من العذاب يوم القيامة، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك، فوجب إسناد الفعل إليهم. البحث الثاني: اختلفوا في {يرون} فقرأ ابن عامر: (يرون) بضم الياء على التعدية وحجته قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرٰتٍ عَلَيْهِمْ } والباقون (يرون) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم. البحث الثالث: اختلفوا في {أن} فقرأ بعض القراء (إن) بكسر الألف على الاستئناف وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها. البحث الرابع: لما عرفت أن {يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قرىء تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت، وقوله: {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ } قرىء تارة بفتح الهمزة من (أن) وأخرى بكسرها حصل ههنا أربع احتمالات. الاحتمال الأول: أن يقرأ {وَلَوْ يَرَى } بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من (أن) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير: ولو يرون أن القوة لله: ومعناه، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أنداداً فعلى هذا جواب (لو) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذَا وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [الأنعام: 27]، {أية : وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [الأنعام: 93]، {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31] ويقولون: لو رأيت فلاناً والسياط تأخذ منه، قالوا: وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد. الاحتمال الثاني: أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من (إن) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا: إن القوة لله. الاحتمال الثالث: أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق، مع فتح الهمزة من (أن) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله جميعاً. الاحتمال الرابع: أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق، مع كسر الهمزة، وتقديره: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة لله جميعاً، وهذا أيضاً تأويل ظاهر جيد. المسألة الثانية: إن قيل: كيف جاء قوله: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وهو مستقبل مع قوله: {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ } و (إذ) للماضي؟ قلنا: إنما جاء على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب. قال تعالى: {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } تفسير : [النحل: 77] وقال: {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } تفسير : [الشورى: 17] وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا التأويل قال تعالى: {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 44] وقول المقيم: قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير في التنزيل من هذا الباب قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ } تفسير : [الأنعام: 27]، {أية : وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [سبأ: 31]، {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ } تفسير : [سبأ: 51]، {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى } تفسير : [الأنفال: 50].
القرطبي
تفسير : لمّا أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبلُ ما دلّ على وحدانيّته وقدرته وعِظَم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أنداداً؛ وواحدها نِدٌّ؛ وقد تقدم. والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها؛ قاله مجاهد. قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ} أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق؛ قاله المبرّد، وقال معناه الزجاج. أي أنهم مع عجز الأصنام يحبّونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. وقال ٱبن عباس والسُّدي: المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون؛ يطيعونهم في معاصي الله. وجاء الضمير في «يَحِبُّونَهُمْ» على هذا على الأصل، وعلى الأوّل جاء ضمير الأصنام ضمير مَن يعقل على غير الأصل. وقال ٱبن كَيْسان والزّجاج أيضاً: معنى «يُحِبُّونهُمْ كحُبّ اللَّهِ» أي يسوّون بين الأصنام وبين الله تعالى في المحبة. قال أبو إسحٰق: وهذا القول الصحيح؛ والدليل على صحته: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}. وقرأ أبو رجاء {يُحِبُّونَهُمْ} بفتح الياء. وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة؛ يقال: حببت الرجل فهو محبوب. قال الفَرّاء: أنشدني أبو تراب:شعر : أحبّ لحبّها السُّودان حتى حببت لحبّها سُودَ الكلاب تفسير : و «مَن» في قوله «مَن يَتَّخِذُ» في موضع رفع بالابتداء، و «يتخذ» على اللفظ، ويجوز في غير القرآن «يتخذون» على المعنى، و «يحبُّونهم» على المعنى، و «يحبهم» على اللفظ، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في «يتخذ» أي محبين، وإن شئت كان نعتاً للأنداد؛ أي محبوبة. والكاف من «كحب» نعت لمصدر محذوف؛ أي يحبونهم حباًّ كحب الله. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} أي أشدّ من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم. وقيل: إنما قال {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} لأن الله تعالى أحبّهم أوّلا ثم أحبّوه. ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتمّ؛ قال الله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. وسيأتي بيان حبّ المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة «آل عمران» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف؛ فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القُوّة لله جميعاً. و «يرى» على هذا من رؤية البصر. قال النحاس في كتاب «معاني القرآن» له: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقال في كتاب «إعراب القرآن» له: وروي عن محمد بن يزيد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة؛ لأنه يقدّر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب؛ فكأنه يجعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله تعالى؛ ولكن التقدير وهو قول الأخفش: ولو يرى الذين ظلموا أن القوّة لله. و «يرى» بمعنى يعلم؛ أي لو يعلمون حقيقة قوّة الله عزّ وجلّ وشدّة عذابه؛ فـ «ـيرى» واقعة على أن القوّة لله، وسدّت مَسدّ المفعولين. و «الذين» فاعل «يرى»، وجواب «لو» محذوف؛ أي ليتبيّنُوا ضرر ٱتخاذهم الآلهة؛ كما قال عزّ وجلّ: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ}تفسير : [الأنعام: 27]، {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [الأنعام: 30] ولم يأت لـ «ـلَوْ» جواب. قال الزهري وقتادة: الإضمار أشدّ للوعيد؛ ومثله قول القائل: لو رأيتَ فلاناً والسياط تأخذه! ومن قرأ بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه وٱستعظامهم له لأقرّوا أن القوّة لله؛ فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في «أنّ». وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعاً. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمّته؛ فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد للظالم هذا. وقيل: «أنّ» في موضع نصب مفعول من أجله؛ أي لأن القوة لله جميعاً. وأنشد سيبويه: شعر : وأغفرُ عوراءَ الكريم ٱدّخارَه وأَعْرِضُ عن شتم اللئيم تكَرُّما تفسير : أي لادخاره؛ والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأنّ القوّة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حَلَّ بهم. ودخلت «إذ» وهي لمَا مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه. وقرأ ٱبن عامر وحده «يرون» بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وشَيبة وسَلاَّم وأبو جعفر «إن القوّة، وإن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول؛ أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوّة لله. وثبت بنصّ هذه الآية القوّة لله، بخلاف قول المعتزلة في نَفْيهم معاني الصفات القديمة؛ تعالى الله عن قولهم.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا} من الأصنام. وقيل من الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم لقوله تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ }تفسير : [البقرة: 166] ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله {يُحِبُّونَهُمْ} يعظمونهم ويطيعونهم {كَحُبّ ٱللَّهِ} كتعظيمه والميل إلى طاعته، أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة، والمحبة: ميل القلب من الحب، استعير لحبة القلب، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والإِعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة، وصونه عن المعاصي. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} لأنه لا تنقطع محبتهم لله تعالى، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره. {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الأنداد {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} إِذ عاينوه يوم القيامة. وأجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله تعالى: {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ }تفسير : [الأعراف: 44] {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ساد مسد مفعولي {يَرَىٰ}، وجواب {لَوْ} محذوف. أي لو يعلمون أن القوة لله جميعاً إِذا عاينوا العذاب لندموا أشد الندم. وقيل هو متعلق الجواب والمفعولان محذوفان، والتقدير: ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع، لعلموا أن القوة لله كلها لا ينفع ولا يضر غيره. وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب: و «لو ترى» على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وابن عامر: {إِذْ يَرَوْنَ} على البناء للمفعول، ويعقوب {إنٍ} بالكسر وكذا {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} على الاستئناف، أو إضمار القول.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، ومالهم في الدار الآخرة؛ حيث جعلوا له أنداداً، أي: أمثالاً ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ندّ له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «حديث : أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك»تفسير : وقوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئاً، بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به، الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} قال بعضهم: تقدير الكلام، لو عاينوا العذاب، لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعاً، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} كما قال: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} تفسير : [الفجر: 25 ـ 26] يقول: لو يعلمون ما يعاينونه هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلال. ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم، وتبري المتبوعين من التابعين، فقال: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فيقول الملائكة: {أية : تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} تفسير : [القصص: 63] ويقولون: {أية : قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}تفسير : [سبأ: 41]، والجن أيضاً تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ }تفسير : [الأحقاف: 5 ـ 6] وقال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }تفسير : [مريم: 81 ـ 82] وقال الخليل لقومه: {أية : وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 25] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأًغْلَـٰلَ فِىۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [سبأ: 31 ـ 34] وقال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [إبراهيم: 22] وقوله: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} أي: عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلاً ولا مصرفاً. قال عطاء عن ابن عباس: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} قال: المودة، وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردوا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: {كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ} أي: تذهب وتضمحل؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23] وقال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}تفسير : [إبراهيم: 18] الآية، وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39] الآية، ولهذا قال تعالى: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {أَندَاداً } أصناماً {يُحِبُّونَهُمْ } بالتعظيم والخضوع {كَحُبِّ ٱللَّهِ } أي كحبهم له {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } من حبهم للأنداد لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما،والكفار يعدلون في الشدّة إلى الله {وَلَوْ يَرَى }بالياء والتاء تبصر يا محمد {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } باتخاذ الأنداد {إِذْ يَرَوْنَ } بالبناء للفاعل والمفعول يبصرون {ٱلْعَذَابَ } لرأيت أمراً عظيماً (وإذ) بمعنى (إذا) {أن} أي لأن {ٱلْقُوَّةَ } القدرة والغلبة {للَّهِ جَمِيعاً } حال {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } وفي قراءة يرى بالتحتانية والفاعل قيل: ضمير السامع وقيل( الذين ظلموا) فهي بمعنى يعلم وأن وما بعدها سدت مسدّ المفعولين وجواب (لو) محذوف والمعنى لو علموا في الدنيا شدّة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة لما اتخذوا من دونه أنداداً.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من الدليل على وحدانيته، أخبر أن مع هذا الدليل الظاهر المفيد لعظيم سلطانه، وجليل قدرته، وتفرّده بالخلق، قد وجد في الناس من يتخذ معه سبحانه ندّاً يعبده من الأصنام. وقد تقدّم تفسير الأنداد، مع أن هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حباً عظيماً، وأفرطوا في ذلك إفراطاً بالغاً، حتى صار حبهم لهذه الأوثان، ونحوها متمكناً في صدورهم كتمكن حبّ المؤمنين لله سبحانه، فالمصدر في قوله: {كَحُبّ ٱللَّهِ } مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، وهو المؤمنون. ويجوز أن يكون المراد: كحبهم لله، أي: عبدة الأوثان، قاله ابن كيسان، والزجاج، ويجوز أن يكون هذا المصدر من المبني للمجهول: أي: كما يُحَب الله. والأولى أولى لقوله: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } فإنه استدرك لما يفيده التشبيه من التساوي، أي: أن حبّ المؤمنين لله أشدّ من حبّ الكفار للأنداد؛ لأن المؤمنين يخصون الله سبحانه بالعبادة، والدعاء، والكفار لا يخصون أصنامهم بذلك، بل يشركون الله معهم، ويعترفون بأنهم إنما يعبدون أصنامهم؛ ليقرّبوهم إلى الله، ويمكن أن يجعل هذا، أعني قوله: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } دليلاً على الثاني؛ لأن المؤمنين إذا كانوا أشد حباً لله لم يكن حبّ الكفار للأنداد كحبّ المؤمنين لله؛ وقيل: المراد بالأنداد هنا الرؤساء، أي: يطيعونهم في معاصي الله، ويقوى هذا الضمير في قلوبهم: {يُحِبُّونَهُمْ } فإنه لمن يعقل، ويقوّيه أيضاً قوله سبحانه عقب ذلك: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ } الآية. قوله: {وَلَوْ تَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قراءة أهل مكة، والكوفة، وأبو عمر وبالياء التحتية، وهو: اختيار أبي عبيد. وقراءة أهل المدينة، وأهل الشام بالفوقية، والمعنى على القراءة الأولى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة؛ لعلموا حين يرونه أن القوّة لله جميعاً، قاله أبو عبيد. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. انتهى. وعلى هذا، فالرؤية هي: البصرية لا القلبية. وروي عن محمد بن يزيد المبرّد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة؛ لأنه يقدّر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه يجعله مشكوكاً فيه. وقد أوجبه الله تعالى، ولكن التقدير، وهو الأحسن: ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله، ويرى بمعنى يعلم، أي: لو يعلمون حقيقة قوّة الله، وشدّة عذابه. قال: وجواب لو محذوف: أي: لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة، كما حذف في قوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ }تفسير : [الأنعام: 27] {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنام: 30]. ومن قرأ بالفوقية، فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعاً. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب بهذا الخطاب، والمراد به أمته، وقيل: "أن" في موضع نصب مفعول لأجله: أي: لأن القوّة لله، كما قال الشاعر:شعر : وأغفُر عوراءَ الكَرِيمِ ادّخارَه وأعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللئيم تكَرُّمَا تفسير : أي: لادّخاره، والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب؛ لأن القوّة لله لعلمت مبلغهم من النكال، ودخلت "إذ" وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات، تقريباً للأمر، وتصحيحاً لوقوعه. وقرأ ابن عامر: {إِذْ يَرَوْنَ } بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن، ويعقوب، وأبو جعفر: «إن القوّة» و«إن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، وعلى تقدير القول. قوله: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ } بدل من قوله: {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ } ومعناه: أن السادة، والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر. وقوله: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } في محل نصب على الحال: يعني التابعين، والمتبوعين، قيل: عند المعاينة في الدنيا، وقيل: عند العرض، والمساءلة في الآخرة، ويمكن أن يقال فيهما جميعاً، إذ لا مانع من ذلك. قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأسْبَابُ } هي: جمع سبب، وأصله في اللغة: الحبل الذي يشد به الشيء، ويجذب به، ثم جعل كل ما جرّ شيئاً سبباً، والمراد بها: الوُصَل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحم، وغيره، وقيل: هي الأعمال. والكرّة: الرجعة، والعودة إلى حال قد كانت، و"لو" هنا في معنى التمني كأنه قيل: ليت لنا كرّة، ولهذا وقعت الفاء في الجواب. والمعنى: أن الأتباع قالوا: لو رُددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً، ونتبرأ منهم كما تبرّءوا منا. والكاف في قوله: {كَمَا تَبَرَّءواْ مِنَّا } في محل نصب على النعت لمصدر محذوف. وقيل: في محل نصب على الحال، ولا أراه صحيحاً. وقوله: {كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ } في موضع رفع، أي: الأمر كذلك، أي: كما أراهم الله العذاب يريهم أعمالهم، وهذه الرؤية إن كانت البصرية فقوله: {حَسَرٰتٍ } منتصب على الحال، وإن كانت القلبية، فهو المفعول الثالث، والمعنى: أن أعمالهم الفاسدة يريهم الله إياها، فتكون عليهم حسرات، أو يريهم الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم، فتركوها، فيكون ذلك حسرة عليهم. وقوله: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } فيه دليل على خلود الكفار في النار، وظاهر هذا التركيب يفيد الاختصاص، وجعله الزمخشري للتقوية لغرض له يرجع إلى المذهب، والبحث في هذا يطول. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا } قال: مباهاة، ومضاهاة للحق بالأنداد {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } قال: من الكفار لآلهتهم. وأخرج ابن جرير، عن أبي زيد في هذه الآية قال: هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحبّ الذين آمنوا الله {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } من حبهم لآلهتهم. وأخرج ابن جرير، عن السدّي في الآية قال: الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم، وعصوا الله. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة نحو ما قال ابن زيد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله: {وَلَوْ تَرَى * ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قال: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أنداداً يحبونهم كحبكم إياي حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوّة كلها لي دون الأنداد، والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئاً، ولا تدفع عنهم عذاباً أحللت بهم، وأيقنتهم أني شديد عذابي لمن كفر بي، وادّعى معي إلهاً غيري. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ } قال: هم الجبابرة، والقادة، والرءوس في الشرك. {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } قال: هم: الشياطين تبرّءوا من الإنس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأسْبَابُ } قال: المودة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: هي: المنازل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه قال: هي: الأرحام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، عن مجاهد قال: هي الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا، والمودة. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي صالح قال: هي الأعمال. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الربيع قال: هي المنازل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } قال: رجعة إلى الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {حَسَرٰتٍ } قال: صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } قال: أولئك أهلها الذين هم أهلها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ }.
الماوردي
تفسير : ثم أخبر أن مع هذه الآيات الباهرة لذوي العقول {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً} والأنداد الأمثال، واحدها ند، والمراد به الأصنام التي كانوا يتخذونها آلهة يعبدونها كعبادة الله تعالى مع عجزها عن قدرة الله في آياته الدالة على وحدانيته. ثم قال تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} يعني أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب الله مع قدرته. {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} يعني من حب أهل الأوثان لأوثانهم، ومعناه أن المخلصين لله تعالى هم المحبون حقاً. قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} فيهم قولان: أحدهما: أن الذين اتبعوا هم السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر، وهذا قول عطاء. والثاني: أنهم الشياطين تبرؤوا من الإنس، وهذا قول السدي. {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} يعني به المتبوعين والتابعين. وفي رؤيتهم للعذاب وجهان محتملان: أحدهما: تيقنهم له عند المعاينة في الدنيا. والثاني: أن الأمر بعذابهم عند العرض والمساءلة في الآخرة. {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الأسباب تواصلهم في الدنيا، وهو قول مجاهد وقتادة. والثاني: المنازل التي كانت لهم في الدنيا، وهو قول ابن عباس. والثالث: أنها الأرحام، وهو رواية ابن جريج عن ابن عباس. والرابع: أنها الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا، وهو قول السدي. والخامس: أنها العهود والحلف الذي كان بينهم في الدنيا. {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مَنْهُم كَمَا تَبَرَّءُوا مَنَّا} يريد بذلك أن الأتباع قالوا للمتبوعين لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنتبرأ منكم فيها كما تبرأتم منا في الآخرة. {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} يريد المتبوعين والأتباع، والحسرة شدة الندامة على محزون فائت. وفي {أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} وجهان: أحدهما: برهم الذي حبط بكفرهم، لأن الكافر لا يثاب مع كفره. والثاني: ما نقصت به أعمارهم في أعمال المعاصي أن لا تكون مصروفة إلى طاعة الله. {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} يريد به أمرين: أحدهما: فوات الرجعة. والثاني: خلودهم في النار.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله الوحدانية ثم الآيات الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحداً، ثم ذكر في هذه الآية الجاحدين الضالين معجباً من سوء ضلالهم مع الآيات، لأن المعنى أن في هذه الأمور لآيات بينة، ومن الناس مع ذلك البيان من يتخذ، وخرج {يتخذ} موحداً على لفظ {من} والمعنى جمعه، و {من دون} لفظ يعطي غيبة ما تضاف إليه {دون} عن القضية التي فيها الكلام، وتفسير {دون} بسوى أو بغير لا يطرد، والند والنظير والمقاوم والموازي كان ضداً أو خلافاً أو مثلاً، إذا قاوم من جهة فهو منها ند، وقال مجاهد وقتادة: المراد بالأنداد الأوثان، وجاء ضميرها في {يحبونهم} ضمير من يعقل لما أنزلت بالعبادة منزلة من يعقل، وقال ابن عباس والسدي: المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله تعالى، و {يحبونهم} في موضع نصب نعت للأنداد، أو على الحال من المضمر في {يتخذ}، أو يكون في موضع رفع نعت {لمن} وهذا على أن تكون {من} نكرة والكاف من {كحب} في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و {حب} مصدر مضاف إلى المفعول في اللفظ وهو على التقدير مضاف إلى الفاعل المضمر، تقديره كحبكم الله أو كحبهم الله حسبما قدر كل وجه منها فرقة، ومعنى كحبهم أي يسوون بين محبة الله ومحبة الأوثان. ثم أخبر أن المؤمنين {أشد حباً لله} لإخلاصهم وتيقنهم الحق. وقوله تعالى: {ولو ترى الذين ظلموا} قرأ نافع وابن عامر "ترى" بالتاء من فوق، و "أن" بفتح الألف، و"أن" الأخرى كذلك عطف على الأولى، وتقدير ذلك: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى، وهو العامل في "أن" وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعاً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا، وتقدير ثالث: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم، فاللام مضمرة قبل "أن" فهي مفعول من أجله، والجواب محذوف مقدر بعد ذلك، وقد حذف جواب {لو} مبالغة، لأنك تدع السامع يسمو به تخيله، ولو شرحت له لوطنت نفسه إلى ما شرحت، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وأبو جعفر {ترى} بالتاء من فوق وكسر الهمزة من "إن"، وتأويل ذلك: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لاستعظمت ما حل بهم، ثم ابتدأ الخبر بقوله "إن القوة لله"، وتأويل آخر: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله جميعاً لاستعظمت حالهم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن كثير "يرى" بالياء من أسفل، وفتح الألف من "أن"، تأويله: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالهم في الآخرة إذ يرون العذاب لعلموا أن القوة لله جميعاً، وتأويل آخر روي عن المبرد والأخفش: ولو يرى بمعنى يعلم الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً لاستعظموا ما حل بهم، فــ"يرى" عامل في "أن" وسدت مسد المفعولين. وقال أبو علي: "الرؤية في هذه الآية رؤية البصر"، والتقدير في قراءة الياء: ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله جميعاً، وحذف جواب {لو} للمبالغة، ويعمل في "أن" الفعل الظاهر وهو أرجح من أن يكون العامل فيها مقدراً، ودخلت {إذ} وهي لما مضى في أثناء هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه، كما يقع الماضي موقع المستقبل في قوله تعالى: {أية : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} تفسير : [الأعراف: 50]، و {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل: 1]، ومنه قول الأشتر النخعي: [الكامل] شعر : بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس تفسير : وقرأت طائفة "يرى" بالياء من أسفل وكسر الألف من "إن"، وذلك إما على حذف الجواب وابتداء الخبر، وإما على تقدير لقالوا إن القوة لله جميعاً، وقرأ ابن عامر وحده "يُرون" بضم الياء والباقون بفتحها. وثبتت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة، وقالت طائفة: {الذين اتبعوا}: كل من عبد من دون الله، وقال قتادة: هم الشياطين المضلون، وقال الربيع وعطاء: هم رؤساؤهم. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعم هذا كله، و {إذ} يحتمل أن تكون متعلقة بــ {شديد العذاب}، ويحتمل أن يكون العامل فيها: اذكر، و {الذين اتبعوا} بفتح الباء هم العبدة لغير الله، والضالون المقلدون لرؤسائهم أو للشياطين، وتبريرهم هو بأن قالوا إنّا نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين، وقرأ مجاهد بتقديم الفعل المسند إلى المتبعين للرؤساء وتأخير المسند إلى المتبعين. والسبب في اللغة: الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين، وقال ابن عباس: {الأسباب} هنا الأرحام، وقال مجاهد: هي العهود، وقيل: المودات، وقيل: المنازل التي كانت لهم في الدنيا، وقال ابن زيد والسدي: هي الأعمال، إذ أعمال المؤمنين كالسبب في تنعيمهم فتقطعت بالظالمين أعمالهم. وقوله تعالى: {وقال الذين اتبعوا} الآية، المعنى وقال الأتباع الذين تبرىء منهم: لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً ونتبرأ منهم، والكرة: العودة إلى حال قد كانت، ومنه قول جرير: [الكامل] شعر : ولقد عطفن على فزارة عطفة كر المنيح وجلن ثم مجالا تفسير : والمنيح هنا: أحد الأغفال من سهام الميسر، وذلك أنه إذا خرج من الربابة رد لفوره لأنه لا فرض فيه ولا حكم عنه، والكاف من قوله {كما} في موضع نصب على النعت إما لمصدر أو لحال تقديرها متبرئين كما، والكاف من قوله {كذلك يريهم} قيل: هي في موضع رفع على خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك، وقيل: هي كاف تشبيه مجردة، والإشارة بذلك إلى حالهم وقت تمنيهم الكرة. والرؤية في الآية هي من رؤية البصر، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، و {أعمالهم} قال الربيع وابن زيد المعنى: الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار، وقال ابن مسعود والسدي المعنى: الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة، ورويت في هذا القول أحاديث، وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها، و {حسرات} حال على أن تكون الرؤية بصرية، ومفعول على أن تكون قلبية، والحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات، وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر، وقيل هي من حسر إذا كشف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحسر الفرات عن جبل من ذهب ".
