Verse. 179 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُلُوْا مِنْ طَيِّبٰتِ مَا رَزَقْنٰكُمْ وَاشْكُرُوْا لِلہِ اِنْ كُنْتُمْ اِيَّاہُ تَعْبُدُوْنَ۝۱۷۲
Ya ayyuha allatheena amanoo kuloo min tayyibati ma razaqnakum waoshkuroo lillahi in kuntum iyyahu taAAbudoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات» حلالات «ما رزقناكم واشكروا لله» على ما أحل لكم «إن كنتم إياه تعبدون».

172

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله: {أية : كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأَرْضِ حَلَـٰلاً طَيّباً } تفسير : [البقرة: 168] ثم نقول: إن الله سبحانه وتعالى تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد على اليهود والنصارى، ومن هنا شرع في بيان الأحكام، اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الأكل قد يكون واجباً، وذلك عند دفع الضرر عن النفس، وقد يكون مندوباً، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد، فهذا الأكل مندوب، وقد يكون مباحاً إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشيء أن يكون خالياً عن العوارض، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحاً وإذا كان الأمر كذلك كان قوله {كُلُواْ } في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة. المسألة الثانية: احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراماً بقوله تعالى: {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالاً لكان قوله: {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } معناه من محللات ما أحللنا لكم، فيكون تكراراً وهو خلاف الأصل، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه. فأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى. المسألة الثالثة: قوله: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ } أمر: وليس بإباحة فإن قيل: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضرورياً فكيف يمكن إيجابه، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبـي مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، وذلك أيضاً غير واجب، وإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر / قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقاً للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة. أما قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوها أحدها: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ } إن كنتم عارفين بالله وبنعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته، إطلاقاً لإسم الأثر على المؤثر وثانيها: معناه: إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات وثالثها: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ } الذي رزقكم هذه النعم {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره، عن أنس رضي الله عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى: إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأزرق ويشكر غيري » تفسير : . المسألة الثانية: احتج من قال: إن المعلق بلفظ: أن، لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء بهذه الآية، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة {إن} على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً.

القرطبي

تفسير : هذا تأكيد للأمر الأوّل، وخصّ المؤمنين هنا بالذكر تفضيلاً. والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيها الناس إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طَيّباً وإن الله أمر المؤمنين بما أَمَر به المرسلين تفسير : فقال: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلرسل كُلُواْ مِن الطَيِّبَات ِوٱعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }تفسير : [المؤمنون: 51] وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} حديث : ثم ذَكَرَ الرَّجُلُ يُطِيل السَّفَرَ أشْعَثَ أَغْبَرَ يُمدّ يديه إلى السّماء يَا رَبِّ يَا رَبِّ ومَطْعَمُه حرام (ومشربه حرام) ومَلْبَسُه حرام (وغُذِيَ بالحرام) فأنَّى يُستجاب لذلك»تفسير : . {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تقدّم معنى الشكر فلا معنى للإعادة.

البيضاوي

تفسير : {يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} لما وسع الأمر على الناس كافة وأباح لهم ما في الأرض سوء ما حرم عليهم، أمر المؤمنين منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} على ما رزقكم وأحل لكم. {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه مولى النعم، فإن عبادته تعالى لا تتم إلا بالشكر. فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإِتمامه، وهو عدم عند عدمه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى إني والإِنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وقال: {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنىٰ يستجاب لذلك؟»تفسير : ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث فضيل بن مرزوق. ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع، وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر؛ لقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}تفسير : [المائدة: 96] على ما سيأتي إن شاء الله، وحديث العنبر في الصحيح، وفي المسند والموطأ والسنن قوله عليه السلام في البحر: «حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته»تفسير : وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعاً: «حديث : أحل لنا ميتتان ودمان؛ السمك والجراد، والكبد والطحال» تفسير : وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة. (مسألة) ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر، إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في التفسير: ههنا يخالط اللبن منها يسير، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع. وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: «حديث : الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»تفسير : وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير، سواء ذكي أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه، إما تغليباً، أو أن اللحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي. وكذلك حرم عليهم ما أهل به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرساً لبعلها، فنحرت فيه جزوراً، فقال: لا تؤكل؛ لأنها ذبحت لصنم، وأورد القرطبي عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم، فيهدون منه للمسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم. ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد {فَلاَۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي: في أكل ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، ولا قاطعاً للسبيل، أو مفارقاً للأئمة، أو خارجاً في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغياً أو عادياً أو في معصية الله، فلا رخصة له، وإن اضطر إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال سعيد في رواية عنه، ومقاتل بن حيان: غير باغ يعني: غير مستحله، وقال السدي: غير باغ: يبتغي فيه شهوته، وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء، وهو الخراساني، عن أبيه، في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ} قال: لا يشوي من الميتة ليشتهيه، ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العلقة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه، وهو قوله: {وَلاَ عَادٍ} ويقول: لا يعدو به الحلال، وعن ابن عباس: لا يشبع منها، وفسره السدي بالعدوان، وعن ابن عباس {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} قال: {غَيْرَ بَاغٍ} في الميتة، ولا عاد في أكله، وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قال: غير باغ في الميتة، أي: في أكله أن يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة، وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: فمن اضطر، أي: أكره على ذلك بغير اختياره. (مسألة) إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير، بغير خلاف ـ كذا قال ـ ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عاماً مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطاً، فأخذت سنبلاً، ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط، فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال للرجل: «حديث : ما أطعمته إذ كان جائعاً ولا ساعياً، ولا علمته إذ كان جاهلاً»تفسير : فأمره، فرد إليه ثوبه، فأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد، وله شواهد كثيرة، من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق، فقال: «حديث : من أصاب منه من ذي حاجة بفيه، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه»تفسير : الحديث، وقال مقاتل بن حيان في قوله: {فَلاَۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: فيما أكل من اضطرار، وبلغنا، والله أعلم، أنه لا يزاد على ثلاث لقم، وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام، رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار، وقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: من اضطر، فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات، دخل النار، وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكياالهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا، كالإفطار للمريض، ونحو ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ } حلالات {مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ } على ما أحل لكم {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } هذا تأكيد للأمر الأول: أعني قوله: { يـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى ٱلأرْضِ حَلَـٰلاً طَيّباً} وإنما خص المؤمنين هنا؛ لكونهم أفضل أنواع الناس. وقيل: والمراد بالأكل الانتفاع. وقيل المراد به الأكل المعتاد، وهو الظاهر. قوله: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ } قد تقدّم أنه يقال شكره، وشكر له يتعدى بنفسه، وبالحرف. وقوله: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي: تخصونه بالعبادة كما يفيده تقدّم المفعول. قوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } قرأ أبو جعفر: "حُرِّم" على البناء للمفعول، و {إِنَّمَا } كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب، وتنفي ما عداه. وقد حصرت ها هنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها. قوله: {ٱلْمَيْتَةُ } قرأ ابن أبي عبلة بالرفع، ووجه ذلك أنه يجعل «ما» في {إنما} موصولة منفصلة في الخط، والميتة وما بعدها خبر الموصول، وقراءة الجميع بالنصب. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "المِّيتة" بتشديد الياء، وقد ذكر أهل اللغة أنه يجوز في ميت التشديد والتخفيف. والميتة: ما فارقها الروح من غير ذكاة. وقد خصص هذا العموم بمثل حديث: «أحلّ لنا ميتتان ودمان» أخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، عن ابن عمر مرفوعاً، ومثل حديث جابر في العنبر الثابت في الصحيحين مع قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } تفسير : [المائدة: 96] فالمراد بالميتة هنا ميتة البرّ لا ميتة البحر. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر حيها، وميتها. وقال بعض أهل العلم: إنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في البر، وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولا أراه حراماً. قوله: {وَٱلدَّمَ } قد اتفق العلماء على أن الدم حرام، وفي الآية الأخرى: {أية : أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } تفسير : [الأنعام: 145] فيحمل المطلق على المقيد؛ لأن ما خلط باللحم غير محرم، قال القرطبي: بالإجماع. وقد روت عائشة؛ أنها كانت تطبخ اللحم، فتعلو الصفرة على البُرْمَة من الدم، فيأكل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينكره. قوله: {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ } ظاهر هذه الآية، والآية الأخرى أعني قوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ اِلي مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ }تفسير : [الأنعام: 145] أن المحرّم إنما هو: اللحم فقط. وقد أجمعت الأمة على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في تفسيره وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم. وحكى القرطبي الإجماع أيضاً على أن جملة الخنزير محرّمة إلا الشعر، فإنه تجوز الخرازة به. قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } الإهلال: رفع الصوت، يقال أهلّ بكذا، أي: رفع صوته. قال الشاعر يصف فلاة:شعر : تُهِلّ بالفَرْقَد رُكْبانُها كما يُهِلّ الراكبُ المُعتَمِر تفسير : وقال النابغة:شعر : أو دُرةٌ صَدَفِيةٌ غَوّاصُها بَهِجٌ مَتَى يرها يُهِلّ ويَسجُد تفسير : ومنه إهلال الصبيّ، واستهلاله، وهو: صياحه عند ولادته. والمراد هنا: ما ذكر عليه اسم غير الله كاللات والعزّى، إذا كان الذابح، وثنياً، والنار إذا كان الذابح مجوسياً. ولا خلاف في تحريم هذا، وأمثاله، ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهلّ به لغير الله، ولا فرق بينه، وبين الذبح للوثن. قوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } قرىء بضم النون للاتباع، وبكسرها على الأصل في التقاء الساكنين، وفيه إضمار. أي: فمن اضطرّ إلى شيء من هذه المحرمات. وقرأ ابن محيصن بإدغام الضاد في الطاء. وقرأ أبو السماك بكسر الطاء. والمراد مَنْ صيَّره الجوع، والعدم إلى الاضطرار إلى الميتة. قوله: {غَيْرَ بَاغٍ } نصب على الحال. قيل المراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات، وهو يجد عنها مندوحة، وقيل: غير باغٍ على المسلمين، وعادٍ عليهم، فيدخل في الباغي، والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، وقاطع الرحم، ونحوهم، وقيل المراد غير باغٍ على مضطرٍّ آخر، ولا عادٍ سدَّ الجوعة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } قال: من الحلال. وأخرج ابن سعد، عن عمر بن عبد العزيز، أن المراد بما في الآية: طيب الكسب؛ لا طيب الطعام. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك: أنها حلال الرزق. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين،تفسير : فقال: {أية : يأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } تفسير : [المؤمنون: 51] وقال: {أية : يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 172] حديث : ثم ذكر الرجلَ يطيل السفر أشعث أغبر يمدُّ يديه إلى السماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أُهِلَّ } قال: ذبح. وأخرج ابن جرير، عنه قال: {مَا أَهْل بِهِ } للطواغيت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: ما ذبح لغير الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية. قال: ما ذكر عليه اسم غير الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } يقول: من أكل شيئاً من هذه، وهو مضطرّ، فلا حرج، ومن أكله، وهو غير مضطرّ، فقد بَغَى، واعتدى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ } قال: في الميتة {وَلاَ عَادٍ } قال: في الأكل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } قال: غير باغ على المسلمين، ولا مُعْتَد عليهم، فمن خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقاً للجماعة، والأئمة، أو خرج في معصية الله، فاضطرّ إلى الميتة لم تحلّ له. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال: العادي الذي يقطع الطريق. وقوله: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } يعني في أكله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن أكل من الحرام، رحيم به إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } في أكله، ولا عادٍ يتعدى الحلال إلى الحرام، وهو يجد عنه بُلْغَةً، ومندوحة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} أخبر الله تعالى بما حرم بعد قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ليدل على تخصيص التحريم من عموم الإباحة، فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} وهو ما فات روحه بغير ذكاة. {وَالدَّمَ} هو الجاري من الحيوان بذبح أو جرح. {وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} فيه قولان: أحدهما: التحريم مقصور على لحمه دون غيره اقتصاراً على النص، وهذا قول داود بن علي. والثاني: أن التحريم عام في جملة الخنزير، والنص على اللحم تنبيه على جميعه لأنه معظمه، وهذا قول الجمهور. {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} يعني بقوله: {أُهِلَّ} أي ذبح وإنما سمي الذبح إهلالاً لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم ذكروا عنده اسم آلهتهم وجهروا به أصواتهم، فسمي كل ذابح جَهَر بالتسمية أو لم يجهر مُهِلاً، كما سمي الإحرام إهلالاً لرفع أصواتهم عنده بالتلبية حتى صار اسماً له وإن لم يرفع عنده صوت. وفي قوله تعالى: {لِغَيْرِ اللهِ} تأويلان: أحدهما: ما ذبح لغير الله من الأصنام وهذا قول مجاهد وقتادة. والثاني: ما ذكر عليه اسم غير الله، وهو قول عطاء والربيع. {فَمَنِ اضَطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} اضطر افتُعل من الضرورة، وفيه قولان: أحدهما: معناه: فمن أكره على أكله فلا إثم عليه، وهو قول مجاهد. والثاني: فمن احتاج إلى أكله لضرورة دعته من خوف على نفس فلا إثم عليه، وهو قول الجمهور. وفي قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} ثلاثة أقاويل: أحدها: غير باغ على الإمام ولا عاد على الأمة بإفساد شملهم، فيدخل الباغي على الإمام وأمته والعادي: قاطع الطريق، وهو معنى قول مجاهد وسعيد بن جبير. والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد يعني متعدياً بأكلها وهو يجد غيرها، وهو قول قتادة، والحسن، وعكرمة، والربيع، وابن زيد. والثالث: غير باغٍ في أكلها شهوة وتلذذاً ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع، وهو قول السدي. وأصل البغي في اللغة: قصد الفساد يقال بغت المرأة تبغي بِغَاءً إذا فَجَرَتْ. وقال الله عز وجل: {أية : وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33] وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول خرج الرجل في بغاء إبلٍ له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر: شعر : لا يمنعنّك من بغا ء الخير تعقادُ التمائم إن الأشائم كالأيا من، والأيامن كالأشائم

