٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
166
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أنداداً بقوله: {أية : وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ } تفسير : [البقرة: 165] على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى: {أية : يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } تفسير : [العنكبوت: 25] وقال أيضاً: {أية : ٱلأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] وقال: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } تفسير : [الأعراف: 38] وحكى عن إبليس أنه قال: {أية : إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } تفسير : [إبراهيم: 22] وههنا مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {إِذْ تَبَرَّأَ } قولان، الأول: أنه بدل من: {أية : إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ } تفسير : [البقرة: 165]. الثاني: أن عامل الإعراب في (إذ) معنى شديد كأنه قال: هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ. المسألة الثانية: معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ } يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سبباً، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه. أحدها: أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس، عن قتادة والربيع وعطاء. وثانيها: أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي. وثالثها: أنهم شياطين الجن والإنس. ورابعها: الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام، ويجب أيضاً حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } تفسير : [الأحزاب: 67]، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء. المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير التبرؤ وجوهاً. أحدها: أن يقع منهم ذلك بالقول. وثانيها: أن يكون نزول العذاب بهم، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا. وثالثها: أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول، لأنه هو الحقيقة في اللفظ. أما قوله تعالى: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } الواو للحال، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف. أما قوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه عطف على {تبرأ} وذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال. الأول: أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها، عن مجاهد وقتادة والربيع. الثاني: الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج. الثالث: الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي. والرابع: العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها، عن ابن عباس. الخامس: ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم. السادس: المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس. السابع: أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال: وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر. المسألة الثانية: الباء في قوله تعالى: {بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ } بمعنى (عن) كقوله تعالى: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } تفسير : [الفرقان: 59] أي عنه قال علقمة بن عبدة:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب تفسير : أي عن النساء. المسألة الثالثة: أصل السبب في اللغة الحبل قالوا: ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به، ومنه قوله تعالى: {أية : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [الحج: 15] ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب. يقال: ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة، وقيل للطريق: سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريدها، قال تعالى: {أية : فَأَتْبَعَ سَبَباً } تفسير : [الكهف: 85] أي طريقاً، وأسباب السموات: أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال تعالى مخبراً عن فرعون: {أية : لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ * أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [غافر: 36، 37] قال زهير:شعر : ومن هاب أسباب المنايا تناله ولو رام أسباب السماء بسلم تفسير : والمودة بين القوم تسمى سبباً لأنهم بها يتواصلون. أما قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تبرؤا مِنَّا } فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم يوم القيامة، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره: فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة. أما قوله: {كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرٰتٍ عَلَيْهِمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ } وجهان. الأول: كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد. الثاني: كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات، لأنهم أيقنوا بالهلاك. المسألة الثانية: في المراد بالأعمال أقوال. الأول: الطاعات يتحسرون لم ضيعوها عن السدي. الثاني: المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن زيد يتحسرون لم عملوها. الثالث: ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر عن الأصم. الرابع: أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها السادة، وهو كفرهم ومعاصيهم، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم، وأيقنوا بالجزاء عليها، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به. المسألة الثالثة: حسرات ثالث مفاعيل: رأى. المسألة الرابعة: قال الزجاج: الحسرة شدة الندامة حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب، وهو الذي لا منفعة فيه، يقال: حسر فلان يحسر حسرة وحسراً إذا اشتد ندمه على أمر فاته، وأصل الحسر الكشف، يقال: حسر عن ذراعيه أي كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة، والحسور: الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر، قال تعالى: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 19] والمحسرة المكنسة لأنها تكشف عن الأرض، والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش. أما قوله تعالى: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا: إن قوله {وَمَا هُمْ } تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصاً بهم، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدّينِ * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } تفسير : [الانفطار: 14 ـ 16] وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ} يعني السادة والرؤساء تبرءوا ممن ٱتبعهم على الكفر؛ عن قتادة وعطاء والربيع. وقال قتادة أيضاً والسُّدي: هم الشياطين المضلّون تبرءوا من الإنس. وقيل: هو عام في كل متبوع. {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} يعني التابعين والمتبوعين؛ قيل: بتيقُّنهم له عند المعاينة في الدنيا. وقيل: عند العرض والمُساءلة في الآخرة. قلت: كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنِّكال. قوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} أي الوُصُلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رَحِم وغيره؛ عن مجاهد وغيره. الواحد سَبب ووُصْلة. وأصل السَّبب الحبل يشدّ بالشيء فيجذبه؛ ثم جعل كل ما جرّ شيئاً سبباً. وقال السُّدّي وٱبن زيد: إن الأسباب أعمالهم. والسبب الناحية؛ ومنه قول زُهير:شعر : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسبابَ السماء بسُلِّم
البيضاوي
تفسير : {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} بدل من {إِذْ يَرَوْنَ}، أي إِذ تبرأ المتبوعون من الأتباع. وقرىء بالعكس، أي تبرأ الأتباع من الرؤساء {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي رائين له، والواو للحال، وقد مضمرة. وقيل؛ عطف على تبرأ {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} يحتمل العطف على تبرأ، أو رأوا والواو للحال، والأول أظهر. و {ٱلأَسْبَابُ}: الوصل التي كانت بينهم من الاتَّباع والاتفاق على الدين، والأغراض الداعية إلى ذلك. وأصل السبب: الحبل الذي يرتقي به الشجر. وقرىء و {تقطعت} على البناء للمفعول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذْ } بدل من (إذ) قبله {تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ } أي الرؤساء {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } أي أنكروا إضلالهم {وَ} قد {رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ } عطف على (تبرأ) {بِهِمْ } عنهم {ٱلاْسْبَابُ } الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ} وهم السادة والرؤساء من تابعيهم على الكفر، أو الذين اتبعوا: الشياطين، وتابعوهم الإنس، ورأى التابع والمتبوع العذاب. {الأَسْبَابُ} تواصلهم في الدنيا، أو الأرحام، أو الحلف الذي كان بينهم في الدنيا، أو أعمالهم التي عملوها فيها، أو المنازل التي كانت لهم فيها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إذ تبرأ} أي تنزه وتباعد {الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب} أي القادة من مشركي الإنس من الأتباع وذلك يوم القيامة حين يجمع القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض عند نزول العذاب بهم وعجزهم عن دفعه عن أنفسهم فكيف عن غيرهم. وقيل: هم الشياطين يتبرؤون من الإنس، والقول هو الأول {وتقطعت بهم الأسباب} يعني الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها من قرابة وصداقة. وقيل: الأعمال التي كانت بينهم يعملونها في الدنيا. وقيل: العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها. وأصل السبب في اللغة الحبل الذي يصعد به النخل وسمي كل ما يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودة سبباً تشبيهاً بالحبل الذي يصعد به {وقال الذين اتبعوا} يعني الأتباع {لو أن لنا كرة} أي رجعة إلى الدنيا {فنتبرأ منهم} أي من المتبوعين {كما تبرؤوا منا} اليوم {كذلك يريهم الله} أي كما أراهم العذاب يريهم الله {أعمالهم حسرات عليهم} لأنهم أيقنوا بالهلاك. والحسرة الغم على ما فاته وشدة الندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، والمعنى أن الله تعالى يريهم السيئات التي عملوها، وارتكبوها في الدنيا فيتحسرون لم عملوها؟. وقيل: يريهم ما تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها. وقيل: يرفع لهم منازلهم في الجنة فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يتحسرون ويندمون على ما فاتهم ولا ينفعهم الندم {وما هم بخارجين من النار}.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ...}. قال ابن عرفة: لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بشهواته وجمع المال فإنه عليه (وبال) كما ورد: "حديث : الكيّس من دان نفسه"تفسير : وتبرؤهم منه قبل (رؤيتهم) العذاب أشد في الممانعة وعدم النصرة.