ابن عبد السلام
تفسير : {أَندَاداً} أمثالاً يراد بها الأصنام. {يُحِبُّونَهُمْ} مع عجزهم كحبهم لله مع قدرته. {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} من حب أهل الأوثان لأوثانهم.
النسفي
تفسير : ومن النّاس أي ومع هذا البرهان النير من الناس {من يتّخذ من دون اللّه أنداداً} أمثالاً من الأصنام {يُحِبُّونَهُمْ } يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب {كَحُبّ ٱللَّهِ } كتعظيم الله والخضوع له أي يحبون الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه. وقيل: يحبونهم كحب المؤمنين الله {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } من المشركين لآلهتهم لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال، والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون {وَلَوْ يَرَى } «ترى»: نافع وشامي على خطاب الرسول أو كل مخاطب، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } إشارة إلى متخذي الأنداد {إِذْ يَرَوْنَ } «يرون»: شامي {ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا } حال {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } شديد عذابه أي ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة، فحذف الجواب لأن «لو» إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما يوصل بجواب ليذهب القلب فيه كل مذهب. و «لو» يليها الماضي. وكذا «إذا» وضعها لتدل على الماضي، وإنما دخلتا على المستقبل هنا لأن إخبار الله تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي {إِذْ تَبَرَّأَ } مدغمة الذال في التاء حيث وقعت: عراقي غير عاصم. وهو بدل من «إذ يرون العذاب». {ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ } أي المتبعون وهم الرؤساء {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } من الأتباع {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } الواو فيه للحال أي تبرأوا في حال رؤيتهم العذاب {وَتَقَطَّعَتْ } عطف على «تبرأ» {بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ } الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } أي الاتباع {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } رجـعة إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ } نصب على جواب التمني لأن لو في معنى التمني والمعنى ليت لنا كرة فنتبرأ {مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا } الآن {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الإراء الفظيع {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي عبادتهم الأوثان {حَسَرٰتٍ عَلَيْهِمْ } ندامات. وهي مفعول ثالث لـ «يريهم» ومعناه أن أعمالهم تنقلب عليهم حسرات فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم. {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } بل هم فيها دائمون. ونزل فيمن حرموا على أنفسهم البحائر ونحوها. { يـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ } أمر إباحة {مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ } «من» للتبعيض لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول {حَلَـٰلاً } مفعول «كلوا» أو حال مما في الأرض {طَيِّباً } طاهراً من كل شبهة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } طرقه التي يدعوكم إليها بسكون الطاء: أبو عمر غير عباس ونافع وحمزة وأبو بكر. والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي. يقال اتبع خطواته إذا اقتدى به واستن بسنته. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة لاخفاءه به. وأبان متعدٍ ولازم. ولا يناقض هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ }تفسير : [البقرة: 257] أي الشيطان لأنه عدو للناس حقيقة ووليهم ظاهراً فإنه يريهم في الظاهر الموالاة ويزين لهم أعمالهم ويريد بذلك هلاكهم في الباطن. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم } بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم {بِٱلسُّوءِ} بالقبيح {وَٱلْفَحْشَاءِ} وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم. وقيل: السوء ما لاحد فيه والفحشاء ما فيه حد {وَأَن تَقُولُواْ } في موضع الجر بالعطف على «بالسوء» أي وبأن تقولوا {عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } هو قولكم هذا حلال وهذا حرام بغير علم، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } الضمير للناس. وعدل بالخطاب عنهم على طريق الالتفاف. قيل: هم المشركون. وقيل: طائفة من اليهود لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان واتباع القرآن، {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا } وجدنا {عَلَيْهِ ءابَاءَنَا } فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم فرد الله عليهم بقوله {أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهُمْ} الواو للحال والهمزة بمعنى الرد والتعجب معناه أيتبعونهم ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } من الذين {وَلاَ يَهْتَدُونَ } للصواب. ثم ضرب لهم مثلاً فقال {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } المضاف محذوف أي ومثل داعي الذين كفروا {كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ } يصيح والمراد {بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} البهائم. والمعنى مثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ولا تفقه شيئاً آخر كما يفهم العقلاء. والنعقيق: التصويت، يقال نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن والنداء ما يسمع والدعاء قد يسمع وقد لا يسمع. {صُمٌّ } خبر مبتدأ مضمر أي هم صم {بِكُمٌ} خبر ثانٍ {عُمْىٌ} عن الحق خبر ثالث {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } الموعظة، ثم بين أن ما حرمه المشركون حلال فقال: { يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } من مستلذاته أو من حلالاته {وَٱشْكُرُواْ لِلَّهِ} الذي رزقكموها {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه معطي النعم. ثم بين المحرم فقال {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه، أي ما حرم عليكم إلا الميتة {وَٱلدَّمَ } يعني السائل لقوله في موضع آخر: {أية : أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا }تفسير : [الأنعام: 145]. قد حلت الميتتان والدمان بالحديث «حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال»تفسير : {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ } يعني الخنزير بجميع أجزائه، وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل. {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } أي ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله، وأصل الإهلال رفع الصوت أي رفع به الصوت للصنم، وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } أي ألجىء بكسر النون: بصري وحمزة وعاصم لالتقاء الساكنين أعني النون والضاد وبضمها غيرهم لضمة الطاء. {غَيْرَ} حال أي أكل غير {بَاغٍ } للذة وشهوة {وَلاَ عَادٍ } متعد مقدار الحاجة. وقول من قال غير باغ على الإمام ولا عادٍ في سفر حرام ضعيف لأن سفر الطاعة لا يبيح بلا ضرورة، والحبس بالحضر يبيح بلا سفر، ولأن بغيه لا يخرج عن الإيمان فلا يستحق الحرمان. والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع، لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في الأكل {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار {رَّحِيمٌ } حيث رخص. ونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت النبي عليه السلام وأخذهم على ذلك الرشا {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } في صفة محمد عليه السلام {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } أي عوضاً أو ذا ثمن {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم تقول: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه {إِلاَّ ٱلنَّارَ} لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار. ومنه قولهم «أكل فلان الدم» إذا أكل الدية التي هي بدل منه قال: يأكلن كل ليلة إكافاً أي ثمن إكاف فسماه إكافاً لتلبسه به بكونه ثمناً له. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كلاماً يسرهم ولكن بنحو قوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ }تفسير : [المؤمنون: 108]. {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم أو لا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم فحرف النفي مع الفعل خبر «أولئك» و«أولئك» مع خبره خبر «إن» والجمل الثلاث معطوفة على خبر «إن» فقد صار لـ «إن» أربعة أخبار من الجمل. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ } بكتمان نعت محمد عليه السلام {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } فأي شيء أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل ما نزل من الكتب بالحق. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ } أي أهل الكتاب {فِى ٱلْكِتَـٰبِ } هو للجنس أي في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل {لَفِى شِقَاقٍ } خلاف {بَعِيدٍ } عن الحق أو كفرهم ذلك بسبب أن الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شقاق بعيد عن الهدى.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن الناس} يعني المشركين {من يتخذ من دون الله أنداداً} يعني أصناماً يعبدونها والند المثل المنازع فعلى هذا الأصنام أنداداً بعضها لبعض وليست أنداداً لله تعالى وتعالى الله أن يكون له ند، أوله مثل منازع وقيل: الأنداد الأكفاء من الرجال وهم رؤساؤهم وكبراؤهم الذين يطيعونهم في معصية الله تعالى: {يحبونهم} أي يودونهم ويميلون إليهم والحب نقيض البغض وأحببت فلاناً أي جعلته معرضاً بأن تحبه والمحبة الإرادة {كحب الله} أي كحب المؤمنين لله والمعنى: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم عزّ وجلّ. وقيل: معناه يحبونهم كحب الله فيكون المعنى أنهم يسوون بين الأصنام وبين الله في المحبة فمن قال بالقول الأول لم يثبت للكفار محبة الله تعالى ومن قال بالقول الثاني أثبت للكفار محبة الله تعالى لكن جعلوا الأصنام شركاء له في الحب {والذين آمنوا أشد حباً لله} أي أثبت وأدوم على محبته لأنهم لا يختارون مع الله سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنماً ثم رأوا آخر أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني. قيل: إن الكفار يعدلون عن أصنامهم في الشدائد ويقبلون إلى الله تعالى كما أخبر عنهم فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. والمؤمنون لا يعدلون عن الله تعالى في السراء ولا في الضراء ولا في الشدة ولا في الرخاء وقيل: إن المؤمنين يوحدون ربهم والكفار يعبدون أصناماً كثيرة فتنقص المحبة لصنم واحد. وقيل: إنما هو قال {والذين آمنوا أشد حباً لله} لأن الله أحبهم أولاً فأحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم وسيأتي بسط الكلام في معنى المحبة عند قوله: يحبهم ويحبونه {ولو يرى الذين ظلموا} قرئ بالتاء والمعنى ولو ترى يا محمد الذين ظلموا. يعني أشركوا في شدة العذاب، لرأيت أمراً عظيماً وقرئ بالياء ومعناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب حين يقذف بهم في النار لعرفوا مضرة الكفر وأن ما اتخذوه من الأصنام لا ينفعهم {إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً} معناه لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرون العذاب أن القوة ثابتة لله جميعاً، والمعنى أنهم شاهدوا من قدرة الله تعالى ما تيقنوا معه أن القوة له جميعاً، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من الشرك والجحود {وأن الله شديد العذاب}
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً}. ابن عطية: ذكر الله تعالى الوحدانية، ثم الآية الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا، ثم ذكر هنا الجاحدين للصانع تعجبا من ضلالهم بعد هذه الآية. قال ابن عرفة: ويحتمل أن يكون ذكر هذه الآية توطينا وتسكينا للنّبي صلى الله عليه وسلم لئلا يطمع فيى إيمانهم وتتعلق نفسه بذلك كما قال {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : فأخبره بعدم إيمان بعضهم حتى لا يناله حزن ولا غم بوجه. قال ابن عرفة: و"من" في قوله "من دون الله" لابتداء الغاية وانتهائها حتى يعمّ في جمع الدون وتفيد كثرة تلك الوجوه. قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ...}. إن قلت: (هم) إنما كانوا يعبدونهم والعبادة أخص من المحبة لأن الواحد منا يحب ولده وأباه وأمه ولا (يعبدهم) فهلا قيل: يعبدونهم؟ قلت: أجاب ابن عرفة بوجهين: - الأول: أنه ذمهم على الوصف الأعم وهو المحبة ليفيد الذم على الأخص وهو العبادة من باب أحرى. - الجواب الثاني: أنه عدل عن لفظ العبادة استعظاما له واستحقارا للأصنام أن تنسب إليهم العبادة. قيل لابن عرفة: إن هذه الآية تدل على أن ارتباط الدليل بالمدلول/ عادي لا عقلي، لأن هؤلاء (نظروا) فلم يؤمنوا؟ فقال ابن عرفة: (لعلهم لم ينظروا أو نظروا فلم يهتدوا) للعثور على الوجه الذي منه يدل الدليل. قال: وهما مسألتان في أصول الدين. مسألة تخالف العلم مع التّمكن من مراد النظر الصحيح. ومسألة (تخالف) العلم مع حصول النظر الصحيح فالآية إنما تدل على الأول لا على الثاني.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولو ترى} بتاء الخطاب: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب. الباقون: بالياء {إذ يرون} بضم الياء من الإراءة: ابن عامر {إن القوة} {وإن الله} بكسر الألف فيهما: يزيد وسهل ويعقوب {إذ تبرأ} بإدغام الذال في التاء وكذا ما أشبهه: هشام وسهل وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف. {يريهم الله} بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل. وقرأ حمزة وعلي وخلف ويعقوب بضم الهاء والميم. والباقون بكسر الهاء وضم الميم {بخارجين} بالإمالة: عباس وقتيبة لجوار من النار. الوقوف: {كحب الله} ط {حباً لله} ط {العذاب} لا وكذلك {وجميعاً} لا من قرأ "أن" بالكسر فيهما {شديد العذاب} ه {الأسباب} ه {تبرؤا منا} ط {عليهم} ط {ومن النار} ه. التفسير: أنه سبحانه وتعالى لما قرر للتوحيد الدلائل الباهرة عقبها تقبيح ما يضاده "فبضدها تتبين الأشياء" والند المثل المناد كما سلف. والمراد بالأنداد ههنا هي الأصنام التي اعتقد المشركون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ونذروا لها النذور وقربوا لأجلها القرابين، وقيل: يعني السادة الذين كانوا يطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم محلين ما حرم الله ومحرّمين ما أحل. عن السدى: واستدل على تفسيره بأن قوله {يحبونهم} فيه ضمير العقلاء ولأنه من المستبعد أن تكون محبتهم لها كمحبتهم لله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ولقوله {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ العقلاء أنداداً وأمثالاً لله تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون لله تعالى. ويمكن تزييف الحجج بأن ضمير العقلاء جاز عوده إلى الأصنام بناء على اعتقاد الجهلة حيث نظموها في سلك المعبود الحق. قال تعالى {أية : إِن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} تفسير : [فاطر: 14]. وأيضاً علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ممنوع ولو علموا بذلك ما أشركوا وأيضاً التبري لا يمتنع من الأصنام بدليل قوله تعالى {أية : ويوم القيامة يكفرون بشرككم} تفسير : [فاطر: 14] وقال أهل العرفان: كل شيء شغلت قلبك به سوى الله فقد جعلته في قلبك نداً لله تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} تفسير : [الجاثية: 23] {يحبونهم} يحبون عبادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو يعظمونهم ويخضعون لهم كحب الله من إضافة المصدر إلى المفعول أي كما يحب الله على أنه مصدر من المبني المفعول. وإنما استغنى عن ذكر من يحبه وهم المؤمنون لأنه غير ملتبس. وقيل: كالحب اللازم عليهم لله وقيل: كحبهم الله أي يسوّون بينه وبينهم في محبتهم بناء على أنهم كانوا مقرّين بالله {أية : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} تفسير : [العنكبوت: 65] {والذين آمنوا أشدُ حباً لله} لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره في السراء ولا في الضراء، ولا يجعلون وسائط بينهم وبينه بخلاف المشركين يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة آلهتها من حيس وهو الأقط والسمن والتمر عام المجاعة وفيهم قال الشاعر: شعر : أكلـــت حنيفــة ربهـــا زمــن التجعــم والمجــاعـة لم يحـذروا مـــن ربهـــم ســوء العـواقـب والتبـاعـة تفسير : واعلم أن إطلاق محبة العبد لله تعالى قد ورد في القرآن والحديث كما في هذه الآية وكقوله {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54] ويروى أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت. وقد جاء لقبض روحه - هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله. فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض. حديث : وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال: ماذا أعددت لها فقال: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبه.تفسير : ثم إن الأئمة اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، ويستحيل تعلق المحبة بذات الله وصفاته، فمعنى قولنا يحب الله يحب طاعة الله وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه. وأما العارفون فيقولون: إنا نحب الله لذاته لا لغرض، ولو كان كل شيء محبوباً لأجل شيء آخر دار أو تسلسل وإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه، والرجل الشجاع لقوته وغلبته، والرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب، فالله تعالى أحق بالمحبة لأن كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص، والكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه. وكلما كان الاطلاع على دقائق حكمة الله وقدرته وصنعه أكثر كان حبه له أتم، وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره ويفنى عن حظوظ نفسه، فيه يسمع وبه يبصر وبه يمشي ويتكلم بلسان الحال "ليس في جبتي سوى الله" فلا يعصي الله طرفة عين ولا يشتغل بحظ نفسه لمحة بصر كما قيل: شعر : تعصـي الإلـه وأنت تظهر حبه هذا لعمـري في الفعـال بديـع لـو كان حبـك صـادقاً لأطعته إن المحـب لمـن يحب مطيـع تفسير : ويحب الله ويحب أولياءه ومقربيه ويناوئ أعداءه ومخالفيه {أية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} تفسير : [المائدة: 54]. شعر : لعيـن تغـدى ألـف عين ويتقى ويكـرم ألـف للحبيـب المكـرم تفسير : {ولو يرى} قرئ بالياء والتاء "وأن" "وإن" بالفتح والكسر فههنا أربعة تقديرات: الأول: لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد إذا عاينوا العذاب يوم القيامة أن القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم وأن عذاب الله للظالمين شديد، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم. وحذف جواب "لو" دليل على فخامة شأن المحذوف ليذهب الوهم كل مذهب ويقدر من الفظاعة ما لا يكتنه كنهه كقولهم "لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه" بخلاف ما وقع التعبير عنه بلفظ معين. الثاني: ولو ترى - يا محمد أو يا من يتأتى منه الرؤية - هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم وقت معاينتهم العذاب بمعاينتهم أن القدرة كلها لله وأنه شديد العذاب، لرأيت أمراً عظيماً. فعلى هذا "أن" و "إن" مع معمولهما بدل من العذاب. قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية أي يرون أن القوة لله جميعاً. الثالث: بياء الغيبة وكسر "إن" و "إن" ومعناه كالأول، والجملتان معترضتان. أو المعنى لقيل: إن القوة لله. والرابع: على هذا القياس. ودخول "لو" وكذا "إذا" في المستقبل مع "أن" حقهما الدخول على الماضي نظم للمستقبل في سلك الماضي المقطوع به لصدوره عمن لا خلاف في إخباره. وقيل: لأن الساعة قريب فكأنها قد وقعت وكذا الكلام في {إذ تبرأ} وأنه بدل من {إذ يرون العذاب} وقيل: هو معمول شديد. والمراد بالذين اتبعوا القادة والرؤساء من مشركي الإنس. عن قتادة والربيع وعطاء: أو شياطين الجن الذين صاروا متبوعين بالوسوسة عن السدي: وقيل الأوثان. والتبري إما بالقول وهو أقرب، وإما بظهور العجز والندم بحيث لا يغنون عن أنفسهم من عقاب الله شيئاً فكيف عن غيرهم؟ {ورأوا العذاب} الواو للحال أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب {وتقطعت} عطف على {تبرأ} {بهم} أي عنهم فإن "تقطع" في معنى "زال أو وقع" تقطع الأسباب ملتبسة بهم مثل {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : [الأنعام: 94] بضم النون أو الباء للتعدية كأن أسباب الوصل صارت أسباب القطع ومصالحهم انقلبت عليهم مفاسد. والسبب في اللغة الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به. قالوا: ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به. والمراد ههنا الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب والأتباع والأشياع والعهود والعقود {لو أن لنا كرة} تمنّ ولذلك أجيب بالغاء كأنه قيل: ليت لنا كرة رجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف والمتبوعون مفتقرون إلى اتباعنا ونصرتنا حتى نتبرأ منهم بعدم النصرة والإعانة كما فعلوا هم اليوم {كذلك} مثل ذلك الإراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم حسرات} هو ثالث مفعول "أرى" أو مثل ذلك التبرؤ يريهم أعمالهم حسرات، فإن ذلك التبرؤ نوع إراءة. والمراد بالأعمال قيل الطاعات لزمتهم فلم يقوموا بها وضيعوها. عن السدي: وقيل المعاصي وأعمالهم الخبيثة يتحسرون لم عملوها. عن الربيع وابن زيد: وقيل ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر. عن الأصم: وقيل أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم. والحسرة شدة الندم على ما فات حتى بقي النادم كالحسير من الدواب وهو الذي لا منفعة فيه. والتركيب يدور على الكشف ومنه انحسر الطائر انكشف بذهاب ريشه. والحاصل أنهم لا يرون مكان أعمالهم إلا حسرات. فيا أيها المغرور بالسلامة ما أعددت ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يجعل الولدان شيباً، يوم يدع المسرور كئيباً. الدنيا دار تجارة فالويل لمن تزود منها الخسارة {وما هم بخارجين من النار} استدل الأشاعرة بالتقديم على التخصيص فقالوا: إن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار. وزعم المعتزلة أن بناء الكلام على "هم" لتقوي الحكم وإفادة التأكيد كقوله تعالى {أية : وهم يخلقون} تفسير : [الأعراف: 19] فإنه لا يدل على أن غير الأصنام غير مخلوق والله أعلم حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا...} الآية: النِّدُّ: النظير، والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ {كَحُبِّ ٱللَّهِ}، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق. وقوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب «لَوْ»: مضمَرٌ؛ على التقديرين، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته. وقرأ حمزةُ وغيره بالياء، أي: ولو يَرَىٰ في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذابَ، لعلموا أن القوة للَّه. و {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم. والسَّبَبُ؛ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ}، أي: الأتباع. والكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ...} الآيةَ: يحتمل أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي: يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ٱرتكَبُوها. وقال ابنُ مَسْعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها، والحَسْرَة: أَعلَىٰ درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ الذي ٱنقطَعَ، وذهبت قوَّته، وقيل: من حَسَر، إِذا كشف.
