٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
167
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} «أنّ» في موضع رفع؛ أي لو ثبت أن لنا رَجْعة {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} جواب التمنّي. والكرّة: الرجعة والعودة إلى حال قد كانت؛ أي قال الأتباع: لو رُدِدنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً ونتبرّأ منهم {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} أي تبرُّأً كما؛ فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نصباً على الحال، تقديرها متبرّئين؛ والتبرُّؤ الانفصال. قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} الكاف في موضع رفع؛ أي الأمر كذلك. أي كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم. و {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ} قيل: هي من رؤية البَصَر؛ فيكون متعدّياً لمفعولين: الأوّل الهاء والميم في {يُرِيهِمُ}. والثاني {أَعْمَالَهُمْ}؛ وتكون {حَسَرَاتٍ} حال. ويحتمل أن يكون من رؤية القلب؛ فتكون {حَسَرَاتٍ} المفعول الثالث. «أعمالَهم» قال الربيع: أي الأعمال الفاسدة التي ٱرتكبوها فوجبت لهم بها النار. وقال ٱبن مسعود والسُّدّى: الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة؛ ورُوِيَت في هذا القول أحاديث. قال السدّى: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون. وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها. والحسْرة واحدة الحسرات؛ كتمرة وتمرات، وجَفْنة وجَفَنات، وشَهْوة وشَهَوات. هذا إذا كان ٱسماً، فإن نعتّه سكّنت؛ كقولك: ضَخْمة وضَخْمات، وعَبْلة وعَبْلات. والحسْرة أعلا درجات الندامة على شيء فائت. والتحسُّر: التلَهُّف؛ يقال: حَسِرت عليه (بالكسر) أحْسَر حَسَراً وحَسْرة. وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد ٱنقطع وذهبت قوّته؛ كالبعير إذا عَيَي. وقيل: هي مشتقّة من حَسَر إذا كشف؛ ومنه الحاسر في الحرب: الذي لا دِرْعَ معه. والانحسار: الانكشاف. قوله تعالى: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعة أهل السُّنة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: {أية : ولاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حتى يلِجَ ٱلجملُ في سَمِّ ٱلخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40]. وسيأتي.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا} {لَوْ} للتمني ولذلك أجيب بالفاء، أي ليت لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم {كَذٰلِكَ} مثل ذلك الآراء الفظيع. {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرٰتٍ عَلَيْهِمْ} نَدامات، وهي ثالث مفاعيل يرى أن كان من رؤية القلب وإِلاَّ فحال {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} أصله وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة، للمبالغة في الخلود والأقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } رجعة إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ } أي المتبوعين {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا } اليوم و(لو) للتمني و(نتبرأ) جوابه {كَذٰلِكَ } أي كما أراهم شدّة عذابه وتَبَرّؤَ بعضهم من بعض {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ } السيئة {حَسَرٰتٍ } حال ندامات {عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } بعد دخولها.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَرَّةً} رجعة إلى الدنيا. {أَعْمَالَهُمْ} التي أحبطها كفرهم، أو ما انقضت به أعمارهم من المعاصي أن لا يكون مصروفاً إلى الطاعة، الحسرة: شدة الندامة على فائت.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً...}. قال ابن عرفة: (تمنوا) العودة في الدنيا، وأن يكونوا متبوعين ورؤساؤهم تابعين لهم فتبرؤوا منهم. قيل لابن عرفة: كيف يتمنون الرجوع إلى الكفر؟ فقال: إنما تمنوا التبرّي فقط وهو مستلزم للكفر. فقال: أو يريد إنهم تمنّوا الرجوع (للدنيا) وبقاء رؤسائهم كفارا فيتبرؤون هم من دينهم واتباعهم كما تبرؤوا هم من نصرتهم في الآخرة. قال ابن عرفة: ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل. قوله تعالى {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ}. أي مثل ما نالهم من الحسرة يتبرى متبوعهم منهم (لئلا) تنالهم الحسرة برؤيتهم أعمالهم القبيحة وَبَالا عليهم، وكذلك أعمالهم التي كانوا يظنونها صالحة وَبَالا عليهم لأنهم كفار. قيل لابن عرفة: الآية على قراءة مجاهد مشكلة فإنه قرأ "إذ (تبرأ) الذين اتَّبَعُوا" بفتح التاء "منَ الّذين اتُّبِعُوا" (بضم التاء) فيشكل قوله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} (لأنهم قد تبرؤوا منهم)؟ فقال ابن عرفة: تبرّي التابعين من المتبوعين يعم تبرّي المتبوعين منهم فلذلك قال هنا: {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا}. قوله تعالى: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}. قال ابن عرفة: قال الزمخشري: الضمير لمطلق الرّبط. لأن مذهبه خلود مرتكب الكبيرة في النار فلو جعله للحصر لكان مفهومه أنّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بالشفاعة. وأجاب بعض الناس بأنه يلزم أهل السّنة كذلك لأن الآية في كفار قريش وهم جعلوا مع الله شريكا فلا يصح الحصر لأن غيرهم من الكفار مخلدون في النار. وأجيب بأن الإجماع من الفريقين يقتضي أن الضمير لمطلق الربط. (فالمعتزلة) يحملون الآية على مذهبهم ويجعلون مرتكب الكبيرة مخلدا في النار. وأهل السنة يجعلونها على مذهبهم لكن الضمير ليس هو للحصر ليدخل الكافر غير المشرك فقط.