Verse. 178 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَمَثَلُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا كَمَثَلِ الَّذِيْ يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ اِلَّا دُعَاۗءً وَّنِدَاۗءً۝۰ۭ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْيٌ فَہُمْ لَا يَعْقِلُوْنَ۝۱۷۱
Wamathalu allatheena kafaroo kamathali allathee yanAAiqu bima la yasmaAAu illa duAAaan wanidaan summun bukmun AAumyun fahum la yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومثل» صفة «الذين كفروا» ومن يدعوهم إلى الهدي «كمثل الذي ينعق» يصوت «بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً» أي صوتا ولا يفهم معناه أي في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه، هم «صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون» الموعظة.

171

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله تركوا النظر والتدبر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالو: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا } تفسير : [البقرة: 170] ضرب لهم هذا المثل تنبيهاً للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، وقلة الإهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسراً لقلبه، وتضييقاً لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد، وههنا مسائل: المسألة الأولى: نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها وأما نعق الغراب فبالغين المعجمة. المسألة الثانية: للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما: تصحيح المعنى بالإضمار في الآية والثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول: وهو قول الأخفش والزجاج وابن قتيبة، كأنه قال: ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول وألفاظه، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه الثاني: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم، وما يجرى مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم: فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم، فإذا كان لا شك أن ههنا المحذوف هو المدعو، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي، وفيه سؤال، وهو أن قوله: {إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء } لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً الثالث: قال ابن زيد: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال: يا زيد يسمع من الصدى: يا زيد. فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعو هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء. الطريق الثاني: في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه وجهان أحدهما: أن يقول: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا ههنا الثاني: مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائد، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة. أما قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، فقال: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها، قال النحريون {صُمٌّ } أي هم صم وهو رفع على الذم، أما قوله: {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فالمراد العقل الاكتسابـي لأن العقل المطبوع كان حاصلاً لهم قال: العقل عقلان مطبوع ومسموع. ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.

القرطبي

تفسير : شبّه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالراعي الذي يَنْعِق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول: هكذا فسّره ٱبن عباس ومجاهد وعِكرمة والسّدي والزجاج والفَرّاء وسيبويه؛ وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه: لم يُشبَّهوا بالناعق إنما شُبّهوا بالمنعوق به. والمعنى: ومثَلك يا محمد ومَثَل الذين كفروا كَمَثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم؛ فحذف لدلالة المعنى. وقال ٱبن زيد: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جَوْف الليل فيجيبه الصَّدَى؛ فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع. وقال قُطْرب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم، يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نَعَقَ بغنمه وهو لا يدري أين هي. قال الطبري: المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد؛ فليس للناعق من ذلك إلا النّداء الذي يُتعبه ويُنْصِبه. ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبّه الكفار بالناعق الصائح، والأصنام بالمنعوق به. والنّعيق: زجر الغنم والصياح بها؛ يقال: نَعَق الراعي بغنمه يَنْعِق نَعِيقاً ونُعاقاً ونَعَقاناً؛ أي صاح بها وزجرها. قال الأخطل:شعر : انْعِق بضأنك يا جريرُ فإنما مَنّتك نفسك في الخلاء ضلالاَ تفسير : قال القُتَبِيّ: لم يكن جرير راعي ضأن، وإنما أراد أن بني كُليب يُعَيَّرون برعي الضأن، وجرير منهم؛ فهو في جهلهم. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون: « أجهل من راعي ضأن». قال القتبِيّ: ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهباً، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم. والنداء للبعيد، والدعاء للقريب؛ ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد. وقد تضمّ النون في النداء والأصل الكسر. ثم شَبّه تعالى الكافرين بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ. وقد تقدّم في أوّل السورة.

البيضاوي

تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء} على حذف مضاف تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق، أو مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذي ينعق. والمعنى أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم، ولا يتأملون فيما يقرر معهم، فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه، وتحس بالنداء ولا تفهم معناه. وقيل هو تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها، بالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته. أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام، بالناعق في نعقه وهو التصويت على البهائم، وهذا يغني الإضمار ولكن لا يساعده قوله إلا دعاء ونداء، لأن الأصنام لا تسمع إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب. {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} رفع على الذم. {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي بالفعل للإخلال بالنظر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَثَلُ } صفة {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ومن يدعوهم إلى الهدى {كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ } يصوّت {بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً } أي صوتاً ولا يفهم معناه أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } الموعظة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} فيما يوعظون به كمثل البهيمة التي تُنَعق فتسمع الصوت ولا تفهم معناه، أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل راعي البهيمة تسمع صوته ولا تفهمه. {صُمُّ} عن الوعظ. {بُكْمٌ} عن الحق. {عُمْىٌ} عن الرشد، والعرب تسمي من سمع ما لم يعمل به أصم، قال: شعر : أصم عما ساءه سميع

الخازن

تفسير : ثم ضرب لهم مثلاً فقال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذين ينعق بما لا يسمع إلاّ دعاء ونداء} النعيق صوت الراعي بالغنم، ولا يقال نعق إلاّ للراعي بالغنم وحدها، ومعنى الآية: ومثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم وهي لا تسمع إلاّ صوتاً فصار الداعي إلى الله وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة الراعي، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها. ووجه المثل أن الغنم تسمع الصوت ولا تفطن للمراد وكذلك الكفار يسمعون صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لا ينتفعون به، وقيل معناه ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله ورسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفهم من الأمر والنهي إلاّ الصوت فيكون المعنى بالمثل المنعوق به خارج عن الناعق. وقيل معناه ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم، فهو لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه غني عن الدعاء والنداء، فكذلك الكافر ليس له من دعاء الأصنام وعبادتها إلاّ العناء والبلاء، والفرق بين هذا القول والقول الذي قبله أن المحذوف هنا هو المدعو وهي الأصنام وفي القول الأول المحذوف هو الداعي وهو الرسول صلى الله عليه وسلم {صم بكم عمي} لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم فقال: صم لأنهم إذا سمعوا الحق ودعاء الرسول، ولم ينتفعوا به صاروا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع ولا يعقل كأنه أصم، بكم أي عن النطق بالحق عمي أي عن طريق الهدى {فهم لا يعقلون} قيل المراد به العقل الكسبي لأن العقل الطبيعي كان حاصلاً فيهم قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} قيل إن الأمر في قوله: كلوا قد يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس ودفع الضرر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض. والطيب هو الحلال (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله طيب ولا يقبل إلاّ الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً وقال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك"تفسير : . قوله: أشعث أغبر هو البعيد العهد بالدهن والغسل والنظافة. وقيل الطيب المستلذ من الطعام فلعل قوماً تنزهوا عن أكل المستلذ من المطاعم فأباح الله تعالى لهم ذلك {واشكروا لله} يعني على نعمه {إن كنتم إياه تعبدون} أي اشكروا الله الذي رزقكم هذه النعم إن كنتم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه إلهكم لا غيره وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمه فاشكروه عليها.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ}. أي وَصِفَةُ الَّذينَ كفروا كصِفة الذي ينعق. قال الشيخ أبو حيان: وقيل الكاف زائدة. قال ابن عرفة: يفوت معنى التشبيه لأن قولك زيد (كزهير شعرا) يقتضي أنك جعلته مثله سواء. وأجيب بأنه هنا شبهت الذّات بالذّات وذات زيد (معينة) مشخصة لا يقبل التعدد، وفي الآية شبهت الصفة بالصّفة، والصفّة يمكن فيها التعدد والمخالفة فجعلت كأنها هي ولو في (وحدة) النوع. قيل لابن عرفة: وكذلك ذات زيد جعلت كأنها ذات عمرو في الشعر فقوله "شعرا" أزال الشخص والتعيين. فإن قلت: لم خالف بين "كفروا" فعبر فيه بالماضي وبين "من ينعق" (فجاء) به مستقبلا وهلا استويا أو كان الأمر بالعكس؟ فالجواب بوجهين: - (الأول): أن المراد من اتصف بمطلق الكفر. - الثاني: أنه تقبيح للكفر أن يذكر بصيغة يقتضي الدوام. قال ابن عرفة: وعادتهم يفرقون بين الدعاء والنداء بأن الدعاء يكون بلفظ الطلب وسواء كان معه نداء أو لم يكن، والدعاء أخف من النّداء لأن البهائم تناديها فلا تجيب فإذا دعوتها وزجرتها أتت. فالنداء للخواص والدعاء للعوام فمن لم يستجب للنداء قد يستجيب للدعاء، ومن لم ينفع فيه (الدعاء) فهو في غاية الجهل والغباوة. ونقل أبو حيان عن بعضهم: (إلاّ) زائدة. قال ابن عرفة: وسببه توهم التناقض لأنه إذا قال: {لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً}، ويلزم أن يكون الدعاء والنداء مسموعين له وقوله {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} يدل (على) أنه لا يسمع شيئا بوجه. قوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. أي العقل التكليفي النافع.

الثعالبي

تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} الآية: المرادُ تشبيهُ واعظِ الكافرينَ، وداعِيهِمْ بالراعي الذي يَنْعِقُ بالغَنَمِ أو الإِبل، فلا تسمع إِلا دعاءه، ونداءه، ولا تَفْقَهُ ما يقول؛ هكذا فسر ابن عباس، وعكْرمة، والسُّدِّيُّ، وسيبويه، فذكَرَ تعالَىٰ بعْضَ هذه الجملة، وبعضَ هذه، ودَلَّ المذْكُور على المحذوفِ، وهذه نهايةُ الإِيجاز. والنَّعِيقُ: زجْر الغَنَم، والصِّيَاحُ بها.