ابن عادل
تفسير : اعلم: أنه، سبحانه وتعالى، لمَّا قرَّر التوحيد بالدلائل العقلية القاطعة، أردفه بتقبيح ما يضاده؛ لأنَّ تقبيح ضد الشيء مما يوكِّد حسن الشَّيء. قال الشاعر: [الكامل] شعر : 876 -..................... وَبِضِدِّهَا تَتَبَيِّنُ الأَشْيَاءُ تفسير : وقالوا أيضاً: النِّعمة مجهولةٌ، فإذا فقدت عرفت، والنَّاس لا يعرفون قدر الصِّحَّة، فإذا مرضوا، ثم عادت الصحَّة إليهم، عرفوا قدرها، وكذا القول في جميع النِّعم، فلهذا السَّبب أردف الله تبارك وتعالى هذه الآية الدَّالَّة على التَّوحيد بهذه الآية الكريمة. قوله تعالى: "مَنْ يَتَّخِذُ" "مَنْ": في محلِّ رفع بالابتداء، وخبره الجارُّ قبله، ويجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون موصولةً. والثاني: أن تكون موصوفةً. فعلى الأوَّل: لا محلَّ للجملة بعدها. وعلى الثاني: محلُّها الرَّفع، أي: فريقٌ، أو شخصٌ متَّخذٌ، وأفرد الضمير في "يَتَّخِذُ"؛ حملاً على لفظ "مَنْ" و "يَتَّخِذُ": يفتعل، من "الأَخْذ"، وهي متعدِّية إلى واحد، وهو "أنداداً". قوله تعالى: "مِنْ دُونِ اللَّهِ": متعلِّق بـ"يَتَّخِدُ"، والمراد بـ"دُونِ" [هنا "غَيْرَ"]، وأصلها إذا قلت: "اتَّخَذْتُ مِنْ دُونِكَ صَدِيقاً"، أصله: اتخذت من جهةٍ ومكانٍ دون جهتك، ومكانك صديقاً، فهو ظرف مجازيٌّ، وأذا كان المكان المتَّخذ منه الصديق مكانك وجهتك منحطَّةً عنه، ودونه؛ لزم أن يكون غيراً؛ [لأنه ليس إيَّاه، ثم حُذِف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، مع كونه غيراً]، فصارت دلالته على الغيريَّة بهذا الطريق، لا بطريق الوضع لغةً، وتقدَّم تقرير شيء من هذا أوَّل السُّورة. فصل في اختلافهم في المراد بالأنداد اختلفوا في "الأَنْدَاد"، فقال أكثر المفسِّرين: هي الأوثان التي اتَّخذوها آلهةً، ورجوا من عندها النفع والضُّرَّ، وقصدوها بالمسائل، وقرَّبوا لها القرابين؛ فعلى هذا: الأصنام بعضها لبعضٍ أندادٌ أي أمثالٌ، والمعنى: أنَّها أندادٌ لله تعالى؛ بحسب ظنونهم الفاسدة. وقال السُّدِّيُّ: إنَّها السَّادة الَّذين كانوا يطيعونهم، فيحلون لمكان طاعتهم في أنَّهم يحلُّون ما حرّم الله، ويحرِّمون ما أحلَّ الله؛ ويدلُّ على هذا القول وجوه: الأوَّل: ضمير العقلاء في "يُحِبُّونَهُمْ". والثاني: يبعد أنَّهم كانوا يحبُّون الأصنام كحبِّ الله تعالى، مع علمهم بأنها لا تضر، ولا تنفع. الثالث: قوله بعد هذه الآية: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ}تفسير : [البقرة: 166]؛ وذلك لا يليق إلاَّ بالعقلاء. وقال الصُّوفية: كلُّ شيءٍ شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك ندّاً لله تعالى؛ ويدلُّ عليه قوله تبارك وتعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]. قوله تعالى: "يُحِبُّونَهُمْ" في هذ الجلمة ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون في محلِّ رفع؛ صفة لـ"مَنْ" في أحد وجهيها، والضمير المرفوع يعود عليها؛ باعتبار المعنى، بعد باعتبار اللَّفظ في "يَتَّخِذُ". والثاني: أن تكون في محلِّ نصبٍ؛ صفةً لـ"أَنْدَاداً"، والضمير المنصوب يعود عليهم، والمراد بهم الأصنام؛ وإنَّما جمعوا جمع العقلاء؛ [لمعاملتهم له معاملة العقلاء، أو يكون المراد بهم: من عبد من دون الله من العقلاء] وغيرهم، ثم غلب العقلاء على غيرهم. قال ابْنُ كَيْسَانَ، والزَّجَّاجُ: معناه: كَحُبِّ اللَّه، أي: يسوُّون بين الأصنام وبين الله تبارك وتعالى في المحبَّة. قال أبو إسْحَاقَ: وهذا القول الصحيح؛ ويدلُّ عليه قوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} نقله القرطبيُّ. الثالث: أن تكون في محل نصب على الحال مِنَ الضَّمير في "يَتَّخِذُ"، والضمير المرفُوع عائدٌ على ما عاد عليه الضَّمير في "يَتَّخِذُ"، وجُمِعَ حملاً على المعنى؛ كما تقدَّم. قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: في الآية حَذْفٌ، أي: يُحبُّونَ عبادَتَهُمْ، والانقياد إليهم. قوله تعالى: "كَحُبِّ الله" الكاف في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: يحبُّونَهُمْ حُبّاً كَحُبِّ اللَّه، وأمَّا على الحال من المَصدر المعرَّف؛ كما تقرَّر غير مَرَّة، والحُبُّ: إرادة ما تَاهُ وتظنُّه خيراً، وأصله من: حَبَبْتُ فُلانَاً: أصبتُ حَبَّةَ قَلْبِهِ؛ نحو: كَبِدتُهُ، وأَحْبَبْتُهُ: جعلت قَلْبِي مُعرَّضاً بأنْ يُحِبَّهُ، لكن أكثر الاستعمال أنْ يقال: أَحْبَبْتُهُ، فهو مَحْبُوبٌ، وَمُحَبٌّ قليلٌ؛ كقول القائل: [الكامل] شعر : 877 - وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بمَنزِلَةِ المُحَبِّ الْمُكْرَمِ تفسير : والحُبُّ في الأصل: مصدرُ "حَبَّهُ" وكان قياسه فتح الحاء، ومضارعُهُ يَحُبُّ بالضم، وهو قياس فعل المضعَّف، وشَذَّ كسره، و"مَحْبُوب" أكثر مِنْ "مُحَبٍّ"، و "مُحَبٌّ" أكثر من "حَابٍّ" وقد جمع الحُبُّ؛ لاختلاف أنواعه؛ قال: [الطويل] شعر : 878 - ثَلاًثَةُ أَحْبَابٍ فَحُبٌّ عَلاَقَةٌ وَحُبٌّ تِمِلاَّقٌ وَحُبٌّ هُوَ الْقَتْلُ تفسير : والحُبُّ مصدرٌ مضافٌ لمنصُوبِهِ، والفاعلُ محذوفٌ، تقديرُه، كحُبِّهِمْ الله أو كَحُبِّ المؤمنين اللَّهَ؛ بمعنى: أنَّهم سَوَّوا بين الحُبَّيْن: حبِّ الأنداد، وحُبِّ الله. وقال ابن عطيَّة: "حُبّ": مصدرٌ مضافٌ للمفعول في اللَّفْظ، وهو في التقدير مضافٌ للفاعل المُضمرِ، يريدُ به: أنَّ ذلك تقديرُه: كَحُبِّكُمُ اللَّهَ أو كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، حَسبما قدَّرَ كُلَّ وَجهٍ منهما فرقَةٌ انتهى. وقوله: "للفاعل المُضْمر" يريدُ به أنَّ ذلك الفاعل منْ جنس الضمائرِ، وهو "كمْ" أو "هُمْ" أو يُسَمَّى الحذف إضماراً وهو اصطلاحٌ شائعٌ ولا يريد أنَّ الفاعل مُضْمر في المصدرِ كما يُضْمَرُ في الأفعال؛ لأنَّ هذا قولٌ ضعيفٌ لبعضهم؛ مردُودٌ بأن المصدر اسم جنسٍ واسمُ الجنس لا يُضمرُ فيه لجمودِهِ. وقال الزمخشريُّ: "كَحُبِّ اللَّهِ" كتعظيم الله، والخُضُوع، أي: كما يُحَبُّ اللَّهُ؛ عليه أنه مصدرٌ مبنيٌّ من المفعول، وإنما استُغنِيَ عن ذكرِ من يُحِبُّهُ؛ لأنه غير مُلتبسٍ انتهى. أما جعلُهُ المصْدر من المبنيِّ للمفعول، فهو أحد ألأقوَالِ الثلاثة؛ أعني: الجوازَ مُطْلَقاً. والثاني: المَنْعُ مُطْلَقاً: وهو الصحيحُ. والثالث: [التفصيلُ بين الأفعال التي لم تُستَعْمل إلاَّ مَبْنِيَّةً للمفعول، فيجوز؛ نحو: عَجِبْتُ مِنْ جُنُونِ] زيد بالعلم، ومنه الآية الكريمةُ؛ فإنَّ الغالب من "حُبّ" أنْ يبنَى للمفعول وبيْنَ غيرها، فلا يجوزُ، واستدلَّ مَنْ أجازهُ مطْلقاً بقَول عائشة - رضي الله تعالى عنها - نَهَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل وَعَظَّم - عن قَتْل الأبتر، وَذُوا الطُّفيتين برفع "ذُو"؛ عَطْفاً على محل "الأبتر"؛ لأنَّه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعله تقديراً، أي أنْ يُقْتَلَ الأَبتَرُ، ولتَقرير هذه الأقْوال موضعٌ غير هذا. وقد رد الزَّجَّاجُ تقدير مَنْ قدَّر فاعل المصدر "المُؤْمنِينَ" أو ضميرهم. وقال "لَيْسَ بشَيْءٍ" والدليلُ على نقضه قوله بَعْدُ: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} ورجَّح أن يكون فاعل المصدر ضمير المتَّخذين، أي: يحبُّون الأصنام، كما يُحبُّون الله؛ لأنَّهم اشركوها مع الله، فَسَوَّوْا بين الله تعالى، وبين أوثانهم في المَحَبَّة، وهذا الذي قاله الزَّجَّاجُ واضحٌ؛ لأن التسوية بين محبَّة الكفَّار لأَوثانهم، وبين محبَّة المؤمنين لله يُنَافِي قوله {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} فإنَّ فيه نَفْيَ المُسَاواة. وقرأ أبو رجاء: "يَحُبُّونَهُمْ" بفتح الياء من "حَبَّ" ثلاثيّاً، و "أَحَبَّ" أكثر، وفي المَثَل: "مَنْ حَبَّ طَبَّ". فصل في المراد من قوله كحب الله في قوله: كَحُبِّ الله قولان: الأول: كَحُبِّهِم للَّهِ. والثاني: كَحُبِّ المؤمنين للَّهِ، وقد تقدَّم ردُّ هذا القَوْلِ. فإِن قيل: العاقل يستحيل أنْ يكون حبُّه للأوثان كحُبِّه لله؛ وذلك لأنه بضَرُورة العَقْل يَعْلَمُ أنَّ هذه الأوثانَ ينارٌ لا تسمع، ولا تعقلُ، وكانوا مُقرِّين بأنَّ لهذا العالَم صانعاً مدَبِّراً حَليماً؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [لقمان: 25] فمع هذا الاعتقادِ، كيف يُعْقَلُ أنْ يكُونَ حبِّهُمْ لتلك الأوثان كحُبِّهم لله تعالى، وقال تعالى؛ حكايةً عنهم أنَّهُم قالوا {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3] فكيف يعقل الاستواءُ في الحُبِّ؟ والجواب: كحُبِّ الله تعالى في الطَّاعة لها، والتَّعْظِيمِ، فالاستواءُ في هذه المحبَّة لا ينافي ما ذكرتُموه. قوله تعالى: "أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ": المُفضَّلُ عليه محذوفٌ وهم المُتَّخِذُون [الأندادَ، أي: أشدُّ حُبّاً لله من المُتَّخِذِين] الأنْدادَ لأوثانهم؛ وقال أبو البقاء: ما يتعلَّق به "أَشَدُّ" محذوفٌ، تقديره: أشَدُّ حُبّاً للَّهِ مِنْ حُبِّ هؤلاء للأنداد، والمعنى: أنَّ المؤمنين يُحبُّون الله تعالى أكثر من محبَّة هؤلاء [أوثَانَهُمْ، ويحتمل أن يكون المعنى: أن المؤمنين يُحبُّون الله تعالى أكثر ممَّا يحبُّه هؤلاء] المتَّخذون الأنداد؛ لأنهم لم يُشْرِكُوا معه غيره، وأتى بـ"أشَدُّ" موصِّلاً بها إلى أفعل التَّفضيل من مَادَّة "الحُبِّ"؛ لأنَّ "حُبَّ" مبنيٌّ للمفعول، والمبنيُّ للمفعول لا يُتعجَّب منه، ولا يبنى منه "أَفْعَل" للتَّفضيلِ؛ فلذلك أتى بما يجوز فيه ذلك. [فأمَّا قوله: "مَا أَحَبَّهُ إِلَيَّ" فشاذٌّ على خلافٍ في ذلك، و"حُبّاً" تمييزٌ منقولٌ من المبتدأ، تقديره: حُبُّهُمْ لِلَّهِ أشدٌّ]. فصل في معنى قوله أشد حبّاً لله معنى "أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ"، أي: أثبتُ وأدْوَمُ على حُبِّهِ؛ لأنَّهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتَّخذوا صَنَماً، ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأوَّل، واختاروا الثَّاني قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما-. وقال قتادة: إن الكافِرَ يُعْرِضُ عن معبودِهِ في وقت البَلاء، ويُقبل على الله تعالى [كما أخبر الله تعالى عنهم، فقال: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}تفسير : [العنبكوت: 65] والمؤمن لا يُعْرِضُ عن الله] في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، والشِّدَّة والرَّخاء؛ وقال سعيد بن جُبير: إِنَّ الله - عزَّ وجلّ - يأمُر يَوْم القيامةِ من أحرق نفسه في الدُّنيا على رُؤية الأصنام: أنْ يَدْخُلُوا جهنَّمَ مع أصنامِهِم، فلا يَدْخُلُون؛ لعلمهم أن عذابَ جَهَنَّم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين، وهم بين أَيدِي الكفَّار: إنْ كُنْتُم أحِبَّائي فادْخُلُوا جَهَنَّم فيقتحمون فيها، فيُنادي مُنادٍ منْ تحت العرش {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}. وقيل: وإنَّما قال: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}؛ لأنَّ الله تبارك تعالى أحَبَّهم أوَّلاً، ثم أحبُّوه، ومَنْ شهد له المعبود بالمحبَّة، كانت محبته أتمَّ؛ قال الله تعالى: "يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَه". فإن قيل: كيف يمكن أن تكون محبَّةُ المؤمن لله أشَدَّ مع أنَّا نَرَى اليهود يأتُون بطاعاتٍ شاقَّة، لا يأتي بمثلها أحَدٌ من المُؤمنين، ولا يأتُون بها إلا الله تعالى، ثم يقتلون أنفُسهم حبّاً لله؟ والجوابُ من وجوه: أحدها: ما تَقَدَّم من قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وسعيد بن جبير. وثانيها: أنَّ مَنْ أحب غيره رضي بقضائه، فلا يتصرف في مُلْكه، فأولئك الجُهَّال [قَتَلُوا أنْفُسَهُمْ بِغَيْرِ إذْنه، إنَّما المُؤمنون الذي يقتلُون أنْفُسَهم بإذْنِهِ، وذلك في الجهاد]. وثالثها: أنَّ الإنسَانَ، إذا ابتلي بالعَذَاب الشَّديد لا يمكنُهُ الاشتغال بمعرفة الرَّبِّ، فالذي فعلوه باطلٌ. ورابعها: أنَّ المؤمنين يوحِّدون ربَّهم، فمحبتهم مجتمعةٌ لواحدٍ، والكفَّارُ يعبدون مع الصنم أصناماً، فتنقص محبَّة الواحد منهم، أما الإله الواحد فتنضم محَّبة الجمع إليه. قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} جواب "لَوْ" محذوفٌ، واختلف في تقديره، ولا يظهر ذلك إلاَّ بعد ذكر القراءات الواردة في ألفاظ هذه الآية الكريمة. قرأ عامر ونافعٌ: "وَلَو تَرَى" بتاء الخطاب، "أنَّ القُوَّة" و"أَنَّ اللَّهَ" بفتحهما. وقرأ ابن عامر: "إِذْ يُرَوْنَ" بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو والكوفيون: "وَلَوَ يَرَى" بياء الغَيْبَة، "أنَّ القُوَّة"، "أَنَّ اللَّهَ" بفتحهما. وقرأ الحسن، وقتادة وشيبة، ويعقوب، وأبو جعفر: "وَلَوْ تَرَى" بتاء الخطاب، "أَنَّ القُوَّةَ"، و"إِنَّ اللَّهِ" بكسرهما. وقرا طائفةٌ: "وَلَوْ يَرَى" بياء الغيبة "إِنَّ القُوَّة" و "إِنَّ اللَّهِ" بكسرهما. إذا تقرَّر ذلك، فقد اختلفوا في تقدير جواب "لَوْ". فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قوله: "أَنَّ القُوَّةَ" ومنهم مَنْ قَدَّره بعد قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} هو قول أبي الحسن الأخفش. [والمُبرِّد. أمَّا مَنْ قدَّره قبل: "أَنَّ القوَّة" فيكون "أَنَّ الْقوةَ" معمولاً لذلك الجواب] وتقديره على قراءة "تَرَى" بالخطاب وفَتح "أنَّ" و "أنَّ": "لَعَلِمْتَ، أَيها السَّامعُ، أنَّ القُوَّةَ للَّهِ جميعاً" والمراد بهذا الخطاب: إِمَّا النبيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - وإمَّا: كُلُّ سامعٍ، فيكون معناه: ولو تَرَى يا محمَّدُ، أو يا أيُّها السَّامعُ، الَّذين ظَلَمُوا، يعني: أشركوا، في شدَّة العذاب لرأيت أمراً عظيماً [وقيل: معناه: قُلْ، يا محمَّد، أيُّها الظالم، لو تَرَى الَّذِين ظَلَمُوا من شدَّةِ العذابِ، لرأيتَ أمراً فظيعاً]. وعلى قراءة الكَسرَ في "إِنَّ" يَكُونُ التقديرُ: لَقُلْتَ إِنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، والخلافُ في المراد من الخطاب كما تقدَّم، أو يكون التقدير: "لاَسْتَعْظَمْتَ حَالَهُمْ"، وإنما كُسِرَتُ "إِنَّ"؛ لأنَّ فيها معنى التعليل؛ نحو قولك: "لو قَدِمْتَ على زيدٍ، لأَحْسَن إلَيك؛ إنَّه مُكْرِمٌ لِلضِّيفَانِ" فقولُك: "إِنَّهُ مُكْرمٌ لِلضِّيفَانِ" علَّةٌ لقولك: "أَحْسَنَ إِلَيْكَ" وقال ابن عطيَّة: تقديره: "وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ في حَال رُؤيتِهِم العذابَ وفَزَعهمْ منْه، واسْتِعْظَامِهِمْ له، لأقَرُّوا أنَّ القُوَّة لِلَّهِ جمِيعاً". وناقشه أبو حَيَّان، فقال: كانَ يَنْبغي أنْ يقول: "فِي وقْتِ رُؤْيتهم العذابَ" فيأتي بمرادف "إِذْ" وهو الوَقْت لا الحَالُ وأيضاً: فتقديرُه لجَوابِ "لو" غيْر مُرتَّبٍ على ما يلي "لَوْ"؛ لأن رؤية السَّامع أو النبيِّ - علَيْه الصَّلاة والسَّلام - الظَّالمين في وقت رُؤيتهِمْ [لا يترتَّب عليها إقْرَارُهُمْ بأنَّ القوَّة لله جميعاً؛ وهو نظيرُ قولك: يَا زيَدُ، لَوْ تَرَى عَمْراً فِي وَقْتِ] ضَرْبِهِ، لأَقرَّ أَنَّ الله - تعالى - قادِرٌ عَلَيْهِ. فإقرارُهُ بقُدْرة اله تعالى ليسَ مترتِّباً على رؤية زيدٍ. انتهى. وتقديره على قراءة "يَرَى" بالغيبة: "لَعَلِمُوا أنَّ القُوَّة لِلَّهِ" [إن كان فاعلُ "يَرَى": الَّذِينَ ظَلَمُوا، وإنْ كان ضميراً يَعْودُ على السَّامع، فيقدَّر: "لَعَلِمَ أنَّ القُوَّة"] وأمَّا مَنْ قدَّره بعد قوله "شَدِيد العَذَابِ"، فتقديره على قراءة "تَرَى" بالخطاب: "لاَسْتَعْظَمْتَ مَا حَل بِهِمْ" ويكون فَتْح أَنَّ على أَنَّهُ مفعولٌ مِنْ أجله، أي: "لأَنَّ القوَّةَ للَّهِ جميعاً" وكسْرُها على معنى التعليل؛ نحو: "أَكْرِمْ زيْداً؛ إنَّه عالمٌ، وأَهِنْ عَمْراً؛ إِنَّهُ جَاهِلٌ" أو تكون جملة معترضة بين "لَوْ" وجوابها المحذوف، وتقديره؛ على قراءة "وَلَوْ يَرَى" بالغيبة، إن كان فاعلُ "يَرَى" ضمير السَّامع: "لاَسْتَعْظَمَ ذَلِكَ" وإِنْ كان فاعلُهُ الَّذينَ، كان التقديرُ "لاَسْتَعْظَمُوا مَا حَلَّ بِهِمْ" ويكون فتح "أَنَّ" على أَنَّهَا معمولةٌ لـ"يَرَى" على أن يكون الفاعل "الَّذِينَ ظَلَمُوا" والرؤية هنا تحتملُ أنْ تكُونَ من رُؤية القَلْب، فتسُدَّ "أَنَّ" مَسَدَّ مفعوليها، وأنْ تكُون مِنْ رؤية البَصَر، فتكون في موضع مفعول واحدٍ. واَمَّا قراءة "يَرَى" [الَّذِينَ] بالغيبة، وكَسْر "إِنَّ" و "إِنَّ" فيكون الجواب قولاً محذوفاً، وكُسرَتَا لوقوعهما بعد القَوْل، فتقديرُه على كون الفاعل ضمير الرَّأي، لَقَالَ: "إِنَّ القُوَّةَ" وعلى كَونه "الَّذِينَ": "لَقَالُوا" ويكون مفعول "يَرَى" محذوفاً، أي: "لَوْ يَرَى حَالَهُمْ" ويحتمل أنْ يكون الجواب: "لاَسْتَعْظَمَ، أو لاسْتَعْظَمُوا" على حسب القولين: وقدَّر بعضهم: {مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} وإنَّما كُسِرَتَا؛ استئنافاً، وحَذُفُ جواب "لَوْ" شائعٌ مستفيضٌ كثيرٌ في التنزيل، قال تبارك وتعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [الأنعام: 93] {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [الرعد: 31] ويقولون: "لَوْ رَأَيْتَ فُلاَناً، والسِّيَاطُ تَأخُذُ مِنْهُ" قالوا: وهذا الحَذفُ أفخم وأشَدُ في التخويف ممَّا إذا عيّن له ذلك الوعيد، ففائدة الحذف استعظامُهُ وذهَابُ النَّفس كلَّ مَذْهَب فيه؛ بخلاف ما لو ذكر فإنَّ السامع يقصُرُ همَّه عليه، وقد وَرَد في أَشْعَارِهمْ ونَثْرِهِمْ حذْفُه كثيراً؛ قال امرُؤُ القَيْسِ: [الطويل] شعر : 879 - وَجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا تفسير : وقال النَّابغة: [الطويل] شعر : 880 - فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً أَبُوا حُجُرٍ إِلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ تفسير : ودخلت "إِذْ"، وهي ظرفُ زمانٍ ماضٍ في أثناء هذه المستقبلات تقريباً للأمر، وتصحيحاً لوقوعه؛ كما وقعت صيغة المُضِيِّ موضع المستقبلِ لذلك؛ كقوله: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف: 44]. وكما قال الأشتر: [الكامل] شعر : 881 - بَقَّيْتُ وَفْرِي وَانْحَرَفْتُ عَنْ العُلاَ وَلَقيْتُ أَضْيَافِي بِوَجْهِ عَبوسِ إِنْ لَمْ أَشُنَّ عَلَى ابْنِ حَرْبٍ غَارَةً لَمْ تَخْلُ يَوْماً مِنْ نِهَابِ نُفُوسِ تفسير : فأوقع "بَقَّيْتُ" و "انْحَرَفْتُ" - وهما بصيغة المضيِّ - موقع المستقبل، لتعليقهما على مستقبلٍ، وهو قوله: إنْ لم أشنَّ". وجاء في التنزيل كثيرُ مِنْ هذا الباب قال تبارك وتعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [الأنعام: 27] {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ}تفسير : [سبأ: 51] ولما كان وقوعُ السَّاعةَ قريباً، أجْرَاه مجرَى ما حَصَل ووقع، مِنْ ذلك قولُ المُؤَذِّن: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَة، يقوله قبل إيقَاعِ التَّحْريم بالصَّلاَة؛ لقرب ذلك. وقيل: أَوْقَعَ "إِذْ" موقع "إِذَا"؛ [وقيل: زمن الآخر متصلٌ بزمن الدنيا، فقام أحدهما مقام الآخر؛ لأنَّ المجاور للشَّيء يقوم مَقَامه، وهكذا كُلُّ موضع وقع مثْلَ هذا، وهو في القرآن كثير]. وقرأ ابن عامر "يَرَوْنَ الْعَذَابَ" مبنيّاً للمفعول من "أَرَيْتُ" المنقولة مِنْ "رَأَيْتُ" بمعنى "أبْصَرْتُ" فتعدَّت لاثنين: أولهما: قام مقام الفاعِلِ، وهو الواو. والثاني: هو العذاب. وقراءةُ الباقين واضحة. وقال الراغب: قوله: أَنْ القُوَّةَ" بدلٌ من "الَّذِينَ" قال: "وهو ضعيفٌ". قال أبو حيَّان رحمه الله - ويَصيرُ المَعْنَى: "ولو تَرَى قُوَّة اللَّهِ وقُدْرَتَهُ على الَّذين ظَلَمُوا" وقال في المُنْتَخَب: قراءة الياء عند بعضهم أَوْلى من قراءة التَّاء؛ قال: "لأَنَّ النبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - والمؤمِنِينَ قَدْ علِمُوا قدْرَ ما يُشَاهِدُه الكُفَّار، وأما الكُفَّار، فلم يعلَمُوه؛ فوجَبَ إسْنادُ الفِعل إِلَيْهِم" وهذا أمر مردودٌ؛ فإن القراءتَيْن متواترتَانِ. قوله تعالى: "جميعاً" حالٌ من الضَّمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور، والواقعِ خَبَراً، لأنَّ تقديره: "أّنَّ القُوَّة كائنةٌ لله جميعاً"، ولا جائزٌ أنْ يكونَ حالاً منَ القُوَّة؛ فإن العامل في الحال، هو العامل في صاحبها، وأَنَّ لا تعمَلُ في الحال، وهذا مشكل؛ فإنهم أجازوا في "ليت" أن تعمل في الحال، وكذا "كأنَّ"؛ لِمَا فيها من معنى الفعل - وهو التمنِّي والتَّشْبيهُ - فكان ينبغي أن يجوز ذلك في "أَنَّ" لما فيها مَعْنَى التَأْكِيد. و"جَمِيعٌ" في الأصل: "فَعِيلٌ" من الجمع، وكأنه اسم جمع؛ فلذلك يتبع تارةً بالمُفرد؛ قال تعالى: {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}تفسير : [القمر: 44] وتارة بالجَمع؛ قال تعالى: {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}تفسير : [يس: 32] وينتصب حالاً، ويؤكَّد به؛ بمعنى: "كُلّ" ويدلُّ على الشمول؛ كدلالة "كُلِّ"، ولا دلالة له على الاجتماع في الزَّمان، تقول: "جاءَ القَوْمُ جَمِيعُهُمْ" لا يلزمُ أنْ يكُونَ مجيئهم في زمن واحدٍ، وقد تقدَّم ذلك في الفَرْق بينها وبين "جاءُوا معاً".