ابن عطية

تفسير : الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ، والآية تشير بتبعيض {من} إلى الحرام رزق، وحض تعالىعلى الشكر والمعنى في كل حالة، و {إن} شرط، والمراد بهذا الشرط التثبيت وهز النفس، كما تقول افعل كذا إن كنت رجلاً. وقوله تعالى: {إنما حرم عليكم} {إنما} هنا حاصرة، و {الميتة} نصب بحرم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "الميتة" بالتشديد، وقال الطبري وجماعة من اللغويين: التشديد والتخفيف من "ميّت" و "ميْت" لغتان، وقال أبو حاتم وغيره: ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه "ميْت" بالتخفيف. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا هو استعمال العرب ويشهد بذلك قول الشاعر: [الخفيف] شعر : لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إنَّمَا المْيتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ تفسير : استراح: من الراحة، وقيل: من الرائحة، ولم يقرأ أحد بالتخفيف فيما لم يمت إلا ما روى البزي عن ابن كثير {أية : وما هو بميت} تفسير : [إبراهيم: 17]، والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر: [الوافر] شعر : إذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ فَسَرَّكَ أَنْ يَعِيشَ فِجِىءْ بِزَادِ تفسير : فالأبلغ في الهجاء أن يريد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشعر، وقرأ قوم "الميتةُ" بالرفع على أن تكون {ما} بمعنى الذي و {إن} عاملة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "حُرِّمَ" على ما لم يسمَّ فاعله ورفع ما ذكر تحريمه، فإن كانت {ما} كافة فالميتة مفعول لم يسم فاعله، وإن كانت بمعنى الذي فالميتة خبر. ولفظ {الميتة} عموم والمعنى مخصص لأن الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم، و {الميتة}: ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة، والطافي من الحوت جوّزه مالك وغيره ومنعه العراقيون، وفي الميت دون تسبب من الجراد خلاف، منعه مالك وجمهور أصحابه وجوزه ابن نافع وابن عبد الحكم، وقال ابن وهب: إن ضم في غرائر فضمه ذكاته، وقال ابن القاسم: لا، حتى يصنع به شيء يموت منه كقطع الرؤوس والأجنحة والأرجل أو الطرح في الماء، وقال سحنون: لا يطرح في ماء بارد، وقال أشهب: إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها وينسل. و {الدم} يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وفي دم الحوت المزايل للحوت اختلاف، روي عن القابسي أنه طاهر، ويلزم من طهارته أنه غير محرم، وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه، وفي خنزير الماء كراهية، أبى مالك أن يجيب فيه، وقال أنتم تقولون خنزيراً. وذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية، وحكى ابن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر، فاللفظة على هذا ثلاثية. و {ما أُهِلّ به لغير الله}، قال ابن عباس وغيره: المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان، و {أهل} معناه صيح، ومنه استهلال المولود، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به النية التي هي علة التحريم، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق، فقال إنها مما أُهلَّ به لغير الله فتركها الناس، ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها عرساً فذبحت جزوراً، فقال الحسن: لا يحل أكلها فإنها إنما ذبحت لصنم، وفي ذبيحة المجوسي اختلاف ومالك لا يجيزها البتة، وذبيحة النصراني واليهودي جائزة. واختلف فيما حرم عليهم كالطريف والشحم وغيره بالإجازة والمنع، وقال ابن حبيب ما حرم عليهم بالكتاب فلا يحل لنا من ذبحهم، وما حرموه باجتهادهم فذاك لنا حلال، وعند مالك كراهية فيما سمى عليه الكتابي المسيحي أو ذبحه لكنيسته ولا يبلغ بذلك التحريم، وقوله تعالى {فمن اضطر} الآية، ضمت النون للالتقاء إتباعاً للضمة في الطاء حسب قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر وأبو السمال {فمن اضطِر} بكسر الطاء، وأصله اضطر فلما أدغم نقلت حركة الراء الطاء، وقرأ ابن محيصن، "فمن اطّر" بإدغام الضاد في الطاء، وكذلك حيث ما وقع في القرآن، ومعنى {اضطر}: ضمه عدم وغرث، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء والفقهاء، وقيل معناه أُكرِهَ وغلب على أكل هذه المحرمات، و {غير باغ} في موضع نصب على الحال، والمعنى فيما قال قتادة والربيع وابن زيد وعكرمة وغيرهم غير قاصد فساد وتعدٍّ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها، وهؤلاء يجيزون الأكل منها في كل سفر مع الضرورة، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما المعنى غير باغ على المسلمين وعاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع السبل، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله، ولغير هؤلاء هي الرخصة، وقال السدي {غير باغ} أي غير متزيد على حد إمساك رمقه وإبقاء قوته، فيجيء أكله شهوة، {ولا عاد} أي متزود، وقال مالك رحمه الله: "يأكل المضطر شبعه"، وفي الموطأ - وهو لكثير من العلماء: أنه يتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر، وقيل: في {عاد} أن معناه عايد، فهو من المقلوب كشاكي السلاح أصله شايك وكهار أصله هايروكلاث أصله لائث وباغ أصله بايغ، استثقلت الكسرة على الياء فسكنت، والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها. ورفع الله تعالى الإثم لمّا أحل الميتة للمضطر لأن التحريم في الحقيقة متعلقه التصرف بالأكل لا عين المحرم، ويطلق التحريم على العين تجوزاً، ومنع قوم التزود من الميتة وقالوا لما استقلت قوة الآكل صار كمن لم تصبه ضرورة قبل. ومن العلماء من يرى أن الميتة من ابن آدم، والخنزير لا تكون فيها رخصة اضطرار، لأنهما لا تصح فيهما ذكاة بوجه، وإنما الرخصة فيما تصح الذكاة في نوعه. وقوله تعالى: {إن الذين يكتمون} الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، و {الكتاب}: التوراة والإنجيل: والضمير في {به} عائد على {الكتاب}، ويحتمل أن يعود على {ما} وهو جزء من الكتاب، فيه أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه وقع الكتم لا في جميع الكتاب، ويحتمل أن يعود على الكتمان، والثمن القليل: الدنيا والمكاسب، ووصف بالقلة لانقضائه ونفاده، وهذه الآية وإن كانت نزلت في الأحبار فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختاراً لذلك لسبب دنيا يصيبها. وذكرت البطون في أكلهم المؤدي إلى النار دلالة على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وفي ذكر البطن أيضاً تنبيه على مذمتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم، وقال الربيع وغيره: سمي مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إلى النار، وقيل: معنى الآية: أن الله تعالى يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة، وقوله تعالى: {ولا يكلمهم} قيل: هي عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضى عنهم، إذ في غير موضع من القرآن ما ظاهره أن الله تعالى يكلم الكافرين، كقوله {أية : اخسؤوا فيها} تفسير : [المؤمنون: 108]، ونحوه، فتكون هذه الآية بمنزلة قولك: "فلان لا يكلمه السلطان ولا يلتفت إليه"وأنت إنما تعبر عن انحطاط منزلته لديه، وقال الطبري وغيره: المعنى ولا يكلمهم بما يحبون، وقيل: المعنى لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، {ولا يزكيهم} معناه: لا يطهرهم من موجبات العذاب، وقيل: المعنى لا يسميهم أزكياء، و {أليم} اسم فاعل بمعنى مؤلم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ...}. تقرير مناسبتها لما قبلها أنه لما تضمن الكلام السابق ذمّ المشركين لكونهم ليسوا أهلا لأن يخاطبوا بشيء من الأخبار ولا بشيء من الأوامر والنواهي، عقب ذلك بخطاب المؤمنين بهذا الأمر المستلزم لكونهم أهلا للمخاطبة. وقرر الفخر وجه مناسبتها بوجه لا ينهض والأمر بقوله / "كُلُوا مَا" للامتنان أو للإباحة. قال ابن عطية: الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ، والآية تشير بتبعيض "من" إلى أن الحرام رزق. قال ابن عرفة: وجه دلالتها على ذلك من المفهوم لأن مفهومه أن البعض الآخر وهو الذي ليس بحلال ولا مستلذ غير مأذون فيه. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أنه قال في الآية الاخرى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}تفسير : ولم يقل من طيبات ما رزقناكم مع أن تلك خطاب للرسل (فهو كان يكون) أولى بهذا اللفظ؟ وعادتهم يجيبون بوجهين: - الأول: أمّا إذا قلنا: إن الرزق لا يطلق إلا على الحلال فنقول: لمّا كان الأنبياء معصومين أمروا أمرا مطلقا من غير تعيين الحلال وغيرهم ليس بمعصوم، فقيد الإذن في الأكل له بالحلال فقط فيكون الطيب على هذا المراد به المستلذ. - الجواب الثاني: الرسل في مقام كمال التوحيد ونسبة كل الأشياء إلى الله عز وجل وأما غيرهم فليس كذلك فقد يذهل حين اقتطاف الثمرة ويظن أنها من الشجرة ويغفل عن كون الله تعالى هو الذي أخرجها منها وأنبتها فقيل لهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} حتى يعتقدوا حين التناول أن ذلك الرزق كله من عند الله وليس للمتسبب فيه صنع بوجه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {الميتة} بتشديد الياء: يزيد. الباقون: بالسكون؛ {فمن اضطر} بكسر النون وضم الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد. الباقون: بضمهما. الوقوف: {تعبدون} ه {لغير الله} ج الشرط مع فاء التعقيب {عليه} ط {رحيم} ه {قليلاً} لا لأن ما بعده خبر "إن" {تزكيهم} ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض {أليم} ه {بالمغفرة} ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار. {على النار} ه {بالحق} ط للابتداء بأن {بعيد} ربع الجزء. التفسير: إنه سبحانه تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلاً من ذلك بما يناسبه، ومن ههنا شرع في بيان الأحكام الشرعية. الحكم الأول: إباحة الأكل للمؤمنين بعد ما عمم للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل. وقد يصير واجباً العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوباً كموافقة الضيف واستدل بقوله {من طيبات ما رزقناكم} على أن الرزق قد يكون حراماً فإن الطيب هو الحلال. ولو كان الرزق حلالاً ألبتة لم يبق في ذكر الطيب فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج. {واشكروا لله} الذي رزقكموها {إن كنتم إياه تعبدون} إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من الشكر. وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: شعر : أوليتنـي نعمـاً أبـوح بشكـرهـا وكفيتنـي كـل الأمـور بـأسرهـا فلأشكـرنك ما حييت فـإن أمـت فلتشكـرنك أعظمـي فـي قبرهـا تفسير : عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله تعالى إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري"تفسير : ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل {إنما حرم عليكم الميتة والدم} يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي. وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة. وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: فلان يملك جارية. فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها. وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالجراد والنون. وأما الدمان فالطحال والكبد"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم في صفة البحر "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته"تفسير : وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة. ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي. وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله تعالى {أية : لتأكلوا منه لحماً طرياً}تفسير : [النحل: 14] وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله تعالى {أية : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} تفسير : [الأنفال: 55] وفيه نظر. لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه. وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وابن عمر لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه"تفسير : وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال: إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" تفسير : وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله تعالى في معرض الامتنان {أية : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين} تفسير : [النحل: 80] ولقوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة "حديث : إنما حرم من الميتة أكلها" تفسير : ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، وا لصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور. ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أبين من حي فهو ميت"تفسير : ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم. وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة. فأوسع الناس قولاً الزهري. جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها بالدباغ لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيما إهاب دبغ فقد طهر"تفسير : ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد. ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها. ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته. ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير. ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط. ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة؟ فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه. وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسئل عليه السلام عن الفأرة تقع في السمن فقال:حديث : استصبحوا به ولا تأكلوه. تفسير : والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه. وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة. وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف. وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان. ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة. وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به. وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟ فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق. فقال أبو حنيفة: بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق. قال ابن المبارك: ولم ذلك؟ قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم. فاستحسنه ابن المبارك. وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة. وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم. ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة. وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا. أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص. وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به. أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه. واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز؟ فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز. واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه. وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى. وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد. وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله {فلا إثم عليه} اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول. ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله تعالى {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} تفسير : [المائدة: 5] ولأن النصراني إذا سمي الله تعالى فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم. وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح. وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم {فمن اضطر} افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ. استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم. الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه. والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل. أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به. "وغير" ههنا بمعنى "لا" النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً. والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف. بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد. وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي. والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد. وللأئمة في الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته {ولا عاد} أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة. والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين. ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟ فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل. وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى {أية : فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم} تفسير : [المائدة: 3] وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار. وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل. وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا. وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل. حجة أبي حنيفة قوله تعالى في آية أخرى {أية : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} تفسير : [الأنعام: 119] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص. وأيضاً قال تعالى {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] {أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} تفسير : [البقرة: 195] والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية. وأيضاً الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا. أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه. ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع. وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته. وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها. والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه. وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة. وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذٍ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول. وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه. ولا يشترط في جميع ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن. ومعنى قوله {فلا إثم عليه} رفع الحرج والضيق كما مر في قوله {أية : فلا جناح عليه أن يطوّف بهما} تفسير : [البقرة: 158] ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار. ومعنى قوله {أن الله غفور رحيم} أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة. أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة. {إن الذين يكتمون} عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم - كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما - كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة. فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه {ويشترون به} أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل. وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل {في بطونهم} حال أي ملء بطونهم. أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه {إلا النار} لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم "أكل الدم" أي الدية التي هي بدل منه: قال: شعر : أكلـت دمـاً إن لـم أرعـك بضـرة بعيـدة مهـوى القـرط طيبـة النشـر تفسير : وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق. ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام {ولا يكلمهم الله} بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون} تفسير : [المؤمنون: 108] أو لا يكلمهم الله أصلاً لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا {ولا يزكيهم} بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها الضلال والجهل. وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي الآخرة أضر الأشياء بأنفعها. {فما أصبرهم على النار} تعجب من حالهم في تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان "ما أصبرك على القيد والسجن" وهذا التعجب منهم في حال التكليف واشترائهم الضلالة بالهدى. وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم {أية : اخسؤا فيها ولا تكلمون}تفسير : [المؤمنون: 108] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص. وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة. وقيل: إن "ما" في {ما أصبرهم} للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب كما في حق الله تعالى {ذلك} الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان وسوء معاملتهم إنما هو بسبب {إن الله نزل الكتاب} يعني جنس الكتب السماوية أو القرآن {بالحق} بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه تعالى ختم على قلوبهم {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} جنسه فقالوا في البعض حق وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب {لفي شقاق} خلاف {بعيد} عن الحق، أو الذين اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل منهما للآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تأويلاً آخر فاسداً، أو حرفوا كلاً منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ ومنازعةٍ شديدةٍ. فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة، فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة. وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل {أية : إن في اختلاف الليل والنهار} تفسير : [يونس: 6] أي تعاقبهما. واعلم أن الآية وإن نزلت في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئاً من باب الدين فيكون حكماً ثانياً للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر. وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضاً بصنعهم وتصريحاً بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم. التأويل: الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية "حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" تفسير : وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم "حديث : سدوا مجاري الشيطان بالجوع"تفسير : ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به إلى الله رياء وسمعة والله تعالى أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ...} الآية: الطَّيِّب: هنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض «مِنْ»؛ إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنَىٰ: في كل حالةٍ، وفي «مصابيح البَغَوِيِّ»؛ عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «حديث : الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» تفسير : . انتهى. قال القُشَيْرِيُّ: قال أهل العلْمِ بالأصول: نِعَمُ اللَّهِ تعالَىٰ علَىٰ ضربَيْن: نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ: ما أولاهم، ونعمةُ الدفع: ما زَوَىٰ عنهم، وليس كلُّ إِنعامه سبحانه ٱنتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالَىٰ فيما زَوَىٰ عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالَىٰ علَىٰ حسب تباعُدِهِ من الدنيا. انتهى من «التَّحْبير». وقال أبو عمر بن عبد البَرِّ في كتابه المسمَّىٰ بـــ «بهجة المجالس». قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىٰ عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً عَلَىٰ ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ؛ حَتَّىٰ يُغْفَرَ لَهُ» تفسير : قال أبو عُمَر: مكتوبٌ في التوراةِ: «ٱشْكْر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ عَلَىٰ مَنْ شَكَرَكَ؛ فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ، إِذَا شُكِرَتْ، وَلاَ مُقَامَ لَهَا، إِذَا كُفِرَتْ». انتهى. «وإِنْ» من قوله: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}: شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس؛ كما تقول: ٱفْعَلْ كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلاً، و «إِنَّمَا» ههنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنَىٰ مخصِّص لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البَزَّار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «حديث : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ»تفسير : انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ»؛ للإمام أبي العباس أحمد بن سَعْدٍ التُّجِيبِيِّ. {وَٱلدَّمَ } يراد به المسفوحُ؛ لأن ما خالط اللحْمَ، فغير محرَّم بإِجماع. * ت *: بل فيه خلافٌ شاذٌّ، ذكره ابن الحاجبِ وغيره، والمشهورُ: أظهر؛ لقول عائشةَ ـــ رضي اللَّه عنها ـــ: «لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ». انتهى. {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ }. قال ابن عبَّاس وغيره: المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان، و {أُهِلَّ بِهِ }: معناه صِيحِ به؛ ومنه: استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ بٱسْمِ المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم؛ حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } قال قتادة وغيره: معناه غيْرَ قاصدِ فسادٍ وتعدٍّ؛ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره: المعنَىٰ: غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم، فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي الرخصةُ. قال مالك ـــ رحمه اللَّه ـــ: يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي «الموطَّإ» وهو لكثير من العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازةٍ وقَفْرٍ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»، وقد قال العلماء: إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ، دخل النَّار إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له. انتهى. والمعنَىٰ: أنه لم يأكلْ حتى مات جوعاً، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء:29] الآية إِلى قوله: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } تفسير : [النساء:30] قال ابن العربيِّ: وإذا دامتِ المَخْمَصة، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ: أحدهما لمالك: يأكل؛ حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره: يأكل بمقدارِ سدِّ الرَّمقِ، وبه قال ابن حَبِيبٍ، وابن المَاجِشُونِ. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قال بعض المفسِّرين: إنَّ الله تبارك وتعالى ذكر من أوَّل السُّورة إلى هنا دلائل للتَّوحيد والنُّبُوَّة، واستقصى في الرَّدِّ على اليهود والنصارى، ومن هنا: شرع في بيان الأحكام، فقال: "كُلُوا" واعلم: أنَّ الأكل قد يكون واجباً، وذلك عند دفع الضرر عن النَّفس، وقد يكون مندوباً، وذلك عند امتناع الضيف من الأكل، غذا انفرد، وللبساطة في الأكل، إذا سوعد، فهذا الأكل مندوبٌ، وقد يكون مباحاً، إذا خلا عن هذه العوارض، فلا جرم كان مسمَّى الأكل مباحاً، وإذا كان كذلك، كان قوله في هذا الموضع "كُلُوا" لا يفيد الإيجاب، والنَّدب، [بل الإباحة، ومفعول "كُلُوا" محذوفٌ، أي: "كُلُوا رِزْقَكُمْ حَالَ كَوْنِهِ بَعْضَ طيِّباتِ ما رَزَقْنَاكُمْ" ويجوزُ في رأي الأخفش: أن تكون "مِنْ" زائدةً في المفعول به، أي: "كُلُوا طيِّبات ما رزَقْنَاكم". فصل في بيان حقيقة الرِّزق استدلُّوا على أنَّ الرزق قيد يكون حراماً؛ بقوله تعالى: "مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ"؛ فإِنَّ الطَّيِّب هو الحلال، فلو كان كلُّ رزقٍ حلالاً؛ لكان قوله: "كُلُوا مِن] طَيِّبَاتَ مَا رَزَقْنَاكُمْ" معناه: من محلَّلات ما أحللنا لكم، فيكون تكراراً، وهو خلاف الأصل، وأجابوا عنه؛ بأن الطَّيِّب في أصل اللُّغة: عبارةٌ عن المستلذِّ المستطاب، فلعلَّ أقواماً ظنُّوا أنَّ التوسُّع في المطاعم، والاستكثار من طيِّباتها ممنوعٌ منه، فأباح الله تبارك وتعالى ذلك؛ لقوله تعالى: "كُلُوا" من لذائذ ما أحللناه لكم، فكان تخصيصه بالذِّكر لهذا المعنى. فصل في الوجوه التي وردت عليها كلمة "الطَّيِّب" في القرآن قالوا: "والطَّيِّبُ" ورد في القرآن الكريم على أربعة أوجهٍ: أحدها: الطَّيِّبات بمعنى الحلال؛ قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ}تفسير : [النساء: 2]، أي: لا تتبدَّلوا الحرام بالحلال. الثاني: الطيِّب بمعنى الطَّاهر؛ قال تبارك وتعالى: {أية : فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}تفسير : [النساء: 43]، وقال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فاطر: 10]. الثالث: الطَّيِّب: معناه الحسن، أي: الكلام الحسن للمؤمنين. وقوله: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} أَمْرٌ، وليس بإباحةٍ، بمعنى أنه يجب اعتقاد كونه مستحقّاً إلى التعظيم، وإظهار الشُّكْر باللِّسان، أو بالأفعال، إن وجدت هنا له تهمةٌ. [الرابع: ذكر الله وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف، قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فاطر: 10]. قوله: "إِنْ كُنْتُمْ" شرطٌ، وجوابه محذوف، أي: فاشكروا له، وقول من قال من الكوفيِّين: إنَّها بمعنى "إذ" ضعيفٌ، و"إيَّاه": مفعولٌ مقدَّم؛ ليفيد الاختصاص، أو لكون عامله رأس آية، وانفصاله واجبٌ، ولأنه متى تأخَّر، وجب اتصاله إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الرجز] شعر : 899 - إلَيْكَ حَتَّى بَلَغَتْ إِيَّاكَ تفسير : وفي قوله: {وَٱشْكُرُواْ للَّهَ} التفاتٌ من ضمير المتكلِّم إلى الغيبة إذْ لو جرى على الأسلوب الأوَّل، لقال: "واشْكُرُونَا". فصل في المراد من الآية في معنى الآية وجوه: أحدها: "واشْكُرُوا الله، إنْ كُنْتُمْ عارفِينَ بالله ونِعَمِهِ" فعبَّر عن معرفة الله تعالى بعبادته إطلاقاً لاسم الأثر على المؤثر. وثانيها: معناه: "إنْ كنتُمْ تريدون أن تَعْبُدوا الله، فاشكُرُوه فإنَّ الشُّكر رأسُ العبادات". وثالثها: "واشْكُرُوا الله الَّذي رَزَقَكُمْ هذه النِّعْمَة، إن كُنْتُمْ إيَّاه تعبُدُونَ"، أي: إن صحَّ أنَّكم تخصُّونَهُ بالعبادة، وتقرُّون أنَّه هو إلهُكُمْ لا غيره، قال - عليه الصلاة والسلام عن الله -: "حديث : إنِّي والجنُّ والإنْسُ في نَبَأ عَظِيمٍ، أخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْري، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ غَيْري؟! " تفسير : فصل في أن الشيء المعلق بـ"إن" لا يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء احتجَّ من قال بأنَّ المعلَّق بلفظ "إنْ" لا يكون عدماً عند عدم ذلك الشَّيء؛ بهذه الآية، فإنَّه تعالى علَّق الأمر بالشُّكْر بكلمة "إنْ" على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ‏{‏يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم‏} ‏[‏المؤمنون: 51‏] وقال ‏{‏يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم‏}‏ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏{‏كلوا من طيبات‏}‏ قال‏:‏ من الحلال‏.‏ وأخرج ابن سعد عن عمر بن عبد العزيز‏.‏ أنه قال يوما‏ً:‏ إني أكلت حمصاً وعدساً فنفخني‏.‏ فقال له بعض القوم‏:‏ يا أمير المؤمنين إن الله يقول في كتابه ‏ {‏كلوا من طيبات ما رزقناكم‏} ‏ فقال عمر‏،‏ هيهات ذهبت به إلى غير مذهبه، إنما يريد به طيب الكسب ولا يريد به طيب الطعام‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا‏} ‏ يقول‏:‏ صدقوا ‏ {‏كلوا من طيبات ما رزقناكم‏} ‏ يعني اطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم بتحليلي إياه لكم مما كنتم تحرمونه أنتم، ولم أكن حرمته عليكم من المطاعم والمشارب ‏{‏واشكروا لله‏} ‏ يقول‏:‏ أثنوا على الله بما هو أهل له على النعم التي رزقكم وطيبها لكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم‏} ‏ قال‏‏ فلم يوجد من الطيبات شيء أحل ولا أطيب من الولد وماله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة ويشرب الشربة فيحمد الله عليها‏‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الآية: 172]. الطيبات: الرزق وهو التناول فى أوقات الاضطرار مقدار استبقاء المهجة لأداء الفرائض وهو الذى لا تبعة على أكله بحالٍ.