ابن عادل

تفسير : لما حكى عن الكفَّار أنَّهم عند الدُّعاء إلى اتِّباع ما أنزل الله تعالى، تركوا النَّظر، وأخلدوا إلى التَّقليد، وقالوا: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ}تفسير : [البقرة: 170] - ضَرَبَ لهم هذا المثل؛ تنبيهاً للسَّامعين لهم: أنهم إنما وقعوا فيه؛ بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدِّين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام، وضرب مثل هذا المثل يزيد السَّامع اجتهاداً في معرفة أحوال نفسه، ويحقِّر إلى الكافر نفسه، إذا سمع ذلك، فيكون كسراً لقلبه، وتضييقاً لصدره؛ حيث صيَّره كالبهيمة، فكان ذلك في نهاية الرَّدع والزَّجر لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقة التقليد. وقد اختلف النَّاس في هذه الآية اختلافاً كثيراً، ولا سبيل إلى معرفة الإعراب إلاَّ بعد معرفة المعنى المذكور في الآية الكريمة، وقد اختلفوا في ذلك: فمنهم من قال: معناها: أنَّ المثل مضروبٌ بتشبيه الكافر بالنَّاعق، ومنهم من قال: هو مضروبٌ بتَشْبيه الكافر بالمَنْعوق به، ومنهم مَنْ قال: هو مضْروبٌ بتشبيه داعي الكفر بالنَّاعق، ومنهم مَنْ قال: هو مضروب بتشبيه الدَّاعي والكافر بالنَّاعق، والمنعوق به، فهذه أربعة أقوالٍ. فعلى القول الأول: يكون التقدير: "وَمَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا في قِلَّة فَهْمِهِمْ، كَمَثَلِ الرُّعَاة يُكَلِّمُون البُهْمَ والبُهْمُ لا تَعْقِلُ شيئاً". وقيل: يكون التقدير: "وَمَثَلُ الَّذين كَفَروا في دُعائهم آلِهَتَهُمْ التي لا تَفْقَهُ دُعَاءَهُم، كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ؛ لا ينتفع من نَعِيقِهِ بشَيءٍ غير أنَّه في عناءٍ"؛ وكذلك الكافرُ ليس له من دعائه آلهته إلاَّ العناء؛ كما قال تعالى: {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ}تفسير : [فاطر: 14]. قال الزَّمَخْشَرِيُّ لمَّا ذكر هذا القول: "إلاَّ أنَّ قوله: "إلاَّ دُعاءً وَنِدَاءً"، لا يساعد عليه؛ لأنَّ الأصنام لا تَسْمَعُ شيئاً". قال أبُو حَيَّان - رحمه الله-:"ولحظ الزمخشريُّ في هذا القول تمام التشبيه من كُلِّ جهة، فكما أنَّ المنعوق به لا يَسْمَعُ إلاَّ دعاءً ونداءً، فكذلك مدعُوُّ الكافِرِ مِنَ الصَّنم، والصَّنَم لا يَسْمَعُ، فضَعُف عنده هذا القوْلُ" قال: "ونحْنُ نقولُ: التشْبيهُ وقَعَ في مُطْلَق الدُّعاء في خُصوصيَّات المدعُوِّ، فتَشْبِيهُ الكَافِر في دعائِهِ الصَّنَمَ بِالنَّاعِقِ بالبهيمة، لا في خصوصيَّات المنعُوق به"، وقال ابنُ زَيْدٍ في هذا القَوْلِ - أعني: قولَ مَنْ قال: التقديرُ: ومَثَلُ الذين كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ آلهتَهُمْ -: إنَّ الناعق هنا ليس المراد به الناعق بالبهائم، وإنَّما المراد به الصائح في جوف الجبل، فيجيبه الصَّدَى، فالمعنى: بما لا يسمع منه الناعقُ إلاَّ دعاء نفسه، ونداءها، فعلى هذا القول: يكون فاعل "يَسْمَعُ" ضميراً عائداً على "الَّذِي يَنْعِقُ" ويكون العائد على "مَا" الرابط للصِّلة بالموصُول محذوفاً؛ لفَهْم المعنى، تقديره: "بِمَا لاَ يَسْمَعُ مِنْهُ" وليس فيه شرط جوازِ الحَذْف؛ فإنه جُرَّ بحرف غير ما جُرَّ به الموصول، وأيضاً: فقد اختلف متعلَّقاهما إلاَّ أنه قد ورد ذلك في كلامهم، وأمَّا على القولين الأوَّلين، فيكون فاعل "يَسْمَعُ" ضميراً يعود على "ما" الموصولة، وهو المنعوقُ به. وقيل: المراد بـ"الَّذِين كَفَرُوا" المتبُوعُون، لا التابعون، المعنى: "مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دعائِهِمْ اتباعَهُمْ، وكوْنِ أتباعِهِمْ لا يَحْصُل لهم منهم إلاَّ الخَيْبَة، كمثل النَّاعق بالغَنَم، فعلى هذه الأقوال كلِّها: يكون "مَثَل" مبتدأً و "كَمَثَلِ" خبره، وليس في الكلام حذفٌ إلاَّ جهة التَّشبيه. وعلى القول الثاني من الأقوال الأربعة المتقدِّمة: فقيل: معناه: "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ إلى الله تعالى، وعَدَمِ سماعِهِمْ إِيَّاه، كَمَثَلِ بَهَائم الَّذِي يَنْعِقُ" فهو على حذفِ قَيْدٍ في الأوَّل، وحَذْف مضافٍ في الثاني. وقيل: التقدير: "ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عَدَم فَهْمهم عَنِ اللَّهِ ورسُولِهِ، كَمَثَلِ المنْعُوق بِهِ منَ البَهَائم الَّتي لا تَفْقَهُ من الأَمْر والنَّهْي غَيْر الصَّوْت" فيرادُ بالذي يَنْعِقُ: الذي يُنْعَقُ بِهِ، ويكون هذا من القَلْبِ، وقال قائلٌ: "هذا كما تقولون: "دَخَلَ الخَاتَمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلِي" وتقولون: "فُلاَنٌ يَخَافُكَ؛ كَخَوْفِ الأَسَدِ"، أي: كَخَوْفِهِ الأَسَدَ، وقال تعالى: {أية : مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ}تفسير : [القصص: 76] وإنَّما العصبة تنوء بالمفاتح". وإلى هذا ذهب الفرَّاء، وأبو عُبَيْدَة، وجماعةٌ إلاَّ أنَّ القلب لا يقع على الصَّحيح إلاَّ في ضرورة أو ندورٍ. وأمَّا على القول الثَّالث، وهو قولُ الأخفش، والزَّجَّاج، وابْنِ قُتَيْبَة، فتقديره: "ومَثَلُ داعي الَّذين كَفَرُوا كَمَثَلِ النَّاعق بغَنَمه؛ في كَوْن الكافِرِ لا يَفْهَمُ ممَّا يُخَاطِبُ به داعيَهُ إلاَّ دَوِيَّ الصَّوْت، دون إلقاءِ فكرٍ وذهنٍ؛ كما أنَّ البيهمةَ كذلك، فالكلامُ على حذف مضافٍ من الأوَّل. فصل في المراد بـ"مَا لاَ يَسْمَعُ" قال الزَّمَخْشَرِيُّ: ويجوزُ أن يرادَ بـ"مَا لاَ يَسْمَعُ" الأصمُّ الأصْلَج الذي لا يَسْمَعُ من كلام الرَّافِعِ صَوْتَهُ بِكَلاَمِهِ إلاَّ النِّداءَ والصَّوتَ، لا غير؛ من غير فهم للحرف، وهذا جنوح إلى جواز إطلاق "ما" على العقلاء، أو لما تنزَّل هذا منزلة من لا يسمع من البهائم، أوقع عليه "مَا". وأما على القول الرابع - وهو اختيار سيبويه في هذه الآية -: فتقديره عنده: "مَثَلُكَ يَا مُحَمَّدُ، ومَثَلُ الذين كَفَرُوا، كَمَثَل النَّاعق والمنْعُوقِ به"، واختلف النَّاس في فهم كلام سيبويه، فقائل: هو تفسير معنى، وقيل: تفسير إعرابٍ، فيكون في الكلام حذفان: حذف من الأوَّل، وهو حذف "دَاعِيهم"، وقد أثبت نظيره في الثاني، وحذفٌ من الثَّاني، وهو حذف المنعوق، وقد أثبت نظيره في الأول؛ فشبَّه داعِيَ الكُفَّار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه، وشبَّه الكفَّار بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه، إلاَّ أصواتاً لا يعرفون ما وراءها، وفي هذا الوجه حذف كثير؛ إذ فيه حذف معطوفين؛ إذ التقدير الصناعيُّ: "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ودَاعِيهِمْ كمثل الذي يَنْعِقُ بالمَنْعُوقِ به". وقد ذهب إليه جماعةٌ، منهم: أبو بكر بن طاهر، وابن خروفٍ، والشَّلوبين؛ قالوا: العرب تستحسن هذا، وهو من بديع كلامها؛ ومثله قوله: [{أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}تفسير : [النمل: 12]] تقديره: "وأَدْخِل يَدَكَ في جَيْبِكَ، تدْخُلْ، وأَخْرِجْها تَخْرُجْ"؛ فحذف "تَدْخُل"؛لدلالة "تَخْرُج" وحَذَف "وأَخْرجْهَا"؛ لدلالة "وأَدْخِلْ"، قالوا: ومثله قوله: شعر : 895 - وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ تفسير : لم يرد أن يشبِّه فترته بانتفاض العصفور حين بلَّله القطر؛ لأنَّمها ضدَّان؛ إذ هما حركةٌ وسكونٌ، ولكنَّ تقديره: أنِّي إذا ذكرتك، عراني انتفاضٌ، ثمَّ أفتر؛ كما أن العصفور إذا بلَّله القطر، عراه فترةٌ، ثم ينتفض، غير أنَّ وجيب قلبه واضطرابه قبل الفترة، وفترة العصفور قبل انتفاضه. وهذه الأقوال كلُّهَا، إنَّما هي على القول بتشبيه مفرد بمفرد، ومقابلة جزء من الكلام السَّابق بجزء من الكلام المشبَّه به. أمَّا إذا كان التشبيه من باب تشبيه جملةٍ بجملةٍ، فلا ينظر في ذلك إلى مقابلة الألفاظ المفردة، بل ينظر إلى المعنى، وإلى هذا نحا أبو القاسم الراغب؛ قال الرَّاغب: "فلمَّا شبَّه قصَّة الكافرين في إعراضهم عن الدَّاعي لهم إلى الحقِّ، بقصَّة النَّاعق قدَّم ذكر النَّاعق؛ لينبني عليه ما يكون منه، ومن المنعوق به". والكاف ليست بزائدةٍ؛ خلافاً لبعضهم؛ فإنَّ الصِّفة ليست عين الصِّفة الأخرى، فلا بُدَّ من الكاف؛ حتى أنه لو جاء