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} حين عاينوا تبرُؤَ الرؤساءِ منهم وندِموا على ما فعلوا من اتّباعهم لهم في الدنيا {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي ليت لنا رجعةً إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} هناك {كَمَا تبرءوا منا} اليوم {كَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ الذي بعده لا إلى شيءٍ آخرَ مفهومٍ مما سبق، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجةِ المشارِ إليه وبُعد منزلتِه مع كمال تميُّزِه عما عداه وانتظامِه في سلك الأمورِ المشاهدة، والكافُ مُقحَمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامةِ، ومحلُه النصبُ على المصدرية أي ذلك الإراءَ الفظيعَ {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرٰتٍ عَلَيْهِمْ} أي نداماتٍ شديدةً فإن الحسرةَ شدةُ الندم والكمَدِ، وهي تألمُ القلبِ وانحسارُه عما يُؤْلمه، واشتقاقُه من قولهم بعير حسيرٌ أي منقطعٌ القوة وهي ثالثُ مفاعيلِ يُري إن كان من رؤية القلبِ وإلا فهي حالٌ، والمعنى أن أعمالَهم تنقلبُ حسراتٍ عليهم فلا يرَوْن إلا حسراتٍ مكانَ أعمالِهم {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} كلامٌ مستأنفٌ لبـيان حالِهم بعد دخولِهم النارَ، والأصلُ وما يخرجون، والعدولُ إلى الاسمية لإفادة دوامِ نفي الخروج، والضميرُ للدَلالة على قوةِ أمرِهم فيما أُسند إليهم كما في قوله: شعر : هُمُ يفرُشون اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ وأجردَ سبّاقٍ يبزّ المُغالبا تفسير : {يـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأرْضِ} أي بعضِ ما فيها من أصناف المأكولات التي من جملتها ما حرّمتموه افتراءً على الله من الحرْثِ والأنعام. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في قومٍ من ثقيفٍ وبني عامرِ بنِ صَعْصَعةَ وخُزاعةَ وبني مدلج حرَّموا على أنفسهم ما حرّموا من الحرْث والبحائرِ والسوائبِ والوصائل والحامِ، وقولُه تعالى: {حَلَـٰلاً} حال من الموصول أي كلوه حال كونه حلالاً، أو مفعولٌ لكلوا على أنّ مِنْ ابتدائيةٌ وقد جُوِّز كونُه صفةً لمصدر مؤكَّدٍ أي أكلاً حلالاً، ويؤيد الأولَيْن قولُه تعالى: {طَيّباً} فإنه صفةٌ له ووصفُ الأكل به غيرُ معتاد، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين حرموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس، ويردّه قوله عز وجل: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوىٰ فإنه صريحٌ في أن الخطابَ للكفرة، كيف لا وتحريمُ الحلال على نفسه تزهيداً ليس من باب اتباع خطواتِ الشيطانِ فضلاً عن كونه تقوُّلاً وافتراءً على الله تعالى، وإنما الذي نزل فيهم ما في سورة المائدة من قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } تفسير : [المائدة، الآية 87] الآية، وقرىء (خُطْواتِ) بسكون الطاء وهما لغتان في جمع خُطْوة وهي ما بـين قدمي الخاطي، وقرىء بضمتين وهمزة، جعلت الضمةُ على الطاء كأنها على الواو، وبفتحتين على أنها جمعُ خَطْوة وهي المرة من الخَطْو {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليل للنهي، أي ظاهرُ العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يُظهر الولاية لمن يُغويه، ولذلك سُمِّي ولياً في قوله تعالى: {أية : أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ} تفسير : [البقرة، الآية 257].
القشيري
تفسير : عند ذلك يعرفون مرارة طعم صحبة المخلوقين ولكن لا يحصلون إلا على حسرات.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذين اتبعوا} حين عاينوا تبرى الرؤساء منهم وندموا على ما فعلوا من اتباعهم لهم فى الدنيا {لو أن لنا كرة} اى ليت لنا رجعة الى الدنيا وعودة {فنتبرأ منهم} هناك {كما تبرأوا منا} اليوم اى تبرأ مثل تبرئهم فالكاف منصوب المحل على انها صفة مصدر محذوف {كذلك} اى مثل ذلك الايراء الفظيع وهو نزول العذاب عليهم وتبرى بعضهم من بعض {يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} اى ندمات شديدة فان الحسرة شدة الندم والكمد وهى تألم القلب وانحساره عما يؤلمه بحيث يبقى النادم كالحسير من الدواب وهو الذى انقطعت قوته فصار بحيث لا ينتفع به واصل الحسر الكشف ومن فات عنه ما يهواه وانكشف قلبه عنه يلزمه الندم والتأسف على فواته فلذلك عبر عن الحسرة التى هى انكشاف القلب عما يهواه بلازمه الذى هو الندم والرؤية ان كانت بصرية تكون حسرات حالا من اعمالهم والمعنى ان اعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون اعمالهم الا حال كونها حسرات وان كانت قلبية فهى ثالث مفاعيل يرى وعليهم يتعلق اما بحسرات والمضاف محذوف اى على تفريطهم او بمحذوف منصوب على انه صفة لحسرات اى حسرات مستولية عليهم فان ما عملوه من الخيرات محبوطة بالكفر فيتحسرون لم ضيعوها ويتحسرون على ما فعلوه من المعاصى لم عملوها. قال السدى ترفع لهم الجنة فينظرون اليها والى بيوتهم فيها لو اطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو اطعمتم الله ثم تقسم بين المؤمنين وذلك حين يندمون ويتحسرون {وما هم بخارجين من النار} لانهم خلقوا لاجلها ـ روى ـ انه يساق اهل النار الى النار لم يبق منهم عضوا الا لزمه عذاب اما حية تنهشه او ملك يضربه فاذا ضربه الملك هوى فى النار مقدار اربعين يوما لا يبلغ قرارها ثم يرفعه اللهب ويضربه الملك فيهوى فاذا بدا رأسه ضربه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فاذا عطش احدهم طلب الشراب فيؤتى بالحميم فاذا دنا من وجهه سقط وجهه ثم يدخل فى فيه فتسقط اضراسه ثم يدخل بطنه فيقطع امعاءه وينضج جلده وهكذا يعذبون فى النار لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يخرجون. قال سعيد بن جبير ان الله تعالى يأمر يوم القيامة من احرق نفسه فى الدنيا على ربوبية الاصنام ان يدخلوا جهنم مع اصنامهم فلا يدخلون لعلمهم ان عذاب جهنم على الدوام ثم يقول للمؤمنين بين ايدى الكفار ان كتنم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادى مناد من تحت العرش والذين آمنوا اشد حبا لله لان الله احبهم اولا ثم احبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته اتم قال تعالى {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54] ومن لم يكن اهلا لمحبة الله ازلا طردته العزة الى محبة الانداد وهى كل ما يحب سوى الله فمن وكل الى المحبة النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الاصنام فكما ان الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها وبعضهم يحبون الاولاد ويعبدونها فمحبة الاولاد والازواج والاموال تمنع عن محبة الله ومن احب الله يرى ما سواه بنظر العداوة كما قال الخليل عليه السلام فانهم عدو لى الا رب العالمين ومن كان فى الازل اهلا لمحبة الله جذبته العناية فتجلى له الحق فانعكست تلك المحبة لمرآة قلبه فلا تتعلق بغير الله لانها من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة والاعداء احبوا الانداد بمحبة فانية نفسانية والاحباء احبوا الله بمحبة باقية ربانية بل احبوه بجميع اجزائهم الفانية والباقية اللهم اوصلنا الى حقيقة المحبة واليقين والتمكين.