القشيري

تفسير : الحلال ما لا تَبِعَه عليه، والطيب الذي ليس لمخلوقٍ فيه مِنَّة، وإذا وجد العبد (طعا)ماً يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب. وحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس في غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة لذلك الطعام.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} الطيبات ما قسم لاهل الايمان في سابق علم الازل بنعت الرضا من معاشهم الذى لا يذم تناولها نفس العلم بحال وهو ما يتفرسه المؤمن بنورا لايمان قبل وقعه في اوان الحاجة وايضا الطيبات التى تهيج المؤمن الى ما يرضاه الله من المعاملات السنية والاخلاق المحمودة وترك مالوفات النفس ومتابعة الشهوة وايضا الطيبات ما يحصل من الغيب بلا تصنيع الادميين لان ما فيه تصنيع البشر لايخلوا من المعاملات وايضا الطيبات ما لم تؤكل بالشهوة وتورثه الحكمة والعبادة والطيبات ايضا ما يؤكل بالسنة ولا يؤكل بالبدعة وايضا الطيبات اشارة الى ذكر الحق اذا لم يشب بذكر الخلق وهو رؤية المذكور بنعت طيران الارواح بقوة المواجيد في بساتين الصفات وقال الشيخ ابو عبد الرحمن السملى طيبات الرزق هو التناول في اوفات الاضطرار مقدار استبقاء المهجة لاداء الفرائض وهو الذى لاتبعه فى كله بحال {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} اى اشكروا اللله بمعرفتكم على المشكور ان كنتم تعبدونه بشرط المعرفة الان المعبودية لا تصح الا بالمعرفة وهو اغراء من الله تعالى وتنبيه للعاندين ليعرفوا ان الشكر لا ينبغى الا لمن خلق ورزق وامات واحيا وقرن ههنا العبادة بشكر النعمة لتعريف المنعم عليه ان يشكر نعمته اداء عياذته على شرط معرفته.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كلوا} رزقكم {من طيبات ما رزقناكم} اى من حلالاته لان ما رزقناكم اعم من الحلال والحرام عند اهل السنة او من لذيذاته لانه اعم ايضا من المستلذ والمستكره. قال ابن الشيخ وهذا المعنى هو المناسب لهذا المقام واولى من حمله على الحلال الطاهر من الشبهة لان المقام مقام الامتنان بما رزقه من لذائذ الاحسان وطلب شكر المنعم المنان والطيب له ثلاثة معان المستلذ طبعا والمباح شرعا والطاهر وضعا وفى الآية اشارة الى انه لا بأس بالتفكه بانواع الفواكه لانها من الطيبات وتركه افضل لئلا ينفر من درجته ويدخل تحت قوله تعالى {أية : أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا} تفسير : [الأحقاف: 20]. والامر باكل الطيبات لفائدتين. احديهما ان يكون اكلهم بالامر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون من حجاب الظلمة الطبع بنور الشرع. والثانى ليثيبهم بائتمار امر الاكل {واشكروا لله} الذى رزقكموها واحلها لكم والشكر صرف العبد جميع اعضائه الظاهرة والباطنة الى ما خلقت لاجله وهذا الامر ليس امر اباحة بل هو للايجاب اذ لا شك فى انه يجب على العاقل ان يعتقد بقلبه ان من اوجده وانعم عليه بما لا يحصى من النعم الجليلة مستحق لغاية التعظيم وان يظهر ذلك بلسانه وبسائر جوارحه {إن كنتم إياه تعبدون} اى ان كنتم مؤمنين بالله ومخصصين الله بالعبادة فاشكروا له فان الايمان يوجب ذلك وهو من شرائطه وهو مشهور فى كلامهم يقول الرجل لصاحبه الذى عرف انه يحبه ان كنت لى محبا فافعل كذا فيدخل حرف الشرط فى كلامه تحريكا له على ما يؤمر به واعلاما انه من شرائط المحبة وليس المراد ان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فان من لا يفعل هذه العبادة يجب الشكر عليه ايضا وعن النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : يقول الله تعالى انى والانس والجن لفى نبأ عظيم اخلق ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى"تفسير : : قال السعدى شعر : مكن كردن ازشكر منعم مييج كه روز بسين سربر ارى بهيج