الكلام دون الكاف، اعتقدنا وجودها تقديراً تصحيحاً للمعنى. وقد تلخَّص ممَّا تقدَّم: أنَّ "مَثَلُ الَّذِينَ" مبتدأٌ، و"كَمَثَلِ الَّذِي" خبره: إمَّا من غير اعتقاد حذف، أو على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي: "مثلُ: "داعي الَّذين"، أو من الثَّاني، أي: "كَمَثَلِ بَهَائِم الَّذِي"، أو على حذفين: حذف من الأوَّل ما أثبت نظيره في الثَّاني، ومن الثَّاني ما أثبتَ نظيره في الأوَّل؛ كما تقدَّم تحريره. والنعيق دعاء الرَّاعي، وتصويته بالغنم؛ قال الأخطل في ذلك: [الكامل] شعر : 896 - فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإِنَّمَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاَءِ ضَلالاَ تفسير : قال القتيبيُّ: لم يكن جرير راعي ضأنٍ، وإنَّما أراد أنَّ بني كُلَيبٍ يُعَيَّرُونَ برعْيِ الضأن، وجرير منهم؛ فهو من جَهَلتهم، والعرب تضرب المثل في الجهل براعي الضَّأن، ويقولون: أجْهَلُ من رَاعِي ضَأْنٍ. يقال: نَعَقَ، بفتح العَيْنِ، يَنْعِقُ، بكَسْرها، والمصدرُ النَّعيقُ والنُّعَاقُ، والنَّعْقُ، وأما "نَغَقَ الغُرَابُ"، فبالمعجمة، وقيل: بالمهملة أيضاً في الغُرَاب، وهو غريبٌ. قال بعضهم: إنَّ الياء والنُّون من قوله: "يَنْعِقُ" من نصف هذه السُّورة الأوَّل، والعَيْنَ والقَافَ من النصف الثَّاني. "إلاَّ دعاء": هذا استثناءٌ مفرَّغٌ؛ لأن قبله "يَسْمَعُ" ولم يأخذ مفعوله وزعم بعضهم أن "إلاَّ" زائدةٌ، فليس من الاستثناء في شيء، وهذا قولٌ مردودٌ، وإن كان الأصمعيُّ قد قال بزيادة "إلاَّ" في قوله: [الطويل] شعر : 897 - حَرَاجِيجُ لا تَنْفَكُّ إلاَّ مُنَاخةً عَلَى الخَسْفِ أو نَرْمِي بِهَا بَلَداً قَفْراً تفسير : فقد ردَّ النَّاسُ عليه، ولم يقْبَلُوا قوله، وفي البيت كلامٌ تقدَّم. وأورد بعضهم هنا سؤالاً معنويّاً، وهو أن قوله {أية : لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً}تفسير : [البقرة: 171] ليس المسموع إلا الدعاء والنداء، فكيف ذمَّهم بأنَّهم لا يسمعون إلا الدعاء؛ وكأنَّه قيل: لا يسمعون إلاَّ المسموع، وهذا لا يجوز؟ فالجواب: أن في الكلام إيجازاً، وإنَّما المعنى: لا تفهم معاني ما يقال لهم؛ كما لا تميِّز البهائم بين معاني الألفاظ التي يصوَّت بها، وإنَّما تفهم شيئاً يسيراً، قد أدركته بطول الممارسة، وكثرة المعاودة؛ فكأنه قيل لهم: إلاَّ سماع النِّداء دون إدراك المعاني، والأغراض. قال شِهَابُ الدِّين: وهذا السُّؤال من أصله ليس بشيءٍ، ولولا أنَّ الشَّيخ ذكره، لم أذكره. وهنا سؤالٌ ذكره عليُّ بن عيسى، وهو هل هذا من باب التَّكرار لمَّا اختلف اللَّفظ، فإنَّ الدعاء والنِّداء واحدٌ؟ والجواب: أنه ليس كذلك؛ فإن الدعاء طلب الفعل، والنداء إجابة الصَّوت. وقال القرطبيُّ - رحمه الله -: النداء للبعيد، والدعاء للقريب، وكذلك قيل للأذان بالصلاة نداءٌ؛ لأنه للأباعد، وفي هذا نظر؛ لأنَّ النبيَّ - عليه السلام - قال: "حديث : الخِلافَةُ في قُرَيْشٍ، والحُكْمُ في الأَنْصَارِ، والدَّعْوَةُ في الحَبَشَةِ " تفسير : قال ابنُ الأثِير في "النَّهَايَة": أراد بالدَّعوة الأذان، وجعله في الحبشة؛ تفضيلاً لمؤذِّنه بِلالٍ، وقال شاعر الجاهليَّة: [الوافر] شعر : 898 - فَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانُ عُمْرِي وَلَسْتُ بِآكِلٍ لَحْمَ الأَضَاحِي وَلَسْتُ بِقَائِمٍ كالعِيرِ يَدْعُو قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ تفسير : أراد أذان الصُّبح، وقد تضمُّ النون في النِّداء، والأصل الكسر. قوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}تفسير : [البقرة: 171] لمَّا شبَّههم بالبهائم، زاد في تبكيتهم، فقال: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}؛ لأنَّهم صارُوا بمنزلة الأصَمِّ؛ في أنَّ الذي سَمِعُوه، كأنَّهم لم يسمعوه، وبمنزلة البُكْم؛ في ألاَّ يستجيبوا لما دعوا إليه، ومن حيث العمي؛ من حيث إعراضهم عن الدَّلائل؛ فصاروا كأنَّهم لم يشاهدوها، قال النُّحاة: "صُمٌّ"، أي: هم صمٌّ، وهو رَفْع على الذَّمِّ. وقوله: "فَهُمْ لاَ يَعْقِلُون" فالمراد: العقْلُ المكتَسَبُ هو الاستعانة بهذه القُوَى الثَّلاثة، فلمَّا أعرضوا عنها، فقد فقدوا العقل الكسبيَّ، ولهذا قيل: من فقد حسّاً، فَقَدْ فَقَدَ علماً، والله تعالى أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع‏}‏ قال‏:‏ كمثل البقر والحمار والشاة، إنْ قلت لبعضهم كلاماً لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ مثل الدابة تنادي فتسمع ولا تعقل ما يقال لها، كذلك الكافر يسمع الصوت ولا يعقل‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏كمثل الذي ينعق بما لا يسمع‏}‏ قال‏:‏ شبه الله أصوات المنافقين والكفار بأصوات البهم، أي بأنهم لا يعقلون‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت بشر بن أبي حازم وهو يقول‏:‏ شعر : هضيم الكشح لم يغمز ببوس ولم ينعق بناحية الرياق تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏كمثل الذي ينعق‏}‏ قال‏:‏ الراعي ‏{‏بما لا يسمع‏} ‏ قال‏:‏ البهائم ‏ {‏إلا دعاء ونداء‏} ‏ قال‏:‏ كمثل البعير والشاة تسمع الصوت ولا تعقل‏.‏ وأخرج وكيع عن عكرمة في قوله ‏{‏ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء‏}‏ مثل الكافر مثل البهيمة تسمع الصوت ولا تعقل‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ قال لي عطاء في هذه الآية‏:‏ هم اليهود الذين أنزل الله فيهم ‏{أية : ‏إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 174‏]‏ إلى قوله ‏{أية : فما أصبرهم على النار‏}تفسير : [البقرة: 175].‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جملةٌ ابتدائيةٌ واردة لتقرير ما قبلها بطريق التصوير، وفيها مضافٌ قد حُذف لدِلالة مَثَلُ عليه، ووضعُ الموصول موضعَ الراجع إلى ما ترجِعُ إليه الضمائر السابقةُ لذمهم بما في حيز الصلة، وللإشعار بعِلّة ما أثبت لهم من الحُكم، والتقديرُ مثلُ ذلك القائلِ وحالِه الحقيقةِ - لغرابتها - بأن تسمَّى مَثَلاً وتسير في الآفاق فيما ذُكر من دعوته إياهم إلى اتباع الحقِّ وعدمِ رفعِهم إليه رأساً لانهماكهم في التقليد وإخلادِهم إلى ما هم عليه من الضلال وعدمِ فهمهم من جهة الداعي إلى الدعاء من غير أن يُلقوا أذهانَهم إلى ما يُلقىٰ عليهم {كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوتَ الراعي وهَتفَه بها من غير فهم لكلامه أصلاً، وقيل: إنما حُذف المضافُ من الموصول الثاني لدلالة كلمة ما عليه فإنها عبارةٌ عنه مُشعِرَةٌ مع ما في حيز الصلة بما هو مدارُ التمثيل أي مَثَلُ الذين كفروا فيما ذُكر من انهماكهم فيما هم فيه وعدمِ التدبر فيما أُلقيَ إليهم من الآيات كمثل بهائمِ الذي ينعِق بها وهي لا تسمع منه إلا جرسَ النغمة ودويَّ الصوت، وقيل: المرادُ تمثيلُهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه، وهو تصويتُه على البهائم وهذا غنيٌّ عن الإضمار لكن لا يساعدُه قولُه: (إلا دعاءً ونداءً) فإن الأصنام بمعزلٍ من ذلك وقد عرفتَ أن حسنَ التمثيل فيما تشابه أفرادُ الطرفين {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} بالرفع على الذم أي هم صمّ الخ {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} شيئاً لأن طريقَ التعقل هو التدبّر في مبادي الأمورِ المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك إنما يحصُلُ باستماعِ آياتِ الله ومشاهدةِ حُججِه الواضحةِ والمفاوضة مع من يؤخَذ منه العُلوم، فإذا كانوا صماً بكماً عمياً فقد انسدّ عليهم أبوابُ التعقل وطرُقُ الفهم بالكلية {يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أي مستلَذّاتِه {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} الذي رزقَكُموها، والالتفاتُ لتربـية المهابة {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فإن عبادتَه تعالى لا تتِمّ إلا بالشكر له. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله عز وجل إني والإنسُ والجنُ في نبإٍ عظيمٍ أخلُقُ ويُعبد غيري وأرزُقُ ويُشكَر غيري «

القشيري

تفسير : عدموا سمع الفهم والقبول، فلم ينفعهم سمع الظاهر، فنزلوا منزلة البهائم في الخلوِّ عن التحصيل، ومَنْ رضي أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومثل} واعظ {الذين كفروا} وداعيهم الى الحق {كمثل} الراعى {الذى ينعق} نعق الراعى والمؤذن بعين مهملة صوت وبالمعجمة نغق للغراب والمعنى يصوت {بما لا يسمع} وهو البهائم اى لا يدرك بالاستماع {الا دعاء} صوتا من الناعق {ونداء} زجرا مجردا من غير فهم شىء آخر وحفظه كما يفهم العاقل ويجيب. قيل الفرق بين الدعاء والنداء ان الدعاء للقريب والندا للبعيد ويحتمل ان يكون الدعاء اعم من النداء والتشبيه المذكور فى الآية من قبيل التشبيه المفرق شبه داعى الكافر بالناعق ونفس الكفرة بالبهائم المنعوق بها ودعاء داعى الكفرة بنعيق الناعق بالبهائم والمعنى مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا فى وعظهم ودعائهم الى الله وعدم اهتدائهم كمثل الراعى الذى يصيح بالغنم ويكلمها ويقول كلى واشربى وارعى وهى لا تفهم شيأ مما يقول لها كذلك هؤلاء الكفار كالبهائم لا يعقلون عنك ولا عن الله شيأ {صم} اى هم صم يعنى كأنهم يتصاممون عن سماع الحق {بكم} بمنزلة الخرس فى ان لم يستجيبوا لما دعوا اليه {عمى} بمنزلة العمى من حيث اعراضهم عن الدلائل كأنهم لم يشاهدوها ثم انه تعالى لما شبههم بفاقدى هذه القوى الثلاث التى يتوسل بها الى تمييز الحق من الباطل واختيار الحق فرع على هذا التشبيه قوله {فهم لا يعقلون} اى لا يكتسبون الحق بما جبلوا عليه من العقل الغريزى لان اكتسابه انما يكون بالنظر والاستدلال ومن كان كالاصم والاعمى فى عدم استماع الدلائل ومشاهدتها كيف يستدل على الحق ويعقله ولهذا قيل من فقد حسا فقد فقد علما وليس المراد نفى اصل العقل لان نفيه رأسا لا يصلح طريقا للذم وهكذا لا ينفع الوعظ فى آخر الزمان لان آذان الناس مسدودة عن استماع الحق واذهانهم مصدودة عن قبوله: ونعم ما قال السعدى شعر : فهم سخن جون نكند مستمع قوت طبع از متكلم مجوى فسحت ميدان ارادت بيار تابزند مرد سخن كوى كوى تفسير : وفى قوله تعالى {أية : أولو كان آباؤهم} تفسير : [البقرة: 170] الآية. اشارة الى قطع النظر عن الاسلاف السوء واتباع اهل الاهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيأ من طريق الحق وضلوا فى تيه محبة الدنيا ويدعون انهم اهل العلم وليسوا من اهله اتخذوا العلم مكسبا للمال والجاه وقطعوا الطريق على اهل الطلب قال تعالى فى بعض الكتب المنزلة [لا تسألن عن عالم قد اسكره حب الدنيا فاولئك قطاع الطريق على عبادى] فمن كان على جادة الحق وصراط الشريعة وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة يجوز الاقتداء به اذ هو من اهل الاهتداء الى عالم الحقيقة دون مدعى الشيوخة بطريق الارث من الآباء ولاحظ لهم من طريق الاهتداء فانهم لا يصلحون للاقتداء: قال السعدى شعر : جو كنعانرا طبيعت بى هنربود بيمبر زادكى قدرش نيفزود هنر بنماى اكردارى به كوهر كل ازخارست وابراهيم از آزر تفسير : وفى التأويلات النجمية ان {مثل الذين كفروا} كان فى عالم الارواح عند الميثاق اذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم {كمثل الذى ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء} لانهم كانوا فى الصف الاخير اذ الارواح كانوا جنودا مجندة فى اربعة صفوف فكان فى الصف الاول ارواح الانبياء عليهم السلام وفى الثانى ارواح الاولياء وفى الثالث ارواح المؤمنين وفى الرابع ارواح الكافرين فاحضرت الذرات التى استخرجت من ظهر آدم من ذرياته واقيمت كل ذرة بازاء روحها فخاطبهم الحق ألست بربكم فالانبياء سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة وشاهدوا انوار جماله بلا حجاب ولهذا استحقوا ههنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحى الله اعلم حيث يجعل رسالته والاولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا انوار جماله من انوار حجاب ارواح الانبياء ولهذا ههنا احتاجوا لمتابعة الانبياء فصاروا عند القيام باداء حق متابعتهم مستحقى الالهام والكلام من وراء الحجاب والمؤمنون سمعوا خطاب الحق من وراء حجاب الانبياء وحجاب ارواح الاولياء ولهذا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الانبياء وان بلغتهم من وراء حجاب رسالة جبريل وحجاب رسالة الانبياء فقالوا سمعنا واطعنا ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى {أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} تفسير : [الشورى: 51] يعنى الاولياء {أية : أو يرسل رسولا} تفسير : [الشورى: 51]. يعنى المؤمنين والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاثة كانوا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء فما شاهدوا من انوار كمال الحق لا قليلا ولا كثيرا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وما فهموا شيأ من كلام الحق الا انهم سمعوا من ذرات المؤمنين من وراء الحجاب لما قالوا بلى فقالوا بالتقليد ولهذا ههنا قلدوا ما الفوا عليه آباءهم لقوله تعالى {أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} تفسير : [الزخرف: 23]. فلما تعلقت ارواحهم بالاجساد وتكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية واظلمت بظلمات الصفات الحيوانية وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من التمتعات البهيمية والاخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية اصمهم الله واعمى ابصارهم فهم الآن {صم} عن استماع دعوة الانبياء بسمع القبول {بكم} عن قول الحق والاقرار بالتوحيد {عمى} عن رؤية آيات المعجزات {فهم لا يعقلون} ابدا لانهم ابطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية وحرموا من فيض الانوار الربانية: قال الصائب شعر : جرا زغير شكايت كنم كه همجو حباب هميشه خانه خراب هواى خوبشتنم تفسير : وفى المثنوى: شعر : كرجه ناصح را بود صد داعيه بندرا اذنى ببايد واعيه توبصد تلطيف بنداش ميدهى اوزبندت ميكند بهلوتهى يك كس نامستمع زاستيزورد صدكس كوينده را عاجز كند زانبيا ناصح تر وخوش لهجة تر كى بودكه رفت دمشان درحجر زانجة كوه وسنك دركار آمدند مى نشد بد بخت رابكشاده بند آنجنان دلها كه بدشان ما ومن نعتشان شد بل اشد قسوة تفسير : فعلى العاقل ان يتدارك حاله بسلوك طريق الرضى والندم على مضى ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق ويصفى قلبه الى ان تنعكس اليه انوار الملك الخلاق وذلك لا يحصل غالبا الا بتربية كامل من اهل التحقيق لان المرء محجوب عن ربه وحجابه الغفلة وهى وان كانت لا ترفع ولا تزول الا بفضل الله تعالى لكنه باسباب كثيرة ولا اهتداء الى علاج المرض الا باشارة حكيم حاذق وذلك هو المرشد الكامل فاذا يزول الرين عن القلب وتنفتح روزنة البال الى الغيب فيكون اقرار السالك تحقيقا لا تقليدا وتوحيده تجريدا وتفريدا فحينئذ يعكس الامر فيكون اصم عن سماع اخبار ما سوى المحبوب الحقيقى ابكم عن افشاء سر الحقيقة اعمى عن رؤية الاغيار فى هذه الدار الفانية اللهم خلصنا من التقليد واوصلنا الى حقيقة التوحيد انك حميد مجيد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ومثل} الخ، يحتمل أن يكون على حذف مضاف، أي: مثَلُ واعظِ الذين كفروا، أو لا يحتاج إلى تقدير. وسأتي بيانه، ونَعَقَ، كضرب، ينعق نعقاً ونعيقاً، إذا صاح وزجر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومثل} واعظ {الذين كفروا} وداعيهم إلى الله {كمثل} الراعي الذي يرعَى البهائم، وينعق عليها؛ ليزجرها، أو يدعوها فإذا سمعَت النداء رفعَتْ رؤوسها ولم تعقِلْه، ثم عادت إلى مراعيها، فلا تسمع من الراعي يزجرها {إلاَّ دعاء ونداء}، ولا تفقه ما يقول لها، كذلك الكفار المنهمكون في الكفر، إذا دعاهم أحد إلى التوحيد لا يلتفتون إليه، ولا يفقهون ما يقول لهم، كالبهائم أو أضل. أو {مثل الذين كفروا} في انهماكهم في التقليد والجهل، مع مَنْ يدعوهم إلى الله {كمثل} بهائم الذي ينعق ويصيح عليها صاحبها فلا تسمع {إلاَّ دعاء ونداء} ولا تفقه ما يقول لها، أو {مثل الذين كفروا} في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تعقل، كمثل الناعق بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه في عناء وتعب من دعائه وندائه، ثم وصفهم بالصمم والبكم والعمى مجازاً، أي: هم {صُم} عن سماع الحق فلا يعقلونه، {بُكْم} عن النطق به، {عُمْي} عن النظر إلى أسبابه، أو عن الهدي فلا يبصرونه، {فهم لا يعقلون} شيئاً ولا يتدبرون. الإشارة: إذا تمكن الهوى من القلوب عَزَّ دواؤه وشقّ علاجه، وعظم على الأطباء عناؤه، فالمنهمكون في الغفلة لا ينفَع فيهم التذكير، ولا ينجح فيهم التخويف والتحذير، فالواعظ لهم كالناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، قد أعماهم الهوى، وأصمهم عن سماع أسباب الهدي: شعر : إنَّ الهَوَى مَا تَولَّى يُصْمِ أو يَصِمِ تفسير : فلا يُقلع الهوى من قلوبهم إلا بسابق العناية، أو هبوب ريح الهداية، فتثير في قلوبهم خوفاً مُزْعِجاً، أو شوقاً مُقْلِقًا، أو نُوراً خارقاً {أية : وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}تفسير : [إبراهيم: 20].

الطوسي

تفسير : المعنى: التشبيه في هذه الآية يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: أحدها - وهو أحسنها وأقربها الى الفهم، وأكثرها في باب الفائدة - ما قاله أكثر المفسرين كابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والربيع، واختاره الزجاج، والفراء، والطبري، والجبائي، والرماني. وهو المروي عن أبي جعفر (ع) إن مثل الذين كفروا في دعائك إياهم، {كمثل الذي ينعق} أي الناعق في دعائه. المنعوق به من البهائم التي لا تفهم كالابل، والبقر، والغنم، لأنها لا تعقل ما يقال لها، وانما تسمع الصوت. والحذف فى مثل هذا حسن. كقولك لمن هو سيء الفهم: أنت كالحمار، وزيد كالأسد: أي في الشجاعة، لأن المعنى في أحد الشيئين أظهر، فيشبه بالآخر ليظهر بظهوره، وهذا باب حسن البيان. الثاني - حكاه البلخي، وغيره: إن مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الاوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع، بتعالى، وما جرى مجراه من الكلام، وذلك أنّ البهائم لا تفهم الكلام، وإن سمعت النداء، والدعاء، وأقصى أحوال الأصنام أن تكون كالبهائم في أنها لا تفهم، فاذا كان لا يشكل عليهم أن من دعا البهائم بما ذكرناه جاهل، فهم في دعائهم الحجارة أولى بالجهل وصفة الذم. الثالث - قال ابن زيد: إن مثل الذين كفروا في دعائهم آلتهم كمثل الناعق في دعائه الصدى في الجبل، وما أشبهه، لأنه لا يسمع منه إلا دعاء ونداء، لأنه اذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، فيتخيل اليه أن مجيباً أجابه، وليس هناك شيء، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة، فكذلك يخيل الى المشركين أن دعاءهم للاصنام يستجاب، وليس لذلك حقيقة، ولا فائدة. وإنما رجحنا الوجه الأول، لما بيناه من حسن الكلام، ولانه مطابق للسبب الذي قيل: إنها نزلت في اليهود، فانهم لم يكونوا يعبدون الاصنام، ولا يليق بهم الوجه الثاني، فاذا ثبت ذلك، ففيه ثلاثة أوجه من الحذف: أولها - {ومثل الذين كفروا} في دعائك لهم كمثل الناعق في دعائه المنعوق به. والثاني - {ومثل الذين كفروا} في دعائهم الاوثان كمثل الناعق في دعائه الأنعام. الثالث - مثل وعظ الذين كفروا كمثل نعق الناعق بما لا يسمع، وهذا من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف اليه مقامه كقول الشاعر: شعر : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعل في ذي المطارة عاقل تفسير : والتقدير على مخافة وعل. فان قيل: كيف قوبل الذين كفروا - وهم المنعوق به - بالناعق، ولما تقابل المنعوق به بالمنعوق به - في ترتيب الكلام - أو الناعق بالناعق؟ قيل للدلالة على تضمين الكلام تشبيه اثنين باثنين: الداعي للايمان للمدعو من الكفار بالداعي الى المراد للمدعوّ من الانعام، فلما أريد الايجاز أبقي ما يدل على ما ألقي، فأبقي في الأول ذكر المدعو، وفي الثاني ذكر الداعي، ولو رتب على ما قال السائل، لبطل هذا المعنى. وزعم أبو عبيدة، والفراء: أنه يجري مجرى المقلوب الذي يوضع فيه كلمة مكان كلمة، كأنه وضع الناعق مكان المنعوق به، وأنشد: شعر : كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم تفسير : كما كان الرجم فريضة الزناء، وكما يقال: أدخلت القلنسوة في رأسي، وإنما هو أدخلت رأسي في القلنسوة قال الشاعر: شعر : إنّ سراجا لكريم مفخره تحلى به العين اذا ما تجهره تفسير : والمعنى يحلى بالعين، فجعله تحلى به العين. والاقوى أن يكون الأمر على ما بيناه من المعنى الذي دعا الى الخلاف في الحذف، ليدل بما بقي على ما ألقي. اللغة: قال صاحب العين: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقاً اذا صاح بها زجراً، ونعق الغراب نعاقاً، ونعيقاً اذا صاح. والناعقان: كوكبان من كواكب الجوزاء: رجلها اليسرى ومنكبها الأيمن، وهو الذي يسمى الهنعة، وهما أضوء كوكبين في الجوزاء. وأصل الباب الصياح، والنداء: مصدر نادى مناداة، ونداء، وتنادوا تنادياً، وندى تندية، وتندى تندّياً. والنداء، والدعاء، والسوآل نظائر، قال صاحب العين: الندى له وجوه من المعنى: ندى الماء، وندى الخير، وندى الشر، وندى الصوت، وندى الخصر. فأما ندى الماء, فمنه ندى المطر، أصابه ندى من طلّ، ويوم ندى، فأرض ندية. والمصدر منه الندوة، والندى ما أصابه من البلل، وندى الخير هو المعروف، تقول: أندى علينا فلان ندى كثيراً، وإن يده لندية بالمعروف، وندى الصوت: بعد مذهبه، وندى الخصر: صحة جريه، واشتق النداء في الصوت من ندى ناداه أي دعاه بأرفع صوته: ناداه به. والندوة الاجتماع في النادي، وهو المجلس، ندى القوم يندون ندواً اذا اجتمعوا، ومنه دار الندوة، وأصل الباب الندى: البلل، وندى الجود كندى الغيث. المعنى: ومعنى {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} أي صم عن إستماع الحجة، بكم عن التكلم بها، عمي عن الابصار لها، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي. والاعمى: من في بصره آفة تمنعه من الرؤية. والاصم: من كان في آلة سمعه آفة تمنعه من السمع. والابكم: من كان في لسانه آفة تمنعه من الكلام. وقيل: إنه يولد كذلك، والخرس قد يكون لعرض يتجدد. وأجاز الفراء النصب في {صم} على الذم، والاجود الرفع على ما عليه القراء، وتقديره هم صم. وفيها دلالة على بطلان قول من زعم: أنهم لا يستطيعون سمعاً على الحقيقة، لأنه لا خلاف أنهم لم يكونوا صماً لم يسمعوا الاصوات، وانما هو كما قال الشاعر: شعر : أصمّ عما ساءه سميع تفسير : وفيها دلالة على بطلان قول من قال: إن المعرفة ضرورة، لأنهم لو كانوا عالمين ضرورة لما استحقوا هذه الصفة. وقال عطا: نزلت هذه الآية في اليهود، ومعنى ينعق يصوت قال الأخطل: شعر : فانعق بضأنك يا جرير فانما منّتك نفسك في الخلاء ضلالا تفسير : والدعاء: طلب الفعل من المدعو، والأولى أن يعتبر فيه الرتبة، وهو أن يكون فوق الداعي. والسمع: إدراك الصوت. والمثل: قول سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الاول.

الجنابذي

تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عطف على جملة اذا قيل (إلى اخرها) ووضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بأنّ من كان هذا جوابه كان كافراً، او حال والمعنى انّهم قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا والحال أنّهم كالبهائهم او آبائهم كالبهائم فى عدم التّفطّن {كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} نعق بغنمه كمنع وضرب نعقاً ونعيقاً ونعاقاً ونعقاناً صاح بها وزجرها والمعنى مثل هؤلاء القائلين او آبائهم فى عدم قصد المعنى من كلماتهم كمثل داعى البهائم او رادعهم فى عدم قصد المعنى من ألفاظه سوى الدّعاء او النّداء والزّجر او مثل القائلين او آبائهم فى عدم تفطّن المعنى من كلمات الغير كمثل بهائمّ الّذى ينعق بالبهائم الّتى لا تسمع من الالفاظ الاّ دعاءً وزجراً، والمقصود انّ مثل الكافرين بولاية علىٍّ (ع) فى دعائك لهم الى ولايته كمثل بهائم الدّاعى الّتى لا تسمع الا دعاءً ونداءً، روى عن الباقر (ع) أنّه قال: اى مثلهم فى دعائك ايّاهم الى الايمان كمثل الناعق فى دعائه المنعوق به من البهائم الّتى لا تفهم وانّما تسمع الصّوت ولا يلزم فى التشبيهات المركّبة ان يصحّ التشبية بين اجزاء الطّرفين فضلاً عن التطابق فى الترتيب {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} قد مضى بيان لهذه فى اوّل السّورة {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} لتنزّلهم الى مقام المدارك الحيوانيّة وسدّهم روازنها الى العقل.

اطفيش

تفسير : {ومَثَلُ الَّذينَ كَفرُوا}: أى صفتهم الشبيهة بما يضرب مثلا للغرابة ومع من يدعوهم إلى الإيمان والإسلام، وإنما قلت كمذا لقوله: {كَمَثَلِ الّّذِى يَنعِقُ بما لا يَسْمع إلاَّ دعاءً ونداءً}: فإن فيه الناعق والمنعوق عليه، فالناعق هو الإنسان الذى يصوت على نحو الغنم كالراعى وما لا يسمع إلا دعاء ونداء هو المنعوق عليه من نحو الغنم، والباء بمعنى على أو للإلصاق المجازى، أو بمعنى مع، فحال المشركين المصرِّين مع من يدعوهم إلى الإيمان والإسلام كحال الراعى مع دوابه، فهم لا تؤثر فى قلوبهم ما يؤمرون به من الإيمان والإسلام، كما تسمع الدواب صوت الراعى فى غنائه وكلامه ودعائه وندائه لغيرها غير زجره لها وغير سوقه لها ولا تفهمه، وهب أنه دعاها فجاءت، وساقها فانساقت، لكن عادة فيها جارية مألوفة لها من غير أن تعتقد فى ذلك معنى، كما قد تقول لمشرك قل لا إله إلا الله محمد رسول الله وما جاء به حق، فيقول له من غير أن يفهم معناه على الحقيقة، ولا أن يعتقده، والكلام يحتاج إلى تقدير مضاف أو لا آخراً، والأصل: ومثل داعى الذين كفروا كمثل الذى ينعق، ومثل الذين كفروا كمثل بهائم الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وفاعل يسمع ضمير عائد إلى ما، ويجوز أن يكون الدعاء والنداء هما من الناعق، يدعو البهائم ويناديها فتمتثل من غير أن تعرف حقيقة الدعاء والنداء، بل تتبع ظاهر دعائه وندائه، والمشركون كذلك يتبعون ظاهر حال آباءهم جاهلين بما يترتب على اتباعهم، وبحقيقة حالهم، وإن قلت: يتعين هذا لقوله: {بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} قلت: لا يتعين لأنك إذا تكلمت لأحد بحضرة إنسان آخر صح أن يقال تكلمت معه، أى فى حضرته، وأن يقال أوصلت صوتك بسمعه، والصقته به، وأن يقال علوته بكلامك، وهذا على أن العيق بمعنى الصوت مطلقاً، وأما على أنه بمعنى صوتهُ على البهائم فيتعير هذا الوجه إلا على المجاز من أن يطلق على مطلق الكلام مجازا، كما هو الوجه الأول الذى أشرت إليه بقولى: كما تسمع الدواب صوت الراعى فى غنائه وكلامه، ويجوز أن يكون شبه دعائهم الأصنام بالنعق على البهائم، ثم رأيته قولا لمجاهد، وهذا لا يحتاج إلى تقدير مضاف، لكن لا يساعده قوله إلا دعاءاً ونداءاً، لأن الأصنام لا تسمع الدعاء والنداء ولا غيرهما، اللهم إلا أن يجعل ذلك من الاستعارة التمثيلية، أى ومثلهم فى دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه، كمثل الناعق بما لا يسمع، وزعم بعض أن الآية من الاحتباك البديعى، وأن التقدير مثل الذين كفروا معك يا محمد، كمثل الناعق مع الغنم، ويرده أن الاحتباك إن تحذف من كل طرفى كلام ما أثبت نظيره فى الآخر، وهنا حذف قولك يا محمد من طرف واحد، أثبت نظيره فى الطرف الآخر، ولم يحذف من الطرف الآخر شئ موجود فى الأول، وعن ابن عباس وعكرمة والسدى وسيبويه: أن المعنى تشبيه واعظ الكفار وداعبهم بالراعى الذى ينعق بالغنم أو الإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفقه ما يقول، أى لكن تنزجر أو تجئ بذلك الصوت إجمالا من غير أن تفهم أجزاء الكلام وحقيقته، فالنعيق بها كضرب الحجر أمامها فى أنها تنزجر به، قال الحسن: كمثل الراعى الذى يصيح بالغنم فترجع رءوسها لا تدرى ما يقول، ثم تضع رءوسها، فكذلك هم إذا دعوا إلى الهدى، واعلم أن الدعاء طلب الفعل والنداء الصوت، قاله الجوهرى، أى الصوت من حيث رفعه، فالصوت من حيث رفعه يسمى نداءاً، كما قال إن أندى الصوت أن ينادى، داعيان ومن حيث إنه فى معنى الطلب يسمى دعاء، وقال القرطبى: الدعاء للقريب، والنداء للبعيد وهو مشكل، إلا أن أراد بقوله للقريب الكناية عن كون رفع الصوت غير مراد فى مدلول الدعاء، وجملة: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كمثل الذى} إلخ معطوفة على جملة: {أية : وإذا قيل لهم ابتعوا}،تفسير : وأما النعيق فقد علمت أنهُ الصوت مطلقاً، قال الزمخشرى: يقال نعق المؤذن ونعق الراعى بالضأن. قال الأخطل: شعر : فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك فى الخلاء ضلالا تفسير : وقيل مختص بقول الراعى فى البهائم، وفيه قول آخر أنه مختص بالصوت على الغنم، وليس الراعى فى تلك الأقوال قيداً، وأما الغراب فيقال نعق بالغين المعجمة غالبا، وقد يقال أيضا نعق بالمهمة. {صُمٌّ بكمٌ عمى}: أى هم صم بكم عمى، فالمبتدأ محذوف للعلم به، أى لا يخفى أن هذه صفات المشركين، فهذا معنى قولنا إنه مرفوع على الذم، إذ ذمهم بشهرة تلك الصفات من حيث إنها معلومة لهم، ولو لم يذكر ضميرهم أو ظاهرهم، والمعنى أنهم صم عن قبول الحق، بكم عن النطق به، عمى عن طريقه وقد مر. {فَهمْ لا يعْقلونَ}: لا يكتسبون لعقولهم ما ينفعهم من أمر الدين، كما لا تعقل الغنم والبهائم لتركهم التدبر بعقولهم، وإنهماكهم فى التقليد.

اطفيش

تفسير : {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} من اليهود والنصارى وغيرهم ومشركي العرب والذين يدعونهم إلى الإيمان النبى والمؤمنين، أى مثل الكافرين مع المؤمنين كمثل الغنم مع راعيها، كما قال {كَمَثَل الَّذِي يَنْعِقُ} يصوت من رعاة الغنم عليها {بِمَا لاَ يَسْمَعُ} أى على ما لا يسمع، وهو الغنم {إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَاءً} صوتا بلا فهم لمعناه، لما صاح بها لتمشى أو تقف، ولو فهمت منه على الاعتياد أنها تقف أو تمشى، وأيضاً هذا الفهم ليس فهما لوضع الصوت لمعناه، بل فهما لتوسط ضربها أولا بالحجر لتقف أو تمشى، وإنما قدرت مع الذين يدعونهم إلى الإيمان بلفظ مع لا بالواو ليناسب قوله كمثل الذى الخ، من المتقدم فيه الراعى، كذلك فإن مع أصلها أن تدخل على الراجح المصحوب، فالراجح المصحوب هو النبى والمؤمنون، أو يقدر، ومثل داعى الذين كفروا للإيمان كمثل الذى ينعق، أو يقدر مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذى ينعق. وعلى كل حال فالنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يدعون الكفار إلى الإيمان ولا يعرفون المقصود، لانهما كهم فى التقليد وكونهم أميين، وإعراضهم تجاهلا، كما يصيح الراعى على غنمه، ولا تفهم حكمة موضوع الصوت، ولو وقفت به أو مشت فهم أضل منهما إذ تمتثل ولا يمتثلون، أو المعنى مثل الذين كفروا فى دعاء الأصنام كمثل الناعق فى غنمه، بل الناعق فوقهم، لأن الغنم تسمع وتحس بحلاف الأصنام، والدعاء والنداء مترادفان فيما قيل، فلعله كرر تأكيداً كأنه قيل أصواتاً كثيرة، أو الدعاء ما يدل على معنى امشى، أو قفى، أو اشربى أو كلى، أو نحو ذلك، من فعل، أو اسم فعل أو اسم، صوت، والنداء ما يزاد على ذلك، كها، وياء مما يتلفظ به فى البهائم، ويبعد ما قيل إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد، كقول الأعرابى: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه، لأن النداء يكون أيضاً للقريب، كما ينادى بالهمزة وأى للقريب، وقيل الدعاء ما يسمع، والنداء قد يسمع وقد لا يسمع، {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} هم صم، بكم، عمى، أى لا يسمعون الحق ولا ينطقون به ولا يرونه {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} الموعظة والأحكام الشرعية، أى لا يدركونها، وليس المراد نفى عقل التكليف على سبيل تنزيل وجوده منزلة العدم، ولفقد ثمرته، لأنه لا يصح ترتبه بالفاء، كذا قيل، وفيه أنه لا مانع من أن يقال هم صم بكم عمي لا يدركون، فهم لذلك كمن لا عقل له كالمجنون.

الالوسي

تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء} جملة ابتدائية واردة لتقرير ما قبلها أو معطوفة عليه، والجامع أن الأولى لبيان حال الكفار وهذه تمثيل لها وفيها مضاف محذوف إما من جانب المشبه أو المشبه به ـ أي مثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق ـ أو مثل الذين كفروا ـ كمثل بهائم الذي ينعق ـ ووضع المظهر ـ وهو الموصول ـ موضع المضمر ـ وهو البهائم ـ ليتمكن من إجراء الصفة التي هي وجه الشبه عليه، وحاصل المعنى على التقديرين أن الكفرة لأنهماكهم في التقليد وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلالة لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم ولا يتأملون فيما يقرر معهم فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها وهي لا تسمع إلا جرس النغمة ودويّ الصوت، وقيل: المراد تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته، أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه وهذا يغني عن الإضمار لكن لا يساعده قوله تعالى: {إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} لأن الأصنام بمعزل عن ذلك فلا دخل للاستثناء في التشبيه إلا أن يجعل من التشبيه المركب ويلتزم كون مجموع {لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} كناية عن عدم الفهم والاستجابة، والنعيق التتابع في التصويت على البهائم للزجر، ويقال: نعق الغراب نعاقاً ونعيقاً إذا صوت من غير أن يمد عنقه ويحركها، ونغق بالغين بمعناه فإذا مد عنقه وحركها ثم صاح قيل: نعب بالباء، والدعاء والنداء بمعنى، وقيل: إن الدعاء ما يسمع، والنداء قد يسمع وقد لا يسمع، وقيل: إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد. {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} رفع على الذم إذ فيه معنى الوصف مع مانع لفظي من الوصف به {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي لا يدركون شيئاً لفقدان الحواس الثلاثة وقد قيل: من فقد حساً فقد فقد علماً، وليس المراد نفي العقل الغريزي باعتبار انتفاء ثمرته ـ كما قيل به ـ لعدم صحة ترتبه بالفاء على ما قبله.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكر تلقيَهم الدعوة إلى اتباع الدين بالإعراض إلى أن بلغ قوله: { أية : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا } تفسير : [البقرة: 170]، وذكر فساد عقيدتهم إلى أن بلغ قوله: { أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً } تفسير : [البقرة: 165] الآية، فالمراد بالذين كفروا المضروب لهم المثل هنا هو عين المراد من {الناس} في قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} وعين المراد من {الذين ظلموا} في قوله: { أية : ولو يرى الذين ظلموا } تفسير : [البقرة: 165]، وعين الناس في قوله: { أية : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } تفسير : [البقرة: 165]، وعين المراد من ضمير الغائب في قوله: { أية : وإذا قيل لهم } تفسير : [البقرة: 170]، عُقّب ذلك كله بتمثيلِ فظيع حالهم إبلاغاً في البيان واستحضاراً لهم بالمثال، وفائدة التمثيل تقدمت عند قوله تعالى: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً } تفسير : [البقرة: 17]. وإنما عطفه بالواو هنا ولم يفصله كما فصل قوله: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً } تفسير : لأنه أريد هنا جعل هذه صفة مستقلة لهم في تلقي دعوة الإسلام ولو لم يعطفه لما صح ذلك. والمثل هنا لَمَّا أضيف إلى {الذين كفروا} كان ظاهراً في تشبيه حالهم عند سماع دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم إلى الإسلام بحال الأنعام عند سماع دعوة من ينعق بها في أنهم لا يفهمون إلاّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى متابعته من غير تبصر في دلائل صدقه وصحة دينه، فكلٌّ من الحالة المشبهة والحالة المشبه بها يشتمل على أشياء: داعٍ ومدعو ودعوة، وفَهْم وإعراض وتصميم، وكل من هاته الأشياء التي هي أجزاء التشبيه المركب صالح لأن يكون مشبهاً بجزء من أجزاء المشبه به، وهذا من أبدع التمثيل وقد أوجزتْه الآية إيجازاً بديعاً، والمقصود ابتداءً هو تشبيه حال الكفار لا محالة، ويستتبع ذلك تشبيه حال النبي وحال دعوته، وللكفار هنا حالتان: إحداهما حالة الإعراض عن داعي الإسلام، والثانية حالة الإقبال على عبادة الأصنام، وقد تضمنت الحالتين الآيةُ السابقة وهي قوله: { أية : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا } تفسير : [البقرة: 170] وأعظمه عبادة الأصنام، فجاء هذا المَثَل بياناً لما طُوي في الآية السابقة. فإن قلت: مقتضى الظاهر أن يقال: ومثل الذين كفروا كمثل غَنَم الذي ينعق؛ لأن الكفار هم المشبهون والذي ينعق يُشبههُ داعي الكفار فلماذا عدل عن ذلك؟ وهل هذا الأسلوب يدل على أن المقصود تشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه لهم بالذي ينعق؟ قلت: كِلاَ الأمرين منتف؛ فإن قوله: {ومثل الذين}، صريح في أنه تشبيه هيئة بهيئة كما تقدم في قوله تعالى: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد } تفسير : [البقرة: 17]، وإذا كان كذلك كانت أجزاء المركبين غير منظور إليها استقلالاً وأيَّها ذكرتَ في جانب المركب المشبَّه والمركبِ المشبه به أجزأك، وإنما كان الغالب أن يبدءَوا الجملة الدالة على المركب المشبه به بما يقابل المذكور في المركب المشبه نحو: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} وقد لا يلتزمون ذلك، فقد قال الله تعالى: { أية : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر } تفسير : [آل عمران: 117] الآية. والذي يقابل {ما ينفقون} في جانب المشبه به هو قوله: { أية : حرث قوم } تفسير : [آل عمران: 117] وقال: { أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } تفسير : [البقرة: 261] وإنما الذي يقابل {الذين ينفقون} في جانب المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلاً وقال تعالى: { أية : كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب } تفسير : [البقرة: 264] الآية، والذي يقابل الصفوانَ في جانب المشبه هو المال المنفَق لا الذي ينفق، وفي الحديث الصحيح « حديث : مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء » تفسير : الخ، والذي يقابل الرجل الذي استأجر في جانب المشبه هو الله تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا، وهو غير مذكور في جانب المشبه أصلاً، وهو استعمال كثير جداً، وعليه فالتقديرات الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى، والآية تحتمل أن يكون المراد تشبيه حال المشركين في إعراضهم عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم، أو تشبيه حال المشركين في إقبَالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم، وأيّاً ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق، والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون قوله: {إلا دعاء ونداء} من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي في جانب المشبه به، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك، ولأَنْ يكون احتراساً في التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رُعاتها فهي لا تسمع إلاّ دُعاء ونداء، ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذٍ مثل قوله تعالى: { أية : فهي كالحجارة أو أشد قسوة } تفسير : [البقرة: 74] ثم قال: { أية : وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار } تفسير : [البقرة: 74]. وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حَمَّلْتُه من الهيئة كلها، وهيئةُ المشركين في تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى: { أية : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع } تفسير : [البقرة: 170] الآية، فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يَسمع، فالنبي يدعوهم كناعقٍ بغنم لا تفقه دليلاً، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئاً. ومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع. والنعق نداء الغنم وفعله كضربَ ومنَع ولم يُقرأ إلاّ بكسر العين فلعل وزن ضرب فيه أفصح وإن كان وزن منَع أقيس، وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله يصف جريراً بأن لا طائل في هجائه الأخطلَ: شعر : فانْعِقْ بضأْنك يا جرير فإنما منَّتْك نفسُك في الظلام ضلالا تفسير : والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد، فهو تأكيد ولا يصح، وقيل الدعاء للقريب والنداء للبعيد، وقيل الدعاء ما يُسمع والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ولا يصح. والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات التي تفهمها الغنم، فالدعاء ما يخاطب به الغنم من الأصوات الدالة على الزجر وهي أسماء الأصوات، والنداء رفع الصوت عليها لتجتمع إلى رعاتها، ولا يجوز أن يكونا بمعنى واحد مع وجود العطف؛ لأن التوكيد اللفظي لا يعطف فإن حقيقة النداء رفع الصوت لإسماع الكلام، أو المراد به هنا نداء الرِّعاء بعضهم بعضاً للتعاون على ذود الغنم، وسيأتي معنى النداء عند قوله تعالى: { أية : ونودوا أن تلكم الجنة } تفسير : [الأعراف: 43] في سورة الأعراف.v وقوله: {صُمٌّ بُكمٌ عُمْىٌ} أخبار لمحذوف على طريقة الحذف المعبر عنه في علم المعاني بمتابعة الاستعمال بعد أن أجرى عليهم التمثيل، والأوصاف إن رجعت للمشركين فهي تشبيه بليغ وهو الظاهر وإن رجعت إلى الأصنام المفهومةِ مِنْ يَنعق على أحد الاحتمالين المتقدمين فهي حقيقة وتكون شاهداً على صحة الوصف بالعدم لمن لا يصح اتصافه بالملكة كقولك للحائط: هو أعمى، إلاّ أن يجاب بأن الأصنام لما فرضها المشركون عقلاء آلهة وأريد إثبات انعدام الإحساس منهم عبر عنها بهذه الأوصاف تهكماً بالمشركين فقيل: صم بكم عمي كقول إبراهيم: { أية : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } تفسير : [مريم: 42]. وقوله: {فهم لا يعقلون} تقريع كمجيء النتيجة بعد البرهان، فإن كان ذلك راجعاً للمشركين فالاستنتاج عقب الاستدلال ظاهر لخفاء النتيجة في بادىء الرأي، أي إن تأملتم وجدتموهم لا يعقلون؛ لأنهم كالأنعام والصمِّ والبكمِ الخ، وإن كان راجعاً للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين عبدوها. ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مثل: المثل الصفة والحال. ينعق: يصيح والاسم النعيق وهو الصياح ورفع الصوت. الدعاء: طلب القريب كدعاء المؤمن ربه يارب. يارب. النداء: طلب البعيد كأذان الصلاة. الصم: جمع أصم فاقد حاسة السمع فهو لا يسمع. البكم: جمع أبكم فاقد حاسة النطق فهو لا ينطق. لا يعقلون: لا يدركون معنى الكلام ولا يميزون بين الأشياء لتعطل آلة الإِدراك عندهم وهي العقل. معنى الآية الكريمة: لما نددت الآية قبل هذه [170] بالتقليد والمقلدين الذي يعطلون حواسهم ومداركهم ويفعلون ما يقول لهم رؤساؤهم ويطبقون ما يأمرونهم به مسلمين به لا يعرفون لم فعلوا ولم تركوا جاءت هذه الآية بصورة عجيبة ومثل غريب للذين يعطلون قواهم العقلية ويكتفون بالتبعية في كل شيء حتى أصبحوا كالشياه من الغنم يسوقها راعيها حيث شاء فإذا نعق بها دعياً لها أجابته ولو كان دعاؤه إياها لِذبحها، وكذا إذا ناداها بأن كانت بعيدة أجابته وهي لا تدري لم نوديت إذ هي لا تسمع ولا تفهم إلا مجرد الصوت الذي ألفته بالتقليد الطويل والاتباع بدون دليل. فقال تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في جمودهم وتقليد أبائهم في الشرك والضلال كمثل غَنَم ينعق بها راعيها الأمين عليها فهو إذا صاح فيها داعياً لها أو منادياً لها سمعت الصوت وأجابت ولكن لا تدري لماذا دعيت ولا لماذا نوديت لفقدها العقل. وهذا المثل صالح لكل من يدعو أهل الكفر والضلال إلى الإِيمان والهداية فهو مع من يدعوهم من الكفرة والمقلدين والضلال الجامدين كمثل الذي ينعق إلخ...... هداية الآية: من هداية الآية الكريمة: 1- تسلية الدعاة إلى الله تعالى عندما يواجهون المقلدة من أهل الشرك والضلال. 2- حرمة التقليد لأهل الأهواء والبدع. 3- وجوب طلب العلم والمعرفة حتى لا يفعل المؤمن ولا يترك إلا على علم بما فعل وبما ترك. 4- لا يتابع إلا أهل العلم والبصيرة في الدين، لأن اتباع الجهال يعتبر تقليداً.

القطان

تفسير : المثل: الصفة والحال. نعق: صاح. بعد ان نعى سبحانه وتعالى على الكفار سوءَ حالهم وتقليدَهم لآبائهم وساداتهم من الرؤساء دون استنادهم الى برهان يعتمدون عليه ـ اعقب ذلك برسم صورة زرية لهذا الجمود، فصّور البهيمة السارحة التي تسمع صياح راعيها ولكنها لا تفهم ما يريد. وهذا مثلُ الكافرين في تقليدهم، وعدم تأملهم فيما يلقى اليهم. هؤلاء الكفار أضل من هذه البهائم، فهم عن الحق صم الآذان، عمي البصائر، خرس الألسنة، لا ينطقون بخير، ولا يصدرون عن عقل.

د. أسعد حومد

تفسير : (171) - وَمَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلاَلِ، وَالجَهْلِ وَتَقْلِيدِ الآبَاءِ والرُّؤَسَاءِ، كَمَثَلِ الدَّوَابِّ السَّارِحَةِ التِي لاَ تَفْقَهُ شَيْئاً مِمَّا يُقَالُ لَهَا، فَإِذَا نَعَقَ فِيها رَاعِيها فَإِنَّها تَسْمَعُ صَوْتَهُ، وَلكِنَّها لاَ تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلاَ تَفْهَمُهُ، فَهُمْ صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الحَقِّ، وَبُكْمٌ لاَ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، وَعُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ، لاَ يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلاَ يَفْهَمُونَ. يَنْعِقُ - يَصِيحُ. بُكْمٌ - خُرْسٌ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والذي ينعق هو الذي يُصَوِّتُ ويصيح للبهائم، وهو الراعي، إذن، فكلمة ينعق أعطتنا صورة راع يرعى بهائم. وكان هذا الصياح من الراعي ليلفت الماشية المرعية لتسير خلفه، وهو لا يقول لها ما يريده أن تفعله، وإنما ينبهها بالصوت إلى ما يريد، ويسير أمامها لتسير خلفه إلى المرعى أو إلى نبع الماء، فالنداء لفتة ودعاء فقط، لكن ما يراد من الدعاء يصير أمراً حركياً تراه الماشية. فكأن الماشية المرعية لا تفهم من الراعي إلا النداء والدعاء، إنما دعاء ونداء لماذا؟ فهي لا تعرف الهدف منه، إلا بأن يسلك الراعي أمامها بما يرشدها. وهكذا نفهم أن هناك "راعياً"، و"ماشية"، و"صوتاً من الراعي" وهو مجرد دعاء ونداء. مقابل هؤلاء الثلاثة في قضيتنا هو الرسول حين يدعو فيكون هو "الراعي" ويدعو من؟، يدعو "الرعية" الذين هم الناس. وبماذا يدعو الرعية؟. أيناديها فقط لتأتيه، أم يناديها لتأتيه ويأمرها بأشياء؟. إنه يأمرها باتباع منهج السماء. وهذا هو الفارق بين الراعي في الماشية والراعي في الآدميين. فعندما يأتي الرسول ويقول:"حديث : يا قوم إني لكم رسول، وإني لكم نذير"تفسير : ، فهذا هو الدعاء، ومضمون ذلك الدعاء هو "اعبدوا الله". "انظروا في السماوات والأرض"، "افعلوا كذا من أوامر وانتهوا عن تلك النواهي"، هذا ما يريده الرسول. إذن فالرسول يشترك مع الراعي في الدعاء والنداء، وهم اشتركوا مع المَرْعِيّ في أنهم لم يفهموا إلا الدعاء والنداء فقط، وفي الاستجابة هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 171]، فالمدعو به لم يسمعوه، وكأنهم اشتركوا مع الحيوان في أنهم لا يستمعون إلا للدعاء والنداء، إنما المدعو به ومضمون النداء هم لا يعقلونه ولا يفهمونه. وبُكْم لا ينطقون بمطلوب الدعوة وهو "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، وليس عندهم عقل يدير حركة العيون لينظروا في ملكوت السماوات والأرض ليظهر لهم وجه الحق في هذه المسألة. إذن، فمثل الذين كفروا بالرسول كمثل الماشية مع الراعي، فهم لا يسمعون إلا مجرد الدعاء، كما أن الماشية تسمع الراعي ولا تعقل، مع الفارق؛ لأن الدواب ليس مطلوباً منها أن ترد على مَنْ يناديها. ولا تسمع غير ذلك من المدعو به لذا كان الكافرون شر الدواب. وقول الحق: "صُمٌّ" أي مصابون بالصمم؛ وهو آفة تمنع الأذن من أداء مهمتها. و"بُكْمٌ" أي مصابون بآفة تصيب اللسان؛ فتمنعه من أداء مهمته، إلا أن السبب في الصمم سبب إيجابي، لأن هناك شيئاً قد سَد منفذ السمع فلا تسمع، وبسبب الصمم فهم بكم، والبكم هو عجز اللسان عن الكلام، لأن الإنسان إن لم يسمع فهو لن يتكلم. ولذلك فإن الإنسان إذا وُجد في بيئة عربية فهو يتكلم اللغة العربية، وإذا نشأ الإنسان في بيئة إنجليزية فهو يتكلم لغة إنجليزية. وهبْ أنك قد نشأت في بيئة تتكلم العربية ثم لم تسمع كلمة من كلماتها هل تتكلم بها؟، إذن: فاللسان ينطق بما تسمعه الأذن، فإذا لم تسمع الأذن لا يتكلم اللسان. والصمم يسبق البكم، ولذلك فالبكم هو آفة سلبية، وتجد أن اللسان يتحرك ويُصوِّت أصواتاً لا مدلول لها ولا مفهوم. فهل نفهم من قوله تعالى عنهم: "صُمٌّ" أنهم مصابون بالصمم؟.. لا، إن الحق يقول: لقد جعلت الأذن لتسمع السماع المفيد؛ فكأنها معطلة لا تسمع شيئاً. وكذلك اللسان أوجدته ليتكلم الكلام المفيد، بحيث مَنْ لا يتكلم به كأنه أبكم، والعقل أوجدته ليفكر به؛ فإذا لم يفكر تفكيراً سليماً منطقياً، فكأن صاحبه لا عقل له. فالأصم حقيقة خير من الذي يملك حاسة السمع ولا يفهم بها، لأن الأصم له عذره، والأبكم كذلك، والمجنون أيضاً له عذره، فليت هؤلاء الكفار كانوا كذلك، لقد صموا آذانهم عن سماع الدعوة، وهم بُكم عن النطق بما ينجيهم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهم عمي عن النظر في آيات الكون، فلو أن عندهم بصراً لنظروا في الكون كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 190]. فلو أنهم نظروا في خلق السماوات والأرض؛ لاهتدوا بفطرتهم إلى أن لهذا الوجود المتقن المحكم صانعاً قد صنعه، لكنهم لا يعقلون، لأن عملية العقل تنشأ بعد أن تسمع، وبعد اكتمال الحواس، ولذلك فالإنسان في تكوينه الأول حركي حسيّ، يرى ويسمع ويتذوق ثم تتكون عنده من بعد ذلك القضايا العقلية. ويقول الحق بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ} معناهُ يُصوِّتُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ} فالأَبكَمُ: الأَخْرَسُ. وواحدُهَا أَبْكَمُ.

الأندلسي

تفسير : {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وداعيهم إلى الهدى. {كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ} والمنعوق به. شبه داعي الكفار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه وشبّه الكفار بالغنم في كونهم لا ينتفعون بما دعوا إليه غير أصوات. حذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني وهو الذي ينعق ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول. وتقدم {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ}، وهنا أقبل على المؤمنين بندائهم وأباح لهم أكل ما رزقهم من الطيبات وأمرهم بالشكر على ذلك وكانت وجوه الطيبات كثيرة استطرد إلى ذكر المحرمات. وقرىء حَرّم وحُرّم وحزم والميتة بالتخفيف والتشديد، والظاهر أن المحذوف هو الأكل أي أكل الميتة لقوله: كلوا من طيبات. والميتة عام خص منه الحوت والجراد. قال ابن عطية: الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم "انتهى". فإِن عني لم يدخل في دلالة اللفظ فلا نسلم له ذلك وإن عني لم يدخل في الارادة فهو كما قال، لأن المخصص يدل على أنه لم يرد به الدخول في اللفظ العام الذي خصص به. وقال الزمخشري: فإِن قلت في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد، قلت: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه على العادة ألا ترى أن القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الفهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دماً لم يسبق إلى الكبد والطحال، ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث وإن أكل لحماً في الحقيقة. وقال تعالى: {أية : لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً}تفسير : [النحل: 14]. وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن سماه الله دابة في قوله: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 55]. "انتهى". وملخص ما يقول ان السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة وليس كما قال وكيف يكون ذلك وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : احلت لنا ميتتان ودمان تفسير : فلو لم يندرج في الدلالة لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله إذ كان يبقى مدلولاً على حله بقوله: {أية : كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 168] {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة كما قال الزمخشري: بل لو لم يكن للمخاطب شعور البتة ولا علم ببعض أفراد العام وعلق الحكم على العام لا يدرج فيه ذلك الفرد الذي لا شعور للمخاطب به. مثال ذلك: ما جاء في الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع فهذا علق الحكم فيه بكل ذي ناب والمخاطب الذين هم العرب لا علم لهم ببعض أفراد ذي الناب، وذلك الفرد مندرج في العموم يقضي عليه بالنهي كما في بلادنا بلاد الأندلس أنه ليس حيوان مفترس يسمى عندهم باللب وبالسبع. وفي جواز أكل السمك الطافي والجراد الذي مات بغير سبب خلاف، والدم عام فإِذا كان مسفوحاً فلا خلاف في نجاسته وتحريمه. وفي دم السمك المزايل له خلاف ويجوز أكل الدم المتخلل بالعروق واللحم الشاق إخراجه والكبد والطحال ولحم الخنزير ظاهره أن المحرم منه هو لحمه فقط. وبه قال داود وقال سائر العلماء: لحمه وسائر أجزائه حرام. وفي جواز أكل الخنزير البحري خلاف. وقال الزمخشري: فإِن قلت فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه. قلت لأن الشحم داخل في ذكر اللحم بدليل قولهم لحم سمين يريدون أنه شحيم. "انتهى". وقولهم هذا ليس بدليل على أن الشحم داخل في ذكر اللحم لأن وصف الشيء بأنه يمازجه شيء آخر لا يدل على أنه مندرج تحت مدلول ذلك الشيء ألا ترى أنك تقول مثلاً: رجل لابن ورجل عالم، لا يدل ذلك على أن اللبن أو العلم داخل في ذكر الرجل ولا أن ذكر الرجل مجرداً عن الوصفين يدل عليهما. وقال ابن عطية: وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذكّ وليعم الشحوم وما هناك من الغضاريف وغيرها. وأجمعت الأمة على تحريم شحمه. "انتهى". وليس كما ذكر لأن ذكر اللحم لا يعم الشحم وما هنالك من الغضاريف لأن كلاً من الشحم واللحم وما هناك من غضروف وغيره له اسم يخصه. إذ أطلق ذلك الاسم لم يدخل فيه الآخر، ولا يدل عليه لا بمطابقة ولا تضمن فإِذن تخصيصه بالذكر يدل على تخصيصه بالحكم إذ لو أريد المجموع لدل بلفظ يدل على المجموع. وقوله: أجمعت الأمة على تحريم شحمه ليس كما ذكر ألا ترى أن داود لا يحرم إلا ما ذكره الله تعالى وهو اللحم دون الشحم إلا أن يذهب ابن عطية إلى ما يذكر عن أبي المعالي عبد الملك الجويني من أنه لا يعتد في الاجماع بخلاف داود. وقد اعتد أهل العلم الذين لهم ألفهم التام والاجتهاد قبل أن يخلق الجويني بازمان بخلاف داود ونقلوا أقاويله في كتبهم كما نقلوا أقاويل الأئمة كالأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد ودان بمذهبه. وقوله: وطريقته ناس وبلاد وقضاة وملوك الأزمان الطويلة ولكنه في عصرنا هذا قد حمل هذا المذهب كغيره. {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ} الاهلال رفع الصوت أي ذبح لغير الله من الأصنام والطواغيت ومعبود غير الله ومقصود به التباهي والتفاخر. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} أي في مخمصة. {غَيْرَ بَاغٍ} أي على المسلمين. {وَلاَ عَادٍ} عليهم كقطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم. {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} في تناول شيء من هذه المحرمات ولا يرتفع الاثم إلا إذا كان المضطر غير باغ ولا عاد. وجاء في الآية الأخرى: غير متجانف لاثم، فيقيد به مطلق قوله: إلا ما اضطررتم إليه. وقرىء بكسر نون فمن وضمها وبكسر الطاء وبإِدغام الضاد في الطاء.

الجيلاني

تفسير : {وَ} إن شئت يا أكمل الرسل زيادة تفضيحهم اذكر للمؤمنين قولنا: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تقليداً لآبائهم مع قابليتهم واستعدادهم للإيمان {كَمَثَلِ} الشخص {ٱلَّذِي يَنْعِقُ} يخاطب ويصوت من سفاهته {بِمَا} أي: بجمادٍ {لاَ يَسْمَعُ} منه شيئاً في مقابلته {إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} منعكسين من دعائه، شبه حالهم في السفاهة والحماقة بحال من يصوت نحو الجبل فيسمع منه صوته منعكسة، فيتخيل من سفاهته أنه يتكلم معه، والحال أن آباءهم أيضاً أمثالهم {صُمٌّ} لا يسمعون دعوة الحق من ألسنة الرسل {بُكْمٌ} أيضاً لا يتكلمون بما ظهر لهم من الحق الصريح نقلاً وعقلاً {عُمْيٌ} أيضاً، لا يبصرون آثار الصفات وأنوار تجليات الذات الظاهرة على الآفاق {فَهُمْ} وآباؤهم من غاية انهماكهم في الغفلة والنسيان كأنهم {لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] أي: لا يخلقون من زمرة العقلاء. نبهنا بفظلك عن سنة الغفلة ونوم النسيان. ثم ناداهم سبحانه، وأوصاهم بما يتعلق بأمور معاشهم أيضاً بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ} مزكيات ما أحل لكم من الحيوانات من {مَا رَزَقْنَاكُمْ} سقنا نحوكم تفضلاً؛ لتقوية مزاجكم وتعديله {وَ} بعد تقويتنا وتعديلنا إياكم {ٱشْكُرُواْ للَّهِ} المنعم المفضل، المربي لكم بلا التفات إلى الوسائق والوسائق {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ} لا إلى غيره من الآليهة {تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] تقصرون العبادة. قل لهم يا أكمل الرسل نيابة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} أي: ما حرم ربكم عليكم في دينكم من الحيوانات إلا {ٱلْمَيْتَةَ} حتف نفسه بلا تزيكة وتهليل {وَٱلدَّمَ} السائل من أي وجه كان {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} المرخص في الأديان الأخر لنجاسة عينه طبعاً وشرعاً { وَمَآ أُهِلَّ} صوت {بِهِ لِغَيْرِ} اسم {ٱللَّهِ} عند ذبحه من أسماء الأصنام، وإنما حرم عليكم هذه الأشياء وقت سعتكم {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} منكم حال كونه {غَيْرَ بَاغٍ} للولاة القائمين بحدود الله {وَلاَ عَادٍ} مجاوزاً عن شدة الجوعة إلى وقت السعة {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} إن تناول منها مقدار سد الرمق {إِنَّ ٱللَّهَ} المرخص لكم في أمثال المضائق والاضطرار {غَفُورٌ} سائر لكم عن أمثال هذه الجراءة {رَّحِيمٌ} [البقرة: 173] علكيم بهذه الرخصة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إرادتهم عملاً وضرب لهم مثلاً بقوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع {إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً}، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ}، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحاً بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنواع جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً}تفسير : [الشروى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولاً يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلاً ولا كثيراً {أية : إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئاً من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا {بَلَىٰ} لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية {أية : رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن {صُمٌّ} [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب {بُكْمٌ} [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد {عُمْيٌ} [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضاً {لاَ يَعْقِلُونَ} لأنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو فِيَّ امرأته"تفسير : قوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: {مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني: أنا الرزاق لا غيري {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكراً أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: شعر : عَلَيها كِلابٌ هُمُّهُنَّ اِجتِذابُها وَما هِيَ إِلاّ جِيَفَةٌ مُستَحيلَةٌ فَإِن تَجتَنِبها كُنتَ سِلماً لأَهلِها وَإِن تَجتَذِبها نازَعَتكَ كِلابُها تفسير : والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم"،تفسير : ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلاً؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سدوا مجاري الشيطان بالجوع"تفسير : لأن الجوع يقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه {غَيْرَ بَاغٍ} [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرم والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع {وَلاَ عَادٍ} [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: "حديث : يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني"تفسير : من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلباً للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اليسير من الرياء شرك"تفسير : {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولاً، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلاً، فإما يكون محواً في الله، أو يكون قائماً بالله، أو يكون عاملاً لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفاً عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعاً في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} [البقرة: 174]، بالكتمان {ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب"تفسير : فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبي من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}تفسير : [النساء: 10]، فافهم جدّاً. ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جنهم"تفسير : يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]، {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9-10]، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: {شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"تفسير : {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران {ذَلِكَ} [البقرة: 176]، المداهنة منهم {بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ} أي: داهنوا {فِي ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بوناً بعيداً، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل"،تفسير : فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظاهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ} أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ} فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محباً لمحبة، كما عبر عن هذا بقوله: {وَيُحِبُّونَهُ} فشاهد بذلك النور محبوبة وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ} وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: "حديث : إن الله تعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السما: إن الله أحب فلاناً فأحبوه، فيحبوه أهل السماء"،تفسير : وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبداً، فافهم جدّاً. قوله تعالى: {وَٱلنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سُئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق {وَٱلْيَتَامَىٰ} [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية {وَٱلْمَسَاكِينَ} [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما {وَٱلسَّآئِلِينَ} [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية، والروحانية {وَفِي ٱلرِّقَابِ} [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهد {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ} [البقرة: 177]، والمحاضرة مع الله بالله {وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ} [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق {وٱلضَّرَّآءِ} [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 23] {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما يقتضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعاً ومطلوبه أمراً، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: "حديث : من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته"،تفسير : وفي قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلباب الحياء {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما بين تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرسل، وردهم لذلك بالتقليد، علم من ذلك أنهم غير قابلين للحق، ولا مستجيبين له، بل كان معلوما لكل أحد أنهم لن يزولوا عن عنادهم، أخبر تعالى، أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت، الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم، فلهذا كانوا صما لا يسمعون الحق سماع فهم وقبول، عميا لا ينظرون نظر اعتبار، بكما فلا ينطقون بما فيه خير لهم. والسبب الموجب لذلك كله، أنه ليس لهم عقل صحيح، بل هم أسفه السفهاء، وأجهل الجهلاء. فهل يستريب العاقل، أن من دعي إلى الرشاد، وذيد عن الفساد، ونهي عن اقتحام العذاب، وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه، وفوزه، ونعيمه فعصى الناصح، وتولى عن أمر ربه، واقتحم النار على بصيرة، واتبع الباطل، ونبذ الحق - أن هذا ليس له مسكة من عقل، وأنه لو اتصف بالمكر والخديعة والدهاء، فإنه من أسفه السفهاء.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 54 : 3 - سفين عن خصيف عن عكرمة في قول الله جل وعز {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} قال، الشاة والبقر والبعير. [الآية 171].

همام الصنعاني

تفسير : 154- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ}: [الآية: 171]، قالَ: هُوَ مَثلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْكافِرِ يقول: مَثلُ هذا الكافر كمثل هذه البهِيمة التي تَسْمَعُ الصوت ولا تدري ما يُقالُ لهَا، وكذلك الكافر، يُقَال له فلا ينتفع بما يُقالُ له.