ابن عادل
تفسير : اعْلَم أنَّه لما بَيَّن حال مِنْ يَتَّخذُ مِنْ دُون الله أنْداداً بقوله: وَلَوْ يَرَى الَّذينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ على طَرِيقِ التهْدِيد زادَ في هَذَا الوَعِيد بهذه الآية الكريمة، وبَيَّنَ أنَّ الذين أفْنَوْا عُمْرهم في عِبَادَتِهِمْ، واعتقَدُوا أنَّهم سَبَبُ نجاتِهِمْ، فإنَّهم يتبَّرءُون منْهُمْ؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ}تفسير : [العنكبوت: 25] وقولُهُ - عزَّ وجلَّ سبحانَهُ-: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67] وقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}تفسير : [الأعراف: 38] وقول إبليس لعنه الله {أية : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}تفسير : [إبراهيم: 22]. وهل هذا التبرُّؤ يقع منهم بالقَوْل، أو بظُهُور النَّدَم على ما فرَطَ منهم من الكُفْر والإِعْرَاض؟ قوْلاَن: أظهرها الأوَّل. واختلفوا في هؤلاء المَتْبُوعِينَ، فقال قتادَةُ، والرَّبيع وعَطَاءٌ: السَّادة والرُّؤساء مِنْ مشركي الإنس إلاَّ أنَّهم الذين يصحُّ منهم الأَمر؛ والنَّهْيُ؛ حتى يمكن أن يتبعوا وقال السُّدِّيُّ: هُمْ شَيَاطينُ الجِنِّ. وقيلَ: شَيَاطين الإنْسِ والجِنِّ. وقيلَ: الأوْثَان الَّتي كانُوا يسمُّونها بالآلهة؛ ويؤيد الأوَّل قولُهُ تعالى: {أية : إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ}تفسير : [الأحزاب: 67]. قولُهُ تعالى: "إِذْ تَبَرَّأَ" في "إِذْ" ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدُها: أنها بدل مِنْ "إِذْ يَرَوْنَ". الثاني: أنها منصوبةٌ بقوله: "شَدِيدُ العَذَابِ". الثالث - وهو أضْعَفُها - أنها معمولةٌ لـ"اذكُرْ" مقدَّراً، و"تَبَرَّأَ" في محلِّ خفْضٍ بإضافةِ الظَّرْف إلَيْه، والتبرُّؤ: الخُلُوص والانفصالُ، ومنه: "بَرِئْتُ مِنَ الدَّيْنِ" وتقدم تحقيقُ ذلك عند قوله: {أية : إِلَىٰ بَارِئِكُمْ}تفسير : [البقرة: 54] والجمهور على تقديم: "اتُّبِعُوا" مبنياً للمفعول على "اتَّبَعُوا" مبنياً للفاعل. وقرأ مجاهدٌ بالعَكْس، وهما واضحتَانِ، إلاَّ أن قراءة الجُمْهُور واردةٌ في القُرْآنِ أَكْثَرَ. قوله تعالى: "وَرَأَوا العَذَابَ" في هذه الجملة وجْهان: أظْهَرُهما: أنَّها عطْفٌ على ما قبْلَها؛ فتكُون داخلةٌ في خَبَر الظَّرْف، تقديرُهُ: "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا"، و "إِذْ رَأَوا". والثاني: أنَّ الواو للحالِ، والجملة بعدها حاليَّةٌ، و"قَدْ" معها مُضْمَرَةٌ، والعاملُ في هذه الحالِ، "تَبَرَّأَ" أي: "تَبَرَّءُوا" في حال رُؤْيتهم العَذَابَ. قوله تعالى: "وتَقَطَّعَتْ" يجوزُ أنْ تكُون الواوُ للعَطْف، وأن تكون للحالِ، وإذا كانت للعطف، فهل عطفت "تَقَطَّعَتْ" على "تَبَرَّأَ" ويكون قوله: "وَرَأَوا" حالاً، وهو اختيارُ الزمخشري أو عطفت على "رَأَوْا"؟ وإذا كانت للحال، فهل هي حالٌ ثانيةٌ لـ"الَّذِينَ" أو حالٌ للضَّمير في "رَأَوا" وتكونُ حالاً متداخلةً، إذا جعْلنَا "ورَأوا" حالاً. والباءُ في "بهم" فيها أربعةُ أوْجُه: أحدها: أَنَّها للحالِ، أي: تقطَّعَتْ موصُولةً بهم الأسْبَاب؛ نحو: "خَرَجَ بِثِيَابِهِ". الثَّانِي: أن تكُونَ للتعديَة، اي: قَطَّعَتْهُم الأَسْبَابُ؛ كما تقول: تَفَرَّقَتْ بهم الطُّرُقُ، أي: فَرَّقَتْهُمْ. الثالث: أن تكون للسببيّة، أي: تقطَّعت [بسبَب كُفْرهمُ الأَسْبَابُ الَّتي كانُوا يرْجُون بها النَّجَاةَ]. الرابع: أن تكون بمعنى "عَنْ" [أي: تقطَّعت عنْهُم، كقوله {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 59]، أي: عنهُ] وكقول علْقَمَةَ في ذلك: [الطويل] شعر : 882 - فَإِنَّ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسِاءِ طَبيبُ تفسير : أي: عن النِّسَاء. فصلٌ في المراد بـ"الأسباب" والأَسْبَابُ: الوَصْلاَتُ التي كانت بينهم، قاله مجاهدٌ، وقتادةُ، والرَّبيعُ. وقال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عَنْهما - وابن جُرَيْجٍ: الأَرْحَام الَّتِي يتعاطَفُونَ بها؛ كقوله تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ}تفسير : [المؤمنون: 101]. وقال ابنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ: الأعمالُ الَّتي كانوا يلزَمُونَها. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: العُهُودُ والحَلِفُ الَّتي كانَتْ بَيْنَهم، يتوادُّون عَلَيْهَا. وقال الضَّحَّاكُ، والرَّبيع بنُ أَنَسٍ: المنازلُ التي كانَتْ لهم في الدُّنيا. وقال السُّدِّيُّ: الأعْمَالُ الَّتي كانوا يلزمونها في الدنيا؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]. وقيل: أسبابُ النجاةِ تقطَعَّت عنهم. قال ابنُ الخَطِيبِ - رضي الله عنه - والأظْهَرُ دخولُ الكُلِّ فيه ولأن ذلك كالنَّفي، فيعمّ الكلَّ؛ فكأنَّه قال: وزالَ كلُّ سببٍ يمكنُ أن يتعلَّق به، وأنهم لا ينتفعونُ بالأَسْباب على اختلافِهَا من منزلةٍ، وسببٍ ونسَبٍ، وعَهْدٍ، وعَقْدٍ وذلك نهاية اليأس. وهذه الأسبابُ مجازٌ فإِنَّ السَّبب في الأصْل: الحَبْل؛ قالوا: ولا يُدْعى الحَبْلُ سبباً؛ حتى يُنْزَلَ فيه ويُصْعَدَ به، ومنْه قوله تبارك وتعالى: {أية : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الحج: 15] ثم أطلق على كلِّ ما يُتَوَصَّلُ به إلى شَيْءٍ، عَيْناً كان أو معنى، وقيل للطَّريق: سَبَبٌ؛ لأنَّك بسُلُوكِهِ تَصِلُ إلى المَوْضع الذي تريدُهُ؛ قال تعالى: {أية : فَأَتْبَعَ سَبَباً}تفسير : [الكهف: 85] أي: طريقاً، وأسبابُ السَّموات: أَبوابُها؛ قال تعالى مُخْبِراً عن فِرْعُونَ: {أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَاتِ}تفسير : [غافر: 36 - 37] وقد تُطْلَقُ الأسبابُ على الحوادِثِ؛ قال زُهَيْرٌ: [الطويل] شعر : 883 - وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ وَلَوْ نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ تفسير : وقد يُطْلَق السَّبَب على العِلْمِ؛ قال سُبحَانهُ وتعالى: {أية : مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً}تفسير : [الكهف: 84]، أي؛ عِلماً، وقد وجد هنا نَوعٌ منْ أنواع البَدِيع، وهو التَّرْصِيع، وهو عبارةٌ عن تسجيع الكلامِ، وهو هنا في موضعين. أحدهما: {ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ}؛ ولذلك حذف عائد المَوْصُول الأوَّل، فلم يَقُلْ {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم}؛ لفواتِ ذلك. والثَّاني: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}، وكقوله {أية : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 276]. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ}، يعني: الأَتْبَاع: {لَوْ أَنْ لنَا كَرَّةً} أي: رجعةً إلى الدُّنيا، والكرَّةُ: العودَة، وفِعْلُها كَرَّ يَكُرُّ كَرّاً؛ قال القائل في ذلك: [الوافر] شعر : 884 - أَكُرُّ عَلَى الْكِتيبَةِ لاَ أُبَالِي أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سِوَاهَا تفسير : قوله تعالى: "فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ" منصوبٌ بعد الفاءِ بـ"أنْ" مضمرة في جواب التمنِّي الَّذي أُشْرِبَتْهُ "لَوْ" ولذلك أجيبت بجواب "لَيْتَ" الذي في قوله: {أية : يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 73] وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمنِّي، فهلْ هي الامتناعيَّةُ المفتقرة إلى جوابٍ، أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ. الصحيحُ: أنها تحتاجُ إلى جوابٍ، وهو مقدّر في الآية الكريمة تقديرُهُ تَبَرَّأْنَا ونحو ذلك، وأَمَّا مَنْ قال بأنَّ "لَو" الَّتي للتمنِّي لا جوابَ لها؛ فاستدَلَّ بقول الشَّاعر: [الوافر] شعر : 885 - وَلَوْ نُبِشَ المَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ فَيُخْبَرَ بالذَّنائِبِ أَيُّ زِيرِ تفسير : وهذا لا يدلُّ فإنَّ جوابها في البيتِ بعده، وهو قوله [الوافر] شعر : 886 - بِيَوْمِ الشَّعْثَمَين، لَقَرَّ عَيْناً وَكَيْفَ لِقَاءُ مَنْ تَحْتَ الْقُبُورِ تفسير : واستدلَّ أيضاً بأنَّ "أَنْ" تُفْتَحُ بعْد "لَوْ"؛ كما تفتحُ بَعْد لَيْتَ في قوله [الرجز] شعر : 887 - يَا لَيْتَ أَنَّا ضَمَّنَا سَفِينَهْ حَتَّى يَعُودَ الْبَحْرُ كَيَّنُونَهْ تفسير : وها هنا فائدة ينبغي أنْ يُنْتَبَهَ لها، وهيَ: أَنَّ النُّحاة قالُوا: كلُّ موضعٍ نُصِبَ فيه المضارعُ بإضمار "أنْ" بعد الفَاءِ [إذا سقَطَتِ الفاءُ، جزم إلاَّ في النَّفسِ، ينبغي أن يزاد هذا الموضع أيضاً؛ فيقال: و"إلاَّ" في جواب التَّمَنِّي بـ"لَوْ"؛ فإنَّه ينصب المضارع فيه بإضمار "أَنْ" بعد الفاء الواقعة جواباً له، ومع ذلك، لو سَقَطَتْ هذه الفاءُ] لم يُجزم. قال أَبُو حَيَّانَ والسَّبب في ذلك: أَنَّها محمولةٌ على حَرْف التمنِّي، وهو "لَيْتَ" والجزمُ في جواب "لَيْتَ" إنما هو لتضمنها معنى الشَّرْط، أو لدلاَلَتها على كونه محذوفاً على اختلاف القولَيْن؛ فصارت "لَوْ" فَرَعَ الفَرْعِ، فضَعُفَ ذلك فيها. وقيلَ: "لَوْ" في هذه الآية الكريمة ونظَائِرِها لِما كانَ سيقعُ لِوُقُوع غيره، وليس فيها معنى التمنِّي، والفعلُ منصوب بـ"أَنْ" مضمرَة؛ على تأويل عَطف اسْمٍ على اسمٍ، وهو "كَرَّة" والتقديرُ: "لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً، فنتبرَّأَ" فهو مِنْ باب قوله: [الوافر] شعر : 888 - لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ........................... تفسير : ويكون جواب "لَوْ" محذوفاً أيضاً؛ كما تقدَّم. وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: "فَنَتَبَرَّأَ" منصوبٌ بإضمارِ "أَنْ"، تقديره: {لَوْ أَنَّ لَنَا أنْ نَرْجِعَ فَنَتَبَرَّأَ} فحلَّ "كرَّة" إلى قوله: "أَنْ نَرْجِعَ"؛ لأنَّه بمعناه، وهو قريبٌ، إلاَّ أنَّ النحاة يأوّلون الفعل المنصوب بمصدرٍ؛ ليعطفُوه على الاسم قَبْله، ويتركُون الاسم على حالِهِ؛ وذلك لأنه قد يكُون اسْماً صَرِيحاً غير مَصْدر؛ نحو "لَوْلاَ زَيْدٌ وَيَخْرُج، لأَكْرَمْتُكَ" فلا يتأتَّى تأويله بحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ. قولُهُ تعالى: "كَمَا" الكافُ في موضعها نصبٌ: إِمَّا على كونها نعت مصدرٍ محذوف، أي: "تَبَرُّؤاً" وإِمَّا على الحال مِنْ ضمير المصدر المعرَّف المحذوف أي "نتبرّأهُ، أي: التَّبَرُّؤَ، مُشَابِهاً لِتَبَرُّئِهِمْ"؛ كما تقرَّر غير مرَّة. وقال ابن عطيَّة: الكاف في قوله: "كَمَا" في موضع نصب على النَّعت: إمّا لِمَصدرٍ: أو لحال، تقديره: مُتَبَرِّئِينَ، كما قال أبو حَيَّان. أمَّا قوله "لِحَالٍ" تقديرُهُ: "مُتَبَرِّئِينَ كما" فغيرُ واضحٍ، لأنَّ "ما" مصدرية، فصارتِ الكافُ الداخلة عليها مِن صفات الأَفعال و"مُتَبرِّئين": من صفات الأَعْيَان، فكيف يُوصف بصفات الأَفعال. قال: وأَيضاً لا حاجة لتقدير هذه الحال، لأنَّها إذ ذاك تكون حالاً مؤكِّدة، وهي خلافُ الأَصل، وأيضاً: فالمؤكَّد ينافِيهِ الحَذفُ؛ لأنَّ التوكيد يُقَوِّيه، فالحَذْفُ يناقضه. فصل في معنى التبرؤ قال ابن الخطيب - رحمه الله - قولهم: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} ذلك تمنٍّ منهم للرجعة إلى الدُّنْيا، وإلى حال التَّكليف، ويكون الاختيارُ لهم؛ حَتَّى يتبرءوا منهم في الدُّنيا، كما تبرءوا يَوْمَ القيامة منهم ومفهوم الكلام: أَنَّهُمْ تمنَّوا لهم في الدُّنيا ما يُقَاربُ العذابَ، فيتبرّءُونَ منهم، ولا يخلصونهم، كما فعلوا بهم يومَ القيامة، وتقديرُه: فلو أنَّ لنا