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أصل اضْطُرَّ: اضتُرِرَ، على ومن افتعل، من الضرر، أُبدلت التاء طاءً لقرب مخرج التاء من الطاء، قال في الألفية: شعر : طا تا افْتِعَالٍ رُدَّ إثْرَ مُطْبقِ تفسير : ثم أدغمت الراء في الراء بعد ذهاب حركتها، وقرأ أبو جعفر: بكسر الطاء حيث وقع: ووجهُه: نقل حركة الراء إلى الطاء، وأصل البغي: قصد الفساد، يقال: بغي الجرح بغياً، إذا ترامى إلى الفساد، ومنه قيل للزنا: بِغاء، وللزانية: بَغِيّ، وأصل العدوان: الظلم ومجاوزة الحد، يقال: عَدَا يعدُوا عُدواناً وعَدْواً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا كلوا} من لذيذ {طيبات ما رزقناكم} وَقِفُو عند ما حلَّ لكم ولا تحرموا برأيكم ما أحللنا لكم، كما فعل مَنْ سَلَفَ قبلكم، {واشكروا} نعمة الله عليكم الظاهرة والباطنة {إن كنتم} تخصُّونه بعبادتكم، فقد أحلّلْنا لكم جميع ما خلقنا لكم على وجه الأرض التي تُقِلكم. {إنما} حرمنا {عليكم} ما فيه ضررُكم كالميتة لخُبْثها، {والدم} لأنه يقسي قلوبكم، {ولحم الخنزير} لأنه يُورث عدم الغيرة، وما ذكر عليه غير اسم الله، وهو الذي {أُهِلَّ به لغير الله} أي: رُفع الصوت عند ذبحه لغير الله، وهو الصنم {فمن اضطر} وألجىء إلى شيء من هذه المحرمات، {غير باغ} أي: ظالم بأكلها اختياراً، {ولا عاد} متعدّ بتعدى الحلالَ إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها {فلا إثم عليه}، {أو غير باغ} غير قاطع للطريق، {ولا عاد}: مفارقة للأمة خارج عن الجماعة، فمن خرج يقطع الرحم، أو يُخيف ابنَ السبيل، أو يُفسد في الأرض، أو أَبَق من سيده، أو فرَّ من غريمه أو عاصياً بسفره، واضطر إلى شيء من هذه، فلا تحلُّ له حتى يتوب ويأكل، {فإن الله غفور رحيم}. وقال سهل بن عبد الله: {غير باغ}: غير مفارق للجماعة {ولا عاد}: مبتدع مخالف للسنّة، فلم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمانَ أهل العِرْفان، كلوا من طيبات ما رزقناكم من حلاوة الشهود والعيان، واشكروا الله الكريم المنَّان، إن كنتم تخصونه بالعبادة والإحسان أو: يا أيها الذين آمنوا إيمانَ أهل الصفاء، ووقفوا مع الحدود ووقوف أهل الوفاء، كلوا من طيبات ما رزقناكم من ثمرات بساتين العلوم، واشكروا لله يزدكم من المواهب والفهوم، إن كنتم تعبدون الحيّ القيوم، إنما حرم عليكم ما يعوقكم عن هذه المواهب، أو ينزلكم عن منابر تلك المراتب، كالميل إلى جيفة الدنيا، أو الركون إلى متابعة الهوى، أو تأخذون منها ما قُصد به غيرُ الله، أو تقبضونها من يد غير الله، فمن اضطر إلى أخذ شيء من نجاستها، فأخَذَ القدر الذي احتاج إليه منها، دون التشوُّف إلى ما زاد عليه، غير قاصد بذلك شهوة ولا متعة، ثم إثم عليه، إن الله غفور رحيم. قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجَمَل رضي الله عنه لما تكلم على الغَنِيَّ بالله، قال: (علامته هو الذي ترك الدنيا للخلق، حتى لا يكون له فيها حق معهم، إلا ما فَضَل عنهم من بعد اضطراره واحتياجه، ويترك الآخرة لمولاه، حتى لا يكون له فيها حق إلا النظر في وجه الله، ويترك أيضاً نفسه لله حتى لا يكون فيها حق إلا حق مولاه، ولا إرادة له إلا ما أراد مولاه، ويكون كالغصن الرطب أينما مالت به الريح يلين ويميل معها، ولا ينكر على الخلق حالاً من أحوالهم). هـ.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، وقد بينا أن المؤمن هو المصدق بما وجب عليه،، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح، وغيرها، لأن الايمان لا ينفي الفسق - عندنا -. وعند المعتزلة: إنه خطاب لمجتنبي الكبائر، وإنما يدخل فيه الفساق على طريق التبع، والتغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث في قولك: الاماء والعبيد جاوزني، وقد بينا فيما تقدم أن أفعال الجوارح لا تسمى إيماناً - عند أكثر المرجئة وأكثر أصحابنا - وإن بعضهم يسمي ذلك إيماناً، لما رووه عن الرضا (ع). وإيمان مأخوذ من أمان العقاب - عند من قال: إنه تناول مجتنبي الكبائر - وعند الآخرين من أمان الخطأ، في الاعتقاد الواجب عليه. وفي المخالفين من يجعل الطاعات الواجبات، والنوافل من الايمان. وفيهم من يجعل الواجبات فقط إيماناً، ويسمي النوافل إيماناً مجازا. وقوله {كلوا} ظاهره ظاهر الأمر، والمراد به الاباحة، والتخيير، لأن الأكل ليس بواجب إلا أنه متى أراد الأكل، فلا يجوز أن يأكل إلا من الحلال الطيب، ومتى كان الوقت وقت الحاجة فانه محمول على ظاهره في باب الأمر: سواء قلنا: إنه يقتضي الايجاب أو الندب. وفي الآية دلالة على النهي عن أكل الخبيث - في قول البلخي، وغيره - كأنه قيل: كلوا من الطيب دون الخبيث، كما لو قال: كلوا من الحلال، لكان ذلك دالاً على حظر الحرام - وهذا صحيح فيما له ضدّ قبيح مفهوم. فأمّا غير ذلك، فلا يدل على قبح ضدّه، لأن قول القائل، كل من زيد، لا يدل على أن المراد تحريم ما عداه، لأنه قد يكون الغرض البيان لهذا خاصه، والآخر موقوف على بيان آخر، وليس كذلك ما ضده قبيح، لأنه قد يكون من البيان تقبيح ضده. والطيبات قدمنا معناها فيما تقدم، وأن المراد بذلك الخالص من شائب ينغص، وإن كان لا يخلو شيء من شائب، لكنه لا يعتد به في الوصف بأنه حلال طيب، ولو كان في الطعام ما ينغصه لجاز وصفه بأنه ليس بطيب. والرزق قد بينا فيما مضى: أنه ما للحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد منعه منه. وقوله: {واشكروا لله} فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، ويكون ذلك عن وجهين: أحدهما - الاعتراف بالنعمة - متى ذكرها - للمنعم بالاعتقاد لها. الثاني - الطاعة بحسب جلالة النعمة، فالأول لازم في كل حال من أحوال الذكر، والثاني إنما يلزم في الحال التي يحتاج فيها الى القيام بالحق، واقتضى ذكر الشكر ها هنا ما تقدم ذكره من الانعام في جعل الطيب من الرزق، للانتفاع، واستدفاع المضار، وذكر الشرط ها هنا إنما هو وجه المظاهرة في الحجاج ولما فيه من حسن البيان دون أن يكون ذلك شرطاً في وجوب الشكر، وتلخيص الكلام إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب عليكم بأنه محسن اليكم. وأما العبادة، فهي ضرب من الشكر، لأنها غاية ليس وارءها شكر، ويقترن به ضرب من الخضوع. ولا يستحق العبادة إلا الله، لأنها تستحق باصول النعم من الحياة، والقدرة، والشهوة، والنفاد، وأنواع المنافع، وبقدر من النفع لا يواريه نعمة منعم، فلذلك اختص الله تعالى باستحقاقها.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} نادى المؤمنين خاصّةً بعد نداء النّاس اجمعين تشريفاً لهم كأنّ نداء النّاس كان تقدمة لندائهم ولذلك غيّر اسلوب الامر بالاكل بنسبة الرّزق الى نفسه وايقاعه عليهم كأنّهم المقصودون بايجاد المأكول وتقديم الطيّبات وافادة كون الامر بالاكل للوجوب او النّدب هاهنا بافادة الاباحة من رزقناكم بخلاف سائر النّاس فانّه لا يستفاد من امرهم الاّ الاباحة وبالتّرغيب الى الشّكر بعد الامر بالأكل كأنّهم لا حاجة لهم الى التّحذير ولا خطوة للشّيطان فيهم، والاتيان بالشّرط التّهييجىّ بعد الامر بالشّكر وتعيين المحرّمات كأنّه لا حاجة لهم الى التّحذير منها انّما الحاجة الى تشخيص ما يحترز منه {وَٱشْكُرُواْ لِلَّهِ} المراد بالشّكر هاهنا صرف النّعمة فى وجهها لاستفادة ملاحظة المنعم والانعام فى النّعمة من {رَزَقْنَاكُمْ} ولذا التفت من التكلّم الى الغيبة كأنّه قال بعد ملاحظة انعامنا فى النّعمة ينبغى التّوجّه الى ما خلقت له بالانصراف من الحضور والتّوجّه الى ما خلقت لاجله {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} شرط تهييجىّ وتنبيه على أنّ المؤمن ينبغى ان يكون كون عبادته مقصورة على معبوده لا ينظر فى عبادته الى غيره من الرّضا والقرب والنّعيم والخلاص من الجحيم والاغراض المباحة الفانية والاغراض الفاسدة المحرّمة من الرياء والسمعة والمناصب والجاه والتحبّب الى النّاس وغير ذلك مسلّماً مفروغاً عنه.

اطفيش

تفسير : {يأيُّها الذِينَ آمنُوا كلُوا من طَيِّبات ما رَزَقْناكم}: مفعول كلوا محذوف، أى كلوا شيئاً أو بعضا من طيبات ما رزقناكم، وفى التعبير بشئ أو بعض مع من الابتدائية أو التبعيضية تلويح إلى ألا يرغبوا فى المأكولات، ولا يجعلوها هماً لهم، وإنما ذلك من شأن من لا يهمه أمر الدين، فلا يبالى بما تجر إليه الرغبة فيها، والطيبات الحلال، أو اللذائذ الحلال، وإنما كرره لينبه أنها رزق منه امننَّ به علينا، وليأمرنا بشكره، وما رزقناكم هو جميع ما ننتفع به من مأكول وغيره، فالمأكول بعضه، الذى يظهر لى أن قوله عز وجل: {كلُوا من طيِّبات ما رزقناكم}، مجاز مركب غير استعارى، فإن هذه الجملة موضوعة للأمر بالأكل من الطيبات، واستعملت فى معنى الزجر عن أكل الحرام، فليس قوله: {كلوا} على ظاهره من الأمر فضلا عن أن يقال إنه أمر للوجوب أو للإباحة، ويحتمل أن يكون الكلام حقيقة أمرا بالأكل أمرا إباحة إيذانا بالتوسيع فى كل شئ، وقيده بالحلال أو ردا على ما حرم على نفسه بعض ما حل، أو على من حرم على نفسه بعض اللذائذ، ويحتمل أن الأمر فى ذلك للوجوب بالنظر إلى حفظ النفس عن الجوع المؤدى إلى الموت، أو إلى تلف عضو أو منفعة عضو، أو إلى الضعف المؤدى إلى العجز عن القيام بالفرائض كالصلاة والصوم والحج، وقد يندب الأكل كالأكل مع الضعيف إذا كان ترجى بركته، وكالأكل مع الضيف إذا كان لا يأكل إن لم يأكل معه، فإنهُ يأكل إن لم يكن يجد الشبع، والحلال فى ذلك كله قيد، وحرام أكل الحرام وإيكاله، ففى مسلم عن أبى هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يأيها الرُّسل كلُوا من الطيبات واعْملُوا صالحاً} وقال: {يأيها الَّذِين آمنُوا كلوا من طيِّبات ما رزقْناكم}". تفسير : وفى الحديث تفسير الطيبات بالحلال، إذ ساق الآيتين بعد قوله: "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب"، ثم ذكر: "حديث : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب له" تفسير : وفى رواية حديث : فأنى يستجاب لذلك، تفسير : والأشعث بعيد العهد بالدهن، والأغبر بعيد العهد بالغسل والنظافة. {واشْكُروا الله}: على طيبات ما رزقناكم وتحليل ما فى الأرض لكم والشكر هو القيام بحق النعمة باستعمال الجوارح المغذاة بها، والمنتفعة بها فى العبادة وإنفاق الواجب منها. {إن كُنتُم إيَّاه تعبدون}: جوابه محذوف تقديره فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر أو مدلول عليهِ بما قبله، أى فاشكروه، والعبادة العمل الصالح، وتقديم إياه للحصر، أى إن كنتم تخصونهُ بالعبادة، وقيل معناه إن كنتم عارفين بالله وبنعمة فاشكروه، وهو من الشرط الذى أريد به التثبيت وهز النفوس، فإن الشكر واجب عليهم غرفوه وعرفوا نعمه أم لا، وخصوه بالعبادة أم لا، وروى البيهقى وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تبارك وتعالى إنى والإنس والجن فى نبأ عظيم أخلق ويعبد غيرى، وأرزق ويشكر غيرى"، تفسير : وروى أبو داود والنسائى عن النبى ـ صلى الله عليهِ وسلم ـ أنه قال: "حديث : الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" تفسير : وروى أبو عمر، وابن عبد البر فى كتاب المسمى ببهجة المجالس: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أنعم الله على عبد من نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله لُه شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر لهُ، قبل أن يستغفره، وإن الرجل ليلبس الثوب فيحمد الله فما يبلغ ركبته حتى يغفر له" تفسير : قال وفى التوراة أشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنهُ لا زوال للنعم إذا شكرت، ولا مقام لها إذا كفرت، وقال القشيرى: قال أهل العلم بالأصول: نعم الله تعالى على ضربين، نعمة نفع ونعمة دفع، فنعمة النفع ما أولاهم، ونعمة الدفع ما زوى عنهم، وليس كل إنعامه سبحانه انتظام أسباب الدنيا والتمكن منها، بل إلطاف الله تعالى فيما زوى عنهم من الدنيا أكثر وإن قرب العبد من الرب تعالى على حسب تباعده من الدنيا.