البقاعي
تفسير : ولما نهضت الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب من عبد سواه وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة مشيراً بختم التي قبل بيعقلون، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ويتجلى الجبار في صفة النقمة فقال سبحانه وتعالى عاطفاً على ما قدرته مما أرشد إليه المعنى: ومن، أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن بربه وفنى في حبه {ومن الناس من يتخذ} وهم من لا يعقل {من دون الله} الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة {أنداداً} مما خلقه، ادعوا أنهم شركاؤه، أعم من أن يكونوا أصناماً أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله والتحريم والتحليل من غير أمر الله {يحبونهم} من الحب وهو إحساس بوصلة لا يدرى كنهها {كحب الله} الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من الطاعة والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره، هذا على أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم لله لأنهم مشركون {والذين آمنوا أشد حباً لله} الذي له الكمال كله من حب المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله، لأنهم لا يعدلون به شيئاً في حالة من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم يعدلون في الشدائد إليه سبحانه وتعالى، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي. وقال الحرالي: ولما استحق القوم القائمون في أمر الله سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أنداداً مما يقال فيهم: قوم، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدّد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البيّنة آثاره، فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حباً كأنه وصلة بين بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أنداداً، ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ نداً من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن عبد حجراً فقلبه في القلوب حجر ومن عبد نباتاً فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد دابة {أية : وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} تفسير : [البقرة: 93] كذلك إلى ما يقع معبوداً من دون الله ما بين أعلى النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضاً من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد النار قلبه نار وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه {أية : أرأيت من اتخذ إلهه هواه} تفسير : [الفرقان: 43] فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات فعادل سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب للأمر مطيع، فالمحب أعلى في الطرفين - انتهى. ولما عجب من حالهم حذر من سوء منقلبهم ومآلهم فقال: {ولو يرى الذين ظلموا} أي ولو يرون أي المتخذون للأنداد ولكنه أظهر لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ما يذكر، وهو وضعهم الشيء في غير محله كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة، وذلك هنا تسويتهم ممن لا يملك شيئاً أصلاً بمن يملك كل شيء {إذ يرون العذاب} أي يتخذون أنداداً والحال أنهم لو يعلمون حين إهانتهم ولين ما غلظ من أكبادهم ورؤية ما لا يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذاباً {أن القوة لله} الذي له مجامع الكمال {جميعاً} حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم {وأن الله} الذي لا ملك سواه {شديد العذاب} لم يتخذوا أنداداً ولم يعدلوا بالله أحداً، أو يكون التقدير: ولو ترى بالتاء والياء، أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد - إلى آخره. وقال الحرالي: قال تعالى: {ولو يرى} عطفاً على متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم في الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء" تفسير : إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، وفي قوله "ترى" بالتاء إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله {يرى} بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم عما هم عليه لو رأوه - انتهى. {إذ يرون} أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب، أي الأكبر الذي لا عذاب مثله؛ كما أفهمه تعريفه بأل، ثم بينه بقوله {إن القوة} وهي مُنّة الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوى جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها لله جميعاً، فإنه لا شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفرداً بالعز في كل معنى لا سيما إذا كان جباراً متكبراً شديد البطش ممن عصاه، كما يشير إليه قوله: {وإن الله شديد العذاب} ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعاً. وقال الحرالي: موضع الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعاً سلباً عن جميع أندادهم الذين أحبوهم وعن أنفسهم، كما قال قائلهم {أية : نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد} تفسير : [النمل: 33] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعاً، وفي {إن القوة} إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر، ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال {وإن الله شديد العذاب} إكمالاً للخطاب بظاهره، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسماً أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطناً لظاهر وظاهراً لباطن في المتعاطفين جميعاً في قوله {إن القوة لله جميعاً وإن الله شديد العذاب} انتهى أو يقال: إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله جميعاً فلا مانع له من إتيانهم به، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له وأنه كامل القدرة شامل العلم، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى كل ضرب من أنواع التوعد، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه عليه، فالتقدير: لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو لرأوا أمراً فظيعاً هائلاً شاغلاً لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من الظلم، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله؛ ثم أبدل من {إذ يرون} قوله: {إذ تبرأ} وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك {الذين اتُّبعوا} أي مع اتباع غيرهم لهم، وهم الرؤساء {من الذين اتَّبعوا} مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم. وقال الحرالي: قال ذلك إظهاراً لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول لتتسق الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها وإعلاءً للخطاب بما هو المعقول علمه المتقدم إلى ما في الإيمان نبأه ليتم نور العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي؛ ثم قال: بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في الكون، فكأنه في المعنى: إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من {أن القوة لله جميعاً} ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى. قال تعالى {ورأوا} أي الكل {العذاب} أي الذي لا محيص لهم عنه. وقال الحرالي: قاله رداً للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب عليهم وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيباً عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضاً - انتهى. {وتقطعت} أي تكلفت وتعمدت القطع وهو بين المتصل، أشار إليه الحرالي، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة، ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن يظهر لهم انقطاع الأسباب شيئاً فشيئاً زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم {بهم} أي كلهم جميع {الأسباب *} أي كلها، وهي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، والسبب ما يتوصل به إلى حصول، في الأصل الحبل، ثم قيل لكل مقصد. قال الحرالي: وفيه إشعار بخلوّ بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى. {وقال الذين اتبعوا} وهم الأذناب متمنين للمحال ندماً على اتباع من لا ينفع حيث لا ينفع الندم {لو أن لنا كرة} أي رجعة إلى الدنيا. وقال الحرالي: هي رجع وعودة عند غاية فرّة - انتهى. ولما كانت "لو" بمعنى التمني نصب جوابها فقال {فتبرأ منهم} أي الرؤساء هناك ونذلهم {كما تبرؤوا منا} وأذلّونا هنا. وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى. ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال تعالى: على طريق الاستئناف جواباً لمن يقول: لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون جزاء أعمال الجوارح {كذلك} أي الأمر الفظيع المهول {يريهم الله} الذي له القدرة التامة والعظمة الكاملة {أعمالهم} الخبيثة وغيرها {حسرات عليهم} أي تلهفاً على ما فات، إطلاقاً للمسبب على السبب وأشار بأداة الاستعلاء إلى غلبتهم وشدة هوانهم فقال: {عليهم} وقال الحرالي: لما كانت عقائدهم فيهم حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا حسرات {أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً *} تفسير : [الفرقان: 23] كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه، فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم على أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، والمتبوع منهم متأله لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه {أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : [الزمر: 65] والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى. ويدخلون بأعمالهم النار {وما هم} أي بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من السعير إلى الزمهرير يعودون إليه {بخارجين من النار *} يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول الآباد ومر الأحقاب، بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها. قال الحرالي: وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال سبحانه وتعالى: {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} تفسير : [السجدة: 20] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم منّة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن {أية : وما هم منها بمخرجين} تفسير : [الحجر: 48] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - انتهى. ولعل الآية ناظرة إلى قوله أول السورة {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين} تفسير : [البقرة: 8] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في العرب، فصار قوله: {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم} تفسير : [البقرة: 6] شاملاً للأقسام الأربعة، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم المنافقين والمشاققين من أهل الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار قسما العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل الكلاب؛ ولما عجب سبحانه وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيراً لهم بالنعمة وتودداً إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه نداً من البحيرة والسائبة والوصيلة وما شاكلها فقال {يا أيها الناس} وإن اختصرت فقل: لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق مستعطف منادياً لهم إلى تأبيد نفعهم قائلاً: {يا أيها الناس} أي كافة. وقال الحرالي: لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهراً وقبوله باطناً، قال عليه الصلاة والسلام: "لا يقبل الله عملاً إلا بالورع الشافي"؛ وكما قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال {يا أيها الناس} فانتظم بخطاب قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى. ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفاً بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحاً لهم ما أنعم به عليهم {كلوا} ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال: {مما في الأرض} أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية. ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال: {حلالاً} قال الحرالي: وهو ما انتفى عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في نفسه كلحم الخنزير، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله: {طيباً} أي غير خبيث مستقذر، والأصل فيه ما يستلذ؛ ويوصف به على جهة التشبيه الطاهرُ لأن النجس تكرهه النفس لقذره، والحلالُ لأن الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه. وقال الحرالي: الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب ما لا منازغ فيه - انتهى. ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال: {ولا تتبعوا} وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون عليها ما داموا في هذه الرتبة {خطوات} جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي {الشيطان} أي طرقه في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب وتحليل الحرام كالميتات، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله: {أية : ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} تفسير : [النساء: 119] الآية وهو من شطن إذا بعد، وشاط إذا احترق، فهو يبعدهم - كما قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى منها إلى المحرمات - انتهى. ثم علل ذلك بقوله: {إنه لكم عدو} بتكبره على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم {مبين *} أي ظاهر العداوة فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي. ثم علل إبانة عداوته والنهي عن اتباعه بقوله: {إنما} فحصر لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد؛ وفي قوله: {يأمركم} كما قال الحرالي إنباء بما مكنه الله سبحانه وتعالى حتى صار أمراً {بالسوء} وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة {والفحشاء} قال الحرالي: وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع، بذلك يفحش الفعل {وأن تقولوا على الله} الحائز أقصى مراتب العظمة {ما لا تعلمون *} مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من إشراك أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم أو غير ذلك، ولقد أبلغ سبحانه وتعالى في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه لطفاً منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته بما أنعم عليهم بخلقه لهم أولاً وبجعله لهم ملائماً ثانياً وإباحته لهم ثالثاً وتحذيره لهم من العدو رابعاً - إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن في سياق مشير إلى جميع أصناف الحلال وسبب تحليله. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال: وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه؛ ولما كان الإنسان مخلوقاً من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما استثنى منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعاً وتحسن مغبّته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم من غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} تفسير : [البقرة: 29] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان والله سبحانه وتعالى أعلم {أية : هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} تفسير : [النحل: 10] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى: {أية : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون} تفسير : [يس: 23] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه، ومن متسع خلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه {أية : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} تفسير : [آل عمران: 14] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة {أية : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} تفسير : [الأحقاف: 20] "حديث : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" {أية : فاستمتعوا بخلاقهم} تفسير : [التوبة: 69] ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفؤوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه سعد؛ وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه؛ ولذلك لم يأذن الله سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة: 168] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل يخلصون وذلك في قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} تفسير : [البقرة: 172] وهو ما طيبه حرف النهي علماً، وبرىء من حوادّ القلوب طمأنينة، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات}تفسير : [المؤمنون: 51] وورد جواباً لسؤالهم في قوله تعالى {أية : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} تفسير : [المائدة: 4]؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن وصح هداه وصفا لبّه ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسّى وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته: اعلم أن الإنسان لما كان جامعاً كان بكل شيء منتفعاً أما في حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في الفصل الأول أي حرف الحرام {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} تفسير : [البقرة: 29] {أية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} تفسير : [الأنعام: 145] الآية: وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة {أية : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}تفسير : [البقرة: 173]؛ {أية : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}تفسير : [المائدة:3]؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداماً أو فاكهة أو دواء كذلك؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته {أية : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} تفسير : [البقرة: 219] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل وإدراك الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو أصبت شيئاً أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي شيئاً ينقص من عقلي! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينبه على حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملاً بقوله تعالى {أية : يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} تفسير : [آل عمران: 164] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة "تذهب بطخاء الفؤاد" وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز الشعير والسلق: "حديث : كل من هذا فإنه أوفق لك"تفسير : وقال في التمر والقثاء: "حديث : حر هذا يكسر برد هذا"تفسير : . وقال لرمد: "حديث : أتأكل التمر وأنت رمد؟"تفسير : وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس: "حديث : لا تفعلي يا حميراء! فإنه يولد البرص"تفسير : وقال: "حديث : استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام" تفسير : وقال لامرأة استطلقت بالشُّبْرُم: "حديث : حار جار، ألا استطلقت بالسنا؟ فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا"تفسير : إلى غير ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مَجَمّة لفؤاد المريض وتذهب بعض الحزن. ومثل ذلك كثير من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم ومجربات الحكماء ومعارف الحكماء الحنفاء، قال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى {أية : يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} تفسير : [الأعراف: 157] الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشحّ بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به الضيافة على أهل الوبر {أية : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} تفسير : [النساء: 8] {أية : وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} تفسير : [الروم: 38] {أية : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} تفسير : [الحج: 36] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة {أية : إنما الخمر والميسر} تفسير : [المائدة: 90] إلى قوله {أية : لعلكم تفلحون} {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} تفسير : [النساء: 2] {أية : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}تفسير : [الحشر: 9 والتغابن: 16] وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه الاشتراك {أية : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} تفسير : [النساء: 29] {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً}تفسير : [النساء: 4] هذه الشروط الثلاثة من السخاء والصبر والتراضي في النفس، وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما تنوول بغير اسمه أخذ تلصصاً على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه المتناول معه في خطواته وشاركهم في الأموال والأولاد؛ جاء أعرابي وصبي ليأكلا طعاماً بين أيدي النبي صلى الله عليه وسلم بغير تسمية فأخذ بأيديهما وقال "حديث : إن الشيطان جاء ليستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع أيديهما"، تفسير : فسمى النبي صلى الله عليه وسلم وأكل ثم أطلقها وقال: "حديث : كلا باسم الله" تفسير : وقال لغلام آكل: "حديث : يا غلام! سمّ الله" تفسير : والثاني التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، واليمين خادم ما علا من الجسد والشمال خادم ما سفل منه. والثالث أن يتناول تناول تقنّع وترفع عن تناول النهبة "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاثة أصابع"تفسير : "حديث : ويشرب مصّاً في ثلاث"تفسير : وقال: "حديث : هو أبرأ وأمرأ وأهنأ" تفسير : وقال: "حديث : الكُباد من العبّ" تفسير : والرابع الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ الحواس الظاهرة والباطنة؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال؛ و "حديث : ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن"تفسير : و "حديث : ما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاماً"تفسير : و "حديث : المؤمن يأكل في معّى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء"تفسير : لتوكل المؤمن في قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته: "وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلاً فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" انتهى. قلت: ولعل المراد أن الكافر يأكل شبعاً فيأكل ملأ بطنه لأن الأمعاء كما قالوا سبعة، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معّى واحد وهو سبع بطنه، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: والخامس حمد الله تعالى في الختام، لأن من لم يحمد الله في الختام كفر بنعمته. ومن حمد غير الله آمن بطاغوته؛ فبهذه الأمور معرفة في القلب وحالاً في النفس وآداباً في العمل تصح قراءة حرف الحلال ويحصل خير الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله} قال: مباهاة ومضارة للحق بالأنداد {والذين آمنوا أشد حباً لله} قال: من الكفار لآلهتهم. وأخرج ابن جريرعن السدي في الآية قال: الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمر، وهم أطاعوهم وعصوا الله. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} أي شركاء {يحبونهم كحب الله} أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله {والذين آمنوا أشد حباً لله} قال: من الكفار لآلهتهم أي لأوثانهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {يحبونهم كحب الله} قال: يحبونهم أوثانهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله من الكفار لأوثانهم. وأخرج ابن جرير عن الزبير في قوله {ولو ترى الذين ظلموا} قال: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أنداداً يحبونهم كحبكم إياي حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوة كلها إليّ دون الأنداد، والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئاً ولا تدفع عنهم عذاباً، أحللت بهم وأيقنتهم أني شديد عذابي لمن كفرني، وادعى معي إلهاً غيري. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: كان في خاتم {أن القوة لله جميعاً} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إذ تبرأ الذين اتبعوا} قال: هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشر والشرك {من الذين اتبعوا} وهم الأتباع والضعفاء. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {إذ تبرأ الذين اتبعوا} قال: هم الشياطين تبرأوا من الإِنس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {وتقطعت بهم الأسباب} قال: المودّة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وتقطعت بهم الأسباب} قال: المنازل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وتقطعت بهم الأسباب} قال: الأرحام. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله {وتقطعت بهم الأسباب} قال: الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا والمودة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في قوله {وتقطعت بهم الأسباب} قال: الأعمال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع {وتقطعت بهم الأسباب} قال: أسباب المنازل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وتقطعت بهم الأسباب} قال: أسباب الندامة يوم القيامة، والأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون بها، فصارت عداوة يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة} قال: رجعة إلى الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} يقول: صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وما هم بخارجين من النار} قال: أولئك أهلها الذين هم أهلها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأوزاعي قال: سمعت ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت {وما هم بخارجين من النار} .
