Verse. 175 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّاسُ كُلُوْا مِمَّا فِي الْاَرْضِ حَلٰلًا طَيِّبًا۝۰ۡۖ وَلَا تَتَّبِعُوْا خُطُوٰتِ الشَّيْطٰنِ۝۰ۭ اِنَّہٗ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِيْنٌ۝۱۶۸
Ya ayyuha alnnasu kuloo mimma fee alardi halalan tayyiban wala tattabiAAoo khutuwati alshshaytani innahu lakum AAaduwwun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل فيمن حرَّم السوائب ونحوها: «يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا» حال «طيبا» صفة مؤكدة أي مستلذاً «ولا تتبعوا خطوات» طرق «الشيطان» أي تزيينه «إنه لكم عدو مبين» بَيِّنُ العداوة.

168

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أنداداً، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: { يـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب، الوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج. المسأل الثانية: الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه: حل بالمكان إذا نزل به، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإحرام، وحلت عليه العقوبة، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء، لأنه يحل عن الطي للبس، ومن هذا تحلة اليمين، لأنه عقدة اليمين تنحل به، واعلم أن الحرام قد يكون حراماً لخبثه كالميتة والدم والخمر، وقد يكون حراماً لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين. المسألة الثالثة: قوله {حلالاً طيبا} إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن شئت نصبته على أنه مفعول. المسألة الرابعة: الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ} تفسير : [المائدة: 100] والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول: أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيباً إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراماً وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني: المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا: لا نسلم فإن قوله: {حَلَـٰلاً } المراد منه ما يكون جنسه حلالاً وقوله {طَيّباً } المراد منه لا يكون متعلقاً به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطاباً، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء:10]. أما قوله تعالى: {لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر والكسائي، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير وحفص عن عاصم {خُطُوٰتِ } بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع، كما فعل بالإسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم والصفة، وذلك أن ما كان اسماً جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات، وما كان نعتاً جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة. المسألة الثانية: قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد وحكى عن الفراء: خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال: حثوت حثوة، والحثوة اسم لما تحثيت، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا: خطوات الشيطان طرفه وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير: لا تأتموا به ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة، وأما المعنى فليس مراد الله ههنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا التحذير، وهو كونه عدواً مبيناً أي متظاهر بالعداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 119] وثلاثة منها في قوله تعالى: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 16 ـ 17] فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك. وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها: السوء، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب وثانيها: الفحشاء وهي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي وثالثها: {أَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله، وههنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها من أنفسنا، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه أحدها: اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف وأصوات خفية، وقال الفلاسفة: إنها تصورات الحروف والأصوات وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه، وإن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه. ولقائل أن يقول: صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفاً أولاً تشبهها؟ فإن كان الأول فصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفاً، لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج، والعربـي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، وكذا العجمي، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية وثانيها: أن فاعل هذه الخواطر من هو؟ أما على أصلنا وهو أن خالف الحوادث بأسرها هو الله تعالى، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك، وأيضاً فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وفيها ما يكون كذباً وسخفاً، لزم كون الله موصوفاً بذلك تعالى الله عنه، ولا يمكن أن يقال: إن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، فإذن لا بد ههنا من شيء آخر، وهو إما الملك وإما الشيطان، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ، وفي أقصى القلب، حتى إن الإنسان وإن كان في غاية الصمم، فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها، غير متحيزة ألبتة، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضاً أن يقال: إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر، ولا بعد أيضاً أن يقال إنها لغاية لطافتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل الكلام إلى أقصى قلبه ودماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب، بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالاً لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى: {أية : إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [الأنفال: 12] أي ألهموهم الثبات وشجعوهم على أعدائهم، ويدل عليه من الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة» تفسير : وفي الحديث أيضاً «حديث : إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطاناً وقرن الله به ملكاً، فالشيطان جاثم على أذن قلبه الأيسر، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه» تفسير : ومن صوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية والغضبية. المسألة الثاني: دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره بكلمة {إِنَّمَا } وهي للحصر، وقال بعض العارفين: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر، وإما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقاً للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية. المسألة الرابعة: تمسك نفاة القياس بقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والجواب عنه: أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم لا بما لا يعلم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الآية. قيل: إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مُدْلِج فيما حرّموه على أنفسهم من الأنعام؛ واللّفظ عام. والطَّيب هنا الحلال؛ فهو تأكيد لاختلاف اللفظ؛ وهذا قول مالك في الطَّيب. وقال الشافعيّ: الطّيب المستَلَذّ؛ فهو تنويع، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِر. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» و «الأعراف» إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: {حَلاَلاً طَيِّباً} «حلالاً» حال، وقيل مفعول. وسُمِّيَ الحلال حلالاً لانحلال عقدة الحَظْر عنه. قال سهل بن عبد اللَّه: النّجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبد اللَّه الساجي وٱسمه سعيد بن يزيد: خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله، والعمل على السُّنة، وأكل الحلال؛ فإن فُقدت واحدة لم يُرْفع العمل. قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالاً حتى يصفُوَ من ستّ خصال: الربا والحرام والسُّحْت ـ وهو ٱسم مجمل ـ والغُلول والمكروه والشُّبهة. الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} نَهْيٌ {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} «خُطُوات» جمع خَطْوة وخُطْوة بمعنىً واحد. قال الفرّاء: الخطوات جمع خَطوة؛ بالفتح. وخُطوة (بالضم): ما بين القدمين. وقال الجَوْهري: وجمع القِلّة خَطْوات وخُطُوات وخَطَوات، والكثير خُطاً. والخَطْوة (بالفتح): المرّة الواحدة، والجمع خَطَوات (بالتحريك) وخِطاء؛ مثل رَكْوة ورِكاء؛ قال ٱمرؤ القيس:شعر : لها وَثَباتٌ كوَثْب الظِّباءْ فَوادٍ خِطاءٌ ووادٍ مَطَر تفسير : وقرأ أبو السَّمّال العَدَوي وعُبيد بن عُمير «خَطَوات» بفتح الخاء والطاء. وروي عن عليّ بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن مَيمون والأعمش «خُطُؤات» بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو. وقال الأخفش: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة، من الخطأ لا من الخَطْو. والمعنى على قراءة الجمهور: ولا تَقْفُوا أثَر الشيطان وعمله؛ وما لم يَرِد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان. قال ٱبن عباس: {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أعماله. مجاهد: خطاياه. السُّدّى: طاعته. أبو مِجْلَز: هي النذور في المعاصي. قلت: والصحيح أن اللفظ عامّ في كل ما عدا السُّنن والشرائع من البِدَع والمعاصي. وتقدّم القول في «الشيطان» مستوفىً. الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أخبر تعالى بأن الشّيطان عدُوٌّ، وخبره حق وصدق. فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدوّ الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم؛ وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جلّ من قائل: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} وقال: {أية : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 169] وقال: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [البقرة: 268] وقال: {أية : وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 60] وقال: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91] وقال: {أية : إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [القصص: 15] وقال: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 6]. وهذا غاية في التحذير، ومثله في القرآن كثير. وقال عبد اللَّه بن عمر: إن إبليس مُوثَق في الأرض السُّفلى، فإذا تحرّك فإن كل شرٍّ في الأرض بين ٱثنين فصاعداً مِن تحرّكه. وخرّج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: «حديث : وآمركم أن تذكروا الله فإن مَثَل ذلك كمَثَل رجل خرج العدوّ في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله»تفسير : الحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب.

البيضاوي

تفسير : { يـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلَـٰلاً} نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس، وحلالاً مفعول كلوا، أو صفة مصدر محذوف، أو حال مما في الأرض ومن للتبعيض إِذ لا يؤكل كلٍ ما في الأرض {طَيّباً} يستطيبه الشرع، أو الشهوة المستقيمة. إذ الحلال دل على الأول. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والبزي وأبو بكر حيث وقع بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة، وهي ما بين قدمي الخاطي. وقرىء بضمتين وهمزة جعلت ضمة الطاء كأنها عليها، وبفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه ولياً في قوله تعالى: {أية : أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ }تفسير : [البقرة: 257].

ابن كثير

تفسير : لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالاً من الله طيباً، أي: مستطاباً في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرائقه ومسالكه فيما أضلّ أتباعه فيه؛ من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها، مما كان زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال ـ وفيه ـ: وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم»تفسير : وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني رفيق إبراهيم بن أدهم، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم {يـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلَـٰلاً طَيِّباً} فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: «حديث : يا سعد أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به».تفسير : وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تنفير عنه، وتحذير منه، كما قال: { أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 6] وقال تعالى:{أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً}تفسير : [الكهف: 50] وقال قتادة والسدي في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ}: كل معصية لله، فهي من خطوات الشيطان، وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان، وقال مجاهد: خطؤه، أو قال: خطاياه، وقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي، وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان، وقال أبو الضحىٰ عن مسروق: أتي عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريده، فقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعاً أبداً، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم، وكفّر عن يمينك، رواه ابن أبي حاتم، وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت يوماً على امرأتي، فقالت: هي يوماً يهودية ويوماً نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر، فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة، وأتيت عاصماً وابن عمر، فقالا مثل ذلك، وقال عبد بن حميد: حدثنا أبو نعيم عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. وقوله: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة؛ كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك، وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل فيمن حرّم السوائب ونحوها:{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلَٰلاً } حال {طَيّباً } صفة مؤكدة أي مستلذَّاً {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ } طرق {ٱلشَّيْطَٰنِ } أي تزيينه {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } بيِّن العداوة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } قيل: إنها نزلت في ثقيف، وخزاعة، وبني مدلج فيما حرّموه على أنفسهم من الأنعام. حكاه القرطبي في تفسيره، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: {حَلَـٰلاً } مفعول، أو حال، وسمي الحلال حلالاً لانحلال عقدة الحظر عنه. والطِّيب هنا: هو المُسْتَلَذّ كما قاله الشافعي، وغيره. وقال مالك، وغيره: هو الحلال، فيكون تأكيداً لقوله: {حَلَـٰلاً }. و"منْ" في قوله: {مِمَّا فِى ٱلأرْضِ } للتبعيض للقطع بأن في الأرض ما هو حرام {خطوات} جمع خُطْوة بالفتح، والضم، وهي: بالفتح للمرة، وبالضم لما بين القدمين. وقرأ القراء "خَطوات" بفتح الخاء، وقرأ أبو سماك بفتح الخاء، والطاء، وقرأ عليّ، وقتادة، والأعرج، وعمرو بن ميمون، والأعمش: «خُطؤات» بضم الخاء، والطاء، والهمز على الواو. قال الأخفش: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خَطية من الخطأ؛ لا من الخطو. قال الجوهري: والخطوة بالفتح: المرة الواحدة، والجمع خطوات، وخطا. انتهى. والمعنى على قراءة الجمهور: لا تَقْفُوا أثر الشيطان، وعمله، وكلُّ ما لم يرد به الشرع، فهو منسوب إلى الشيطان، وقيل: هي النذور، في المعاصي، والأول التعميم، وعدم التخصيص بفرد، أو نوع. وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي: ظاهر العداوة، ومثله قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } تفسير : [القصص: 15] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً }تفسير : [فاطر: 6] وقوله: {بِٱلسُّوء } سمي السوء سوءاً؛ لأنه يسوء صاحبه بسوء عاقبته، وهو مصدر ساءه يسوؤه سوءاً، ومساءة إذا أحزنه. {وَٱلْفَحْشَاء } أصله سوء المنظر، ومنه قول الشاعر: شعر : وَجِيدٍ كَجِيد الرِّئم لَيْسَ بِفَاحِشٍ تفسير : ثم استعمل فيما يقبح من المعاني، وقيل: السوء: والقبيح، والفحشاء: التجاوز للحدّ في القبح، وقيل السوء: ما لا حدَّ فيه، والفحشاء: ما فيه الحدّ، وقيل: الفحشاء: الزنا. وقيل: إن كل ما نهت عنه الشريعة، فهو من الفحشاء. وقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } قال ابن جرير الطبري: يريد ما حرّموه من البحيرة، والسائبة، ونحوهما، مما جعلوه شرعاً. وقيل: هو قولهم: هذا حلال، وهذا حرام، بغير علم. والظاهر أنه يصدق على كل ما قيل في الشرع بغير علم، وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نصّ، أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض، فأصله الحلّ حتى يرد دليل يقتضي تحريمه، وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [البقرة: 29] والضمير في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } راجع إلى الناس؛ لأن الكفار منهم، وهم المقصودون هنا، وقيل: كفار العرب خاصة، و{أَلْفَيْنَا } معناه: وجدنا، والألف في قوله: {أوَ لو كان آباؤهم } للاستفهام، وفتحت الواو؛ لأنها واو العطف. وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا }تفسير : الآية [المائدة: 104]، وفي ذلك دليل على قبح التقليد، والمنع منه، والبحث في ذلك يطول. وقد أفردتُه بمؤلَّفٍ مستقلّ سميته "القول المفيد في حكم التقليد" واستوفيت الكلام فيه في "أدب الطلب ومنتهى الأرب". وقوله: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ } فيه تشبيه واعظ الكافرين، وداعيهم، وهو: محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم، أو الإبل، فلا يسمع إلا دعاءً، ونداءً، ولا يفهم ما يقول، هكذا فسره الزجاج، والفراء، وسيبويه، وبه قال جماعة من السلف، قال سيبويه: لم يشبهوا بالناعق، إنما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى: مثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا، كمثل الناعق، والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم، فحذف لدلالة المعنى عليه. وقال قُطْرُب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم: يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه، وهو لا يدري أين هي. وبه قال ابن جرير الطبري. وقال ابن زيد: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل، فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه. والنعيق: زجر الغنم، والصياح بها، يقال نعق الراعي بغنمه، ينعق نعيقاً، ونعاقاً، ونعقاناً: أي: صاح بها وزجرها، والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل، ويقولون: أجهل من راعي ضأن. وقوله: {صُمٌّ } وما بعده إخبار لمبتدإ محذوف: أي: هم صمّ بكم عمي. وقد تقدم تفسير ذلك.</td><td> </td><td> وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: «تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم يعني: {يـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأرْضِ حَلَـٰلاً طَيّباً } فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: "حديث : يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، فما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيّما عبد نبت لحمه من السُّحت، والربا، فالنار أولى به» تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } قال: عمله. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أنه قال: «ما خالف القرآن، فهو من خطوات الشيطان» وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه قال: خطاه. وأخرجا أيضاً، عن عكرمة قال: هي نزغات الشيطان. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال: هي تزيين الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال: كل معصية لله، فهي من خطوات الشيطان. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال: ما كان من يمين، أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود أنه أتى بضرع، وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريد، فقال: أصائم أنت؟ قال لا. قال: فما شأنك؟ قال: حَرَّمْتُ على نفسي أن آكل ضرعاً، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطْعَمْ، وكفَرّ عن يمينك. وأخرج عبد بن حميد، عن عثمان بن غياث، قال: سألت جابر بن زيد، عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب، فقال: هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصياً لله، فليكفر عن يمينه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن أنه جعل يمين من حلف أن يحجّ حبواً من خطوات الشيطان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي مجلز قال: هي: النذور في المعاصي. وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوء } قال: المعصية؛ {وَٱلْفَحْشَاء } قال: الزنا. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس؛ قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، ورغّبهم فيه، وحذَّرهم عذاب الله، ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم، وخيراً منا، فأنزل الله في ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } وأخرج ابن جرير، عن الربيع، وقتادة في قوله: {أَلْفَيْنَا } قالا: وجدنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الآية، قال: كمثل البقر والحمار والشاة، إن قلت لبعضهم كلاماً لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرتَه بخير، أو نهيتَه عن شرٍّ، أو وعظته لم يعقل، ما تقول غير أنه يسمع صوتك. وروى نحو ذلك عن مجاهد أخرجه عبد بن حميد، وعن عكرمة، أخرجه وكيع. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال: قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } إلى قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الأَرْضِ حَلَلاً طَيِّباً} قيل إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام والزرع، فأباح لهم الله تعالى أكله وجعله لهم حلالاً طيباً. {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} وهي جمع خطوة، واختلف أهل التفسير في المراد بها على أربعة أقاويل: أحدها: أن خطوات الشيطان أعماله، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنها خطاياه وهو قول مجاهد. والثالث: أنها طاعته، وهو قول السدي. والرابع: أنها النذور في المعاصي. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي ظاهر العداوة. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَآءِ} قال السدي: السوء في هذا الموضع معاصي الله، سميت سوءاً لأنها تسوء صاحبها بسوء عواقبها. وفي الفحشاء ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: الزنى. والثاني: المعاصي. والثالث: كل ما فيه الحد، سمي بذلك لفحش فعله وقبح مسموعه. {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فيه قولان: أحدهما: أن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرمه الله عليكم. والثاني: أن تجعلوا له شريكاً.