كَرَّةً فنتبرَّأَ منهم، وقد دَهَمَهُمْ مثلُ هذا الخَطْب، كما تبرءوا منَّا، والحالُ هذه؛ لأنَّهم إِنْ تَمَنَّوا التبرُّؤ منهم، مع سلامةٍ، فأيُّ فائدة؟. قال القُرطبي: التبرُّؤُ: الانفصال. قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ} في هذه "الكافِ" قولان: أحدهما: أنَّ موضعها نصبٌ: إِمَّا نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المَصدر المعرَّفِ، أي: يُريهمْ رؤية كذلك، أو يَحْشُرُهُمْ حَشْراً كَذَلِكَ، أوْ يَجزِيهم جَزَاءً كذلك، أو يُريهم الإراءة مشبهةً كذلك ونحو هذا. الثاني: أن يكون في موضع رفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، أو حَشْرُهُمْ كذلك، قاله أبو البقاء. قال أبو حيَّان: وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه يقتضي زيادة الكاف، وحذف مبتدأ، وكلاهما على خلاف الأَصل والإشارة بذلك إلى رأيهم تلك الأهوال والتقديرُ: مثل إراءتهم الأهوال، يريهمُ اللَّهُ أعمالَهُمْ حسَرَاتٍ. وقيل: الإشارةُ إلى تبرُّؤ بعضهم من بعض والتقديرُ: كَتَبَرُّؤ بعضهم من بعض، يريهمُ اللَّهُ أعمالهُم حسَراتٍ عليهم؛ وذلك لانقطاع الرَّجَاء منْ كُلِّ أحدٍ. والرؤيةُ تحتملُ وجهَين: أحدهما: أن تكون بَصَريَّة، فتتعدّى لاثنين بنقل الهمزة أولهُما الضميرُ، والثاني "أَعْمَالَهُمْ" و"حَسَرَاتٍ" على هذا حالٌ مِنْ "أَعْمَالَهُمْ". والثاني: أَنْ تكونُ قلبيَّةً؛ فتتعدَّى لثلاثةٍ؛ ثالثُها "حَسَرَاتٍ" و "عَلَيْهِمْ" يجوزُ فيه وجْهَان: أن يتعلَّق بـ"حَسَرَاتٍ"؛ لأنَّ "يحْسَرُ" يُعدَّى بـ"عَلَى" ويكونُ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ. أي: على تَفْرِيطهِمْ. والثاني: أنْ يتعلَّق بمحذوف؛ لأنَّها صفةٌ لـ"حَسَرَاتٍ"، فهي في محلّ نصْبٍ؛ لكونها صفةً لمنصوبٍ. فصل في المراد بـ"الأعمال" في الآية اختلفوا في المراد بالأََعمالِ. فقال السُّدِّيُّ: الطاعاتُ، لِمَ ضَيَّعُوها؟ وقال الربيعُ وابنُ زَيْدٍ، المعاصي والأَعْمَال الخبيثَةُ يتحسَّرون لِمَ عَمِلُوها؟ وقال الأَصَمُّ: ثوابُ طاعاتهم الَّتي أتَوْا بها، فأحْبَطُوها بالكُفْرِ، قال السُّدِّيُّ: تُرفع لهم الجَنَّة، فينظرُون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أطاعُوا الله، فيقال لهم: تِلْكَ مساكنُكمْ، لو أطعتُمُ الله تعالى، ثمَّ تقسَّم بين المؤمِنين، فذلك حين يتحسَّرُون. وقيل: أعمالُهُمْ الَّتي تقرَّبوا بها إلى رؤسائهم والانقياد لأَمرهم، قال ابن كَيْسَان: إِنَّهُمْ أشركُوا بالله الأوثان، رجاءَ أن تقرِّبهم إلى الله تعالى، فلما عُذِّبوا على ما كانوا يَرْجُون ثوابه، تحسَّروا ونَدِمُوا. قال ابن الخطيب: والظاهرُ أنَّ الأعمال الَّتي اتَّبَعُوا فيها السَّادَة، وهو كُفْرُهُم. ومعاصِيهِمْ، وإنما تكون حَسْرةً بأن رأوها في صحيفَتهِمْ، وأيقنوا بالجزاءِ عليها، وكان يمكنُهُمْ تركُها، والعدولُ إلى الطَّاعات، وفي هذا الوجه الإضافة وفي الثاني: مجازٌ بمعنى لزومِهِم، فَلَمْ يَقُومُوا بها. و"الحَسْرَة" واحدةُ الحَسَرَاتِ؛ كَتَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ، وَجَفْنَةٍ وَجَفَنَاتٍ وشَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ. هذا إذا كان اسماً. [فإنْْ] نَعتَّهُ سكَّنت؛ كقوله ضَخْمَة وضَخْمَات وعَبْلَة وعَبْلاَت نقله القرطبي رحمه الله تعالى قال الزَّجَّاج: هي شِدَّة الندامة، وهو تألُّم القَلب بانحسارِهِ عمّا تؤلمه واشتقاقها إِمَّا من قولهم: بعير حَسيرٌ أي منقطعُ القوَّة والحُسُور الإِعياء، وقال تبارك وتعالى: {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 19] أو من الحسر وهو الكشف يقال: حسر عن ذراعيه، والحسرة: انشكافٌ عن حالة النَّدَامة؛ [والمحسرة] المنكسة؛ لأنها تكشف عن الأرض؛ والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش. قوله تعالى: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}. احتجَّ به على أن أصحاب الكبائِرِ منْ أهْل القبلة يخرجُون من النَّار، فقالوا: لأنَّ قوله: "وَمَا هُمْ" تخصيصٌ لهم بعَدَم الخروج على سبيل الحَصر؛ فوجب أن يكُون عدَمُ الخروج مخصُوصاً بهم، وهذه الآية الكريمة تكشف عن المراد بقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ}تفسير : [الأنفطار: 14 - 16] فبيَّن أنَّ المراد بالفُجَّار ها هنا الكفَّار؛ لدلالة هذه الآية الكريمة عليه والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ} بدلٌ من (إذ يرون) أي إذ تبرأ الرؤساء {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} من الأتْباع بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدّعونه في الدنيا ويدْعونهم إليه من فنون الكفر والضلالِ واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن كقول إبليس: {أية : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم، الآية 22] وقرىء بالعكس أي تبرأ الأتْباعُ من الرؤساء والواو في قوله عز وجل: {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} حالية وقد مضمرةٌ، وقيل: عاطفةٌ على (تبرأ) والضمير في رأوا للموصوفين جميعاً {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأسْبَابُ} الوصلةُ التي كانت بـينهم من التبعية والمتبوعيةِ والاتّفاقِ على الملة الزائغةِ والأغراضِ الداعيةِ إلى ذلك، وأصلُ السبب الحبلُ الذي يُرتقىٰ به الشجرُ ونحوُه، والجملةُ معطوفةٌ على (تبرأ) وتوسيطُ الحال بـينهما للتنبـيه على علة التبرّي، وقد جُوّز عطفُها على الجملة الحالية.
التستري
تفسير : قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}[166] أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا، وتنعقد المودات بينهم من أجلها من غير طاعة الله ورسوله وغير مرضاته.