ابو السعود
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} بـيانٌ لكمال ركاكةِ آراءِ المشركين إثرَ تقريرِ وحدانيتِه سبحانه وتحريرِ الآياتِ الباهرةِ المُلجئةِ للعقلاء إلى الاعتراف بها الفائضةِ باستحالة أن يشاركَه شيءٌ من الموجودات في صفة من صفات الكمالِ فضلاً عن المشاركة في صفات الألوهية، والكلامُ في إعرابه كما فُصّل في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [البقرة، الآية 8] الخ ومن دون الله متعلق بـيتخذ أي من الناس مَنْ يتخذ من دون ذلك الإلٰهِ الواحدِ الذي ذُكرتْ شؤونُه الجليلةُ، وإيثارُ الاسمِ الجليل لتعيـينه تعالى بالذات غِبَّ تعيـينه بالصفات {أَندَاداً} أي أمثالاً وهم رؤساؤُهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون، لا سيما في الأوامر والنواهي كما يُفصح عنه ما سيأتي من وصفهم بالتبرِّي من المتّبعين وقيل: هي الأصنام، وإرجاعُ ضميرِ العقلاءِ إليها في قوله عز وعلا: {يُحِبُّونَهُمْ} مبنيٌّ على آرائهم الباطلةِ في شأنها، وصفَهم بما لا يوصف به إلا العقلاءُ، والمحبةُ ميلُ القلب، من الحب استُعير لحبَّة القلبِ ثم اشتُق منه الحبُ لأنه أصابها ورسخ فيها، والفعل منها حبَّ على حد مَدّ لكن الاستعمالَ المستفيضَ على أحب حباً ومحبةً فهو مُحِب وذاك محبوبٌ ومُحَبّ قليل، وحابّ أقلُ منه ومحبةُ العبد لله سبحانه إرادةُ طاعته في أوامره ونواهيه، والاعتناءُ بتحصيل مراضيه، فمعنى يُحبونهم يطيعونهم ويعظمونهم والجملة في حيز النصبِ إما صفةٌ لأنداداً أو حالٌ من فاعل يتخذ وجمعُ الضمير باعتبار معنى مَنْ كما أن إفرادَه باعتبار لفظِها {كَحُبّ ٱللَّهِ} مصدر تشبـيهيٌّ أو نعتٌ لمصدر مؤكدٍ للفعل السابق ومن قضية كونِه مبنياً للفاعل كونُه أيضاً كذلك، والظاهرُ اتحادُ فاعلِهما فإنهم كانوا يُقِرّون به تعالى أيضاً ويتقربون إليه فالمعنى حباً كائناً كحبهم لله تعالى، أي يسوّون بـينه تعالى وبـينهم في الطاعة والتعظيم، وقيل: فاعلُ الحبِّ المذكورِ همُ المؤمنون فالمعنى حباً كائناً كحب المؤمنين له تعالى، فلا بد من اعتبار المشابهة بـينهما في أصل الحبِّ لا في وصفِه كماً أو كيفاً لما سيأتي من التفاوت البـين وقيل: هو مصدر من المبنيّ للمفعول أي كما يُحب الله تعالى ويعظم، وإنما استُغني عن ذكر مَنْ يحبه لأنه غير ملبس، وأنت خبـير بأنه لا مشابهةَ بـين محبتِهم لأندادهم وبـين محبوبـيتِه تعالى، فالمصيرُ حينئذ ما أسلفناه في تفسير قوله عز قائلاً: {أية : كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} تفسير : [البقرة، الآية 108] وإظهارُ الاسم الجليلِ في مقام الإضمارِ لتربـية المهابة، وتفخيمِ المضاف وإبانةِ كمال قُبحِ ما ارتكبوه. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} جملة مبتدأة جيءَ بها توطئةً لما يعقُبها من بـيان رخاوةِ حبِّهم وكونِه حسرة عليهم، والمفضلُ عليه محذوفٌ أي المؤمنون أشدُّ حباً له تعالى منهم لأندادهم، ومآلُه أن حبَّ أولئك له تعالى أشدُّ من حب هؤلاءِ لأندادهم فيه من الدَلالة على كون الحبِّ مصدراً من المبني للفاعل ما لا يخفى، وإنما لم يُجعل المفضلُ عليه حبَّهم لله تعالى لما أن المقصودَ بـيانُ انقطاعِه وانقلابِه بغضاً وذلك إنما يُتصور في حبهم لأندادهم لكونه منوطاً بمبانٍ فاسدةٍ ومبادٍ موهومةٍ يزول بزوالها، قيل: ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشدائد إلى الله سبحانه وكانوا يعبُدون صنماً أياماً فإذا وجدوا آخَرَ رفضوه إليه. وقد أكلت باهلةُ إلٰهَاً عام المجاعةِ وكان من حيس. وأنت خبـير بأن مدارَ ذلك اعتبارُ اختلال حبِّهم لها في الدنيا، وليس الكلام فيه بل في انقطاعه في الآخرة عند ظهورِ حقيقةِ الحال ومعاينةِ الأهوال كما سيأتي بل اعتبارُه مخِلٌّ بما يقتضيه مقامُ المبالغة في بـيان كمالِ قبحِ ما ارتكبوه وغايةِ عظم ما اقترفوه، وإيثارُ الإظهار في موضع الإضمار لتفخيم الحُبِّ والإشعارِ بعلّته {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي باتخاذ الأنداد ووضعِها موضعَ المعبود {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} المُعدَّ لهم يومَ القيامة أي لو علِموا إذا عاينوه، وإنما أوثر صيغةُ المستقبل لجريانها مجرىٰ الماضي في الدلالة على التحقيق في أخبار علامِ الغيوب {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} سادّ مسدَّ مفعولي يرى {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} عطفٌ عليه وفائدتُه المبالغةُ في تهويل الخطبِ وتفظيعِ الأمر فإن اختصاصَ القوة به تعالى لا يوجب شدةَ العذاب لجواز تركِه عفواً مع القدرة عليه، وجوابُ لو محذوفٌ للإيذان بخروجه عن دائرة البـيانِ، إما لعدم الإحاطةِ بكنهه وإما لضيق العبارةِ عنه وإما لإيجاب ذكرِه ما لا يستطيعه المعبِّر أو المستمِعُ من الضجر والتفجُّع عليه أي لو علموا إذ رأوُا العذابَ قد حل بهم ولم يُنقِذْهم منه أحدٌ من أندادهم أن القوة لله جميعاً، ولا دخل لأحد في شيء أصلاً لوقعوا من الحسرة والندم فيما لا يكاد يوصف وقرىء ولو ترى بالتاء الفوقانية على أن الخطابَ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب فالجوابُ حينئذ لرأيتَ أمراً لا يوصَف من الهول والفظاعة، وقرىء إذ يُرَوْن على البناء للمفعول وأن الله شديد العذاب على الاستئناف وإضمارِ القول.
التستري
تفسير : وقوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}[165] أي يحبون الأنداد كحبهم الله عزَّ وجلَّ، فقد وصف الله تعالى شدة كفرهم وصدقهم في حال الكفر جهلاً، ووصف محبة المؤمنين وصدقهم في الإيمان بالله تعالى حقاً، ثم فضل المؤمنين بالمعرفة فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}[165] بمعرفتهم وسائر أسباب العبد المؤمن إلى الإقبال عليه وإقامة الذكر له، وتلك منزلة العارفين المحبين، إذ المحبة عطف من الله تعالى بخالصة الحق. فقيل له: ما علامة المحبة؟ قال: معانقة الطاعة ومباينة الفاقة. وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: أتدري لم ألقيت عليك محبتي؟ فقال: لا يا رب. فقال: لأنك ابتغيت مسرتي. يا موسى: أنزلني منك على بال، ولا تنس ذكري على حال، وليكن همتك ذكري، فإن طريقك عليّ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً...} [الآية: 165]. قال القاسم: ومن أخرجناهم من جملة الخطاب الخاص بمخاطبة الإيمان أقوامًا يتخذون أهواءهم آلهة يعبدونها ويحبونها {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} منهم لأهوائهم يرون البلاء من الله نعمة ولا يحجزهم عن محبتهم لربهم ترادف التجنى عليهم بأن يزيدهم بذلك محبة لهم، فلذلك قال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}.
القشيري
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}. هؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة، فَشَغَلهم بمحبة الأغيار حتى رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هَوَتَهْ أنفسهم، فرضوا بمعمولٍ لهم أن يعبدوه، ومنحوت - من دونه - أن يحبوه. قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ}. ليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام، ولكن المراد منه مدح المؤمنين على محبتهم، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار للأصنام، ولكن من أحبَّ حبيباً استكثر ذكره، بل استحسن كل شيء منه. ويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن (هذه) محبة الجنس للجنس، وقد يميل الجنس إلى الجنس، وتلك محبةُ من ليس بجنسٍ لهم فذلك أعزُّ وأحق. ويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود، وأمَّا المؤمنون فإنهم أحبوا من حَالَ بينهم وبين (شهوده) رداء الكبرياء على وجهه. ويقال الذين آمنوا أشد حباً لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإنْ عَذَّبَهُم. والكافر تبرأ من الصنم والصنمُ من الكافر كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} الآية. ويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهي أتم، قال تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم. ويقال محبة المؤمنين أتمُّ وأشدُّ لأنها على موافقة الأمر، ومحبة الكفار على موافقة الهوى والطبع، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم، واتسعت ذات يدهم اتخذوا أصناماً أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك في حال فقرهم؛ فكانوا يتخذون من الفضة - عند غناهم - أصناماً ويهجرون ما كان من الحديد... وعلى هذا القياس! وأمَّا المؤمنون فأشَدُّ حباً لله لأنهم عبدوا إلهاً واحداً في السّراء والضراء. قوله جلّ ذكره: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}. إذا بَدَتْ لهم أوائلُ العذاب اتضح أنهم لم يقفوا من الصدق على قَدَم، وأمّا المؤمنون فيسلبهم أرواحهم وأملاكهم وأزواجهم وأولادهم، ويُسْكِنُ (أولئكَ) في القبور سنين ثم يبتليهم في القيامة بطول الآجال وسوء الأعمال ثم يلقيهم في النار. (أما المؤمنون) فيأتي عليهم طول الأيام والأعمال فلا يزدادون إلا محبة (على محبة) ولذلك قال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الناس من يتخذ من دون الله} من لابتداء الغاية متعلق بيتخذ ودون فى الاصل ظرف مكان استعمل هنا بمعنى غير مجازا والاتخاذ بمعنى الصنع والعمل متعد الى مفعول واحد وهو هنا قوله {اندادا} هى الاصنام التى بعضها انداد لبعض اى امثال او انها انداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة من حيث انهم كانوا يرجون من عندها النفع والضرر وقصدوها بالمسائل وقربوا لها القرابين فارجاع ضمير العقلاء اليه فى قوله تعالى {يحبونهم} مبنى على آرائهم الباطلة فى شأنها من وصفهم بما لا يوصف به الا العقلاء او هى الرؤساء الذين يطيعونهم قال القاضى ولعل المراد اعم منهما وهو ما يشغله عن الله تعالى فانه قال الصوفية والعارفون كل شىء شغلت به قلبك سوى الله تعالى فقد جعلته فى قلبك ندا له تعالى ويدل عليه قوله تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ إلهَهُ هواه} تفسير : [الجاثية: 23]. {يحبونهم} الجملة صفة لانداد اى يعظمونهم ويخضعون لهم ويطيعونهم تعظيم المحبوب واطاعته {كحب الله} اى حبا كائنا مثل حبهم الله تعالى اى يسوون بينه تعالى وبينهم فى الطاعة والتعظيم والمقصود من التشبيه ما فى الوصف من القوة والضعف والمراد ههنا التسوية وهذه التسوية فى التعظيم لا تنافى اقرارهم بربوبيته تعالى كما يدل عليه قوله تعالى {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} تفسير : [الزمر: 38]. ولفظ المحبة مأخوذ من الحب بالفتح كحبة الحنطة والشعير شبه حبة القلب اى سويداءه بالحب المعروف فى كون كل منهما منشأ ومبدأ للآثار العجيبة فاستعير اسم الحب لها ثم اشتق من الحب المستعار للقلب الحب بمعنى ميل القلب لانه اصابها ورسخ فيها ومحبة العبد لله تعالى ارادة طاعته فى اوامره ونواهيه والاعتناء لتحصيل مراضيه ومحبة الله للعبد ارادة اكرامه واستعماله فى الطاعة وصونه من المعاصى ثم فصل محبة المؤمنين بقوله {والذين آمنوا أشد حباً لله} من حب الكفرة لاندادهم لانه لا ينقطع محبتهم لله بخلاف محبة الانداد فانها لاغراض فاسدة موهومة تزول بادنى سبب ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم الى الله تعالى عند الشدائد ويعبدون الصنم زمانا فاذا رأوا صنما يعجبهم اخذوه وطرحوا الاول. وروى ان باهلة عملت لها الها من خسّ فاكلوه عام المجاعة {ولو يرى الذين ظلموا} اى لو يعلم هؤلاء الذين اشركوا باتخاذ الانداد ووضعها موضع المعبود {إذ يرون العذاب} المعد لهم يوم القيامة اى عاينوه فهى من الرؤية بالعين {إن القوة} اى الغلبة والقدرة الآلهية {لله جميعا} نصب حالا والجملة سادة مسد مفعولى يرى {وأن الله شديد العذاب} عطف على ان القوة لله وفائدته المبالغة فى تهويل الخطب وتفظيع الامر فان اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه وجواب لو محذوف اى لو علم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم بشركهم ان القدرة كلها لله على كل شىء من الثواب والعقاب دون اندادهم ويعلمون شدة عقابه للظالمين اذا عاينوا العذاب يوم القيامة لوقعوا من الحسرة والندامة على عبادة الانداد فيما لا يكاد يوصف.
ابن عجيبة
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ...} قلت: ويُحتمل في وجه المناسبة، أن يكون الحق تعالى لمّا ذكر دلائل التوحيد ذكّر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه، ليرتب بعد ذلك ما أعدَّ له من العذاب، والأنداد: جمع نِدْ وهو المِثْل، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء، والإضافة في {كحُب الله} من إضافة المصدر إلى مفعوله، والحُب: ميل القلب إلى المحبوب، وسأتي في الإشارة إن شاء الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله} أشباهاً وأمثالاً من الأصنام والرؤساء {يحبونهم}، وينقادون إليهم، كما يحبون الله تعالى، فيُسَوَّون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير، وبين المصنوع الذليل الحقير، {والذين آمنوا} بالله ووحَّدُوه {أشد حبّاً لله}؛ لأن المؤمنين لا يلتفتون عن حبوبهم في الشدة ولا في الرخاء، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء، فإذا نزل البلاء التجؤوا إلى الله. قال تعالى:{أية : ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ}تفسير : [النّحل: 53] الآية، وأيضاً: المؤمنون يعبدون الله بلا واسطة، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}تفسير : [الزمر: 3] وأيضاً المؤمنونن يعبدون ربّاً واحداً فاتحدت مبحتهم. قال سعيد بن جبير: (إن الله تعالى يأمر يوم القيامة مَنْ عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي مُنَأدٍ مِنْ تحت العرش: {والذين آمناو أشد حبّاً لله}. وفي ذلك يقول ابن الفارض: شعر : أحِبّايَ أنتُم، أحْسَنَ الدهرُ أَمَ أسَا فكونوا كَمَا شِئْتُم، أَنا ذلك الخِلُّ تفسير : وقال أيضاً: شعر : لَو قالَ تِيهاً: قِف عَلَى جَمْرِ الغَضَا لوقفتُ مُمْتثلاً، ولَمْ أَتَوقَّفِ تفسير : وقال آخر: شعر : ولَو عَذَّبْتَني في النارِ حتْماً دخلتُ مُطاوعاً وسْطَ الجَحِيمِ إذا كَانَ الجَحِيمُ رِضَاك عَنِّي فَمَا ذاكَ الجَحِيمُ سِوَى نَعِيمِ تفسير : الإشارة: المحبةُ: مَيلٌ دائم بقلب هائم، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب، أو مواطأةُ القلب لمراد الرب، أو خوف ترك الخدْمة مع إقامة الحُرْمة، أو اسْتِقْلالُ الكثير من نفسك واستكثارُ القليل مِنْ حبيبك، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال الشِّبْلِي: (أن تَغَار على المحبوب أن يحبه مثلك) والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: (المحبة أخْذَةٌ من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصّناً بمعروفه، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد من محبته فيزداد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويَمَسُّ أبكارَ الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يَرَى العرائسَ المجرمون...) الخ كلامه. واعلم أن محبة العبد لمولاه سببُها شيئان: أحدهُما: نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه، وجُبِلَت القلوبُ على حب من أحسن إليها، وهذا هو المسمى بحب الهوى، هو مكتسب، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه، ومتمكن من النظر فيها، فكلما طالَع منةً مِنْ مِنَن الله التي لا تقبل الحصر ولا العدَّ،كان ذلك كحَبة زُرعت في أرض قلبه الطيب الزكي، فلا يزال يطالع مِنّةً بعد منّة، وكلُّ منّة أعظم من التي قبلها، لأنه كلما طالع المنن تنوّر قلبه وزداد إيماناً، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يُكشف له قبلُ، وظهر له خفايا المنن، وعظمت محبته. الثاني: كشْف الحجب، وإزالة الموانع عن ناظر القلب، حتى يرى جمال الحقّ وكماله، والجمال محبوب بالطبع، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - رضي الله عنها -: شعر : أُحِبُّكَ حُبَّين: حُبَّ الهَوَى وحُبّاً لأنك أهلٌ لِذَاكَ فأمَّاالذي هو حُبُّ الهَوى فَشُغْلي بِذِكْرِك عمَّن سِوَاكَ وأمَّا الذي أنتَ أهلٌ لهُ فكَشْفُكِ لِلْحُجْبِ حتى أراكَ فَلا الحمدُ في ذَا ولا ذَاك لي ولَكِنْ لكَ الحَمْدُ في ذَا وذاكَ تفسير : وإنما خَصَّصَتْ الحُبَّ الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول، وإن كان أهلاً للجميع؛ لأن هذا منه إليه، لا كسب للعبد فيه، والآخر فيه كسب، وعمل العبد معلول، وقولها: (فشغلي بذكر عمن سواك) من باب التعبير بالمسبب عن السبب، والأصل: فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا، وقولها أيضاً (كشفك للحجب حتى أراك)، من باب التعبير بالسبب عن المسبب، والأصل، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعينَيْ قلبي. وقولها: (فلا الحمد...) الخ، إخبار منها بأن الحُبَّيْن معاً منه وإليه وبه في الحقيقة، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة، بل هو الحامد والمحمود، وإدراك التفاوت بين المقامين، - أعْني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، والناشئة عن شهود الجمال - ضروري عند كل ذائق، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية. قال ابن جُزَيّ: اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين؛ أحدهما: المحبة العامة، التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد فيها العلماء الربَّانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإنَّ سائر مقامات الصالحين: كالخوف والرجاء والتوكل، وغير ذلك، مَبْنِيَةٌ على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه، بخلاف المحبة، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة. واعلم أن سببَ محبةِ الله: معرفتُه، فتقوى المحبة على قدر المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال؛ فالموجب الأول: الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يُستحسن، ولا جمالَ مثلُ جمال الله تعالى، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تَرُوق العقول وتبهج القلوب، وإنما يُدْرَك جمالُه تعالى بالبصائر لا بالأبصار. وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامُه عليهم باطن وظاهر،{أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}تفسير : [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يُحسن إلى المطيع والعاصي، وإلا المؤمن والكافر، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحدَه، فهو المستحق للمحبة وحده. واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح، من الجد في طاعته، والنَّشَطِ لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأُنْس بذكره، والاسْتِيحَاش مِنْ غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل ما يحب الله، وكل من يحب الله، وإيثار الله على كل ما سواه. قال الحارث المحاسبي: (المحبة ميلك إلى المحبوب بِكُلِّيتِكَ، ثم إيثارك له على نفسك ورُوحك، ثم موافقته سرّاً وجهراً، ثم علمك بتقصيرك في حبه). قلت: ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات؛ لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلاً، بخلاف المحبة، فإنها تكون بقية الحجاب، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء. قال في الحِكَم: "إنما استوحشَ العُبَّاد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء". وأيضاً. العارف أكمل أدباً من المحب؛ لأن المعرفة إنما تحصُل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحقّ وعيدَ مَنْ أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال: {...وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}. قلت: {لو} شرطية، و {ترى} شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، و {إذ} ظرف للرؤية، وموضع {يرون} خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعلُ الحقيقي هو الله تعالى، بدليل {يريهم الله}، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد:{أية : وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ}تفسير : [النّحل: 85]. و {أن القوة} معمول للجواب المحذوف، تعظيماً لشأنه، والتقدير: لو ترى يا محمد، أو يا مَنْ يسمَع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمراً فظيعاً وخَطْباً جسيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً. و {جميعاً} حال، أي: أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب {إنَّ} بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و {إذ تبرأ} بدل من {إذ يرون}، والأسباب: العهود والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادُّون عليها، وأصل السبب: كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يُصعد به: سبب، وللطريق: سبب، قال الشاعر: شعر : ومَنْ هَابَ أَسْبابَ المَنِيِّةِ يلْقَها ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السماء بسُلَّم تفسير : و {حسَرات}: حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنّة، أو مفعول ثالث إن كانت عِلمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو ترى} يا محمد، أو كل من يتأتى منه الرؤية، حالَ {الذين ظلموا} باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسُطوع البرهان، حيث {يرون العذاب} محيطاً بهم، والزبانيةُ تَغْلِبُهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمراً فظيعاً، وخطباً جسيماً، ولعلمت {أن القوة لله جميعاً}، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أُعِد لهم سبب شركهم، لرأوا أمراً عظيماً، وليتقنوا {أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب}. وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء -، من الأتباع - وهم القلّة الضعفاء - والحالة أنهم {رأوا العذاب} الفظيع، {وتقطعت بهم الأسباب} أي: أسباب المودة والوُصْلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، {وقال} حينئذٍ الضعفاء {الذين اتبعوا} شياطينهم في الكفر والضلال: {لو أن لنا كَرَّة} أي: رجعة للدنيا {فنتبرأ منهم} أي: من كبرائهم {كما تبرءوا منا} اليوم. {كذلك} أي: مثل ذلك الإبراء الفظيع {يريهم الله أعمالهم حسرات} ونَدَمات {عليهم} فيدخلون النار على سبيل الخلود، {وما هم بخارجين من النار}. الإشارة: يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بُغْيته ومُناه، فلم يُشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمراً عظيماً وخطباً جسيماً، ولعلمت أن القوة كلها لله، قَرّبَ مَنْ شاء بفضله الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب،{أية : الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزّخرُف: 67]. لا تصحب من لا يُنْهِضُك حالهُ، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو رَكَنَ إلى أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زلّ القدم. ولله دَرُّ صاحب العَيْنية رضي الله عنه حيث يقول: شعر : وَقَاطِعْ مِمنْ واصَلْتَ أيامَ غَفْلةٍ فَمَا واصل العُذَّال إلا من مُقَاطعُ وجَانِبْ جنابَ الأجنبي لَوَ أنَّهُ لقُربِ انتسابٍ في المَنَامُ مُضَاجعُ فَلِلنْفًس مِنْ جُلاَّسهَا كُلُ نسبةٍ ومِنْ خُلَّةٍ للقلبِ تِلكَ الطَّبَائعُ تفسير : ولما حذَّر الحقّ تعالى من الشرك الجلي والخفي، حذَّر من متابعة المشركين في التحريم والتحليل بلا حكم شرعي.