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ} لذائذ {مَا رَزَقْنَٰكُمْ} لا تحرموها على أنفسكم ولو اعتقدتم حلها. نزلت فيمن عزم من الصحابة على أن يمنع نفسه منها، والطيبات الحلال مطلقا فيدخل فيها اللذائذ {وَاشْكُرُواْ اللهَ} على حل أكلها، والأمر بالأكل للإباحة العامة فى الطيبات، أو فى اللذائذ، إباحة تأكيد لتقدمها فى آى أخر ولعهدها فى الأذهان، وخارجا وعملا، كرر ذلك تشخيصاً للمؤمنين، وتخصيصا بأنهم الأهل لها، وتشريفا لهم، وليرتب عليه ذكر الشكر وتحريم الميتة وما بعدها {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} إذ عبادته لاتتم إلا بالشكر، أى إن كنتم تريدون عبادته عبادة تامة، والمراد الشكر باللسان، أو أن يستشعر فى العبادة أنه يعبده لأجل نعمه، وأما الشكر بمعنى استعمال القلب واللسان والجارحة فلا تفسر به الآية؛ لأن المعنى يكون بذلك واشكروا لله إن كنتم إياه تشكرون، وهو لا يصح، وتقديم إياه للاهتمام، والفاصلة، وإن جعلناه للقصد كان المعنى: واشكروا لله إن كنتم خصصتموه بالعبادة، فالقيد حصر العبادة له، لا نفس العبادة، فمن لم يشكر له، بل شكر غيره لم يخصه بالعبادة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد رأس الشكر، وما شكر الله من لم يحمده"تفسير : ، والمراد بالحمد فى الحديث الحمد اللفظى، قال الطبرانى، والديلمى، والبيهقى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تبارك وتعالى: إنى والإنس والجن فى نبأ عظيم، أَخلق ويُعبد غيرى، وأرزق ويُشكر غيرى ".

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أي مستلذاته أو من حلاله، والآية إما أمر للمؤمنين بما يليق بشأنهم من طلب الطيبات وعدم التوسع في تناول ما رزقوا من الحلال وذا لم يستفد من الأمر السابق، وإما أمر لهم على طبق ما تقدم إلا أن فائدة تخصيصهم بعد التعميم تشريفهم بالخطاب وتمهيد لطلب الشكر، و {كُلُواْ} لعموم جميع وجوه الانتفاع دلالة وعبارة {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} على ما أنعم به عليكم والالتفات لتربية المهابة {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} بمنزلة التعليل لطلب الشكر كأنه قيل: واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة وتخصيصكم إياه بالعبادة يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه وهي لا تتم إلا بالشكر لأنه من أجلّ العبادات ـ ولذا جعل نصف الإيمان ـ وورد من حديث أبـي الدرداء مرفوعاً يقول الله تعالى: «حديث : إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» تفسير : والقول بأن المراد إن كنتم تعرفونه أو إن أردتم عبادته منحط من القول.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بخطاب المسلمين بالامتنان عليهم بإباحة ما في الأرض من الطيبات، جَرَّت إليه مناسبة الانتقال، فقد انتُقل من توبيخ أهل الشرك على أن حَرَّموا ما خلقه الله من الطيبات إلى تحذير المسلمين من مثل ذلك مع بيان ما حُرِّم عليهم من المطعومات، وقد أعيد مضمون الجملة المتقدمة جملة { أية : يأيها الناس كلوا مما في الأرض } تفسير : [البقرة: 168] بمضمون جملة {يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ليكون خطاب المسلمين مستقلاً بنفسه، ولهذا كان الخطاب هنا بيأيها الذين آمنوا، والكلام على الطيبات تقدم قريباً. وقوله: {واشكروا لله} معطوف على الأمر بأكل الطيبات الدال على الإباحة والامتنان، والأمر في {اشكروا} للوجوب لأن شكر المنعم واجب. وتقدم وجه تعدية فعل الشكر بحرف اللام عند قوله تعالى: { أية : واشكروا لي } تفسير : [البقرة: 152]. والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعاراً بالإلاهية فكأنه يومِىء إلى ألاَّ تشكر الأصنام؛ لأنها لم تَخلُق شيئاً مما على الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكراً. وهذا من جعل اللقب ذا مفهوم بالقرينة؛ إذ الضمير لا يصلح لِذلك إلاّ في مواضع. ولذلك جاء بالشرط فقال: {إن كنتم إياه تعبدون} أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف بأنه لا يعبد إلاّ الله أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم، ومن شأن كان إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع بالفعل مثل قوله: { أية : إن كنتم للرؤيا تعبرون } تفسير : [يوسف: 43] أي إن كان هذا العلم من صفاتكم، والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه وحده. فالمراد بالعبادة هنا الاعتقاد بالإلاهية والخضوع والاعتراف وليس المراد بها الطاعات الشرعية. وجواب الشرط محذوف أغني عنه ما تقدم من قوله {واشكروا}.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} أَيْ: حلالات ما رزقناكم من الحرث والنَّعم وما حرَّمه المشركون على أنفسهم منهما {واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون} أَيْ: إنْ كانت العبادة واجبةً عليكم بأنَّه إلهكم فالشُّكر له واجبٌ، بأنه منعمٌ عليكم، ثمَّ بيَّن المُحرَّم ما هو فقال: {إنما حرَّم عليكم الميتة} وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبح {والدم} يعني: الدَّم السَّائل لقوله في موضع آخر: {أية : أو دماً مسفوحاً } تفسير : وقد دخل هذين الجنسين الخصوصُ بالسُّنَّةِ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [حديث : أُحلَّت لنا ميتتان ودمان] تفسير : الحديث. وقوله تعالى: {ولحم الخنزير} يعني: الخنزير بجميع أجزائه، وخصَّ اللَّحم لأنَّه المقصود بالأكل {وما أُهِلَّ به لغير الله} يعني: ما ذُبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله تعالى {فمن اضطر} أَيْ: أُحوج وأُلْجِىءَ في حال الضَّرورة. [وقيل: مَنْ أكره على تناوله، وأُجبر على تناوله كما يُجبر على التَّلفُّظ بالباطل] {غير باغٍ} أَيْ: غير قاطعٍ للطَّريق مفارقٍ للأئمة مُشاقًّ للأمَّة {ولا عادٍ} ولا ظالم متعدٍّ، فأكلَ {فلا إثم عليه} وهذا يدلُّ على أنَّ العاصي بسفره لا يستبيح أكل الميتة عند الضَّرورة {إنَّ الله غفور} للمعصية فلا يأخذ بما جعل فيه الرُّخصة {رحيمٌ} حيث رخَّص للمضطر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 172- لقد أبحنا للناس كل حلال خلقناه لهم فى الأرض، ونهيناهم أن يتبعوا خطوات الشيطان، فإنْ فعلوا اهتدوا، وإن أبوا فإنا نخص المؤمنين بهدايتنا ونبيِّن الحلال والحرام، فيا أيها الذين آمنوا أبيح لكم أن تأكلوا من لذيذ الطعام الطيب غير الخبيث، فاشكروا الله على ما أولاكم من نعمة التمكين من الطيبات وإباحتها، ومن نعمة الطاعة والامتثال لأمره لتتم عبادتكم. 173- وليس المحرم ما زعمه المشركون وما زعمه اليهود، وإنما المحرم عليكم - أيها المؤمنون - الميتة التى لم تذبح من الحيوان، ومن الدم المسفوح، ومثله فى التحريم لحم الخنزير، وما ذكر على ذبحه اسم غير الله من الوثن ونحوه، على أن من اضطر إلى تناول شئ من هذه المحظورات لجوعٍ لا يجد ما يدفعه غيرها أو لإكراه على أكله فلا بأس عليه، وليتجنب سبيل الجاهلية من طلب هذه المحرمات والرغبة فيها ولا يتجاوز ما يسد الجوع. 174- هذا وقد كان من العالمِين بما أنزل الله فريقٌ يُخفى بَعْضَ الوحى لقاء عَرَضٍ من أعراض الدنيا، فإن اليهود كتموا كثيراً مما جاء فى التوراة من نعت الرسول خشيةَ أن يُسْلِم أهل ملتهم فيزول أمرهم وتضيع مكاسبهم ولذيذ مطاعمهم، وإن مطاعمهم من هذا السبيل لهى كالنار يأكلونها، لأنها ستقودهم إلى النار، وسيعرض الله عنهم يوم القيامة، ولا يطهرهم من دنسهم، وأمامهم عذاب شديد موجع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الطيبات: جمع طيب وهو الحلال. واشكروا لله: اعترفوا بنعم الله عليكم واحمدوه عليها واصرفوها في مرضاته. إن كنتم إياه تعبدون: إن كنتم مطيعين لله منقادين لأمره ونهيه. حرم: حظر ومنع. الميتة: ما مات من الحيوان حتف أنفه بدون تذكية. الدم: المسفوح السائل، لا المختلط باللحم. الخنزير: حيوان خبيث معروف بأكل العذرة ولا يغار على أنثاه. وما أهل به لغير الله: الإِهلال: رفع الصوت باسم من تذبح له من الآلهة. اضطر: ألجىء وأكره بحكم الضرر الذي لحقه من الجوع أو الضرب. غير باغ ولا عاد: الباغي الظالم الطالب لما لا يحل له والعادي والمعتدي المجاوز لما له إلى ما ليس له. الإِثم: أثر المعصية على النفس بالظلمة والتدسية. معنى الآيتين الكريمتين: بعد أن بينت الآية السابقة [171] حال الكفرة المقلدة لآبائهم في الشرك وتحريم ما أحل الله من الأنعام حيث سيبوا للآلهة السوائب، وحموا لها الحامات، وبحروا لها البحائر، نادى الجبار عز وجل عباده المؤمنين: يا أيها الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً وبالإِسلام ديناً وبمحمد رسولاً كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ربكم ما أنعم به عليكم من حلال اللحوم، ولا تحرموها كما حرمها مقلدة المشركين، فإنه تعالى لم يحرم عليكم إلا أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغيره تعالى. ومع هذا من ألجأته الضرورة فخاف على نفسه الهلاك فأكل فلا إثم عليه على شرط أن لا يكون في سفره باغياً على المسلمين ولا عاديا بقطع الطريق عليهم وذلك لأن الله غفور لأوليائه التائبين إليه رحيم بهم لا يتركهم في ضيق ولا حرج. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- الندب إلى أكل الطيبات من رزق الله تعالى في غير إسراف. 2- وجوب شكر الله تعالى بالاعتراف بالنعمة له وحمده عليها وعدم صرفها في معاصيه. 3- حرمة أكل الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى. 4- جواز الأكل من المذكورات عند الضرورة وهي خوف الهلاك مع مراعاة الاستثناء في الآية وهو {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}. 5- أَذِنَ النبي صلى الله عليه وسلم في أكل السمك والجراد وهُمَا من الميتة، وحرّم أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

