Verse. 176 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اِنَّمَا يَاْمُرُكُمْ بِالسُّوْۗءِ وَالْفَحْشَاۗءِ وَاَنْ تَقُوْلُوْا عَلَي اللہِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ۝۱۶۹
Innama yamurukum bialssooi waalfahshai waan taqooloo AAala Allahi ma la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما يأمركم بالسوء» الإثم «والفحشاء» القبيح شرعا «وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» من تحريم ما لم يحرم وغيره.

169

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ} سُمِّيَ السوء سوءاً لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه. وهو مصدر ساءه يسوءه سُوءاً ومساءةً إذا أحزنه. وسُؤْته فسِيء إذا أحزنته فحزن؛ قال الله تعالى: {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الملك: 27]. وقال الشاعر:شعر : إن يك هذا الدهر قد ساءني فطالما قد سَرَّني الدهر الأمر عندي فيهما واحد لذاك شكرٌ ولذاك صبر تفسير : والفحشاء أصله قبح المنظر؛ كما قال:شعر : وَجِيدٍ كجِيد الرِّيم ليس بفاحشٍ تفسير : ثم ٱستعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. والشرع هو الذي يحسن ويقبح؛ فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء. وقال مُقاتل: إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى؛ إلا قوله: {أية : ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ}تفسير : [البقرة: 268] فإنه منع الزكاة. قلت: فعلى هذا قيل: السوء ما لا حَدّ فيه، والفحشاء ما فيه حَدٌّ. وحكي عن ٱبن عباس وغيره؛ والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال الطبري: يريد ما حَرّموا من البَحِيرة والسّائبة ونحوها مما جعلوه شَرْعاً. {وَأَن تَقُولُواْ} في موضع خفض عطفاً على قوله تعالى: {بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ}.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاءِ} بيان لعداوته، ووجوب التحرز عن متابعته. واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم، والسوء والفحشاء ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه. وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يتجاوز الحد في القبح من الكبائر. وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني ما شرع فيه الحد {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأساً. وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرِك شرعي فوجوبه قطعي، والظن في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوءِ } الإثم {وَٱلْفَحْشَاءِ } القبيح شرعاً {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من تحريم ما لم يحرِّم وغيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالسُّوءِ} بالمعاصي لمساءة عاقبتها. {وَالْفَحْشَآءِ} الزنا، أو المعاصي أو كل ما فيه حد لفحشه وقبحه. {وَأّن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} من تحريم ما لم يحرمه، أو أن له شريكاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...}. وقال (ابن عرفة): لأن العدو (قد) يأمر بالخير وهذا العدو لا يأمر إلا بالشر. قيل لابن عرفة: فيه دليل على أنّ الأمر لا يشترط فيه العلو بل الاستعلاء فقط، لأن الشيطان أسفل من مأموره. فقال: إنّما هو أسفل منه شرعا وهو في الوجود أعلى لاستعلائه عليه من حيث لايراه ولا يشعر به. وأورد الزمخشري على هذا قوله تعالى {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : قال (كان) أمرا مع تلك الآية. وأجاب عن ذلك بأنَّه شبّه تزيينه وبعثه على الشّر بالأمر وقبول العباد وساوسه بامتثال الأمر. قال ابن عرفة: أو يجاب بأن تلك مقيدة بالسّلطان وهو الحجة أو بلفظ العباد، فالعباد لا يتسلط عليهم ولا تقوم له عليهم حجة ولذلك أضافهم الله إليه إضافة تشريف، وقوله {بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ} يحتمل أن يكون السّوء ما لم يرتب الشارع عليه الحد (والفحشاء ما رتب عليه الحد، والسوء الصّغائر) والفحشاء الكبائر. قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال ابن عرفة: يدخل فيه المفتي إذا أفتى بما لايعلم والقاضي إذا حكم بما لايعلم فإنه قال على الله ما (لا) يعلم. قيل لابن عرفة: يؤخذ منه أبطال العمل بالقياس؟ فقال: أما من لا يقول به فظاهر وأما من يقول به فمقدمات القياس ظنية فتكون (النتيجة) ظنية، لكن يلزم عليه إبطال العمل بجميع الأحكام الشرعية، لأنها كلها ظنية فليس المراد العلم الحقيقي بل ما عليه الظن.