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ نافع وابن عامر، وأبو جعفر من طريق النهرواني "ولو ترى" بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ أبوجعفر، ويعقوب "إن القوة لله، وإن الله" بكسر الهمزة فيهما. الباقون بفتحهما. وقرأ ابن عامر وحده "إذ يرون" بضم الياء. والباقون بفتحها. اللغة: الانداد، والامثال، والاشباه نظائر، والانداد واحدها ندّ. وقيل الاضداد. وأصل النّد المثل المناوي والمراد به هنا قال قتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد. وأكثر المفسرين آلهتهم التي كانوا يعبدونها. وقال السدي: رؤساؤهم الذين يطيعونهم طاعة الارباب من الرجال. وقوله تعالى {يحبونهم} فالمحبة هي الارادة إلا ان فيها حذفاً، وليس ذلك في الارادة فاذا قلت: أحب زيداً معناه أريد منافعه أو مدحه، وإذا أحب الله تعالى عبداً فمعناه أنه يريد ثوابه وتعظيمه، وإذا قال: أحب الله معناه أريد طاعته واتباع أوامره، ولا يقال: أريد زيداً، ولا أريد الله ولا إن الله يريد المؤمن، فاعتيد الحذف في المحبة، ولم يعتد في الارادة. وفي الناس من قال: المحبة ليست من جنس الارادة، بل هي من جنس ميل الطبع، كما تقولون: أحب ولدي أي يميل طبعي اليه وذلك مجاز، بدلالة أنهم يقولون: أحببت أن أفعل بمعنى أردت أن أفعل. وضدّ الحب البغض. وتقول: أحبه حبّا، وتحبب تحبباً، وحببه تحبيباً، وتحابا تحاباً. والمحبة: الحب. والحب واحده حبة من بر، أو شعير، أو عنب. أو ما أشبه ذلك. والحبة بزور البقل. وحبة القلب ثمرته. والحب: الجرة الضخمة. والحب القرط من حبة واحدة. وحباب الماء: فقاقيعه. والحباب الحبة. وأحب البعير إحباباً: إذا برك، فلا يثور، كالحران في الخيل، قال أبوعبيدة: ومنه قوله تعالى {أية : أحببت حب الخير عن ذكر أبي}تفسير : أي لصقت بالأرض لحب الخير، حتى تأتيني الصلاة. وأصل الباب: الحب ضد البغض. المعنى: وقوله: {كحب الله} قيل في هذه الاضافة ثلاثة أقوال: أحدها - كحبكم الله. والثاني - كحبهم الله. والثالث - كحب الله الواجب عليهم لا الواقع منهم، كما قال الشاعر: شعر : فلستُ مسلماً ما دمت حياً على زيد بتسليم الأمير تفسير : أي مثل تسليمي على الامير. فان قيل: كيف يحب المشرك - الذي لا يعرف الله - شيئاً كحبه لله؟ قلنا من قال: إن الكفار يعرفون الله قال: كحبه لله. ومن قال: هم لا يعرفون الله - على ما يقوله أصحاب الموافاة - قال: معناه كحب المؤمنين لله أو كالحب الواجب عليهم. وقوله تعالى: {والذين آمنوا أشد حباً لله} قيل في معناه قولان: أحدهما - {أشد حبّاً لله} للاخلاص له من الاشراك به. والثاني - لانهم عبدوا من يملك الضر والنفع، والثواب، والعقاب، فهم أشد حباً لله بذلك ممن عبد الأوثان. الاعراب: ويجوز فتح {أن} من ثلاثة أوجه، وكسرها من ثلاثة أوجه - مع القراءة بالياء -: أولها - يجوز فتحها بايقاع الفعل عليها بمعنى المصدر. وتقديره {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب} قوة الله وشدة عذابه. الثاني - أن يفتح على حذف اللام كقولك: لأن القوة لله. الثالث - على تقدير لرأوا أن القوة لله، على الاتصال بما حذف من الجواب. والأول من الكسر على الاستئناف. الثاني - على الحكاية مما حذف من الجواب كأنه قيل: لقالوا إن القوة لله جميعاً. الثالث - على الاتصال مما حذف من الحال، كقولك: يقولون: إن القوة لله. ومن قرأ بالتاء، يجوز ايضاً في الفتح ثلاثة أوجه. وفي الكسر ثلاثة أوجه: أول الفتح - على البدل، كقولك: ولو ترى الذين ظلموا أن القوة لله عليهم، وهو معنى قول الفراء. الثاني - لأن القوة لله. الثالث - أرأيت أن القوة لله. قال أبو علي الفارسي: من قرأ بالتاء لا يجوز أن تنصب أن إلا بالفعل المحذوف - في الجواب. وأما البدل فلا يجوز، لأنها ليست {الذين ظلموا} ولا بعضهم ولا مشتملة عليهم، هذا إن جعل الرؤية من رؤية البصر. وإن جعلها من رؤية القلب، فلا يجوز ايضاً، لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى, وقوله تعالى: {إن القوة لله} لا يكون الذين ظلموا، فلم يبق بعد ذلك إلا أنه ينتصب بفعل محذوف. والكسر مع التاء مثل الكسر مع الياء. واختار الفراء - مع الياء - الفتح، ومع التاء الكسر، لأن الرؤية قد وقعت على الذين، وجواب لو محذوف، كأنه قيل: لرأوا مضرة اتخاذهم للأنداد، ولرأوا أمراً عظيما لا يحصر بالاوهام. وحذف الجواب، يدل على المبالغة، كقولك: لو رأيت السياط تأخذ فلاناً. والضمير في قوله {يتخذ} عائد على لفظ من. وفي قوله يحبونهم على معنى من، لأن من مبهم، فمرة يحمل الكلام منها على اللفظ، وأخرى على المعنى، كما قال: {أية : ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً}- تفسير : بالتاء، والياء - حملا لمن على اللفظ والمعنى. واتصلت الآية بما قبلها اتصال انكار، كأنه قال: أبعد هذا البيان والأدلة القاهرة على وحدانيته، يتخذون الأنداد من دون الله. ومن قرأ قوله {ولو ترى} - بالتاء - جعل الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به غيره، كما قال:{أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}. تفسير : والذين على هذا في موضع نصب. ومن قرأ بالياء يكون الذين في موضع رفع بأنهم الفاعلون. وقوله {جميعاً} نصب على الحال؛ كأنه قيل: إن القوة لله ثابته لله في حال اجتماعها. وهي صفة مبالغة بمعنى إذا رأوا مقدورات الله فيما تقدم الوعيد به، علموا أن الله قادر لا يعجزه شيء. والشدة قوة العقد، وهو ضد الرخاوة. والقوة والقدرة واحد. و {ترى} في قوله تعالى: {ولو ترى} من رؤية العين بدلالة أنها تعدت الى مفعول واحد، لان التقدير ولو ترون أن القوة لله جميعاً أي ولو يرى الكفار ذلك. ومن قرأ - بالتاء - يقوى انها المتعدية الى مفعول واحد، ويدل على ذلك ايضاً قوله {إذ يرون العذاب}، وقوله: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب} {فلا يخفف عنهم}، فتعدى الى مفعول واحد. فان قيل: كيف قال: {ولو يرى الذين ظلموا} وهو أمر مستقبل، وإذ لما مضى؟ قيل: إنما جاء على لفظ المضي لأرادة التقريب في ذلك، كما جاء {أية : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب}تفسير : وعلى هذا جاء في هذا المعنى أمثلة الماضي كقوله: {أية : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة}. تفسير : هكذا ذكره أبو علي الفارسي قال: وعلى هذا المعنى جاء في مواضع كثيرة في القرآن، كقوله تعالى {أية : ولو ترى إذ وقفوا على ربهم}تفسير : {أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار}تفسير : {أية : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم}تفسير : {أية : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت}تفسير : {أية : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة}. تفسير : كذلك هذه الآية.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ} عطف على جملة الهكم الهٌ واحد، او حال {مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} قد فسّر الآية الشّريفة فى الاخبار بمنافقى الأمّة والانداد برؤسائهم وعلى هذا فمعنى الآية من النّاس من يتّخذ انداداً لولىّ الامر حال كون الانداد بعضاً من غير الله تعالى فى مظهره او من يتّخذ من غير اذن الله انداداً، او من غير اذن الله انداداً لله فى مظهره {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة الخاصّة الولاية وقبول الدّعوة الباطنة {أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} فى مظهره الّذى هو علىّ (ع) من غيرهم انّ محبّتهم نفسانيّة عرضيّة لأنّ شأن النّفس العداوة والبغضاء ومحبّة المؤمنين عقلانيّة ذاتيّة {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} انفسهم بمنعها عن حقوقها الّتى هى التّسليم للولاية والقبول والتّأثّر منها واتّباع ولىّ الامر والاستنارة بنوره، ولفظ لو للشّرط وهو الظاهر او للتمنّى {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} اذ ظرف او اسم خالص مفعول به ليرى وعلى الاوّل فقوله تعالى {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} مفعول به ليرى او بدل من العذاب على ان يكون مفعول يرى محذوفاً وعلى الثّانى يكون بدلاً من اذ يرون او من العذاب ومعنى كون القوّة جميعاً لله انّ قدرة كلّ ذى قدرة رقيقة من القدرة المطلقة والرّقائق متقوّمة بالمطلق، ونسبتها الى الممكنات اعتباريّة لا حقيقة لها وقرئ {ترى} بالخطاب {ويرون} مبنيّاً للمفعول من ارى و{انّ القوّة} بكسرانّ وكذا قوله تعالى {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ} اذ ظرف لشديد العذاب، او لقوله لله، او ليرون، او بدل من العذاب، او من اذ الاولى؛ والمعنى لو يرى الّذين ظلموا اذ تبرّأ الّذين اتّبعوا المتبوعون، او الاتباع على قرأة المجهول والمعلوم {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} الاتباع او المتبوعين على القراءتين {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} حال بتقدير قد او عطف على {تبرّأ} او على {اتّبعوا} الاوّل او الثّانى {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} جمع السّبب وهو الحبل الّذى يشدّ به الشّيء ويجرّ {والاسباب} استعارة للوصلات الّتى بينهم من القرابات وصور المبايعات الدّينيّة النّاشئة من مقام أنفسهم الشّيطانيّة والتّناسبات الدّنيويّة، ولفظ {بهم} اما صلة تقطّعت على ان يكون الباء للتّعدية والمعنى شتّتهم الاسباب الّتى كانت بينهم وكانت سبباً لاجتماعهم وتؤلّفهم فى الدّنيا فانّها كانت لاغراضٍ فانية وبين نفوس هالكة وكانت مانعة عن الالفة الرّوحانيّة الباقية فصارت اسباباً للفرقة فى الآخرة او لفظ بهم حال عن الاسباب تقدّم عليه والباء للالصاق.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً} أي أعدالاً يعدلونهم بالله، يعني ما يعبدون من دون الله {يُحِبُّونَهُمْ} أي يحبون آلهتهم التي يعبدون {كَحُبِّ اللهِ} إذ جعلوهم آلهة كحب المؤمنين اللهَ، قال الله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِّلَّهِ} من المشركين لآلهتهم. {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي الذين أشركوا {إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ} أي: القدرة {لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ}. قال الحسن: يقول لمحمد عليه السلام: إنك ستراهم إذا دخلوا النار، وهنالك يعلمون أن القوة، أي القدرة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب. قال الحسن: وقد كانوا عن قدرة الله وعزته في الدنيا غافلين. قوله: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} وهم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشرك والنفاق {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} والأتباع: الضعفاء الذين اتبعوهم على عبادة الأوثان. قال: {وَرَأَوُا العَذَابَ} جميعاً، أي: القادة والأتباع {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} أي: المواصلة [التي كانت بينهم] في الدنيا لأنهم كانوا أولياءهم. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي: رجعة إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا}. قال الله: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهَُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} والحسرة والندامة {وَمَاهُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}.
اطفيش
تفسير : {ومِنَ النَّاس}: أراد الناس إجمالا المشركين والمؤمنين، ومن للتبعيض، والبعض المتخذ أندادا مشركون لا مؤمنون، ويجوز أن يريد الناس المشركين لأن بعض المشركين لا يتخذ أندادا، وإشراكه إنما هو من جهة إنكار الله سبحانه أو نبى أو كتاب. {مَنْ يَتَّخذُ منْ دُون اللهِ أنْداداً}: أى أصناماً يسمونها أندادا، لأنها تعادل الله عز وجل سبحانه وتعالى فى زعمهم الباطل، وأسماها الله بذلك باعتبار اعتقادهم فيها، لأنها تفعل لهم أشياء كما يفعل الله، ويترك الله بها بعض ما أراد بهم. والند المثل المقاوم والمنازع، وقيل أندادا رؤساء من رجالهم يطيعونهم، فى معصية الله عز وجل، وسماهم أندادا باعتبار مقتضى اتباعهم، وترك ما أمر الله عز وعلا، كأنهم أمثال لله مقاومون له قادرون قدرته، حتى أساغوا لأنفسهم طاعتهم ومعصية الله، أو باعتبار هؤلاء الرؤساء فى الأمر بمعصية الله ورضاهم بها، كأنهم مقاومون له تعالى، ويحتمل عندى وجه آخر هو أن الله جل وعلا شنع عليهم فى اتخاذهم أنداداً من جنسهم، كما شنع عليهم فى اتخاذ الأصنام مما هم خير منهم، ويدل لهذا الاحتمال والقول قبله قوله تعالى: {أية : إذ تبرَّأ الذين اتَّبعُوا من الذين اتُّبعوا}، تفسير : وبقوله: (يحبُّونهم) بضمير العقلاء الذى هو: هم، الذى أصله أن يكون للعاقل تحقيقاً لا للعاقل تنزيلا، ويجوز أن يراد بالأنداد الأصنام والرؤساء معاً وما يشغل عن عبادة الله عز وجل. قال مجاهد الأنداد الأوثان، وهو مثل تفسيرى له بالأصنام. {يحبُّونَهم}: الواو ضمير من باعتبار معناه، وقد اعتبر لفظه فى قوله: (يتخذ) والهاء للأنداد وهم عقلاء لأنهم الرؤساء، أو لهم وللأنداد تغليباً أو تنزيلا للأنداد من الأصنام منزلة العقلاء، أو للأنداد وتنزيلا كذلك، والحب ميل القلب إلى الشئ ومناسبته والرغبة فيه، وهو نقيض البغض، وسمى بذلك حبّاً بضم الحاء أخذا من لفظ الحَبة بفتح الحاء، وهى نفس القلب، لأن الحب بالضم ميل القلب أو أخذاً من حبة القلب وهو الجزء الذى هو أدخل وأدق فيه، لأن الحب أصابه ورسخ فيه، ويحتمل أن يكون الحب بمعنى التعظيم والطاعة، وساغ ذلك لأن الحب سبب للطاعة والتعظيم فى الجملة. {كَحبِّ الله}: أى كحب المؤمنين الله، فالحب مصدر مضاف لما هو مفعول اصطلاحاً وهو لفظ الجلالة بعد حذف الفاعل، وهو المؤمنون، ووجه الشبه الاجتماع فى الحب، أحب المشركون الأنداد كما أحب المؤمنون الله، جل وعلا، لا المساواة فى الحب، فإن المؤمنين أشد حبا لله، والدليل على فاعل المصدر الذى هو المؤمنون أن الحب الحقيق المتبادر هو حب المؤمن به المطيع له إياه، لا حب الكافر فلا لبس، وكذا إن قلنا: إن الحب مصدر للمبنى للمفعول، لأن الفاعل أيضاً هو المؤمنون، ويجوز أن يراد كحب هؤلاء المشركين الله، فحذف فاعل المصدر وهو المشركون، أو المصدر من المبنى للمفعول والفاعل هو المشركون كذلك، ووجه ذلك أن المشركين لا يخلون من حب الله حبا ما لأنهم يقرون بوجوده ورزقه، كأنهم يحبونهُ ويتقربون إليه بالأنداد، فيجمعون فى قلوبهم حب الله وحب الأنداد ولو تفاوتا عندهم، أو يسوون بينه وبينها فى الحب حتى إذا اضطروا أخلصوا لله تعالى، كما قال الله تبارك وتعالى: {أية : فَإذا رَكبُوا فى الفُلْك دَعَوُا الله مخلصين له الدين}،تفسير : وقال عز وجل: {أية : تدْعُونهُ تضرُّعاً وَخُفْيَةً لئن أنْجيْتَنا من هذه لنكونَنَّ مِنَ الشاكرين}. تفسير : ومحبة المؤمن لله، جل وعلا، إرادة طاعته والاعتناء بمراضيه، ومحبة الكافر له ميل قلبه إليه من حيث المنافع ودفع المضار، وهذا أيضا موجود فى المؤمن ومحبة الله لعبده إرادة إكرامه وتوفيقه للطاعة وصونه عن المعاصى أصلا، أو عن الموت عليها بإصرار. {والَّذِينَ آمنُوا أشدّ حُبّاً للهِ}: من حب المشركين للأنداد، لأن المؤمنين يطيعون الله، ويخلصون له، ولا يشركون به غيره فى السراء ولا الضراء، ولا يتركونه. والمشركون يعبدون الأصنام حتى إذا اضطروا أخلصوا لله، وإذا نجاهم عادوا إلى عبادة الأصنام، ويعبدون صنما، وإذا رأوا غيره أحسن منه، أو تشاءموا به رفضوه وعبدوا غيره، ويجمعون بين أصنام، ومن يعبد صنمين أو أصناما ناقص الحب لمعبوده، لاشتراك فى عبادته، بخلاف المؤمن العابد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، عبادة لا تزول لأنها بالذات. وعبادة الكافر لصنمه لأغراض فاسدة موهومة نزول بأدنى سبب، ولأن الله، جل وعلا، أحب المؤمنين أولا فأحبوه، فبحبه إياهم أحبوه، ومن شهد له معبوده بالحب فهو أشد حبّاً وأتمه، ولأن المؤمن يعظم الله أبدا، والكافر قد يهين صنمه، وقد يعبد عجيناً فيأكله، وقد أكلت باهلة إلههم عام المجاعة. ورضى الله عن عمر بن الخطاب قد كان بهذه الحالة، فهداه الله إلى الإسلام والحمد لله، ومن أراد أن يحبه إنسان فليقرأ [على ماء]: {ومِنَ النَّاسِ مَنْ يتَّخذُ مِنْ دُون الله أندادا يحبُّونهم كحُب الله}، يسقه أو يرش به وجهه أو غصن ريحانة، ويناوله للشم، وتفعل فى الحب إذا أضيف إليها: {أية : وألْقيتُ عليْكَ محَبةً منِّى ولتُصْنع عَلَى عَيْنى}، تفسير : وآية الكرسى، ومن كتب: {ومنَ النَّاس مَنْ يَتخذُ من دُونِ الله أنداداً}، {والسَّماء بَنَيْناها}، إلى {الماهدون}، {وما يأتيهم مِنْ ذكر} إلى {مُعْرضين} فى قرطاس ويشرب الماء الذى يغسل ذلك به بعد ما يقرأ ذلك على الماء كان محبوباً، ومن كتب: {يُحبُّونهم كَحُب الله والَّذينَ آمنُوا أشدُّ حبًّا لله} وكتب قبلها أربعين تاء فى رق غزال ويبخره بالمايعة والنوبان، وعلقه عليه أو على غيره كان ممن عليهِ علق محبوباً عند كل من يراه. {ولَوْ تَرى}: يا محمد أو يا كل من تمكن منه الرؤية، والذين مفعوله، وهذه قراءة نافع وابن عامر ويعقوب، وقرأ الباقون: {ولو يرى} بالمثناة التحتية، والذين فاعل، وقيل فاعله ضمير السامع، أو الرائى، والذين مفعول. {الَّذين ظَلمُوا}: أنفسهم باتخاذ الأنداد، وهذا من وضع الظاهر موضع المضمر ليشنع عليهم بالظلم، ومقتضى الظاهر ولو تراهم أو ولو يراهم أو ولو يرون، لأنهم المتخذون الأنداد المتقدم ذكرهم. {إذْ يروْنَ العّذابَ}: متعلق بترى أو بيرى، كذا قالوا والتحقيق أن إذ مفعول يرى، وأن القوة بدل اشتمال من إذا ومن العذاب، ومفعول ترى، أو يرى على القراءتين، الثانى على أن الرؤية علمية أو الحال على أنها بصرية وهو التحقيق محذوف، أى ولو تراهم لم تنفعهم أندادهم أو ولو يراهم السامع لم ينفعهم أندادهم، أو ولو يراهم الرائى لم تنفعهم أندادهم، وإذا جعلنا الذين فاعل يرى فالتقدير ولو يرى الذين ظلموا أندادهم، لم تنفعهم. وجواب لو محذوف ناصب لقوله: {أنَّ القُوَّة للهِ جَميعاً}: على قراءة يرى بالتحتية، مع جعل الذين فاعله تقديره لعلموا {أن القوة لله جميعاً} ولا يملك غيره نفعا ولا ضرا، ويحتمل أن يكون {أن القوة لله جميعاً} مفعول ليرى التحتية، والذين فاعله، وجواب لو محذوف تقديره: ولو يرى الظالمون، أى يرون العذاب أن القوة لله جميعاً لندموا عن عبادة الأنداد من حيث أنها لم تتأهل للعبادة، وأنه لا قوة لها تنفعهم بها أشد الندم، أو لعلموا أنه لا قوة للأنداد، أو أنها لا تنفع، وأما الجواب على قراءة ترى بالفوقية فتقديره: لرأيت أمراً عظيما، وأما على التحتية وجعل الفاعل ضمير الرائى أو السامع فتقديره: لرأى أمراً عظيما، وإن قلت: فما العامل فى قوله: {أنَّ القُوَّة لله جميعاً} فى قراءة المثناة، وفى قراءة التحتية مع جعل الذين مفعول به؟ قلت: يجعل معمولا للجواب المحذوف على التعليل، أى لرأيت أمراً عظيما، لأن القوة لله جميعاً أو لرأى أمراً عظيماً، لأن القوة لله جميعاً، ويجوز على الأوجه كلها، وقراءة التحتية والفوقية جعله بدل إضراب انتقالى من العذاب، أى إذ يرون أن القوة لله جميعاً، لأنهم يرون ذلك يوم القيامة، أو بدل اشتمال، لأن كون القوة لله جمعياً له اتصال بتعذيبه الكفار، وليس بعضه، و {إذ} فى الآية للاستقبال بدليل المضارع بعدها، ويجوز أن تكون للمضى على أصلها مجاز التحقق الوقوع كأنهم قد رأوا أنهم سيرون، ويرون كذلك مستعمل فى معنى الماضى المجازى كذلك، وقرأ ابن عامر يرون بالبناء للمفعول، فتكون الواو على قراءته مفعولا أولا نائبا عن الفاعل، والعذاب مفعولا ثانياً، وذلك من الإرادة البصرية المتعدية لاثنين بالهمزة، أى إذا أراهم الله العذاب. {وأنَّ اللهَ شديدُ العَذَابِ}: عطف على أن القوة لله جميعاً فى جميع أوجهه. وقرأهما يعقوب بكسر إن على الاستئناف، أو إضمار القول، ويقدر الجواب قبلهما، ويجوز أن يقدر بعدهما على أنهما معترضان، والقول يقدر جملة مستأنفة أو معترضة أو حالا، أو يقدر مفرداً حالا، أى يقولون وقائلا أنت أو ذلك الرائى أو جمعا، أى قائلين أو يقدر جملة جوابا للرائى لقالوا {أن القوَّة للهِ جَميعاً} وهذا الوجه الأخير على أن الذين فاعل يرى بالتحتية، وجميعاً حال من الضمير الاستقرارى المستتر فى قوله: {لله} لا توكيد للقوة خلافا لابن عقيل، إذ أجاز التوكيد به، ولو غير مضاف لضمير مؤكد، ويجوز أن تكون لو للعرض، ويجوز أن تكون للإيقاع للتمنى. وإن قلت: فهل يجوز أن يقدر ولو ترى الذين ظلموا يا محمد إلخ، لعلمت أن القوة لله جميعا أو أن الأنداد لا تنفع أو نحو ذلك؟ قلت: لا يجوز لأنه يوهم أنه لا يعلم ذلك قبل يوم القيامة، وليس كذلك، اللهم إلا أن يكون الخطاب له، والمعنى لمن يصح أن يخاطب بذلك، ثم إنه يجوز تقدير الرؤية فى الدينا، أى ولو ترى فى الدنيا وقت رؤيتهم العذاب، أو حالهم إذ رأوا العذاب فى الآخرة لرأيت أمراً عظيماً على إذ مفعول ترى أو مفعوله محذوف تقديره حالهم، كما رأيت أو ولو يرى الرائى أو السامع أو الذين ظلموا فى الدنيا حالهم، إذ رأوا العذاب فى الآخرة أو رأوا فى الدنيا، وقت يرون العذاب فى الآخرة، لعلم أو لعلموا أن القوة لله جميعاً إلخ، أو أن الأنداد لا قوة لها أو لاتنفع، ويجوز كونها فى الآخرة، أى لو كان هذا الوقت وقت الآخرة، أو حصرت الآخرة فى الدنيا، وترى الذين ظلموا، أو ير الذين ظلموا وقدر بعضهم ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم حين اليوم رأوا العذاب فى الآخرة، وعن الحسن: كان الكفار فى الدنيا غافلين عن عزة الله وقوته وشدة عذابه.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذْ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَاداً} أمثالا لله مقاومة له فى زعمهم، وهى الأصنام أو أصناماً أمثالا، بعضها يماثل بعضا، أو رؤسا من الناس يتبعونهم، وهو ضعيف، لأن المقام للاستدلال على انتقاء ألوهية الأصنام الدائرة بالكعبة وغير الدائرة بها، ولأنه لم يعهد تعظيم رؤسائهم حبا وطاعة، وأما ضمير العقلاء فى قوله {يُحِبُّونَهُمْ} وهو هم، فلتنزيلهم الأصنام منزلة العقلاء فى السمع، والفهم، والنفع، والضر، ولأن رؤساءهم يتخذون الأنداد، فهم ممن خوطب باتخاذ الأنداد، أو ما يعم الأصنام والرؤساء وغيرهم من كل ما يشغل عن الله عز وجل {كَحُبِّ اللهِ} كحبهم الله، أو كحب الناس مطلقاً الله خضوعاً وتعظيماً ولو تفاوت الحبان، لأنهم عقلاء، يعلمون أن الخالق للسماوات والأرض غيرهن الله، وقد قال: "أية : وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا اللهَ" تفسير : [يونس: 22] الخ، وأن الأصنام وسائل ولا تعبد تسويتهم، لفرط حمقهم. قال الله عز وجل: "أية : ولئن سألتهم من خلق...