٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
170
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله: {لَهُمْ } على ثلاثة أقوال أحدها: أنه عائد على {مِنْ } في قوله: {أية : مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا } تفسير : [البقرة: 165] وهم مشركو العرب، وقد سبق ذكرهم وثانيها: يعود على {ٱلنَّاسِ } في قوله: {أية : يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } تفسير : [البقرة: 21] فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون وثالثها: قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خير منا، وأعلم منا، فعلى هذا الآية مستأنفة، والكناية في {لَهُمْ } تعود إلى غير مذكور، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الكسائي يدغم لام {هَلُ } و {بَلِ } في ثمانية أحرف: التاء كقوله {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ } تفسير : [الأعلى: 16] والنون {بَلْ نَتَّبِعُ } والثاء {أية : هَلْ ثُوّبَ } تفسير : [المطففين: 36] والسين {أية : بَلْ سَوَّلَتْ } تفسير : [يوسف: 18] والزاي {أية : بَلْ زُيّنَ } تفسير : [الرعد: 33] والضاد {أية : بَلْ ضَلُّواْ } تفسير : [الأحقاف: 28] والظاء {بَلْ ظَنَنْتُمْ } والطاء {أية : بَلْ طَبَعَ } تفسير : [النساء: 155] وأكثر القراء على الإظهار، ومنهم من يوافقه في البعض، والإظهار هو الأصل. المسألة الثانية: {أَلْفَيْنَا } بمعنى وجدنا، بدليل قوله تعالى في آية أخرى {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا } تفسير : [لقمان: 21] ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ } تفسير : [يوسف: 25] وقوله: {أية : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ } تفسير : [الصافات: 69]. المسألة الثالثة: معنى الآية: أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله: {أَوْ لَّوْ كَانَ آباؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الواو في {أَوْ لَوْ } واو العطف، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه. الثانية: تقرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقاً أم لا؟ فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقاً، فكيف عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم / كونه محقاً، فاذن قد جوزت تقليده، وإن كان مبطلاً فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل وثانيها: هب أن ذلك المتقدم كان عالماً بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالماً بذلك الشيء قط وما اختار فيه ألبتة مذهباً، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا وثالثها: أنك إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفاً له، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلاً. المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان، وبين متابع التقليد، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والإستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. المسألة الرابعة: قوله: {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } لفظ عام، ومعناه الخصوص، لأنهم كانوا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به الخاص. المسألة الخامسة: قوله: {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } المراد أنهم لا يعلمون شيئاً من الدين وقوله تعالى: {وَلاَ يَهْتَدُونَ } المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية اكتسابه.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} يعني كفّار العرب. ٱبن عباس: نزلت في اليهود. الطبري: الضمير في «لهم» عائد على الناس من قوله تعالى: {يـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ}. وقيل: هو عائد على «من» في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 165] الآية. وقوله: {ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي بالقبول والعمل. {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} ألفينا: وجدنا. وقال الشاعر:شعر : فألْفَيْتُه غير مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكرِ اللَّهَ إلاّ قليلاَ تفسير : الثانية: قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} الألف للاستفهام، وفُتحت الواو لأنها واو عطف، عَطفتْ جملة كلام على جملة؛ لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا: نَتّبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون؛ فقُرِّروا على التزامهم هذا، إذ هي حال آبائهم. مسألة: قال علماؤنا: وقُوّة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد؛ ونظيرها: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} تفسير : [المائدة: 104] الآية. وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما؛ وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكّمت فيه بآرائها السَّفيهة في البَحِيرة والسائبة والوصِيلة؛ فٱحتجّوا بأنه أمْرٌ وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه؛ فالضمير في «لهم» عائد عليهم في الآيتين جميعاً. الثالثة: تعلّق قوم بهذه الآية في ذمّ التقليد لذمّ الله تعالى الكفارَ بٱتباعهم لآبائهم في الباطل، وٱقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدِّين، وعصْمةٌ من عِصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصِّر عن دَرْك النظر. وٱختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي؛ وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح. الرابعة: التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة؛ وعلى هذا فَمَن قَبِل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مُقَلِّداً؛ وأمّا من نظر فيها فلا يكون مُقَلِّداً. وقيل: هو اعتقاد صحة فُتْيَا مَن لا يعلم صحة قوله. وهو في اللغة مأخوذ من قِلادة البعير؛ فإن العرب تقول: قَلَّدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلاً يُقاد به؛ فكأن المقلِّد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء؛ وكذلك قال شاعرهم:شعر : وقلِّدوا أمركم لله دَرّكُم ثَبْتَ الجَنان بأمر الحرب مضطّلعَا تفسير : الخامسة: التقليد ليس طريقاً للعلم ولا مُوصّلا له، لا في الأصول ولا في الفروع؛ وهو قول جمهور العقلاء والعلماء؛ خلافاً لما يحكى عن جُهّال الحشوية والثّعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق، وأن ذلك هو الواجب، وأن النظر والبحث حرام؛ والاحتجاج عليهم في كتب الأصول. السادسة: فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم مَن في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه؛ لقوله تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43، الأنبياء: 7]، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه، حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس. وعلى العالم أيضاً فرض أن يقلد عالماً مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر، وأراد أن يجدّد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب، فضاق الوقت عن ذلك، وخاف على العبادة أن تفوت، أو على الحكم أن يذهب، سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابياً أو غيره؛ وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين. السابعة: قال ٱبن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد. وذكر فيه غيره خلافاً كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس الشافعي. قال ٱبن درباس في كتاب «الانتصار» له: وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد؛ وهو خطأ لقوله تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف، 22]. فذمّهم بتقليدهم آباءهم وتركهم ٱتباع الرسل؛ كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم ٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه؛ ولأنه فرض على كل مكلّف تعلُّم أمر التوحيد والقطع به؛ وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسُّنة، كما بيّناه في آية التوحيد، والله يهدي من يريد. قال ٱبن درباس: وقد أكثر أهل الزَّيْغ القولَ على مَن تمسّك بالكتاب والسُّنة أنهم مقلِّدون. وهذا خطأ منهم، بل هو بهم أَلْيَق وبمذاهبهم أَخْلَق؛ إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسُنّة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ فكانوا داخلين فيمن ذَمّهم الله بقوله: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} تفسير : [الأحزاب: 67] إلى قوله: {كَبِيراً} وقوله: {أية : إِنَّا وَجَدْنَا آباءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون}تفسير : [الزخرف: 23]. ثم قال لنبيّه: {أية : قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [الزخرف: 24] ثم قال لنبيّه عليه السلام {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} الآية. فبيّن تعالى أن الهُدَى فيما جاءت به رسله عليهم السلام. وليس قول أهل الأثر في عقائدهم: إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسُّنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من قولهم: إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل؛ لأن هؤلاء نَسبوا ذلك إلى التنزيل وإلى متابعة الرسول؛ وأولئك نَسبوا إفْكَهم إلى أهل الأباطيل، فٱزدادوا بذلك في التضليل؛ ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال: {أية : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [يوسف: 38]. فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياءَ متّبِعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ٱرتضاه الله، كان ٱتباعه آباءه من صفات المدح. ولم يجىء فيما جاءوا به ذكر الأعراض وتعلّقها بالجواهر وٱنقلابها فيها؛ فدلّ على أن لا هُدَى فيها ولا رشد في واضعيها. قال ٱبن الحصّار: وإنما ظهر التلفّظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما تُرجمت كتب الأوائل وظهر فيها ٱختلافهم في قدم العالَم وحدوثه. وٱختلافهم في الجوهر وثبوته، والعَرَض وماهيّته؛ فسارع المبتدعون ومَن في قلبه زَيغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات، وقصدوا بها الإغراب على أهل السُّنة، وإدخال الشُّبه على الضعفاء من أهل المِلّة. فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البِدْعة، وصارت للمبتدِعة شِيعة، وٱلتبس الأمر على السلطان؛ حتى قال الأمير بخلق القرآن، وجبر الناس عليه، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك. فانتدب رجال من أهل السُّنة كالشيخ أبي الحسن الأَشْعَرِي وعبد اللَّه بن كُلاَّب وٱبن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم؛ فخاضوا مع المبتدِعة في إصطلاحاتهم، ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم. وكان مَن دَرجَ من المسلمين من هذه الأمة متمسّكين بالكتاب والسُّنة، معرضين عن شُبَه الملحدين، لم ينظروا في الجوهر والعَرض؛ على ذلك كان السَّلف. قلت: ومن نظر الآن في ٱصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدِّين فمنزلته قريبة من النبّيين. فأمّا مَن يهجن من غلاة المتكلمين طريق منَ أخذ بالأثر من المؤمنين، ويحض على درس كتب الكلام، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدّمين من الأئمة الماضين؛ والله أعلم. وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بيّن في القرآن؛ وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون. {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا} ما وجدناهم عليه نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل الله من الحجج والآيات، فجنحوا إلى التقليد. وقيل في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا لأنهم كانوا خير منا وأعلم. وعلى هذا فيعم ما أنزل الله التوراة لأنها أيضاً تدعو إلى الإسلام. {أَوَ لَّوْ كَانَ آباؤهُم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} الواو للحال، أو العطف. والهمزة للرد والتعجيب. وجواب {لَوْ } محذوف أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين، ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد. وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهو في الحقيقة ليس بتقليده بل اتباع لما أنزل الله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا، أي: وجدنا عليه آباءنا، أي: من عبادة الأصنام والأنداد، قال الله تعالى منكراً عليهم: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ} أي: الذين يقتدون بهم، ويقتفون أثرهم {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} أي: ليس لهم فهم ولا هداية. وروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأنزل الله هذه الآية، ثم ضرب لهم تعالى مثلاً؛ كما قال تعالى: {أية : لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} تفسير : [النحل: 60] فقال: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي: دعاها إلى ما يرشدها، لا تفقه ما يقول، ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. هكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا. وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئاً، واختاره ابن جرير، والأول أولى؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئاً، ولا تعقله ولا تبصره، ولا بطش لها ولا حياة فيها. وقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} أي: صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي: لا يعلمون شيئاً ولا يفهمونه. كما قل تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الأنعام:39]
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ } أي الكفار {ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } من التوحيد وتحليل الطيبات {قَالُواْ } لا {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا } وجدنا {عَلَيْهِ ءَابَاءنَا } من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر قال تعالى: {أ} يتبعونهم {وَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } من أمر الدين {وَلاَ يَهْتَدُونَ } إلى الحق والهمزة للإنكار.