اسماعيل حقي
تفسير : {إذ تبرأ الذين اتبعوا} بدل من اذ يرون واصل التبرى التخلص ويستعمل للتفصى والتنصل مما تكره مجاورته والمعنى اذ تبرأ الرؤساء المتبوعون {من الذين اتبعوا} اى من الاتباع بان اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه فى الدنيا ويدعونهم اليه من فنون الكفر والضلال واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن {ورأوا العذاب} الواو حالية وقد مضمرة اى تبرأوا حال رؤيتهم العذاب {وتقطعت بهم الأسباب} عطف على تبرأ وتوسط الحال بينهما للتنبيه على علة التبرى اى انقرضت عنهم الوصل التى كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد والانساب والمحاب والاتباع والاستتباع فالباء فى بهم بمعنى عن كما فى قوله تعالى {أية : فسئل به خبيرا} تفسير : [الفرقان: 59]. او للسببية اى تقطعت بسبب كفرهم الاسباب التى يرجون بها النجاة او للتعدية اى قطعتهم الاسباب كما تقول فرقت بهم الطريق اى فرقتهم.
الطوسي
تفسير : الاعراب واللغة: العامل في {إذ} قوله تعالى: {وإن الله شديد العقاب إذ تبرأ الذين} كأنه قيل وقت تبرأوا. والتبرّء: التباعد للعداوة، فاذا قيل تبرّأ الله من المشركين معناه باعدهم من رحمته، وكذلك إذا تبرّء الرسول منهم معناه باعدهم - للعداوة - عن منازل من لا يحب له الكراهة. والتبرء في أصل اللغة، والتزيل، والتقصي نظائر. وضد التبرء التولي. والاتباع: طلب الاتفاق في مكان، أو مقال، أو فعال، فاذا قيل اتبعه ليلحقه، فمعناه ليتفق معه في المكان، واذا تبعه في مذهبه أو في سيره أو غير ذلك من الاحوال، فمعناه طلب الاتفاق. و {اتبعوا} ظمت الألف فيه لضمة الثالث، وضمة الثالث لما لم يسم فاعله، لأنه إنما يضم له أول المتحرك من الفعل فيما بني عليه، والف الوصل لا يعتد به، لأنه وصلة الى التكلم بالساكن فاذا اتصل بمتحرك، استغني عنه. المعنى: والمعني بقوله: {الذين اتبعوا} رؤساء الضلالة من الانس. وقال قوم: هم من الجن. وقيل: من الجميع. والأول - قول قتادة، والربيع، وعطا. والثاني - قول السدي. وقوله تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب} فالتقطع: التباعد بعد الاتصال. والسبب: الوصلة الى التعذر بما يصلح من الطلب. ومعنى الأسباب ها هنا. قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال مجاهد. وقتادة، والربيع، وفي رواية عن ابن عباس: هي الوصلات التي كانوا يتواصلون عليها. الثاني - روي عن ابن عباس: أنها الأرحام التى كانوا يتقاطعون بها. الثالث - قال ابن زيد: الأعمال التي كانوا يوصلونها. وقال الجبائي: تقطعت بهم اسباب: النجاة. اللغة: والسبب: الحبل. والسبب: ما تسببت به من رحم، أو يد، أو دين. ومنه قوله: {أية : فليرتقوا في الأسباب}.تفسير : تقول العرب. إذا كان الرجل ذا دين: ارتقا في الأسباب. والسب: الشتم. والسبّ: القطع. والسبّ: الشقة البيضاء من الثياب، وهي السبيبة، ومضت سبة من الدهر أي ملاوة. والسب: الوتد. والسبابة: ما بين الوسطى والابهام. والتسبب: التوصل الى ما هو منقطع عنك. ويقال: تسبب يتسبب تسبباً، واستبّوا استباباً، وسبب تسبيباً، وسابه متسابّة؟.
اطفيش
تفسير : {إذْ تبرَّأ الَّذينَ اتُّبِعُوا من الَّذِينَ اتَّبعُوا}: إذ بدل من إذا، وتبرأ بمعنى تباعد، والذين اتُّبعوا بالبناء للمفعول وهو الأول هو الرؤساء المطاعون، والذين اتبعوا بالبناء للفاعل وهو الثانى هم الأتباع المطيعون لهم، المقلدون لهم، ومعنى تباعد الرؤساء عن الأتباع تنزههم عنهم، وإنكار أن يكونوا قد أضلوهم، وقولهم قد ضلوا بأنفسهم لا بأمرنا وتزيننا بعد أن يقول الأتباع أضلنا الرؤساء، وذلك إذا أنزل العذاب يوم القيامة، وعجزوا أن يدفعوه عن أنفسهم، فضلا عن غيرهم، وقيل الذين اتبعوا بالبناء للمفعول هم الشياطين، والذين اتبعوا بالبناء للفاعل هم الإنس المتبعون للشياطين، وقرأ مجاهد ببناء الأول للفاعل والثانى للمفعول، أى تبرأ الإتباع من الرؤساء أن يكونوا على صواب، وأن يكونو أهلا أن يتبعوا. {وَرَأوا العَذابَ}: أى الذين اتّبعوا والذين اتَّبعوا جميعا، والجملة حال من الذين اتُّبِعوا أو من الذين اتَّبَعوا، أو منها على تقدير قد، وقيل لا يلزم تقدير قد بناءاً على جواز مجئ الفعلية الماضوية المصرفة الفعل المثبتة الفعل حالا، وقيل الجملة معطوفة على تبرأ الذين اتُّبعوا. {وتقطَّعتْ بهم الأسبابُ}: الباء بمعنى عن، والهاء للذين اتُّبعوا والذين اتبعوا، والأسباب الوصل التى كانت بينهم فى الدنيا من الأرحام والمودة والصحبة والأعمال التى كانت بينهم فى الدنيا خارجة عن الدين، متضادين بها عليه، والعهود والأيمان التى بينهم على الكفر سميت أسباباً تشبيهاً بالجبال التى يتوصل بها إلى الشئ، فاستعير لها اسم الحبال وهى الأسباب، وقيل أصل السبب الحبل الذى يرتقى به الشجر، وقرئ تقطعت بالبناء للمفعول، وتقطعت بهم الأسباب معطوف على تبرأ الذين اتبعوا، أو حال على حد ما مر فى رأوا العذاب، أو حال من الواو فى رأوا العذاب، وجاز العطف على رأوا وعطفه على تبرأ الذين أولى من الحال، والعطف على رأوا والحال فى رأوا أولى من العطف، قال السعد: لأن العطف فى رأوا يؤدى إلى إبدال إذا رأوا العذاب، من إذ يرون العذاب، وليس فى ذلك فائدة كبيرة بأن ما عطف على مدخول (إذا) كأنه مدخول لها، ولأن الاستعظام الحقيقى والاستقطاع هو تبرؤهم فى حال رؤية العذاب لا حال رؤيته، وأما تقطع ما بينهم من الأسباب والوصل فمستقل للاستعظام والاستقطاع، وليس تبعاً للتبرؤ.
اطفيش
تفسير : {إِذْ} بدل من إذ باعتبار مدخوليها أو متعلق بشديد أو مفعول لا ذكر {تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ} ادعى الرؤساء المتبوعون براءة ذمتهم {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ} من ذنوب التابعين، لهم بأن قولوا ما أضللناكم أو ما قهرناكم على الضلال، بل اخترتموه، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون {وَرَأَوُاُ} عطف على تبرأ أو حال، أو والحال أنهم قد رأوا {الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ} زالت كما يقال تمزقت بهم الطرق أى فرقتهم {الأَسْبَابُ} الأمور التى يتوصلون بها إلى مرادهم، من دين الباطل وسائر الأغراض، كما يتوصل بالحبال من القرابة والمودة والجوار والأموال، فليسوا ينجون بها يوم القيامة، ولو نفعتهم فى الدنيا، والسبب الحبل مطلقا، أو الذى يتوصل به إلى الماء، أو الذى تعلق بالسقف أو الذى ترتقى به النخلة، فهو استغارة أصلية تحقيقية تصريحية والقرينة حالية.
الالوسي
تفسير : {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ} بدل من {أية : إِذْ يَرَوْنَ }تفسير : [البقرة: 165] مطلقاً وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بالجواب ومتعلقه لطول البدل، وجوّز أن يكون ظرفاً لـ {أية : شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ }تفسير : [البقرة: 165] أو مفعولاً ـ لاذكروا ـ وزعم بعضهم أنه بدل من مفعول {ترى} [البقرة: 165] على قراءة الخطاب، كما أن {إِذْ يَرَوْنَ } بدل منه أيضاً و {أية : أَنَّ ٱلْقُوَّةَ} تفسير : [البقرة: 165] في موضع بدل الاشتمال من {ٱلْعَذَابَ} ولا يخفى أن هذا يقتضي جواز تعدد البدل ولم يعثر عليه في شيء من «كتب النحو»، وأيضاً يرد عليه أن المبدل منه في بدل الاشتمال يجب أن يكون متقاضياً للبدل دالاً عليه إجمالاً، وأن يكون البدل مشتملاً على ضمير المبدل منه ـ وكلاهما مفقودان ـ والمعنى: إذ تبرأ الرؤساء المتبعون {مَن ٱلَّذينَ ٱتَّبَعُواْ} أي المرءوسين بقولهم: {أية : تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ }تفسير : [القصص: 63] وقرأ مجاهد الأول: على البناء للفاعل والثاني: على البناء للمفعول، أي تبرأ الأتباع وانفصلوا عن متبوعيهم، وندموا على عبادتهم. {وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} حال من ـ الأتباع والمتبوعين ـ كما في لقيته راكبين ـ أي رائين له ـ فالواو ـ للحال، و(قد) مضمرة، وقيل: عطف على {تَبَرَّأَ} وفيه أنه يؤدي إلى إبدال (إذ رأوا العذاب) من {أية : إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ } تفسير : [البقرة: 165] وليس فيه كثير فائدة لأن فاعل الفعلين ـ وإن كانا متغايرين ـ إلا أن تهويل الوقت باعتبار ما وقع فيه ـ وهو رؤية العذاب ـ ولأن الحقيق بالاستفظاع ـ هو تبرؤهم حال رؤية العذاب ـ لا هو نفسه، وأجيب أن البدل الوقت المضاف إلى الأمرين، والمبدل منه الوقت المضاف إلى واحد ـ وهو الرؤية فقط ـ وفيه أن هذا أيضاً لا يخرج ذلك عن الركاكة إذ بعد تهويل الوقت بإضافته إلى ـ رؤية العذاب ـ لا حاجة إلى جمعها مع التبري بخلاف ما إذا جعل حالاً، فإن البدل هو التبرؤ الواقع في حال رؤية العذاب. {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} إما عطف على {تَبَرَّأَ} أو {رَأَوْاْ} أو حال، ورجح الأول لأن/ الأصل في ـ الواو ـ العطف، وفي الجملة الاستقلال ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم الاحتياج إلى تقدير (قد) والباء من {بِهِمُ} للسببية، أي تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة، وقيل: للملابسة أي ـ تقطعت الأسباب ـ موصولة بهم كقولك: خرج زيد بثيابه، وقيل: بمعنى عن، وقيل: للتعدية، أي ـ قطعتهم الأسباب ـ كما تقول: تفرقت بهم الطريق، ومنه قوله تعالى: {أية : فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [الأنعام: 153] وأصل ـ السبب ـ الحبل مطلقاً، أو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف، أو الحبل الذي يرتقي به النخل. والمراد بالأسباب هنا الوصل التي كانت بين ـ الأتباع والمتبوعين ـ في الدنيا من الأنساب والمحاب، والاتفاق على الدين، والاتباع والاستتباع، وقرىء {*تقطعت} بالبناء للمفعول ـ وتقطع ـ جاء لازماً ومتعدياً.
ابن عاشور
تفسير : إذ ظرف وقع بدل اشتمال من ظرف { أية : إذ يرون العذاب } تفسير : [البقرة: 165] أي لو تراهم في هذين الحالين حال رؤيتهم العذاب وهي حالة فظيعة وتشتمل على حال اتخاذ لهم وتبرىء بعضهم من بعض وهي حالة شنيعة وهما حاصلان في زمن واحد. وجيء بالفعل بعد (إذ) هنا ماضياً مع أنه مستقبل في المعنى لأنه إنما يحصل في الآخرة تنبيهاً على تحقق وقوعه فإن درجتَ على أن إذ لا تخرج عن كونها ظرفاً للماضي على رأي جمهور النحاة فهي واقعة موقع التحقيق مثل الفعل الماضي الذي معها فتكون ترشيحاً للتبعية، وإن درجت على أنها ترد ظرفاً للمستقبل وهو الأصح ونسبه في «التسهيل» إلى بعض النحاة، وله شواهد كثيرة في القرآن قال تعالى: { أية : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } تفسير : [آل عمران: 152] على أن يكون {إذ تحسونهم} هو الموعود به وقال: { أية : فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم } تفسير : [غافر: 71] فيكون المجاز في فعل {تَبرَّأ} خاصة. والتبرؤ تكلف البراءة وهي التباعد من الأمر الذي من شأن قُرْبه أن يكون مضراً ولذلك يقال تبارآ إذا أبعد كلٌ الآخر من تبعةٍ محققة أو متوقعة. و{الذين اتبعوا} بالبناء إلى المجهول هم الذين ضللوا المشركين ونصبوا لهم الأنصاب مثل عمرو بن لُحَيَ، فقد أشعر قوله {اتُّبِعُوا} أنهم كانوا يَدْعُون إلى متابعتهم، وأيدَّ ذلك قوله بعده {فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا} أي نجازيهم على إِخلافهم. ومعنى براءتهم منهم تنصلهم من مواعيد نفعهم في الآخرة الذي وعدوهم في الدنيا والشفاعة فيهم، وصَرْفُهم عن الالتحاق بهم حين هَرَعُوا إليهم. وجملة {ورأوا العذاب} حاليَّة أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب، ومعنى رؤيتهم إياه أنهم رأوا أسبابه وعلموا أنه أُعِد لمن أضلَّ الناسَ فجعلوا يتباعدون من أَتباعهم لئلا يحق عليهم عذاب المضللين، ويجوز أن تكون رؤية العذاب مجازاً في إحساس التعذيب كالمجاز في قوله تعالى: { أية : يمسهم العذاب } تفسير : [الأنعام: 49] فموقع الحال هنا حسن جداً وهي مغنية عن الاستئناف الذي يقتضيه المقام لأن السامع يتساءل عن موجب هذا التبرؤ فإنه غريب فيقال رأوا العذاب فلما أريد تصويرالحال وتهويل الاستفظاع عدل عن الاستئناف إلى الحال قضاء لحق التهويل واكتفاءً بالحال عن الاستئناف لأن موقعهما متقارب، ولا تكون معطوفة على جملة {تبرأ} لأن معناها حينئذٍ يصير إعادةً لمعنى جملة: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب} فتصير مجردَ تأكيد لها ويفوت ما ذكرناه من الخصوصيات. وضمير {رَأوا} ضميرٌ مبهم عائد إلى فريقي الذين اتُّبعوا والذين اتَّبعوا. وجملة {وتقطعت بهم الأسباب} معطوفة على جملة {تبرأ} أي وإذْ تقطعت بهم الأسباب، والضمير المجرور عائد إلى كلا الفريقين. والتقطع الانقطاع الشديد لأن أصله مطاوع قطَّعهُ بالتشديد مضاعف قَطع بالتخفيف. والأسباب جمع سبب وهو الحَبْل الذي يُمد ليُرتقى عليه في النخلة أو السطح، وقوله {وتقطعت بهم الأسباب} تمثيلية شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجله مدةَ حياتهم وقد جاءَ إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب عند ارتقائه فسقط هالكاً، فكذلك هؤلاء قد علم كلهم حينئذٍ أن لا نجاة لهم فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة، وهي تمثيلية بديعة