الطوسي
تفسير : المعنى: المعني بقوله: {وقال الذين اتبعوا} هم الذين تبرءوا منهم: ساداتهم الذين اتبعوهم {لو أن لنا كرة} يعني رجعة الى دار الدنيا، قال الاخطل: شعر : ولقد عطفن على فزارة عطفة كرَّ المنيح وجلن ثم مجالا تفسير : فالعامل في {لو أن} محذوف، كأنه قال: لو صح أنّ لنا كرة، لأن {لو} في التمني، وغيره تطلب الفعل. وإن شئت قدرته: لو ثبت أنّ لنا كرة. اللغة: والكرّ نقيض الفر تقول: كرّ يكر كراً, وكرة, وتكرّر تكرراً, وكرر تكريراً، وتكراراً. والكرة والفرة متقابلان. والكرّ والرجع والفتل نظائر في اللغة قال صاحب العين: الكر الرجوع عن الشيء ومنه التكرار. والكرّ الحبل الغليظ. وقيل: الشديد الفتل. والكرير صوت في الحلق. والكرير: نهر. والكرة: سبرقين وتراب، يدق، ويجلا به الدّروع. وقوله {فنتبرء منهم} فالتبرء والانفصال واحد، ومنه برىء من مرضه: اذا انفصل منه بالعافية. ومنه برىء من الدين براءة. وبرىء الله من الخلق. الاعراب: وانتصب {فنتبرّء} على أنه جواب التمني - بالفاء - كأنه قال: لو كان لنا كرة فتبرءاً وكلما عطف للفعل على تأويل المصدر، نصب باضمار {أن}. ولا يجوز اظهارها. المعنى: وقوله: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات} وذلك لانقطاع الرجاء من كل واحد منهما. وقيل ايضاً: كما أراهم العذاب يريهم أعمالهم حسرات عليهم. وذلك، لأنهم أيقنوا بالهلاك في كل واحد منهما. والعامل في الكاف يريهم. والأعمال التي يرونها حسرات قيل فيها ثلاثة أقوال: أحدها - المعاصي يتحسرون عليها لم عملوها. الثاني - الطاعات يتحسرون عليها لم لم يعملوها، وكيف ضيعوها، ومثله {أية : زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون}تفسير : أي أعمالهم التي فرضناها عليهم، أو ندبناهم اليها. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: هو الرجل يكتسب المال، ولا يعمل فيه خيراً، فيرثه من يعمل فيه عملا صالحاً، فيرى الأول ما كسبه حسرة في ميزان غيره. فان قيل: لو جاز أن تضاف الأعمال التي رغبوا فيها، ولم يفعلوها بأنها أعمالهم لجاز أن يقال: الجنة دارهم وحور العين أزواجهم لأنهم عرضوا لها! قلنا لا يجب ذلك، لأنا إنما حملنا على ذلك للضرورة. ولو سمى الله تعالى الجنة بأنها دارهم لتأولنا ذلك، ولكن لم يثبت ذلك، فلا يقاس على غيره. الثالث - الثواب فان الله تعالى يريهم مقادير الثواب التي عرضهم لها لو فعلوا الطاعات فيتحسرون عليه - لم فرطوا فيه - والقول الأول قول الربيع، وابن زيد، واختيار الجبائي، وأحد قولي البلخي. والثاني قول عبدالله، والسدي، وأحد قولي البلخي. وهو كما تقول الانسان أقبل على عملك وأعقدت عليه عملا قلت في عملك، والذي أقوله: ان الكلام يحتمل أمرين: فلا ينبغي أن يقطع على واحد منهما إلا بدليل إلا ان الاول أقوى، لانه الحقيقة. والله أعلم بمراده. اللغة: والحسرات: جمع الحسرة، وهي أشد من الندامة. والفرق بينهما وبين الارادة ان الحسرة تتعلق بالماضي خاصه، والارادة تتعلق بالمستقبل، لان الحسرة انما هي على ما فات بوقوعه أو يتقضي وقته. وانما حركت السين، لانه اسم على فعلة اوسطه ليس من حروف العلة، ولو كان صفة لقلت: صعبات فلم يحرك, وكذلك جوزات وبيضات. وانما حرك الاسم، لانه على خلاف الجمع السالم، إذ كان كان انما يستحقه ما يعقل. والحسرة والندامة نظائر، وهي نقيض الغبطة. وتقول: حسرت العمامة عن رأسي إذا كشفتها. وحسر عن ذراعيه حسراً، وانحسر انحساراً، وحسرة تحسيراً. والحاسر في الحرب الذي لا درع عليه، ولا مغفر. وحسر يحسر حسرة وحسراً: اذا كمد على الشيء الفائت، وتلهف عليه. وحسرت الناقة حسوراً: اذا أعيت. وحسر البصر اذا كل عن البصر: والمحسرة: المكنسة. والطير يتحسر: اذا خرج من ريشه العتيق الى الحديث. وأصل الباب الحسر: الكشف. وفي الآية دلالة على انه كان فيهم قدرة على البراءة منهم، لانهم لو لم يكونوا قادرين لم يجز أن يتحسروا على ما فات، كما لا يتحسر الانسان لم لم يصعد الى السماء، ولا من كونه في الارض.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} الى الدّنيا لو للتمنّى ولذا نصب الفعل بعد الفاء فى جوابه {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} هناك {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} هاهنا {كَذَلِكَ} اى مثل اراءة اتّباعهم للرّؤساء المضلّين حسرةً عليهم {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} جميعاً {حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} يعنى كما انّ أصل اتّباعهم لرؤسائهم كان سبباً لبعدهم عن الله وقربهم الى دار العذاب فتحسّروا عليه جميع أعمالهم الّتى عملوها كانت سبباً لبعدهم وحسرة وندامة عليهم، ونسب الى الصّادق (ع) أنّه قال فى قوله عزّ وجلّ: {أية : يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}تفسير : [البقرة: 167]، هو الرّجل يدع ما له لا ينفقه فى طاعة الله بخلاً ثمّ يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله او معصية الله فان عمل به فى طاعة الله رآه فى ميزان غيره فرآه حسرةً وقد كان المال له، وان كان عمل به فى معصية الله قوّاه بذلك المال حتّى عمل به فى معصية الله عزّ وجلّ، وهذا اشعار بوجه من وجوه التّأويل فانّ الممسك بخلاً ليس الاّ من اتّباع الجهل وان كان بحسب الظّاهر مؤمناً {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} حال عن فاعل قال او فاعل اتّبعوا او مفعول يريهم وفيه ردٌّ لتمنّاهم وتشديد عليهم بذكر تأبيد عذابهم.
اطفيش
تفسير : {وقالَ الَّذِينَ اتَّبعُوا}: أى اتبعوا الرؤساء أو الشياطين. {لوْ أنَّ لَنا كَرَّةً}: رجعة إلى الدنيا. {فَنَتَبرَّأ منهم}: أى من الرؤساء أو الشياطين فى الدنيا. {كما تبرَّءوا منَّا}: اليوم، وقرأ مجاهد: وقال الذين اتبعوا بالبناء للمفعول، وهم الشياطين، أو الرؤساء، ومنهم من الأتباع وذلك لإقراء إذ تبرأ الذين اتبعوا بالبناء للفاعل من الذين اتبعوا بالبناء للمفعول، ولو للتمنى بدليل نصب المضارع فى جوابه بعد فاء السببية، وهو نتبرأ. قال ابن هشام المصرى وهو الذى أكثر ذكره: اختلف فى لو هذه، فقال ابن الصائغ وابن هشام يعنى ابن هشام الأندلسى الخضراوى: هى قسم برأسها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط، لكن يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت. وقال بعضهم: هى لو الشرطية أشربت معنى التمنى بدليل أنهم جمعوا لها بين جوابين، جواب منصوب بعد الفاء، وجواب بعد اللام كقوله: شعر : فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أى زير بيوم الشعتمين لقر عينا فكيف لقاء من تحت القبور تفسير : وقال ابن مالك: هى لو المصدرية أغنت عن فعل التمنى، وذلك أنه أورد قول الزمخشرى، وقد تجئ فى معنى التمنى نحو: لو تأتينى فتحدثنى، فقال إن أراد أن الأصل وددت لو تأتينى، فحذف فعل التمنى لدلالة لو عليه، فأشبهت البيت فى الإشعار بمعنى التمنى، فكان لها جواب كجوابها فصحيح، أو أنها حرف وضع للتمنى كليت فممنوع لاستلزامه منع الجمع بينهما وبين فعل التمنى، كما لا يجمع بينهما وبين ليت. انتهى كلام ابن هشام. قال: ولا دليل فى نصب المضارع بعدها لإمكان أن يعطف مصدره على الإسم الخالص قبله، كقوله تعالى: {أية : إلاَّ وَحْياً أو من وراءِ حجابٍ أو يُرْسِل}. تفسير : وقول ميسون بنت بجدل الكلبية: شعر : للبس عباءة وتقر عينى أحب إلى من لبس الشفوف تفسير : انتهى. فإذا كانت شرطية محضة والنصب بالعطف على الإسلام الخالص، أو شرطية مشربة معنى التمنى، والنصب فى جواب هذا التمنى، فالجواب الشرطى محذوف، أى لفزنا أو لأخذنا بثأرنا، وكلام ابن هشام فى قوله: {أية : فلو أنَّ لنا كرَّةً فَنكونَ} تفسير : لكن الإتيان فى حكم واحد، ومعنى تمنيهم الكرَّة إلى الدنيا وتبرئهم منهم تمنيهم أن يعودوا إليها، فيؤمنوا بالله فيعبدوه ويتركوا خصماءهم فى شرك، ولا يتبعوهم فيهِ فيتخلصوا من عذابهم وشناعتهم، وما بعد لو فاعل لمحذوف أى ولو ثبت أن لنا كرَّة. {كذلكَ يُريهمُ اللهَ أعْمالَهم حَسَرات عَليْهم}: أى يريهم الله أعمالهم السيئة ندامات عليهم، كما أراهم شدة عذابه، وتبرء بعضهم من بعض: ويرى مضارع أرى الرباعى بالهمزة المتعدى لثلاثة: الأول الهاء، والثانى أعمال، والثالث حسرات، إن كانت الإرادة علمية، وإن كانت بصرية تعدت لاثنين بالهمزة، وحسرات حال من أعمال، ومثل ابن هشام بالآية لما ينصب ثلاثة مفاعيل، وكذا قال الزمخشرى. قال ابن هشام فى حواشى الألفية: هذا قول المعتزلة أن الأعمال لا تجسم فلا تدرك بحاسة البصر. وأما أهل السنة فيعتقدون أن الأعمال تجسم وتوزن حقيقة، فيرى على هذا بصرية، وحسرات حال، والمعتزلة يقولون علمية، وحسرات مفعول ثالث، والذى أجازوه ممكن عندنا، فإنهم إذا أبصروها حسرات فقد علموها كذلك، والذى نقوله نحن ممتنع عندهم. انتهى كلام ابن هشام. والذى نقوله نحن معشر الإباضية الوهبية: أنها لا تجسم، وأن وزنها تعريف عامليها مقدار جزائها، فهى علمية لا بصرية، ويجوز كونها بصرية مجازاً شبه العِلم بالشئ برؤيته. والحسرة الندامة والغم على ما فات، ووجه تسمية ذلك حسرة أنهم انحسر عنهم الجهل الذى حملهم على تلك الأعمال والأغراض الحاملة لهم، أو ذهب قوتهم، وانحسار الشئ زواله عن موضعه، فأيقنوا بالهلاك إذا رأوا هلاكهم بها، وقال ابن مسعود: يريهم ما تركوا من الحسنات، فيندمون على تضييعها، وقيل تظهر لهم منازلهم فى الجنة، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو آمنتم بالله وأطعتموه، ثم نقسم بين المؤمنين فحينئذ يشتد ندمهم لفوت ذلك النعيم وتعويض العذاب الدائم الأليم. {وما هُم بخارِجينَ منَ النَّارِ}: الأصل وما يخرجون بالجملة الفعلية عطفاً على يريهم بضم راء يخرجون، وعدل عن ذلك إلى الجملة الإسمية للمبالغة فى الخلود، والإياس من الخروج ومن الكرَّة إلى الدنيا.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ} هؤلاء الرؤساء {لَوْ} ثبت {أَنَّ لَنَا} معشر التابعين والمتبوعين {كَرَّةً} أى رجعة إلى الدنيا "فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ" فى الدنيا إذا رجعنا إليها نحن وهم، فلا نتابعهم على الكفر إذا دعونا إليه. فعدم المتابعة بعد الرجوع هو تبرؤهم منهم، أو نتبرأ من دينهم إذا رجعنا إلى الآخرة مسلمين بعد الرجوع إلى الدنيا، ورجعوا إليها كافرين، أو لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنسلم ونرجع إلى الآخرة وهم باقون فيها لم يرجعوا، فنتبرأ من دينهم، ولو للتمنى، ونصب نتبرأ فى جوابه، ولا يلزم من التشبيه أن يكون تبرؤ التابعين من جنس تبرؤ المتبوعين، فقد تخالفا؛ إذ تبرؤ المتبوعين بقولهم لم نقهركم على الضلال، وتبرؤ التابعين بقولهم لسنا على دينكم لو رجعوا إلى الدنيا وأصحلوا، أو يجوز أن يكون المتبوعون الأصنام إذ عظموهم وجعلوهم كالعقلاء فى الآخرة، ما كنتم إيانا تعبدون، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنّا} كما تبرأ هؤلاء الرؤساء المتبوعون منا معشر التابعين، بأن قالوا: إنا بريئون من ذنوبكم، ما أضللناكم أو ما قهرناكم على الضلال، بل اخترتموه، وذلك مجازاة لهم، إذ غاظهم تبرؤ الرؤساء المتبوعين، فأرادوا أن يغيظوهم بالتبرؤ، بأن يرجعوا إلى الدنيا ويسلموا، فيقولوا لسنا على دينكم، ويبقى الرؤساء المتبوعين على الكفر، وذلك إغاظة فى الدنيا أو يوم القيامة، إذا رجعوا إلى الآخرة من الدنيا التى رجعوا إليها {كَذَٰلِكَ} أى مثل ما ذكر من رؤية العذاب ومن تبرؤ المتبوعين من التابعين، وذلك أنه يجوز أن يقال قمت كما قعدت، أى فعلت القيام كما فعلت القعود، فلا يضر أن التبرؤ لم تسلط عليه الرؤية بل لا مانع من أن يقال المراد مثل إرادة العذاب وشدته، وتبرؤهم لأن ذلك كله يرونه. ولو لم يذكر رؤية كل ذلك فى الآية، فكيون التذكير بتأويل ما ذكر أو يشار إلى الإرءاء بهمزتين بينهما ألف، وهى عين الكلمة منلزة حرف العلة، فيكون من باب إقامة، لكن، لأنا قدرناه مضافا، فهو مذكر كقوله تعالى: "أية : وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" تفسير : [النور: 37]، والمعنى على كل حال كما أراهم ذلك {يُرِيهمُ اللهُ} يعلمهم أو يجعلهم رائين بأبصارهم باعتبار الأثر {أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَاتٍ} وجبات ندمات فى حزن وتلهف، فالحسرة أخص من الندم مترادفان {عَلَيْهِمْ} متعلق بحسرات، أو نعته، لأن المعنى مضرات عليهم، أو المراد حسرات على خبثهم إفراطاً وتفريطا {وَمَا هُمْ بِمُخْرَجِينَ مِنَ النَّارِ} ولو وجدوا لخرجوا بأنفسهم ولو بلا إخراج، بخلاف أهل الجنة فإنهم لا يخرجون منها إلا بإخراج مخرج لو كان، لكن لا خروج ولا إخراج، والجملة الاسمية، والباء للمبالغة فى الخلود، وليس فى ذلك حصر، وإذا قيل به فى مثل ذلك فمن دليل عدم خلودهم، وليس فى ذلك صيغة حصر، وأيضا ليس المقام مقام حصر الخلود فى المشرك، حصر قلب أو تعيين، أو إفراد، والمراد نفى أصل الخروج، مثل قوله تعالى: {أية : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها}تفسير : [المائدة: 37].
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي لو ثبت لنا عودة ورجوع إلى الدنيا. {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أي من المتبوعين {كَمَا تَبَرَّءواْ مِنَّا} تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله تعالى فيتبرءوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حشروا جميعاً مثل تبرىء المتبوعين منهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم، أي كما جعلوا بالتبري غائظين متحيرين على متابعتهم نجعلهم أيضاً بالتبري غائظين متحيرين على ما حصل لنا بترك متابعتهم، ولذا لم يتبرءوا منهم قبل تمني الرجوع لأنه لا يغيظ المتبوعين حيث تبرءوا من الأتباع أولاً، ومن هنا يظهر وجه القراءة على البناء للفاعل لأن تبرؤ الأتباع من المتبوعين بالآخرة بالانفصال عنهم بعد ما تبين لهم عدم نفعهم، وذلك لا يغيظ المتبوعين لاشتغال كل منهم بما يقاسيه، فلذا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليتبرءوا منهم تبرؤاً يغيظهم. وأما قوله سبحانه: {كَمَا تَبَرَّءواْ} فلا يقتضي إلا وقوع التبرؤ من المتبوعين ـ وهو منصوص في آية أخرى ـ ولا يقتضي أن يكون مذكوراً فيما سبق، وقيل: إن الأتباع بعد أن ـ تبرءوا ـ من المتبوعين يوم القيامة تمنوا الكرة إلى الدنيا مع متبوعيهم ليتبرءوا منهم فيها ويخذلوهم ـ فيجتمع لهم ذل الدنيا والآخرة ـ ويحتاج هذا التوجيه إلى اعتبار التغليب في {لَنَا} أي لنا ولهم، إذ التبرؤ في الدنيا إنما يتصور إذا رجع كلتا الطائفتين. {كَذٰلِكَ} في موضع المفعول المطلق لما بعده، والمشار إليه الإراء المفهوم من {أية : إِذْ يَرَوْنَ }تفسير : [البقرة: 165] أي كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبري وتقطع الأسباب وتمني الرجعة. {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرٰتٍ عَلَيْهِمْ } وجوّز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد ـ والكاف ـ مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحله النصب على المصدرية أيضاً، أي ذلك الإراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }تفسير : [البقرة: 143] والجملة تذييل لتأكيد الوعيد، وبيان حال المشركين في الآخرة وخلود عذابهم، ويجوز أن تكون استئنافاً كأنه لما بولغ في وعيدهم وتفظيع عذابهم كان محل أن يتردد السامع ويسأل هل لهم سوى ذلك من العذاب أم تم؟ فأجيب بما ترى، و (حسرات) أي ندمات وهو مفعول ثالث ليرى إن كانت الرؤية قلبية، وحال من (أعمالهم) إن كانت بصرية، ومعنى رؤية هؤلاء المشركين أعمالهم السيئة يوم القيامة حسرات رؤيتها مسطورة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وتيقن الجزاء عليها، فعند ذلك يندمون على ما فرطوا في جنب الله تعالى، و (عليهم) صفة (حسرات) وجوّز تعلقه بها على حذف المضاف أي تفريطهم، لأن ـ حسر ـ يتعدى ـ بعلى ـ واستدل بالآية من ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالفروع. {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} المتبادر في أمثاله حصر النفي في المسند إليه نحو {أية : وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [هود: 29] {أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } تفسير : [هود: 91] ففيه إشارة إلى عدم خلود عصاة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 165] في النار، وإذا أريد من {أية : ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }تفسير : [البقرة: 165] الكفار مطلقاً دون المشركين فقط كان الحصر حقيقياً، ويكون المقصود منه المبالغة في الوعيد بأنه لا يشاركهم في الخلود غيرهم، فإن الشركة تهوّن العقوبات، وقيل: إن المقصود نفي أصل الفعل لأنه اللائق بمقام الوعيد ـ لا حصر النفي ـ إذ ليس المقام مقام تردد ونزاع في أن الخارج هم أو غيرهم على الشركة أو الانفراد وإن كان صحيحاً بالنظر إلى العصاة إلا أنه غير إلى ما ترى إفادة للمبالغة في الخلود، والإقناط عن الخلاص، والرجوع إلى الدنيا، وزيادة ـ الباء ـ وإخراج ذواتهم من عداد الخارجين لتأكيد النفي، وأنت تعلم أنه إذا لم يعتبر في الحصر حال المخاطب لم يبق فيه ما يقال سوى أن ظواهر بعض الآيات تقتضي عدم إرادة الحصر، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا }تفسير : [المائدة: 37] فليس القول بعدم الحصر نصاً في الاعتزال كما وهم. ومن باب الإشارة في الآيات: {إِنَّ ٱلصَّفَا } أي الروح الصافية عن درن المخالفات {أية : وَٱلْمَرْوَةَ }تفسير : [البقرة: 158] أي النفس القائمة بخدمة مولاها من إعلام دين الله ومناسكه القلبية والقالبية، فمن بلغ مقام الوحدة الذاتية، ودخل بيت الحضرة الإلۤهية بالفناء عن السوي أو زار الحضرة بتوحيد الصفات واتزر بأنوار الجلال والجمال فلا حرج عليه حينئذٍ أن يطوف بهما ويرجع إلى مقامهما بالوجود الموهوب بعد التمكين المطلوب ومن تبرع خيراً بالتعليم والنصيحة وإرشاد المسترشدين فإن الله يشكر عمله ويعلم جزاءه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} ما أفضنا عليهم من أنوار المعارف وهدى الأحوال {مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي} كتاب عقولهم المنورة بنور المتابعة {أُوْلَـٰئِكَ} يبعدهم