الماوردي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتٌّبِعُوا مَا أَنَزَلَ اللهُ} يعني في تحليل ما حرموه من الأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام { قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا} يعني في تحريم ذلك عليهم. قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} فيه قولان: أحدهما: أن مثل الكافر فيما يوعظ به مثل البهيمة التي ينعق بها تسمع الصوت ولا تفهم معناه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه،وهذا قول ابن زيد. {صُمُّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي صم عن الوعظ فلا يسمعونه، بكم عن الحق فلا يذكرونه، عمي عن الرشد فلا يبصرونه فهم لا يعقلونه، لأنهم إذا لم يعملوا بما يسمعونه ويقولونه ويبصرونه كانوا بمثابة من فقد السمع والنطق والبصر. والعرب تقول لمن سمع ما لا يعمل به: أصم. قال الشاعر: شعر : ....................... أصمُّ عَمّا ساءَه سميعُ
ابن عبد السلام
تفسير : {اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ} في تحليل ما حرمتموه {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ} آباءنا في تحريمه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ...} (قال) ابن عطية/: يعني كفار العرب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في اليهود وقال الطبري: الضمير في (لهم) عائد على النّاس في قوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ } تفسير : وقال ابن عرفة: وهذا بناء على أن ذلك الخطاب خاص بكفار قريش. وقال الزمخشري: الضمير للناس (وعدل) عن الخطاب إلى الغيبة التفاتا. ورده ابن عرفة بوجهين: - الأول: أنه يحتاج إلى تخصيص عموم الناس بكفار قريش. - الوجه الثاني: أنّ الأول أمر وهذا خبر فيبعد فيه الالتفاف. قوله تعالى: {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}. "بَلْ" هنا عاطفة، والإضراب (بها هنا) للانتقال لا للإبطال لأنه أي الإبطال: لا يشترط فيه أن يكون ما قبلها وما بعدها من لفظ متكلّم واحد حقيقة أو حكما، وليس هو كذلك هنا فإن المعنى قالوا: بل نتبع. وقوله: {مَآ أَلْفَيْنَا} قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما لم يقولوا ما وجدنا عليه آباءنا ولو كان المعنى واحدا لأن الوجدان يكون اتفاقيا على غفلة (من) غير (قصد) ومنه وجدان الضالة. "وألفينا" يقتضي وجدان ما كان ثابتا دائما مستقرا. قال ابن عطية: الآية دالة على ابطال التقليد، وأجمعت (الأمة) على إبطاله في العقائد. وحكى الأستاذ أبو اسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز التقليد في العقائد. وحكى المقترح في شرح الإرشاد ثلاثة طرق منهم من ينقل الإجماع (على الجواز ومنهم من ينقل الإجماع) على المنع، ومنهم من يحكي الخلاف بين الشيخ القاضي (أبي بكر الباقلاني) والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني وتوقف ابن العربي، وأجمعوا على أنّ الفرض من أصول الدين معرفة الله تعالى على الجملة، وأما معرفة دقائق ذلك العلم والتبحر فيه ومعرفة الله بالدلائل القوية الدقيقة فهو فرض كفاية. قاله ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية. وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب والآمدي: لا (تقليد) في العقليات كوجود الباري، وقال (الفخر) بجوازه، وقيل: النظر فيه حرام، ولنا الإجماع على وجوب ذلك والتقليد لا يحصل بجواز الكذب ولأنه كان يحصل بحدوث العالم ولأنه لو حصل لكان نظرا ولا دليل (عليه) قاله الشيخ ابن الحاجب. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول إن هذه الآية دليل على صحة ما يقول الأصوليون من أنّ الفعل في الإثبات قد يكون عاما مع القرينة لأن همزة الإنكار عليهم في حال عدم العقل تدل على أنهم قصدوا اتّباعهم مطلقا في حالة العقل و عدمه، أي أيَتّبعون إياهم، ولو كانوا لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئا وَلاَ يَهْتَدُونَ. وهذا نفي أخص، فالتأكيد بالمصدر دخل على المنفي، (فأكده) لأنه سابق على النفي. وإن جعلت شيئا مفعولا لم يحتج إلى هذا. فإن قلت: ما أفاد قوله {وَلاَ يَهْتَدُونَ} مع أنّ نفي (العقل) عنهم يستلزم نفي الاهتداء؟ فالجواب: أن المراد لايعقلون (شيئا) من ذات أنفسهم ولو (نبّههم) غيرهم لما اهتدوا.
ابن عادل
تفسير : الضمير في "لَهُمْ" فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه يعود على "مَنْ في قوله {أية : مَن يَتَّخِذُ}تفسير : [البقرة: 165]. الثاني: قال بعض المفسِّرين: نزلت في مشركي العرب، فعلى هذا: الآية متَّصلة بما قبلها، ويعود الضمير عليهم؛ لأنَّ هذا حالهم. الثالث: أنه يعود على اليهود؛ لأنَّهم أشدُّ الناس اتِّباعاً لأسلافهم. روي عن ابن عبَّاس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال رافع بن خارجة، ومالك بن عوفٍ: "بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ فهم كانوا خيراً منَّا، وأَعْلَمَ منَّا" فأنزل الله هذه الآية الكريمة. وقال بعضهم: هذه قصَّةٌ مستأنفةٌ، والهاء والميم في "لَهُمْ" كناية عن غير مذكور. الرابع: أنه يعود على "النَّاس" في قوله" يَأَيُّهَا النَّاسُ" قاله الطبريُّ، وهو ظاهرٌ إلاَّ أن ذلك من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وحكمته: أنَّهم أبرزوا في صورة الغائب الذي يتعجَّب من فعله، حيث دعي إلى شريعة الله تعالى والنُّور والهدى، فأجاب باتِّباع شريعة أبيه. قوله: "بَلْ نَتَّبعُ" "بَلْ" ههنا: عاطفةٌ هذه الجملة على جملة محذوفةٍ قبلها، تقديره: "لا نَتَّبعُ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، بل نَتَّبعُ كذا" ولا يجوز أن تكون معطوفةً على قوله: "اتَّبعوا" لفساده، وقال أبُو البَقَاءِ: "بل" هنا للإضراب [عن الأوَّل، أي: "لاَ نَتَّبعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ"، وليس بخروج من قصَّة إلى قصَّة، يعني بذلك: أنه إضراب إبطال]، لا إضراب انتقالٍ؛ وعلى هذا، فيقال: كلُّ إضرابٍ في القرآن الكريم، فالمراد به الانتقال من قصًّةٍ إلى قصَّةٍ إلاَّ في هذه الآية، وإلاَّ في قوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [السجدة: 3]، فإنه محتملٌ للأمرين؛ فإن اعتبرت قوله: "أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ"، كان إضراب انتقالٍ، وإذا اعتبرت "افْتَرَاهُ" وحده، كان إضراب إبطالٍ. والكسائيُّ يدغم لام "هَلْ" و "بَلْ" في ثمانية أحرفٍ: التاء؛ كقوله: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ}تفسير : [الأعلى: 16] والنُّون: "بَلْ نَتَّبعُ" والثَّاء" {أية : هَلْ ثُوِّبَ}تفسير : [المطففين: 36] والسِّين: {أية : بَلْ سَوَّلَتْ}تفسير : [يوسف: 18]، والزَّاي: {أية : بَلْ زُيِّنَ}تفسير : [الرعد: 33]، والضَّاد: {أية : بَلْ ضَلُّواْ}تفسير : [الأحقاف: 28] والظَّاء: {أية : بَلْ ظَنَنتُمْ}تفسير : [الفتح: 12] والطَّاء: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 155]، وأكثر القرَّاء على الإظهار، ووافقه حمزة في التاء والسين، والإظهار هوالأصل. قوله: "أَلْفَيْنَا" في "أَلْفَى" هنا قولان: أحدهما: أنَّها متعدِّية إلى مفعولٍ واحدٍ، لأنها بمعنى "وَجَدَ" التي بمعنى "أَصَابَ"؛ بدليل قوله في آية أخرى: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا}تفسير : [لقمان: 21] وقوله: {أية : وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ}تفسير : [يوسف: 35] وقولهم: {أية : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ}تفسير : [الصافات: 69]، فعلى هذا: يكون "عَلَيْهِ" متعلِّقاً بقوله: "أَلْفَيْنَا". والثاني: أنها متعدِّية إلى اثنين. أولهما: "آبَاءَنَا"، والثاني: "عَلَيهِ"، فقُدِّم على الأول. وقال أبو البقاء - رحمه الله -:["هي محتملةٌ للأمرين - أعني كونها متعدِّية لواحد أو لاثنين" -؛ قال أبو البقاء:] و"لامُ "أَلْفَيْنَا" واوٌ؛ لأن الأصل فيما جُهل من اللاَّمات أن تكون واواً، يعني: فإنه أوسع وأكثر؛ فالرَّدُّ إليه أولى. ومعنى الآية: أنَّ الله - تبارك وتعالى - أمرهم بأن يتَّبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرَّموا على أنفسهم من الحرث، والأنعام، والبحيرة، والسَّائبة. أو ما أنزل الله من الدَّلائل الباهرة، قالوا: لا نتَّبع ذلك، وإنما نتبع آباءنا، وأسلافنا، فعارضوه بالتَّقليد، فأجابهم الله تعالى بقوله: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ}، فالهمزة في "أَوَلَوْ" للإنكار، وأما الواو، [ففيها قولان: أحدهما - قاله الزمخشريُّ -: أنَّها واو الحال. والثاني - قال به أبو البقاء، وابن عطيَّة -: أنَّها للعطف، وقد تقدَّم الخلاف في هذه الهمزة الواقعة قبل "الواو" و "الفاء" و "ثُمَّ"، هل] بعدها جملة مقدَّرةٌ، وهو رأي الزمخشري؛ ولذلك قدَّر ههنا: "أَيَتَّبِعُونَهُمْ، وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً مِنَ الدِّينِ، وَلاَ يَهْتَدُونَ لِلصَّوَابِ؟" أو النية بها التأخير عن حرف العطف؟ وقد جمع أبو حيَّان بين قول الزمخشريِّ، وقول ابْنِ عَطيَّة، فقال: والجمع بينهما: أنَّ هذه الجملة المصحوبة بـ"لَوْ" في مثل هذا السِّياق جملةٌ شرطيةٌ، فإذا قال: "اضْرِبْ زَيْداً، وَلَوْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ"، فالمعنى: "وَإِنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ" وكذلك: "أَعْطُوا السَّائِلَ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَس" "رُدُّوا السَّائِلَ، وَلَوْ بِشِقَّ تَمْرَةٍ"، المعنى فيهما "وإِنْ" وتجيء "لَوْ" هنا؛ [تنبيهاً] على أنَّ ما بعدها لم يكن يناسب ما قبلها، لكنَّها جازت لاستقصاء الأَحوال التي يقع فيها الفعل، ولتدلَّ على أن المراد بذلك وجود الفعل في كلِّ حالٍ؛ حتَّى في هذه الحال الَّتي لا تناسب الفعل؛ ولذلك لا يجوز: "اضْرِبْ زَيْداً، وَلَوْ أَسَاءَ إِلَيْكَ"، ولا "أَعْطُوا السَّائِلَ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجاً" فإذا تقرَّر هذا، فالواو في "وَلَوْ" في الأمثلة التي ذكرناها عاطفةٌ على حالٍ مقدَّرة، والمعطوف على الحال حالٌ؛ فصحَّ أن يقال: إنَّها للحال من حيث عطفها جملةً حاليَّةً على حالٍ مقدَّرةٍ، وَصَحَّ أن يقال: إنَّها للعطف من حيث ذلك العطف، فالمعنى - والله أعلم -: أنها إنكارُ اتِّبَاعِ آبائهم في كلِّ حالٍ؛ حتى في الحالة الَّتي لا تناسب أن يتبعوهم فيها، وهي تلبُّسهم بعدم العقل والهداية؛ ولذلك لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على "لَوْ" إذا كانت تنبيهاً على أنَّ ما بعدها لم يكن مناسباً ما قبلها، وإن كانت الجملة الحاليَّةُ فيها ضميرٌ عائدٌ على ذي الحال؛ لأنَّ مجيئها عاريةً من هذه الواو مؤذنٌ بتقييد الجملة السَّابقة بهذه الحال، فهو ينافي استغراق الأحوال؛ حتى هذه الحال، فهما معنيان مختلفان؛ ولذلك ظهر الفرق بين:"أَكْرِمْ زَيْداً، لَوْ جَفَاكَ"، وبين: "أَكْرِمْ زَيْداً، وَلَوْ جَفَاكَ". انتهى. وهو كلامٌ حسنٌ. وجواب "لو" محذوفٌ، تقديره: "لاَتَّبَعُوهُمْ" وقدره أبو البَقَاءِ: "أفكَانُوا يَتَّبِعُونَهُمْ؟" وهي تفسير معنًى لأن "لَوْ" لا تجاب بهمزة الاستفهام، قال بعضهم: ويقال لهذه الواو أيضاً واو التَّعَجُّب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ. فصل في بيان "معنى التقليد" قال القرطبيُّ: التقليد عند العلماء: "حقيقةُ قَبُولِ قَوْلٍ بلا حُجَّةٍ"؛ وعلى هذا فمن قبل قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غير نظرٍ في معجزته، يكون مقلِّداً، وأمَّا من نظر فيها، فلا يكون مقلِّداً. وقيل: "هو اعتقادُ صٍحَّة فُتْيَا مَنْ لا يَعْلَم صحَّة قوله"، وهو في اللُّغة مأخوذٌ من قلادة البعير، تقول العرب: قلَّدت البعير؛ إذا جعلت في عنقه حبلاً يقاد به؛ فكأنَّ المقلِّد يجعل أمره كلَّه لمن يقوده حيث شاء؛ ولذلك قال شاعرهم: [البسط] شعر : 891 - وَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمُ ثَبْتَ الجَنَانِ بَأَمْرِ الحَرْبِ مُضْطَلِعا تفسير : فصل في المراد بالآية والمعنى: "أَيَتَّبِعُونَ آباءَهُمْ، وإن كانوا جُهَّالاً لا يَعْقِلُون شيئاً"، لفظه عامٌّ، ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا لا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا؛ فدلَّ هذا على أنهم لا يعقلون شيئاً من الدِّين، ولا يهتدون إلى كيفيَّة اكتسابه. وقوله"شيئاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به؛ فيعمُّ جميع المعقولات؛ لأنَّها نكرةٌ في سياق النفي، ولا يجوز أن يكون المراد نفي الوحدة، فيكون المعنى: لا يعقلون شيئاً "بَلْ أَشْيَاءً من العَقْلِ" وقدَّم نفي العقل على نفي الهداية؛ لأنَّه يصدرعنه جميع التصرُّفات. الثاني: أن ينتصب على المصدريَّة، أي: "لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً". فصل في تقرير هذا الجواب في تقرير هذا الجواب وجوه: الأوَّل: أنه يقال للمقلِّد: هل تعترف بأنَّ شرط جواز تقليد الإنسان: أن يعلم كونه مُحِقَّا، أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده، إلاَّ بعد أن تعلم كونه محقّاً، أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده، إلاَّ بعد أن تعلم كونه محقًّا، فكيف عرفت أنه محقٌّ؛ فإن عرفته بتقليدٍ آخر، لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل، فذاك كافٍ، ولا حاجة إلى التَّقليد، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده: أن يعلم كونه محقّاً، فإذن: قد جوَّزت تقليده، وإن كان مبطلاً، فإذن: انت على تقليدك لا تعلم أنَّك محقٌّ، أم مبطل. وثانيها: هب أن ذلك المتقدِّم كان عالماً بهذا إلاَّ أنَّا لو قدَّرنا أن ذلك المتقدِّم ما كان عالماً بذلك الشَّيء قطُّ، ولا اختار فيه ألبتة مذهباً، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أنك لا تعلم ذلك المتقدِّم، [ولا مذهبه، كان لا بُدَ من العُدُول إلى النَّظَر فكذا ههنا. وثالثها: أنك إذا قلَّدت من قبلك، فذلك المتقدِّم]: إن كان عرفه بالتقليد، لزم إما الدَّور، وإمَّا التسلسل، وإن عرفه بالدليل، وجب أن تطلب العلم بالدليل، لا بالتَّقليد، لأنَّك لو طلبته بالتقليد، لا بالدَّليل، مع أنَّ ذلك المتقدِّم طلبه بالدليل لا بالتقليد، كنت مخالفاً له، فثبت أن القول بالقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلاً، وإنَّما ذكرت هذه الآية الكريمة عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشَّيطان؛ تنبيهاً على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان، وبين متابعة التَّقليد، وفيه أقوى دليلٍ على جوب النَّظَر، والاستدلال، وترك التَّعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليلٍ، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. فصل في بيان ما يستثنى من التَّقليد قال القرطبيُّ: ذمَّ الله تعالى الكفَّار؛ باتباعهم لآبائهم في [الباطل] واقتدائهم بهم في الكفر، والمعصية، وهذا الذَّمُّ في الباطل صحيحٌ، وأما التقليد في الحقِّ، فأصل من "أُصول الدِّين"، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصِّر عن درك النَّظر، واختلف العلماء - رضي الله عنهم - في جوازه في مسائل الأصول، وأمَّا جوازه في مسائل الفروع، فصحيحٌ. فصل في وجوب التَّقليد على العامِّي قال القرطبيُّ - رضي الله عنه -: فرض العامِّيِّ الذي لا يستقلُّ باستنباط الأحكام من أصولها، لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه، ويحتاج إليه - أن يقصد أعلم من في زمانه ببلده؛ فيسأله عن نازلته، فيتمثَّل فيها فتواه؛ لقوله تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43] وعليه الاجتهاد في أعلم أهل زمانه بالبحث عنه؛ حتى يتفق أكثر الناس عليه، وعلى العالم أيضاً أن يقلِّد عالماً مثله في نازلةٍ خفي عليه وجه الدليل فيها.