ابن عطية

تفسير : الخطاب عام و {ما} بمعنى الذي، و {حلالاً} حال من الضمير العائد على {ما}، وقال مكي: نعت لمفعول محذوف تقديره شيئاً حلالاً. قال القاضي أبو محمد: وهذا يبعد، وكذلك مقصد الكلام لا يعطي أن يكون {حلالاً} مفعولاً بــ {كلوا} وتأمل، و {طيباً} نعت، ويصح أن يكون {طيباً} حالاً من الضمير في {كلوا} تقديره مستطيبين، والطيب عند مالك: الحلال، فهو هنا تأكيد لاختلاف اللفظ، وهو عند الشافعي: المستلذ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث، و {خطوات} جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فالمعنى النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه، قال ابن عباس: خطواته أعماله، قاله غيره: آثاره، قال مجاهد: خطاياه، قال أبو مجلز: هي النذور والمعاصي، قال الحسن: نزلت فيما سنوه من البحيرة والسائبة ونحوه، قال النقاش: نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب. وقرأ ابن عامر والكسائي "خطوات" بضم الخاء والطاء، ورويت عن عاصم وابن كثير بخلاف، وقرأ الباقون بسكون الطاء، فإما أرادوا ضم الخاء والطاء وخففوها إذ هو الباب في جمع فعلة كغرفة وغرفات، وإما أنهم تركوها في الجمع على سكونها في المفرد، وقرأ أبو السمال "خَطَوات" بفتح الخاء والطاء وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعمش وسلام "خطؤات" بضم الخاء والطاء وهمزة على الواو، وذهب بهذه القراءة إلى أنها جمع خطأة من الخطأ لا من الخطو. وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان، و {عدو} يقع للمفرد والتثنية والجمع. وقوله تعالى: {إنما يأمركم} الآية، {إنما} تصلح للحصر، وقد تجيء غير حاصرة بل للمبالغة كقولك "إنما الشجاع عنترة"، كأنك تحاول الحصر أو توهمه، فإنما يعرف معنى {إنما} بقرينة الكلام الذي هي فيه، فهي في هذه الآية حاصرة، وأمر الشيطان إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته، فإذا أطيع نفذ أمره. و {السوء} مصدر من ساء يسوء فهي المعاصي وما تسوء عاقبته، و {الفحشاء} قال السدي: هي الزنا، وقيل: كل ما بلغ حداً من الحدود لأنه يتفاحش حينئذ، وقيل: ما تفاحش ذكره، وأصل الفحش قبح المنظر كما قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : وجيدٍ كجيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ إذا هِيَ نصَّتْهُ ولا بمعطَّلِ تفسير : ثم استعملت اللفظة فيما يستقبح من المعاني، والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء، و {ما لا تعلمون}: قال الطبري: يريد به حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها وجعلوه شرعاً. وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم} يعني كفار العرب، وقال ابن عباس: نزلت في اليهود، وقال الطبري: الضمير في {لهم} عائد على الناس من قوله {يا أيها الناس كلوا}، وقيل: هو عائد على {من} في قوله {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} تفسير : [البقرة: 165]، و {اتّبعوا} معناه بالعمل والقبول، و {ما أنزل الله} هو القرآن والشرع، و {ألفينا} معناه وجدنا، قال الشاعر: [المتقارب] شعر : فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ وَلاَ ذاكر اللَّهِ إلاّ قَليلا تفسير : والألف في قوله {أوَلو} للاستفهام، والواو لعطف جملة كلام على جملة، لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون، فقرروا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم. وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد. وقوله تعالى: {ومثل الذين كفروا} الآية، المراد تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفقه ما يقول، هكذا فسر ابن عباس وعكرمة والسدي وسيبويه. قال القاضي أبو محمد: فذكر بعض هذه الجملة وترك البعض، ودل المذكور على المحذوف وهذه نهاية الإيجاز. والنعيق زجر الغنم والصياح بها، قال الأخطل: [الكامل] شعر : انعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فإنَّما منَّتْكَ نَفْسُكَ في الْخَلاَءِ ضَلاَلا تفسير : وقال قوم: إنما وقع هذا التشبيه براعي الضأن لأنها من أبلد الحيوان، فهي تحمق راعيها، وفي المثل أحمق من راعي ضأن ثمانين، وقد قال دريد لمالك بن عوف في يوم هوازن "راعي ضأن والله"، وقال الشاعر: [البسيط] شعر : أَصْبَحْتُ هُزْءاً لراعي الضَّأْنِ يَهْزَأُ بي مَاذَا يرِيبُكَ منّيَ رَاعيَ الضَّانِ تفسير : فمعنى الآية أن هؤلاء الكفرة يمر الدعاء على آذانهم صفحاً يسمعونه ولا يفقهونه إذ لا ينتفعون بفقهه، وقال ابن زيد: المعنى في الآية: ومثل الذين كفروا في اتباعهم آلهتهم وعبادتهم إياها كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه شيئاً إلا دوياً غير مفيد، يعني بذلك الصدى الذي يستجيب من الجبال، ووجه الطبري في الآية معنى آخر، وهو أن المراد: ومثل الكافرين في عبادتهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد منه فهو لا يسمع من أجل البعد، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه ويصبه، فإنما شبه في هذين التأويلين الكفار بالناعق والأصنام بالمنعوق به، وشبهوا في الصمم والبكم والعمى بمن لا حاسة له لما لم ينتفعوا بحواسهم ولا صرفوها في إدراك ما ينبغي، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : أصم عمّا ساءه، سميع تفسير : ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم {لا يعقلون} إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره:علوم ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل.

ابن عبد السلام

تفسير : {كُلُواْ} نزلت في خزاعة وثقيف وبني مدلج لما حرموه من الأنعام والحرث. {خُطُوَاتِ} جمع خطوة؛ أعماله، أو خطاياه، أو طاعته، أو النذر في المعاصي.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. والحلال المباح الذي أحله الشرع وانحلت عقدة الحظر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. والطيب ما يستلذ، والمسلم لا يستطيب إلاّ الحلال ويعاف الحرام. وقيل: الطيب هو الطاهر لأن النجس تكرهه النفس وتعافه {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي لا تسلكوا سبيله. وقيل معناه لا تأثموا به ولا تتبعوا آثاره وزلاته، والمعنى احذروا أن تتعدوا ما أحل الله لكم إلى ما يدعوكم إليه الشيطان. قيل: هي النذور في المعاصي. وقيل: هي المحقرات من الذنوب ثم بين علة هذا التحذير، بقوله تعالى: {إنه لكم عدو مبين} أي ظاهر العداوة وقد أظهر الله تعالى عداوته بآية السجود لآدم ثم بين عداوته ما هي فقال تعالى: {إنما يأمركم بالسوء} يعني بالإثم. والسوء ما يسوء صاحبه ويخزيه {والفحشاء} يعني بها المعاصي وما قبح من قول أو فعل. قال ابن عباس: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحد. وقيل الفحشاء الزنا. وقيل هو البخل {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} يعني من تحريم الحرث والأنعام ويتناول ذلك جميع المذاهب الفاسدة التي لم يأذن فيها الله ولم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. واعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي يجدها الإنسان في قبله، وماهية هذه الخواطر حروف وأصوات منتظمة خفية تشبه الكلام في الخارج، ثم إن فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى وهو المحدث لها في باطن الإنسان، وإنما الشيطان كالعرض، والله هو المقدر له على ذلك وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" تفسير : وإنما أقدر على ذلك لإيصال هذه الخواطر إلى باطن الإنسان. قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} هذه قصة مستأنفة والضمير في "لهم" يعود إلى غير مذكور. قال ابن عباس: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام. فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فهم كانوا خيراً منا وأعلم منا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إن الآية متصلة بما قبلها والضمير في "لهم" يعود إلى قوله: {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} تفسير : [البقرة: 165] وهم مشركو العرب. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا يعني من عبادة الأصنام. وقيل: بل الضمير في "لهم" يعود على قوله: {أية : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض} تفسير : [البقرة: 168] والمعنى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله يعني في تحليل ما حرموا على أنفسهم {قالوا بل نتبع ما ألفينا} يعني وجدنا {عليه آباءنا} من التحريم والتحليل، قال الله تعالى: {أو لو كان آباؤهم} يعني الذين يتبعونهم {لا يعقلون شيئاً} يعني لا يعلمون شيئاً من أمر الدين، لفظه عام ومعناه خاص وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا {ولا يهتدون} أي إلى الصواب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً...}. قال ابن عرفة: هذا الأمر إما للوجوب أي أوجب الله علينا الأكل لأنّ به قوام الأجسام، أو لوجوب الأكل من الحلال. وإما للندب أو للإباحة وفيه دليل على أنّ الأشياء على الحظر، أو على الإباحة. ابن عرفة: وهو أظهر، لأنّ لو قلنا إن الأشياء كانت على الحظر فيلزم عليه الإجمال في هذا الأمر لأن من جملة ما في الأرض النبات والسباع وغير ذلك. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ...}. من مجاز التمثيل فإنه ليس المراد النهي عن اتباع خطواته حقيقة إذ لا نراه نحن بل الخطوات (معنوية).

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {خطوات} ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي. الباقون: بالضم. {بل نتبع}. وبابه مثل {أية : هل ننبئكم} تفسير : [الكهف: 103] و {أية : بل نقذف} تفسير : [الأنبياء: 18] مدغماً حيث كان: علي وهشام. الوقوف: {طيباً} ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين {الشيطان} ط {مبين} ه {ما لا تعلمون} ه {آباءنا} ط لابتداء الاستفهام {ولا يهتدون} ه {ونداء} ط لحق المحذوف أي هم صم {لا يعقلون} ه. التفسير: قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. والآية مسوقة لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أنداداً. وحلالاً مفعول كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه من الحل الذي يقابل العقد. ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس. وتحلة القسم لأن عقدة اليمين تنحل به. ثم الحرام قد يكون حراماً في جنسه كالميتة والدم، وقد يكون حراماً لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب} تفسير : [المائدة: 100] فالوصف لتأكيد المدح مثل {أية : نفخة واحدة}تفسير : [الحاقة: 13] أي الطاهر من كل شبهة. ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالاً وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير. والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسماً تجمع في الصحيح بسكون العين وضمها. يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته {مبين} ظاهر العداوة لا خفاء به {أية : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} تفسير : [ص: 82] {أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} تفسير : [الأعراف: 16 - 17] {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء} السوء متناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وهذا أقبح الكل لأن وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل "إنما" وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى الخير ظاهراً وغرضه أن يجرّه إلى الشر آخراً مثل أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل فيتمكن بعد ذلك أن يجرّه إلى الشر. ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لتنفره عن الطاعة. ويدخل في قوله {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين. ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه. وإذا كان الآمر المطاع مرجوماً مذموماً فكيف حال المأمور المطيع؟ وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده. {وإذا قيل لهم} أي للمتخذين من دون الله أنداداً أو للناس. والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في اليهود حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم. وقد يعود الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة. وإنما خص هذا الموضع بقوله {ألفينا} لأن "ألفيت" يتعدى إلى مفعولين ألبتة فكان نصاً في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل. واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ "وجدنا" المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله تعالى بقوله {أو لو كان} الواو للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضاً؟ وتقرير الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا. فإن لم تعرف فكيف قلدته مع احتمال كونه مبطلاً، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو بالعقل فذلك كافٍ في معرفة الحق والتقليد ضائع. وأيضاً علم المقلد إن حصل بالتقليد تسلسل، وإن حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل أيضاً وإلا كان مخالفاً فظهر...... فقال وضلال {ومثل الذين كفروا} فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق الراعي بالضأن إذا صاح بها. وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها. وإما بإضمار في المشبه به أي مثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق. الثاني: التصحيح بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن قوله {لا دعاء ونداء} لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً. أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته. فإذا قال: يا زيد. يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء. أو مثلهم في قلة عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم. فكما أن الكلام مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع فكذا تقليدهم واتباعهم {صم} عن استماع الحق والانتفاع به {بكم} عن إجابة الداعي إلى سبيل الخير {عمي} عن النظر في الدلائل {فهم لا يعقلون} العقل المسموع ولا المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً. فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع. فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله"تفسير : فبقدر عقله تكون عبادته لربه. أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار؟ {أية : لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} تفسير : [الملك: 10] وقال: "حديث : ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى ". تفسير : التأويل: الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين فما شاهدوا شيئاً من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على التقليد {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا}.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلَـٰلاً طَيِّباً...} الآية: الخطابُ عامٌّ، و «ما» بمعنى «الَّذِي»، «وحَلاَلاً»: حال من الضمير العائد علَىٰ «مَا»، و «طَيِّباً»: نعتٌ، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في «كُلُواْ»، تقديره: مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك: الحلال؛ فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ: المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ. قال الفَخْر: الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد. انتهى. و {خُطُوَٰتِ}: جمع خطوةٍ، والمعنى: النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه. قال ابن عَبَّاس: خطواته: أَعماله، وقال غيره: آثاره. * ع *: وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطواتُ الشيطان. وعَدُوّ: يقع للمفرد والمثنَّىٰ والجمع. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...} الآيةَ: «إِنما» ههنا: للحصر، وأمر الشيطان: إما بقوله في زَمَن الكهنة، وإِما بوَسْوسته. و {ٱلسُّوءِ}: مصدرٌ من: سَاءَ يَسُوءُ، وهي المعاصِي، وما تسوء عاقبته، {وَٱلْفَحْشَاءِ}: قيل: الزنا، وقيل: ما تفاحَشَ ذكره، وأصل الفُحْش: قُبْحِ المنظر، ثم ٱستعملتِ اللفظة فيما يستقبحُ، والشَّرْعُ: هو الذي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فكُّل ما نهتْ عنه الشريعةُ، فهو من الفحشاء. و {مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: قال الطبري: يريد: ما حرموا من البَحِيرة، والسِّائبة، ونحوها، وجعلوه شرعاً. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ}، يعني: كفَّارَ العرب، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في اليهود، والألفُ في قوله سبحانه: {أَوَلَوْ كَانَ}: للاستفهامِ؛ لأن غاية الفساد في الاِلتزامِ؛ أنْ يقولوا: نتبع آباءنا، ولو كانوا لا يعقلون، فقُرِّرُوا على التزامهم هذا؛ إذ هذه حال آبائهم. وقوةُ ألفاظ هذه الآية تُعطِي إِبْطَال التقليد، وأجمعتِ الأمَّة على إِبطاله في العقَائدِ.

ابن عادل

تفسير : لَمَا بيَّن التوحيد ودلائلهُ وما للموحِّدين مِنَ الثواب وأتبعه بذكر الشِّرك، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وأنَّ معصية مَنْ عَصَاه، وكُفْر من كَفَر به، لم تُؤَثِّر في قطع نعمه وإحسَانه إِلَيهمْ. قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: هذه الآية نزلت في قومٍ من ثقيف، وبني عامر بن صَعْصعَة، وخُزَاعة، وبني مُدْلجٍ، حَرَّموا على أنفسُهم مِنَ الحَرثِ، والبحائِرِ، والسَّوائِب، والوَصَائِلَ والحَامِ. قوله تعالى" {مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} حَلالاً فيه خَمْسَة أوجُهٍ: أحدها: أن يكون مفعولاً بـ"كُلُوا" و "مِنْ" على هذا فيها وجهان: أحدهما: أنْ تتعلَّق بـ"كُلُوا" ويكون معناها ابتداء الغاية. الثاني: أنْ تتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من "حلالاً" [وكانت في الأصلِ صفةً له، فَلَمَّا قُدَّمَتْ عليه، انتصَبَتْ حالاً] ويكون معنى "مِن" التَّبْعِيضَ. الثاني: أنْ يكون انتصابُ "حَلاَلاً" على أنَّه نعتٌ لمفعولٍ محذوف، تقديرُهُ: شيئاً أو رِزْقاً حَلاَلاً، ذكَرَه مَكِّيٌّ واستعبده ابن عطيَّة ولم يبيِّن وجه بُعْده، والذي يظهرُ في بُعْده أَنَّ "حَلاَلاً" ليس صفةً خاصَّة بالمأْكُول بل يُوصَف به المأكُول وغيره وإذا لم تكُن الصفة خاصَّة، لا يجوز حذف الموصول. الثالث: أن ينتصب "حلالاً" على أنَّه حالٌ من "مَا" بمعنى: "الَّذي"، أي: كُلُوا من الَّذي في الأرض حال كونه حلالاً. الرابع: أن ينتصب على أنه نعت لمصدر محذوف، [أي: أكلاً حلالاً، ويكون مفعول "كُلُوا" محذوفاً، و"ما في الأرض" صفةً لذلك المفعول المحذوف]، ذكره أبو البقاء وفيه من الرَّدِّ ما تقدِّم على مَكِّيٍّ، ويجوز على هذا الوجه الرابع ألا يكون المفعول محذوفاً، بل تكون "مِنْ" مزيدةً على مذهب الأخفش، تقديره، "كُلُوا مَا في الأَرْضِ أكْلاً حَلاَلاً". الخامس: أن يكون حالاً من الضَّمير العائد على "ما" قاله ابن عطيَّة، يعني بـ"الضَّمير" الضَّمير المستكنَّ في الجارِّ والمجرور، الواقع صلة. و"طَيِّباً" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون صفة لـ"حَلاَلا" أمَّا على القول بأنَّ "مِنْ" للابتداء، متعلِّقةٌ بـ"كُلُوا" فهو واضحٌ؛ وأمَّا على القول بأن "مِمَّا في الأَرْضِ" حال من "حَلاَلاً"، فقال أبُو البَقَاءِ - رحمه الله تعالى-: ولكن موضعها بعد الجارِّ والمجرور، لئلاَّ يفصل الصِّفة بين الحال وذي الحال. وهذا القول ضعيفٌ، فإنَّ الفصل بالصفة بين الحال وصاحبها ليس بممنوعٍ؛ تقول "جَاءَنِي زَيْدٌ الطَّويلُ [راكِباً"، بل لو قدَّمت الحال على الصِّفة، فقلت: "جاءَنِي زَيْدٌ راكباً الطَّوِيلُ"] - كان في جوازه نظر. الثاني: أن يكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المصدر المعرفة المحذوف: أي أكلاً طَيِّباً. الثالث: أن يكون حالاً من الضَّمير في "كُلُوا" تقديره: مستطيبين - قال ابن عطيَّة. قال أبُو حَيَّان: وهذا فاسدٌ في اللَّفظ أمَّا اللَّفظ؛ فلأنَّ "الطَّيِّبَ" اسم فاعل فكان ينبغي أن تُجمع؛ لتطابق صاحبها؛ فيقال: طيِّبين، وليس "طَيِّب" مصدراً؛ فيقال: إنَّما لم يجمع لذلك، وأمَّا المعنى؛ فلأنَّ "طَيِّباً" مغايرٌ لمعنى مستطيبين، لأنَّ "الطَّيِّب" من صفات المأكول، و"المستطيب" من صفات الآكلين، تقول: "طَابَ لِزَيْدٍ الطَّعَامُ" ولا تقول: "طَابَ زَيْدٌ الطَّعَامَ" بمعنى استطابه. و"الحَلاَلُ": المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوع منه، حلَّ يحلُّ، بكسر العين في المضارع، وهو القياس، لأنه مضاعفٌ غير متعدٍّ، يقال: حَلاَلٌ، وحِلٌّ؛ كَحَرَامٍ وحِرْمٍ وهو في الأصل مصدرٌ، ويقال: "حِلٌّ بِلٌّ" على سبيل الإتباع؛ كـ"حَسَنٌ بَسَنٌ"، وحَلٌ بمكان كذا يَحُلُّ - بضم العين وكسرها - وقُرئ: {أية : فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}تفسير : [طه: 81] بالوجهين، وأصله من "الحَلِّ" الذي هو: نقيض العقد، ومنه: حلَّ بالمكان، اذا نزل به؛ لأنَّه حلَّ شدَّ الرحال للنُّزول، وحَلَّ الدَّين إذا نزل به، لانحلال العقدة بانقضاء المُدَّة، وحَلَّ من إحرامه، لأنه حَلَّ عقد الإحرام، وحلَّت عليه العقوبة، أي: وجبت لانحلال العقدة [المانعة من العذاب] ومن هذا: "تَحِلَّةُ اليمين": لأن عقدة اليمين تنحلُّ به. والطَّيِّبُ [في اللغة: يكون بمعنى الطَّاهر، والحلال يوصف بأنَّه طيِّبٌ؛ قال تعالى: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}تفسير : [المائدة: 100] والطَّيِّب في] الأصل: هو ما يستلذُّ به ويستطاب، ووصف به الطَّاهر، والحلال؛ على جهة التشبيه؛ لأنَّ النَّجس تكرهه النَّفس؛ فلا تستلذُّه، والحرام غير مستلذٍّ، لأنَّ الشرع يزجر عنه. وفي المراد بالطَّيِّب في الآية وجهان: الأول: أنه المستلذُّ؛ لأنا لو حملناه على الحلال، لزم التكرار؛ فعلى هذا يكون إنما يكون طيِّباً، إذا كان من جنس ما يشتهى؛ لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه، عاد حراماً، وإن كان يبعد وقوع ذلك من العاقل إلاّ عند شبهة. والثاني: أن يكون المراد ما يكون جنسه حلالاً، وقوله: "طَيِّباً" المراد منه: ألاَّ يكون متعلِّقاً به حقُّ الغير؛ فإنَّ أكل الحرام، وإن استطابه الآكل، فمن حيث يؤدِّي إلى العقاب: يصير مضرَّةً، ولا يكون مستطاباً؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}تفسير : [النساء: 10]. قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ}: قرأ ابنُ عامِرٍ، والكسَائيُّ، وقُنْبُلٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: "خُطُوَاتِ" بضم الخاء، والطاء، وباقي السَّبْعة بسكون الطاء. أمّا من ضمَّ العين؛ فلأنَّ الواحدة "خُطْوَة" فإذا جمعت، حرِّكت العين؛ للجمع، كما فعلت في الأسماء التي على هذا الوزن؛ نحو: غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ، وتحريك العين على هذا الجمع؛ للفصل بين الاسم والصِّفة؛ لأن كلَّ ما كان اسماً، جمعته بتحريك العين؛ نحو: "تَمْرَة وتَمَرَات، وغَرْفَةٍ وغَرَفَاتٍ، وشَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ" وما كان نعتاً، جمع بسكون العين؛ نحو: "ضَخْمَةٍ وَضَخْمَاتٍ، وعَبْلَةٍ وعَبْلاَتٍ"، والخُطْوَة: من الأسماء، لا من الصفات، فتجمع بتحريك العين. وقرأ أبو السَّمَّال "خُطَوَات" بفتحها، ونقل ابن عطيَّة، وغيره عنه: أنه قرأ: "خَطَوَات"، بفتح الخاء، والطاء، وقرأ عليٌّ وقتادة، والأعمش بضمِّها، والهمز فأما قراءة الجمهور، والاولى من قراءتي أبي السَّمَّال، فلأن "فُعْلَة" الساكنة العين، السَّالِمَتَهَا، إذا كان اسماً، جاز في جمعها بالألف والتاء ثلاثة أوجهٍ، وهي لغاتٌ مسموعةً عن العرب: السُّكون، وهو الأصل، والإتباع، والفتح في العين، تخفيفاً. وأما قراءة أبي السَّمَّال التي نقلها ابنُ عطيَّة، فهي جمع "خَطْوَة" بفتح الخاء، والفرق بين الخطوة بالضَّمَّ، والفتح: أنَّ المفتوح: مصدر دالًّ على المرَّة، من: خَطَا يَخْطُوا، إذا مشى، والمضموم: اسمٌ لما بين القدمين؛ كأنَّه اسم للمسافة؛ كالغرفة اسم للشيء المغترف. وقيل: إنَّهما لغتان بمعنى واحدٍ ذكره أبُو البَقَاءِ. وأمَّا قراءةُ عليٍّ، ففيها تأويلان: أحدهما - وبه قال الأَخْفَشُ -: أنَّ الهمزة أصلٌ، وأنَّه من "الخَطَأ"، و"خُطُؤَات" جمع "خِطْأَة" إن سمع، وإلاَّ فتقديراً، وتفسير مجاهد إياه بـ"الخَطَايَا" يؤيِّد هذا، ولكن يحتملُ أن يكون مجاهد فسَّره بالمرادف. والثاني: أنه قلب الهمزة عن الواو؛ لأنَّها جاورت الضمّة قبلها؛ فكأنها عليها؛ لأنَّ حركة الحرف بين يديه على الصَّحيح، لا عليه. فصل قال ابن السَّكِّيتِ - فيما رواه عن اللِّحْيَانِيِّ - الخَطْوَة والخُطْوَة بمعنى واحدٍ، وحكى عن الفرَّاء الخُطْوَة ما بين القدمين؛ كما يقال: حَثَوْتُ حُثْوَةً، والحُثْوَة: اسمٌ لما تَحَثَّيْتَ، وكذلك غَرَفْتُ غُرْفَةً، والغُرْفَة: هو الشيء المُغْتَرَفُ بالكَفِّ، فيكون المعنى: لا تتَّبعوا سبيله، ولا تسلكوا طريقه؛ لأنَّ الخُطْوَة اسم مكان. قال الزَّجَّاج وابن قُتَيْبَة: خُطُوَاتُ الشَّيْطان طُرُقُهُ، وإن جعلت الخطوة مصدراً، فالتقدير: لا تَأَتَمُّوا به، ولا تَتَّبِعُوا أَثَرَهُ، والمعنى: أن الله تعالى، زجر المكلَّف عن تخطِّي الحلال إلى الشُّبه؛ كما زجره عن تخطِّيه إلى الحرام، وبيَّن العلَّة في هذا التحذير، وهو كونه عدوّاً مبيناً، أي: متظاهراً بالعداوة؛ وذلك لأنَّ الشيطان التزم أموراً سبعةً في العداوة: أربعة منها في قوله تعالى: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 119]. وثلاثة منها في قوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 16 - 17] فلمَّا التزم هذه الأمور، كان عدواً متظاهراً بالعداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه السُّجود لآدم، وغروره إيّاه؛ حتَّى أخرجه من الجنَّة. قوله: "إِنَّهُ لَكُمْ" قال أبُو البَقَاءِ: إنَّما كسر الهمزة؛ لأنَّه أراد الإعلام بحاله، وهو أبلغ من الفتح؛ لأنه إذا فتح الهمزة، صار التقدير: لا تتَّبعوه؛ لأنَّه عدوٌّ لكم، واتباعه ممنوعٌ، وإن لم يكن عدوّاً لنا، مثله: [منهوك الرجز] شعر : 889أ - لَبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ لَكْ تفسير : كسر الهمزة أجود؛ لدلالة الكسر على استحقاقه الحمد في كلِّ حال، وكذلك التلبية. انتهى يعني أن الكسر استئنافٌ محض فهو إخبار بذلك، وهذا الذي قاله في وجه الكسر لا يتعيَّن؛ لأنَّه يجوز أن يراد التعليل مع كسرة الهمزة؛ فإنَّهم نصُّوا على أنَّ "إنَّ" المكسورة تفيد العلَّة أيضاً، وقد ذكر ذلك في هذه الآية بعينها؛ كما تقدم آنفاً، فينبغي أن يقال: قراءة الكسر أولى؛ لأنَّها محتملة للإخبار المحض بحاله، وللعلِّيَّة؛ وممَّا يدلُّ على أنَّ المكسورة تفيد العلِّيَّة قوله - عليه السلام - في الرَّوثة "حديث : إنَّها رجسٌ"تفسير : وقوله في الهرَّة: "حديث : إنَّها لَيْسَتْ بِنَجِسٍ؛ إنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ " تفسير : وقوله: "حديث : لاَ تُنْكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا؛ إِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلك، قَطَّعْتُمْ أرْحَامَكُمْ " تفسير : وأما المفتوحة: فهي نصٌّ في العلِّيَّة، لأنَّ الكلام على تقدير لام العلَّة. قوله: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فهذه كالتَّفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثةٍ: أولها: السُّوء، وهو: متناول جميع المعاصي، سواءٌ كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح، أو من أفعال القلوب. وسُمِّي السُّوء سوءاً؛ لأنَّه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر: "سَاءَهُ يَسُوءُهُ سُوءاً ومَسَاءَةً" إذا أحزنه، و"سُؤْتُهُ، فَسِيءَ" إذا أحزنته، فحزن؛ قال تعالى: {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الملك: 27]؛ قال الشَّاعر: [السريع] شعر : 889ب - وإنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ قَدْ سَاءَنِي فَطَالَمَا قَدْ سَرِّنِي الدَّهْرُ أَلأَمْرُ عِنْدِي فِيهِمَا وَاحِدٌ لِذَاكَ شُكْرٌ وَلِذَا صَبْرُ تفسير : وثانيها: الفحشاء: وهو مصدر من الفحش؛ كالبأساء من البأس، والفحش: قبح المنظر. قال امْرُؤ القَيْسِ: [الطويل] شعر : 890 - وَجِيدٍ كَجِيدٍ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ إذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعَطَّلِ تفسير : وتوسِّع فيه، حتَّى صار يعبر به عن كلِّ مستقبحٍ معنى كان أو عيناً. والفَحْشَاءُ: نوعٌ من السُّوء، كأنَّها أقبح أنواعه، وهي: ما يستعظم، ويستفحش من المعاصي. وثالثها:{أَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فكأنَّه أقبح الأشياء؛ لأنَّ وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فهذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ}. فدلَّت الآية الكريمة على أنَّ الشيطان يدعو إلى الصَّغائر والكبائر، والكفر، والجهل بالله. وروي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّه قال: "الفَحْشَاءُ" من المعاصي: ما فيه حَدٌّ، والسُّوء من الذُّنوب ما لا حَدَّ فيه. وقال السُّدِّيُّ: هي الزِّنا. وقيل: هي البخل، {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من تحريم الحرث والأنعام. وقال مُقَاتِلٌ: كلُّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء، فإنَّه الزِّنا، إلاَّ قوله: {أية : ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ}تفسير : [البقرة: 268] فإنه منع الزكاة. وقوله: "وَأَنْ تَقُولُوا" عطفٌ على قوله: "بالسُّوء"، تقديره: "وبِأَنْ تَقُولُوا" فيحتمل موضعها الجرَّ والنصب؛ بحسب قول الخليل، وسيبويه. قال الطَّبَرِيُّ: يريد ما حرَّموا من البحيرة والسَّائبة ونحوهما، مما جعلوه شرعاً. فصل في بيان أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح. دلَّت الآية على أنَّ الشطان لا يأمر إلا بالقبائح؛ لأنَّ الله تعالى ذكره بكلمة "إنَّمَا" وهي للحصر. وقد قال بعضهم: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير؛ لكن لغرض أن يجره منه إلى الشَّرِّ؛ وذلك على أنواع: إمَّا أن يجرَّه من الأفضل إلى الفاضل، ليتمكَّن من أن يجره من الفاضل الشَّرِّ، وإمَّا أن يجرَّه من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشقِّ؛ ليصير ازدياد المشقَّة سبباً لحصول النُّفرة عن الطَّاعات بالكلِّيَّة. وتناولت الآية الكريمة جميع المذاهب الفاسدة، بل تناولت مقلِّد الحقِّ؛ لأنَّه قال مالا يعلمه؛ فصار مستحقّاً للذَّمِّ؛ لاندراجه تحت هذا الذَّمِّ. وتمسَّك بهذه الآية نُفَاةُ القياس، [وجوابهم: أنه متى قامت الدَّلالة على أنَّ العمل بالقياس واجبٌ، كان العمل بالقياس] قولاً على الله بما يعلم لا بما لا يعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"حديث : ‏تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيبا‏ً} ‏ فقام سعد بن أبي وقاص فقال‏:‏ يا رسول الله أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة‏.‏ فقال‏:‏ يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه فما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله ‏{‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏} ‏ قال‏:‏ عمله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏} ‏ قال‏:‏ خطاه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏}‏ نزعات الشيطان‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏خطوات الشيطان‏} ‏ قال‏:‏ تزيين الشيطان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال‏:‏ كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود‏.‏ أنه أتى بضرع وملح فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود‏:‏ ناولوا صاحبكم‏.‏ فقال‏:‏ لا أريد‏.‏ فقال‏:‏ أصائم أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ حرمت أن آكل ضرعاً أبداً‏.‏ فقال ابن مسعود‏:‏ هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفر عن يمينك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز في قوله ‏ {‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏}‏ قال‏:‏ النذور في المعاصي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ جاء رجل إلى الحسن فسأله وأنا عنده فقال له‏:‏ حلفت إنْ لم أفعل كذا وكذا أن أحج حبوا‏ً.‏ فقال‏:‏ هذا من خطوات الشيطان، فحج واركب وكفر عن يمينك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن غياث قال‏:‏ سألت جابر بن زيد عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب فقال‏:‏ هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصياً لله فليكفر عن يمينه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ إنما سمي الشيطان لأنه يشيطن‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏إنما يأمركم بالسوء‏} ‏ قال‏:‏ المعصية ‏ {‏والفحشاء‏} ‏ قال‏:‏ الزنا ‏ {‏وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون‏}‏ قال‏:‏ هو ما كانوا يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، ويزعمون أن الله حرم ذلك‏.‏