} تفسير : [الزخرف: 9] الخ، {أية : فإذا ركبوا فى الفلك" تفسير : [العنكبوت: 65] الخ، {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} من المشركين لأندادهم، فإنهم لا يعدلون بالله شيئاً فى الرخاء والشدة، والمشركون يعدلون عن الأنداد إلى الله فى الشدة، كما مر آنفاً، ويرفضون صنما إلى غيره، ويأكلونه، كما أكلت باهلة، وهى قبيلة من قيس غيلان إلٰهها من حيس تمر يخلط بسمن وأقط، وكما عبد عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبل إسلامه عجينة، فأكلها، وللمشركين حب شديد للأنداد، لأن الله جل وعلا أخبرنا أن شدة حب المؤمنين الله سبحانه وتعالى فوق شدة حب المشركين الأنداد لأن محبة المؤمنين لله تزداد بازدياد إدراكهم الكمال، وهى ميلهم إليه توقيراً بامتثال وازدجار لنعمه، وخوف عقابه، فالحب متعلق بتطاعته وتعظيمه، وزعم بعض أنه يجوز تعلقه بذاته تعالى، من حيث إنه الكامل الملطلق، وحبهم الله أرسخ لا يميلون عنه، والمشرك المانع فى عبادة صنم يميل عنه لشدة تناله، ولو اشتد فى نفس العبادة أكثر من المؤمن، والحب بالضم من الحبة بالفتح، كالثمرة، والعنبة، استعير لحبة القلب، وهى دَمه الأسود، يتعلق به الروح الحيوانى بعد تعلقه بالبخار اللطيف الذى يحدث ويتصاعد من ثم بواسطتها، ويسرى إلى سائر البدن، فسويداء القلب فى كونها منشأ للحياة والآثار كالحب فى كونه مبدأ للنماء والإثمار، والله عز وجل يحب عبده المؤمن بمعنى أنه أراد له الخير وأنه يوفقه {وَلَوْ يَرَى} من يصلح للرؤية {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} باتخاذ الأنداد أو مطلق الظالمين بالكفر {إِذْ} أى إذا، بدليل المضارع بعدها، لأنه للاستقبال أو للحال المستقبلة وهو متعلق بيرى {يَرَوْنَ} يشاهدون {الْعَذَابَ} على ظلمهم لرأيت أمراً فظيعاً خارجاً عن الوصف، ويجوز إبقاء يرى على الاستقبال تحقيقا، وإذ للماضى تأويلا بتحقيق الوقوع، أى ولو يرى يوم القيامة عذابهم لرأى أمراً فظيعاً، لكن لا يراهم لأنهم فى النار أو لو يرى الآن لرأى الخ، لكن لا يرى العذاب فى قبورهم فى برزخ موتهم، وعلل قوله بقوله {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} بفتح الهمزة، أى لأن القوة، أو يقدر، لعلم أن القوة الخ أى لازدياد علمه، أو المصدر من خبر إن يدل اشتمال من العذاب لأن ثبوت القوة كلها الله عز وجل تشمل قوته فى العذاب فيقدر على هذا ليرى بعد قوله {وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} أى لرأى أى علم أو يعلم ثبوت القوة كلها أو شدة العذاب لله، والمراد ازدياد العلم أو علم المشاهد.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا} بيان لحال المشركين بعد بيان الدلائل الدالة على توحيده/ تعالى، و {مِن دُونِ ٱللَّهِ} حال من ضمير {يَتَّخِذُ} و ـ الأنداد ـ الأمثال والمراد بها الأصنام كما هو الشائع في القرآن، والمروي عن قتادة ومجاهد وأكثر المفسرين، وقيل: الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب من الرجال، وروي عن السدي ـ ونسب إلى الصادق رضي الله تعالى عنه ـ وقيل: المراد أعم منهما وهو ما يشغل عن الله تعالى والمعنى: ومن الناس من يتخذ متجاوزين الإله الواحد الذي ذكرت شؤونه الجليلة أمثالاً فلا يقصرون الطاعة عليه سبحانه بل يشاركونهم إياه، وإيثار الاسم الجليل لتعيينه تعالى بالذات غِبّ تعيينه بالصفات. {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ} إما جملة مستأنفة أو صفة الأنداد، أو صفة ـ لِمنْ ـ إذا جعلتها نكرة موصوفة مسوقة لبيان وجه الاتخاذ، و ـ المحبة ـ ميل القلب من الحب واحد الحبوب استعير لحبة القلب وسويدائه ثم اشتق منه الحب لأنه يؤثر في صميم القلب ويرسخ فيه، ومحبة العباد لله تعالى عند جمهور المتكلمين نوع من الإرادة سواء قلنا إنها نفس الميل التابع لاعتقاد النفع كما هو رأي المعتزلة، أو صفة مرجحة مغايرة له كما هو مذهب أهل السنة فلا تتعلق إلا بالجائزات ولا يمكن تعلقها بذاته تعالى فمحبة العبد له سبحانه إرادة طاعته وتحصيل مراضيه وهذا مبني على انحصار المطلوب بالذات في اللذة ورفع الألم، والعارفون بالله سبحانه قالوا: إن الكمال أيضاً محبوب لذاته فالعبد يحب الله تعالى لذاته لأنه الكامل المطلق الذي لا يداني كماله كمال، وأما محبة خدمته وثوابه فمرتبة نازلة، ومحبة الله تعالى للعباد صفة له عز شأنه لا تتكيف ولا يحوم طائر الفكر حول حماها، وقيل: إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي، والمراد بالمحبة هنا التعظيم والطاعة أي أنهم يسوون بين الله تعالى وبين الأنداد المتخذة فيعظمونهم ويطيعونهم كما يعظمون الله تعالى ويميلون إلى طاعته، وضمير الجمع المنصوب راجع إلى الأنداد فإن أريد بها الرؤساء فواضح وإلا فالتعبير عنها بضمير العقلاء باعتبار ذلك الزعم الباطل أنهم أنداد الله تعالى والمصدر المضاف من المبني للفاعل وفاعله ضميرهم بقرينة سبق الذكر وإن المشركين يعترفون به تعالى ويلجأون إليه في الشدائد {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 38] {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ }تفسير : [العنكبوت: 65]، وقيل هو الخلاف الظاهر وعدول عما يقتضيه كون جملة ـ يحبونهم ـ بياناً لوجه الاتخاذ إنه مصدر المبني للمفعول واستغنى عن ذكر من يحب لأنه غير ملبس، والمعنى على تشبيه محبوبية الأنداد من جهة المشركين بمحبوبيته تعالى من جهة المؤمنين، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} لأن التشبيه إنما وقع بين المحبوبيتين وذلك يقتضي أن يكون محبوبية الأصنام مماثلاً لمحبوبيته تعالى، والترجيح بين المحبتين لكن باعتبار رسوخ إحداهما دون الأخرى فإن المراد بشدة محبة المؤمنين شدتها في المحل وهو رسوخها فيهم وعدم زوالها عنهم بحال لا كمحبة المشركين لآلهتهم حيث يعدلون عنها إلى الله تعالى عند الشدائد ويتبرءون منها عند معاينة الأهوال ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره وربما أكلوه ـ كما يحكى: أن باهلة كانت لهم أصنام من حيس فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها ـ ولله أبوهم فإنه لم ينتفع مشرك بآلهته كانتفاع هؤلاء بها فإنهم ذاقوا حلاوة الكفر، وليس المراد من شدة المحبة شدتها وقوتها في نفسها ليرد أنا نرى الكفار يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أكثر المؤمنين فكيف يقال: إن محبتهم؟ أشد من محبتهم ومن هذا ظهر وجه اختيار ـ أشد حباً ـ على أحب إذ ليس المراد الزيادة في أصل الفعل بل الرسوخ والثبات وهو ملاك الأمر، ولهذا نزل {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }تفسير : [هود: 112] وكان أحب الأعمال إليه صلى الله عليه وسلم أدومها، وقال العلامة: عدل عن أحب إلى أشد ـ لأنه شاع في الأشد محبوبية ـ فعدل/ عنه احترازاً عن اللبس، وقيل: إن أحب أكثر من حب، فلو صيغ منه أفعل لتوهم أنه من المزيد. {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي لو يعلم هؤلاء الذين ظلموا بالاتخاذ المذكور؛ ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن ذلك ـ الاتخاذ ـ ظلم عظيم، وأن اتصاف المتخذين به أمر معلوم مشهور حيث عبر عنه بمطلق الظلم، والموصول والصلة للإشعار بسبب ـ رؤيتهم العذاب ـ المفهومة من قوله سبحانه {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} أي عاينوا العذاب المعد لهم وأبصروه يوم القيامة، وأورد صيغة المستقبل بعد {لَوْ} و {إِذْ} المختصين بالماضي لتحقق مدلوله فيكون ماضياً تأويلاً مستقبلاً تحقيقاً فروعي الجهتان. {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ساد مسد مفعولي {يرى}، وجواب {لَوْ} محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان، أي لوقعوا من الحسرة والندامة فيما لا يكاد يوصف، وقيل: هو متعلق الجواب ـ والمفعولان محذوفان ـ والتقدير ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع لعلموا أن القوة لله جميعاً لا ينفع ولا يضر غيره. وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب {تَرَى} على أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، فالجواب حينئذٍ ـ لرأيت أمراً لا يوصف من الهول والفظاعة ـ وابن عامر {إِذْ يَرَوْنَ} بالبناء للمفعول، ويعقوب {إن} بالكسر، وكذا {وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} على الاستئناف أو إضمار القول ـ أي قائلين ذلك ـ وفائدة هذه الجملة المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : إن في خلق السموات والأرض} تفسير : [البقرة: 164] الخ لأن تلك الجملة تضمنت أن قوماً يعقلون استدلوا بخلق السموات والأرض وما عطف عليه على أن الله واحد فوحدوه، فناسب أن يعطف عليه شأن الذين لم يهتدوا لذلك فاتخذوا لأنفسهم شركاء مع قيام تلك الدلائل الواضحة، فهؤلاء الذين اتخذوا من دون الله هم المتحدث عنهم آنفاً بقوله تعالى: { أية : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } تفسير : [البقرة: 161] الآيات. وقوله: {ومن الناس} خبر مقدم وقد ذكرنا وجه الإخبار به وفائدة تقديمه عند قوله تعالى: { أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } تفسير : [البقرة: 8] وعطفُه على ذكر دلائل الوحدانية وتقديمُ الخبر وكونُ الخبر {من الناس} مؤذن بأنه تعجبٌ من شأنهم. و{مَنْ} في قوله: {من يتخذ} ما صدْقُها فريق لا فرد بدليل عود الضمير في قوله: {يحبونهم كحب الله}. والمراد بالأنداد الأمثال في الألوهية والعبادة، وقد مضى الكلام على النِّد بكسر النون عند قوله تعالى: { أية : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } تفسير : [البقرة: 22]. وقوله: {من دون الله} معناه مع الله لأن كلمة دون تؤذن بالحيلولة لأنها بمعنى وراء فإذا قالوا اتخذه دون الله فالمعنى أنه أفرده وأعرض عن الله وإذا قالوا اتخذه من دون الله فالمعنى أنه جعله بعض حائل عن الله أي أشركه مع الله لأن الإشراك يستلزم الإعراض عن الله في أوقات الشغل بعبادة ذلك الشريك. وقوله: {من دون الله} خال من ضمير {يتخذ}، وقوله: {يحبونهم} بدل من {يتخذ} بدل اشتمال، لأن الاتخاذ يشتمل على المحبة والعبادة، ويجوز كونه صفة لمَن، وجوِّز أن يكون صفة لأنداداً لكنه ضعيف لأن فيه إيهام الضمائر لاحتمال أن يفهم أن المحب هم الأنداد يحبون الذين اتخذوهم، والأظهر أن يكون حالاً من (مَن) تفظيعاً لحالهم في هذا الاتخاذ وهو اتخاذ أنداد سووها بالله تعالى في محبتها والاعتقاد فيها. والمراد بالأنداد هنا وفي مواقعه من القرآن، الأصنام لا الرؤساء كما قيل، وعاد عليهم ضمير جماعة العقلاء المنصوب في قوله: {يحبونهم} لأن الأصنام لما اعتقدوا ألوهيتها فقد صارت جديرة بضمير العقلاء على أن ذلك مستعمل في العربية ولو بدون هذا التأويل، والمحبة هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو مَيل النفس إلى الحَسن عندها بمعاينة أو سماع أو حصول نفع محقق أو موهوم لعدم انحصار المحبة في ميل النفس إلى المرئيات خلافاً لبعض أهل اللغة فإن الميل إلى الخُلُق (بضم الخاء) الحسن وإلى الفعل الحسن والكمال، محبة أشد من محبة محاسن الذات فتشترك هذه المعاني في إطلاق اسم المحبة عليها باعتبار الحاصل في النفس وقطع النظر عن سبب حصوله. فالتحقيق أن الحب يتعلق بذِكر المرء وحصول النفعِ منه وحُسْن السمعة وإن لم يره فنحن نحب الله لما نعلمه من صفات كماله ولما يصلنا من نعمته وفضله ورحمته، ونحب رسوله لما نعلم من كماله ولِما وصل إلينا على يديه ولما نعلم من حرصه على هدينا ونجاتنا، ونحب أجدادنا، ونحب أسلافنا من علماء الإسلام، ونحب الحكماء والمصلحين من الأولين والآخرين، ولله در أبي مدين في هذا المعنى: شعر : وكم من محب قد أحب وما رأى وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى تفسير : وبضد ذلك كله تكون الكراهية. ومن الناس من زعم أن تعلق المحبة بالله مجاز مرسل في الطاعة والتعظيم بعلاقة اللزوم لأن طاعة المحب للمحبوب لازم عرفي لها قال الجَعْدي: شعر : لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع تفسير : أو مجاز بالحذف، والتقدير: يحبون ثواب الله أو نعمته لأن المحبة لا تتعلق بذات الله، إما لأنها من أنواع الإرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بالجائزات وهو رأى بعض المتكلمين، وإما لأنها طلب الملائم. واللذة لا تحصل بغير المحسوسات وكلا الدليلين ظاهر الوهن كما بينه الفخر، وعلى هذا التفصيل بين إطلاقي المحبة هنا يكون التشبيه راجعاً إلى التسوية في القوة ومنهم من جعل محبة الله تعالى مجازاً وجعلها في قوله: {يحبونهم} أيضاً مجازاً وعلى ذلك درج في «الكشاف» وكان وجهه أن الأصل في تشبيه اسم بمثله أن يكون تشبيه فرد من الحقيقة بآخر منها. وقد علمت أنه غير متعين. وقوله: {كحب الله} مفيد لمساواة الحبين؛ لأن أصل التشبيه المساواة وإضافة حب إلى اسم الجلالة من الإضافة إلى المفعول فهو بمنزلة الفعل المبني إلى المجهول. فالفاعل المحذوف حذف هنا لقصد التعميم أي كيفما قدرت حب محب لله فحب هؤلاء أندادهم مساو لذلك الحب، ووجه هذا التعميم أن أحوال المشركين مختلفة، فمنهم من يعبد الأنداد من الأصنام أو الجن أو الكواكب ويعترف بوجود الله ويسوي بين الأنداد وبينه، ويسميهم شركاء أو أبناء لله تعالى، ومنهم من يجعل لله تعالى الإلٰهية الكبرى ويجعل الأنداد شفعاء إليه، ومنهم من يقتصر على عبادة الأنداد وينسى الله تعالى قال تعالى: { أية : نسوا فأنساهم أنفسهم } تفسير : [الحشر: 19]، ومن هؤلاء صابئة العرب الذين عبدوا الكواكب، ولله تعالى محبون من غير هؤلاء ومن بعض هؤلاء، فمحبة هؤلاء أندادهم مساوية لمحبة محبي الله إياه أي مساوية في التفكير في نفوس المحبين من الفريقين فيصح أن تقدر يحبونهم كما يحب أن يحب الله أو يحبونهم كحب الموحدين لله إياه أو يحبونهم كحبهم الله، وقد سلك كل صورة من هذه التقادير طائفة من المفسرين، والتحقيق أن المقدر هو القدر المشترك وهو ما قدرناه في أول الكلام. واعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب الله تعالى وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول أصحابها وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة التابع ومحبة المتبوع ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها مفقودة كما قال إبراهيم - عليه السلام -: { أية : بَأَبَتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئاً } تفسير : [مريم: 42] مع ما في هذه الحال من زيادة موجب الإنكار. وقوله: {والذين أمنوا أشد حباً لله} أي أشد حبّاً لله من محبة أصحاب الأنداد أندادهم، على ما بلغوا من التصلب فيها، ومن محبة بعضهم لله ممن يعترف بالله مع الأنداد، لأن محبة جميع هؤلاء المحبين وإن بلغوا ما بلغوا من التصلب في محبوبيهم لمَّا كانت محبة مجردة عن الحجة لا تبلغ مبلغ أصحاب الاعتقاد الصميم المعضود بالبرهان، ولأن إيمانهم بهم لأغراض عاجلة كقضاء الحاجات ودفع الملمات بخلاف حب المؤمنين لله فإنه حب لذاته وكونِه أهلاً للحب ثم يتبع ذلك أغراض أعظمها الأغراض الآجلة لرفع الدرجات وتزكية النفس. والمقصود تنقيص المشركين حتى في إيمانهم بآلهتهم فكثيراً ما كانوا يُعرضون عنها إذا لم يجدوا منها ما أمَّلوه. فمورد التسوية بين المحبتين التي دل عليها التشبيه مخالف لمورد التفضيل الذي دل عليه اسم التفضيل هنا، لأن التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها، والتفضيل ناظر إلى رسوخ المحبة وعدم تزلزلها، وهذا مأخوذ من كلام «الكشاف» ومصرح به في كلام البيضاوي مع زيادة تحريره، وهذا يغنيك عن احتمالات وتمحلات عرضت هنا لبعض المفسرين وبعض شراح «الكشاف». روي أن امرأَ القيس لما أراد قتال بني أسد حين قتلوا أباه حُجْراً ملكَهم مر على ذي الخُلَصة الصَّنم الذي كان بتَبَالَة بين مكة واليَمنِ فاستقسم بالأزلام التي كانت عند الصَّنم فخرج له القدح الناهي ثلاث مرات فكَسَر تلك القِداح ورمى بها وجه الصَّنم وشتمه وأنشد: شعر : لو كنتَ ياذَا الخلص المَوْتُورا مِثلي وكانَ شيخك المقبورا لم تَنْه عن قتل العُداة زورَا تفسير : ثم قصد بني أسد فظفِر بهم. ورُوي أن رجلاً من بني مَلْكَان جاء إلى سَعْد الصَّنم بساحل جُدَّةَ وكان معه إبل فنفرت إبله لما رأت الصَّنم فغضب المَلْكاني على الصَّنم ورماه بحجَر وقال: شعر : أتينَا إلى سَعْد ليَجْمَع شملنا فشتَّتنَا سَعْد فما نَحْنُ من سَعْد وهلْ سَعْدٌ إلاَّ صَخْرَةٌ بتَنَوفَة من الأرض لا تدعو لِغيّ ولا رُشد تفسير : وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة {أشد} قال التفتزاني: آثر {أشدُّ حباً} على أحَبُّ لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول: هو أحب إلي، وفي القرآن: { أية : قل إن كان ءَابآؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله } تفسير : [التوبة: 24] الخ. يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب قليل فلذلك خصوا في الاستعمال كلاً بمواقع نفياً للبس فقالوا: أحب وهو محب وأشد حباً وقالوا حبيب من حب وأحب إلى من حب أيضاً. عطف على قوله: {ومن الناس من يتخذ} وذلك أن قوله ذلك لما كان شرحاً لحال ضلالهم الفظيع في الدنيا من اتخاذ الأنداد لله مع ظهور أدلة وحدانيته حتى كان قوله: {ومن الناس} مؤذناً بالتعجيب من حالهم كما قدمنا، وزيد في شناعته أنهم اتخذوا لله أنداداً وأحبوها كحبه، ناسب أن ينتقل من ذلك أي ذكر عاقبتهم من هذا الصنيع ووصف فظاعة حالهم في الآخرة كما فظع حالهم في الدنيا. قرأ نافع وابن عامر ويعقوب {ولو يرى} بتاء فوقية وهو خطاب لغير معين يعم كل من يسمع هذا الخطاب، وذلك لتناهي حالهم في الفظاعة والسوء، حتى لو حضرها الناس لظهرت لجميعهم ويجوز أن يكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - (فالذين ظلموا) مفعول (ترى) على المعنيين، و (إذ) ظرف زمان، والرؤية بصرية في الأول والثاني لتعلقها في الموضعين بالمرئيات، ولأن ذلك مورد المعنى، إلاّ أن وقت الرؤيتين مختلف، إذ المعنى لو تراهم الآن حين يرون العذاب يوم القيامة، أي لو ترى الآن حالهم، وقرأه الجمهور يرى الذين ظلموا - بالتحتية - فيكون الذين ظلموا فاعل {يرى} والمعنى أيضاً لو يرون الآن، وحذف مفعول {يرى} لدلالة المقام، تقديره لو يرون عذابهم أو لو يرون أنفسهم أو يكون (إذ) اسماً غير ظرف أي لو ينظرون الآن ذلك الوقت فيكون بدل اشتمال من {الذين ظلموا}. و{الذين ظلموا} هم الذين اتخذوا من دون الله أنداداً فهو من الإظهار في مقام الإضمار ليكون شاملاً لهؤلاء المشركين وغيرهم، وجعل اتخاذهم الأنداد ظلماً لأنه اعتداء على عدة حقوق فقد اعتدوا على حق الله تعالى من وجوب توحيده، واعتدوا على من جعلوهم أنداداً لله على العقلاء منهم مثل الملائكة وعيسى، ومثل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فقد ورد في «الصحيح» عن ابن عباس أنهم كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح فلما ماتوا اتخذ قومهم لهم تماثيل ثم عبدوها، ومثل (اللات) يزعم العرب أنه رجل كان يلت السويق للحجيج وأن أصله اللات بتشديد التاء، فبذلك ظلموهم إذ كانوا سبباً لهول يحصل لهم من السؤال يوم القيامة كما قال الله تعالى: { أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلٰهين من دون الله } تفسير : [المائدة: 116] وقال: { أية : ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } تفسير : [سبأ: 40] الآية ــــ وقال: { أية : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } تفسير : [الفرقان: 17] الآية، وظلموا أنفسهم في ذلك بتعريضها للسخرية في الدنيا وللعذاب في الآخرة وظلموا أعقابهم وقومهم الذين يتبعونهم في هذا الضلال فتمضي عليه العصور والأجيال، ولذلك حذف مفعول {ظلموا} لقصد التعميم، ولك أن تجعل {ظلموا} بمعنى أشركوا كما هو الشائع في القرآن قال تعالى عن لقمان: { أية : إن الشرك لظلم عظيم } تفسير : [لقمان: 13] وعليه فالفعل منزَّل منزلة اللازم لأنه صار كاللقب. وجملة: {والذين أمنوا أشد حباً لله} معترضة والغرض منها التنويه بشأن الذين آمنوا بأن حبهم لله صار أشد من حبهم الأنداد التي كانوا يعبدونها وهذا كقول عُمر بن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - « حديث : لأنت أَحب إليّ من نفسي التي بين جنبيّ » تفسير : . وتركيب {لو ترى} وما أشبهه نحو لو رأيتَ من التراكيب التي جرت مجرى المثل فبنيت على الاختصار وقد تكرر وقوعها في القرآن. وجواب {لو} محذوف لقصد التفخيم وتهويل الأمر لتذهب النفس في تصويره كل مذهب ممكن ونظيره { أية : ولو ترى إذ الظالمون في غمَرَات الموت }تفسير : [الأنعام: 93] { أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار } تفسير : [الأنعام: 27] { أية : ولو أن قرءاناً سيرت به الجبال } تفسير : [الرعد: 31]، قال المرزوقي عند قول الشَّمَيْذَرِ الحارثي: شعر : وقد ساءني ما جرَّتِ الحرب بيننا بنِي عَمِّنا لو كان أمراً مُدَانِيا تفسير : «حَذْفُ الجواب في مثل هاته المواضع أبلغ وأدل على المراد بدليل أن السيد إذا قال لعبده لئن قمتُ إليك ثم سكتَ تزاحم على العبد من الظنون المعترضة للتوعد ما لا يتزاحم لو نص على ضربٍ من العذاب»، والتقدير على قراءة نافع وابن عامر لرأيتَ أمراًعظيماً وعلى قراءة الجمهور لرأوا أمراً عظيماً. وقوله: {أن القوة} قرأَه الجمهور بفتح همزة أَنَّ وهو بدل اشتمال من {العذاب} أو من {الذين ظلموا} فإن ذلك العذاب من أحوالهم، ولا يضر الفصل بين المبدل منه والبدل لطول البدل، ويجوز أن يكون على حذف لام التعليل والتقدير لأن القوة لله جميعاً والتعليل بمضمون الجواب المقدر أي لرأيت ما هو هائل لأنه عذاب الله ولله القوة جميعاً. {وجميعاً} استعمل في الكثرة والشدة فقوة غيره كالعدم وهذا كاستعمال ألفاظ الكثرة في معنى القوة وألفاظ القلة في معنى الوهن كما في قول تأبط شراً: شعر : قليلُ التشكي للمُلِمِّ يصيبُه كثيرُ الهوى شتَّى النَّوى والمسالك تفسير : أراد شديد الغرام. وقرأه أبو جعفر ويعقوب {إِن القوة} بكسر الهمزة على الاستئناف البياني كأن سائلاً قال: ماذا أرى وما هذا التهويل؟ فقيل: إن القوة ولا يصح كونها حينئذٍ للتعليل التي تغني غناء الفاء كما هي في قول بشار: شعر : إن ذاك النجاح في التبْكير تفسير : لأن ذلك يكون في مواقع احتياج ما قبلها للتعليل حتى تكون صريحة فيه. وقرأ ابن عامر وحده {إذ يُرَون العذاب} بضم الياء أي إذ يريهم الله العذاب في معنى قوله: { أية : كذلك يريهم الله أعمالهم } تفسير : [البقرة: 167]. وانتصب (جميعاً) على التوكيد لِقوله (القوة) أي جميع جنس القوة ثابت لله، وهو مبالغة لعدم الاعتداد بقوة غيره فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق في قوله { أية : الحمد لله } تفسير : [الفاتحة: 2]. وقد جاء (لو) في مثل هذا التركيب بشرط مضارع ووقع في كلام الجمهور من النحاة أن لو للشرط في الماضي وأن المضارع إذا وقع شرطاً لها يُصرف إلى معنى الماضي إذا أريد استحضار حالة ماضية وأما إذا كان المضارع بعدها متعيناً للمستقبل فأوَّلَه الجمهور بالماضي في جميع مواقعه وتكلفوا في كثير منها كما وقع لصاحب «المفتاح»، وذهب المبرد وبعض الكوفيين إلى أن لو حْرف بالمعنى إِنْ لمجرد التعليق لا للامتناع، وذهب ابن مالك في «التسهيل» و«الخلاصة» إلى أن ذلك جائز لكنه قليل وهو يريد القلة النسبية بالنسبة لوقوع الماضي وإلاّ فهو وارد في القرآن وفصيح العربية. والتحقيق أن الامتناع الذي تفيده (لو) متفاوت المعنى ومرجعه إلى أن شرطها وجوابها مفروضان فرضاً وغير مقصود حصول الشرط فقد يكون ممكن الحصول وقد يكون متعذراً ولذلك كان الأولى أن يعبر بالانتفاء دون الامتناع لأن الامتناع يوهم أنه غير ممكن الحصول فأما الانتفاء فأعم، وأن كون الفعل بعدها ماضياً أو مضارعاً ليس لمراعاة مقدار الامتناع ولكن ذلك لمقاصد أخرى مختلفة بالاختلاف مفاد الفعلين في مواقعها في الشروط وغيرها، إذ كثيراً ما يراد تعليق الشرط بلو في المستقبل نحو قول توبة: شعر : ولو تلتقِي أصداؤنا بعد موتنا ومِنْ بين رَمْسينا من الأرض سَبسبُ لظل صدَى صوتي وإن كنتُ رِمَّةً لصوت صدى ليلى يهشُّ ويَطْرَبُ تفسير : فإنه صريح في المستقبل ومثله هذه الآية.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} الآية. المراد بالذين ظلموا الكفار وقد بين ذلك بقوله في آخر الآية: {أية : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 167]، ويدل لذلك قوله تعالى عن لقمان مقرراً له: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، وقوله جل وعلا: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254]، وقوله: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [يونس: 106].