البقاعي
تفسير : ولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفاً على {ومن الناس} معجباً منهم: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم مقلداً ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال: {لهم اتبعوا} أي اجتهدوا في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان، وفي قوله له {ما أنزل الله} أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله {قالوا بل} أي لا نتبع ما أنزل الله بل {نتبع} أي نجتهد في تبع {ما ألفينا} أي وجدنا، قال الحرالي: من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه {عليه آباءنا} أي على ما هم عليه من الجهل والعجز، قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى. ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم بالنظر السديد أنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك فقال مبكتاً لهم: {أولو} أي أيتبعون أباءهم والحال أنه {كان آباؤهم لا يعقلون} ببصائر قلوبهم {شيئاً} من الأشياء المعقولة {ولا يهتدون *} بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة. ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهاً على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها {ومثل} وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله: {الذين كفروا} أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار {كمثل} قال الحرالي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك جالياً لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلاً للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا {كمثل الذي ينعق} أي يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه؛ وقال: {بما} أي بسبب شيء من البهائم التي {لا} عقل لها فهو {يسمع إلا دعاء} أي من الناطق فيما يدعي إليه من قوام غذائه ونسله {ونداء} فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى. فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله: {صم} أي لا يسمعون {بكم} أي لا ينطقون {عمي} أي لا يبصرون، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله {فهم} بالفاء ربطاً وتعقيباً وتسبيباً {لا يعقلون *} لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي. ولما أخبر سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفوراً رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمراً لهم أمر إباحة أيضاً وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها: {يا أيها الذين آمنوا كلوا}. وقال الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] وثانيتهما {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا}تفسير : [البقرة: 104] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك هنا أمر الناس بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل {من طيبات} فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء: "حديث : أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة"تفسير : قال سبحانه وتعالى: {أية : وفي السماء رزقكم} تفسير : [الذاريات: 22]، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذاً رزقه من السماء متناولاً طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك "ولو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن منها حلالاً"، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالاً لأخذه منه عند الضرورة تقوتاً لا تشهّياً، ويصير الحلال له طيباً لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي {أية : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات}تفسير : [المائدة: 4] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة {للناس} واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة {الذين آمنوا} واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقاً، ثم سن المحسنين؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال: {من طيبات} ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به {الناس}. ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: {ما رزقناكم} وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمراً أمر إيجاب: {واشكروا لله} أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل. ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: {إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون *} فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظماً لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على من أنفق كما قال {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} فقيل لهم: كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى. ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب فبين صريحاً ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جداً ليزداد المخاطب شكراً فقال: {إنما حرم عليكم}. وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات الشيطان فقال: {إنما حرم} [البقرة: 173] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاماً بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علواً كالبلد الحرام وتحريم الأمر، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة "إنما" نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلاً يقول: حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. فالمعنى والله سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه الله سبحانه وتعالى ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية؛ وإذا راجعت ما في قوله سبحانه وتعالى في الأنعام {أية : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} تفسير : [الأنعام: 118] وقوله {أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} تفسير : [الأنعام: 121] وقوله {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} تفسير : [الأنعام: 145] من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية. وقال {الميتة} أي التي سماها بذلك أهل العرف، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى. قال الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها. {والدم} أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلاّ من طيب الله كليته كما في محمد صلى الله عليه وسلم وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعاً ونفساً. {ولحم الخنزير} لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء "الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم" فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال: {وما أهل} والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم {به} أي رفع رافع الصوت بسببه ذابحاً {لغير الله} أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي: لأن ما لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذناً في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها سبيلاً من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر "حديث : قالوا: يا رسول الله! إن ناساً يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سموا الله أنتم وكلوا" تفسير : فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله {به} تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابدؤوا بما بدأ الله به" تفسير : ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير. ولما كان هذا الدين يسراً لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعاً من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال: {فمن اضطر} أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه {غير باغ} أي قاصد فساداً بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذاً من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعاً منه ليستأثر عليه بالأحسن منها {ولا عاد} على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة؛ ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فساداً أو عدا على أحد ظلماً فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراماً لأن في ذلك إعانة له على معصيته، فإن تاب استباح {فلا إثم عليه} لا من التحريم الأول ولا من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئاً أذهب ضره "حديث : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" تفسير : ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً في الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي. ثم علل هذا الحكم مرهباً مرغباً بقوله: {إن الله} فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله: {غفور} إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد إلاّ عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه {أية : وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} تفسير : [الروم: 49] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان "حديث : جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً ففنيت أزوادهم فأقاموا أياماً يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر"تفسير : فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته" تفسير : وفي قوله: {رحيم} إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئاً لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى؛ وتصرفت فيه. ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلاً وتقليداً تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفاً على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين: أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة للعرب، الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق فقال: {إن الذين يكتمون} مؤكداً لذمهم بأنواع التأكيد، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة، فكان مع ما فيه من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن اتصفوا بما أشارت إليه الآية الأولى من التوبة. قوله: {ما أنزل الله} بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام {من الكتاب} أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى من الحكم والأحكام. ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده بقوله: {ويشترون به ثمناً} قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه {أية : وما أسألكم عليه من أجر}تفسير : [الشعراء: 109] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل حقيراً قال: {قليلاً} هذا المراد لا تقييده بالقليل. ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار إليهم بأداة البعد فقال: {أولئك} وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصاً على الدنيا {ما يأكلون} أي في هذه الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله: {في بطونهم} جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن {إلا النار} كما أحاط علمه سبحانه وتعالى بالغيب إن ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سبباً وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله الكشف ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه. ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم فقال: {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه كلاماً يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال: {يوم القيامة} تأكيداً لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال {ولا يزكيهم} أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم {ولهم} مع هذا العذاب {عذاب أليم} لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة. ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكداً لبعدهم فقال: {أولئك الذين اشتروا} أي لجاجاً وتمادياً في الغي {الضلالة} عن طريق الخير {بالهدى} ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: {والعذاب} بارتكابهم هذه الموبقة {بالمغفرة} التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سبباً لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم ناراً وآخر أمرهم عذاباً وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضاً أوسط حالهم ناراً سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال: {فما أصبرهم} أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم {على النار} التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيراً من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه؛ وإذا جعلته مجازاً كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديداً له. ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال: {ذلك} مشيراً بأداة البعد {بأن الله} فذكر الاسم الأعظم أيضاً الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيماً للمقام {نزّل الكتاب} أي الجامع لأنواع الهدى {بالحق} منجماً تقريباً للأفهام وتدريباً للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبساً فقد أبعد المرمى. ولما كان التقدير: فاختلفوا، أتبعه قوله: {وإن الذين اختلفوا} أي خالف بعضهم بعضاً {في الكتاب} نفسه أي لا في فهمه، وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا {لفي شقاق} لكون كل واحد منهم في شق {بعيد} جداً عن شق أهل الحق، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه الصلاة والسلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئاً فشيئاً وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفراً وخلعوا شكراً وسألوا غيرها عناداً ومكراً {أية : وجعلنا قلوبهم قاسية} تفسير : [المائدة: 13] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإِسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته. فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله في ذلك {وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا...} الآية". وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {ما ألفينا} قال: يعني وجدنا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول نابغة بن ذبيان: شعر : فحسبوه فألفوه كما زعمت تسعاً وتسعين لم ينقص ولم يزد تفسير : وأخرج ابن جرير عن الربيع وقتادة في قوله {ألفينا} قالا: وجدنا.
القشيري
تفسير : لا ترفع أبصارهم عن أشكالهم وأصنافهم، من أضرابهم وأسلافهم، فَبَنَوْا على منهاجهم، فلا جَرَمَ انخرطوا في النار، وانسلكوا في سلكهم، ولو عَلِمُوا أن أسلافهم لا عقل يردعهم، ولا رشد يجمعهم لنابذوهم مناصبين، وعائدوهم مخالفين، ولكن سلبوا أنوار البصيرة، وحُرِموا دلائل اليقين.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا قيل لهم} نزلت فى مشركى العرب وكفار قريش امروا باتباع القرآن وسائر ما انزل تعالى من البينات الباهرة فجنحوا للتقليد اى واذا قيل للمشركين من الناس على وجه النصحية والارشاد {اتبعوا ما انزل الله} كتاب الله الذى انزله فاعملوا بتحليل ما احل الله وتحريم ما حرم الله فى القرآن ولا تتبعوا خطوات الشيطان {قالوا بل} عاطفة للجملة التى تليها على الجملة المحذوفة قبلها {نتبع ما الفينا} اى وجدنا {عليه آباءنا} من اتخاذ الانداد وتحريم الطيبات ونحو ذلك لانهم كانوا خيرا منا فقلدوا آباءهم فانظروا ايها العقلاء الى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون فقال الله تعالى ردا عليهم بهمزة الانكار والتعجب مع واو الحال بعدها {أولو كان آباؤهم} لما اقتضت الهمزة صدر الكلام والواو وسطه قدر بين الهمزة والواو جملة لتقع الهمزة فى صدرها والمعنى أيتبعونهم ولو كان آباؤهم اى فى حال كون آبائهم {لا يعقلون شيأ} من الدين لانهم كانوا يعقلون امر الدنيا {ولا يهتدون} للصواب والحق يعنى هذا منكر مستبعد جدا لان اتباع من لا عقل له ولا اهتداء الى طريق الحق لا وجه له اصلا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الضمير في {لهم} يعود على {من يتخذ من دونه الله أنداداً}، أو على {الناس}، من قوله: {يا أيها الناس}، أو على {اليهود} المتقدمين قبلُ، وألفى: بمعنى وجد، يتعدّى إلى مفعولين، وهما هنا: {آباءنا} والجار والمجرور، أي: نتبع في الدين ما وجدنا آباءنا كائنين عليه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا قيل} لهؤلاء المشركين من كفار العرب: {اتبعوا ما أنزل الله} على سوله من التوحيد، وترك الأنداد له والأمثال، وتحريم الحرام وتحليل الحلال، {قالوا بل نتبع} ما وجدنا {عليه آباءنا} من عبادة الأصنام، وارتكاب المعاصي والآثام، قال الحق جلّ جلاله: أيتبعونهم تقليداً وعَمى، ولو كان آباؤهم جهلة {لا يعقلون شيئاً} من الدين، ولا يتفكرون في سبيل المهتدين؟! وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم اليهودَ إلى الإسلام، ورغبهم فيه، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. هـ. الإشارة: وإذا قيل لمن أكَبَّ على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأشرك في محبة الله سواه: أقلعْ عن حظوظك وهواك، وأفرد الوجهه إلى مولاك، واتبع ما أنزل الله من وجوب مخالفة الهوى ومحبة المولى، قال: بل أتبع ما وجدتُ عليه الآباء والأجداد، وأكبَّ عليه جلُّ العباد، فيقال له: أتتبعهم في متابعة الهوى، ولو كانوا لا يعقلون شياً من طرق الهدى؟ وقد قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتى يَكُونَ هَواهُ تَبعاً لِمَا جِئتُ به"تفسير : . هـ..
الطوسي
تفسير : ألفينا، وصادفنا، ووجدنا بمعنى واحد، والأب، والوالد واحد. الاعراب: وقوله تعالى: {أولو كان} هي واو العطف، دخلت عليها حرف الاستفهام، والمراد بها التوبيخ والتقريع، فهي ألف التوبيخ. ومثل هذه الألف {أية : أثم اذا ما وقع}تفسير : و {أية : أفلم يسيروا في الأرض}.تفسير : وانما جعلت ألف الاستفهام للتوبيخ، لأنه يقتضي ما الاقرار به فضيحة عليه، كما يقتضي الاستفهام الاخبار، مما يحتاج اليه. المعنى: والمعنى: إنهم يقولون، هذا القول {وإن كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}. والفرق بين دخول الواو، وسقوطها في مثل هذا الكلام، أنك اذا قلت: اتبعه ولو ضرك، فمعناه اتبعه على كل حال ولو ضرك، وليس كذلك اذا قال: اتبعه لو ضرك، لأن هذا خاص، والأول عام، فانما دخلت الواو لهذا المعنى. ومعنى قوله: {لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} يحتمل شيئين: أحدهما - لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون إليه. والثاني - على الشتم والذم، كما يقال: هو أعمى اذا كان لا يبصر طريق الحق - على الذم - هذا قول البلخي. والأول قول الجبائي. وفي الآية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، لأنها دلت على أنهم كانوا على ضلال في الاعتقاد. والضمير في قوله: {هم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه يعود على (من) في قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً}. والثاني - انه يعود على (الناس) من {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} فعدل عن المخاطبة إلى الغيبة، كما قال تعالى: {أية : حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة}.تفسير : الثالث - انه يعود على الكفار، إذ جرى ذكرهم، ويصلح أن يعود اليهم وإن لم يجر ذكرهم، لأن الضمير يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور وقال ابن عباس: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا اليهود من أهل الكتاب الى الاسلام، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله عز وجل {واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} الآية. و "وألفينا" في الآية معناه وجدنا - في قول قتادة - قال الشاعر: شعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : والاتباع: طلب الاتفاق في المقال أو الفعال. أما في المقال، فاذا دعا الى شيء استجيب له. وأما في الفعال، فاذا فعل شيئاً، فعلت مثله. والعقل مجموعة علوم بها يتمكن من الاستدلال بالشاهد على الغائب. وقال قوم: هو قوة في النفس يمكن بها ذلك. والاهتداء الاصابة لطريق الحق بالعلم. وفي الآية حجة عليهم من حيث أنهم اذا جاز لهم أن يتبعوا آباءهم فيما لا يدرون أحق هو أم باطل، فلم لا يجوز اتباعهم مع العلم بأنهم مبطلون. وهذا في غاية البطلان. وفيها دلالة على فساد التقليد، لأن الله تعالى ذمهم على تقليد آبائهم، ووبخهم على ذلك. ولو جاز التقليد لم يتوجه إليهم توبيخ، ولا لوم، والأمر بخلافه.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} عطف على محذوف جواب لسؤالٍ مقدّر كأنّه قيل فما يفعل الّذين يأمرهم الشّيطان؟ - فقال: يتّبعونه، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} فى ولاية علىٍّ (ع) على ما هو المقصود من بيان حال المنافقين مع علىٍّ (ع) {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} ويجوز ان يكون عطفاً على محذوفٍ جواباً للسّؤال عن حال السّوء والفحشاء والقول على الله على ما سبق من التّأويل {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} انكار وتوبيخٌ على تقليد من لا يميّزه الانسان ولا يعلم حاله بأنّه من أهل التّحقيق والعلم الّذين أغناهم الله بعلمهم من غيرهم، او من أهل التّقليد العاقلين الّذين لا يستقبح تقليدهم لاتّباعهم للعاقل فانّ قوله تعالى {وَلاَ يَهْتَدُونَ} نفى للاهتداء الى العاقل، وهذه الآية بيانٌ لحال النّاس من أهل كلّ مذهب الاّ من شذّ وندر فانّ الكلّ ينادون بأعلى الاصوات بلسان الحال: انّا لا نقدر على ترك اتّباع ما وجدنا عليه آباءنا، لاتّكالهم على التّقليد وعلى ما رأوه من آبائهم واقرانهم وممّن سمّوه عالماً من زمان صغرهم من غير اعمال رويّةٍ وتميزٍ ونعم ما قيل: شعر : خلق را تقليد شان بر باد داد اى دوصد لعنت براين تقليدباد
الأعقم
تفسير : {واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله} قيل: نزلت في كفار قريش، وقيل: في اليهود قالوا: ان اباءنا كانوا اعلم منا {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} الآية روي انها نزلت في اليهود، وقيل: هو عام يعني انهم دعوا الى الاسلام فلم يجيبوا وركنوا الى التقليد ضربَ لهم مثلاً قال تعالى: {ومثل الذين كفروا} صفتهم {كمثل الذي ينعق} بصوت {بما لا يسمع} من البهائم، قيل: {مثل الذين كفروا} في دعائك اياهم كمثل الناعق في دعائه البهائم التي لا تفهم كالابل والبقر والغنم، وقيل: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الاوثان كمثل الناعق في دُعائه ما لا يسمع، وقيل: مثل الذين كفروا في قلة فهمهم وعقلهم كمثل الراعي يكلم البهائم وهي لا تعقل، وقيل: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دُعائه الصَّدى في الجبَل وغيره كذلك يخيل الى هؤلاء المشركين ان دعاءهم للاصنام مستجابٌ {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم} من مستلذاته لان كل ما رزقه الله لا يكون الا حَلالاً، وقيل: الطيب الحلال {واشكروا لله} الذي رزقكم اياه {ان كنتم ايَّاه تعبُدون} يعني ان كنتم عارفين به وبنعمته يعني لان التمسك بعبادته وحدهُ هو الذي عرفه، وقيل: ان كنتم مخلصين له في العبادة فان قيل: أيجب الشكر بهذا الشرط على المؤمنين أم يجب على الكافرين والفاسقين؟ قلنا: يجب على الجميع {انما حرم عليكم الميتةَ} وهي ما يموت من الحيوان {والدم} قيل: الدم المسفوح، وقيل: كل دم واختلفوا في دم السمك {ولحم الخنزير} وهو حيوان معروف {وما أهل به لغير الله} قيل: ما ذبح لغير الله، قال جار الله: في معنى ما اهل به اي رفع به الصوت للصَّنَم وذلك قول الجاهليَّة بسم اللات والعزى {فمن اضطر} قيل: ضرورة مجاعة عند الأكثر، وقيل: اكره {غير باغ ولا عاد} بل غير باغ للذة اي طالب لها {ولا عادٍ} متجاوز سَدَّ الجَوعة، وقيل: غير باغ على امام المسلمين من البغي ولا عاد بالمعصية.