الله تعالى ويحجبهم عنه {أية : وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ } تفسير : [البقرة: 159] من الملأ الأعلى فلا يمدونهم، ومن المستعدين فلا يصحبونهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ} رجعوا إلى الله تعالى وعلموا أن ما هم فيه ابتلاء منه عز وجل، وأصلحوا أحوالهم بالرياضة، وأظهروا ما احتجب عنهم بصدق المعاملة {فَأُوْلَـئِكَ } أقبل توبتهم {أية : وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [البقرة: 160] {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} واحتجبوا عن الحق، وبقوا على احتجابهم حتى زال استعدادهم وانطفأ نور فطرتهم {أية : أُوْلَـٰئِكَ }تفسير : [البقرة: 161] استحقوا الطرد والبعد عن الحق وعالم الملكوت، {خَـٰلِدِينَ} في ذلك {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} لرسوخ الأمور الموجبة له فيهم {أية : وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ }تفسير : [البقرة: 162] للزوم تلك الهيآت المظلمة إياهم {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ }تفسير : [البقرة: 163] بالذات لا شيء في الوجود غيره فأنى يعبد سواه، وهو العدم البحت. إن في إيجاد سمٰوات الأرواح وأرض النفوس، واختلاف النور والظلمة بينهما، وفلك البدن التي تجري في بحر الاستعداد بما ينفع الناس في كسب كمالاتهم، وتكميل نشأتهم، وما أنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم فأحيا به أرض النفوس بعد موتها بالجهل وبث فيها القوى الحيوانية، وفرق في أفلاكها سيارات عالم الملكوت، وتصريف رياح النفحات المحركة لأغصان أشجار الشوق في رياض القلوب وسحاب التجليات المسخر بين سماء الروح وأرض النفس ليمطر قطرات الخطاب على نيران الألباب لتسكن ساعة من الاحتراق بالتهاب نار الوجد لآيات ودلائل {أية : لقوم يعقلون }تفسير : [البقرة: 164] بالعقل المنور بالأنوار القدسية المجرد عن شوائب الوهم، {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} من يعبد من دون الله أشياء منعته عن خدمة سيده، والتوجه إليه يحبونهم ويميلون إليهم كحبهم لله ويسوون بينهم وبينه سبحانه لأنهم لم يذوقوا لذة محبته ولم يروا نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الإيمان الكامل {أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} لأنهم مستغرقون بمشاهدته هائمون بلذيذ خطابه من عهد {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 172] لا يلتفتون إلى سواه طرفة عين فهيهات أن/ يزول حبهم أو يميل إلى الأغيار لبهم وهم أحبوه بحبه وصارت قلوبهم عرش تجلياته وقربه {أية : وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [البقرة: 165] وأشركوا من هو في الحقيقة لا شيء ولا حي ولا ليّ في وقت رؤيتهم عذاب الاحتجاب عن رب الأرباب، وإن القدرة لله جميعاً، وليس لآلهتهم التي ألهتهم عنه منها شيء لندموا وتحسروا حيث لم يقصدوا وجه الله تعالى ولم يطلبوه، وعند ذلك يتبرؤ الاتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب الحرمان {أية : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ}تفسير : [البقرة: 166] الوصل التي كانت بينهم في الدنيا وتمنوا ما لا يمكن بحال وبقوا بحسرة وعذاب. وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى النفسانية التابعة لها في تحصيل لذاتها، وطوبـى للمتحابين في الله تعالى عز شأنه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 167- وهنا يتبين الأتباع أنهم كانوا فى ضلال حين اتبعوا رؤساءهم فى الباطل ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا فيتنكروا لرؤسائهم كما تبرأوا منهم فى هذا اليوم، وتبدو لهم أعمالهم السيئة فتكون حسرات عليهم ويندمون، وقد ألقى بهم فى النار فلا يبرحونها. 168- يا أيها الناس كُلوا مما خلق الله فى الأرض من الحلال الذى لم ينزل تحريمه، المستطاب الذى تستسيغه النفوس، ولا تسيروا وراء الشيطان الذى يزيِّن لكم أكل الحرام أو تحريم الحلال، فقد علمتم عداوة الشيطان، وبان قبيح ما يأمركم به. 169- وإنما يزين لكم الشيطان ما هو سيئ فى ذاته، ويضركم فى عافيتكم وما يقبح فعله، وتسيرون بسببه وراء الظنون والأوهام، فتنسبون إلى الله من التحريم والتحليل ما لم يأت دليل عليه من العلم اليقين. 170- وقد اعتاد الضالون عن سبيل الهدى أن يتمسكوا بما توارثوا عن آبائهم فى العقيدة والعمل، وإذا دعوا إلى ما جاء من هدى الله قالوا: لا نعدل عما وجدنا عليه آباءنا، ومن أكبر الجهل ترجيح اتباع طاعة الآباء على إطاعة الله واتباع هداه، فكيف إذا كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يستنيرون بنور الهداية والإيمان؟ 171- وإن مثل من يدعو أولئك الكافرين الجاحدين إلى الحق والهدى - فلا يستجيبون له ولا يفقهون ما يدعوهم إليه - كمثل راعى الغنم يناجيها، فلا تفقه منه شيئاً ولا يقرع سمعها إلا الصوت ولا تعى غيره، فهم كذلك عن الحق صُمّ الآذان، عُمْى البصائر، خُرْس الألسنة، لا ينطقون بخير، ولا يصدرون عن عقل.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالَهُمْ} {حَسَرَاتٍ} {بِخَارِجِينَ} {تَبَرَّؤُواْ} (167) - وَيَقُولُ التَّابِعُونَ بَعْدَ أَنْ رَأَوْا أَنَّهُمْ كَانُوا في ضَلالٍ: لَوْ أَنَّ لَنَا رَجْعَةً إِلََى الدَّارِ الدُّنيا لِنَتَبَرَّأَ مِنْ هؤُلاءِ، وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، فَلاَ نَلْتَفِتَ إِلَيهِمْ، بَلْ نُوَحِّدُ اللهَ، وَنَهْتَدِي بِهَدْيِهِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هذا القَوْلِ، إِذْ أَنَّهُمْ لوْ عَادُوا إِلى الدُّنيا لَعَادُوا إِلى مَا نُهُوا عَنْهُ. وَكَمَا أَرَاهُمُ اللهُ العَذَابَ، كَذلِكَ سَيُرِيهِمْ أَعْمَالَهُمْ تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ فَيَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ، لأَنَّهُمْ لَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ، وَلَنْ يَعُودُوا إِلى الدُّنيا. كَرَّةٌ - عَوْدَةٌ إِلى الدُّنيا. حَسَرَاتٍ - نَدَامَاتٍ شَدِيدَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن تبرؤ الذين اتَّبَعُوا من الذين اتُّبِعُوا لن ينفعهم، وتمنيهم أن تكون لهم كرّة - أي عودة - ليتبرأوا منهم لن يجدي، ويُريهم الله أعمالهم - التي سبقت - حسرات عليهم. ولا تكون الحسرة إلا إذا أصيب الإنسان بمصيبة لا منأى من النجاة منها، {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 167] أي لن ينفعهم ندمهم على ما سبق من أعمالهم السيئة، ولن يجدي هذا الندم في إخراجهم من النار. ويقول الحق من بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} وواحدُهَا حَسرةٌ. وهي أشد النَدَامَةِ.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله ويتبرؤا منهم في الآخرة إذا حشروا جميعاً مثل: ما تبرأ المتبوعين منهم أولاً ولو هي التي لما كان سيقع لوقوع غيره. اشربت معنى التمني. وجاء النصب بعد الفاء بإِضمار إن فقيل إذا استعملت للتمني فجوابها هو الفعل المقرون بالفاء المنصوب وقد جاء في كلامهم التصريح بجواب لو المشربة معنى التمني مصرحاً به بعد الفعل المنصوب بعد الفاء ويظهر لي ان فنتبرأ المقدر نصبه بأن مضمرة هو معطوف على كرة أي لو أن لنا كرة. {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} لخلصنا وسلمنا من عذاب الله. {كَذَلِكَ} أي مثل اراءتهم تلك الأحوال. {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} السيئة. {حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} فيه دلالة على دخولهم النار وهذا في الكفار. وليس فيه دلالة على أن من دخل النار من عصاة المؤمنين لا يخرج منها، لأن الضمير في هم عائد على الكفار. وانتصب {حَلاَلاً} على أنه حال من الضمير المستقر في الصلة ووصف بالطيب. وقال ابن عطية: ويصح ان يكون طيباً حالاً من الضمير في كلوا تقديره مستطيبين وهذا فاسد في اللفظ والمعنى اما اللفظ فلان طيباً اسم فاعل وليس بمطابق للضمير لأن الضمير جمع وطيب مفرد وليس طيب بمصدر. فيقال: لا تلزم المطابقة. وأما المعنى فلان طيباً مغاير لمعنى مستطيبين لأن الطيب من صفات المأكول، والمستطيب من صفات الآكل. تقول: طاب لزيد الطعام. ولا تقول: طاب زيد الطعام في معنى استطابه. والأصل في الطيب المستلذ ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فالحرام لا يستلذ به لأن الشرع منع منه والثابت في اللغة ان الطيب هو الطاهر من الدنس. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} كناية عن ترك الاقتداء به فيما سَنَّ من المعاصي. وقرىء خطوات - سكون الطاء وبفتحها - والخطوة: المكان الذي يخطو فيه. وبفتح الخاء والطاء. والخطوة: المرة الواحدة من الخطو. وقرىء خطوات بضم الخاء والطاء والهمزة وهو جمع خطأة من الخطا ان كان سمع والا فتقدير. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليل لسبب هذا التحذير. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} بوسوسته وإغوائه وما يلقيه على ألسنة الكهنة. {بِٱلسُّوۤءِ} بما يسؤوكم في العقبي. {وَٱلْفَحْشَآءِ} بما يفحش قوله وفعله ومنعت منه الشريعة. {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من تحريم ما لم يحرم وذلك نحو السائبة والبحيرة. وقولهم: هذا حلال وهذا حرام من غير استناد إلى علم. قيل: وظاهر هذا تحريم القول في دين الله بما لا يعلمه القائل. والضمير في لهم عائد على من اتصف بقوله: {بَلْ نَتَّبِعُ} من كفار العرب ومتخذي الأنداد واليهود. وبل نتبع عطف على جملة محذوفة تقديرها لا نتبع ما تدعونا إليه بل نتبع. {مَآ أَلْفَيْنَا} أي ما وجدنا. {عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} أي مما يخالف ما تطلبون منا. وفيه دليل على إبطال التقليد، والذي وجدوا عليه آباءهم هو مخالف لما أنزل الله فاقتدوا في ذلك بآبائهم رؤوس الضلال. {أَوَلَوْ} الهمزة فيه للإِنكار عليهم والتوبيخ والتعجب. ولو في مثل هذا التركيب تجيء تنبيهاً على أن ما بعدها غير شامل لما قبلها نحو: اعطوا السائل ولو جاء على فرس. والمعنى على كل حال ولو في هذه الحالة التي لا يناسب من جاء على فرس أن يعطي إذا سأل. وتجيء لاستقصاء الأحوال التي يقع عليها الفعل، ويدل على أن المراد بذلك وجود الفعل في كل حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل، فالمعنى: إنكار اتباع آبائهم في كل حال حتى في الحالة التي لا يناسب أن يتبعوا فيها وهي تلبسهم بعدم العقل وعدم الهداية، ولما أعرضوا عن اتباع ما أنزل الله واتبعوا ما نشؤا عليه من تقليد آبائهم ذكر هذا التشبيه العجيب إذ صار في رتبة البهيمة أو في رتبة داعيها وقدر، ومثل داعي الذين كفروا لآلهتهم التي لا تفقه دعاءه، كمثل الناعق بغنمة لا ينتفع في نعيقه بشيء غير أنه في عناء ونداء، كذلك الكافر في دعائه الآلهة وعبادته الأوثان ليس له إلا العناء وقدر أيضاً.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما آيسوا من الانتقام {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} نادمين متحسرين متمنين: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} مكررة في النشأة الأولى {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} فيها تلافياً وتداركاً لما مضى من اتخاذنا إياهم آلهة {كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} في هذه النشأة، ولا تنفعهم هذه الندامة ولا التمني، بل ما يزيدهم إلا غراماً فوق غرام {كَذَلِكَ} أي: مثل عذاب اتخاذهم {يُرِيهِمُ ٱللَّهُ} أي: يحضرهم {أَعْمَالَهُمْ} الفاسدة السابقة كلها، ويعذبهم عليها فرداً فرداً، وما يقولون فيه وما لهم في تلك الحالة إلا {حَسَرَاتٍ} نازلةٍ {عَلَيْهِمْ} من تذكر سوء عملهم وقبح صنيعهم، وهذا من أسوأ العذاب وأشد العقاب، أعاذنا الله من ذلك {وَ} بالجملة: {مَا هُم} لا تابعون ولا متبوعون {بِخَارِجِينَ} أبداً {مِنَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 167] أي: نار البعد والإمكان المورث للحسرة والخذلان. أجرنا من النار يا مجير. ثم لما بين سبحانه طريق توحيده على خلص عباده المتوجهين نحو جنابه، تطهيراً لبواطنهم عن خبائث الأهواء العاطلة والآراء الفاسدة، أراد أن يرشدهم إلى تهذيب ظواهرهم أيضاً بالخصائل الحميدة الجميلة والأخلاق المرضية؛ ليكون ظاهرهم عنواناً لباطنهم، فقال تعالى منادياً لهم إشفاقاً وإرشاداً: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على التوحيد {كُلُواْ} وتناولوا {مِمَّا} من جميع ماخلق لكم {فِي ٱلأَرْضِ} لتقويم مزاجكم وتقويته {حَلاَلاً} إذ الأصل في الأشياء الحل ما الم يرد الشرع على حرمته {طَيِّباً} مما يحصل من كد يمينكم وعرق جبينكم؛ إذ لا رزق أطيب منه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي: لا تقتدوا ولا تقنفوا في تحصيل الرزق إثر وساوس شياطين الأهواء والآراء المضلة عن طريق الحق، والمفضية إلى سبيل الظلم والعدون، ولا تغتروا بتمويهات الشيطان وتزييناته {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168] ظاهر العداوة عند أولي البصائر بنور الله، المقتبسين من مشكاة توحيده. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} ويغرركم {بِٱلسُّوۤءِ} الخصلة الذميمة {وَٱلْفَحْشَآءِ} الظاهر القباحة؛ ليخرجكم عن حدود الله الموضوعة فيكم لتهذيب ظاهركم {وَأَن تَقُولُواْ} بعدما خرجتم عن حدود الشرع {عَلَى ٱللَّهِ} المتوحد المتفرد المنزه في ذاته {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] لياقته في حقه في حصره في الأنداد والأشباه، وإثبات الولد له والمكان والجهة والجسم، تعالى عما يوقل الظالمون علواً كبيراً. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} أي: لمن يتبع خطوات الشيطان إمحاضاً للنصح وتحريكاً لحمية الفطرة الأصلية: {ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} على نبيه من البينات والهدى لتهتدوا إلى توحيد الله {قَالُواْ} في الجواب بإلقاء شياطينهم: لا نتبع ما ألقيتم علينا من المزخرفات {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا} وجدنا {عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} وهم أعقل منا، قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا توبيخاً وتقريعاً لهم: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} ضالون جاهلون {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} من أمر الدين {وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] أصلاً إلى مرتبة اليقين، بل كانوا كذلك، بل أسوأ حالاً من ذلك، فكيف تتبعهم؟.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ولهذا قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}تفسير : [البقرة: 165]، {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه معنى آخر أن الله يراهم حاصل الأعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات الرفيقة ليزيدهم حسرات: شعر : أَيُّها القانِصُ ما أَحــ سَنتَ صَيدَ الظَبَياتِ فاتَكَ السِربُ وَمـازُو وِدتَ غَيرَ الحَسَراتِ تفسير : {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 167]، الحسرة والقطيعة أبد الآباد. ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} [البقرة: 168]، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوباً بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً}تفسير : [المؤمنون: 51]، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، والإشارة فيه أن العمل الصالح نتيجة أكل الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالاً على ما أدلنا هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}تفسير : [المؤمنون: 51]، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، "حديث : ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك"تفسير : ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ} [البقرة: 169]، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168]، واتبعوا أوامر الله ورسوله {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}تفسير : [المائدة: 55]. ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ} [البقرة: 169]، النفس {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [يوسف: 53]، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82] وقال: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ}تفسير : [النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال: {أية : وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ}تفسير : [النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ذلك ولهذا قال تعالى: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ}تفسير : [البقرة: 268]، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة وبآفات الحسن والوهم والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئاً بين الكفر والإباحة والزندقة، فضلوا كثيراً وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى تلفظوا بها، كما قال تعالى: {أية : وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}تفسير : [الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ} أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه بمثابة كيده كقوله: {أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ثم أخبر عن جهلهم في الاقتداء بتقليد الآباء بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170]، والإشارة فيها أنه لا عبرة من أمر الدين بتقليد الآباء، واتباع مذاهبهم كقوله تعالى: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ}، بل الواجب على العبد اتباع ما أنزل الله بصدق النية في الطلب، وخلوص الطوية في العمل، وفي قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]، إشارة إلى قطع النظر عن أسلافه وأتباعهم وأتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيئاً من طريق الحق، وضلوا في تيه محبة الدنيا، ويدعون أنهم أهل العلم وأهل الخرقة، وليسوا من أهل الخرقة، واتخذوا العلم والخرقة حرفة ومكسباً للمال والجاه، ويقطعون الطريق على أهل الطلب للطلب، كما قال في بعض الكتب المنزلة: لا تسألن عني عالم أسكرته حب الدنيا، فأولئك قطاع الطريق على عبادي {وَلاَ يَهْتَدُونَ} طريق الحق لأنفسهم ليرجعوا عما هم فيه من الحرص على الدنيا ومتابعة الهوى، وفيه إشارة أن من يكن على عبادة جادة الحق، وقدمه ثابتة على صراط مستقيم الشريعة، وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة، فيجوز الاقتداء به إذ هو من أهل الاهتداء على عالم الحقيقة دون مدعي الشيخوخة بطريق من الآباء، ولا حظ لهم من طريق الاهتداء، فإنهم لا يصلحون للاقتداء وهذا حال أكثر المشايخ في زماننا تاب الله عليهم وأصلح بالهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):