القطان

تفسير : الاهلال: رفع الصوت. وما أُهل به لغير الله: ما ذبح لصنم أو معبود غير الله. يتجه الخطاب هنا الى المؤمنين خاصة، وليبيّن الله لهم ما حرم عليهم بعد أن طلب اليهم أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم. وكان الناس قبل الاسلام فِرقا، فمنهم من حرم على نفسه أشياء معينة من الحيوان. وبعض أهل الاديان السابقة يتقربون الى الله بتعذيب أنفسهم وتحريم بعض المأكولات، واحتقار الجسد، وغير ذلك من ألوان التحريم الذي كان من عند أنفسهم، ومن وضع رؤسائهم. وقد جعل الله تعالى هذه الأمة وسطاً تعطي الجسد حقه، والروح حقها. فأباح ان نتمتع بما طاب كسبه من الحلال ولا نمتنع عنه تديُّناً ولا تعذيباً للنفس، ولا نحرم بعضا ونحلل بعضا، تقليداً للرؤساء والحاكمين فقال: يا أيها الذين آمنوا أبيحَ لكم أن تأكلوا من الطعام الطيَب فاشكروا الله على ما أولاكم من نعمة التمكين من الطيبات، ومن نعمة الطاعة والامتثال لأمره انت كنتم تعبدونه حقا. وسأبيّن لكم المحرم عليكم فلا تسمعوا للمشركين وما حرّموا، ولا لما زعمه اليهود وغيرهم. ان المحرم عليكم هو ما مات من الحيوان ولم يذبح، فالميتة مؤذية للجسم. ونحن نعرف ان ما يموت بشيخوخة أو مرض يكون موته بسبب مواد سامة ضارة عجز جسمه عن دفع أذاها. اما في حال الاختناق أو الحرق والغرق فان الدم تتكون فيه مواد ضارة كثيرة. والدم حرام عليكم أيضا: وكان العرب يأكلونه ويقدمونه لضيوفهم. كانوا يفصدون الحيوان ويحشون ما يسيل من عِرقِه في مصران يشوونه ثم يأكلونه، وربما شربوا الدم طلباً للقوّة، فحرمه الله. ولحم الخنزير: لأنه ضار وناقل للكثير من الأمراض الخطيرة، ولا سيما في البلاد الحارة. وما أُهل به لغير الله: كان العرب يذبحون القرابين لأصنامهم وآلهتهم ويرفعون أصواتهم باسم آلهتهم. وهذا شرك وكفر. ثم يضع قاعدة جليلة هي اباحة هذه الممنوعات عند الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات. ولذلك قال تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} فمن أُلجىء الى أكل شيء مما حرم الله بأن لم يجد غيره وخاف على نفسه الهلاك جوعاً، ولم يكن راغباً فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة ـ فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {طَيِّبَاتِ} {رَزَقْنَاكُمْ} (172) - كَانَ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ قَبْلَ الإِسْلامِ فِرَقاً وَأَصْنَافاً: فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَْشْياءَ كَالبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ عِنْدَ العَرَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ بَعْضَ الحَيَوانِ، وَكَانَ الشَّائِعُ عِنْدَ النَّصَارَى الافْتِتَانُ فِي حِرْمَانِ النَّفسِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ اللَّحْمَ وَالسَّمْنَ فِي بَعْضِ أنوَاعِ صَوْمِهِمْ، وَحَرَّمُوا السَّمَكَ وَالَّلبَنَ وَالبَيْضَ فِي بَعْضهَا الآخَرِ.. وَهذِهِ الأَحْكَامُ وَضَعَهَا الرُّؤَسَاءُ، وَلا وُجُودَ لَهَا فِي التَّورَاةِ، وَلا نُقِلَتْ عَنِ المَسِيحِ، عَلَيهِ السَّلاَمُ. وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَرْكِ حُظُوظِ الجَسَدِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً تُعطِي الجَسَدَ حَقَّهُ، وَالرُّوحَ حَقَّهَا. وَقَدْ أَبَاحَ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ الأَكْلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى شُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا خطاب من الله للذين آمنوا بأن يأكلوا من الطيبات، وقد سبق في الآية 168 خطاب مماثل في الموضوع نفسه؛ ولكن للناس جميعاً وهو قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [البقرة: 168]. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب الناس جميعاً، فهو يلفتهم إلى قضية الإيمان، ولكن حين يخاطب المؤمنين فهو يعطيهم أحكام الإيمان، فالله لا يكلف بحكم إلا مَنْ آمن به، أما من لم يؤمن به، فلا يكلفه بأي حكم، لأن الإيمان التزام. وما دمت قد التزمت بأنه إله حكيم؛ فخذ منه أحكام دينك. وعدل الله اقتضى ألا يكلف إلا مَنْ يؤمن، وهذا على خلاف مألوف البشر، لأن تكليفات القادة من البشر للبشر تكون لمن يرضى بقيادتهم ومَنْ لم يرض، وإذا كان للقائد من البشر قوة، فإنه يستخدمها لإرغام من يوجدون تحت ولايته على تنفيذ ما يقول. وخطاب الله للمؤمنين هنا جاء بقوله: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ذلك أن المؤمن يتقين تماماً بأن الله هو الخالق وهو الذي يرزق. ويذيل الآية الكريمة بقوله: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، فشكر العبد المؤمن للرب الخالق واجب، ما دام العبد المؤمن يختص الله بالعبادة. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ...}.