القشيري

تفسير : الحرام - وإنْ اسْتُلِذَّ في الحال - فهو وبيء في المآل، والحلال - وإن اسْتُكْرِه في الحال - فهو مريء في المآل. والحلال الصافي ما لم ينسَ مُكْتَسِبُه الحقَّ في حال اكتسابه. ويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق في كل حال. وكلُّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الناس} نزلت فى قوم حرموا على انفسهم رفيع الاطعمة والملابس {كلوا مما فى الارض} اى من بعض ما فيها من اصناف المأكولات لان كل ما فيها لا يؤكل {حلالا} حال من الموصول اى حال كونه حلالا وهو ما انحل عنه عقد الحظر {طيبا} طاهرا من جميع الشبه صفة حلالا او الحلال ما يستطيبه الشرع والطيب ما يستطيبه الشهوة المستقيمة اى يستلذه الطبع {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} الخطوة بالفتح المرة من نقل القدم وبالضم بعد ما بين قدمى الماشى يقال اتبع خطواته ووطئ على عقبه اذا اقتدى به واستن بسنته اى لا تقتدوا بآثاره وطرقه ومذاهبه فى اتباع الهوى وهى وساوسه فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام {إنه لكم عدو مبين} تعليل للنهى اى ظاهر العداوة عند ذوى البصيرة واما عند متبعى الهوى الذين لا بصيرة لهم فهو كولى حميم حيث يدلهم على مشتهات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة فقوله مبين من ابان بمعنى بان وظهر وجعله الواحدى من ابان المتعدى حيث قال انه عدو مبين قد ابان عداوته لكم بابائه السجود لابيكم آدم وهو الذى اخرجه من الجنة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {حلالاًّ} حال، أو مفعول به، و {طيباً} نعت له، و {الخُطُوات} جمع خطوة، وهي بالفتح - مصدر خطَا يَخْطُوا، وبالضم - اسم لمسافة ما بين القدمين، ويُكَسَّر على خطاً، ويُصَحَّح على خطوات، مثلث الطاء، أعني: الضم على الإتباع، كغرفات وقربات، قال ابن مالك: شعر : والسَّالمَ العَيْنِ الثُّلاثي اسْما أَنِلْ إتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بما شُكِلُ تفسير : والسكون على الأصل في المفرد، والفتح تخفيفاً، قال في الألفية: شعر : وسكَّنِ التالِيَ غيرَ الفتحِ أوْ خفِّفْهُ بالفَتْحِ فكُلاَّ قدْ رَوَوُا تفسير : وقرئ في المواتر بالضم والإسكان، وفي الشاذِّ بالفتح. قال الخليل: (خطوات الشيطان، آثاره وطرقه، يقول: لا تقتدوا به). هـ. وأصل السوء: كل ما يَسُوء صاحبه ويُحزنه. والفحشاء: ما قبحُ من القول والفعل، مصدر فحش كالبأساء والضراء واللأوَاء. قال ابن عباس: (الفحشاءُ: ما فيه حد، والسوء: ما لا حَدَّ فيه)، وقال مقاتل: (كل مافي القرآن من ذكر الفشحاء فإنه الزنا، إلا قوله:{أية : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ}تفسير : فإنه البخل)[البَقَرَة: 268]. قال البيضاوي: السوء والفحشاء: ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوءٌ لاغتمام العاقل، به، وفحشاء باستقباحه إياه، وقيل: السوء يعمُ القبائح، والفحشاء ما تجاوَز الحدَّ في القبح. هـ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس كلوا} من جميع ما خلقنا لكم في الأرض من نباتها مما يُستطاب أكله، وحيواناتها إلا ما حرمناه عليكم، حالة كون ذلك {حلالاً} قد انحلَّت عنه التبِعَات، وزالت عنه الشبهات، {طيباً} مُستلَذاً يستلِذُّه الطبع، ويستحسنه الشرع، {ولا تتبعوا} طرق {الشيطان} فتُحَرِّموا برأيكم ما أحلَّ الله لكم، كالبَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحام، وبعض الحرث الذي جعلتموه للأصنام، فإن ذلك من تزيين الشيطان، وهو {لكم عدو مبين}. ومن شأن العدو الخِدَاع والغرور، فإنما يأمركم بما يَسُوء وجوهَكم من الذنوب، وما يُرديكم من قبائح المعاصي والعيوب، {وأن تقولوا على الله} ما لا علم لكم به من تحلِيل الحرام، أو تحريم الحلال، أو ادعاء الولد أو الصاحبة في جانب الكبير المتعال. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للبشرية قُوتاً ونعيماً تتنعم به، وجعل للروح قوتاً ونعيماً تتلذذ به، فقُوت البشرية الطعام والشراب، ونعيمُها: الملابس والمَناكح والمَراكب. وقوت الروح: اليقين والعلوم والأنوار، ونعيمها: الشهود والاستصبار والترقي في المعارف والأسرار، فكما أن النفس تأكُل مما في الأرض حلالاً طيباً، كذلك الروح تأكل مما في الأرض حلالاً طيباً، إلا أن أكل النفس حِسّي، وأكل الروح معنوي، وهو التفكر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه: شعر : الخَلْقُ نَوَّارٌ وأنا رَعَيْتُ فيهمُ هُمُ الحجابُ الأكبَرُ والمَدخَلُ فِيهم تفسير : وقال الششتري رضي الله عنه: شعر : عَينُ الزِّحامِ هُوَ المَسِيرُ لِحَيّنَا تفسير : وكان شيخُ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول: (مَن أراد أن يذوق فليذهب إلى السوق). وذلك لأنه مظنة الزحام، وفيه عند الأقوياء الربح التام، فيقال لهم: يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية؛ كلوا مما في الأرض بأرواحكم وأسراركم، شهوداً واعتباراً، حلالاً طيّباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتقفوا مع ظواهر الأكوان، فتُحجبوا عن الشهود والعيان، فإنه لكم في صورة العدو المبين، لكنه في الحقيقة يحشوكم إلى الرسوخ والتمكين، لأنه كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه، حتى يمكنكم من حضرته، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغُم قلوبكم، من مفارقة شهود الأحباب، والوقوف مِنْ وراء الباب، وأن تقولوا على الله ما ليس بحق ولا صواب، كثبوت السَّوي، أو الالتفات إلى الهوى. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع، وأبو عمر، وحمزة، وخلف، وأبو بكر إلا البرجمي، والبزي إلا ابن مرج والربيبي إلا الولي {خطوات} بسكون الطاء حيث وقع. والباقون بضمها. اللغة: الأكل: هو البلع عن مضغ، وبلع الحصا ليس بأكل في الحقيقة، وقد قيل: النعام يأكل الخمر، فأجروه مجرى فلان يأكل الطعام. ويقال: مضغه ولم يأكله. والحلال: هو الجائز من أفعال العباد، مأخوذ من أنه طلق، لم يعقد بحظر. والمباح هو الحلال بعينه، وليس كل حسن حلالا، لأن أفعاله تعالى حسنة ولا يقال: انها حلال؛ إذا لحلال اطلاق في الفعل لمن يجوز عليه المنع. وتقول: حل يحل حلالا، وحلّ يحل حلولا، وحل العقد حلا، وأحله إحلالا، واستحلّ استحلالا، وتحلل تحللا واحتل احتلا، وتحالوا تحالا، وحاله محالة، وحلله تحليلا، وانحل انحلالا، وحل العقد يحله حلا، وكل جامد أذبته فقد حللته، وحل بالمكان اذا نزل به، وحل الدين محلا، وأحل من إحرامه وحل، والحل: الحلال. ومن قرأ "يحلل" معناه ينزل ومن قرأ "يحل" معناه يجب، وحلت عليه العقوبة أي وجبت. والحلال الجدي الذي يشق عن بطن أمه، وتحلة اليمين، منه قول الشاعر: شعر : تحفي التراب بأضلاف ثمانية في أربع مسهن الأرض تحليل تفسير : أي هين. والحليل، والحليلة: الزوج والمرأة سميا بذلك، لأنهما يحلان في موضع واحد. والحلة: أزار، ورداء برد، وغيره. لا يقال حلة حتى يكون ثوبين. والاحليل مخرج اللبن من الضبي، والفرس، وخلف الناقة، وغيرها، وهو مخرج البول من الذكر. وأصل الباب: الحل نقيض العقد، ومنه أحل من إحرامه، لأنه حلّ عقد الاحرام بالخروج منه. وتحلة اليمين أخذ أقل القليل، لأن عقدة اليمين تنحل به. والطيب: هو الخالص من شائب ينغص، وهو على ثلاثة أقسام: الطيب المستلذ، والطيب الجائز، والطيب الطاهر، كقوله تعالى: {أية : فتيمموا صعيداً طيباً} تفسير : أي طاهراً. والاصل واحد، وهو المستلذ إلا أنه يوصف به الطاهر، والجائر تشبيهاً إذ ما يزجر عنه العقل أو الشرع، كالذي تكرهه النفس في الصرف عنه، وما تدعوا اليه بخلاف ذلك. وتقول: طاب طيباً، واستطاب استطابة، وطايبه مطايبة، وتطيب تطيباً، وتطيبه تطييباً، والطيب: الحلال والنضيف، والطهور، من الطيب. وأصل الباب: الطيب خلاف الخبيث. والخطوة: بعد ما بين قدمي الماشي. والخطوة المرة من الخطو: وهو نقل قدم الماشي. وتقول: خُطوة، وخَطوة واحدة. والاسم: الخطوة، وجمعها خطىً، وقوله تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي لا تتبعوا آثاره ولا تقتدوا به. وأصل الباب الخطو: نقل القدم قدماً. والعدو: المباعد عن الخير الى الشر. والولي نقيضه. المعنى: وإنما قال: {حلالا طيباً} فجمع الوصفين، لاختلاف الفائدتين: إذ وصفه بأنه حلال يفيد بأنه طلق. ووصفه بانه طيب مفيد أنه مستلذ إما في العاجل وإما في الآجل. و {خطوات الشيطان} ها هنا قيل فيه خمسة أقوال: فقال ابن عباس: أعماله. وقال مجاهد، وقتادة: خطاياه، وقال السدي: طاعتكم إياه. وقال الخليل: ايثاره. وقال قوم: هي النذور في المعاصي. وقال الجبائي: ما يتخطى بكم اليه بالأمر والترغيب. وروي أن هذه الآية نزلت، لما حرم أهل الجاهلية من ثقيف، وخزاعة، وبني مدلج من الانعام، والحرث: البحيرة والسائبة والوصيلة، فنهى الله تعالى عما كانوا يفعلونه، وأمر المؤمنين بخلافه. والاذن في الحلال يدل على حظر الحرام على اختلاف ضرور به، وأنواعه، فحملها على العموم أولى. والمآكل، والمنافع في الاصل للناس فيها ثلاثة أقوال: فقال قوم: هي على الحظر. وقال آخرون: هي على الاباحة. وقال قوم: هي على الوقف. وحكي الرماني: أن فيهم من قال: بعضها على الحظر، وبعضها على الاباحة. وقد بينا ما عندنا في ذلك في أصول الفقه إلا أن هذه الآية دالة على إباحة المآكل إلا ما دل الدليل على حظره. وقوله: {انه لكم عدو مبين} في وصف الشيطان معناه أنه مظهر العداوة بما يدعوا اليه من خلاف الطاعة لله التي فيها النجاة من الهلاك، والفوز بالجنة.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ} من انواع المأكول والمشروب ولا بأس بتعميم الاكل والآكل والمأكول فانّ القوى كلّها لها أكل ومأكول خاصّان بها، والمراد نفى البأس او ايجاب الاكل او استحبابه بحسب الاشخاص بالنّسبة الى الاكل بالفم وسماع الاصوات الحسنة والنّظر الى الامور المعجبة وشمّ الرّوائح الطيّبة ولمس الملموسات الشّهيّة وهو تعريض بمن يتحرّج عن اكل الطيّبات ولبس الملابس البهيّة وعن النّكاح وغيرها من حظوظ النّفس نعم صرف الهمّ اليها وجعلها غاية للخلقة او ترك اتّباع الخلفاء او اتّباع من لا يستأهل للاتّباع والعداوة مع من يستأهل للاتّباع كلّها حرام وكلّما فعل هذا التّارك للاتّباع كان حراماً، سواء اكل الجريش او الشّهىّ، وسواء لبس الخرق او الجميل، وسمع الصّوت المنكر او الحسن وهكذا لكن ليس الحرمة بحسب ظاهر الشّريعة، والتّابع للامام (ع) اذا وجد انّ ارتكاب شيءٍ من ملاذّ النّفس يقوّى دواعيه النّفسانيّة ويضعّف داعى العقل كان عليه الاجتناب منه وسنبيّن وجه اختلاف هذه الآية مع قوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 172] {حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} فى ترك الأكل والتحرّج بالطيّبات الّتى لم يحظرها الشّريعة او فى الاكل كما نبيّنه. بيان خطوات الشّيطان والخطوة اثر القدم او الفرجة بين القدمين والمراد بخطوات الشّيطان الخيالات والخطرات الفاسدة والاهوية الكاسدة الناشئة منها واتّباع خطواته فى المأكول تحصيله من غير وجهه وفى الاكل ان يؤكل المأكول حين كون الاكل تابعاً لائمّة الضّلالة او معانداً لائمّة الهدى او غافلاً عن الاتّباع لائمّة الهدى وائمّة الضّلالة او تابعاً لائمّة الهدى غافلاً عن التّبعيّة وعن ذكر الله آكلا لمحض تشهّى النّفس من غير ملاحظة أمرٍ من الله وقوّةٍ للبدن وابقاءٍ لمركب الرّوح للعبادة وبالجملة الآكل اذا كان مسلماً حقيقة او مؤمناً بالايمان الخاصّ وكان متذكّراً لله وآكلا لامره تعالى واباحته تعالى لتقوية ظهره وبقاء بدنه للعبادة وتفريح نفسه بسبب الوصول الى حظوظها وكان المأكول ممّا أباح الشّريعة كان أكله من غير اتّباع لخطوات الشّيطان، وان كان غير ذلك كان أكله باتّباع خطوات الشّيطان وكان غذاؤه مقوّياً للشّيطان المغوى ومضعّفاً للملك الزّاجر وقد ذكروا أنّ الاكل مع تشتّت البال يورث التفرقة فى الخاطر ومع جمعيّته يورث الاطمئنان وجمعيّة الخاطر، فاحذروا اخوانى من اتّباع خطوات الشّيطان فانّ اتّباعه يجعله متمكّناً منكم بحيث لا يمكنكم الفرار منه، وقد يؤوّل خطوات الشّيطان بأئمّة الضّلالة فانّهم المتحقّقون بخطوات الشّيطان كأنّه ليس فى وجودهم الاّ اثره {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر عداوته او مظهرٌ لعداوته على من كان له جهة الهيّة لا على غيره. اعلم انّ الشّيطان من عالم الظّلمة وأنّ الظّلمة ضدٌّ للنّور ومفنيةٌ له كما انّ النّور ضدٌّ لها ومفنيها وانّ الانسان ببدنه ونفسه واقعٌ بين عالمى النّور والظّلمة وقابل لتصرّفها وانّ كلّ شيءٍ يقتضى بالفطرة ان يصير مجاورة سنخه وانّ كلّ ذا شعورٍ يقتضى بفطرته السّعة والاحاطة بما يمكن له الاحاطة به ولهذا كان كلّ عاقلٍ يطلب الاحاطة العلميّة بما لم يعلمه وانّ اللّطيفة السيّارة الانسانيّة طليعة من عالم النّور تنزّلت منه وأشرقت على النّفس الحيوانيّة والانسانيّة وهذه الطّليعة ما دامت باقيةً لا يتيسّر للشّيطان التصرّف التامّ فى الانسان، واذا انطفت صار ملك الانسان ملكاً للشّيطان من غير معارضٍ، فاذا تحقّق ذلك علم انّ الشّيطان عداوته للانسان ذاتيّة ظاهرة على من كانت هذه اللّطيفة فيه باقية.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي ما يأمركم به الشيطان {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بَيِّن العداوة وقال بعضهم: خطوات الشيطان: ما حرَّم عليهم من الحرث والأنعام. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي ما لا تعلمون أنه الحق. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} أي: ما وجدنا عليه آباءنا، وهم مشركون بالله. قال الله: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}. وهذا على الاستفهام. أي: أيتبعونهم ولو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟ يُسفِّه بذلك عقول الأبناء إذا تبعوا الآباء، وهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون. قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فيما يدعوهم إليه النبي {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} أي مثلهم كمثل الراعي الذي يصيح بالبعير والشاة. وقال الحسن: كمثل الراعي الذي يصيح بالغنم فترفع رؤوسها لا تدري ما يقول. ثم تضع رؤوسها. قال: فكذلك هم إذا دعوا إلى الهدى. وقال مجاهد: هو دعاء النعق بآلهتهم. قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. قال: صمّ عن الحق. أي: عن الهدى فلا يسمعونه، وبكم عنه فلا ينطقون به وعمي عنه فلا يبصرونه. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يعني: بالطيبات الحلال. وذلك لما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام والحرث. مثل قوله: (أية : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا...) تفسير : إلى آخر الآية [الأنعام:136]. وهو كقوله: (أية : قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) تفسير : [يونس: 59]. فأمر الله المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم، وأخبرهم أنه {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} يعني ذبائح المشركين إلا من كان من أهل الكتاب؛ قال في سورة المائدة: (أية : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ) تفسير : [المائدة:5]. والطعام هاهنا هو الذبائح. قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} يأكل حتى يشبع ولا يتزوّد. وقال بعضهم: يأكل ما يزوّد به نفسه ولا يشبع. {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال بعضهم: غَيْرَ بَاغٍ: أي في أكله، وَلاَ عَادٍ: أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة قوتاً أو قوة. وقال الحسن: {غَيْرَ بَاغٍ}: يحمله على أكله ابتغاء الاثم على غير اضطرار منه إليه، {وَلاَ عَادٍ}، أي: لا متعد لما أحل الله له من ذلك عند الاضطرار منه إليه، فيحرمه وهو موضوع عنه. وقال مجاهد: غير باغ: يبغى على الناس، ولا عاد: يقطع عليهم الطريق. وكل ما تأوّلوه عليه يخرج صحيحاً. ذكروا عن سهل بن عبد الله بن عون قال: دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب كتبه سمرة لولده فإذا فيه: يجزى من الضرورة أو من الضارورة صبوح أو غبوق. ذكر الحسن حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله متى تحرم علي الميتة؟ قال:إذا رويت من اللبن وجاءت ميــرة أهلك . تفسير : ذكروا عن بعض السلف أن من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن الله يحب أن تُقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه.

اطفيش

تفسير : {يأيُّها الناسُ كلُوا مما فى الأرضِ حلالاً طيباً}: قيل نزلت فى قوم حرموا على أنفسهم الأطعمة اللذيذة والملابس الحسنة، وقيل: نزلت فى ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبنى مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبَحِيرة والسائمة والحام، ويؤيده قوله: {يأيها الناس} فإنه يقال فى مكة وهو المشهور. وأما تحريم الأطعمة واللباس فإنما هو المنهى عنه بقوله فى المائدة: {أية : يأيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تُحرِّموا طَيِّبات ما أَحلًَّ الله لكُم} تفسير : كما عبر فيه بقوله: {أية : يأيُّها الَّذين آمنُوا} تفسير : فإنه يقال فى المدينة والحلال المباح الذى أحلته الشريعة، وانحلت عنه عقدة التحريم، وأصله من الحل الذى هو نقيض العقد، والطيب ما يستلذ، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال، ويعاف الحرام، وذلك قول الشافعى، وذكره الفخر. وقال مالك: طيبا حلالا، فهو على تفسير الشافعى نعت مؤسس، وعلى تفسير مالك نعت مؤكد، وكان الشافعى يمنع أكل الحيوان القذر، وزعم أنهُ يجوز أن يكون طيبا: حالا من الواو فى كلوا، وأفرد لجواز أفراد فعيل مع الاثنين والجماعة، أى مستطيبين لهُ، أو طيبى الأنفس به مستلذين لهُ. وقول الشافعى أولى، لأن الحل أفاده قوله: {حلالا} فليك طيبا فى معنى آخر هو ما تستلذه الشهوة المستقيمة، والتأسيس أولى من التأكيد، وقيل الطيب هو الطاهر، لأن النجس تكرهه النفس وتعافه، ويحتمل أن يريد مالك أن طيبا بمعنى المبالغ فى الحل، فأفاد ما لم يفد قوله: {حلالا}، فليس نعت تأكيد عنده، بل نعت تأسيس كأنه قيل حلالا طاهراً من كل شبهة، وعلى هذا يكون أولى من قول الشافعى لما فيه من الزجر عن الشبهة، وأما ما تستلذه النفس فهو داخل فى عموم الحلال، وأما حلالا فمفعول كلوا ومن للابتداء متعلق بكلوا، أو بمحذوف حال من حلالا، ويجوز أن يكون حلالا نعت مصدر محذوف أى أكلا حلالا أو حالا من ما على أن من للتبعيض وأن مفعول كلوا محذوف أى شيئا مما فى الأرض. {ولا تتَّبعوا خُطُوات الشَّيْطان}: لا تتبعوا الشيطان فى تحليل الحرام وتحريم الحلال، ولا فى دخول الشبهة والحرام، ولو اعتقدتم تحريم الشبهة والحرام، والشيطان جنس الشياطين أو إبليس، لأنهُ الذى سن المعاصى التى تأمر بها الشياطين، وكلما عدا الشريعة والسنة فهو خطوات الشيطان من البدع والمعاصى. قال ابن عباس: خطواته أعماله، وقيل نذر المعصية، وقيل المحقرات من الذنوب، شبه دعاء الشيطان للمعاصى أو تزينه إياها بالمشى فى الأرض، ورمز إلى ذلك بخطوات، فإن الخطوة ما بين القدمين، ولا تتبعوا ترشيح أو شبه ذلك بالخطوة التى هى على المعنى المصدرى، وهو نقل القدم فى المشى على الاستعارة التصريحية، ولا تتبعوا ترشيح أيضا، وخطوات بضم الخاء فإسكان الطاء قراء نافع وأبى عمرو وحمزة، حيث وقع والمفرد خطوة بضم فإسكان كذلك، وقرأ قنبل وحفص وابن عامر والكسائى خطوات بضم الخاء والطاء حيث وقع تبعاً للخاء، وقيل هما لغتان فى جمع خطوة، ويجمع بأن الاتباع لغة، وقرئ خطوات بفتح الخاء والطاء، وقرئ خطوات بفتح الخاء وإسكان الطاء لغتان لغة اتباع، ولغة ترك الاتباع والمفرد عليهما خطوة بفتح الخاء وإسكان الطاء، وهو مصدر يدل على المرة، وقرئ خطوات بضم الخاء والطاء، وهمز الواو كما تهمز الواو المضمومة تنزيلا للضم قبلها منزلة للضم عليها، كما سهل لا تواخذنا وهى ما بين القدمين أو هى من خطأ بمعنى جاوز بالهمز. {إنَّهُ لكُم عَدوٌّ مُبين}: ظاهر العداوة لكل أحد، لأن المؤمنين والكافرين جميعاً قد جربوا عليه الغرور فى بعض الأشياء الدنيوية، فليحمل الباقى على أنه غرور منه، ولأن المؤمنين قد جربوا عليه الغرور فى أمر الدين، ولأن الله، جل وعلا، قد أظهر عداوته لكل أحد بإبائه من السجود لآدم وإخراجه من الجنة، أو ظاهر العداوة عند ذوى البصائر، ولو كان يظهر الموالات لم يغويه كما سماه وليَّا لهم فى مثله قوله: {أولياؤهم الطاغوت}، أو مظهر لعداوته، لأنه ولو كان يظهر أنه ولى لهم ولكل من يريد غروره لكن وساوسه ظاهرة، فإذا فعلها فقد أظهر العداوة لظهور أنها مضرة، ألا تراه يوسوس للناس بما قد علموا أنه مضرة لهم، وبما قد تضرروا به قبل ذلك، والعدو يطلق على الواحد والاثنين والجماعة.

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَٰلاً} غير محرم كمغصوب، ومسروق، وخمر، وميتة، وما أخذ فى قمار. أو زنا، أو كهانة أو فى معصية ونحو ذلك من المحرمات {طَيِّباً} نعت مؤكد، لأن الحلال، مستلذا أو غير مستلذ. فالآية نزلت ردا على من حرم البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامى، من المشركين، وعلى قوم من ثقيف، ومن بنى عامر بن صعصعة وخزاعة، وبنى مدلج، إذ حرموا على أنفسهم التمر والأقط، ويضعف لقوله تعالى: "أية : وَأَن تَقُولُواْ" تفسير : [البقرة: 169] الخ أن يكون ذلك ردا على من عزم من المسلمين، على أن لا يأكل لذيذا، أو لا يلبس لباسا رفيعا، وعلى عبدالله بن سلام وأضرابه حين أراد تحريم لحم البعير كما فى دين اليهود قبل أن يسلم، وإن كان بعد الإسلام فنزلت تاب منها، كما استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى ليلا النفل بالتوراة، فزجره فازدجر، ونزل أيضاً فى تحريم اللذائذ قوله تعالى، "أية : يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكُم"تفسير : [المائدة: 87]، "أية : وَالطَّيِّبَٰتِ مِنَ الرِّزْقِ"تفسير : [الأعراف: 32]، وسمى الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه، والأمر للإباحة، أى أبحث لكم السائبة ونحوها واللذائذ، ولم أحرمها عليكم قط، ولن أحرمها أبداً، أو للوجوب على معنى اعتقدوا حل أكل ما لم يحرمه الله، ويجب الأك لقوام الجسد، ويستحب ولو فوق الشبع إذا كان مؤانسة للضيف، أو لعقا للقصعة، أو للأَصابع، أو أكلا لما يسقط من الطعام، وكذا الشرب من زمزم فوق الرى مستحب، وقد استدل بعض بالآية على تحريم الأكل فوق الشبع، لأنه ليس طيبا فى الشهوة المستقيمة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيَطَٰنِ} طرقه من تحريم السائبة واللذيذ ونحوهما، لما كان يأمر بها، جعلت كأنها طرق يمشى فيها، ولما كانت الطرق محلا للخطو سميت باسم الخطوات. أو لما كان الأمر بتلك المحرمات أمراً بالكون عليها، الشبيه باخلطو، أطلق على الذى يأمر به وهو الشيطان أنه يمشى فيها {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ظاهر العدواة لأهل البصائر وأما الغواة فهو وليهم يتبعونه، ولو ظهرت لهم منه مضرة، كقوله تعالى "أية : أولياؤهم الطاغوت" تفسير : [البقرة: 257] وقيل أولياؤهم أعداء كما يقال تحيتهم ضرب وجيع وتحيتهم السيف، والجملة تعليل فلا يليق جعله من أبان بمعنى أظهر.

الالوسي

تفسير : {يـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلَـٰلاً} نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ـ كما ذكره ابن جرير وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وقيل: في عبد الله بن سلام وأضرابه حيث حرموا على أنفسهم لحم الإبل لما كان حراماً في دين اليهود، وقيل: في قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حيث حرموا التمر والأقط على أنفسهم، و {حَلَـٰلاً} إما مفعول {كُلُواْ} أو حال من الموصول ـ أي كلوه حال كونه حلالاً ـ أو صفة لمصدر مؤكد أي أكلاً حلالاً، و (من) على التقديرين الأخيرين للتبعيض ليكون مفعولاً به ـ لكلوا ـ وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ابتدائية متعلقة ـ بكلوا ـ أو حالاً من {حَلَـٰلاً} وقدم عليه لتنكيره، وأن تكون ابتدائية بل هي متعينة كما في «الكشف» على مذهب من جعل الأصل في الأشياء الإباحة، وأن تكون تبعيضية بناءاً على ما ارتضاه الرضي من أن التبعيضية في الأصل ابتدائية إلا أنه يكون هناك شيء ظاهر أو مقدر هو بعض المجرور ـ بمن ـ ولا يلزم صحة إقامة لفظ البعض مقامها، والعلامة التفتازاني منع كونها تبعيضية على هذا التقدير لأنها في موقع المفعول به حينئذٍ، والفعل لا ينصب مفعولين، وهو مبني ـ على ما في «التسهيل» وغيره ـ أن التبعيض معنى حقيقي ـ لمن ـ وعلامته صحة إقامة لفظ البعض مقامها، والأمر للوجوب فيما إذا كان الأكل لقوام البنية وللندب كما إذا كان لمؤانسة الضيف وللإباحة فيما عدا ذلك ومناسبة الآية لما قبلها: أنه سبحانه لما بين التوحيد ودلائله وما للتائبين والعاصين أتبع ذلك بذكر إنعامه وشمول رحمته ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الإنعام. وقوله تعالى: {طَيّباً} صفة {حَلَـٰلاً} ومعناه كما قال الإمام مالك ما يجده فم الشرع لذيذاً لا يعافه ولا يكرهه، أو تراه عينه طاهراً عن دنس الشبهة، وفائدة وصف الحلال به تعميم الحكم كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الأنعام: 38] ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات، فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم بخلاف غير الموصوفة، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: المراد به ما تستطيبه الشهوة المستقيمة الناشئة من المزاج الصحيح، ورد بأن ما لا تستطيبه إما حلال لا شبهة فيه فلا منع وإلا خرج بقيد الحلال، وأجيب بأن المراد بالحلال ما نص الشارع على حله ـ وبهذا ما لم يرد فيه نص ـ ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم، ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كإسكار وضررٍ، والأولى نظراً للمقام أن يقال إن التقييد ليس للاحتراز عما تستطيبه الشهوة الفاسدة بل لكونه معتبراً في مفهومه إذ لا يقال الطيب واللذيذ إلا على ما تستلذه الشهوة المستقيمة وتكون فائدة التوصيف حينئذٍ التنصيص على إباحة ما حرموه، والقول بأن في الآية على هذا التفسير إشارة إلى النهي عن الأكل على امتلاء المعدة والشهوة الكاذبة لأن ذلك لا يستطيب، لا يستطيب لأن الطعام اللذيذ المأكول كذلك مما تستطيبه الشهوة إلا أنه ليس مأكولاً بالشهوة المستقيمة، وبين المعنيين بعد بعيد كما قاله بعض المحققين ـ واستدل بعضهم بالآية/ على أن من حرم طعاماً مثلاً فهو لاغ ولا يحرم عليه، وفيه خفاء لا يخفى. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي آثاره ـ كما حكي عن الخليل ـ أو أعماله ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ أو خطاياه ـ كما نقل عن مجاهد ـ وحاصل المعنى لا تعتقدوا به وتستنوا بسنته فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام، وعن الصادق من خطوات الشيطان الحلف بالطلاق والنذور في المعاصي وكل يمين بغير الله تعالى، وقرأ نافع. وأبو عمرو وحمزة بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة وهي ما بين قدمي الماشي، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه بضمتين وهمزة، وفي توجيهها وجهان، الأول: ما قيل: إن الهمزة أصلية من الخطأ بمعنى الخطيئة، والثاني: إن الواو قلبت همزة لأن الواو المضمومة تقلب لها نحو ـ أجوه ـ وهذه لما جاورت الضمة جعلت كأنها عليها قال الزجاج: وهذا جائز في العربية، وعن أبـي السمال أنه قرأ بفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليل للنهي، و {مُّبِينٌ} من أَبانَ بمعنى بان وظهر أي ظاهر ـ العداوة ـ عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه ولذلك سمي ولياً في قوله تعالى: {أية : أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ }تفسير : [البقرة: 257] ويحتمل أن يكون ذلك من باب تحيتهم السيف، وقيل: ـ أبان ـ بمعنى أظهر أي مظهر ـ العداوة ـ والأول أليق بمقام التعليل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي هو كالخاتمة لتشويه أحوال أهل الشرك من أصول دينهم وفروعه التي ابتدأ الكلام فيها من قوله تعالى: { أية : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة } تفسير : [البقرة: 161] الآية، إذْ ذَكر كفرهم إجمالاً ثم أبطله بقوله: { أية : وإلٰهكم إلٰه واحد } تفسير : [البقرة: 163] واستدل على إبطاله بقوله: { أية : إن في خلق السموات والأرض } تفسير : [البقرة: 164] الآيات ثم وصف كفرهم بقوله: { أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله } تفسير : [البقرة: 165]، ووصف حالهم وحسرتهم يوم القيامة، فوصف هنا بعض مساوىء دين أهل الشرك فيما حرموا على أنفسهم مما أخرج الله لهم من الأرض، وناسب ذكره هنا أنه وقع بعد ما تضمنه الاستدلال على وحدانية الله والامتنان عليهم بنعمته بقوله: { أية : إن في خلق السموات والأرض}تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله: {أية : وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابةٍ } تفسير : [البقرة: 164] الآية، وهو تمهيد وتلخيص لما يعقبه من ذكر شرائع الإسلام في الأطعمة وغيرها التي ستأتي من قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } تفسير : [البقرة: 172]. فالخطاب بيأيها الناس موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن بيأيها الناس. والأمر في قوله: {كلوا مما في الأرض} مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإِباحة، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله: {كلوا} تمهيد لقوله بعده {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}. وقوله: {حلالاً طيباً} تعريض بتحميقهم فيما أعنتوا به أنفسهم فحرَموها من نعم طيبة افتراء على الله، وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإِسلام وتعليم للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحِل والتحريم. والمقصود إبطال ما اختلقوه من منع أكل البَحِيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وما حكى الله عنهم في سورة الأنعام من قوله: { أية : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم } تفسير : [الأنعام: 138] الآيات. قيل نزلت في ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حرَّموا على أنفسهم من الأنعام أي مما ذكر في سورة الأنعام. ومِن في قوله: {مما في الأرض} للتبعيض، فالتبعيض راجع إلى كون المأكول بعضاً من كل نوع وليس راجعاً إلى كون المأكول أنواعاً دون أنواع، لأنه يفوت غرض الآية، فما في الأرض عام خصصه الوصف بقوله: {حلالاً طيباً} فخرجت المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة. وقوله: {حلالاً طيباً} حالان من (ما) الموصولة، أولهما لبيان الحكم الشرعي والثاني لبيان علته لأن الطيب من شأنه أن تقصده النفوس للانتفاع به فإذا ثبت الطيب ثبتت الحلِّية لأن الله رفيق بعباده لم يمنعهم مما فيه نفعهم الخالص أو الراجح. والمراد بالطيب هنا ما تستطيبه النفوس بالإدراك المستقيم السليم من الشذوذ وهي النفوس التي تشتهي الملائم الكامل أو الراجح بحيث لا يعود تناوله بضر جثماني أو روحاني وسيأتي معنى الطيب لغة عند قوله تعالى: { أية : قل أحل لكم الطيبات } تفسير : [المائدة: 4] في سورة المائدة. وفي هذا الوصف معنى عظيم من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام فلذلك قال علماؤنا: إن حكم الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء أن أصل المضار منها التحريم وأصل المنافع الحل، وهذا بالنظر إلى ذات الشيء بقطع النظر عن عوارضه كتعلق حق الغير به الموجب تحريمه، إذ التحريم حينئذٍ حكم للعارض لا للمعروض. وقد فسر الطيب هنا بما يبيحه الشرع وهو بعيد لأنه يفضي إلى التكرار، ولأنه يقتضي استعمال لفظ في معنى غير متعارف عندهم. وقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} الضمير للناس لا محالة وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دوماً، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير والموعظة. واتباع الخطوات تمثيلية، أصلها أن السائر إذا رأى آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علماً منه بأنه ما سار فيه السائر قبله إلاّ لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدي به وهو يظن مسلكه موصلاً، بالذي يتبع خطوات السائرين وشاعت هاته التمثيلية حتى صاروا يقولون هو يتبع خُطا فلان بمعنى يقتدي به ويمتثل له. والخطوات بضم فسكون جمع خطوة ـــ مثل الغرفة والقبضة بضم أولهما بمعنى المخطو ـــ والمغروف والمقبوض، فهي بمعنى مخطوة اسم لمسافة ما بين القدمين عند مشي الماشي فهو يخطوها، وأما الخَطوة بفتح الخاء فهي المرة من مصدر الخطو وتطلق على المخطو من إطلاق المصدر على المفعول. وقرأ الجمهور (خطوات) بضم فسكون على أصل جمع السلامة، وقرأه ابن عامر وقنبل عن ابن كثير وحفصٌ عن عاصم بضم الخاء والطاء على الإتباع، والإتباع يساوي السكون في الخفة على اللسان. والاقتداء بالشيطان إرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر الشرية، فإن الشياطين موجودات مدركة لها اتصال بالنفوس البشرية لعله كاتصال الجاذبية بالأفلاك والمغناطيس بالحديد، فإذا حصل التوجه من أحدهما إلى الآخر بأسباب غير معلومة حدثت في النفس خواطر سيئة، فإن أرسل المكلف نفسه لاتباعها ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة حققها في فاعله، وإن كبحها وصدها عن ذلك غلبها. ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة والقدرة وكمَّل لنا ذلك بالهدى الديني عوناً وعصمة عن تلبيتها لئلا تضلنا الخواطر الشيطانية حتى نرى حسناً ما ليس بالحسن، ولهذا جاء في الحديث « حديث : من هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة » تفسير : لأنه لما هم بها فذلك حين تسلطت عليه القوة الشيطانية ولما عدل عنها فذلك حين غلب الإرادة الخيرية عليها، ومثل هذا يقال في الخواطر الخيرية وهي الناشئة عن التوجهات الملكية، فإذا تنازع الداعيان في نفوسنا احتجنا في التغلب إلى الاستعانة بعقولنا وآرائنا وقدرتنا، وهُدى الله تعالى إيانا وذلك هو المعبر عنه عند الأشعري بالكسب، وعنه يترتب الثواب والعقاب. واللام في {الشيطان} للجنس، ويجوز أن تكون للعهد، ويكون المراد إبليسَ وهو أصل الشياطين وآمرهم فكل ما ينشأ من وسوسة الشياطين فهو راجع إليه لأنه الذي خطا الخطوات الأولى. وقوله: {إنه لكم عدوٌ مبين}، (إنَّ) لمجرد الاهتمام بالخبر لأن العداوة بين الشيطان والناس معلومة متقررة عند المؤمنين والمشركين وقد كانوا في الحج يرمون الجمار ويعتقدون أنهم يرجمون الشيطان، أو تجعل (إن) للتأكيد بتنزيل غير المتردد في الحكم منزلة المتردد أو المنكِر لأنهم لاتباعهم الإشارات الشيطانية بمنزلة من ينكر عداوته كما قال عبدة: شعر : إن الذين تُرونهم إخوانَكم يشفى غليل صدورهم أن تُصرعوا تفسير : وأياً ما كان فإن تفيد معنى التعليل والربط في مثل هذا وتغني غناء الفاء وهو شأنها بعد الأمر والنهي على ما في «دلائل الإعجاز» ومثله قول بشار: شعر : بكِّرا صَاحِبَيَّ قبلَ الهجير إنَّ ذاك النجاحَ في التبكير تفسير : وقد تقدم ذلك. وإنما كان عدواً لأن عنصر خلقته مخالف لعنصر خلقة الإنسان فاتصاله بالإنسان يؤثر خلاف ما يلائمه، وقد كثر في القرآن تمثيل الشيطان في صورة العدو المتربص بنا الدوائر لإثارة داعية مخالفته في نفوسنا كي لا نغتر حين نجد الخواطر الشريرة في أنفسنا فنظنها ما نشأت فينا إلاّ وهي نافعة لنا لأنها تولدت من نفوسنا، ولأجل هذا أيضاً صورت لنا النفس في صورة العدو في مثل هاته الأحوال. ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يُظهر لنا العداوة بل يلبس لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم، ولذلك سماه الله وليّاً فقال: { أية : ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً } تفسير : [النساء: 119]، إلاّ أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال اتِّباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلاّ أنه تغلبه شهوته وضعف عزيمته ورقة ديانته. وقوله: {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء} استئناف بياني لقوله: {إنه لكم عدو مبين} فيئول إلى كونه علة للعلة إذ يسأل السامع عن ثبوت العداوة مع عدم سبق المعرفة ومع بُعد ما بيننا وبينه فقيل {إنما يأمركم} أي لأنه لا يأمركم إلاّ بالسوء الخ أي يحسِّن لكم ما فيه مضرتكم لأن عداوته أمر خفي عرفناه من آثار أفعاله. والأمر في الآية مجاز عن الوسوسة والتزيين إذ لا يسمع أحد صيغ أمرٍ من الشيطان. ولك أن تجعل جملة: {إنما يأمركم} تمثيلية بتشبيه حاله وحالهم في التسويل والوسوسة وفي تلقيهم ما يوسوس لهم بحال الآمِر والمأمور ويكون لفظ يأمر مستعملاً في حقيقته مفيداً مع ذلك الرمزَ إلى أنهم لا إرادة لهم ولا يملكون أمر أنفسهم وفي هذا زيادة تشنيع لحالهم وإثارة للعداوة بين الشيطان وبينهم. والسوء الضُّرّ من ساءه سَوْءاً، فالمصدر بفتح السين وأما السُّوء بضم السين فاسم للمصدر. والفحشاء اسم مشتق من فحُش إذا تجاوز الحد المعروف في فعله أو قوله واختص في كلام العرب بما تجاوز حد الآداب وعظُم إنكاره، لأن وساوس النفس تئول إلى مضرة كشرب الخمر والقتل المفضي للثأر أو إلى سَوْأَة وعار كالزنا والكذب، فالعطف هنا عطف لمتغايرين بالمفهوم والذات لا محالة بشهادة اللغة وإن كانا متحدين في الحكم الشرعي لدخول كليهما تحت وصف الحرام أو الكبيرة وأما تصادقهما معاً في بعض الذنوب كالسرقة فلا التفات إليه كسائر الكليات المتصادقة. وقوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} يشير إلى ما اختلقه المشركون وأهلُ الضلال من رسوم العبادات ونسبة أشياء لدين الله ما أَمَر الله بها. وخصه بالعطف مع أنه بعض السوء والفحشاء لاشتماله على أكبر الكبائر وهو الشرك والافتراء على الله. ومفعولُ {تعلمون} محذوف وهو ضمير عائد إلى (ما) وهو رابط الصلة، ومعنى {ما لا تعلمون} لا تعلمون أنه من عند الله بقرينة قوله: {على الله} أي لا تعلمون أنه يرضيه ويأمر به، وطريق معرفة رضا الله وأمرِه هو الرجوع إلى الوحي وإلى ما يتفرع عنه من القياس وأدلة الشريعة المستقرَاةِ من أدلتها، ولذلك قال الأصوليون: يجوز للمجتهد أن يقول فيما أداه إليه اجتهاده بطريق القياس: إنه دينُ الله ولا يجوز أن يقول قاله الله، لأن المجتهد قد حصلت له مقدمة قطعية مستقرَاةٌ من الشريعة انعقد الإِجماع عليها وهي وجوب عمله بما أداه إليه اجتهاده بأن يعمل به في الفتوى والقضاء وخاصةِ نفسه فهو إذا أفتى به وأخبر فقد قال على الله ما يعلم أنه يُرضي الله تعالى بحسب ما كُلف به من الظن.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ}. لم يذكر هنا ما يترتب على خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة النور بقوله: {أية : وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَر} تفسير : [النور: 21] الآية.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} نزلت هذه الآية في الذين حرَّموا على أنفسهم السَّوائب والوصائل والبحائر، فأَعلمَ الله سبحانه أنَّها يَحلُّ أكْلُها، وأنَّ تحريمها من عمل الشَّيطان، فقال: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أَيْ: سُبله وطرقه، ثمَّ بيَّن عداوة الشَّيطان، فقال: {إنما يأمركم بالسوء} بالمعاصي {والفحشاء} البخل، وقيل: كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من تحريم الأنعام والحرث. {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء الذين حرَّموا من الحرث والأنعام أشياء {اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا} ما وجدنا {عليه آباءنا} فقال الله تعالى مُنكراً عليهم: {أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} يتَّبعونهم؟ والمعنى: أيتَّبعون آبائهم وإنْ كانوا جهَّالاً؟! ثمَّ ضرب للكفَّار مثلاً، فقال: {ومثل الذين كفروا} في وعظهم ودعائهم إلى الله عزَّ وجلَّ {كمثل} الرَّاعي {الذي ينعق} يصيح بالغنم وهي لا تعقل شيئاً، ومعنى يَنْعِق: يصيح، وأراد {بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً} البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الرَّاعي، إنَّما تسمع صوتاً لا تدري ما تحته، كذلك الذين كفروا يسمعون كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم كالغنم؛ إذ كانوا لا يستعملون ما أمرهم به، ومضى تفسير قوله: {صم بكم عمي} ، ثمَّ ذكر أنَّ ما حرَّمه المشركون حلالٌ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الحلال: ما انحلت عقدة الحظر عنه وهو ما أذن الله تعالى فيه. الطيب: ما كان طاهراً غير نجس، ولا مستقذر تعافه النفوس. خطوات الشيطان الخطوات جمع خطوة وهي المسافة بين قدمي الماشي والمراد بها هنا مسالك الشيطان وطرقه المفضية بالعبد إلى تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم. عدو مبين: عداوته بينة وكيف وهو الذي أخرج أبوينا آدم وحواء من الجنة وأكثر الشرور والمفاسد في الدنيا إنما هي بوسواسه وإغوائه. السوء: كل ما يسوء النفس ويصيبها بالحزن والغم ويدخل فيها سائر الذنوب. الفحشاء: كل خصلة قبيحة كالزنا واللواط والبخل وسائر المعاصي ذات القبح الشديد. ألفينا: وجدنا. معنى الآيات: بعد ذلك العرض لأحوال أهل الشرك والمعاصي والنهاية المرة التي انتهوا إليها وهي الخلود في عذاب النار نادى الرب ذو الرحمة الواسعة البشرية جمعاء {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ}، وهو عطاؤه وإفضاله، حلالاً طيباً حيث أذن لهم فيه، وأما ما لم يأذن لهم فيه فإنه لا خير لهم في أكله لما فيه من الأذى لأبدانهم وأرواحهم معاً، ثم نهاهم عن اتباع آثار عدوه وعدوهم فإنهم إن اتبعوا خطواته قادهم إلى حيث شقاؤهم وهلاكهم، وأعلمهم وهو ربهم أن الشيطان لا يأمرهم إلا بما يضر أبدانهم وأرواحهم والسوء وهو كل ما يسوء النفس والفحشاء وهي أقبح الأفعال وأردى الأخلاق وأفظع من ذلك أن يأمرهم بأن يكذبوا على الله فيقولوا عليه مالا يعلمون فيحرمون ويحللون ويشرعون باسم الله، والله في ذلك بريء وهذه قاصمة الظهر والعياذ بالله تعالى، حتى إذا أعرضوا عن إرشاد ربهم واتبعوا خطوات الشيطان عدوهم ففعلوا السوء وارتكبوا الفواحش وحللوا وحرموا وشرعوا ما لم يأذن به الله ربهم، وقال لهم رسول الله اتبعوا ما أنزل الله قالوا لا، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، يا سبحان الله يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان باطلاً، وضلالاً، أيقلدون أباءهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من أمور الشرع والدين، ولا يهتدون إلى ما فيه الصلاح والخير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب طلب الحلال والاقتصار على العيش منه ولو كان ضيقاً قليلاً. 2- الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله تعالى فلا يستقل العقل بشيء من ذلك. 3- حرمة اتباع مسالك الشيطان وهي كل معتقد أو قول أو عمل نهى الله تعالى عنه. 4- وجوب الابتعاد عن كل سوء وفحش لأنهما مما يأمر بهما الشيطان. 5- حرمة تقليد من لا علم له ولا بصيرة في الدين. 6- جواز اتباع أهل العلم والأخذ بأقوالهم وآرائهم المستقاة من الوحي الإِلهي الكتاب والسنة.

القطان

تفسير : خطوات الشيطان: آثاره وطرقه. السوء. الاثم. ما يسوء وقوعه أو عاقبته. الفحشاء: كل ما يَفحُش قبحه في أعين الناس. الفينا: وجدنا. هذا نداء للناس جميعاً يدعوهم الله فيه فيقول: كلوا مما أحللتُ من الاطعمة على لسان رسولي اليكم، وهو كل طعام ما لم يكن ميتة أو دماً مسفوحا أو لحم خنزير او ما أُهلّ به لغير الله. ما عدا هذا فهو حلال لكم. دعُوا طرائق الشيطان ومسالكه فانه عدو لكم، فهو منشأ الخواطر الرديئة، والمحرض على ارتكاب الجرائم والآثام. ثم بين كيفية عداوته وفنون شره وافساده: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ} فهو يزين لكم ما هو سيء في ذاته، وتسلط عليكم كأنه آمر مطاع يدفعكم لأن تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم ويخرب عليكم آخرتكم. وهو يأمركم ان تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون، فتحرّمون ما أباح الله، وتحللون ما حرّم. وفي ذلك كله اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا اقبح ما يأمر به الشيطان. واذا قيل لهؤلاء الذين اتبعوا خطوات الشيطان وتمسكوا بما توارثوا عن آبائهم في العقيدة والعمل: يا هؤلاء، اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي الصادق، وما فيه من هدى ونور مبين، قالوا: لا نعدل عما وجدنا عليه آباءنا. وهكذا تجدهم قد أبطلوا فضل ما خصّ الله به الانسان من الفكر. ذلك ان الله ميز الانسان بالعقل ليعرف الحق من الباطل في الاعتقاد، والصدق من الكذب في الأقوال، والجميل من القبيح في الأفعال. فلما حث الناسَ على تناول الحلال الطيب ونهاهم عن متابعة الشيطان، وجانبَ الكفار الرشاد باتباعهم الآباء والأجداد قال: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} وهذا منتهى الذم والتوبيخ، فكيف يتبعون ما أَلْفوا عليه آباءهم وهم لا يعقلون!! القراءات: قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر "خطوات" بتسكين الطاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {حَلاَلاً} {خُطُوَاتِ} {ٱلشَّيْطَانِ} (168) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى جَدُّهُ عَلَى النَّاسِ بِمَا أَبَاحَ لَهُمْ مِنَ الأَكلِ مِمَّا فِي الأَرْضِ مِنْ أَصْنَافِ المَأْكُولاَتِ حَلاَلاً طَيِّباً، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ سِيرَةِ الشَّيطَانِ فِي الإِغْوَاءِ وَالإِضْلاَلِ، وَالوَسْوَسَةِ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ، وَعَنِ اتِّبَاعِ مَسْلَكِهِ وَطَرَائِقِهِ فِيمَا أَضَلَّ بِهِ أَتْبَاعَهُ مِنْ تَحْرِيمِ البَحَائِرِ وَالسَّوائِبِ وَالوَصَائِلِ وَغَيرِهَا مِمَّا كَانَ زَيَّنَهُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، لأَنَّ الشَّيطَانَ عَدُوٌّ مُبِينُ العَدَاوَةِ للإِنْسَانِ. خُطُواتِ الشَّيطَانِ - طُرُقَهُ وَأَسَالِيبَهُ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: {كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ} دخل للتبعيض لانّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكلّه أو يحلّ أكلّه {حَلاَلاً طَيِّباً} طاهراً وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالاً طيّباً كما في الأرض. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خطوات: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خطوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لانّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضاً. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خطوات الشيطان: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازماً ومتعدياً، ثمّ بيّن عداوته فقال {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ}: يعني الأثمّ، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه يسوءه سوءاً ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الملك: 27]. قال الشاعر: شعر : إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد لذلك صبرُ ولذا شكرُ تفسير : {وَٱلْفَحْشَآءِ} يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتاً لا فعل لهُ كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة: شعر : لا يضمر للحشا تحت ثيابه خُلق شمائله عفيف المبرر تفسير : واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدُّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاووس: عنه فهو ما لا يُعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلاّ قوله {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [البقرة: 268] فإنّه منع الزّكاة. {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من تحريم الحرث والأنعام. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: {لَهُمُ} كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام ورغبّهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} فهم كانوا خيراً واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: فإذا قيل لهم إتبّعوا ما أنزل الله يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالوا: بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا من عبادة الأصنام. فقال الله {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} من التوحيد ومعرفه الرحمن {وَلاَ يَهْتَدُونَ} للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً} تفسير : [البقرة: 165] وقال الآخرون: إذا قيل لهم إتبّعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا} وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} [البقرة: 168]. ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} تفسير : [يونس: 22] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} فهو أولى أن يكون خبراً عنهم من أن يكون خبراً عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ} تفسير : [الأعلى: 16] و {أية : هَلْ تَعْلَمُ} تفسير : [مريم: 65] والثاء كقوله {أية : هَلْ ثُوِّبَ} تفسير : [المطففين: 36]، والسين في قوله {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ} تفسير : [يوسف: 18]، والزاي كقوله {أية : بَلْ زُيِّنَ} تفسير : [الرعد: 33]، والضاد كقوله {أية : بَلْ ضَلُّواْ} تفسير : [الأحقاف: 28]، والظاء كقوله {أية : بَلْ ظَنَنْتُمْ} تفسير : [الفتح: 12] والطاء كقوله {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 155]، والنون نحو قوله {أية : بَلْ نَحْنُ} تفسير : [الواقعة: 67] [القلم: 27]، {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتاً، وسائر اللاّمات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} واو العطف، ويُقال أيضاً واو التعجب دخلت عليها ألف الإستفهام للتوبيخ والتقرير؛ فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالاً، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدُّنيا [ومعناه] لا يعقلون شيئاً من أمر الدّين ولا يهتدون. ثمّ ضرب لهم مثلاً فقال عزّ من قائل {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بما لا يسمع إلاّ دعاء مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. {كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ} فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] قال الشاعر: شعر : حسبت بغام راحلتي عناقاً وما هي وثبت غيركُ بالعناق تفسير : يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: شعر : ولستُ مسلماً ما دمت حياً على زيد كتسليم الأمير تفسير : أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يُقال: ينعق نعيقاً ونُعاقاً ونعقاً إذا صاح وزجر، قال الأخطل: شعر : فانعق بضأنك يا جرير فإنّما منّتك نفسك في الخلاء ضلالا تفسير : فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يُقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّهُ يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدُّعاء ولا تعقل منه شيئاً. ثمَّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يُراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنهّي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أُمر به ونُهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ {أية : لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} تفسير : [القصص: 76] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: شعر : وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي على وعِل في ذي المطارة عاقل تفسير : والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: شعر : كانت فريضة ما تقول كما إنّ الزنّى فريضة الرّجم تفسير : والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: شعر : إن سّراجاً لكريم مفخره تُجلى به العين إذا ما تجمره تفسير : والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرُّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه؛ فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دُعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلاّ العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ} تفسير : [فاطر: 14]. فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع منه إلاّ دعاء ونداء. ثمّ قال {صُمٌّ} أي هم صمُّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: شعر : أصم عما يساء سميعُ تفسير : {بُكْمٌ} عن الخير فلا يقولونه. {عُمْيٌ} عن الهدي فلا يبصرونه. {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ} من حلالات. {مَا رَزَقْنَاكُمْ} من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّه قال: "حديث : إنّ الله طيب لا يقبل إلاّ الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51] وقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمهُ حرام ومشربه حرام وملبسهُ حرام وغُذي في حرام فأنّى يستجاب له ". تفسير : {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} على نعمته. {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري ". تفسير : ثمّ بيّن ما حُرّم عليكم فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إنّما حرم خفيفة الرّاء مضمومة. {ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} رفعاً على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرّم بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حرَّم بنصب الحاء والرّاء مشدّداً ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصباً بإسم إنّ وما بعدها رفعاً على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} تفسير : [طه: 69]. وقرأ الباقون: حرّم عليكم الميتة نصباً على إيقاع الفعل وجعلوا إنّما كلمة واحدة تأكيداً وتحقيقاً. وقرأ أبو جعفر: الميتة (وأخواتها) بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخففّوا بعضاً وشدّدوا بعضاً فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياءاً مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهيْن، وليّن ولين. قال الشاعر: شعر : ليس من مات واستراح بميّت إنّما الميت ميّت الأحياء تفسير : فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحوييّن وقال: إنّ الميْت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]: لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: {أية : أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال ». تفسير : وقوله {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} أي ماذُبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتلّبية. قال ابن أحمر: شعر : نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها كما يهلّ الراكب المعتمر تفسير : وقال آخر: شعر : أو درّة صدفية غواصها يهيج متى يرها تهلّ وتسجد تفسير : ومنه (أهل) الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أُمّه، وفي الحديث: «حديث : كيف آذي من لانطق ولا استهلّ ولاشرب ولا أكل» تفسير : فمثل ذلك يُطل، ومثل أهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: شعر : ظلم البطاح له انهلال حريصة فصفا النّطاف له بُعيد المقلع تفسير : وانّما قال: وما أهلّ به لانهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم التّي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أولم يسمّ جهر الصّوت أو لم يجهر مُهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وما أهلّ به لغير الله ماذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الاهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 5]. وروى حيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الاشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ماذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال حيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فمن أضطرّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أن اقتلوا أو اخرجوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكنّوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن إضطر بادغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الاصل ومعناه أُحرج وأُجهد وأُلجيء إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدّو فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. {غَيْرَ} نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلاّ فهي حال وإذا صلح في موضعها إلاّ، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. {بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغياً إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} تفسير : [النور: 33] والزّانية بغي. قال الله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 28]. وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدواً وعدوّاً وعدواناً وعِداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} فقال بعضهم: غير باغ: أي غير قاطع للطّريق، ولا عاد: مفّرق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصياً بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له اكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعاً ومباحاً له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا ابحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولايستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصياً. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذه التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غير باغ: يأكله من غير اضطرار، ولا عاد: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غير باغ: أي مستحل لها، ولاعاد: متزود منها. السّدي: غير باغ في أكله شهوة فيأكلها مُلذذاً، ولا عاد يأكل حتى يشبع منه؛ ولكن يأكل منها قوتاً مقدار ما يمسك رمقاً. شهر بن حوشب: غير باغ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، ولا عاد ولا يُقصر فيما يحلٌّ له فيدعهُ ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار مايحلٌّ للمضطر أكلهُ من الميتة. فقال بعضهم: مقدار مايُمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غير باغ مفارق لجماعة، ولا عاد مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرُخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} فلا حرج عليه في أكلها. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لما أكل من الحرام في حال الأضطرار. {رَّحِيمٌ} به حيث رخُص له في ذلك. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد صلى الله عليه وسلم عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّاً من بعد المسيح يُقال له: محمّد، يحُرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّداً صلى الله عليه وسلم ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية اكذاباً لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم؛ كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّداً صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم فغيرّوها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المُغيّر وجدوه مخالفاً لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته. {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} بالمكتوم. {ثَمَناً قَلِيلاً} عرضاً يسيراً يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} ذكر البطن هاهنا للتوكيد؛ لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويُقال: كلمة من فيه؛ لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: شعر : نظرت فلم تنظر بعينك منظرا تفسير : {إِلاَّ ٱلنَّارَ} يعني إلاّ مايوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبتهُ النّار، سماه في الحال ناراً. كقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «حديث : إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم»تفسير : ، أخبر عن المال بالحال. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} كلاماً ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لايكلم فلاناً: أي هو عليه غضبان. {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ} أي استبدلوا الضلاّلة. {بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}.: اختلفوا في "ما". فقال قوم: هي "ما" التعجب، واختلفوا في معناها. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله مالهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمهُ: ما أصبرك على الله.. أي ما أجرأك عليه. وقال الموراج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار؛ لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النبّي صلى الله عليه وسلم صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ماأدومهم عليه... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار كما يُقال: ما أصبر فلاناً على الضرب والحبس... عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي "ما" الإستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبرّهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الإستهانة. {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} قال بعضهم معناه {ذَلِكَ} العذاب {بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} واختلفوا فيه، وحينئذ تكون "ذلك" في محل الرّفع، وقال بعضهم محلهُ نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ. وقال بعضهم: معناه "ذلك": أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والأختلاف والأجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أأنذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم}. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ} فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} لفي خلاف، وضلال طويل.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن من رحمة الله عز وجل على عباده أنه لم يقصر الخطاب على الذين آمنوا؛ وإنما وسع الدائرة لتشمل المؤمنين وغيرهم؛ فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 168] فكأنه خلق ما في الأرض جميعاً للناس جميعاً، وهذا ما قلنا عنه: إنه عطاء الربوبية لكل البشر، مَنْ آمن منهم ومَنْ لم يؤمن، فهو سبحانه خلق كل الخلق، مؤمنهم وكافرهم، وما دام قد خلقهم واستدعاهم إلى الوجود فهو يوجه الخطاب لهم جميعاً؛ مؤمنهم وكافرهم؛ وكأن الخطاب يقول للكافرين: حتى ولو لم تؤمنوا بالله، فخذوا من المؤمنين الأشياء الحلال واستعملوها لأنها تفيدكم في دنياكم؛ وإن لم تؤمنوا بالله، لأن من مصلحتكم أن تأكلوا الحلال الطيب، فالله لم يحرم إلا كل ضار، ولم يحلل إلا كل طيب. هنا موقف يقفه كثير من الذين أسرفوا على أنفسهم، ويحبون أن تكون قضية الدين وقضية التحريم وقضية التحليل، قضايا كاذبة؛ لأنه لا ينجيهم أمام أنفسهم إلا أن يجدوا أشياء يكذبون بها الدين، لأنهم لم يستطيعوا أن يحملوا أنفسهم على مطلوبات الله، فلما لم يستطيعوا ذلك لم يجدوا منفذاً لهم إلا أن يقولوا: إن قضايا الدين كاذبة بما فيها التحليل والتحريم. إنهم يقولون: ما دام الله قد حرم شيئاً؛ فلماذا خلقه في الكون؟. كأنهم يعتقدون أن كل مخلوق في الأرض قد خُلق ليؤكل، وما علموا أن لكل مخلوق في الأرض مهمة، فهم الآن يمسكون الحيات والثعابين ليستخلصوا منها السموم؛ حتى يقتلوا بها الميكروبات التي تقتل الإنسان، وكانوا قبل اكتشاف فائدة السم في الثعبان يتساءلون "وما فائدة خلق مثل هذه الثعابين؟". فلما أحوجهم الله وألجأهم إلى أن يستفيدوا بما في الثعابين من سم؛ ليجعلوه علاجاً أدركوا حكمة الله من خلق هذه الأنواع، لقد خلقها لا لنأكلها، وإنما لنعالج بها. فأنت إذا رأيت شيئاً محرماً لا تقل لماذا خلقه الله، لأنك لا تعرف ما هي مهمته، فليست مهمة كل مخلوق أن يأكله الإنسان، إنما لكل مخلوق مهمة قد لا تشعر بأدائها في الكون. وهذه مسألة نستعملها نحن في ذوات نفوسنا، على سبيل المثال؛ عندما يأتي الصيف ونخشى على ملابسنا الصوفية من الحشرات؛ فنأتي لها بما يقتل الحشرات، وهو "النفتالين"، ونحذر أبناءنا من عدم الاقتراب منه وأكله. إن "النفتالين" لا يؤكل، ولكنه مفيد في قتل الحشرات الضارة. كذلك "الفينيك" نشتريه ونضعه في زجاجة في المنزل لنطهر به أي مكان ملوث، ونحذر الأطفال منه لأنه ضار لهم، ولكنه نافع في تطهير المنزل من الحشرات، وكذلك المخلوقات التي لا نعرف حكمة خلقها، لقد خلقها الله لمهمة خاصة بها، فلا تنقل شيئاً من مهمته إلى مهمة أخرى. وإذا كان الإنسان لم يدرك حتى الآن فائدة بعض المخلوقات، فما أكثر ما يجهل، وهو يكتشف كل يوم سراً من أسرار مخلوقات الله. وعلى سبيل المثال، كانوا ينظرون إلى نوع من السمك لا يتجاوز حجمه عقلة الأصبع؛ ولا يكبر أبداً، واحتاروا في فائدته، وعندما ذهبنا للسعودية ورأينا الأماكن التي نأخذ منها الماء الذي قد يفسد، ووجدنا هذا النوع من السمك بكثرة، فسألناهم عن حقيقة هذا السمك، فقالوا: إنه لا يكبر ويظل على هذا الحجم، ومهمته تنقية المياه في الأماكن التي لا يقوم الإنسان بتنقيتها. وجربنا حقيقة ما قالوا؛ فألقينا بعضاً من مخلفات الطعام؛ فوجدنا هذه الأسماك تخرج من حيث لا ندري وتلقف هذه البقايا؛ ولا تتركها حتى تنهيها. هكذا يخلق الحي القيوم مخلوقات لتحفظ مخلوقات أخرى، هو سبحانه يقول للإنسان: لا تأكل هذا وكل ذاك؛ لحكمة قد لا نعرفها. مثال آخر، الطائر المعروف بأبي قردان صديق الفلاح، كانت وظيفته في الحياة أن يأكل الحشرات والديدان عند ري الأرض، ومنذ أن اختفى هذا الطائر بتأثير المبيدات؛ استفحل خطر الديدان على الزرع وبخاصة دودة القطن. إنها معادلة إلهية مركبة تركيباً دقيقاً. وكذلك الذباب، يتساءل بعض الناس "ما حكمة وجوده في الحياة؟" وهم لا يعرفون أن الذباب يؤدي للإنسان دوراً مهماً هو أكل القاذورات وما بها من أمراض، ولو تحصن الناس بالنظافة لما جاءهم الذباب. إذن، فكل شيء في الوجود مرتب ترتيباً دقيقاً، إنه ترتيب خالق عليم حكيم، وما دام الحكيم هو الذي خلق؛ فلا يعترض أحدٌ ويقول لماذا خلق كذا وكذا؟، لأن لكل مخلوق دوراً يؤديه في الكون. ولذلك ينبه الخالق الناس - مؤمنهم وكافرهم - بأن يأكلوا الحلال الطيب من الأرض، وهو يقول للكافر؛ إنك إن تعقلت الأمور؛ لوجدت أن كل ما أمرتك به هو لصالحك، وحتى لو لم تؤمن فأنا أدلك على ما ينفع، فلا تأكل إلا الحلال الطيب، وانظر إلى المؤمنين بماذا سُمح لهم من طعام وَكُلْ مثلهم. وقد أثبت الواقع والتاريخ؛ أن الكافرين يلجأون إلى منهج الله في بعض الأقضية؛ ليحلوا مشاكل حياتهم، لا بدين الله كدين، ولكن بأوامر الله كنظام، فلو كان عند الكافرين بالله حكمة حتى فيما يتعلق بشئون دنياهم؛ لأخذوا ما أمر الله به المؤمنين واتبعوه. والمثال على ذلك؛ عندما يحرم الحق سبحانه وتعالى لحم الميتة، أي التي ماتت ولم تُذبح، إن لحمها ضار بالصحة، لأن أوعية الدم في الحيوان وفي كل كائن حي هي وعاءان! إما أوردة وإما شرايين، والدم قبل أن يذهب إلى الكلى أو الرئة يكون دماً فاسداً، ونحن عندما نذبح الحيوان يسيل منه الدم الفاسد وغير الفاسد ويخرج، ويصير اللحم خالصاً، لكن الحيوان الذي لم يذبح؛ لم يذك، يعني لم يُطَهّر من فساد الدم، وهو ضار للإنسان. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 168] فكأنه يدعو غير المؤمنين: لو عقلتم، لوجب أن تحتاطوا إلى حياتكم بألا تأكلوا إلا حلالاً أحله الله للمؤمنين. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} [البقرة: 168]. أي لا تسيروا وراء الشيطان، فالخطوة هي المسافة بين القدمين عند المشي، أي بين النقلة والنقلة، ولا تجعلوا الشيطان قائدكم؛ لأن الشيطان عداوته لكم مسبقة، ويجب أن تحتاطوا بسوء الظن فيه؛ فهو الذي عصى ربه؛ ولا يصح أن يطاع في أي أمر، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 168] وعداوة الشيطان للإنسان قديمة من أيام آدم. ويقول الحق عن أوامر الشيطان: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} [الآية: 168]. قال: خطاه. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} [الآية: 173]. يقول: غير قاطع السبيل، ولا مفارق الأَئمة، ولا خارج في معصية الله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} [الآية: 175]. ما أَعملهم بالباطل.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا بيّن تعالى التوحيد ودلائله، وما للمؤمنين المتقين والكفرة العاصين، أتبع ذلك بذكر إِنعامه على الكافر والمؤمن، ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الإِنعام، لأنه تعالى رب العالمين، فإِحسانه عام لجميع الأنام دون تمييز بين مؤمن وكافر وبرٍّ وفاجر، ثم دعا المؤمنين إِلى شكر المنعم جلَّ وعلا والأكل من الطيبات التي أباحها الله، واجتناب ما حرّمه الله من أنواع الخبائث. اللغَة: {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} جمع خُطوة وهي في الأصل ما بين القدمين عند المشي وتستعمل مجازاً في تتبع الآثار {ٱلسُّوۤءِ} أصل السُّوء ما يسوء الإِنسان أي يحزنه ويطلق على المعصية قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً لأنها تسوء صاحبها أي تحزنه في الحال أو المآل {ٱلْفَحْشَآءِ} ما يستعظم ويستفحش من المعاصي فهي أقبح أنواع المعاصي {أَلْفَيْنَا} وجدنا ومنه {أية : وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} تفسير : [يوسف: 25] {أية : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ} تفسير : [الصافات: 69] أي وجدوا {يَنْعِقُ} يصيح يقال: نعق الراعي بغنمه ينعِق نعيقاً إِذا صاح بها وزجرها قال الأخطل: شعر : فانعِقْ بضأنك يا جريرُ فإِنما مَنَّتك نفسُك في الخلاء ضلالاً تفسير : {أُهِلَّ} الإِهلال: رفع الصوت يقال: أهلَّ المحرم إِذا رفع صوته بالتلبية ومنه إِهلال الصبي وهو صياحه عند الولادة، وكان المشركون إِذا ذبحوا ذكروا اللات والعزَّى ورفعوا بذلك أصواتهم {ٱضْطُرَّ} أُلجئ أي ألجأته الضرورة إلى الأكل من المحرمات {بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} الباغي من البغي والعادي من العدوان، وهما بمعنى الظلم وتجاوز الحدّ {يُزَكِّيهِمْ} يطهرهم من التزكية وهي التطهير {شِقَاقٍ} الشقاق: الخلاف والعداوة. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} الخطاب عام لجميع البشر أي كلوا ممّا أحله الله لكم من الطيبات حال كونه مستطاباً في نفسه غير ضار بالأبدان والعقول {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي لا تقتدوا بآثار الشيطان فيما يزينه لكم من المعاصي والفواحش {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي إِنه عظيم العداوة لكم وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ} أي لا يأمركم الشيطان بما فيه خير إِنما يأمركم بالمعاصي والمنكرات وما تناهى في القبح من الرذائل {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي وأن تفتروا على الله بتحريم ما أحل لكم وتحليل ما حرّم عليكم فتحلوا وتحرّموا من تلقاء أنفسكم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي وإِذا قيل للمشركين اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي والقرآن واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} أي بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، قال تعالى في الردّ عليهم {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} أي أيتّبعون آباءهم ولو كانوا سفهاء أغبياء ليس لهم عقل يردعهم عن الشر ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟ والاستفهام للإِنكار والتوبيخ والتعجيب من حالهم في تقليدهم الأعمى للآباء، ثم ضرب تعالى مثلاً للكافرين في غاية الوضوح والجلاء فقال تعالى {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} أي ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم إِلى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه ويزجرها فهي تسمع الصوت والنداء دون أن تفهم الكلام والمراد، أو تدرك المعنى الذي يقال لها، فهؤلاء الكفار كالدواب السارحة لا يفهمون ما تدعوهم إِليه ولا يفقهون، يسمعون القرآن ويصمّون عنه الآذان {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 44] ولهذا قال تعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي صمٌّ عن سماع الحق، بكم أي خرسٌ عن النطق به عميٌ عن رؤيته فهم لا يفقهون ما يقال لهم لأنهم أصبحوا كالدواب فهم في ضلالهم يتخبطون. وخلاصة المثل - والله أعلم - مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من سماع الصوت دون أن تفهم المعنى وهو خلاصة قول ابن عباس {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية والمعنى كلوا يا أيها المؤمنون من المستلذات وما طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إِياه {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي واشكروا الله على نعمه التي لا تحصى إِن كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحداً سواه {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} أي ما حرّم عليكم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات والعزّى {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي فمن ألجأته ضرورة إِلى أكل شيء من المحرمات بشرط ألا يكون ساعياً في فساد، ولا متجاوزاً مقدار الحاجة {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي فلا عقوبة عليه في الأكل {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يغفر الذنوب ويرحم العباد ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي يخفون صفة النبي عليه السلام المذكورة في التوراة وهم اليهود قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي يأخذون بدله عوضاً حقيراً من حطام الدنيا {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} أي إِنما يأكلون ناراً تأجّج في بطونهم يوم القيامة لأن أكل ذلك المال الحرام يفضي بهم إِلى النار {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي لا يكلمهم كلام رضىً كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي يطهرهم من دنس الذنوب {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي عذاب مؤلم وهو عذاب جهنم {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أي أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل الإِيمان {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} أي واستبدلوا الجحيم بالجنة {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي ما أشدَّ صبرهم على نار جهنم؟ وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على اقتراف أنواع المعاصي ثم قال تعالى مبيناً سبب النكال والعذاب {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي ذلك العذاب الأليم بسبب أن الله أنزل كتابه {أية : ٱلتَّوْرَاةَ} تفسير : [آل عمران: 3] ببيان الحق فكتموا وحرّفوا ما فيه {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ} أي اختلفوا في تأويله وتحريفه {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشدّ العذاب. سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمر محمد وأمر شرائعه فنزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ..} الآية. البَلاَغَة: 1- {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره قال في تلخيص البيان: وهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعته فيما يأمر به وقبول قوله فيما يدعو إِلى فعله. 2- {ٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ} هو من باب "عطف الخاص على العام" لأن السوء يتناول جميع المعاصي، والفحشاء أقبح وأفحش المعاصي. 3- {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فيه تشبيه (مرسل ومجمل) مرسل لذكر الأداة ومجمل لحذف وجه الشبه فقد شبه الكفار بالبهائم التي تسمع صوت المنادي دون أن تفقه كلامه وتعرف مراده. 4- {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} حذفت أداة الشبه ووجه الشبه فهو "تشبيه بليغ" أي هم كالصم في عدم سماع الحق وكالعمي وكالبكم في عدم الانتفاع بنور القرآن. 5- {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} مجاز مرسل باعتبار ما يؤول إِليه أي إِنما يأكلون المال الحرام الذي يفضي بهم إِلى النار وقوله {فِي بُطُونِهِمْ} زيادة تشنيع وتقبيح لحالهم وتصويرهم بمن يتناول رضف جهنم، وذلك أفظع سماعاً وأشد إِيجاعاً. 6- {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} استعارة والمراد استبدلوا الكفر بالإِيمان وقد تقدّم في أول السورة إِجراء هذه الاستعارة. الفوَائِد: الأولى: عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله: أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة! فقال يا سعد: أطبْ مطعمَك تكنْ مستجابَ الدعوة، والذي نفسُ محمد بيده إِن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبَّلُ منه أربعين يوماً، وأيمّا عبدٍ نبت لحمه من السُّحتِ والربا فالنارُ أولى به. الثانية: قال بعض السلف: "يدخل في اتباع خطوات الشيطان كلُّ معصية لله، وكل نذرٍ في المعاصي قال الشعبي: نذر رجلٌ أن ينحر ابنه فأفتاه مسروقٌ بذبح كبش وقال: هذا من خطوات الشيطان". الثالثة: قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن قوله تعالى {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} قال: لك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرّق، فإِن جعلته من المركب كان تشبيهاً للكفار - في عدم فقههم وانتفاعهم - بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئاً غير الصوت المجرّد الذي هو الدعاء والنداء، وإِن جعلته من التشبيه المفرّق: فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إِلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إِلى الهدى بمنزلة النعق، وإِدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإِدراك البهائم مجرد صوت الناعق والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} معناهُ آثارُهُ. وواحدُهَا خُطْوَةٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا خطاب للناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، فامتن عليهم بأن أمرهم أن يأكلوا من جميع ما في الأرض، من حبوب، وثمار، وفواكه، وحيوانات، حالة كونها { حَلالا } أي: محللا لكم تناوله، ليس بغصب ولا سرقة، ولا محصلا بمعاملة محرمة أو على وجه محرم، أو معينا على محرم. { طَيِّبًا } أي: ليس بخبيث، كالميتة والدم، ولحم الخنزير، والخبائث كلها، ففي هذه الآية، دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا، وأن المحرم نوعان: إما محرم لذاته، وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب، وإما محرم لما عرض له، وهو المحرم لتعلق حق الله، أو حق عباده به، وهو ضد الحلال. وفيه دليل على أن الأكل بقدر ما يقيم البنية واجب، يأثم تاركه لظاهر الأمر، ولما أمرهم باتباع ما أمرهم به - إذ هو عين صلاحهم - نهاهم عن اتباع { خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه التي يأمر بها، وهي جميع المعاصي من كفر، وفسوق، وظلم، ويدخل في ذلك تحريم السوائب، والحام، ونحو ذلك، ويدخل فيه أيضا تناول المأكولات المحرمة، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } أي: ظاهر العداوة، فلا يريد بأمركم إلا غشكم، وأن تكونوا من أصحاب السعير، فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته، حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - بعداوته الداعية للحذر منه، ثم لم يكتف بذلك، حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر به، وأنه أقبح الأشياء، وأعظمها مفسدة فقال: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ } . أي: الشر الذي يسوء صاحبه، فيدخل في ذلك، جميع المعاصي، فيكون قوله: { وَالْفَحْشَاءِ } من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الفحشاء من المعاصي، ما تناهى قبحه، كالزنا، وشرب الخمر، والقتل، والقذف، والبخل ونحو ذلك، مما يستفحشه من له عقل، { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } فيدخل في ذلك، القول على الله بلا علم، في شرعه، وقدره، فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو نفى عنه ما أثبته لنفسه، أو أثبت له ما نفاه عن نفسه، فقد قال على الله بلا علم، ومن زعم أن لله ندا، وأوثانا، تقرب من عبدها من الله، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال: إن الله أحل كذا، أو حرم كذا، أو أمر بكذا، أو نهى عن كذا، بغير بصيرة، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال: الله خلق هذا الصنف من المخلوقات، للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك، فقد قال على الله بلا علم، ومن أعظم القول على الله بلا علم، أن يتأول المتأول كلامه، أو كلام رسوله، على معان اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال، ثم يقول: إن الله أرادها، فالقول على الله بلا علم، من أكبر المحرمات، وأشملها، وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها، فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده، ويبذلون مكرهم وخداعهم، على إغواء الخلق بما يقدرون عليه. وأما الله تعالى، فإنه يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلينظر العبد نفسه، مع أي الداعيين هو، ومن أي الحزبين؟ أتتبع داعي الله الذي يريد لك الخير والسعادة الدنيوية والأخروية، الذي كل الفلاح بطاعته، وكل الفوز في خدمته، وجميع الأرباح في معاملة المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، الذي لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر، أم تتبع داعي الشيطان، الذي هو عدو الإنسان، الذي يريد لك الشر، ويسعى بجهده على إهلاكك في الدنيا والآخرة؟ الذي كل الشر في طاعته، وكل الخسران في ولايته، الذي لا يأمر إلا بشر، ولا ينهى إلا عن خير. ثم أخبر تعالى عن حال المشركين إذا أمروا باتباع ما أنزل الله على رسوله - مما تقدم وصفه - رغبوا عن ذلك وقالوا: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } فاكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس، وأشدهم ضلالا وهذه شبهة لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم، فلو هدوا لرشدهم، وحسن قصدهم، لكان الحق هو القصد، ومن جعل الحق قصده، ووازن بينه وبين غيره، تبين له الحق قطعا، واتبعه إن كان منصفا.