لأنها الهيئة المشبهة تشتمل على سبْعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشَّبهاً بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة المشبه بها وهي: تشبيه المشرك في عبادته الأصنام واتباع دينها بالمرتقى بجامع السعي، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل لها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر، وتشبيه العمر بالنخلة في الطول، وتشبيه الحرمان من الموصول للنعيم بتقطع الحبل، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة، وتشبيه الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك. وقلما تأتي في التمثيلية صلوحية أجزاء التشبيه المركب فيها لأن تكون تشبيهات مستقلة، والوارد في ذلك يكون في أشياء قليلة كقول بشار الذي يُعد مثالاً في الحُسن: شعر : كأنَّ مُثار النَّقْع فوقَ رؤسِنا وأسيافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَواكِبُهْ تفسير : فليس في البيت أكثر من تشبيهات ثلاثة. فالباء في (بهم) للملابسة أي تقطعت الأسباب ملتبسة بهم أي فسقطوا، وهذا المعنى هو محل التشبيه لأن الحبل لو تقطع غير ملابس للمرتقى عليه لما كان في ذلك ضر إذ يمسك بالنخلة ويتطلب سبباً آخر ينزل فيه، ولذلك لم يقل وتقطعت أسبابُهم أو نحوه، فمن قال إن الباء بمعنى عَن أو للسببية أو التعدية فقد بَعد عن البلاغة، وبهذه الباء تقوَّم معنى التمثيلية بالصاعد إلى النخلة بحبل وهذا المعنى فائت في قول امرىء القيس: شعر : تقطَّعَ أسبابُ اللُّبانة والهَوى عَشِيَّةَ جاوَزْنا حَمَاةَ وشَيْزَرَا تفسير : وقوله: {وقال الذين اتبعوا} أظهر في مقام الإضمار لأن ضميري الغيبة اللذيْن قبله عائدان إلى مجموع الفريقين، على أن في صلة {الذين اتبعوا} تنبيهاً على إغاظة المتبوعين وإثارة حسرتهم وذلك عذاب نفساني يضاعِفُ العذاب الجثماني وقد نبه عليه قوله: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم}. و(لو) في قوله: {لو أن لنا كرة} مستعملة في التمني وهو استعمال كثير لحرف (لو) وأصلها الشرطية حُذف شرطها وجوابُها واستعيرت للتمني بعلاقة اللزوم لأن الشيء العسير المَنال يكثر تمنيه، وسَدَّ المصدر مسد الشرط والجواب، وتقدير الكلام لو ثبتت لنا كرة لتبرأنا منهم وانتصب ما كان جواباً على أنه جواب التمني وشاع هذا الاستعمال حتى صار من معاني لو وهو استعمال شائع وأصله مجاز مرسل مركب وهو في الآية مرشح بنصب الجواب. والكَرَّة الرَّجعة إلى محل كان فيه الراجع وهي مرة من الكر ولذلك تطلق في القرآن على الرجوع إلى الدنيا لأنه رجوع لمكان سابق، وحذف متعلِّق (الكرة) هنا لظهوره. والكاف في {كما تبرءوا} للتشبيه استعملت في المجازاة لأن شأن الجزاء أن يماثل الفعل المجازي قال تعالى: { أية : وجزاؤُا سيئةٍ سيئةٌ مثلُها } تفسير : [الشورى: 40]، وهذه الكاف قريبة من كاف التعليل أو هي أصلها وأحسن ما يظهر فيه معنى المجازاة في غير القرآن قول أبي كبير الهذلي: شعر : أهُزُّ بهِ في ندوة الحي عطفه كما هَزَّ عِطفي بالهِجان الأوارك تفسير : ويمكن الفرق بين هذه الكاف وبين كاف التعليل أن المذكور بعدها إن كان من نوع المشبه كما في الآية وبيت أبي كبير جُعلت للمجازاة، وإن كان من غير نوعه وما بعد الكاف باعثٌ على المشبه كانت للتعليل كما في قوله تعالى: { أية : واذكروه كما هداكم } تفسير : [البقرة: 198]. والمعنى أنهم تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا بعدما علموا الحقيقة وانكشف لهم سوء صنيعهم فيدعوهم الرؤساء إلى دينهم فلا يجيبونهم ليَشفوا غيظهم من رؤسائهم الذين خذلوهم ولتحصل للرؤساء خيبة وانكسار كما خيبوهم في الآخرة. فإن قلت هم إذا رجعوا رجعوا جميعاً عالمين بالحق فلا يدعوهم الرؤساء إلى عبادة الأوثان حتى يمتنعوا من إجابتهم، قلتُ باب التمني واسع فالأتباع تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا عالمين بالحق ويعود المتبوعون في ضلالهم السابق وقد يقال اتهم الأتباع متبوعيهم بأنهم أضلوهم على بصيرة لعلمهم غالباً والأتباع مغرورون لجهلهم فهم إذا رجعوا جميعاً إلى الدنيا رجع المتبوعون على ما كانوا عليه من التضليل على علم بناء على أن ما رأوه يوم القيامة لم يزعهم لأنهم كانوا من قبل موقنين بالمصير إليه ورجع الأتباع عالمين بمكر المتبوعين فلا يطيعونهم. وجملة {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} تذييل وفذلكة لقصة تبَري المتبوعين من أتباعهم. والإشارة في قوله: {كذلك يريهم الله} للإراءة المأخوذة من {يريهم} على أسلوب { أية : وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً } تفسير : [البقرة: 143]. والمعنى أن الله يريهم عواقب أعمالهم إراءً مثل هذا الإراءِ إذ لا يكون إراءٌ لأعمالهم أوقعَ منه فهو تشبيه الشيء بنفسه باختلاف الاعتبار كأنه يُرام أن يريهم أعمالهم في كيفية شنيعة فلم يوجد أشنعُ من هذه الحالة، وهذا مثل الإخبار عن المبتدأ بلفظه في نحو شِعْرِي شِعْرى، أو بمرادفه نحو والسفاهة كاسمها، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً}. والإراءة هنا بصرية ولذلك فقوله: {حسرات عليهم} حال من {أعمالهم} ومعنى {يريهم الله أعمالهم} يريهم ما هو عواقب أعمالهم لأن الأعمال لا تدرك بالبصر لأنها انقضت فلا يحسُّون بها. والحسرة حزن في ندامة وتلهف وفعله كفرِح واشتقاقها من الحَسْر وهو الكشف لأن الكشف عن الواقع هو سبب الندامة على ما فات من عدم الحيطة له. وقوله: {وما هم بخارجين من النار} حال أو اعتراض في آخر الكلام لقصد التذييل لمضمون {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} لأنهم إذا كانوا لا يخرجون من النار تعيَّن أن تمنيهم الرجوع إلى الدنيا وحدوثَ الخيبة لهم من صنع رؤسائهم لا فائدة فيه إلاّ إدخالُ ألم الحسرات عليهم وإلاّ فهم باقون في النار على كل حال. وعُدل عن الجملة الفعلية بأن يقال «وما يخرجون» إلى الاسمية للدلالة على أن هذا الحكم ثابت أنه من صفاتهم، وليس لتقديم المسند إليه هنا نكتة، إلاّ أنه الأصل في التعبير بالجملة الإسمية في مثل هذا إذ لا تتأتَّى بسوى هذا التقديم، فليس في التقديم دلالة على اختصاص لما علمت ولأن التقديم على المسند المشتق لا يفيد الاختصاص عند جمهور أئمة المعاني، بل الاختصاص مفروض في تقديمه على المسند الفعلي خاصة، ولأجل ذلك صرح صاحب «الكشاف» تبعاً للشيخ عبد القاهر بأن موقع الضمير هنا كموقعه في قول المعذَّل البكري: شعر : هْم يَفْرِشُون اللِّبْد كُلَّ طِمِرَّةٍ وأجرَدَ سَبَّاقٍ يَبُذ المُغَالِيا تفسير : في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص اهــــ. وادعى صاحب «المفتاح» أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق قد يفيد الاختصاص كقوله تعالى: { أية : وما أنت علينا بعزيز } تفسير : [هود: 91] ــــ { أية : وما بطارد الذين آمنوا } تفسير : [هود: 29] ــــ { أية : وما أنت عليهم بوكيل } تفسير : [الأنعام: 107] فالوجه أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق لا يفيد بذاته التخصيص وقد يستفاد من بعض مواقعه مَعنى التخصيص بالقرائن، وليس في قوله تعالى: {وما هم بخارجين من النار}. ما يفيد التخصيص ولا يدعو إليه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} الآية. أشار هنا إلى تخاصم أهل النار. وقد بين منه غير ما ذكر هنا في مواضع أخر كقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} تفسير : [سبأ: 31-33] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : (166) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَتَبَرَّأُ الذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونَ اللهِ - المَلائِكَةُ وَالجِنُّ وَالبَشَرُ - كَمَا يَتَبَرَّأُ الرُّؤَسَاءُ المُضِلُّونَ الذِينَ اتَّبَعَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالأَعْوَانُ، مِنْ أَتْبَاعِهِم الذِينَ أَغْوَوْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَيَتَنصَّلُونَ مِنْ إِضْلاَلِهِمْ لأَِنَّهُمْ قَدْ تَضَاعَفَ عَذَابُهُمْ، وَحَمْلُهُمْ أَوْزَاراً فَوْقَ أَوْزَارِهِمْ، وَتَتَقَطَّعُ الرَّوَابِطُ وَالصِّلاَتُ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَيَصِيرُ بَعْضُهُم عَدُوّاً لِبَعْضٍ. تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ - تَصَرَّمَتِ الصِّلاَتُ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنيا مِنْ نَسَبٍ وَصَدَاقَةٍ.
الثعلبي
تفسير : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول. وقرأ الباقون: بالضدّ، والمتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشّر، والتابعون هم الأتباع والضّعفاء والسفلة قالهُ أكثر أهل التفسير. السّدي: هم الشيّاطين يتبرأون من الأنس. {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ} أي عنهم، والباء بمعنى عن. {ٱلأَسْبَابُ} قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة: يعني المودّة والوصلة التي صارت بينهم في الدُّنيا، أو صارت مخالفتهم عداوة. ربيع: يعني بالأسباب المنازل التي كانت لهم من أهل الدُّنيا، ابن جُريح والكلبي: يعني الأنساب والأرحام كقوله تعالى {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} تفسير : [المؤمنون: 101]. السّدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدُّنيا. بيانه قوله {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] وقوله {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 1]. فأهل التقوى أعُطوا الأسباب أعمال وثيقة فيأخذون بها وينجون، الآخرون يعطون أسباب أعمالهم الخبيثة فتنقطع بهم أعمالهم فيذهبون إلى النّار. أبو روق: العهود التي كانت بينهم في الدنيا، وأصل السّبب كلّ شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودّة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلّم سبب. قال زهير: شعر : ومن هاب أسباب المنايا ظلتهُ لو رام أن يرقى السّماء بسلّم تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} يعني الأتباع. و{لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} رجعة إلى الدُّنيا. {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أي من المتبوعين. {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} اليوم أجاب للتمني بالفعل. قال الله عزّ وجلّ {كَذَلِكَ} أي كما اراهم العذاب كذلك. {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ} وقيل: ليتبرأوا بعضهم من بعضهم يريهم الله {أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ} ندامات. {عَلَيْهِمْ} قيل: اراد أعمالهم الصّالحة التي ضيعّوها. قال السّدي: ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فسألوا قيل: أراد أعمالهم لو أطاعوا الله فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله. ثمّ تقسم بين المؤمنين فيرثوهم فذلك حين يندمون. ربيع: أراد به أعمالهم السّيئة لمَ عملوها وهلاّ عملوا بغيرها ممّا يرضي الله تعالى. ابن كيسان: إنّهم اشركوا بالله الأوثان رجاء أن يُقر بّهم إلى الله فلمّا عذّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا والحسرات جمع حسرة وكذلك كلّ إسم كان واحدة على فعله مفتوح الأوّل ساكن الثاني فإنّ جمعه على فعلات مثل ثمرة وثمرات وشهوة وشهوات فأمّا إذا كان نعتاً فانّك تسكّن ثانية مثل ضخمه وضخمات وعيلة وعيلات وكذلك ما كان من الأسماء مكسور الأوّل مثل نعمة وسدرة. {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن كل مَنْ زَيَّنَ الكفر والعصيان لغيره سيتبرأ من كل مَنْ زَيَّنَ لهم معصية الله والشرك به، حتى الشيطان؛ العُمدة في إغوائهم سيتبرأ منهم، وسيقول ساعتها: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22]. فلن يستطيع الشيطان أن ينقذ أحداً من المشركين، ولن يصرخ فيأتي له المشركون لإنقاذه، وإن صرخ المشركون؛ فلن يأتي لهم الشيطان لينقذهم، وسيتبرأ كل منهم من الآخر، وسيتبرأ الكافرون من كل من زين لهم الشرك بالله، أو سيقول الكافرون لمن زينوا لهم الشرك بالله: "نحن أبرياء منكم ولا علاقة لنا بكم". وجاءت الآية بالذين اتُّبِعوا أولاً لأنهم المفتون فيهم، ثم جاءت بالذين اتَّبعُوا من بعد ذلك، إنهم يرون العذاب وتتقطع بهم الأسباب، وأصبحت كل نفس بما كسبت رهينة، والشيطان نفسه يعترف بأنه لم يكن صاحب سلطان إلا بأن دعاهم، فمَنْ استجاب له، جيء به إلى هذا المصير، والسلطان إما أن يكون سلطان حُجة، وإما سلطان قهر، ولم يكن للشيطان سلطان قهر على الكافرين، ولم يكن له إلا عمل واحد بلا سلطان، وهو أن دعاهم إلى الشرك بالله؛ فاستجابوا له. فماذا يحدث عندما تتقطع بهم الأسباب؟ إن الحق سبحانه يقول: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} معناهُ الأَوْصالُ التي كانتْ بينهم في الدنيا. وواحدُهَا سَببٌ. والسَّببُ أَيضاً الحَبْلُ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 53 : 83 - سفين عن عبيد المكتب عن مجاهد في قوله جل وعز {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} قال، تواصلهم في الدنيا. [الآية 166].
همام الصنعاني
تفسير : 153- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}: [الآية: 66]، قال: هُوَ الوَصْلُ الذي كانَ بَيْنَهُم في الدنيا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):