الواحدي
تفسير : {ومن النَّاس مَنْ يتخذ من دون الله أنداداً} يعني: الأصنام التي هي أندادٌ بعضها لبعضٍ، أَيْ: امثال {يحبونهم كحب الله} أي: كحبِّ المؤمنين الله {والذين آمنوا أشد حباً لله} لأنَّ الكافر يُعرِضُ عن معبوده في وقت البلاء، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السِّراء والضَّراء، والشِّدَّة والرَّخاء، {ولو يرى الذين ظلموا} كفروا {إذ يرون العذاب} شدَّة عذاب الله تعالى وقوّته لعلموا مضرَّة اتِّخاذ الأنداد، وجواب "لو" محذوفٌ، وهو ما ذكرنا. {إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا} هذه الآية تتصل بما قبلها؛ لأنَّ المعنى: وإنَّ الله شديد العذاب حين تبرَّأ المُتَّبَعُون في الشِّرك من أتباعهم عند رؤية العذاب، يقولون: لم ندعُكم إلى الضَّلالة وإلى ما كنتم عليه {وتقطعت بهم} عنهم {الأسباب} الوصلات التي كانت بينهم في الدُّنيا من الأرحام والموَّدة، وصارت مُخالَّتهم عداوةً. {وقال الذين اتبعوا} وهم الأتباع {لو أنَّ لنا كرَّةً} رجعةً إلى الدُّنيا تبرَّأنا منهم {كما تبرَّؤوا منا كذلك} أَيْ: كتبرُّىء بعضهم من بعضٍ {يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم} يعني: عبادتهم الأوثان رجاء أن تُقرِّبهم إلى الله تعالى، فلمَّا عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسَّروا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنداداً: جمع ند وهو المثل والنظير والمراد بالأنداد هنا الشركاء يعبدونها بحبها والتقرب إليها بأنواع العبادات كالدعاء والنذر لها والحلف بها. التبرؤ: التنصل من الشيء والتباعد عنه لكرهه. الذين اتُّبعوا: المعبودون والرؤساء المضلون. الذين اتَّبعوا: المشركون والمقلدون لرؤسائهم في الضلال. الأسباب: جمع سبب وهي لغة الحبل ثم استعمل في كل ما يربط بين شيئين وفي كل ما يتوصل به إلى مقصد وغرض خاص. كرَّة: رجعة وعودة إلى الحياة الدنيا. الحسرات: جمع حسرة وهي الندم الشديد الذي يكاد يحسر صاحبه فيقعد به عن الحركة والعمل. معنى الآيات: لما تقرر في الآيتين السابقتين بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة أن إله الناس أي ربهم ومعبودهم واحد وهو الله جل جلاله وعظم سلطانه أخبر تعالى أنه مع هذا البيان والوضوح يوجد ناس يتخذون من دون الله آلهة أصناماً ورؤساء يحبونهم كحبهم لله تعالى أي يسوون بين حبهم وحب الله تعالى، والمؤمنون أشد منهم حباً لله تعالى، كما أخبر تعالى أنه لو يرى المشركون عند معاينتهم العذاب يوم القيامة لرأوا أمراً فظيعاً يعجز الوصف عنه، ولعلموا أن القوة لله وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ المتبعون وهم الرؤساء الظلمة دعاة الشرك والضلالة من متبوعيهم الجهلة المقلّدين وعاينوا العذاب أمامهم وتقطعت تلك الروابط التي كانت تربط بينهم، وتمنى التابعون العودة إلى الحياة الدنيا لينتقموا من رؤسائهم في الضلالة فيتبرءوا منهم في الدنيا كما تبرءوا هم منهم في الآخرة، وكما أراهم الله تعالى العذاب فعاينوه، يريهم أعمالهم القبيحة من الشرك والمعاصي فتعظم حسرتهم ويشتد كربهم ويدخلون بها النار فلا يخرجون منها أبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب حب الله وحبّ كل ما يُحبّ عز وجل بحبه تعالى. 2- من الشرك الحب مع الله تعالى، ومن التوحيد الحب بحب الله عز وجل. 3- يوم القيامة تنحل جميع الروابط من صداقة ونسب ولم تبق إلا رابطة الإِيمان والأخوة فيه. 4- تبرؤ رؤساء الشرك والضلال ودعاة الشر والفساد ممن أطاعوهم في الدنيا واتبعوهم على الظلم والشر والفساد وليس بنافعهم ذلك شيئاً.
القطان
تفسير : الند: المماثل جمعه انداد. السبب، وجمعه أسباب: أصل معناه الحبلُ ثم أصبح يطلق على كل ما يُتوصل به الى مقصد من المقاصد. الكرة: العودة. الحسرة: شدة الندم. بعد ان بين الله تعالى ظواهر الكون الدالة على قدرة الخالق وعظمته يقول هنا: رغم هذه الدلائل الواضحة، والآيات البيّنات اتخذ بعض الناس ممن ضلت عقولهم أرباباً متعددة غير الله، وجعلوهم اندادا له يطيعونهم ويعبدونهم ويحبونهم كحب المؤمنين لله، وقد يكون هؤلاء الأرباب من رؤسائهم الذين يتبعونهم ويتعلقون بهم، وقد يكونون احجاراً أو أشجارا، أو نجوما وكواكب، أو ملائكة وشياطين، أو حيوانات ـ وهذا شرك عظيم. والذين آمنوا أشد حباً لله من كل ما سواه. والتعبير هنا بالحب جميل فوق انه صادق. فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب والانقياد التي لا تنقطع، فهو يلجأ الى الله دائما عند كل شدة أو نائبة. ولو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك ما سينالهم من العذاب يوم القيامة، يوم تكون القوة جميعها لله وحده؛ وانهم كانوا ضالين حين لجأوا الى سواه، ويتحققون من ان الله شديد العذاب ـ لو يرون حين يتبرأ الرؤساء المتبوعين من الذين اتبعوهم، وحينَ تنقطع بينهم الأواصر والعلاقات وينشغل كل بنفسه، وتظهر حقيقة الالوهية وكذب القيادات الاخرى وضعفها وعجزها أمام تلك القدرة ـ لندموا أشد الندم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ...} وسيقول التابعون، عندما يتبين لهم أنهم كانوا مخدوعين، ليت لنا رجعة الى الدنيا حتى نتبع سبيل الحق، ونتبرأ من هؤلاء الضالين المضلين كما تبرأوا منا. عند ذلك تبدو لهم أعمالهم السيئة فتكون حسراتٍ عليهم وندامة، وما هم بخارجين من النار. القراءات: قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب "ولو ترى الذين ظلموا" بالتاء، خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم. ولو ترى ذلك لرأيت امرا عظيماً. وقرأ ابن عامر "اذ يُرون العذاب" على البناء للمفعول. وقرأ يعقوب "ان القوة لله" بكسر همزة ان.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} (165) - وَمَعَ قِيَامِ الأَدِلَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنَ الكُفَّارِ يَتَّخِذُونَ للهِ شُرَكَاءَ وَأَمْثَالاً (أَنْدَاداً) يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ، وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللهُ الذِي لاَ مَثِيلَ لَهُ، وَلا شَرِيكَ مَعَهُ. أَمَّا الذِينَ آمَنُوا فَإِنَّهُم يَعْبُدُونَ الله وَحْدَهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَيُحِبُّونَهُ وَحْدَهُ، وَهُمْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ مِنْ أَيِّ شَيءٍ آخَرَ. وَحِينَ يَرَى المُشْرِكُونَ العَذَابَ الشَّديدَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالكُفَّارِ، فَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الأَسْبَابُ، وَلاَ تُغْنِي عَنْهُم الأَنْدَادُ، يُدْرِكُونَ حِينَئِذٍ أنَّ القُوَّةَ جَميعَهَا للهِ، وَأَنَّ الحُكْمَ لَهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. أَنْدَاداً - أَمْثَالاً وَأَشْبَاهاً مِنَ الأَوثَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الند هو الشبيه والنظير، والكافر هو من يجعل لله شبيهاً ونظيراً، والمشركون لا يخلون الله عن الألوهية، إنما يشركون معه غيره أنداداً، وهم يحبون هؤلاء الأنداد كحبهم لله، أو يُحبونهم كحُبكم أنتم لله، فكما يُحب المؤمن ربه، يحب الكافر إلهه الذي اتخذه معبوداً. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} [البقرة: 165] لماذا؟. لأن هذا هو الحب الذي لا يختلف عليه أحد، ولكن حُب هؤلاء المشركين للآلهة المتعددة المزيفة يختلف؛ فعندما يمس المشرك الضر يتضرع إلى الله وليس إلى الآلهة المزيفة، مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ..}تفسير : [يونس: 12]. إن المشرك يكتشف بفطرته كذبه على نفسه في مسألة اتخاذه أنداداً لله، ولذلك إذا عزت عليه الأسباب، ووقع في مأزق فهو لا يخدع نفسه ويقول: يا صنم أنجدني: وإنما يقول: "يا رب أنقذني". أما المؤمن فهو لا يغير حُبه لله أبداً، المؤمن يحب ربه في السراء والضراء، وعلى ذلك يكون الذين آمنوا أشد حباً لله، لأنهم لا ينسونه، لا في الرخاء ولا في الشدة، لكن الكافرين لا يعرفون الله الحق إلا في الشدائد، فإذا مرت المسألة فإنهم يسلكون كما يصف القرآن سلوك كل كافر منهم: {أية : مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ..}تفسير : [يونس: 12].{أية : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ}تفسير : [الزمر: 8]. إنهم ينسون الله، ويعودون إلى تقديس الأنداد المزيفة، وهم بذلك يظلمون أنفسهم. {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} [البقرة: 165]، ويفاجأ هؤلاء المشركون بأمر عجيب لم يكن في حسبانهم، هم آمنوا بأنداد ويأتون يوم القيامة ليروا تلك الأنداد وهي وقود للنار تعذبهم، ولو لم تأت معهم حجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها لقالوا: "إن الحجارة ستنجدنا من هذا العذاب". وها هو ذا الحق سبحانه يبين لهم: أن الحجارة ليست معكم في العذاب فقط، بل هي وقود النار التي تعذبون بها، ومصداقاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ..}تفسير : [الأنبياء: 98]. وكذلك قوله الحق عن النار:{أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..}تفسير : [البقرة: 24]. وبذلك ينقطع عن الكافرين المشركين كل أمل في أن تنقذهم آلهتهم المزيفة. {إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} [البقرة: 165] أي يرون العذاب حق اليقين، وقد سبق أن أُخبروا به، لكنهم لم يؤمنوا باليوم الآخر؛ لكن لو صدقوا بيوم القيامة وآمنوا لكفاهم أن يروا العذاب عين اليقين، ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ} [البقرة: 165] أي أنهم ساعة يرون العذاب حق اليقين سيدركون عندها أن القوة لله وأنه شديد العقاب. ثم يبين الحق سبحانه وتعالى ماذا سيكون حالهم عندما يرون العذاب، فيقول: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} معناهُ يَعلَمُ وليسَ برؤيا عينٍ.
الأندلسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} لما قرر التوحيد بالدلائل الباهرة ذكر من لم يوفق فاتخذ انداداً ليظهر تفاوت ما بين العقلاء وغيرهم. ومن الناس: أي من أهل الكتاب وعبدة الأوثان من يتخذ من دون الله أي من غير الله أنداداً رؤساء وأصناماً. {يُحِبُّونَهُمْ} أي يعظمونهم. وغلب العقلاء فلذلك جاء بمضيرهم. {كَحُبِّ ٱللَّهِ} أي كحبكم. أو كحبهم أي كتعظيم الله تعالى. "وقدره" الزمخشري كما يحب الله على أنه مصدر مبني للمفعول وفي ذلك خلاف والأصح المنع. وقرىء: يحبونهم من حب يحب ومجيئه على يفعل شاذ. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} منهم أي من المتخذين الأنداد لأندادهم أي أطوع وأكثر امتثالاً لما أمر ونهى. {وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} قرىء بالتاء خطاباً للسامع وبالياء رداً. ففاعل يرى: مضمر. أي السامع. والمفعول: الذين ظلموا، أو يكون الفاعل الذين ظلموا والمفعول محذوف أي ما حل بهم وفي قراءة التاء لاستعظمت ما حل بهم. وقرىء أنّ أي لأن وبكسر الهمزة وفيها معنى التعليل. وقرىء يرون بفتح الياء وبضمها والذين ظلموا هم متخذوا الأنداد أو عام اندرجوا فيه. ويرى في ولو يرى بصرية كهي في يرون ودخلت إذ وهي ظرف ماض تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه كما وقع الماضي مكان المستقبل في قوله: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 50] و"جميعاً" حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور والعامل فيها هو العامل في الضمير. {إِذْ تَبَرَّأَ} بدل من إذ يرون. و{ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ} هم رؤساؤهم. قرىء: اتبعوا الأول مبنياً للمفعول، والثاني مبنياً للفاعل. وقرىء بالعكس. وتبرؤ المتبوعين بالقول انهم لم يضلوا تابعيهم كقولهم: تبرأنا إليك، وتبرؤ المتبوعين بالقول انفصالهم عن متبوعهم والندم على عبادتهم. {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} معطوف على تبرأ أو الواو واو الحال ويسمى الكلام المسجوع ترصيعاً وهو في هاتين الجملتين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ما أحسن اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى، لما بين وحدانيته وأدلتها القاطعة، وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين، المزيلة لكل شك، ذكر هنا أن { مِنَ النَّاسِ } مع هذا البيان التام من يتخذ من المخلوقين أندادا لله أي: نظراء ومثلاء، يساويهم في الله بالعبادة والمحبة، والتعظيم والطاعة. ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة، وبيان التوحيد - علم أنه معاند لله، مشاق له، أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته، فليس له أدنى عذر في ذلك، بل قد حقت عليه كلمة العذاب. وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله، لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما يسوونهم به في العبادة، فيعبدونهم، ليقربوهم إليه، وفي قوله: { اتخذوا } دليل على أنه ليس لله ند وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادا له، تسمية مجردة، ولفظا فارغا من المعنى، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } . {أية : إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } تفسير : فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق، وغيره مخلوق، والرب الرازق ومن عداه مرزوق، والله هو الغني وأنتم الفقراء، وهو الكامل من كل الوجوه، والعبيد ناقصون من جميع الوجوه، والله هو النافع الضار، والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء، فعلم علما يقينا، بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا، سواء كان ملكا أو نبيا، أو صالحا، صنما، أو غير ذلك، وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة، والذل التام، فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } أي: من أهل الأنداد لأندادهم، لأنهم أخلصوا محبتهم له، وهؤلاء أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره. فلهذا توعدهم الله بقوله: { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } باتخاذ الأنداد والانقياد لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله، وسعيهم فيما يضرهم. { إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ } أي: يوم القيامة عيانا بأبصارهم، { أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } أي: لعلموا علما جازما، أن القوة والقدرة لله كلها، وأن أندادهم ليس فيها من القوة شيء، فتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا، وظنوا أن لها من الأمر شيئا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، فخاب ظنهم، وبطل سعيهم، وحق عليهم شدة العذاب، ولم تدفع عنهم أندادهم شيئا، ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها، من حيث ظنوا نفعها. وتبرأ المتبوعون من التابعين، وتقطعت بينهم الوصل، التي كانت في الدنيا، لأنها كانت لغير الله، وعلى غير أمر الله، ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له، فاضمحلت أعمالهم، وتلاشت أحوالهم، وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين، وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها، انقلبت عليهم حسرة وندامة، وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، فهل بعد هذا الخسران خسران؟ ذلك بأنهم اتبعوا الباطل، فعملوا العمل الباطل ورجوا غير مرجو، وتعلقوا بغير متعلق، فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها، ولما بطلت وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها، فضرتهم غاية الضرر، وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين، وأخلص العمل لوجهه، ورجا نفعه، فهذا قد وضع الحق في موضعه، فكانت أعماله حقا، لتعلقها بالحق، ففاز بنتيجة عمله، ووجد جزاءه عند ربه، غير منقطع كما قال تعالى: {أية : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } . تفسير : وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من متبوعيهم، بأن يتركوا الشرك بالله، ويقبلوا على إخلاص العمل لله، وهيهات، فات الأمر، وليس الوقت وقت إمهال وإنظار، ومع هذا، فهم كذبة، فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هو قول يقولونه، وأماني يتمنونها، حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم والذنب ذنبهم، فرأس المتبوعين على الشر إبليس، ومع هذا يقول لأتباعه لما قضي الأمر {أية : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ } .
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} [165] 31- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا النضر بن شُميل، نا شعبة، وأنا محمد بن عبد الأعلى، وإسماعيل بن مسعود قالا: نا خالد - وهو ابن الحارث، نا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات يجعل لله ندّا أدخله النار ". تفسير : وأنا أقول: من مات لا يجعل لله ندّا أدخله الجنة .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):