اطفيش
تفسير : {وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبعُوا ما أنْزلَ اللهُ}: أى وإذا قيل للناس المذكورين فى قوله جل وعلا: {يأيُّها النّاس كلُوا}، وفيه التفات من الخطابات السابقة إلى الغيبة ومقتضى الظاهر، وإذا (قيلَ لكُم اتَّبعوا ما أنْزلَ اللهُ) قلتم بل نتبع لكن ذكرهم بلفظ الغيبة ليكون الكلام موجها فى تقبيحهم إلى غيرهم، بحيث لا يكون لهم مدخل فى الخطاب به أعلى بضلالهم، كأنه قيل للعقلاء أنظروا إلى هؤلاء الحمقاءِ، ماذا يقولون إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ولأنهم ليسوا أهلا للخطاب، حيث اتبعوا الشياطين بعد ما نهاهم الله عز وجل عنهم، لشدة جهلهم، وكمال غباوتهم، ويجوز أن يكون الكلام متصلا بقوله: {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً}،تفسير : فالالتفات والمراد على الوجيهن المشركون من العرب، أى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله فى القرآن من الحجج والآيات والأحكام الشرعية، وترك اتخاذ الأنداد، وترك تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم، واتباع خطوات الشيطان. {قالُوا نتَّبعُ ما ألفَيْنا}: ما وجدنا. {عليه آباءنا}: من اتخاذ الأصنام وتحريم السوائب، والبحاير ونحو ذلك ميلا إلى التقليد، ولمن يدعى الإسلام طرف من هذا نحاججه بالأدلة والبراهين القرآنية والسنية، فلا يتبعها وبآثار العلماء فيأبى إلا ما وجد عليهِ بعضاً من الناس مما خالف القرآن والسنة والأثر. وعن ابن عباس: دعا رسول الله صلى الله عليهِ وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال طائفة منهم كرافع ابن خارجة ومالك بن عوف وغيرهما: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فهم كانوا خيرا منا وأعلم، فنزلت الآية. ومثل هذه المقالة اليهودية يقول بعض من يدعى الإسلام وعلى ما قال ابن عباس: يكون الضمير عائداً إلى غير مذكور، أو إلى من فى قوله: {من يتخذ} على أن الأنداد الرؤساء فإن اليهود، قبحهم الله، يقندون رؤساءهم، وعلى ما قاله ابن عباس، يكون قوله: {ما أنزل الله}، شاملا للتوراة كالقرآن، لأنها تأمر بما يأمر الحق، ويجب اتباعها فى كل ما لم ينسخ بالقرآن، ويجوز عود الضمير للناس مرادا به اليهود على طريق الاستخدام إن عاد إلى الناس فى قوله: {يأيها الناس} وعلى ما يشبه الاستخدام إن عاد إلى الناس فى قوله: {ومن الناس}. {أوَلَوْ كانَ آباؤهُم}: الهمزة للاستفهام الإنكارى، أنكر أن يكونوا على صواب فى تقليد الآباء، أو للتعجيب، يعنى إيقاع السامع فى عجب، ومدخولهما محذوف، أى أيقولون ذلك أو يتبعون آباءهم، والواو للحال، وصاحب الحال واو يقولون، أو واو يقلدون، أو آباء المقدر، أو للعطف على حال محذوفة، أى يقولون ذلك أو يتبعون آباءهم لو كان آباؤهم يعقلون ويهتدون، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون، على معنى أيقولون ذلك، أو أيتبعونهم سواء علموا أو جهلوا، واهتدوا أو لم يهتدوا، وجواب لو محذوف دل عليه ماء يقدر من قولك أو يتبعون، ويجوز أن تكون الهمزة مما بعد الواو، والواو للاستئناف، أو لعطف هذا الكلام من الله على جملة نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من كلامهم، أو للحال من كلام الله وصاحب الحال من كلامهم، وهو (نا) من ألفينا، والمعنى أو لو كان آباؤهم الذين يتبعونهم. {لا يعْقلُون شيئاً}: من الذين. {ولا يَهتدُونَ}: إلى الصواب. والآية مانعة لمن قدر على الاجتهاد من التقليد، أو مانعة لمن قدر على النظر والترجيح أن يقلد قولا من الأقوال، ويترك نظره وترجيح ما يظهر ترجيحه له، واتباع القرآن والسنة ليس تقليداً واعلم أن الحق هو القرآن والسنة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمن قام بذلك فهو الجماعة والسواد الأعظم ولو كان واحدا، لأنه نائب النبى، صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين الذين اهتدوا، وكل مهتد، ومن خالف ذلك فهو مبتدع ضال ولو كان جمهور، هذا ما يظهر لى بالاجتهاد، وكنت أقرره للتلاميذ عام تسع وسبعين ومائتين وألف، فأصحابنا الإباضية الوهبية هم الجماعة، والسواد الأعظم وهم أهل السنة، ولو كانوا أقل الناس، لأنهم المصيبون فى أمر التوحيد وعلم الكلام والولاية والبراءة والأصول دون غيرهم، وأما الفروع فقولهم فيها أصح لأدلته، لكن قد يشاركهم غيرهم فى لاصحة فيما خالفهم، ثم اطلعت بعد ذلك بنحو عامين على ما ذكرته ووجدته نصا للثورى، قال الشعرانى: كان سفيان الثورى يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة، ولو كان واحداً والحمد لله. والشاهد فى قوله: ولو كان واحدا مع حقيقة قوله أهل السنة والجماعة الصادقة على أصحابنا، ولو أراد هو أهل المذاهب الأربعة وهم أهل أهواء.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَاْ قِيلَ لَهُمْ} للناس وهم كفار {اتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللهُ} فى القرآن، وفى العقول من الحجج العقلية من التوحيد وتحليل السائبة ونحوها {قَالُواْ} لا نتبع ما تزعمون أنه من الله {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا} وجدنا {عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا} من عبادة الأصنام وتحريم السوائب، ويبعد أن يكون الضمير لليهود الذين دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وأن ما أنزل الله هو التوراة والإنجيل والقرآن، لأن الثلاثة تدعو إلى الإسلام، ولو روى أنها نزلت فى طائفة منهم دعاهم، فقالوا نتبع ما عليه آباؤنا، لأنهم أعلم منا، وإنما قلت يبعد ذلك لأن الآيات والضمائر قبل ذلك فى غيرهم، وعلى هذه الرواية لو صحت يكون المراد بما ألفينا عليه آباءنا، وجدوا عليه أسلافهم من اليهود، مما يخالف الحق ألبتة، أو كان حقاً، ونسخه القرآن، وقي الضمير عائد إلى من يتخذ، أو إلى ما يفهم من أن الذين يكتمون أو إلى المشركين، ولا يلزم من النزويل فى قوم رد الضمير إليهم، والغيبة بعد الخطاب وتلويح بأنهم ليسوا من أهل الخطاب، فصرف عنهم إلى أهله بإخبار أهله عنهم {أَوَ لَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ} زيادة فى كلامهم على طريق الاستفهام التوبيخى، والهمزة، مما بعد الواو، أو مستأنف توبيخ، أى أيتبعون آباهم ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} من أمور الدين التى خالفوها وأمروا باتباعها {وَلاَ يَهْتَدُونَ} إلى الحق.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} الضمير للناس والعدول عن الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لفرط جهلم وحمقهم ليسوا أهلاً للخطاب بل ينبغي أن يصرف عنهم إلى من يعقله، وفيه من النداء لكل أحد من العقلاء على ضلالتهم ما ليس إذا خوطبوا بذلك، وقيل: الضمير لليهود وإن لم يذكروا بناءاً على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الآية نزلت فيهم لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وقيل: إنه راجع إلى {أية : مَن يَتَّخِذُ} تفسير : [البقرة: 165] أو إلى المفهوم من {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} تفسير : [البقرة: 159]، والجملة مستأنفة بناءاً على ما روي أنها نزلت في المشركين، وأنت تعلم أن النزول في حق اليهود أو المشركين لا يقتضي تخصيص الضمير بهم، وقد شاع أن عموم المرجع لا يقتضي عموم الضمير كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ }تفسير : [البقرة: 228] وقوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ }تفسير : [البقرة: 228] على أن نظم القرآن الكريم يأبـى هذا القيل؛ والموصول إما عام لسائر الأحكام الحقة المنزلة من الله تعالى، وإما خاص بما يقتضيه المقام. {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} أي وجدناهم عليه، والظرف إما حال من ـ آبائنا، وألفينا ـ متعد إلى واحد، وإما مفعول ثان له مقدم على الأول. {أَوَ لَّوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} جواب الشرط محذوف أي ـ لو كان آبائهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتعبوهم ـ والواو للحال أو للعطف، والجملة الشرطية إما حال عن ضمير {قَالُواْ} أو معطوفة عليه، والهمزة لإنكار مضمون تلك الجملة وهو التزامهم الاتباع على تقدير ينافيه وهو كونهم غير عاقلين ولا مهتدين المستلزم لالتزامهم الاتباع على أي حال كانوا من غير تمييز، وعلم بكونهم محقين أو مبطلين وهو التقليد المذموم ـ ويتولد من ذلك الإنكار التعجيب ـ وجوز أن تكون الجملة حالاً عن ضمير جملة محذوفة أي أيتبعونهم في حال فرضهم غير عاقلين ولا مهتدين ـ وأن تكون معطوفة على شرط مقدر أي ـ يتبعونهم لو لم يكونوا غير عاقلين، ولو كانوا غير عاقلين، وإلى الأول: ذهب الزمخشري، وإلى الثاني: الجرمي، ولا يخفى أنه على تقدير حذف الجملة المتقدمة لا يحتاج إلى القول بحذف الجزاء، ولعل ما ذكر أولاً أولى لما فيه من التحرز عن كثرة الحذف وإبقاء {لَوْ} على معناها المشهور، والهمزة الاستفهامية على أصلها ـ وهو إيلاء المسؤول عنه ـ وكون المعنى يدور على العطف على المحذوف في أمثال ذلك في سائر اللغات غير مسلم، واختار الرضي أن ـ الواو ـ الداخلة على كلمة الشرط في مثل هذا اعتراضية، وعني بالجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام، أو يجيء آخره متعلقاً به معنى مستأنفاً لفظاً. قيل: وفي الآية دليل/ على المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما اتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى ـ وليس من التقليد المذموم في شيء ـ وقد قال سبحانه: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [الأنبياء: 7].
ابن عاشور
تفسير : الأحسن عندي أن يكون عطفاً على قوله: { أية : ولا تتبعوا خطوات الشيطان } تفسير : [البقرة: 168]، فإن المقصود بالخطاب في ذلك هم المشركون فإنهم الذين ائتمروا لأمره بالسوء والفحشاء، وخاصة بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون، والمسلمون مُحَاشَوْن عن مجموع ذلك. وفي هذه الآية المعطوفة زيادة تفظيع لحال أهل الشرك، فبعد أن أثبت لهم اتباعهم خطوات الشيطان فيما حَرَّموا على أنفسهم من الطيبات، أعقب ذلك بذكر إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل الله، وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما أَلْفَوا عليه آباءهم، وأعرضوا عن الدعوة إلى غير ذلك دون تأمل ولا تدبر. {بل} إضراب إبطال، أي أضربوا عن قول الرسول، {اتَّبِعوا ما أنزل الله}، إضرابَ إعراض بدون حجة إلاّ بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم. وفي ضمير لهم التفات من الخطاب الذي في قوله: { أية : ولا تتبعوا خطوات الشيطان } تفسير : [البقرة: 168]. والمراد بما ألْفَوْا عليه ءَاباءهم، ما وَجَدوهم عليه من أمور الشرك كما قالوا: { أية : إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } تفسير : [الزخرف: 23] والأمة: الملة وأعظم ذلك عبادة الأصنام. وقوله: {أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} كلام من جانب آخر للرد على قولهم {نتبع ما ألفينا عليه آباءنا}، فإن المتكلم لما حكاه عنهم رد قولهم هذا باستفهام يُقصد منه الرد ثم التعجيب، فالهمزة مستعملة في الإنكار كنايةً وفي التعجيب إيماءً، والمراد بالإنكار الرد والتخطئة لا الإنكار بمعنى النفي. و(لو) للشرط وجوابها محذوف دل عليه الكلام السابق، تقديره: لاتَّبَعُوهم، والمستفهم عنه هو الارتباط الذي بين الشرط وجوابه، وإنما صارت الهمزة للرد لأجل العلم بأن المستفهمَ عنه يجاب عنه بالإثبات بقرائن حال المخبر عنه والمستفهِم. ومثل هذا التركيب من بديع التراكيب العربية وأعلاها إيجازاً و(لو) في مثله تسمى وصلية وكذلك (إِنْ) إذا وقعت في موقع (لو). وللعلماء في معنى الواو وأداةِ الشرط في مثله ثلاثة أقوال: القول الأول إنها للحال وإليه ذهب ابن جني والمرزوقي وصاحب «الكشاف» قال ابن جني في «شرح الحماسة» عند قول عمرو بن معديكرب: شعر : لَيْسَ الجَمَال بِمِئْزرٍ فاعْلَمْ وإِنْ رديتَ بُرْدا تفسير : ونحو منه بيت «الكتاب": شعر : عَاودْ هَرَاةَ وإِنْ مَعْمُورُهَا خَرِبا تفسير : وذلك أن الواو وما بعدها منصوبة الموضع بعَاوِدْ كما أنها وما بعدها في قوله وإن رديت بردا منصوبة الموضع بما قبلها وقريب من هذا: أزورك راغباً فيَّ وأحسن إليك شاكراً إليَّ، فراغباً وشاكراً منصوبان على الحال بما قبلهما وهما في معنى الشرط وما قبلهما نائب عن الجواب المقدر لهما ألا ترى أن معناه إن رغبت فيَّ زرتك وإن شكرتني أحسنت إليك، وسألت مرة أبا علي عن قوله: شعر : عَاوِدْ هَرَاةَ وإنْ معمورها خَرِبا تفسير : كيف موقع الواو هنا وأومأت في ذلك له إلى ما نحن بصدده فرأيتُه كالمُصَانِع في الجواب لا قُصُوراً بحمدِ الله عنه ولكنْ فتوراً عن تكلفه فأَجْمَمْتُه، وقال المرزوقي هنالك: قوله: «وإنْ ردّيت بردا» في موضع الحال كأنه قال ليس جمالك بمئزر مردَّى معه برد والحال قد يكون فيه معنى الشرط كما أن الشرط فيه معنى الحال فالأول كقولك لأفعلنَّه كائناً ما كان أي إن كان هذا أو إن كان ذاك، والثاني كبيت «الكتاب": شعر : عَاوِدْ هراة وإنْ معمورها خرِبا تفسير : لأن الواو منه في موضع الحال كما هو في بيت عمرو وفيه لفظ الشرط ومعناه وما قبله نائب عن الجواب، وتقديره: إن معمورها خربا فعاودها وإن رديت بردا على مئزر فليس الجمال بذلك» اهــــ. وقال صاحب «الكشاف»: في هذه الآية وفي نظيرتها في سورة المائدة: «الواو للحال»، ثم ظاهر كلام ابن جني والمرزوقي أن الحال في مثله من الجملة المذكورة قبل الواو وهو الذي نحاه البيضاوي هنا ورجحه عبد الحكيم، وذهب صاحب «الكشاف» إلى أن الحال من جملة محذوفة تقديرها أيتبعونهم ولو كان آباؤهم، وعلى اعتبار الواو واو الحال فهمزة الاستفهام في قوله: {أولو كان أباؤهم} ليست مقدمة من تأخير كما هو شأنها مع واو العطف والفاء وثم بل الهمزة داخلة على الجملة الحالية، لأن محل الإنكار هو تلك الحالة ولذلك قال في «الكشاف» في سورة المائدة: «الواو واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار» وقدر هنا وفي المائدة محذوفاً هو مدخول الهمزة في التقدير يدل عليه ما قبله فقدره هنا أيتبعون آباءهم وقدره في سورة المائدة أَحَسْبُهُمْ ذلك، وهذا اختلاف في رَأيه، فمن لا يقدر محذوفاً يجعل الهمزة داخلة على جملة الحال. القول الثاني أن الواو للعطف قيل على الجملة المتقدمة وإليه ذهب البيضاوي ولا أعلم له سلفاً فيه وهو وجيه جداً أي قالوا بل نتبع ولو كان آباؤهم، وعليه فالجملة المعطوفة تارة تكون من كلام الحاكي كما في الآية أي يقولونه في كل حال ولو كان آباؤهم الخ فهو من مجيء المتعاطفين من كلامي متكلميْن عطفَ التلقين كما تقدم في قوله تعالى: { أية : قال ومن ذريتي } تفسير : [البقرة: 124]، وتارة تكون من كلام صاحب الكلام الأول كما في بيت «الحماسة» وبيت «الكتاب» وتارة تكون من كلام الحاكي تلقيناً للمحكي عنه وتقديراً له من كلامه كقول رؤبة: شعر : قالت بناتُ العمِّ يا سلْمَى وإِنْ كان فقيراً مُعْدماً قالتْ وإنْ تفسير : وقيل العطف على جملة محذوفة ونسبه الرضي للجرميِّ وقدروا الجملة بشرطية مخالفة للشرط المذكور، والتقدير: يتبعونهم إن كانوا يعقلون ويهتدون ولو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون وكذلك التقدير في نظائره من الشواهد وهذا هو الجاري على ألسنة المعربين عندنا في نظائره لخفة مؤنته. القول الثالث: مختار الرضي أن الواو في مثله للاعتراض إما في آخر الكلام كما هنا وإما في وسطه، وليس الاعتراض معنى من معاني الواو ولكنه استعمال يرجع إلى واو الحال. فأما الشرط المقترن بهذه الواو فلكونه وقع موقع الحال أو المعطوف أو الاعتراض من كلام سابق غير شرط، كان معنى الشرطية فيه ضعيفاً، لذلك اختلف النحاة في أنه باق على معنى الشرط أو انسلخ عنه إلى معنًى جديد فظاهر كلام ابن جني والمرزوقي أن الشرطية باقية ولذلك جعلا يقرِّبان معنى الشرط من معنى الحال يُومئان إلى وجه الجمع بين كون الجملة حالية وكونها شرطية، وإليه مال البيضاوي هنا وحسَّنه عبد الحكيم وهو الحق، ووجْهُ معنى الشرطية فيه أن الكلام الذي قبله إذا ذكر فيه حكم وذكر معه ما يدل على وجود سبب لذلك الحكم وكان لذلك السبب أفراد أو أحوال متعددة منها ما هو مظنة لأن تتخلف السببية عنده لوجود ما ينافيها معه فإنهم يأتون بجملة شرطية مقترنة بإنْ أو لوْ دلالة على الربط والتعليق بين الحالة المظنون فيها تخلف التسبب وبين الفعل المسبب عن تلك الحالة، لأن جملة الشرط تدل على السبب وجملة الجزاء تدل على المسبب ويستغنون حينئذٍ عن ذكر الجزاء لأنه يُعلم من أصل الكلام الذي عُقِّب بجملة الشرط. وإنما خُص هذا النوع بحرفي (إنْ ــــ ولو) في كلام العرب لدلالتهما على ندرة حصول الشرط أو امتناعه، إلاّ أنه إذا كان ذلك الشرط نادر الحصول جاءوا معه بإنْ كبيت عَمرو، وإذا كان ممتنع الحصول في نفس الأمر جاءوا معه بلَو كما في هذه الآية، وربما أتوا بلو لشرط شديد الندرة، للدلالة على أنه قريب من الممتنع، فيكون استعمال لو معه مجازاً مُرْسلاً تَبَعِيّاً. وذهب جماعة إلى أن (إن ــــ ولو) في مثل هذا التركيب خرجتا عن الشرطية إلى معنًى جديد، وظاهر كلام صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: { أية : ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } تفسير : [الأحزاب: 52] أن لو فيه للفرض؛ إذْ فسره بقوله: مفروضاً إعجابَك حسنُهن، وقال صاحب «الكشاف» هنا إن الشرط في مثله لمجرد التسوية وهي لا تقتضي جواباً على الصحيح لخروجها عن معنى الشرطية وإنما يقدرون الجواب توضيحاً للمعنى وتصويراً له اهــــ. وسَمَّى المتأخرون من النحاة (إن ــــ ولو) هاتين وَصْلِيَّتَيْن، وفسره التفتازاني في «المطوَّل» بأنهما لمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد. وإذ قد تحققت معنى هذا الشرط فقد حان أن نبين لك وجه الحق في الواو المقارنة له المختلف فيها ذلكَ الاختلافَ الذي سمعته، فإن كان ما بعد الواو معتبراً من جملة الكلام الذي قبلها فلا شبهة في أن الواو للحال وأنه المعنى المراد وهو الغالب، وإن كان ما بعدها من كلام آخر فهي واو العطف لا محالة عطفت ما بعدها على مضمون الكلام الأول على معنى التلقين، وذلك كما في قوله تعالى: { أية : قل أوَلو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون } تفسير : [الزمر: 43] وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها، فإن مجيء همزة الاستفهام دليل على أنه كلام آخر، وكذلك بيت: «قالت بنات العم» المتقدم، وإن كان ما بعدها من جملة الكلام الأول لكنه منظور فيه إلى جواب سؤال يخطر ببال السامع فالواو للاستئناف البياني الذي عبر عنه الرضى بالاعتراض مثل قول كعب بن زهير: شعر : لا تأخذَنِّي بأقوال الوُشَاةِ ولَمْ أُذْنِبْ وإِنْ كَثُرَتْ فيَّ الأقاويل تفسير : فإن موقع الشرط فيه ليس موقع الحال بل موقع رد سؤال سائل يقول: أَتنفي عن نفسك الذنب. وقد كثر القول في إثبَاته. وقوله: {لا يعقلون شيئاً} أي لا يدركون شيئاً من المُدركات، وهذا مبالغة في إلزامهم بالخطأ في اتباع آبائهم من غير تبصر ولا تأمل، وتقدم القول في كلمة شيء. ومتعلق {ولا يهتدون} محذوف أي إلى شيء، وهذه الحَالة ممتنعة في نفس الأمر؛ لأن لآبائهم عقولاً تدرك الأشياء، وفيهم بعض الاهتداء مثل اهتدائهم إلى إثبات وجود الله تعالى وإلى بعض ما عليه أمورهم من الخير كإغاثة الملهوف وقِرى الضيف وحفظ العهد ونحو ذلك، ولهذا صح وقوع (لو) الشرطية هنا. وقد أشبعتُ الكلام على (لو) هذه؛ لأن الكلام عليها لا يوجد مفصلاً في كتب النحو، وقد أجحف فيه صاحب «المغني». وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد؛ لأنها ذم للذين أبَوا أن يتبعوا مَا أنزل الله، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَآءَنَآ} {آبَاؤُهُمْ} (170) - وَإِذَا قِيلَ لِلْكَفَرَةِ الذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ: اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الجَهْلِ وَالضَّلاَلِ، أَجَابُوا قَائِلِينَ: بَلْ نَتَّبعُ مَا وَجَدْنا آبَاءَنا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ. وَيَرُدُّ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيهِمْ قَائِلاً: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ حَتَّى وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْْقِلُونَ شَيْئاً مِنْ عَقَائِدِ الدِّينِ وَعِبَادَاتِهِ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبيلِ الحَقِّ وَالرَّشَادِ؟ أَلَفينا - وَجَدْنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية تعالج قضية خطيرة في المجتمع الإسلامي، قضية تقليد الناس لعادات آبائهم. والتقليد هو نشأة طبيعية في الإنسان، لأن الإنسان حين يخرج للوجود مُمداً بطاقة الحياة؛ فهذه الطاقة تريد أن تتحرك؛ وحركتها تأتي دائماً وفق ما ترى من حركة السابق لها، فالطفل الصغير لا يعرف أن يده تتناول أشياء إلا إذا رأى في البيئة المحيطة به إنساناً يفعل ذلك، وحين يريد الطفل أن يتحرك، فهو يقلد حركة الذين حوله، ولذلك تجد الأطفال دائماً يقلدون آباءهم في معظم حركاتهم، وحين يوجد الأطفال مع أجيال متعاقبة تمثل أعماراً مختلفة، فإن الطفل الصغير يقلد في حركته البدائية خليطاً من حركات هذه الأجيال، فهو يقلد جده، ويقلد جدته، ويقلد أباه وأمه، وإخوته؛ فتنشأ حركات مختلطة تمثل الأجيال كلها. ولذلك فاندماج الطفل في أسرة مكونة من آباء وأجداد، تمثل في الإنسان طبيعة الحياة المتصلة بمنهج الحركة في الأرض وبمنهج السماء؛ لأن الطفل حين يعيش مع أبيه فقط، قد يجده مشغولاً في حركة الحياة التي ربما شدته عن قيم الحياة أو عن منهج السماء؛ لكنه حين يرى أباً لأبيه؛ هو جده قد فرغ من حركة الحياة، واتجه إلى منهج القيم؛ لأنه قريب عهد فيما يظن بلقاء الله، فإن كان لا يصلي في شبابه فهو يصلي الآن، وإن كان لا يفعل الطاعات سابقاً؛ أصبح يفعلها الآن، وهكذا يرى الطفل حركة الحياة الجامحة في الدنيا والتلهف عليها من أبيه، ويجد الإقبال على القيم والعبادات من جده، ولذلك تجده ربما عاون جده على الطاعة؛ فساعة يسمع الطفل المؤذن يقول: "الله أكبر"، فهو يعرف أن جده يريد أن يصلي؛ فيذهب هو ويأتي بالسجادة ويفرشها لجده؛ ويقف مقلداً جده، وإن كانت بنتاً، فنحن نجدها تقلد أمها أو جدتها وتضع الغطاء على رأسها لتصلي، إذن، فاندماج الأجيال يعطي الخير من الحركتين، حركة مادية الحياة وحركة قيم منهج السماء، ولذلك يمتن الحق علينا قائلاً:{أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ..}تفسير : [النحل: 72]. إذن، فتقليد الأجيال اللاحقة للأجيال السابقة أمر تقتضيه طبيعة الوجود. وحين يدعو الله الناس أن يتبعوا ما ينزله على الرسل فهو ينهاهم أن يتبعوا تقليد الآباء في كل حركاتهم، لأنه قد تكون حركة الآباء قد اختلت بالغفلة عن المنهج أو بنسيان المنهج، لذلك يدعونا ويأمرنا سبحانه: أن ننخلع عن هذه الأشياء ونتبع ما أنزل الله، ولا نهبط إلى مستوى الأرض، لأن عادات ومنهج الأرض قد تتغير، ولكن منهج السماء دائماً لا يتغير، فاتبعوا ما أنزل الله. والناس حين يحتجون يقولون: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. وتلك قضية تبريرية في الوجود، ولو كان ذلك حقاً وصدقاً، ومطابقاً للواقع، لما كرر الله الرسالات بعد أن علم آدم كل المنهج الذي يريد؛ لأننا لو كنا نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. لكان أبناء آدم سيتبعون ما كان يفعله آدم، وأبناء أبناء آدم يتبعون آباءهم، وهكذا يظل منهج السماء موجوداً متوارثاً لا تغيير فيه. إذن فما الذي اقتضى أن يتغير منهج السماء؟ إن هذا دليل على أن الناس قد غيروا المنهج، ولذلك فقولهم: {نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170] هي قضية مكذوبة، لأنهم لو اتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم؛ لظل منهج الله في الأرض مضيئاً غير متأثر بغفلة الناس ولا متأثراً بانحرافات أهل الأرض عن منهج السماء. وهو تبرير يكشف أن ما وجدوا عليه آباءهم يوافق أهواءهم. وقوله الحق: {ٱتَّبِعُوا} [البقرة: 170] أي اجعلوا ما أنزل عليكم من السماء متبوعاً وكونوا تابعين لهذا المنهج؛ لا تابعين لسواه؛ لأن ما سوى منهج السماء هو منهج من صناعة أهل الأرض، وهو منهج غير مأمون، وقولهم: {مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170] أي ما وجدنا عليه آباءنا، وما تفتحت عليه عيوننا فوجدناه حركة تُحتذى وتُقتدى. والحق يبين لهم أن هذا كلام خاطئ، وكلام تبريري وأنتم غير صادقين فيه، وعدم الصدق يتضح في أنكم لو كنتم متبعين لمنهج السماء؛ لما تغير المنهج، هذا أولاً، أما ثانياً، فأنتم في كثير من الأشياء تختلفون عن آبائكم، فحين تكون للأبناء شخصية وذاتية فإننا نجد الأبناء حريصين على الاختلاف، ونجد أجيالاً متفسخة، فالأب يريد شيئاً والابن يريد شيئاً آخر، لذلك لا يصح أن يقولوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170]؛ لأنه لو صح ذلك لما اختلف منهج الله على الأرض لكن المنهج اختلف لدخول أهواء البشر، ومع ذلك نرى بعضاً من الخلاف في سلوك الأبناء عن الآباء، ونقبل ذلك ونقول: هذا بحكم تغيير واختلاف الأجيال، أي أن الأبناء أصبحت لهم ذاتية. ولذلك فالقول باتباع الأبناء للآباء كذب لا يمثل الواقع. والحق سبحانه وتعالى يرد على هذه القضية لأنها قضية تبريرية لا دليل لها من صدق، ولا برهان لها من واقع. ويقول سبحانه: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] أي أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم حتى ولو كان آباؤهم لا يعقلون ولا يهتدون؟. إذن، الرد جاء من ناحيتين، من ناحية التعقل، ومن ناحية الاهتداء، وكل من التعقل والاهتداء منفي عن الآباء في هذه الآية، فأنتم تتبعونهم اتباعاً بلا تفكير، اتباعاً أعمى. والإنسان لا يطيع طاعة عمياء إلا لمن يتيقن صدق بصيرته النافذة المطلقة، وهذه لا يمكن أن تتأتى من بشر إلى بشر، فالطاعة المطلقة لا تصح أن تكون لشيء إلا لمنهج السماء، وحين تكون طاعة عمياء لمن تثق ببصره الشافي الكافي الحكيم؛ فهي طاعة مبصرة وبصيرة في آن واحد؛ لأنك تحمي نفسك من خطأ بصرك، وخطأ بصيرتك، وتلتزم في التبعية بمن تعتقد أن بصره وبصيرته لا يخطئان أبداً، عندها لا تكون طاعة عمياء. إذن: فالحق سبحانه وتعالى ينبههم إلى أنه لا يصح أن تقولوا: إنكم تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم؛ لأنه يجوز أن يكون آباؤكم لا يعقلون، ويجوز أن يكونوا غير مهتدين. لو كان آباؤكم لهم عقل أو لهم اهتداء، عند ذلك يكون اتباعكم لهم أمراً سليماً، لا لأنكم اتبعتم آباءكم، ولكن لأنكم اتبعتم المعقول والهدى. وهكذا نجد أن قضية التقليد هي أمر مزعوم، لأنك لا تقلد مساويك أبداً، ولكنك تتبع مَنْ تعتقد أنه أحكم منك، وما دام مساوياً لك فلا يصح أن تقلده في كل حركة. بل يجب أن تعرض الحركة على ذهنك، ولذلك فتكليف الله لعباده لم ينشأ إلا بعد اكتمال العقل بالبلوغ. فهو سبحانه لا يأخذ العقل على غرة قبل أن ينضج؛ بل لا يكلف الله عبداً إلا إذا نضج عقله؛ ولا يكلفه إن لم يوجد له عقلاً، ولا يكلفه إن لم تكن قوته وراء عقله؛ فإن كان الإنسان سليم القوة والعقل فإن تكليفه يكون تاماً، فسبحانه لا يكلف إلا صاحب العقل الناضج الذي لديه قدرة تمكنه من تنفيذ ما اهتدى إليه عقله، أي غير مُكره. فالذي يكلف الإنسان بمقتضى هذه الأشياء هو عالم أن العقل إن وجد ناضجاً بلا إكراه فلا بد أن يهتدي إلى قضية الحق. إن الحق سبحانه لم يكلف الإنسان إلا بعد أن تكتمل كل ملكات نفسه، لأن آخر مَلَكَة تتكون في الإنسان هي مَلَكَة الغريزة، أي أن يكون صالحاً للإنجاب، وصالحاً لأن تمتد به الحياة. وقلنا من قبل: إن الثمرة التي نأكلها لا تصبح ثمرة شهية ناضجة إلا بعد أن تؤدي مهمتها الأولى؛ فمهمتها ليست في أن يأكلها الإنسان فقط. إنما أن توجد منها بذرة صالحة لامتداد الحياة، وعندما توجد البذرة يكون أكل الثمرة صالحاً، كذلك الإنسان؛ لا يكون صالحاً لامتداد الحياة إلا بعد البلوغ أو في سن البلوغ، وسبحانه وتعالى جعل لهذه الغريزة سعاراً؛ لأن الحياة التي ستأتي من خلالها لها تبعات أولاد ومشقات، فلو لم يربطها الله بهذه اللذة لانصرف عنها كثير من الناس، لكنه سبحانه يربطها باللذة حتى يوجد امتداد الحياة بدافع عنيف وقوي من الإنسان. فالحق سبحانه لا يفاجئ الإنسان بتكليف إلا بعد أن يُعِده إعداداً كاملاً، لأنه لو كلفه قبل أن ينضج غريزياً، وقبل أن تصبح له قدرة على استبقاء النوع، لقال الإنسان: إن الله كلفني قبل أن يُوجد فيَّ ذلك، عندئذ لا يكون التعاقد الإيماني صحيحاً. ولذلك يؤخر الحق تكليفه لعباده حتى يكتمل لهم نضج العقل ونضج الغريزة معاً، وحتى يدخل الإنسان في التكليف بكل مقوماته، وبكل غرائزه، وانفعالاته؛ حتى إذا تعاقد إيمانياً؛ فإن عليه أن يلتزم بتعاقده. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يُربِّي في الإنسان ذاتيته من فور أن يصبح صالحاً لاستبقاء النوع في غيره، وما دامت قد أصبحت له ذاتية مكتملة، فالحق يريد أن يُنهي عنه التبعية لغيره، عند ذلك لا يقولن أحد: "أفعل مثل فعل أبي". لكن هناك من قالوا: {نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170]، لماذا يتبعون آباءهم في المنهج الباطل، ولا يتبعونهم في باقي أمور الدنيا، وفي الملابس، وفي الأكل، وفي كل مناحي الحياة؟. إذن فلا شيء قد جعلهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم إلا لأنهم وجدوا فيه ما يوافق هواهم، بدليل أنهم انسلخوا عن تبعيتهم لآبائهم في أشياء رأوها في سلوك الآباء وخالفوهم فيها، وما داموا قد خالفوهم في أشياء كثيرة؛ فلماذا يتبعونهم في الدين الزائف؟. إن الله يريد أن يخلص الإنسان من إسار هذا الاتباع، ويلفت العباد. تعقلوا يا مَنْ أصبحت لكم ذاتية، وليعلم كل منكم أنه بنضج العقل يجب أن يصل إلى الهداية إلى الخالق الواحد الأحد، فإن كنت قد التحمت بأبيك في أول الأمر لأنه يعولك ويمدك، فهذا الأب هو مجرد سبب أراده الله لك، ولكن الله هو خالقك، وهو الذي أنزل المنهج الذي يجب أن تلتحم به لتصير حياتك إلى نماء وخير. وهو سبحانه يقول:{أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..}تفسير : [لقمان: 33]. إن الحق سبحانه وتعالى يفصل لنا هذا الأمر بدقة، فإذا كان الآباء لا يعقلون؛ فماذا عن موقف الأبناء؟. إن على الأبناء أن يصلحوا أنفسهم بمنهج الحق. وقد وردت في سورة المائدة آية أخرى بالمعنى نفسه ولكن بخلاف في اللفظ، فهنا في سورة البقرة يقول الحق: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [البقرة: 170]. وفي آية سورة المائدة يقول الحق: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [المائدة: 104]. وبين الآيتين اتفاق واختلاف، فقوله الحق هنا: "اتبعوا ما أنزل الله" وهي تعني أن نمعن النظر وأن نطبق منهج الله. وآية سورة المائدة "تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول" هذا هو الخلاف الأول. والخلاف الثاني في الآيتين هو في جوابهم على كلام الحق، ففي هذه السورة - سورة البقرة - قالوا: "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" وهذا القول فيه مؤاخذة لهم. لكنهم في سورة المائدة قالوا: "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا"، وهذه تعني أنهم اكتفوا بما عندهم؛ ونفوا اتباع منهج السماء، وهذا الموقف أقوى وأشد نفياً، لذلك نجد أن الحق لم يخاطبهم في هذه الآية بـ "اتبعوا" بل قال لهم: "تعالوا" أي ارتفعوا من حضيض ما عندكم إلى الإيمان بمنهج السماء. وما دمتم قد قلتم: حسبنا بملء الفم؛ فهذا يعني أنكم اكتفيتم بما أنتم عليه. وكلمة "حسبنا" فيها بحث لطيف؛ لأن مَنْ يقول هذه الكلمة قد حَسبَ كلامه واكتفى، وكلمة الحساب تدل على الدقة، والحساب يفيد العدد والأرقام. فقولهم: "حَسْبُنَا" تعني أنهم حسبوا الأمر واكتفوا به ونجد كل ورود لهذه الكلمة في القرآن يفيد أنها مرة تأتي لحساب الرقم المادي، ومرة تأتي لحساب الإدراك الظني. فالحق يقول:{أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 2]. ومعناها: هل ظن الناس أن يتركوا دون اختبار لإيمانهم؟. هذا حساب ليس بالرقم، وإنما حساب بالفكر، والحساب بالفكر يمكن أن يخطئ، ولذلك نسميه الظن. والحق سبحانه يقول: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}تفسير : [المؤمنون: 115]. إذن، فكلمة "حساب" تأتي مرة بمعنى الشيء المحسوب والمعدود، ومرة تأتي في المعنويات، ونعرفها بالفعل، فإذا قلت: حَسَبَ يَحسِب؛ فالمعنى عَدَّ. وإذا قلت: حَسِبَ يَحسَب؛ فهي للظن. وفيه ماضٍ وفيه مضارع، إن كنت تريد العد الرقمي الذي لا يختلف فيه أحد تقول: "حَسَبَ بفتح السين في الماضي وبكسرها في المضارع يَحسِب". وإن أردت بها حسبان الظن الذي يحدث فيه خلل تقول: "حَسِبَ" بالكسر، والمضارع "يَحْسَبُ" بالفتح. وعندما يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن حساب الآخرة، فمعنى ذلك أنه شيء محسوب، لكن إذا بولغ في المحسوب يكون حسباناً، وكما نقول: "غفر غفراً" و"شكر شكراً"، يمكن أن نقول: "غفر غفراناً" و"شكر شكراناً". كذلك "حسب حسباناً"، والحسبان هو الحساب الدقيق جداً الذي لا يخطئ أبداً. ولذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى بكلمة "حسبان" في الأمور الدقيقة التي خلقت بقدر ونظام دقيق؛ إن اختل فيها شيء يحدث خلل في الكون، فيقول: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ * ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}تفسير : [الرحمن: 1-5]. أي أن الكون يسير بنظام دقيق جداً؛ لا يختل أبداً، لأنه لو حدث أدنى خلل في أداء الشمس والقمر لوظيفتيهما؛ فنظام الكون يفسد. لذلك لم يقل الحق: "الشمس والقمر بحساب"، وإنما قال: "بحسبان" وبعد ذلك فيه فرق بين "الحسبان" و"المحسوب بالحسبان"؛ والحق سبحانه وتعالى حينما يقول: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ..}تفسير : [الأنعام: 96]. لم يقل: بحسبان، لأنها هي في ذاتها حساب وليست محسوبة، أي أن حسابها آلي. وتأتي الكلمة بصورة أخرى في سورة الكهف في قوله تعالى: {أية : وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ..}تفسير : [الكهف: 40]. المعنى هنا شيء للعقاب على قدر الظلم تماماً، هذه هي مادة الحساب .. وقولهم: "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا" في ظاهرها أبلغ من قولهم: "نتبع ما ألفينا عليه آبآءنا" لكن كل من اللفظين مناسب للسياق الذي جاء فيه فـ "اتبعوا" يناسبها "نتبع ما ألفينا" وقوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا" يناسبها قولهم: "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا"، يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئاً غيره. ومن هنا نفهم لماذا جاء الحق في آية البقرة بقوله: "اتبعوا"، وفي آية المائدة: "تعالوا"، وجاء جوابهم في سورة البقرة: "بل نتبع"، وفي سورة المائدة: "حسبنا". وهناك خلاف ثالث في الآيتين: ففي آية البقرة قال: "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً". وفي آية المائدة قال؛ "أولو كان آباؤهم لا يعلمون". الخلاف في "لا يعقلون" و "لا يعلمون". وما الفرق بين "يعقلون" و"يعلمون"؟. إن "يعقلون" تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها كعلم من غيرهم الذي عقل. إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل، لأن الذي عقل هو إنسان قد استنبط، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره. وعلى سبيل المثال، فالأمي الذي أخذ حكماً من الأحكام هو قد علمه من غيره، لكنه لم يتعقله، إذن، فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل؛ لأن معنى "لا يعلم" أي أنه ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه. وعندما يقول الحق سبحانه: {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً} [البقرة: 170] فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا، لكن عندما يقول: "لا يعلمون" فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا: "بل نتبع" فكان وصفهم بـ "لا يعقلون". وعندما قالوا: "حسبنا" وصفهم بأنهم "لا يعلمون" كالحيوانات تماماً. نخلص مما سبق أن هناك ثلاث ملحوظات على الآيتين: في الآية الأولى قال: "اتبعوا"، وكان الرد منهم "نتبع ما ألفينا" والرد على الرد "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً". وفي الآية الثانية قال: "تعالوا"، وكان الرد منهم "حسبنا"، فكان الرد عليهم "أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً". وهكذا نرى أن كلا من الآيتين منسجمة، ولا يقولن أحد: إن آية جاءت بأسلوب، والأخرى بأسلوب آخر، فكل آية جاءت على أسلوبها يتطلبها فهي الأبلغ، فكل آية في القرآن منسجمة كلماتها مع جملها ومع سياقها. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 170] مبنية للمجهول ليتضمن كل قول جاء على لسان أي رسول من الله من بدء الرسالات، فهي ليست قضية اليوم فقط إنما هي قضية قيلت من قبل ذلك. إن المعنى هو: إذا قيل لهم من أي رسول، اتبعوا ما أنزل الله قالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]. ويختم الحق الآية في سورة البقرة بقوله: "ولا يهتدون". وكذلك كان ختام آية المائدة: "ولا يهتدون"؛ لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم، فالأولى جاءت بعد قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] والثانية جاءت في ختام قوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [المائدة: 104] وذلك للدلالة على أن هدى السماء لا يختلف بين مَنْ يعقلون ومَنْ يعلمون.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ وَجَدْنَاهُم عليهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):