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاء} استئنافٌ لبـيان كيفيةِ عداوتِه وتفصيلٌ لفنون شرِّه وإفسادِه وانحصارِ معاملتِه معهم في ذلك، والسوءُ في الأصل مصدرُ ساءه يسوؤُه سُوءاً ومَساءةً إذا أحزنه يُطلقُ على جميع المعاصي سواءٌ كانت من أعمال الجوارحِ أو أفعالِ القلوب، لاشتراك كلِّها في أنها تسوءُ صاحبَها، والفحشاءُ أقبحُ أنواعِها وأعظمُها مساءةً {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} عطفٌ على الفحشاء، أي وبأن تفتروا على الله بأنه حرّم هذا وذاك، ومعنى ما لا تعلمون أن الله تعالى أمرَ به، وتعليقُ أمرِه بتقوُّلِهم على الله تعالى ما لا يعلمون وقوعَه منه تعالى لا بتقوُّلهم عليه ما يعلمون عدمَ وقوعِه منه تعالى، مع أن حالَهم ذلك للمبالغة في الزجر، فإن التحذيرَ من الأول مع كونه في القُبْحِ والشناعةِ دون الثاني تحذيرٌ عن الثاني على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه وللإيذان بأن العاقلَ يجب عليه ألا يقولَ على الله تعالى ما لا يعلم وقوعَه منه تعالى مع الاحتمال فضلاً عن أن يقول عليه ما يعلم عدمَ وقوعِه منه تعالى، قالوا: وفيه دليلٌ على المنع من اتباع الظنِّ رأساً، وأما اتباعُ المجتهدِ لما أدَّى إليه ظنُّه فمستنِدٌ إلى مَدْرَكٍ شرعيٍّ فوجوبُه قطعيٌّ والظنُّ في طريقه {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} التفاتٌ إلى الغَيْبة تسجيلاً بكمال ضلالِهم وإيذاناً بإيجاب تعدادِ ما ذُكر من جناياتهن لصرف العذابِ عنهم وتوجيهِه إلى العقلاء، وتفصيلُ مساوي أحوالِهم لهم على نهج المَبائةِ أي إذا قيل لهم على وجه النصيحةِ والإرشادِ: اتبعوا كتاب الله الذي أنزله {قَالُواْ} لا نتبعه {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} أي وجدناهم عليه، إما على أن الظرفَ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آباءَنا وألفَيْنا متعدَ إلى واحد، وإما على أنه مفعولٌ ثانٍ له مقدمٌ على الأول. نزلت في المشركين أُمروا باتباع القرآنِ وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحجج الظاهرةِ والبـينات الباهرةِ فجنحوا للتقليد، والموصولُ إما عبارةٌ عما سبق من اتخاذ الأندادِ وتحريمِ الطيبات ونحوِ ذلك وإما باقٍ على عمومه، وما ذُكر داخلٌ فيه دخولاً أولياً وقيل: نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: بل نتبعُ ما وجدْنا عليه آباءَنا لأنهم كانوا خيراً منا وأعلم، فعلى هذا يعُمّ ما أنزل الله تعالى التوراةَ لأنها أيضاً تدعو إلى الإسلام، وقوله عز وجل: {أولو كانَ آبَاؤهُمْ لاَ يَعْقِلُون شَيئاً وَلاَ يَهْتَدُون} استئنافٌ مَسوقٌ من جهته تعالى رداً لمقالتهم الحمقاءِ وإظهاراً لبطلان آرائِهم، والهمزة لإنكار الواقعِ واستقباحِهِ والتعجبِ منه، لا لإنكار الوقوعِ كالتي في قوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } تفسير : [الأعراف، الآية 88] وكلمة لو في أمثال هذا المقامِ ليست لبـيان انتفاءِ الشيءِ في الزمان الماضي لانتفاء غيرِه فيه، فلا يلاحَظُ لها جوابٌ قد حُذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه بل هي لبـيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابقُ بالذات أو بالواسطة من الحُكم الموجَبِ أو المنفيّ على كل حالٍ مفروضٍ من الأحوال المقارِنةِ له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولية، لما أن الشيءَ متى تحقّق مع المنافي القويِّ فَلأَنْ يتحقَّقَ مع غيره أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ من سائر الأحوال، ويُكتفىٰ عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلةِ لها المتناولةِ لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها، وهذا معنى قولِهم إنها لاستقصاء الأحوالِ على سبـيل الإجمال، وهذا المعنىٰ ظاهرٌ في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ والأمرِ والنهي، كما في قولك: فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً، وبخيلٌ لا يعطي ولو كان غنياً، وقولِك: أحسنْ إليه ولو أساءَ إليك ولا تُهِنْه ولو أهانك، لبقائه على حاله، وأما فيما نحن فيه ففيه نوعُ خفاءٍ ناشىءٍ من ورود الإنكارِ عليه لكن الأصلَ في الكل واحدٌ إلا أن كلمةَ (لو) في الصور المذكورة متعلقةٌ بنفس الفعل المذكورِ قبلها وأن ما يُقصدُ بـيانُ تحققِه على كل حالٍ هو نفسُ مدلولِه وأن الجملةَ حالٌ من ضميره أو مما يتعلّق به، وأن ما في حيِّز (لو) باقٍ على ما هو عليه من الاستبعاد غالباً بخلاف ما نحن فيه، لما أن كلمةَ لو متعلقةٌ فيه بفعل مقدرٍ يقتضيه المذكورُ وأن ما يُقصد بـيانُ تحققِه على كل حالٍ مدلولُه لا مدلولُ المذكور من حيث هو مدلولُه، وأن الجملةَ حالٌ مما يتعلّق به لا مما يتعلق بالمذكور من حيث هو متعلِّقٌ به وأن المقصودَ الأصليَّ إنكارُ مدلولِه باعتبار مقارنته للحالة المذكورة، وأما تقديراً لمقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرة وأن ما في حيز (لو) لا يُقصد استبعادُه في نفسه بل يقصد الإشعارُ بأنه أَمْرٌ محقَّق إلا أنه أُخرج مُخرَجَ الاستبعادِ معاملةً مع المخاطَبـين على معتقدهم لئلا يلبَسوا من التصريح بنسبة آبائهم إلى كمال الجهالةِ والضلالةِ جلدَ النَّمِرِ فيركبوا متنَ العِناد، ومبالغةً في الإنكار من جهة اتباعهم لآبائهم حيث كان منكراً مستقبحاً عند احتمالِ كونِ آبائهم كما ذُكر احتمالاً بعيداً فلأَنْ يكونَ مُنْكراً عند تحققِ ذلك أولى، والتقديرُ أيتبعون ذلك لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب، ولو كانوا كذلك فالجملةُ في حيز النصب على الحالية من آبائهم على طريقة قولِه تعالى: {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [النحل، الآية 123] كأنه قيل: أيتبعون دين آبائهم حالَ كونِهم غافلين وجاهلين ضالّين إنكاراً لما أفاده كلامُهم من الاتّباع على أيّ حالةٍ كانت من الحالتين غير أنه اكتُفيَ بذكر الحالةِ الثانية تنبـيهاً على أنها هي الواقعةُ في نفس الأمرِ وتعويلاً على اقتضائها للحالة الأولى اقتضاءً بـيّناً، فإن اتباعهم الذي تعلق به الإنكارُ حيث تحقق مع كون آبائِهم جاهلين ضالين فلأَنْ يتحقّقَ مع كونهم عاقلين ومُهتدين أوْلى. إن قلتَ: الإنكارُ المستفادُ من الاستفهام الإنكاريِّ بمنزلة النفي ولا ريب في أن الأولويةَ في صورة النفي معتبرةٌ بالنسبة إلى النفي ألا يُرىٰ أن الأولى بالتحقق فيما ذكر من مثال النفي عند الحالة المسكوتِ عنها أعني عدمَ الغنى هو عدمُ الإعطاء لا نفسُه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقق فيما نحن فيه عند الحالةِ المسكوتِ عنها - وهي حالة كونِ آبائهم عاقلين ومهتدين - إنكارُ الاتباعِ لا نفسُه إذ هو الذي يدل عليه أيتبعون الخ فلم اختلفت الحالُ بـينهما؟ قلت: لما أن مناطَ الأولوية هو الحكمُ الذي إريد بـيانُ تحققه على كل حال، وذلك في مثال النفي عدمُ الإعطاء المستفادِ من الفعل المنفيِّ المذكور وأما فيما نحن فيه فهو نفسُ الاتباعِ المستفاد من الفعل المقدر إذ هو الذي يقتضيه الكلامُ السابقُ أعني قولَهم بل نتبعُ الخ وأما الاستفهامُ فخارجٌ عنه واردٌ عليه لإنكار ما يُفيدُه واستقباحِ ما يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي وكذا الحالُ فيما إذا كانت الهمزةُ لإنكار الوقوعِ ونفْيِه مع كونه بمنزلة صريح النفي كما سيأتي تحقيقُه في قوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } تفسير : [الأعراف، الآية 88] وقيل: الواوُ حالية، ولكن التحقيقَ أن المعنى يدور على معنى العطفِ في سائر اللغات أيضاً.

القشيري

تفسير : لاجترائه على الله يدعوك به إلى افترائك على الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {إنما يأمركم} اى يوسوس لكم شبه تسلطه عليهم بآمر مطاع وشبهوا فى قبولهم للوسوسة وطاعتهم له بالطبع بمأمور مطيع وفيه رمز الى انهم بمنزلة المأمورين المنقادين له تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم {بالسوء} وهو كل ما ساءك فى عاقبتك يطلق على جميع المعاصى سواء كانت من اعمال الجوارح او اعمال القلوب لاشتراك كلها فى انها تسوء صاحبها وتحزنه {والفحشاء} من عطف الخاص على العام اى اقبح انواع المعاصى واعظمها مساءة فالزنى فاحشة والبخل فاحشة وكل فعلة قبيحة فاحشة واصل الفحش مجاورة القدر فى كل شىء وجعل البيضاوى المغايرة بين السوء والفحشاء بحسب المفهوم دون الذات فانه سميت المعصية سوأ لاغتمام العاقل بها وفحشاء باستقباحه اياها فاطلاق السوء والفحشاء على المعصية من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة مثل رجل عدل {وان تقولوا} اى يأمركم بان تفتروا {على الله} بانه حرم هذا او ذاك {ما لا تعلمون} ان الله تعالى امر به وهو اقبح ما امر به الشيطان من القبائح لان وصفه تعالى بما لا ينبغى ان يوصف به من اعظم انواع الكبائر كما ان الفحشاء اقبح انواع السوء. فان قيل كيف يأمرنا الشيطان بذلك ونحن لا نراه ولا نسمع كلامه فكيف وسوسته وكيف وصوله الى القلب. قلنا وهو كلام خفى على ما قيل تميل اليه النفوس والطبع وقد قيل يدخل فى جسد ابن آدم لانه جسم لطيف ويوسوس وهو انه يحدث النفس بالافكار الرديئة قال تعالى {أية : يوسوس فى صدور الناس} تفسير : [الناس: 5]. ومن دعاء النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم اعمر قلبى من وساوس ذكرك واطرد عنى وساوس الشيطان " تفسير : قال فى اكام المرجان وينحصر ما يدعو الشيطان اليه ابن آدم ويوسوس له فى ست مراتب. المرتبة الاولى مرتبة الكفر والشرك ومعاداة رسوله فاذا ظفر بذلك من ابن آدم برد انينه واستراح من تعبه معه لانه حصل منتهى امنيته وهذا اول ما يريده من العبد. المرتبة الثانية البدعة هى احب اليه من الفسوق والمعاصى لان المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يظنها حقيقة صحيحة فلا يتوب. فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الثالثة وهى الكبائر على اختلاف انواعها. فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الرابعة وهى الصغائر التى اذا اجتمعت صارت كبيرة والكبائر ربما اهلكت صاحبها كما قال عليه السلام "حديث : اياكم ومحقرات الذنوبbr>". تفسير : فان مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الارض فجاء كل واحد يعود حطب حتى اوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا. فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الخامسة وهى اشتغاله بالمباحات التى لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذى فات عليه باشتغاله بها. فان عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة السادسة وهى ان يشغله بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجره من الفاضل الى المفضول ومن الافضل الى الفاضل ليتمكن من ان يجره من الفاضل الى الشرور بما يجره من الفاضل السهل الى الافضل الاشق كمائة ركعبة بالنسبة الى ركعتين ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية. وانما خلق الله ابليس ليتميز به الخبيث من الطيب فخلق الله الانبياء لتقتدى بهم السعداء وخلق ابليس لتقتدى به الاشقياء ويظهر الفرق بينهما فابليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون واعرضوا عنها والراغبون فيها لم يجدوا فى قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له اعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هى فقال ابليس اعطونى رهنا فاعطوه سمعهم وابصارهم ولذا يحب ارباب الدنيا استماع اخبارها ومشاهدة زينتها لان سمعهم وبصرهم رهن عند ابليس فاعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشىء يعمى ويصم. فعلى العاقل ان يزهد ويرغب عن الدنيا ولا يقبل منها الا الحلال الطيب. قال الحسن البصرى الحلال الطيب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بد منه قال النبى عليه السلام "حديث : ان الله يهب لابن آدم ما لا بد منه ثوب يوارى به عورته وخبز يرد جوعته وبيت كعش الطير" فقيل يا رسول الله فكيف الملح فقال "الملح مما يحاسب به ". تفسير : وفى التأويلات النجمية الحلال ما اباح الله اكله والطيب ما لم يكن مشوباً بشبهة حقوق الخلق ولا بسرف حظوظ النفس وكل طيب حلال وليس كل حلال طيبا ولهذا قال النبى عليه السلام "حديث : ان الله طيب ولا يقبل الا الطيب" تفسير : يعنى غير مشوب بعيب او شبهة قيل ولا يقال ان الله حلال. واعلم ان اكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن خطوات الشيطان فالعمل الصالح نتيجة اللقمة الطيبة: وفى المثنوى شعر : علم وحكمت زايد از لقمه حلال عشق ورقت زايد از لقمه حلال جون زلقمه توحسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنرادان حرام هيج كندم كارى وجو بردهد يديه اسبى كه كره خرد دهد لقمه تخمست وبرش انديشها لقمه بحر وكوهرش انديشها زايد ازلقمه حلال اندردهان ميل خدمت عزم سوى آن جهان تفسير : وطلب الحلال بالكسب المشروع سنة الانبياء عليهم السلام. وفى الكسب فوائد كثيرة. منها الزيادة على رأس المال ان عمل للتجارة والزراعة وغرس الاشجار وفيها صدقة لما اكلته الطيور وغيرها. ومنها اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللهو. ومنها كسر النفس وصيرورتها قليلة الطغيان. ومنها ان الكسب واسطة الامان من الفقر الذى هو اسوداد الوجه فى الدارين ولا يتحرك فى الكسب لاجل عياله الا قال له حافظاه بارك الله لك فى حركاتك وجعل نفقاتك ذخرا لك فى الجنة ويؤمن عليهما ملائكة السموات والارض وافضل الكسب الجهاد ثم التجارة ثم الحراثة ثم الصناعة.

الطوسي

تفسير : اللغة: الأمر من الشيطان هو دعاؤه الى الفعل، فأما الأمر في اللغة، فهو قول القائل لمن هو دونه: إفعل. واذا كان فوقه سمي ذلك دعاء، ومسألة. وهل يقتضي الأمر الايجاب، أو الندب، ذكرناه في أصول الفقه، فلا نطول بذكره ها هنا. والسوء: كل فعل قبيح يزجر عنه العقل أو الشرع، ويسمى ما تنفر عنه النفس سوء، تقول: ساءني كذا يسوءني سوء. وقيل إنما سمي القبيح سوء، لسوء عاقبته، لأنه يلتذ به في العاجل، ولا يخلوا المكلف من الزجر عن القبيح إما عقلا، أو شرعاً، ولو خلا منه لكان معرّى بالقبيح، وذلك لا يجوز. والسوء في الآية قيل فيه قولان: قال السدي: هو المعاصي. وقال غيره: ما يسوء الفاعل: يعني ما يضره. والمعنى قريب من الأول، والأول هو الصحيح. والفحشاء: هو العظيم القبح في الفعل، وكذلك الفاحشة. وقيل المراد به: الزنا من الفجور، عن السدي. والفحشاء: مصدر فحش فحشاً، كقولك: ضره ضراً وسره سرّاء وسرّا. والفحشاء، والفاحشة، والقبيحة، والسيئة نظائر، ونقيضها الحسنة. تقول: فحش فحشاً، وافحش إفحاشاً، وتفاحش تفاحشاً، وفحش تفحيشاً، واستفحش استفحاشاً، وكل من تجاوز قدره فهو فاحش. وأفحش الرجل: اذا قال فحشاً، وكل شيء لم يكن موافقاً للحق، فهو فاحشة. قال الله تعالى: {أية : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}تفسير : يعني بذلك خروجها من بيتها بغير إذن زوجها المطلّق لها. وقال تعالى {أية : وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} تفسير : والقول: كلام له عبارة تنبىء عن الحكاية، وذلك ككلام زيد، يمكن أن يأتي عمرو بعبارة عنه تنبىء عن الحكاية له فيقول: قال زيد كذا وكذا، فيكون قوله: قال زيد، يؤذن أنه يحكى بعده كلام، وليس كذلك إذا قال: تكلم زيد لأنه لا يؤذن بالحكاية. والعلم: ما اقتضى سكون النفس. وقيل: هو تبين الشيء على ما هو به للمدرك له. المعنى: فان قيل: كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نراه، ولا نسمع كلامه! قلنا: لما كان الواحد منا يجد من نفسه معنى الأمر بما يجد من الدعاء الى المعصية، والمنازعة في الخطيئة، وكان ما نجده من نفوسنا من الدعاء, والاغواء إنما هو بأمر الشيطان الذي دلنا الله عليه، وحذرنا منه، صحّ إخبار الله بذلك. فان قيل: اذا كان الله عز وجل يوصل معنى أمره لنا الى نفوسنا، فما وجه ذلك في الحكمة، وهو لو أمر من غير إيصال معنى الأمر لم يكن في ذلك مضرة؟ قلنا. في ذلك أكبر النعمة لأن التكليف لا يصح إلا مع منازعة إلى الشيء المنهي عنه، فكان ذلك من قبل عدوّ، يحذره، أولى من أن يكون المنازعة من قبل ولي يستنصحه. وفي ذلك المصلحة لنا بالتعريض للثواب الذي يستحقه بالمخالفة له، والطاعة لله تعالى، كما أن في خلقه مصلحة من هذه الجهة، واذا كان إنما أفهمنا ذلك لنجتنبه، فهو كتعليم شبهة ملحد، لنعلم حلها. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: إن المعارف ضرورة، لأنها لو كانت ضرورة، لما جاز أن يدعوهم الى خلافها، كما لا يدعوهم الى خلاف ماهم مضطرون اليه من أن السماء فوقهم، والأرض تحتهم، وما جرى مجراه مما يعلم ضرورة لأن الدعاء الى ذلك يجري مجرى الدعاء الى خلق الأجسام، وبعث الأموات، لا يدخل تحت مقدور القدرة. وقد استدل نفاة القياس، والقول بالاجتهاد بهذه الآية بأن قالوا: القول بالاجتهاد والقياس قول بغير علم، وقد نهى الله عن ذلك فيجب أن يكون ذلك محظوراً، ومذهبنا وإن كان المنع من القول بالاجتهاد، فليس في هذه الآية دلالة على ذلك، لأن للخصم أن يقول: اذا دلني الله تعالى على العمل بالاجتهاد، فلا أعمل أنا به إلا بالعلم، ويجري ذلك مجرى وجوب العمل عند شهادة الشاهدين، والعمل بقول المقومين في أروش الجنايات, وقيم المتلفات، وجهات القبلة، وغير ذلك من الأشياء التي هي واقعة على الظن شرط، والعمل واقف على الدليل الموجب للعلم عنده، فلا يكون في الآية دلالة على ذلك. وقد بينا ما نعتمده في بطلان القول بالاجتهاد والرأي - في أصول الفقه - فلا وجه لذكره ها هنا.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ} جواب للسّؤال عن حاله مع الانسان او عن علّة النهى عن اتّباع خطواته، والسّوء كلّ ما عدّه الشّرع او العقل او العرف قبيحاً لكنّ المراد منه هاهنا ما لم ينته فى القبح {وَٱلْفَحْشَآءِ} وهو ما انتهى من ذلك فى القبح {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} حقيقته او اثره النّافع او الضارّ كان تنسبوا لحرمة او الاباحة فى شيءٍ من الادوية او الاغذية الى الله تعالى من غير ان تعلموا أنّه ضارّ او نافع. تحقيق القول على الله بما لا يعلمه وعلى هذا اذا علم الانسان أنّ هذا الدّواء بحسب الاسباب الطبيعيّة مضرٌّ لشخص خاصّ او لعموم النّاس لا مانع له من ان يقول: هذا حرام من الله لهذا الشخص او لعموم النّاس، وان كان هذا يرجع الى ما علم حرمته من الشّريعة بالضّرورة، او {أَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} انتسابه الى الله من الاحكام الشّرعيّة والاخلاق النّفسيّة والعقائد الدينيّة وعلم ذلك امّا بالوحى او بالاتّصال الى عالم الامر او بالتّقليد من صاحب الوحى او صاحب الاتّصال؛ فصاحب الوحى لا ينطق عن الهوى بل ينطق عن وحىٍ يوحى، وصاحب الاتّصال هو الّذى علم حقيقة الامر وآثاره فلا ينطق عن الهوى {أية : أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} تفسير : [النجم: 12] وصاحب التّقليد شأنه التسليم يقول: {أية : كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}تفسير : [آل عمران: 7]، وامّا غير الثّلاثة فلا يجوز له القول فى الضارّ والنّافع من الاشياء ولا القول بالحلّ والحرمة فيها والظّنّ لا يقوم هاهنا مقام العلم الاّ ان يدلّ دليل على خروجه من القضيّة الكلّيّة القائلة بأنّ الظّنّ لا يغنى من الحقّ شيئاً والعامّة العمياء القائلة بالظّنّ والرّأى والقياس والاستحسان قائلون على الله ما لا يعلمون وامّا الخاصّة فليس شأنهم الاّ التسليم واتّباع صاحب الوحى والاتّصال وتقليدهم، نعم ان خرجوا من التّسليم والتّقليد واتّبعوا الرّأى والقياس واجترؤا على الفتيا من غير اذنٍ واجازةٍ من صاحب الاجازة كانوا مثلهم من غير فرقٍ ولا يستعمل العلم فى الظّنّ حتّى يجوز ادّعاء الظّنّ من العلم هاهنا وظنّيّة الطريق لا يفيد الاّ الظّنّ بالحكم، والقطع بجواز العمل بالمظنون غير القطع بالحكم فنسبة المظنون الى الله قولٌ على الله بما لا يعلم والتّصويب ليس من مذهب الشّيعة وقد صرّح بعض العامّة بأنّ فى هذه الآية منعاً من اتّباع الظّنّ فى المسائل الدّينيّة ولا حاجة لمن تأمّل فيها ادنى تأمّلٍ الى بيانٍ آخر ولكن لمزيد التّوضيح نذكر قليلاً ممّا ورد من المعصومين (ع) فنقول: نسب الى الصّادق (ع) أنّه قال: ايّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك؛ ايّاك ان تفتى النّاس برأيك او تدين بما لا تعلم، وعنه (ع): أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرّجال، أنهاك ان تدين الله بالباطل وتفتى النّاس بما لا تعلم، وعنه (ع) انّ الله خصّ عباده بآيتين من كتابه ان لا يقولوا حتّى يعلموا ولا يردّوا ما لم يعلموا، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}تفسير : [الأعراف: 169] وقال {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} تفسير : [يونس: 39]، وعن الباقر (ع) من أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدى لعنته ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه، وعنه (ع) انّه سئل ما حقّ الله على العباد؟ - قال: ان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عندما لا يعلمون، وعن الصّادق (ع) انّه قال: قال رسول الله (ص): "حديث : من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك"تفسير : ومن أفتى النّاس بغير علمٍ وهو لا يعلم النّاسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك، وأمثال هذه الاخبار كثيرة جدّاً.

اطفيش

تفسير : {إنَّما يأمركُم بالسّوء والفَحشاء وأن تقُولوا علَى الله مالا تعلمونَ} بيان لعداوته ووجوب التحرز عن اتباعه، وهو أيضا بيان لظهور عداوته، فإن من يأمرك بالسوء والفحشاء والقول بما لا تعلم، ولا يأمرك بخير اصلا لا تخفى عداوته، بل هى ظاهره فإن الشيطان يأمر بما يسوء الإنسان ويضره ويغم قلبه فى الدنيا كالآخرة، وبما يفحش أى يقبح فهو يقبح على الفاعل وينقص منه ويعير به فى الدنيا كالآخرة، وقد ينصح إلى ذلك قطع يده أو جلده أو رجمه ونحو ذلك من الحدود، وهى أمر ضار وبأن يقول ما لا يعلم، فإنه ضرر فى الدنيا كالآخرة، كالبهتان وتصديق القائل بلا بينة، وتحريم ما حل، ونحو ذلك ألا ترى أن ضرر البهتان الجلد حيث يجب والتغرير والأدب والحبس والنكال بحسب الحال والنظر، وقد يوقع ذلك فى ضمان المال والنفس وكذا تصديق القائل بلا بينة، وكذا تحريم ما حل ففيه تضييق الواسع. وفيه الحجر على الناس فيأخذ من كسر الحجر الباطل فيضره، فقد يؤخذ منه ثأر ضرره فذلك ونحوه ضرر ظاهر، فقد ظهرت عداوة من يأمرك به، ثم إنه لا مفى أن أمر الشيطان هو وسوسته وتزيينه، وأنه يطلب الفعل، فإن قلنا: إن الطلب أو الإخبار بغير اللسان المسموع كالإشارة والرشوة كلام حقيق فى اللغة، فالأمر حقيق. وإن قلنا: إنه كلام مجازا فى اللغة كالإصطلاح، ففى يامر استعارة تصريحية تبعية شبه تزينه ووسوسته وبعثه إلى الشر يأمر باللسان المسموع بجامع الدعاء إلى الشئ، فاشتق منه يأمر، وفيه تشنيع عليهم بكونهم مأمورين للشيطان، وبأن وسوسته الضعيفة أثرت فيها كالنطق الصحيح الصريح، وقيل الأمر حال الكهانة فهو حقيقة أيضاً، ولك أن تقول المراد عموم الدعاء إلى الشر بقطع النظر عن كونه فى الكهانة، أو كونه بالوسوسة، وكونه حقيقة أو مجازاً، فهو حقيقة أيضاً، والسوء والفحشاء شئ واحد، وهو المعاصى، ولكن عطفهما كالمتغايرين باعتبار الوصفين، فإن المعصية من حيث إنها تسوء صاحبها وغيره دنيا وأخرى، تسمى سوءاً، ومن حيث إنها قبيحة تسمى فحشاء، كأنهُ قيل يأمرهم بشئ يسوء ويقبح، وجمعهما مع القول بغير علم، وهو عام فى كل قول بلا علم إشارة إلى القوى الثلاث، فإن السوء وهو الإضرار يتولد من إفراط القوة الغضبية، والفحشاء تتولد من إفراط القوة الشهوانية، والقول بلا علم يتولد من إفراط القوة النطقية، لشوب العقل بالوهم الذى سخره الشيطان.. وقيل: السوء الإثم الصغير والكبير الذى يسوء فاعله ويخزيه، والفحشاء الكبيرة التى ظهر قبحها أو اشتد قبحها، والسوء قبيح أيضاً، لكنه دون الفحشاء، أو لم يظهر قبحه للعامة وسواء فى ذلك القول والفعل والاعتقاد. وعن ابن عباس رحمهما الله تعالى: السوء مالا حد فيه، والفحشاء ما فيه الحد، وقيل الفحشاء الزنى، وقيل ما تفاحش ذكره، وقيل البخل، قيل: وأصل الفحش قبح المنظر، ثم استعمل فيما يستقبح، والشرع عندنا وعند الجمهور هو الذى يحسن ويقبح، وبهذا الاعتبار نقول: كلما نهى عنه الشرع فهو فحشاء إذا كان نهى تحريم. وقيل: المراد بقولهم: {ما لا يعلمون} تحريم الحرث والبحيرة والسائبة ونحو ذلك، وكذا قال الطبرى. وقيل: إتخاذ الأنداد، وتحريم الطيبات، وتحليل المحرمات، والتحقيق ما فسرته به من القول بلا علم صحيح مطلقاً، فيدخل فيه القول بحل ما حرم من العلم بحرمته والقول بتحريم ما حل مع العلم بحله، والقل بحل شئ أو حرمته مع عدم العلم بحل ولا حرمة، ولا إفتاء بلا علم، والقضاء بلا علم، والجزم بالظن، والمذاهب الباطلة كمذاهب إثبات الرؤية، فإن حديث إثباته إما كذب منهم، وإما مأول بما هو غير الرؤية كما يأتى فى محله. وأما قولنا فى الاجتهاد فإنه ـ ولو كان ظنا ـ لكنه لما كان مستنداً إلى أمر شرعى كان وجوبه قطعاً، وكان بما يعبد الله به، وكان من جملة العلم والوسوسة فعل الشيطان مخلوقة لله، وهى حروف وأصوات منتظمة خفيفة وهمية تشبه الكلام أقدر الله عز وجل الشيطان على إيصالها إلى باطن الإنسان والجن. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم"،تفسير : وخطأ عندنا من زعم أن الوسوسة فعل الله، تعالى الله عن ذلك، والقول بذلك كفر إلا إن أراد قائله بالفعل الإيجاد والخلق.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} الذنب الكبير والصغير {وَالْفَحْشَاءِ} الذنب الكبير المتجاوز الحد فى القبح، فالفحشاء أخص من السوء، ويجوز أن يكونا بمعنى واحد إلا أنه من حيث أنه يسوء فاعله وغيره سوء، ومن حيث إنه قبيح فحشاء، أو السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه الحد، وقيل هما بمعنى واحد، وهو ما أنكره العقل وحكم بأنه ليس فيه مصلحة وعاقبة حميدة، واستقبحه الشرع، وقوله تعالى: "أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَٰحِشَ" تفسير : [الأعراف: 33] دليل على أن كل معصية ولو صغيرة تسمى فاحشة، والأمر المذكور عن الشيطان حقيقة، لأنه يقول، افعلوا كذا على طريق الالتماس، على أنه يسويهم بنفسه، أو لأنه يدعى العلو عليهم، ولو لم يكن عنده أو اعتقد أنه أعلى، ولا حاجة إلى أن تقول شبه الوسوسة فى المعاصى بالأمر بها، ولا إلى أن نقول شبه تزيين المعاصى بالأمر بها، عَلَى أن ذلك استعارة، ولا يلزم من الأمر ولو كان من عال تسلط قهر، فلا مناداة بين الآية وقوله تعالى: "أية : ليس لك عليهم سلطان" تفسير : [الحجر: 42]، {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أى وبأن تقولوا كاذبين على الله، أو ضمَّن تقولوا معنى الكذب، أو عن الله ما لا علم لكم به، من تحريم السائبة ونحوها، وتحليل الميتة ونحوها، واتخاذ الأنداد، وليس قول المجتهد قولا بما لا يعلم، لأنه يقول استدلالا بما يستنبط من القرآن والسنة والإجماع، قصداً للحق لا اتباعاً للهوى، وقد أباح الله له ذلك، وإن اختلف المجتهدون فالحق عند الله مع واحد فقط، وغيره مأجور، ويجوز العمل بما قال، وقد يكون الحق عند الله غير ما قالوا، مع أن ما قالوا لا يعد ضلالا عليهم، وقالت المعتزلة: الحق متعدد بحسب أقوال المجتهدين، وهو ضعيف، وإما أن يقال كل واحد مأجور يجوز العمل بما قال، وأن كل واحد العمل به حق فى حق المقلد فلا بأس.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوء وَٱلْفَحْشَاء} استئناف لبيان كيفية عداوته وتفصيل لفنون شره وإفساده وانحصار معاملته معهم في ذلك، أو علة للعلة بضم، وكل من هذا شأنه فهو ـ عدو مبين ـ أو علة للأصل بضم، وكل من هذا شأنه لا يتبع فيكون الحكم معللاً بعلتين ـ العداوة ـ والأمر بما ذكر وليس الأمر على حقيقته لا لأن قوله تعالى:{أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ }تفسير : [الإسراء: 65] ينافي ذلك لكونه مبنياً على أن المعتبر في الأمر العلو ـ كما هو مذهب المعتزلة ـ وإلا فمجرد الاستعلاء لا ينافي أن يكون له سلطان، وعلى أن يكون ـ عبادي ـ لعموم الكل بدليل الاستثناء، وعلى أن الخطاب في {يَأْمُرُكُمْ} لجميع الناس لا للمتبعين فقط، ولا منافاة أيضاً بل لأنا نجد من أنفسنا أنه لا طلب منه للفعل منا وليس إلا التزيين والبعث فهو استعارة تبعية لذلك ويتبعها الرمز إلى أن المخاطبين بمنزلة المأمورين المنقادين له، وفيه تسفيه رأيهم وتحقير شأنهم، ولا يرد أنه إذا كان الأمر بمعنى التزيين فلا بد أن يقال: يأمر لكم، وإن كان بمعنى البعث فلا بد أن يقال: يأمركم على السوء أو للسوء إذ المذكور لفظ الأمر فلا بد من رعاية طريق استعماله. ـ والسوء ـ في الأصل مصدر ساءه يسوؤه سوءاً أو مساءة إذا أحزنه، ثم أطلق على جميع المعاصي سواء كانت قولاً أو فعلاً أو عقداً لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها، و {ٱلْفَحْشَاءِ} أقبح أنواعها وأعظمها مساءة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السوء ما لا حد فيه، و {ٱلْفَحْشَاءِ} ما فيه حد، وقيل: هما بمعنى وهو ما أنكره العقل وحكم بأنه ليس فيه مصلحة وعاقبة حميدة واستقبحه الشرع، والعطف حينئذٍ لتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الحقيقتين فإن ذلك سوء لاغتمام العاقل، وفحشاء باستقباحه إياه، ولعل الداعي إلى هذا القول أنه سبحانه سمى جميع المعاصي والفواحش سيئة في قوله جل شأنه: {أية : مَن كَسَبَ سَيّئَةً }تفسير : [البقرة: 81] و {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ }تفسير : [هود: 114] {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى:40] وسمى جميع المعاصي بالفواحش فقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }تفسير : [الأعراف: 33] ويمكن أن يقال: سلمنا ولكن السيئة والفاحشة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا فلا يتم الاستدلال. {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} عطف على سابقه أي ـ ويأمركم الشيطان بأن تفتروا على الله الكذب بأنه حرم هذا ـ وأحل هذا أو بذلك وبأنه أمر باتخاذ الأنداد ورضي بما أنتم عليه من الإفساد،/ والتنصيص على الأمر بالتقول مع دخوله فيما سبق للاهتمام بشأنه، ومفعول العلم محذوف أي ـ ما لا تعلمون ـ الإذن فيه منه تعالى، والتحذير عن ذلك مستلزم للتحذير عن التقول عليه سبحانه بما يعلمون عدم الإذن فيه كما هو حال كثير من المشركين استلزاماً ظاهراً.ِ وظاهر الآية المنع من اتباع الظن رأساً لأن الظن مقابل للعلم لغة وعرفاً، ويشكل عليه أن المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص فكيف يسوغ اتباعه للمقلد؟! وأجيب بأن الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به للديل القاطع وهو الإجماع، وكل حكم يجب العمل به قطعاً علم قطعاً بأنه حكم الله تعالى وإلا لم يجب العمل به قطعاً، وكل ما علم قطعاً أنه حكم الله تعالى فهو معلوم قطعاً، فالحكم المظنون للمجتهد معلوم قطعاً وخلاصته أن الظن كاف في طريق تحصيله ثم بواسطة الإجماع لى وجوب العمل صار المظنون معلوماً وانقلب الظن علماً، فتقليد المجتهد ليس من اتباع الظن في شيء، وزعم ذلك من اتباع الظن وتحقيقه في الأصول.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. لم يبين هنا هذا الذي يقولونه عليه بغير علم، ولكنه فصله في مواضع أخر فذكر أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو: أن الله حرم البحائر والسوائب ونحوها، وأن له أولاداً، وأن له شركاء، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} تفسير : [المائدة: 103]، وقوله: {أية : وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 140] الآية، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} تفسير : [يونس: 59] الآية، وقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَام}تفسير : [النحل: 116]، إلى غير ذلك من الآيات. ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله: {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [يونس: 18] ونحوها من الآيات، ونزه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَه} تفسير : [البقرة: 116] الآية، ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل ما أجمل في اسم الموصول الذي هو ما، من قوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

د. أسعد حومد

تفسير : (169) - والشَّيطَانُ العَدُوُّ يُوَسْوِسُ لِلْكَفَرَةِ وَالمُشْرِكِينَ، وَيَحثُّهُمْ عَلَى الإِتيانِ بالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ المُنْكَرَةِ، وَالفَوَاحِشِ، وَالقَوْلِ عَلَى اللهِ في دِينِهِ مَا لا يُعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّهُ شَرَعَهُ للناَّسِ، مِنْ عَقَائِدَ وَشَعَائِرَ دِينِيَّةٍ، أَوْ تَحْلِيلِ مَا الأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ. يَأمُرُكُمْ بِالسُّوءِ - بِالمَعَاصِي. الفَحْشاءِ - مَا عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسوء هو كل ذنب لا حد فيه، مثل الغيبة أو النميمة، والفحشاء هي كل ذنب فيه حد وفيه عقوبة. والشيطان يأمركم أن تقولوا على الله ما تجهلون. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ...}.