الصابوني

تفسير : [6] إباحة الطيبات وتحريم الخبائث التحليل اللفظي {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ}: الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضربٍ من التعظيم ويكون على وجهين: أحدهما: الاعتراف بالنعمة وذلك بالثناء على المنعم {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7]. والثاني: صرف النعمة فيما يرضي الله وذلك باستعمال السمع والبصر وسائر الحواس فيما خلقت له. {أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ}: الإهلال رفع الصوت، يقال: أهلّ بكذا أي رفع صوته، ومنه إهلال الصبي وهو صياحه عند الولادة، وأهلّ الحاج رفع صوته بالتلبية قال الشاعر: شعر : يُهلّ بالفرقد ركبانُها كما يُهلْ الراكبُ المعتمرُ تفسير : وأصل الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل في رفع الصوت مطلقاً، وكان المشركون إذا ذبحوا ذكروا اسم اللات والعزّى ورفعوا بذلك أصواتهم. والمعنى: حرّم عليكم ما ذبح للأصنام والطواغيت، وذكر عليه اسم غير الله. قال الزمخشري: وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزّى. {ٱضْطُرَّ}: أي حلّت به الضرورة وألجأته إلى أكل ما حرّم الله. قال القرطبي: فيه اضمار أي فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج إليها فهو (افتعل) من الضرورة وأصله (اضطرر). {بَاغٍ}: الباغي في اللغة: الطالب لخير أو لشر ومنه حديث (حديث : يا باغي الخير أقبل)تفسير : وخُصّ هنا بطالب الشر. قال الزجاج: البغي قصدُ الفساد، يقال: بغى الجرح إذا ترامى للفساد. وبغت المرأة إذا فجرت. {عَادٍ}: اسم فاعل أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد. والمراد بالباغي من يأكل فوق حاجته، والعادي من يأكل هذه المحرمات وهو يجد غيرها. قال الطبري: "وأولى هذه الأقوال قول من قال: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} بأكله ما حرم عليه من أكله {وَلاَ عَادٍ} في أكله وله في غيره مما أحله الله له مندوحة وغنى". المعنى الإجمالي يأمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين بأن يتمتعوا في هذه الحياة بما أحله لهم من الكسب الحلال، والرزق الطيب، والمتاع النافع، وأن يأكلوا من لذائذ المآكل التي أباحها لهم، ورزقهم إيّاها بشرط أن تكون من الحلال الطيب، وأن يشكروا الله على نعمه التي أسبغها عليهم، إن كانوا حقاً صادقين في دعوى الإيمان، عابدين الله منقادين لحكمه، مطيعين لأمره، لا يعبدون الأهواء والشهوات. ثمّ بيّن تعالى ما حرّمه عليهم من الخبائث المستكرهة، التي تنفر منها الطباع السليمة، أو ممّا فيه ضرر واضح للبدن، فذكر تعالى أنه إنما حرّم عليهم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر الخبائث، كما حرّم عليهم كل ذبيحة ذبحت للأصنام أو لآلهتهم المزعومة، وكلّ ما ذُكر عليه اسم غير الله، لكنّ إذا اضطر الإنسان، وألجأته الحاجة إلى أكل شيء من هذه المحرمات، غير باغٍ بأكله ما حرم الله عليه، فليس عليه ذنب أو مخالفة ولا متجاوز قدر الضرورة، لأن الله غفور رحيم، يغفر للمضطر ما صدر منه عن غير إرادة، رحيم بالعباد لا يشرع لهم ما فيه الضيق والحرج. وجه الارتباط بالآيات السابقة بيّن تعالى في الآيات السابقة حال الذين يتخذون الأنداد من دون الله يحبونهم كمحبة الله، وأشار إلى أن سبب ذلك هو حب حطام الدنيا، وارتباط مصالح المرؤوسين بمصالح الرؤساء في الرزق والجاه، وخاطب الناس كلهم بأن يأكلوا ممّا في الأرض، إذْ أباح لهم جميع خيراتها وبركاتها، بشرط أن تكون حلالاً طيباً، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [البقرة: 168] وبيّن سوء حال الكافرين المقلدين، الذين يقودهم الرؤساء كما يقود الراعي الغنم، لأنهم لا استقلال لهم في عقل ولا فهم، ثمّ وجه الخطاب في هذه الآيات للمؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم، وأحرى بالاهتداء. وجوه القراءات 1- قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} قرأ الجمهور بالبناء للفاعل {حَرَّمَ} أي حرّم الله و{ٱلْمَيْتَةَ} بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالبناء للمفعول والتشديد (إنما حرّم عليكم الميّتَة). قال القرطبي: التشديدُ والتخفيف في (ميّت) و(مَيْت) لغتان، وقد جمعا في قول الشاعر: شعر : ليس من مات فاستراح بميْتٍ إنما المْيتُ ميّتُ الأحياء تفسير : والمشهور عند أهل اللغة: (الميْت) بالتخفيف من مات فعلاً، وبالتشديد (ميّت) من سيموت كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] أي إنك ستموت وإنهم سيموتون. 2 - قرأ الجمهور (فمن اضطُرّ) بضم الطاء، وقرأ أبو جعفر (فمن اضطِرّ) بكسر الطاء، وأدغم ابن محيص الضاد في الطاء (فمن اطرّ). وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} جواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله. 2 - قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ} إنمّا مكفوفة عن العمل وهي حرف واحد تفيد الحصر و(الميتة) مفعول لـ (حرّم) والمعنى: ما حرّم عليكم إلا الميتة... الخ. 3 - قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ} غيرَ منصوب على الحال (ولا عاد) معطوف على باغٍ وتقديره لا باغياً ولا عادياً. قال القرطبي: (غيرَ) نصبٌ على الحال، وقيل: على الاستثناء، وإذا رأيت (غير) يصلح في موضعها (في) فهي حال، وإذا صلح موضعها (إلاّ) فهي استثناء، فقس عليه، و(باغ) أصله (باغيٌ) ثقلت الضمة على الياء فسكنّت، والتنوين ساكن، فحذفت الياء، والكسرةُ دالة عليها. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: المرادُ من الطيبات الرزقُ الحلال، فكل ما أحلّه الله فهو طيّب، وكلّ ما حرّمه فهو خبيث، قال عمر بن عبد العزيز: المراد (طيبُ الكسب لا طيبُ الطعام). ويؤيده الحديث الشريف: "حديث : إنّ الله طيّبٌ لا يقبل إلا طيباً، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} [المؤمنون: 51] وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجلَ يطيل السفر، أشعثَ أغبر، يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يُستجابُ له؟ ". تفسير : فهذا هو بيان الطيّب من الرزق ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عطر بعد عروس. اللطيفة الثانية: قال أبو حيان: لمّا أباح تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيّب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، بيّن لهم ما حرّم عليهم لكونه أقل، فلما بيّن ما حرم بقي ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع آخر، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عما يلبس المحرم فقال: (حديث : لا يلبس القميص ولا السروال) تفسير : فعدل عن ذكر المباح إلى ذكر المحظور، لكثرة المباح وقلة المحظور، وهذا من الإيجاز البليغ. اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {وَٱشْكُرُواْ للَّهِ} إلتفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال: "واشكرونا" وفائدة هذا الالتفات تربية المهابة والروعة في القلوب. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} هو على حذف مضاف أي أكل الميتة وأكل لحم الخنزير مثل قوله تعالى: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] أي أهل القرية. قال الألوسي: "وإضافة الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريقٍ - وأوكده". وقال أبو السعود: "وإنما خصَّ لحم الخنزير مع أن سائر أجزائه أيضاً في حكمه، لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه بمنزلة التابع له". الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل المحرّم في آية الميتة الأكلُ أم الانتفاع؟ ورد التحريم في هذه الآية مسنداً إلى أعيان الميتة والدم، وقد اختلف الفقهاء هل المحرّم الأكل فقط، أم يحرم سائر وجوه الانتفاع، لأنه لما حرم الأكل حرم البيع والانتفاع بشيء منها لأنها ميتة، إلا ما استثناه الدليل، وذهب بعض العلماء إلى أن المحرم إنما هو الأكل فقط بدليل قوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وبدليل ما بعده في قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} أي اضطر إلى الأكل. قال الجصاص: "والتحريم يتناول سائر وجوه المنافع، فلا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه ولا يطعمها الكلاب والجوارح، لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها، وقد حرّم الله الميتة تحريماً مطلقاً معلقاً بعينها، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص بدليل يجب التسليم له". الحكم الثاني: ما هو حكم الميتة من السمك والجراد؟ تضمنت الآية تحريم (الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهّل لغير الله). فأمّا الميتة فهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل، أو مقتولاً بغير ذكاة شرعية، وكان العرب في الجاهلية يستبيحون الميتة، فلما حرمها الله تعالى جادلوا في فلك المؤمنين وقالوا: لا تأكلون مما قتله الله، وتأكلون مما تذبحون بأيديكم!! فأنزل الله في سورة الأنعام: [121] {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : فالميتة حرام بالنص القاطع، وقد وردت أحاديث كثيرة تفيد تخصيص الميتة منها الأحاديث التالية: أ - قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُحِلّ لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال ". تفسير : ب - وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "حديث : هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته ". تفسير : جـ - وفي "الصحيحين" حديث : عن جابر بن عبد الله أنه خرج مع (أبي عبيدة بن الجراح) يتلقى عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمر، فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى (العنبر) قال أبو عبيدة: ميتةٌ، ثم قال: بل نحن رُسُل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً حتى سمنّا.. وذكر الحديث قال: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزقٌ أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعموننا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله . تفسير : د - وحديث ابن أبي أوفى "حديث : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ". تفسير : فقد خصَّص جمهور الفقهاء من الآية ميتة البحر للأحاديث السابقة الذكر، كما أباحوا أكل الجراد، إلاّ أن الحنفية حرموا الطافي من السمك وأحلّوا ما جزر عنه البحر لحديث "حديث : ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه . تفسير : إلاّ أن المالكية أباحوا أكل ميتة السمك، وبقي الجراد الميت على تحريم الميتة: لأنه لم يصح فيه عندهم شيء. قال القرطبي: "وأكثر الفقهاء يجيزون أكل جميع دوابّ البحر حيها وميتها، وهو مذهب مالك، وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيراً. قال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراماً". الحكم الثالث: ما هي ذكاة الجنين بعد ذبح أمه؟ اختلف العلماء في الجنين الذي ذبحت أمه وخرج ميتاً هل يؤكل أم لا؟ ذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح، لأنه ميتة وقد قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ}. وذهب الشافعي وأبو يوسف ومحمد إلى أنه يؤكل، لأنه مذكى بذكاة أمه، واستدلوا بحديث "حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه ". تفسير : وقال مالك رحمه الله: إنْ تمّ خلقُه ونبت شعره أُكل وإلاّ فلا. قال القرطبي: "إن الجنين إذا خرج بعد الذبح ميتاً يؤكل لأنه جرى مجرى العضو من أعضائها". وقال من ينتصر لأبي حنيفة: إن الحديث يحتمل معنى آخر هو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه على حد قول القائل قولي قولُك، ومذهبي مذهبك أي كقولك وكمذهبك وعلى حد قول الشاعر: شعر : فعيناكِ عيناها وجيدُك جيدُها سوى أنّ عظم الساق منك دقيق تفسير : الحكم الرابع: هل يباح الانتفاع بالميتة في غير الأكل؟ ذهب عطاء إلى أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة وجلدها، كطلاء السفن ودبغ الجلود، وحجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} تفسير : [الأنعام: 145]. وذهب الجمهور: إلى تحريمه واستدلوا بالآية الكريمة {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] أي الانتفاع بها بأكلٍ أو غيره، فجعلوا الفعل المقدر هو الانتفاع، واستدلوا كذلك بقوله عليه السلام: "حديث : لعن الله اليهود، حُرّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها" تفسير : فهذا الحديث يدل على أن الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه، فلا يجوز البيع ولا الانتفاع بشيء من الميتة إلا ما ورد به النص. الحكم الخامس: ما هو حكم الدم الذي يبقى في العروق واللحم؟ اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد ذكر تعالى الدم هٰهنا مطلقاً وقيّده في الأنعام بقوله: {أية : أَو دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الآية: 145] وحمل العلماء المطلق على المقيد، ولم يحرموا إلا ما كان مسفوحاً، وورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لولا أنّ الله قال أو دماً مسفوحاً لتتبّع الناس ما في العروق) فما خالط اللحم غير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع على عدم حرمته وإن كان في الأصل دماً. قال القرطبي: "وأمّا الدم فمحرّم ما لم تعم به البلوى، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم والعروق، وروي عن عائشة أنها قالت: "حديث : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم، فنأكل ولا ننكره ". تفسير : الحكم السادس: ماذا يحرم من الخنزير؟ نصت الآية على تحريم لحم الخنزير، وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المحرم لحمه لا شحمه، لأن الله قال: {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} وذهب الجمهور إلى أنّ شحمه حرام أيضاً، لأن اللحم يشمل الشحم، وهو الصحيح، وإنما خصّ الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه، سواء ذُكّى ذكاةً شرعية أو لم يُذكّ. وقد اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بشعر الخنزير. فذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يجوز الخرازة به. وقال الشافعي: لا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير. وقال أبو يوسف: أكره الخرز به. قال القرطبي: "لا خلاف أن جملة الخنزير محرّمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به، لأن الخرازة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، لا نعلم أنه أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده، وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه". وقد اختلف أهل العلم في خنزير الماء فقال أبو حنيفة: لا يؤكل لعموم الآية. وقال مالك والشافعي والأوزاعي: لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر، وتفصيل الأدلة ينظر في كتب الفروع. الحكم السابع: ما الذي يباح للمضطر من الميتة؟ اختلف العلماء في المضطر، أيأكل من الميتة حتى يشبع، أم يأكل على قدر سدّ الرمق؟ ذهب مالك إلى الأول، لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة. وذهب الجمهور: إلى الثاني، لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدرها، وسبب الخلاف يرجع إلى مفهوم قوله تعالى {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} فالجمهور فسروا البغي بالأكل من الميتة لغير حاجة، والعاد هو المعتدي حد الضرورة. ومالك فسره بالبغي والعدوان على الإمام، ولكل وجهة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - إباحة الأكل من الطيبات للمؤمنين بشرط أن يكون من الكسب الحلال. 2 - شكر الله واجب على المؤمنين لنعم الله التي لا تُعد ولا تحصى. 3 - الإخلاص في العبادة لله من صفات المؤمنين الصادقين. 4 - الله جل وعلا حرّم على عباده (الخبائث) دون (الطيبات). 5 - حالة الاضطرار تبيح للإنسان الأكل ممّا حرمه الله كالميتة وغيرها. خاتمة البحث: حكمة التشريع أباح الباري جل وعلا لعباده المؤمنين تناول الطيبات، وحرّم عليهم الخبائث كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونهاهم عن تعذيب النفس وحرمانها من اللذائذ الدنيوية، فإن المشركين وأهل الكتاب حرَّموا على أنفسهم أشياء لم يحرمها الله تعالى كالبحيرة والسائبة. وكان المذهب الشائع عند النصارى أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، تعذيب النفس واحتقارها، وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واعتقاد أنه لا حياة (للروح) إلا بتعذيب الجسد، وكلّ هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء، وليس لها أثر في شريعة الله. وقد تفضل الله على هذه الأمة بجعلها أمة وسطاً، تعطي الجسد حقه، والروح حقها، فأحلّ لنا الطيبات وحرّم علينا الخبائث، وأمرنا بالشكر عليها، ولم يجعلنا (جثمانيين) خلّصاً كالأنعام، ولا (روحانيين) خلّصاً كالملائكة، بل جعلنا أناسيّ كملة بهذه الشيعة المعتدلة. وأما الحكمة من تحريم الميتة فلما فيها من الضرر، لأنها إمّا أن تكون ماتت لمرض وعلة، قد أفسد بدنها وجعلها غير صالحة للبقاء والحياة، وإما أن يكون الموت لسببٍ طارئ. فأما الأولى فقد خبث لحمها، وتلوث بجراثيم المرض، فيخشى من عدواها، ونقل مرضها إلى الآكلين. وأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارة في جسمها. وأما الدم المسفوح: فلقذارته وضرره أيضاً، وقد أثبت الطب الحديث أنّ الدم ضار كالميتة وأنه تتجمع فيه (الميكروبات) والمواد الضارة. وأما لحم الخنزير: فلأن غذاءه من القاذورات، والنجاسات فيقذر لذلك، ولأن فيه ضرراً فقد اكتشف الأطباء أن لحم الخنزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، كما أن المتغذي من لحم الخنزير يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة، وأشهرها عدم الغيرة والعفة. يقول شهيد الإسلام سيد قطب عليه رحمة الله في تفسيره "الظلال" ما نصه: "والخنزير بذاته منفرّ للطبع النظيف القويم، ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل، ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيّسة). ويقول الآن قوم: إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت، فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر، لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توفرها وسائل الطهو الحديثة، وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها، وندع كلمة الفصل لها، ونحرم ما حرمت، ونحلل ما حلّلت، وهي من لدن حكيم خبير؟! أمّا ما أهل به لغير الله، فهو محرم لا لعلة فيه، ولكن للتوجه به لغير الله، محرم لعلة روحية، لسلامة القلب، وطهارة الروح، وخلوص الضمير، فهو ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وقد حرص الإسلام على أن يكون التوجه لله وحده بلا شريك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا أمر للمؤمنين خاصة، بعد الأمر العام، وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي، بسبب إيمانهم، فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق، والشكر لله على إنعامه، باستعمالها بطاعته، والتقوي بها على ما يوصل إليه، فأمرهم بما أمر به المرسلين في قوله {أية : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } تفسير : فالشكر في هذه الآية، هو العمل الصالح، وهنا لم يقل "حلالا "لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة، ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له. وقوله { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي: فاشكروه، فدل على أن من لم يشكر الله، لم يعبده وحده، كما أن من شكره، فقد عبده، وأتى بما أمر به، ويدل أيضا على أن أكل الطيب، سبب للعمل الصالح وقبوله، والأمر بالشكر، عقيب النعم؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة، ويجلب النعم المفقودة كما أن الكفر، ينفر النعم المفقودة ويزيل النعم الموجودة. ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث فقال { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } وهي: ما مات بغير تذكية شرعية، لأن الميتة خبيثة مضرة، لرداءتها في نفسها، ولأن الأغلب، أن تكون عن مرض، فيكون زيادة ضرر واستثنى الشارع من هذا العموم، ميتة الجراد، وسمك البحر، فإنه حلال طيب. { وَالدَّمَ } أي: المسفوح كما قيد في الآية الأخرى. { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } أي: ذبح لغير الله، كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار، والقبور ونحوها، وهذا المذكور غير حاصر للمحرمات، جيء به لبيان أجناس الخبائث المدلول عليها بمفهوم قوله: { طَيِّبَاتِ } فعموم المحرمات، تستفاد من الآية السابقة، من قوله: { حَلالا طَيِّبًا } كما تقدم. وإنما حرم علينا هذه الخبائث ونحوها، لطفا بنا، وتنزيها عن المضر، ومع هذا { فَمَنِ اضْطُرَّ } أي: ألجئ إلى المحرم، بجوع وعدم، أو إكراه، { غَيْرَ بَاغٍ } أي: غير طالب للمحرم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، { وَلا عَادٍ } أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له، اضطرارا، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها، { فَلا إِثْمَ } [أي: جناح] عليه، وإذا ارتفع الجناح الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة، مأمور بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه. فيجب، إذًا عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلا لنفسه. وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة. وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات "فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن. [فله الحمد والشكر، أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا].