٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
173
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام، والكلام فيها على نوعين النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني: ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية «فالنوع الأول» فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن كلمة {إِنَّمَا } على وجهين أحدهما: أن تكون حرفاً واحداً، كقولك: إنما داري دارك، وإنما مالي مالك الثاني: أن تكون (ما ) منفصلة من: إن، وتكون (ما) بمعنى الذي، كقولك: إن ما أخذت مالك، وإن ما ركبت دابتك، وجاء في التنزيل على الوجهين، أما على الأول فقوله: {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ وَإِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } تفسير : [هود: 12] وأما على الثاني فقوله: {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } تفسير : [طه: 69] ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل {إِنَّمَا } حرفاً واحداً كان صواباً، وقوله: {أية : إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } تفسير : [العنكبوت: 25] تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول، فمنهم من قال {إِنَّمَا } تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن والشعر والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [النساء: 171] أي ما هو إلا إله واحد، وقال: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ } تفسير : [التوبة: 60] أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد: {أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } تفسير : [الكهف: 110] أي ما أنا إلا بشر مثلكم، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} تفسير : [الأنعام: 145] فصارت الآيتان واحدة فقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ } في هذه الآية مفسر لقوله: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } إلا كذا في تلك الآية، وأما الشعر فقوله الأعشى:شعر : ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر تفسير : وقول الفرزق:شعر : أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى تفسير : وأما القياس، فهو أن كلمة {إن} للإثبات وكلمة {مَا } للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق، أو ثبوت المذكور، ونفي غير المذكور وهو المطلوب، واحتج من قال: إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ولقد كان غيره نذيراً، وجوابه معناه: ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر، ولا ينفي وجود نذير آخر. المسألة الثانية: قرىء {حَرَّمَ } على البناء للفاعل و {حُرِمَ } للبناء للمفعول و {حَرَّمَ } بوزن كرم. المسألة الثالثة: قال الواحدي: الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم وقوله: {لَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ } أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } قال الأصمعي: الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل، وقال ابن أحمر:شعر : يهل بالفدفد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر تفسير : هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام، هذا معنى الإهلال، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه: استهل الصبـي، فمعنى قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } يعني ما ذبح للاصنام، وهو قول مجاهد، والضحاك وقتادة، وقال الربيع بن أنس وابن زيد: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله، وهذا القول أولى، لأنه أشد مطابقة للفظ، قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً وذبيحته ذبيحة مرتد، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائح أهل الكتاب، فتحل لنا لقوله تعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 5]. أما قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } بضم النون والباقون بالكسر، فالضم للاتباع، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين. المسألة الثانية: اضطر: أحوج وألجىء، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق. المسألة الثالثة: لما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطراً الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله. المسألة الرابعة: أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف، حتى يقال إنه {لا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير: فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تفسير : [البقرة: 184] أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ } تفسير : [البقرة: 196] ومعناه فحلق ففدية، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف، ولدلالة الخطاب عليه. أما قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء {غَيْرِ } ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء، لأن غير ههنا بمعنى النفي، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى: لا، وهي ههنا حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر باغياً، ولا عادياً فهو له حلال. المسألة الثانية: أصل البغي في اللغة الفساد، وتجاوز الحد قال الليث: البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال: فرس باغ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } تفسير : [الشورى: 39] وقال الأصمعي: بغي الجرح يبغي بغيا، إذا بدأ بالفساد، وبغت السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد، وبغى الجرح والبحر والسحاب إذا طغى. أما قوله تعالى: {وَلاَ عَادٍ } فالعدو هو التعدي في الأمور، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، يقال عدا عليه عدوا، وعدوانا، واعتداء وتعديا، إذا ظلمه ظلماً مجاوزاً للحد، وعدا طوره: جاوز قدره. المسألة الثالثة: لأهل التأويل في قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } قولان أحدهما: أن يكون قوله {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } مختصاً بالأكل والثاني: أن يكون عاما في الأكل وغيره، أما على القول الأول ففيه وجوه الأول: {غَيْرَ بَاغٍ } وذلك بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ {وَلاَ عَادٍ } أي متجاوز قدر الرخصة الثاني: غير باغ للذة أي طالب لها، ولا عاد متجاوز سد الجوعة، عن الحسن، وقتاد، والربيع، ومجاهد، وابن زيد الثالث: غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه، ولا عاد في سد الجوعة. القول الثاني: أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى. أما قوله: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ففيه سؤالان أحدهما: أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله: {لا إِثْمَ عَلَيْهِ } يفيد الإباحة الثاني: أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه، قلنا: قد بينا في تفسير قوله: {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } تفسير : [البقرة: 158] أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وأيضاً فقوله تعالى: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } معناه رفع الحرج والضيق، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار، وههنا يتحقق معنى الوجوب. أما قوله تعالى: في آخر الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ففيه إشكال وهو أنه لما قال: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فكيف يليق أن يقول بعده: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم. والجواب: من وجوه أحدها: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفوراً رحيماً لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى. النوع الثاني: من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها وهي مرتبة على فصول: الفصـل الأول فيما يتعلق بالميتة والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد: أما المقدمة: ففيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان، هل يقتضي الإجمال؟ فقال الكرخي: إنه يقتضي الإجمال، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل والحرمة، فلا بد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها، وليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها، وهو غير محرم، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص، وليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة، وأما أكثر العلماء فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا، وقد استقصينا الكلام فيه من كتاب المحصول في علم الأصول. المسألة الثانية: لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص، فإن قيل: لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل، والذي يدل عليه وجوه أحدها: أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وثانيها: أنه ورد عقيب قوله: {أية : كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 57] وثالثها: ما روي عن الرسول عليه السلام في خبر شاة ميمونة، إنما حرم من الميتة أكلها. والجواب عن الأول: لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وعن الثاني: أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها وعن الثالث: أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية، فدل إنعقاد اجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل، وللسائل أن يمنع هذا الإجماع. المسألة الثالثة: الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنية ولذلك فرقوا بين المقتول والميت، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكي إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الزكاة في موضعه، فإن قيل: كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} تفسير : [المائدة: 3] ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك، قلنا لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة، وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه والله أعلم. أما المقاصد فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين أحدهما: ما أخرجوه عن الآية وهو داخل فيها والثاني: ما أدخلوه فيها وهو خارج عنها. أما القسم الأول ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذهب الشافعي رضي الله عنه في أظهر أقواله إلى أنه يحرم الانتفاع بصوف الميتة وشعرها وعظمها وقال مالك: يحرم الانتفاع بعظمها خاصة وجل الفقهاء اتفقوا على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير، واحتج هؤلاء بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع بها، إنما قلنا إنها ميتة لقوله عليه السلام: «حديث : ما أبين من حي فهو ميت»تفسير : وهذا الخبر يعم الشعر والعظم والكل وأما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى: {أية : مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يۤس: 78] فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة وإذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } اعترض المخالف عليه بأن الشعر والصوف لا حياة فيه، لأن حكم الحياة الإدراك والشعور وذلك مفقود في الشعر ولأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى تنجيس العظام دون الشعور. والجواب: أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك والشعور بدليل الآية والخبر أما الآية فقوله تعالى: {أية : كَيْفَ يُحْىِ ٱلأّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [الروم: 50] وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : من أحيا أرضاً ميتة فهي له» تفسير : والأصل في الإطلاق الحقيقة، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست عبارة عما ذكرتموه، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحا في مزاجه معتدلا في حاله غير معترض للفساد والتعفن والتفرق، وإذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية، واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر والإجماع والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَـٰثاً وَمَتَـٰعاً إِلَىٰ حِينٍ } تفسير : [النحل: 80] حيث ذكرها في معرض المنة، والامتنان لا يقع بالنجس الذي لا يحل الانتفاع به، وأما الخبر فقوله عليه السلام في شاة ميمونة «حديث : إنما حرم من الميتة أكلها»تفسير : وأما الإجماع، فهو أنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ويجعلون منها القلانس، وعن النخعي: كانوا لا يرون بجلود السباع وجلود الميتة إذا دبغت بأساً، وما خصوا حال الشعر وعدمه وقول الشافعي: كانوا إشارة إلى الصحابة وليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي الله عنه حلال، فلهذا يقول بإباحته لأن الزكاة شرط بالاتفاق وهو غير حاصل في هذه الثعالب، وأما القياس فلأن هذه الشعور والعظام أجسام منتفع بها غير متعرضة للتعفن والفساد، فوجب أن يقضي بطهارتها كالجلود المدبوغة، وأما النفع بشعر الخنزير: ففي الفقهاء من منع نجاسته وهو الأسلم، ثم قالوا: هب أن عموم قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } يقتضي حرمة الانتفاع بالصوف والعظم وغيرهما إلا أن هذه الدلائل تنتج الانتفاع بها، والخاص مقدم على العام فكان هذا الجانب أولى بالرعاية. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا مات في الماء دابة ليس لها نفس سائلة لم يفسد الماء قل أو كثر، وللشافعي رضي الله عنه قولان في الماء القليل، واحتجوا للشافعي، بأنها حيوانات فإذا ماتت صارت ميتة فيحرم استعمالها بمقتضى الآية، وإذا حرم استعمالها بمقتضى الآية وجب الحكم بنجاستها، وإذا ثبت الحكم بنجاستها، وجب الحكم بنجاسة الماء القليل الذي وقعت هي فيه، وأجابوا عنه بأنه ميتة، ويحرم الانتفاع بها ولكن لم قلتم إنها متى كانت كذلك كانت نجسة، ثم لم يلزم من نجاستها تنجس الماء بها، واحتجوا على القول الثاني للشافعي رضي الله عنه بقوله عليه السلام: «حديث : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء»تفسير : وأمر بالمقل فربما كان الطعام حاراً فيموت الذباب فيه فلو كان ذلك سبباً للتنجيس لما أمر النبـي عليه السلام به. المسألة الثالثة: للفقهاء مذاهب سبعة في أمر الدباغ، فأوسع الناس فيه قولا الزهري، فإنه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ويليه داود فإنه قال تطهر كلها بالدباغ، ويليه مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها، ويليه أبو حنيفة فإنه قال يطهر كلها إلا جلد الخنزير، ويليه الشافعي فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير، ويليه الأوزاعي وأبو ثور فإنهما يقولان: يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، ويليه أحمد بن حنبل رضي الله عنهم فإنه قال: لا يطهر منها شيء بالدباغ، واحتج أحمد بالآية والخبر أما الآية فقوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [المائدة: 3] أطلق التحريم وما قيده بحال دون حال، وأما الخبر فقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، أجابوا عن التمسك بالآية، بأن تخصيص العموم بخبر الواحد وبالقياس جائز، وقد وجدا ههنا خبر الواحد فقوله عليه الصلاة والسلام: حديث : أيما إهاب دبغ فقد طهر»تفسير : وأما القياس: فهو أن الدباغ يعود الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة وكما كان حال الحياة طاهراً كذلك بعد الدباغ وهذا القياس والخبر هما معتمد الشافعي رحمه الله. المسألة الرابعة: اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة، بإطعام البازي والبهيمة، فمنهم من منع منه لأنه إذا أطعم البازي ذلك فقد انتفع بتلك الميتة والآية دالة على تحريم الانتفاع بالميتة فاما إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة فهل يجب علينا منعه أم لا فيه احتمالان. المسألة الخامسة: اختلفوا في دهن الميتة وودكها هل يجوز الاستصباح به أم لا، وهذا ينظر فيه فإن كان ذلك مما حلته الحياة، أو في جملته ما هو هذا حاله، فالظاهر يقتضي المنع منه وإن لم يكن كذلك فهو خارج من جملة الميتة، وإنما يحرم ذلك الدليل سوى الظاهر، وعن عطاء بن جابر قال لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مكة أتاه الذين يجمعون الأوداك، فقالوا يا رسول الله إنا نجمع الأوداك وهي من الميتة وغيرها وإنما هي للأديم والسفن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها»تفسير : فنهاهم عن ذلك وأخبرهم بأن تحريمه إياها على الإطلاق أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها. المسألة السادسة: الظاهر يقتضي حرمة السمك والجراد إلا أنهما خصا بالخبر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والنون وأما الدمان فالطحال والكبد» تفسير : وعن جابر في قصة طويلة: أن البحر ألقى إليهم حوتاً فأكلوا منه نصف شهر، فلما رجعوا أخبروا النبـي عليه الصلاة والسلام بذلك فقال: هل عندكم منه شيء تطعموني، وقال عليه الصلاة والسلام في صفة البحر «حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته»تفسير : وأيضاً فإنه ثبت بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام: حل السمك، واختلفوا في السمك الظافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه، فقال مالك والشافعي رضي الله عنهما لا بأس به، وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح إنه مكروه واختلف الصحابة في هذه المسألة فعن علي رضي الله عنه أنه قال: ما طفا من صيد البحر فلا نأكله، وهذا أيضاً مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، وروي عن أبـي بكر الصديق رضي الله عنه وأبـي أيوب إباحته، وروى أبو بكر الرازي روايات مختلفة عن جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : ما ألقى البحر أو جرد عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه» تفسير : وأما الشافعي رضي الله عنه فقد احتج بالآية والخبر والمعقول، أما الآية فقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } تفسير : [المائدة: 96] وهذا السمك الطافي من طعام البحر فوجب حله، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحلت لنا ميتتنان السم والجراد»تفسير : وهذا مطلق، وقوله في البحر: «حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته»تفسير : وهذا عام وروي عن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : كل ما طفا على البحر»تفسير : . المسألة السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما وجدته، وروي عن مالك رضي الله عنه أن ما وجد ميتاً لا يحل، وأما ما أخذ حيا ثم قطع رأسه وشوي أكل، وما أخذ حيا فغفل عنه حتى يموت لم يؤكل حجة مالك ظاهر الآية، وحجة الشافعي وأبـي حنيفة قوله عليه السلام: «حديث : أحلت لنا ميتتان السمك والجراد»تفسير : فوجب حملهما على الإطلاق فتبين بذلك أن قطع رأسه إن جعل له ذكاة فهو كالشاة المذكاة في أنه لا يكون ميتة، فلا يكون لقوله عليه السلام «حديث : أحلت لنا ميتتان»تفسير : فائدة وقال عبد الله بن أبـي أوفى: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ولا نأكل غيره، فلم يفرق بين ميتة وبين مقتولة. المسألة الثامنة: اختلفوا في الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذبح الأم، فقال أبو حنيفة، لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح، وهو قول حماد، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: أنه يؤكل وهذا هو المروى عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل، وإلا لم يؤكل، وهو قول سعيد بن المسيب، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية وهو أنه ميتة، فوجب أن يحرم، قال الشافعي، أخصص هذا العموم بالخبر والقياس، أما الخبر فهو أنا أجمعنا على أن المذكى مباح وهذا مذكى، لما روى أبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وكعب بن مالك، وابن عمر وأبو أيوب، وأبو هريرة رضي الله عنهم، عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ذكاه الجنين ذكاة أمه» تفسير : وتقريره أن كون الذكاة سبباً للإباحة حكم شرعي، فجاز أن تكون ذكاة الجنين حاصلة شرعاً بتحصيل ذكاة أمه، أجاب الحنفيون بأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه، يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له، ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكي أمه، وأنه لا يؤكل بغير ذكاة، كقوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 133] ومعناه كعرض السموات والأرض، وكقول القائل: قولي قولك، ومذهبـي مذهبك، وإنما المعنى: قولي كقولك، ومذهبـي كمذهبك، وقال الشاعر:شعر : فعيناك عيناهـا وجيدك جيـدها تفسير : وإذا ثبت ما ذكرنا كان أحد، الإحتمالين إيجاب تذكيته، وأنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه، والآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله، وإذا كان كذلك لم يجز تخصيص الأمر بل يجب حمله على المعنى الموافق للآية، أجاب الشافعي رضي الله عنه من وجوه أحدها: أن على الإحتمال الذي ذكرتموه لا بد فيه من إضمار وهو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه، والإضمار خلاف الأصل وثانيها: أنه لا يسمى جنيناً إلا حال كونه في بطن أمه، ومتى ولد لا يسمى جنيناً، والنبـي عليه الصلاة والسلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنيناً، فوجب أن يكون في تلك الحالة مذكي بذكاتها وثالثها: أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ذكاته إذا خرج حياً تسقط فائدته، لأن ذلك معلوم قبل وروده ورابعها: ما روي عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الجنين يخرج ميتاً، قال: إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه، وأما القياس فمن وجوه أحدهما: أنا أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت وألقيت جنيناً ميتاً، لم ينفرد الجنين بحكم نفسه، ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في إيجاب الغرة، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه وخرج ميتاً، كان تبعاً للأم في الذكاة، وإذا خرج حياً لم يؤكل حتى يذكى وثانيها: أن الجنين حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها فوجب أن يحل بذكاتها كسائل الأعضاء وثالثها: الواحب في الولد أن يتبع الأم في الذكاة، كما يتبع الولد الأم في العتاق والإستيلاد والكتابة ونحوها. المسألة التاسعة: ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة، فوجب أن يكون حراماً إنما قلنا: إنه ميتة، للنص والمعقول، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أبين من حي فهو ميت»تفسير : وأما المعقول فهو أن ذلك البعض كان حياً لأنه يدرك الألم واللذة، وبالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتاً، فوجب أن يحرم لقوله تعالى: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [المائدة: 3]. المسألة العاشرة: اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة الجلد، فعند الشافعي رضي الله عنه، لا يستعقبه، لأن هذا الذبح لا يستعقب حل الأكل فوجب أن لا يستعقب الطهارة كذبح المجوسي، وعند أبـي حنيفة يستعقبه. القسم الثاني: مما دخل في الآية وليس منها، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ } و {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } لا يقتضي تحريم ما مات فيه من المائعات، وإنما يقتضي تحريم عين الميتة، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة، فلا يتناوله لفظ التحريم، كالسمن إذا وقعت فيه فأرة وماتت فإنه لا يتناولها، هذا الظاهر وجملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين أحدهما: أما الذي ينجس بمجاورته الميتة فيحرم، وأما الذي لا ينجس فلا يحرم والثاني: أن الذي ينجس كيف الطريق إلى تطهيره؟ المسألة الثانية: سأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات، فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟ فذكروا له عن ابن عباس: أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل ويراق المرق، فقال أبو حنيفة بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها كما في هذه الرواية وإن كان وقع في حال غليانها: لم يؤكل اللحم ولا المرق، قال ابن المبارك: ولم ذاك؟ قال: لأنه إذا سقط فيها في غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها حال سكونها فمات فإنما رشحت الميتة اللحم، قال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين: هذا زرين، بالفارسية يعني المذهب، وروى ابن المبارك مثل هذا عن الحسن. المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة لبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهرتان، وقال الشافعي ومالك: لا يحل هذا اللبن والأنفحة، وقال الليث: لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة، واعلم أن الشافعي رضي الله عنه لا يتمسك في هذه المسألة بظاهر قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [المائدة: 3] لأن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، فوجب الرجوع فيه نفياً وإثباتاً إلى دليل آخر، ومعتمد الشافعي أن اللبن لو كان مجموعاً في إناء فسقط فيه شيء من الميتة ينجس فكذلك إذا ماتت وهو في ضرعها، وهكذا الخلاف في الأنفحة، أما البيض إذا أخرج من جوف الدجاج فهو طاهر إذا غسل، ويحل أكله لأن القشرة إذا صلبت حجزت بين المأكول وبين الميتة فتحل، ولذلك لو كانت البيضة غير منعقدة لحرمت. ولنختم هذا الفصل بمسائل مشتركة بين القسمين. المسألة الأولى: اختلف المتكلمون في أن الميتة هل تكون ميتة بمعنى الموت، فمنهم من أثبت الموت بمعنى مضاد للحياة، على ما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] ومنهم من قال: إنه عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة وهذا أقرب. المسألة الثانية: اختلفوا في أن حرمة الميتة هل تقتضي نجاستها، والحق أن حرمة الانتفاع لا تقتضي النجاسة، لأن لا يمتنع في العقل أن يحرم الانتفاع بها، ويحل الانتفاع بما جاورها، إلا أنه قد ثبت بالإجماع أن الميتة نجسة. الفصـل الثانـي في تحريم الدم، وفيه مسألتان المسألة الأولى: الشافعي رضي الله عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، أما الشافعي فإنه تمسك بظاهر هذه الآية، وهو قوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ } وهذا دم فوجب أن يحرم، وأبو حنيفة تمسك بقوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } تفسير : [الأنعام: 145] فصرح بأنه لم يجد شيئاً من المحرمات إلا هذه الأمور، فالدم الذي لا يكون مسفوحاً وجب أن لا يكون محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة وقوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } عام والخاص مقدم على العام، أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قوله: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها، فلعل قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } نزلت بعد ذلك، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جيمع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما أمكن، وكذا في السمك، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود. المسألة الثانية: اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان الطحال والكبد»تفسير : هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما يوصفان بذلك تشبيهاً، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث. الفصـل الثالث في الخنزير، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الإنتفاع متعلق به، وهو كقوله: {أية : إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّه وذروا البيع} تفسير : [الجمعه: 9] فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمة وتنجيسه، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز، فقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز، وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز، وقال أبو يوسف: أكره الخرز به، وروي عنه الإباحة، حجة أبـي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر منهم، ولأن الحاجة ماسة إليه، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الإحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به؟. المسألة الثانية: اختلفوا في خنزير الماء، قال ابن أبـي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي: لا بأس بأكل شيء يكون في البحر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل، حجة الشافعي قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } تفسير : [المائدة: 96] وحجة أبـي حنيفة أن هذا خنزيرفيحرم لقوله تعالى: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ } تفسير : [المائدة:3] وقال الشافعي: الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء. المسألة الثالثة: للشافعي رضي الله عنه قولان: في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً؟ أحدها: نعم تشبيها له بالكلب والثاني: لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب وهم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق. الفصـل الرابع في تحريم ما أهل به لغير الله من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم، كقوله تعالى: {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} تفسير : [المائدة: 3] وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبـي وسعيد بن المسيب، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه لا يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله، فوجب أن يحرم وروي عن علي بن أبـي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فقلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون، واحتج المخالف بوجوه الأول: إنه تعالى قال: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } تفسير : [المائدة: 5] وهذا عام، الثاني: أنه تعالى قال: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } فدل على أن المراد بقوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } هو المراد بقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } الثالث: أن النصراني إذا سمى الله تعالى وإنما يريد به المسيح فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير الله فكذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله وإرادته المسيح. والجواب عن الأول: أن قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } عام وقوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } خاص والخاص مقدم على العام وعن الثاني: أن قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } لا يقتضي تخصيص قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } لأنهما آيتان متباينتان ولا مساواة بينهما وعن الثالث: أنا إنما كلفنا بالظاهر لا بالباطن، فإذا ذبحه على اسم الله وجب أن يحل، ولا سبيل لنا إلى الباطن. الفصـل الخامس القائلون بأن كلمة {إِنَّمَا } للحصر اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضي أن لا يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات فتصير كلمة {إِنَّمَا } متروكة الظاهر في العمل ومن قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل. الفصـل السادس في «المضطر» وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } معناه أن من كان مضطراً ولا يكون موصوفاً بصفة البغي، ولا بصفة العدوان ألبتة فأكل، فلا إثم عليه وقال أبو حنيفة معناه فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟ فقال الشافعي رضي الله عنه لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية وقال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول، أما الآية فهي أنه سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } تفسير : [المائدة: 3] ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفاً بإنه غير باغ ولا عاد، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا: فلان ليس بمتعد نقيض لقولنا: فلان متعد ويكفي في صدقة كونه متعدياً في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر، أو في الأكل، أو في غيرهما، وإذا كان اسم المتعدي يصدق بكونه متعدياً في أمر ما أي أمر كان وجب أن يكون قولنا: فلان غير معتدلا يصدق إلا إذا لم يكن متعدياً في شيء من الأشياء ألبتة، فاذن قولنا: غير باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه، والعاصي بسفره متعد بسفره، فلا يصدق عليه كونه غير عاد، وإذا لم يصدق عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } أقصى ما في الباب أن يقال: هذا يشكل بالعاصي في سفره، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان لكنا نقول: إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة، والفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية فظهر الفرق، واعلم أن القاضي وأبا بكر الرازي نقلاً عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } أي باغ على إمام المسلمين، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية، ثم قالا. تفسير الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه، وذلك لأن قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } شرط والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وإذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقاً بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو ألبتة غير مذكور. واعلم أن هذا الكلام ضعيف، وذلك لأنا بينا أن قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا، ولا نقول: اللفظ يدل على التعيين وأما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة، فكان على خلاف الأصل، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوه أحدها: أن قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } حال من الاضطرار، فلا بد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء كونه غير باغ ولا عاد فلو كان المراد بكونه غير باغ ولا عاد كونه كذلك في الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار وثانيها: أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم، وما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة وثالثها: أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية وكذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها فاذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان تخصيصه بالأكل غير جائز، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه، ويستلزم نفي العدوان في السفر وحينئذ يتحقق مقصوده ورابعها: أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } تفسير : [المائدة: 3] وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفاً بالبغي والعدوان في أمر من الأمور، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجوه أحدها: قوله تعالى في آية أخرى {أية : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 119] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } تفسير : [النساء: 29] وقال: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] والامتناع من الأكل سعى في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة، فوجب أن يحرم وثالثها: روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع ورابعها: أن العاصي بسفره إذا كان نائماً فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى وخامسها: أن يدفع أسباب الهلاك، كالفيل، والجمل الصؤل، والحية، والعقرب، بل يجب عليه، فكذا ههنا وسادسها: أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه فكذا ههنا والجامع دفع الضرر عن النفس وسابعها: أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه، فكذلك يدفع ضررالهلاك عن نفسه بهذا الأكل وإن كان عاصياً، وثامنها: أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة والخاص مقدم على العام، وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة وإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك محال لأن المعصية ممنوع منها والإعانة سعي في تحصيلها والجمع بينهما متناقص والله أعلم. المسألة الثانية: قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعه، وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود، فإن وجد غني عنها طرحها، والأقرب في دلالة الآية ما ذكرناه أولا لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال، فكذلك إذا زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم، ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة على ما قاله العنبري، لأن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه، فكذا ههنا، ويدل عليه أيضاً أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة، فإذا أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة، فكذا إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأكل بعد ذلك. المسألة الثالثة: اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات، فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة والدم ولحم الخنزير سواء في التحريم والاضطرار، فوجب أن يكون مخيراً في الكل وهذا هو الأليق بظاهر هذه الآية وهو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم شأناً في التحريم. المسألة الرابعة: اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمراً، أو من غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة، فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعاً للهلاك عنها، فكذلك في هذه الصورة وهذا هو الأقرب إلى الظاهر، والقياس وهو قول سعيد بن جبير وأبـي حنيفة، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يشرب لأنه يزيده عطشاً وجوعاً ويذهب عقله، وأجيب عنه بأن قوله: لا يزيده إلا عطشاً وجوعاً مكابرة، وقوله: يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك. المسألة الخامسة: اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة، فأباحه بعضهم للنص والمعنى، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي، وأما المعنى فمن وجوه الأول: أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل لقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } تفسير : [المائدة: 4] غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص ولكن لا يقدح في كونه حجة الثاني: أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة، والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة الثالث: أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا ههنا، ومن الناس من حرمه واحتج بقوله عليه السلام: «حديث : إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم» تفسير : وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله، والنزاع ليس إلا فيه. المسألة السادسة: اختلفوا في التداوي بالخمر، واعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة، فإن لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة: الحكم الثاني
القرطبي
تفسير : فيه أربع وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ}«إنّما» كلمة موضوعة للحصر، تتضمّن النفي والإثبات؛ فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه، وقد حَصرت ها هنا التحريم، لاسيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} فأفادت الإباحة على الإطلاق، ثم عقبها بذكر المُحَرّم بكلمة «إنما» الحاصرة، فٱقتضى ذلك الإيعاب للقسمين؛ فلا محرّم يخرج عن هذه الآية، وهي مدَنيّة؛ وأكّدها بالآية الأخرى التي رُوِيَ أنها نزلت بعَرَفة: {أية : قُل لاَ أَجِدُ فِيمَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}تفسير : [الأنعام: 145] إلى آخرها؛ فٱستوفى البيان أوّلاً وآخراً؛ قاله ٱبن العربي. وسيأتي الكلام في تلك في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. الثانية: {ٱلْمَيْتَةَ} نصب بـ «ـحرّم»، و «ما» كافّة. ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي، منفصلة في الخط، وترفع {ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} على خبر «إنّ» وهي قراءة ٱبن أبي عَبْلة. وفي «حَرّم» ضمير يعود على الذي؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ}تفسير : [طه: 69]. وقرأ أبو جعفر «حُرِم» بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها، إمّا على ما لم يُسَمّ فاعله، وإمّا على خبر إن. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاع أيضاً «ٱلْمَيْتَةَ» بالتشديد. الطبري: وقال جماعة من اللغويين: التشديد والتخفيف في مَيْتٍ ومَيّتٍ لغتان. وقال أبو حاتم وغيره: ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يَمُت بعدُ فلا يقال فيه «مَيْت» بالتخفيف؛ دليله قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}تفسير : [الزمر: 30]. وقال الشاعر:شعر : ليس من مات فٱستراح بمَيْت إنما الميْت مَيّت الأحياء تفسير : ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت؛ إلا ما رَوى البَزِّي عن ٱبن كَثير «وَمَا هُوَ بِمَيْتٍ» والمشهور عنه التثقيل؛ وأما قول الشاعر:شعر : إذا ما مات مَيْتٌ من تميم فَسّرك أن يعيش فجىء بزاد تفسير : فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة؛ وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت؛ والأوّل أشهر. الثالثة: الْميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح؛ وما ليس بمأكول فذكاته كموته؛ كالسباع وغيرها، على ما يأتي بيانه هنا وفي «الأنعام» إن شاء الله تعالى. الرابعة: هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام: «حديث : أُحِلّت لنا مَيْتَتَانِ الحُوتُ والجراد ودَمانِ الكبدُ والطحال»تفسير : . أخرجه الدَّارَقُطْنِي، وكذلك: حديث جابر في العَنْبَر يخصص عموم القرآن بصحة سنده. خرّجه البخاريّ ومسلم مع قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ}تفسير : [المائدة: 96]، على ما يأتي بيانه هناك، إن شاء الله تعالى. وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حَيّها ومَيّتها؛ وهو مذهب مالك. وتوقّف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيرا! قال ٱبن القاسم: وأنا أتّقيه ولا أراه حراماً. الخامسة: وقد ٱختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسُّنة، ومع ٱختلافهم في ذلك ٱتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف؛ قاله ٱبن العربي. وقد يستدلّ على تخصيص هذه الآية أيضاً بما في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن أبي أَوْفَى قال: غزَوْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو حَتْف أنفه؛ وبهذا قال ٱبن نافع وٱبن عبد الحكم وأكثر العلماء، وهو مذهب الشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهما. ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حَتْفَ أنفه؛ لأنه من صيد البر، ألاَ ترى أن المُحْرِم يجزئه إذا قتله؛ فأشبه الغزال. وقال أَشْهب: إن مات مِن قطع رِجل أو جناح لم يؤكل؛ لأنها حالة قد يعيش بها ويَنْسُل. وسيأتي لحُكم الجراد مزيد بيان في «الأعراف» عند ذكره، إن شاء الله تعالى. السادسة: وٱختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات، وٱختلف عن مالك في ذلك أيضاً؛ فقال مَرّة: يجوز الانتفاع بها؛«حديث : لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم: مرّ على شاةِ مَيْمُونة فقال: هَلاَّ أخذتم إهابها» تفسير : الحديث. وقال مرّة: جملتها محرّم، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها، ولا بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الانتفاع؛ حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس، ولا تُعلف البهائم النجاسات، ولا تُطعم الميتة الكلاب والسباع، وإن أكلتها لم تمنع. ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى: {أية : حُرِّمت عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ}تفسير : [المائدة: 3] ولم يخصّ وجهاً من وجه، ولا يجوز أن يقال: هذا الخطاب مُجْمَل؛ لأن المجمل ما لا يُفهم المراد من ظاهره، وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى: {حُرِّمَت عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}، وأيضاً فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تنتفعوا من الميتة بشيء»تفسير : . وفي حديث عبد اللَّه بن عُكَيم: «حديث : لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب»تفسير : . وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر؛ وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها في «النحل» إن شاء الله تعالى. السابعة: فأما الناقة إذا نُحرت، أو البقرة أو الشاة إذا ذُبحت، وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه، إلاّ أن يخرج حيًّا فيُذَكَّى، ويكون له حكم نفسه؛ وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتاً جرى مجرى العضو من أعضائها. ومما يُبيّن ذلك أنه لو باع الشاة وٱستثنى ما في بطنها لم يجز، كما لو ٱستثنى عضواً منها، وكان ما في بطنها تابعاً لها كسائر أعضائها. وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقاً مبتدأ؛ ولو كان منفصلاً عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق. وقد روى جابر رضي الله عنه«حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن البقرة والشاة تذبح، والناقةِ تنحر فيكون في بطنها جنين ميّت؛ فقال: «إن شئتم فكلوه لأن ذكاته ذكاة أمه»»تفسير : . خرّجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الْخُدْرِي وهو نصّ لا يحتمل. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «المائدة» إن شاء الله تعالى. الثامنة: وٱختلفت الرواية عن مالك فِي جِلْد الميتة هل يطهر بالدباغ أولاً؛ فرُوِي عنه أنه لا يطهر، وهو ظاهر مذهبه. ورُوِيَ عنه أنه يطهر؛ لقوله عليه السلام: «حديث : أَيُّمَا إهابٍ دُبغ فقد طَهُر»تفسير : . ووجه قوله: لا يطهر؛ بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجساً، فوجب ألاّ يطهره الدّباغ قياساً على اللحم. وتُحمل لأخبار بالطهارة على أن الدباغ يُزيل الأوساخ عن الجلد حتى يُنتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه، ويجوز أيضاً أن يُنتفع به في الماء بأن يجعل سقاء؛ لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغيّر له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة «الفرقان». والطهارة في اللغة متوجّهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجّه إلى الطهارة الشرعية، والله تعالى أعلم. التاسعة: وأما شعر الميتة وصوفُها فطاهر؛ لما رُوِيَ عن أمّ سَلَمة رضي الله عنها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا بأس بمَسْك الميتة إذا دُبِغ وصوفها وشعرها إذا غُسل»تفسير : . ولأنه كان طاهراً لو أُخِذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أن اللحم لما كان نجساً في حال الحياة كان كذلك بعد الموت؛ فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة ٱستدلالاً بالعكس. ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة؛ لأن اللبن عندنا طاهر بعد الموت، وكذلك البيضة؛ ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجَسَا بمجاورة الوعاء لا أنهما نُجِّسَا بالموت. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة «النحل» إن شاء الله تعالى. العاشرة: وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان: حالة تكون إن أُخرجت الفأرة حيّة فهو طاهر. وإن ماتت فيه فله حالتان: حالة يكون مائعاً فإنه ينجس جميعه. وحالة يكون جامداً إنه ينجس ما جاورها، فتُطرح وما حولها، ويُنتفع بما بقي وهو على طهارته؛ لما روِي «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت؛ فقال عليه السلام: إن كان جامداً فٱطرحوها وما حَوْلها وإن كان مائعاً فأرِيقُوه»تفسير : . وٱختلف العلماء فيه إذا غُسل؛ فقيل: لا يطهر بالغسل؛ لأنه مائع نجس فأشبه الدّم والخمر والبول وسائر النجاسات. وقال ٱبن القاسم: يطهر بالغسل؛ لأنه جسم تنجّس بمجاورة النّجاسة فأشبه الثوب؛ ولا يلزم على هذا الدم؛ لأنه نجس بعينه، ولا الخمر والبول لأن الغسل يستهلكهما ولا يتأتّى فيه. الحادية عشرة: فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الانتفاع؛ لكن لا يبيعه حتى يبيّن؛ لأن ذلك عَيْب عند الناس تأباه نفوسهم. ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته؛ فلا يجوز بيعه حتى يبيّن العيب كسائر الأشياء المَعِيبة. وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال؛ لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها، ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر، «حديث : ولأن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشُّحوم فَجَملُوها فباعوها وأكلوا أثمانها»»تفسير : . وأن الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه. وهذا المائع محرّم لنجاسته فوجب أن يحرّم ثمنه بحكم الظاهر. الثانية عشرة: وٱختلف إذا وقع في القدر حيوان، طائر أو غيره (فمات) فروى ٱبن وهب عن مالك أنه قال: لا يؤكل ما في القِدْر، وقد تنجّس بمخالطة الميتة إياه. وروى ٱبن القاسم عنه أنه قال: يُغسل اللحم ويُراق المرق. وقد سئل ٱبن عباس عن هذه المسألة فقال: يغسل اللحم ويؤكل. ولا مخالف له في المرق من أصحابه؛ ذكره ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد. الثالثة عشرة: فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعيّ: ذلك نجس لعموم قوله تعالى {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [المائدة: 3]. وقال أبو حنيفة بطهارتهما؛ ولم يجعل لموضِع الخِلقة أثراً في تنّجس ما جاوره مما حدث فيه خلقة، قال: ولذلك يؤكل اللحم بم فيه من العروق، مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعاً. وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت، ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتّى فيه الغسل. وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها؛ لأن البيضة لَيّنة في حكم المائع قبل خروجها، وإنما تجمد وتصلب بالهواء. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد فإن قيل: فقولكم يؤدِّي إلى خلاف الإجماع؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوباً إليهم من أرض العجم، ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس مَيْتة، ولم يعتدّوا بأن يكون مجمداً بأنفحة مَيْتَة أو ذُكي. قيل له: قدر ما يقع من الأنفحة في اللبن المجبّن يسير؛ واليسير من النجاسة معفوّ عنه إذا خالط الكثير من المائع. هذا جواب على إحدى الروايتين. وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أوّل الإسلام، ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم، بل الجبن ليس من طعام العرب؛ فلما ٱنتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم؛ فمن أين لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبناً فضلاً عن أن يكون محمولاً من أرض العجم ومعمولاً من أنفحة ذبائحهم!. وقال أبو عمر: ولا بأس بأكل طعام عَبَدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من أنفحة الميتة. وفي سنن ٱبن ماجه «الجبن والسمن» حدّثنا إسماعيل بن موسى السدّي حدّثنا سيف بن هارون عن سليمان التيميّ عن أبي عثمان النَّهدي عن سلمان الفارسي قال: «حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفِراء. فقال: «الحلال ما أحلّ الله في كتابه والحرام ما حرّم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»».تفسير : الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وَٱلْدَّمَ} ٱتفق العلماء على أن الدَّم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وأما الدّم فمحرّم ما لم تعمّ به البلوى، ومعفوّ عما تعمّ به البلوى. والذي تعمّ به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن والثوب يُصلَّى فيه. وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ}تفسير : [المائدة: 3]، وقال في موضع آخر: {قُل لاَّ أَجِدُ فِيمَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} فحرم المسفوح من الدم. وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نطبخ البُرْمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصُّفرة من الدم فنأكل ولا ننكره؛ لأن التحفظ من هذا إصْرٌ وفيه مشقة، والإصْر والمشقة في الدِّين موضوع. وهذا أصل في الشرع، أن كلما حَرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثَقُل عليها سقطت العبادة عنها فيه؛ ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة، وأن المريض يُفطر ويَتَيَمّم في نحو ذلك. قلت: ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقاً، وقيّده في الأنعام بقوله «أية : مَسْفُوحاً»تفسير : [الأنعام: 145] وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيّد إجماعاً. فالدم هنا يراد به المسفوح؛ لأن ما خالط اللحم فغير محرّم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه. وفي دم الحوت المزايل له ٱختلاف؛ ورُوي عن القابسي أنه طاهر، ويلزم على طهارته أنه غير محرّم. وهو ٱختيار ٱبن العربي، قال: لأنه لو كان دم السمك نجساً لشُرِعت ذكاته. قلت: وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت؛ سمعت بعض الحنفيّة يقول: الدليل على أنه طاهر أنه إذا يبس ٱبيضّ بخلاف سائر الدماء فإنه يسودّ. وهذه النكتة لهم في الاحتجاج على الشافعية. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} خصّ الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذُكيَ أو لم يُذَكَّ، وليعمّ الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها. السادسة عشرة: أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير. وقد ٱستدل مالك وأصحابه على أن من حلف ألاّ يأكل شحماً فأكل لحماً لم يَحْنَث بأكل اللحم. فإن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حَنِث؛ لأن اللحم مع الشحم يقع عليه ٱسم اللحم؛ فقد دخل الشحم في ٱسم اللحم ولا يدخل اللحم في ٱسم الشحم. وقد حرّم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه؛ لأنه دخل تحت ٱسم اللحم. وحرّم الله تعالى على بني إسرائيل الشُّحوم بقوله: «أية : حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا» تفسير : [الأنعام: 146] فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في ٱسم الشحم؛ فلهذا فرّق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم؛ إلا أن يكون للحالف نية في اللحم دون الشحم فلا يحنث؛ والله تعالى أعلم. ولا يحنث في قول الشافعي وأبي ثَور وأصحاب الرأي إذا حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً. وقال أحمد: إذا حلف ألا يأكل لحماً فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون أراد ٱجتناب الدسم. السابعة عشرة: لا خلاف أن جملة الخنزير محرّمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به. "حديث : وقد رُوي أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخِرازة بشعر الخنزير؛ فقال: «لا بأس بذلك»"تفسير : ذكره ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد، قال: ولأن الخِرازة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت، وبعده موجودة ظاهرة، لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده. وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه. الثامنة عشرة: لا خلاف في تحريم خنزير البر كما ذكرنا؛ وفي خنزير الماء خلاف. وأبى مالك أن يجيب فيه بشيء، وقال: أنتم تقولون خنزيرا! وقد تقدّم؛ وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى. التاسعة عشرة: ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية. وحكى ٱبن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خَزَر العَيْن؛ لأنه كذلك ينظر، واللفظة على هذا ثلاثية. وفي الصّحاح: وتَخازر الرَّجُل إذا ضيّق جَفْنه ليحدّد النظر. والخَزَر: ضِيق العين وصغرها. رجل أَخْزَر بيّن الخَزَر. ويقال: هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمُؤْخُرها. وجمعُ الخنزير خنازير. والخنازير أيضاً علّة معروفة، وهي قروح صُلْبة تحدث في الرقبة. الموّفية عشرين: قوله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} أي ذكر عليه غير ٱسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسيّ والوَثَنيّ والمُعَطِّل. فالْوَثنيّ يذبح للوثَن، والمجوسيّ للنار، والمُعَطِّل لا يعتقد شيئاً فيذبح لنفسه. ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسيّ لناره والوثني لوثنه لا يؤكل، ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره ووثنه؛ وأجازهما ٱبن المسيّب وأبو ثور إذا ذبح لمسلم بأمره. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في سورة «المائدة». والإهلال: رفع الصوت؛ يقال: أَهَلَّ بكذا؛ أي رفع صوته. قال ٱبن أحمر يصف فلاة:شعر : يُهِلّ بالفَرْقَد رُكبانُها كما يُهِلّ الراكب المُعْتَمِر تفسير : وقال النابغة:شعر : أو دُرّةٌ صَدَفيّةٌ غَوّاصُها بَهجٌ متى يرها يُهِلّ ويَسجُدُ تفسير : ومنه إهلال الصبيّ وٱستهلاله، وهو صياحه عند ولادته. وقال ٱبن عباس وغيره: المراد ما ذُبح للأَنصاب والأوثان، لا ما ذُكر عليه ٱسم المسيح؛ على ما يأتي بيانه في سورة «المائدة» إن شاء الله تعالى. وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في ٱستعمالهم حتى عبّر به عن النية التي هي علة التحريم، ألا ترى أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق فقال: إنها مما أُهِلّ لغير الله به؛ فتركها الناس. قال ٱبن عطية: ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن ٱمرأة مترفة صنعت للُعَبِها عرساً فنحرت جَزُوراً؛ فقال الحسن: لا يحل أكلها فإنها إنما نُحرت لصنم. قلت: ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال: أخبرنا جرير عن قابوس قال: أرسل أبي ٱمرأة إلى عائشة رضي الله عنها وأمرها أن تقرأ عليها السلام منه، وتسألها أيّة صلاة كانت أعجبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدوم عليها. قالت: كان يصلّي قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ويحسن الركوع والسجود، فأمّا ما لم يَدَع قطّ، صحيحاً ولا مريضاً ولا شاهداً، ركعتين قبل صلاة الغداة. قالت ٱمرأة عند ذلك من الناس: يا أمّ المؤمنين، إن لنا أظآرا من العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه، أفنأكل منه شيئاً؟ قالت: أمّا ما ذُبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم. الحادية والعشرون: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} قرىء بضم النون للاتباع وبالكسر وهو الأصل لالتقاء الساكنين، وفيه إضمار؛ أي فمن ٱضطر إلى شيء من هذه المحرّمات أي أُحْوِج إليها؛ فهو ٱفتعل من الضرورة. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «فمن ٱطُّرَّ» بإدغام الضاد في الطاء. وأبو السّمال «فَمَنِ ٱضْطِرَّ» بكسر الطاء. وأصله ٱضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء إلى الطاء. الثانية والعشرون: الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو بجوع في مَخْمَصَة. والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيّره العُدْم والغَرَث وهو الجوع إلى ذلك؛ وهو الصحيح. وقيل: معناه أُكره وغُلب على أكل هذه المحرّمات. قال مجاهد: يعني أُكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى؛ إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه. وأما الْمَخْمَصَة فلا يخلو أن تكون دائمة أولاً؛ فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة؛ إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قَطْعاً؛ كالتمر المعلّق وحَرِيسة الجبل، ونحو ذلك مما لا قَطْع فيه ولا أذًى. وهذا مما لا ٱختلاف فيه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «حديث : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلاً مصرورة بِعضاه الشجر فثُبْنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال: «إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويُمْنُهم بعد الله أيسّركم لو رجعتم إلى مَزَاودكم فوجدتم ما فيها قد ذُهب به أترون ذلك عدلاً» قالوا لا؛ فقال: «إن هذه كذلك». قلنا: أفرأيت إن ٱحتجنا إلى الطعام والشراب؟ فقال: «كل ولا تحمل وٱشرب ولا تحمل»»تفسير : . خرّجه ٱبن ماجه رحمه الله؛ وقال: هذا الأصل عندي. وذكره ٱبن المنذر قال:«حديث : قلنا يا رسول الله، ما يحلّ لأحدنا من مال أخيه إذا ٱضطر إليه؟ قال: «يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل»»تفسير : . قال ٱبن المنذر: وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى تحريم الله الأموال. قال أبو عمر: وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعيّن عليه ردّ رَمَق مُهْجة المسلم، وتوجّه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضي عليه بنرميق تلك المهجة الآدمية. وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وإن أتى ذلك على نفسه؛ وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير؛ فحينئذ يتعيّن عليه الفرض. فإن كانوا كثيراً أو جماعةً وعدداً كان ذلك عليهم فرضاً على الكفاية. والماء في ذلك وغيره مما يردّ نفس المسلم ويمسكها سواء. إلا أنهم ٱختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على الذي ردّت به مهجته ورمق به نفسه؛ فأوجبها موجبون، وأباها آخرون؛ وفي مذهبنا القولان جميعاً. ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدّميهم في وجوب رَدّ مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتّلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البُلْغة. الثالثة والعشرون: خرّج ٱبن ماجة أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شَبابة (ح) وحدّثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال: «حديث : سمعت عبّاد بن شرحبيل ـ رجلاً من بني غُبَر ـ قال: أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطاً من حيطانها فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته وجعلته في كسائي؛ فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته؛ فقال للرجل: «ما أطعمتَه إذ كان جائعاً أو ساغباً ولا علّمته إذ كان جاهلاً»فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ إليه ثوبه، وأمر له بِوَسْق من طعام أو نصفَ وِسق» تفسير : قلت: هذا حديث صحيح ٱتفق على رجاله البخاريّ ومسلم؛ إلا ٱبن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده. وعبّاد بن شرحبيل الغُبَري اليشكُري لم يُخرج له البخاري ومسلم شيئاً، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فيما ذكر أبو عمر رحمه الله، وهو ينفي القطع والأدب في المخمصة. وقد روى أبو داود عن الحسن عن سَمُرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فلْيحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فلْيُصَوت ثلاثاً فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل»تفسير : . وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دخل حائطاً فليأكل ولا يتّخذ خُبْنة»تفسير : . قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وذكر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؛ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجة غير متَّخذ خُبْنة فلا شيء عليه»»تفسير : . قال فيه: حديث حسن. وفي حديث عمر رضي الله عنه: «حديث : إذا مرّ أحدكم بحائط فليأكل ولا يتّخذ ثِبَاناً»تفسير : . قال أبو عبيد قال أبو عمر: وهو الوعاء الذي يُحمل فيه الشيء؛ فإن حملته بين يديك فهو ثِبان؛ يقال: قد تَثَّبنْت ثِباناً؛ فإن حملته على ظهرك فهو الحال؛ يقال منه: قد تَحوّلت كسائي إذا جعلت فيه شيئاً ثم حملته على ظهرك. فإن جعلته في حِضنك فهو خُبْنة؛ ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع «ولا يتّخذ خُبْنة». يقال منه: خَبَنْت أخْبِن خَبْناً. قال أبو عبيد: وإنما يوجّه هذا الحديث أنه رُخّص فيه للجائع المضطّر الذي لا شيء معه يشتري به ألاّ يَحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته. قلت: لأن الأصل المتّفَق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه؛ فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أوّل الإسلام، أو كما هو الآن في بعض البلدان، فذلك جائز. ويُحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدّم والله أعلم. وإن كان الثاني وهو النادر في وقت من الأوقات؛ فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما: أنه يأكل حتى يشبع ويَتضَلّع؛ ويتزوّد إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر، وإذا وجد عنها غِنىً طرحها. قال معناه مالك في مُوَطَّئه؛ وبه قال الشافعيّ وكثير من العلماء. والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحاً. ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. «حديث : وحديث العَنْبر نصٌّ في ذلك؛ فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد، ٱنطلقوا إلى ساحل البحر فرُفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضخم؛ فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر؛ فقال أبو عبيدة أميرهم: مَيْتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد ٱضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليها شهراً ونحو ثلثمائة حتى سَمِنّا، الحديث. فأكلوا وشبعوا ـ رضوان الله عليهم ـ مما ٱعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة، وذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال: «هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله»تفسير : . وقالت طائفة. يأكل بقدر سدّ الرمق. وبه قال ٱبن الماجشون وٱبن حبيب وفرّق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا: المقيم يأكل بقدر ما يسدّ رمقه، والمسافر يتضلّع ويتزوّد: فإذا وجد غِنىً عنها طرحها، وإن وجد مضطراً أعطاه إياها ولا يأخذ منه عِوضاً؛ فإن المَيْتة لا يجوز بيعها. الرابعة والعشرون: فإن ٱضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف، وإن كان بجوع أو عطش فلا يشرب؛ وبه قال مالك في العتبيّة قال: ولا يزيده الخمر إلا عطشاً. وهو قول الشافعي؛ فإن الله تعالى حرّم الخمر تحريماً مطلقاً، وحرّم الميتة بشرط عدم الضرورة. وقال الأبْهري: إن ردّت الخمر عنه جوعاً أو عطشاً شربها؛ لأن الله تعالى قال في الخنزير {فَإِنَّهُ} ثم أباحه للضرورة. وقال تعالى في الخمر إنها {رِجْسٌ} فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجليّ الذي هو أقوى من القياس، ولا بدّ أن تروِي ولو ساعة وترد الجوع ولو مدّة. الخامسة والعشرون: روى أصبَغ عن ٱبن القاسم أنه قال: يشرب المضطرُّ الدّمَ ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضَوَالَ الإبل ـ وقاله ٱبن وهب ـ ويشرب البول ولا يشرب الخمر؛ لأن الخمر يلزم فيها الحدّ فهي أغلظ. نص عليه أصحاب الشافعي. السادسة والعشرون: فإن غصّ بلقمة فهل يسيغها بخمر أولاً؛ فقيل: لا؛ مخافة أن يدّعي ذلك. وأجاز ذلك ٱبن حبيب؛ لأنها حالة ضرورة. ٱبن العربي: «أما الغاصّ بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا تخفى علينا بقرائن الحال صورة الغُصّة من غيرها؛ فيصدق إذا ظهر ذلك؛ وإن لم يظهر حَدَدناه ظاهراً وسَلِم من العقوبة عند الله تعالى باطناً. ثم إذا وجد المضطرُّ ميتةً وخنزيراً ولحمَ ٱبنِ آدم أكل الميتة؛ لأنها حلال في حال. والخنزيرُ وٱبنُ آدم لا يحلّ بحال. والتحريم المخفَّف أوْلى أن يقتحم من التحريم المثقل؛ كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية، وطىء الأجنبية لأنها تحل له بحال. وهذا هو الضابط لهذه الأحكام. ولا يأكل ٱبنَ آدم ولو مات؛ قاله علماؤنا، وبه قال أحمد وداود. احتّج أحمد بقوله عليه السلام: «حديث : كَسْرُ عظمِ الميت ككسره حيًّا»تفسير : . وقال الشافعيّ: يأكل لحم ٱبن آدم. ولا يجوز له أن يقتل ذِمِّياً لأنه محترم الدّم، ولا مسلماً ولا أسيراً لأنه مال الغير. فإن كان حربياً أو زانياً مُحْصناً جاز قتله والأكل منه. وشنّع داود على المُزَني بأن قال: قد أبحت أكل لحوم الأنبياء! فغلب عليه ٱبن شريح بأن قال: فأنت قد تعرّضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر. قال ٱبن العربي: الصحيح عندي ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقّق أن ذلك ينجيه ويحييه؛ والله أعلم. السابعة والعشرون: سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمراً أو زرعاً أو غَنماً؛ فقال: إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يُعدّ سارقاً ويصدَّق في قوله، أكل من أيّ ذلك وجد ما يردّ جوعه ولا يحمل منه شيئاً، وذلك أحبّ إليّ من أن يأكل الميتة؛ وقد تقدم هذا المعنى مستوفىً. وإن هو خَشِيَ ألا يصدّقوه وأن يعدّوه سارقاً فإنّ أكل الميتة أجْوز عندي، وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سَعة. الثامنة والعشرون: روى أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدّثنا حماد عن سِمَاك بن حرب عن جابر بن سَمُرة: «حديث : أن رجلاً نزل الحَرّة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضَلّت فإن وجدتها فأمسكها؛ فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت ٱمرأته: ٱنحرها، فأبى فَنَفَقَت. فقالت: اسلخها حتى نُقدّد لحمها وشحمها ونأكله؛ فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله، فقال: «هل عندك غِنىً يغنيك» قال لا، قال: «فكلوها»"تفسير : قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر؛ فقال: هلاّ كنت نحرتَها! فقال: ٱستحييت منك. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: في هذا الحديث دليلان: أحدهما: أن المضطر يأكل من الميتة وإن لم يخف التّلف؛ لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه. والثاني: يأكل ويشبع ويدّخر ويتزوّد؛ لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألاّ يشبع. قال أبو داود: وحدثنا هارون بن عبد اللَّه قال حدثنا الفضل بن دُكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال: سمعت أبي يحدّث عن الفُجَيع العامريّ أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا الميتة؟ قال: «ما طعامكم» قلنا: نَغْتَبِق ونصطبح. قال أبو نعيم: فسّره لي عقبة: قَدَحٌ غُدْوَةً وقدحٌ عشِيّة. قال: «ذاك وأبِي الجوع». قال: فأحلّ لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود: الغبوق من آخر النهار والصبوح من أوّل النهار. وقال الخطابي: الغبوق العشاء، والصبوح الغداء، والقَدَح من اللبن بالغداة، والقدح بالعشي يمسك الرَّمق ويُقيم النفس، وإن كان لا يُغذّي البدن ولا يُشبع الشبع التام؛ وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة؛ فكان دلالته أنّ تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت. وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قوليْ الشافعي. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزوّدوا. وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر: لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه؛ وإليه ذهب المزنيّ. قالوا: لأنه لو كان في الابتداء بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئاً؛ فكذلك إذا بلغها بعد تناولها. وروي نحوه عن الحسن. وقال قتادة: لا يتضلّع منها بشيء. وقال مقاتل بن حَيّان: لا يزداد على ثلاث لُقَم. والصحيح خلاف هذا؛ كما تقدّم. التاسعة والعشرون: وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى ٱستعمالها قائمة العين أو محرقة؛ فإن تغيّرت بالإحراق فقال ٱبن حبيب: يجوز التداوي بها والصلاة. وخفّفه ٱبن الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغيّر الصفات. وفي العُتْبِيّة من رواية مالك في المَرْتَك يُصنع من عظام الْميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله. وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سُحْنُون: لا يُتداوى بها بحال ولا بالخنزير؛ لأن منها عوضاً حلالاً بخلاف المجاعة. ولو وُجد منها عوض في المجاعة لم تؤكل. وكذلك الخمر لا يتداوى بها، قاله مالك، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وهو ٱختيار ٱبن أبي هريرة من أصحابه. وقال أبو حنيفة: يجوز شربها للتداوي دون العطش؛ وهو ٱختيار القاضي الطبري من أصحاب الشافعي، وهو قول الثوري: وقال بعض البغداديين من الشافعية: يجوز شربها للعطش دون التداوي؛ لأن ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي. وقيل: يجوز شربها للأمرين جميعاً. ومنع بعض أصحاب الشافعيّ التداوي بكل محرّم إلا بأبوال الإبل خاصة؛ لحديث العُرَنِيِّين. ومنع بعضهم التداوي بكل محرّم؛ لقوله عليه السلام: «حديث : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حُرّم عليهم»"حديث : ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كرِه أن يصنعها فقال؛ إنما أصنعها للدواء؛ فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء»»تفسير : . رواه مسلم في الصحيح. وهذا يحتمل أن يقيّد بحالة الاضطرار؛ فإنه يجوز التداوي بالسم ولا يجوز شربه؛ والله أعلم. الموفّية ثلاثين: قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ} «غير» نصب على الحال، وقيل: على الاستثناء. وإذا رأيت «غير» يصلح في موضعها«في» فهي حال، وإذا صلح موضعها {إِلاَ} فهي ٱستثناء، فقس عليه. و «باغ» أصله باغي، ثقلت الضمة على الياء فسكنت والتنوين ساكن، فحذفت الياء والكسرة تدل عليها. والمعنى فيما قال قتادة والحسن والربيع وٱبن زيد وعكرمة «غير باغ» في أكله فوق حاجته، «ولا عادٍ» بأن يجد عن هذه المحرّمات مندوحة ويأكلها. وقال السدّي: «غير باغٍ» في أكلها شهوة وتلذذاً، «ولا عاد» بٱستيفاء الأكل إلى حدّ الشبع. وقال مجاهد وٱبن جبير وغيرهما: المعنى {غَيْرَ بَاغٍ} على المسلمين «ولا عادٍ» عليهم؛ فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله. وهذا صحيح؛ فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد؛ يقال: بَغَت المرأة تبغي بِغاء إذا فَجَرت؛ قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ}تفسير : [النور: 33]. وربما ٱستعمل البغي في طلب غير الفساد. والعرب تقول: خرج الرجل في بُغاء إبلٍ له، أي في طلبها؛ ومنه قول الشاعر:شعر : لا يمنَعنّك من بُغا ء الخير تَعْقادُ الرَّتائم إن الأَشائم كالأيَا مِن والأيامن كالأشائم تفسير : الحادية والثلاثون: قوله تعالى: {وَلاَ عَادٍ} أصل «عاد» عائد؛ فهو من المقلوب، كشاكي السلاح وهَارٍ ولاَثٍ. والأصل شائك وهائر ولائث؛ من لُثْت العمامة. فأباح الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرّمات لعجزه عن جميع المباحات كما بيّنا؛ فصار عدم المباح شرطاً في ٱستباحة المحرّم. الثانية والثلاثون: وٱختلف العلماء إذا ٱقترن بضرورته معصية، بقطع طريق وإخافة سبيلِ؛ فحظرها عليه مالك والشافعيّ في أحد قوليه لأجل معصيته؛ لأن الله سبحانه أباح ذلك عوناً، والعاصي لا يحلّ أن يُعان؛ فإن أراد الأكل فليَتُب وليأكل. وأباحها له أبو حنيفة والشافعيّ في القول الآخر له، وسوّيا في ٱستباحته بين طاعته ومعصيته. قال ٱبن العربي: وعَجَباً ممن يبيح له ذلك مع التّمادي على المعصية، وما أظن أحداً يقوله، فإن قاله فهو مخطىء قطعاً. قلت: الصحيح خلاف هذا؛ فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشدّ معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء: 29] وهذا عامّ، ولعلّه يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان. وقد قال مسروق: من ٱضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه. قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكِيَا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رُخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو ٱمتنع من أكل الميتة كان عاصياً، وليس (تناول) الميتة من رخص السفر أو متعلقاً بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفراً كان أو حَضَراً، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضاً، وكالتيمّم للعاصي المسافر عند عدم الماء. قال: وهو الصحيح عندنا. قلت: وٱختلفت الروايات عن مالك في ذلك؛ فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى: أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء؛ لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيماً؛ وليس كذلك الفطر والقصر؛ لأنهما رخصتان متعلّقتان بالسفر. فمتى كان السفر سفَر معصية لم يجز أن يقصر فيه؛ لأن هذه الرخصة تختص بالسفر، ولذلك قلنا: إنه يتيّمم إذا عدم الماء في سفر المعصية؛ لأن التيمم في الحضر والسفر سواء. وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ٱرتكبها، وفي تركه الأكل تلف نفسه، وتلك أكبر المعاصي، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة. أيجوز أن يقال له: ٱرتكبت معصية فارتكب أخرى! أيجوز أن يقال لشارب الخمر: ازن، وللزاني: اكفر! أو يقال لهما: ضيّعا الصلاة؟ ذكر هذا كله في أحكام القرآن له، ولم يذكر خلافاً عن مالك ولا عن أحد من أصحابه. وقال الباجي: «وروى زياد ابن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي بسفره يقصر الصلاة، ويُفطر في رمضان. فسوّى بين ذلك كله، وهو قول أبي حنيفة. ولا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل، وأنه مأمور بالأكل على وجه الوجوب؛ ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام والصلاة، بل يلزمه الإتيان بها؛ فكذلك ما ذكرناه. وجه القول الأوّل أن هذه المعاني إنما أبيحت في الأسفار لحاجة الناس إليها؛ فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى ألاّ يقتل نفسه. قال ٱبن حبيب: وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته. وتعلّق ٱبن حبيب في ذلك بقوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألاّ يكون باغياً. والمسافر على وجه الحرابة أو القطع، أو في قطع رحِم أو طالب إثم ـ باغٍ ومعتد؛ فلم توجد فيه شروط الإباحة، والله أعلم». قلت: هذا ٱستدلال بمفهوم الخطاب، وهو مختلف فيه بين الأصوليين. ومنظوم الآية أن المضطر غير باغ ولا عاد لا إثم عليه، وغيره مسكوت عنه، والأصل عموم الخطاب؛ فمن ٱدعى زواله لأمرٍ ما فعليه الدليل. الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يغفر المعاصي؛ فأولى ألا يؤاخِذ بما رخّص فيه، ومن رحمته أنه رخّص.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} أكلها، أو الانتفاع بها. وهي التي ماتت من غير ذكاة. والحديث ألحق بها ما أبِيْنَ من حي. والسمك والجراد أخرجهما العرف عنها، أو استثناه الشرع. والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفاً حرمة التصرف فيها مطلقاً إلا ما خصه الدليل، كالتصرف في المدبوغ. {وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} إِنما خص اللحم بالذكر، لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له. {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} أي رفع به الصوت عند ذبحه للصنم. والإِهلال أصله رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته. لكن لما جَرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رُئي سمي ذلك إهلالاً، ثم قيل لرفع الصوت وإن كان لغيره. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ } بالاستيثار على مضطر آخر. وقرأ عاصم وأبو عمرو حمزة بكسر النون. {وَلاَ عَادٍ} سد الرمق، أو الجوعة. وقيل: غير باغ على الوالي، ولا عاد بقطع الطريق. فعلى هذا لا يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهما الله تعالى. {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} في تناوله. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لما فعل {رَّحِيمٌ} بالرخصة فيه. فإن قيل: إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من حرام لم يذكر. قلت: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقاً، أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } أي أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي ما لم يُذَكَّ شرعاً وأُلحِقَ بها بالسنة ما أبين من حيّ وخُصَّ منها السمك والجراد {وَٱلدَّمَ } أي المسفوح كما في (الأنعام)[6: 145]{وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ } خص اللحم لأنه معظم المقصود وغيره تبع له {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } أي ذبح على اسم غيره (والإهلال) رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله {غَيْرَ بَاغٍ } خارج على المسلمين {وَلاَ عَادٍ } متعدّ عليهم بقطع الطريق {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في أكله {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لأوليائه {رَّحِيمٌ } بأهل طاعته حيث وسع لهم في ذلك وخرج الباغي والعادي ويلحق بهما كل عاص بسفره كالآبق والمكّاس فلا يحل لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعي.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} قصّر داود بن علي التحريم على اللحم، وعداه الجمهور إلى سائر أجزائه. {أُهِلَّ بِهِ} سمى الذبح إهلالاً، لأنهم كانوا يجهرون عليه بأسماء آلهتهم، فسمي كل ذبح إهلالاً، كما سمي الإحرام إهلالاً للجهر للتلبية وإن لم يجهر بها {لِغَيْرِ اللَّهِ} ذبح لغيره من الأصنام. أو ذكر عليه اسم غيره. {اضْطُرَّ} أكره، أو خاف على نفسه لضرورة دعته إلى أكله قاله الجمهور. {غَيْرَ بَاغٍ} على الإمام {وَلاَ عَادٍ} على الناس بقطع الطريق، أو {غَيْرَ بَاغٍ} بأكله فوق حاجته. أو بأكله مع وجود غيره، أو {غَيْرَ بَاغٍ} بأكله تلذذاً {وَلاَ عَادٍ} بالشبع، وأصل البغي طلب الفساد، ومنه البغي للزانية.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} لما أمرنا الله تعالى في الآية التي تقدمت بأكل الطيبات التي هي الحلالات بين في هذه الآية أنواعاً من المحرمات، أما الميتة فكل ما فارقته روحه من غير ذكاة مما يذبح. وأما الدم فهو الجاري وكانت العرب تجعل الدم في المصارين ثم تشويه وتأكله فحرم الله الدم. وأما الخنزير فإنه أراد بلحمه جميع أجزائه وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل {وما أهل به لغير الله} يعني وما ذبح للأصنام والطواغيت وأصل الإهلال رفع الصوت وذلك أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بذكر آلهتهم إذا ذبحوا لها فجرى ذلك مجرى أمرهم وحالهم حتى قيل لكم ذابح مهل وإن لم يجهر بالتسمية {فمن اضطر} يعني إلى أكل الميتة وأحوج إليها {غير باغ} أصل البغي الفساد {ولا عاد} أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد {فلا إثم عليه} أي فأكل فلا إثم عليه، أي فلا حرج في أكلها {إن الله غفور}أي لما أكله في حال الضرورة {رحيم} يعني حيث رخص لعباده في ذلك. فصل في حكم هذه الآية وفيه مسائل الأولى في حكم الميتة أجمعت الأمة على تحريم أكل الميتة، وأنها نجسة واستثنى الشرع منها السمك والجراد، أما السمك فلقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته" تفسير : أخرجه الجماعة غير البخاري ومسلم. قال الترمذي: فيه حديث حسن صحيح. وأما الجراد فلما روي عن ابن أبي أوفى قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أو ستاً وكنا نأكل الجراد ونحن معه" أخرجاه في الصحيحين. واختلف في المسك الميت الطافي على الماء فقال مالك والشافعي لا بأس به وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي إنه مكروه وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما طفى من صيد البحر فلا تأكله وعن ابن عباس وجابر بن عبدالله مثله وروي عن أبي بكر الصديق أبي أيوب إباحته. واختلف في الجراد، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما وجدته ميتاً. وروى مالك أن ما وجد ميتاً فلا يحل وما أخذ حياً يذكى زكاة مثله بأن يقطع رأسه ويشوى فإن غفل عنه حتى يموت فلا يحل. المسألة الثانية في حكم الدم: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل، ولا ينتفع به. قال الشافعي: تحرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح. وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بحرام قال لأنه إذا يبس ابيض واستثنى الشارع من الدم الكبد والطحال. روى الدارقطني عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أحل لنا من الدم دمان ومن الميتة ميتتان الحوت والجراد ومن الدم الكبد والطحال" تفسير : وفي لفظ آخر: "حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد"تفسير : أخرجه ابن ماجه وأحمد بن حنبل. قال أحمد وعلي بن المديني: عبدالرحمن بن زيد ضعيف. وأخوه عبدالله بن زيد قوي. ثقة. وقد أخرج الدارقطني هذا الحديث من رواية عبدالله بن زيد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً وضعف أبو بكر بن العربي هذا الحديث وقال: يروى عن عمر بما لا يصح سنده وقال البيهقي: يروى هذا الحديث عن ابن عمر موقوفاً ومرفوعاً والصحيح الموقوف. واختلف في تخصيص هذا العموم في الكبد والحطال فقال: مالك لا تخصيص لأن الكبد والطحال لحم، ويشهد لذلك العيان الذي لا يفتقر إلى برهان وقال الشافعي: هما دمان ويشهد له الحديث فهو تخصيص من العموم. المسألة الثالثة في الخنزير: أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به ثم اختلفوا في نجاسته فقال جمهور العلماء إنه نجس وقال مالك: إنه طاهر. وكذا كل حيوان عنده، لأن علة الطهارة هي الحياة وللشافعي قولان: في ولوغ الخنزير الجديد أنه كالكلب والقديم يكفي في ولوغه غسلة واحدة. والفرق بينهما أن التغليظ في الكلب لأن العرب كانت تألفه بخلاف الخنزير. وقيل: إن التغليظ في الكلب تعبدي لا يعقل معناه فلا يتعدى إلى غيره. المسألة الرابعة في حكم قوله: وما أهل به لغير الله: من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان التي كانوا يذبحونها لأصنامهم، وأجاز ذبيحة النصارى إذا سمي عليها باسم المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب لعموم قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. المسألة الخامسة في حكم المضطر: المضطر هو المكلف بالشيء، الملجأ إليه المكره عليه والمراد بالمضطر في قوله فمن اضطر أي خاف التلف حتى قيل: من اضطر إلى أكل فلم يأكل الميتة فلم يأكل منها حتى مات دخل النار. والمضطر على ثلاثة أقسام: إما بإكراه أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد شيئاً البتة فإن التحريم يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله: فلا إثم عليه وتباح له الميتة فأما الإكراه فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو إن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فاختلف العلماء فيه. وللشافعي قولان أحداهما أنه يأكل ما يسد به الرمق، وبه قال أبو حنيفة. والثاني يأكل قدر الشبع، وبه قال مالك. المسألة السادسة في قوله غير باغ ولا عاد: قال ابن عباس: معنى غير باغ خارج على السلطان ولا عادٍ أي معتدٍ يعني العاصي بسفره بأن يخرج لقطع الطريق أو أبق من مولاه فلا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل من الميتة إذا اضطر إليها، ولا يترخص برخص المسافرين حتى يتوب، وبه قال الشافعي: لأن إباحة الميتة له إعانة له على فساده وذهب قوم إلى أن البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل وبه قال أبو حنيفة. وأباح أكل الميتة للمضطر وإن كان عاصياً، وقيل في معنى قوله غير باغ أي غير طالب الميتة وهو يجد غيرها ولا عاد أي غير متعد ما حدّ له، وقيل: غير مستحل لها ولا متزود منها.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ...}. قال ابن عرفة: الدّمُ المسفوح نجس بإجماع، وكذلك الذي يخرجه الجزار من منحر الشاة بعد سلخها والدّم الذي يبقى في العروق طاهر (بإجماع وأمّا ما انتشر من العروق على اللحم ففيه قولان والمشهور أنه طاهر) كذا قال اللّخمي وغيره. والميتة هي (كل مازهقت) روحه بغير ذكاة من الحيوان المفتقر إلى الذكاة شرعا. فإن قلت: هلا قيل: إنما حرم عليكم لحم الميتة كما قال: لحم الخنزير؟ قلت: الجواب عن ذلك أن الخنزير غير مقدور عليه إلا بالاصطياد، والاصطياد فيه في غالب أمره إنما يكون للحمه، فعلق بما هو المقصود فيه غالبا بخلاف الميتة فإن النفوس تفر منها وتكره لحمها فالمحرم جميعها. قال ابن عرفة: وما ذبح للجان ويتعمدون ترك التسمية عليه يقولون: إنه لا يؤكل. والظاهر عندي جواز أكله لأنهم لا يقصدون به التقرب للجان وإنما يقصدون به تكرمته، وأنه ينال منه ولا يتركون إلا النطق بالتسمية وهم إنما يسمّون في أنفسهم. قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ...}. الفاء للتسبب ومن الأولى (أن تكون) موصولة لما تقدم فى قوله تعالى {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا}تفسير : من أن القضية الشرطية لا تدل على وقوع الشيء، ولا على إمكان وقوعه. و {غَيْرَ بَاغٍ} قال أبو حيان: حال من الضمير فيى "اضطر" وقيل: حال من الضمير في الفعل المقدر معطوفا على "اضطر" أي في فأكل غير باغ ولا عاد. وتعقبه أبو حيان باحتمال تقدير ذلك (الفعل) بعد {غَيْرَ بَاغٍ} وهو أولى لأن في تقديره قبله فصلا بين ما ظاهره الاتصال بما بعده. قال ابن عرفة: وهو أيضا باطل من جهة المعنى لأنه، على ما قال هو يكون البيان للحكم بعد الأكل وعلى ما قال أبو حيان يكون البيان للحكم قبل الأكل والبيان قبل الفعل أولى. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: البغي غالب إطلاقه في اللّسان على ابن آدم (والعدوان غالب إطلاقه على غير ابن آدم). فيقال: عدا عليه السّبع ولا يقال: بغى عليه، ويقال: بغى فلان على فلان فالبغي خاص بالعاقل والتعدي مشترك، وغالب إطلاقه على غير العاقل، وفرق المنطقيون بين حرف السّلب وحرف العدول فحرف السلب "لا" وحرف العدول "غير" وجعلوا قولك: الحائط لا يبصر سلبا وزيد لاَ يبصر عدولا، فجاءت هذه الاية على هذا المنوال لاقتران "غير" بالبغي الخاص بالعاقل واقتران "لا" بالتعدي الذي كثر اطلاقه على غير العاقل حتى اشتهر به وغلب عليه. قوله تعالى: {فَلآۤ إِثْمَ عَلَيْهِ...}. قال ابن عرفة: لا ينفى إلاّ ما هو في مادة الثبوت ووجود الإثم هنا غير متصور لأن الأكل من الميتة في هذه الحالة واجب لإقامة الرمق قال: فأجاب بأن المراد لا عقوبة عليه أو لا ذم عليه. واختلفوا في حد الحرام. قال المتقدمون: إنه ما عوقب فاعله. قال بعضهم: والصحيح أنه ما ذم فاعله لأن العقوبة قد ترفع بالتوبة، فعلى الأول معنى الآية فلا عقوبة عليه، وعلى الثاني معناها فلا ذم عليه. قال ابن عرفة: وفي الآية دليل على أن العام في الأشخاص عام في الأزمنة والأحوال، وهو الصحيح، ولولا ذلك لما احتيج إلى استثناء المضطر منه، واختلفوا في الآية، فقيل: إنها خاصة بسفر الطاعة، وقيل عامة فيه وفي سفر المعصية لأنه لو لم يبح للعاصي أكل الميتة للزم أن يضاف إلى عصيانه بالسفر عصيان آخر بقتله نفسه؟ وأجاب بعض الناس عن ذلك، بأن عصيان السفر يرتفع بالتوبة وهي (ممكنة)/ حينئذ قال ابن عرفة: وفي الآية حجة للمشهور وهو أنّ العاصي بالسفر (لا يباح له أكل الميتة). قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قال ابن عرفة: وجه مناسبة المغفرة أنه قد يظن أنه مضطر فيأكل الميتة ولا يكون مضطرا إليها.
ابن عادل
تفسير : لما أمر في الآية المتقدِّمة بأكل الحال، فصَّل في هذه الآية [أنواع] الحرام. قوله: "إنَّمَا حَرَّمَ": الجمهور قرءوا "حَرَّمَ" مشدَّداً مبنيّاً للفاعل "المَيْتَة" نصباً على أنَّ "مَا" كافَّةٌ مهيِّئة لـ"إنَّ" في الدُّخول على هذه الجملة الفعليَّة، وفاعل "حَرَّمَ" ضمير الله تعالى، و"المَيْتَةَ": مفعولٌ به، وابن أبي عَبْلَة برفع "المَيْتَةُ"، وما بعدها، وتخريج هذه القراءة سهل وهو أن تكون "مَا" موصولةً، و"حَرَّمَ" صلتها، والفاعل ضمير الله تعالى والعائد محذوفٌ؛ لاستكمال الشُّروط، تقديره: "حَرَّمَهُ"، والموصول وصلته في محلِّ نصب اسم "إنَّ"، و"الميتة": خبرها. وقرأ ابو جعفر، وحمزة مبنيّاً للمفعول، فتحتمل "ما" في هذه القراءة وجهين: أحدهما: أن تكون "ما" مهيئةً، و"المَيْتَةُ" مفعول ما لم يسمَّ فاعل. والثاني: أن تكون موصولةً، فمفعول "حُرِّمَ" القائم مقام الفاعل ضميرٌ مستكنٌّ يعود على "ما" الموصولة، و"لميتة" خبر "إنَّ". وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ، "حَرُمَ"، بضمِّ الراء مخفَّفة، و"المَيْتَةُ" رفعاً و "مَا تحتمل الوجهين أيضاً، فتكون مهيِّئة، و "المَيْتَةُ"؛ فاعلٌ بـ"حَرُمَ"، أو موصولةً، والفاعل ضميرٌ يعود على "مَا" وهي اسمُ "إنَّ"، و "المَيْتَة": خبرها، والجمهور على تخفيف "المَيْتَة" في جميع القرآن، وأبو جعفر بالتَّشديد، وهو الأصل، وهذا كما تقدَّم في أنَّ "الميْت" مخفَّفٌ من "المَيِّت"، وأن أصله "مَيْوِتٌ"، وهما لغتان، وسيأتي تحقيقه في سورة آل عمران عند قوله: {أية : وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ}تفسير : [آل عمران: 27]. ونقل عن قدماء النحاة، أنَّ "المَيْتَ" بالتَّخفيف: من فارقت روحه جسده، وبالتشديد: من عاين أسباب الموت، ولم يمت، [وحكى ابن عطيَّة - رحمه الله - عن أبي حاتم: أنَّ ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يَمُتْ] بعد، لا يقال فيه بالتخفيف، ثم قال: ولم يقرأ أحدٌ بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزِّيُّ عن ابن كثير: {أية : وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}تفسير : [إبراهيم: 17]، وأما قوله: [الوافر] شعر : 900 - إذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِىءْ بِزَادِ تفسير : فقد حمل على من شارف الموت، وحمله على الميِّت حقيقةً أبلغ في الهجاء. وأصل "مَيْتَةٍ" مَيْوِتَةٌ، فأُعلَّت بقلب الواو ياء، وإدغام الياء فيها، وقال الكوفيُّون: أصله "مَوِيتٌ"، ووزنه "فَعِيلٌ". قال الواحديُّ: "المَيْتَة": ما فارقته الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يُذْبَح. فصل في بيان أن الآية عامَّة مخصَّصة بالسُّنَّة هذه الآية الكريمة عامَّة دخلها التخصيص؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: السَّمَكُ والجَرَادُ، ودَمَانِ: الكَبِدُ والطِّحَالُ"تفسير : وكذلك حديث جابر في العنبر، وقوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتَهُ"تفسير : وهذا يدلُّ على تخصيص الكتاب بالسُّنّة. وقال عبد الله بن أبي أوفى: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتِ، نأْكُلُ الجَرَاد" وظاهره أكل الجراد كيف ما مات [بعلاجٍ، أو حَتْفَ أنفِهِ]، والله أعلم. فصل في بيان حكم وقوع الطائر ونحوه في القدر إذا وقع طائرٌ ونحوه في قدرٍ، فمات، فقال مالكٌ: لا يُؤكل كل ما في القدر. وقال ابن القاسم: يغسل اللَّحم ويؤكل، ويراق المرق، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما. فصل في بيان حكم الدَّم وأما الدَّم: فكانت العرب تجعل الدم في النَّار، وتشويها، ثم تأكلها، فحرَّم الله تعالى الدَّم، واتفق العلماء على أن الدم حرامٌ نجسٌ، لا يؤكل، ولا ينتفع به. قال بعضهم: يحرم، إذا لم تعم به البلوى، ويعفى عنه، إذا عمَّت به البلوى، كالذي في اللَّحم والعروق، واليسير في الثَّوب والبدن يصلَّى فيه، وأطلق الدَّم هنا، وقيَّده بالمسفوح في "الأنعام"، فيحمل المطلق على المقيَّد، وأمَّا لحم الخنزير، فاللَّحم معروف، وأراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خصَّ اللحم؛ لأنه المقصود لذاته بالأكل، واللَّحم جمعه لحوم ولحمان، يقال: لحم الرَّجل، بالضم، لحامةً، فهو لحيمٌ، أي: غلظ، ولحم، بالكسر يلحم، بالفتح، فهو لحمٌ: اشتاق إلى اللَّحم، ولحم النَّاسَ، فهو لاحمٌ، أي: أطعمهم اللحم، وألحم: كثر عنده اللَّحم [والخنزير: حيوانٌ معروفٌ، وفي نونِهِ قولان: أصحهما: أنَّها أصليَّة، ووزنه: "فِعْلِيلٌ"؛ كغربيبٍ. والثاني: أنها زائدةٌ، اشتقوه من خزر العين، أي: ضيقها؛ لأنه كذلك يَنْظُر، وقيل: الخَزَرُ: النَّظَرُ بمؤخِّر العين؛ يقال: هو أخزر، بيِّن الخزر]. فصل في بيان تحريم الخنزير أجمعت الأُمَّة على تحريم لحم الخنزير، قال مالك: إن حلف لا يأكل الشَّحم، فأكل لحماً لم يحنث بأكل اللحم، ولا يدخل اللحم في اسم الشَّحم؛ لأنَّ اللحم مع الشَّحم يسمَّى لحماً، فقد دخل الشَّحم في اسم اللَّحم، واختلفوا في إباحة خنزير الماء؛ قال القُرْطُبِيُّ: لا خلاف في أنَّ جملة الخنزير محرَّمةٌ، إلاَّ الشَّعر، فإنَّه يجوز الخرازة به. قوله: "وَمَا أُهِلَّ بِهِ": "مَا" موصولةٌ بمعنى "الَّذِي"، ومحلُّها: إمَّا النصبُ، وإمَّا الرفع؛ عطفاً على "المَيْتة" والرَّفع: إما خبر "إنّ"، وإما على الفاعلية؛ على حسب ما تقدم من القراءات؛ و"أُهِلَّ" مبنيٌّ للمفعول، والقائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور في "بِهِ" والضمير يعود على "ما" والباء بمعنى "في" ولا بد من حذف مضافٍ، أي: "في ذبحه"؛ لأن المعنى: "وما صِيحَ في ذَبْحِهِ لغير الله"، والإهلال: مصدر "أَهَلَّ"، أي: صَرَخَ. قال الأصْمعِيُّ: أصله رفع الصَّوت، وكلُّ رافعٍ صوته، فهو مهلٌّ. ومنه الهلالُ؛ لأنَّه يصرخ عند رؤيته، واستهلَّ الصبيُّ قال ابن أحمر: [السريع] شعر : 901 - يُهِلُّ بِالغَرْقَدِ غَوَّاصُهَا كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ تفسير : وقال النَّابِغَةُ: [الكامل] شعر : 902 - أَوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلَّ وَيَسْجُدِ تفسير : وقال القائل: [المديد] شعر : 903 - تَضْحَكُ الضَّبعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ وَتَرَى الذِّئْبَ لَهَا يَسْتَهِلُّ تفسير : وقيل للمحرم: مُهِلٌّ؛ لرفع الصوت بالتَّلبية، و"الذَّابح" مهلٌّ؛ لأنَّ العرب كانوا يسمُّون الأوثان عند الذَّبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها، فمعنى قوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ}، يعني: ما ذبح للأصنام، والطَّواغيت، قاله مجاهد، والضَّحَّاك وقتادة، وقال الرَّبيع ابن أنسٍ، وابن زيد: يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله. قال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذاالقول أولى؛ لأنَّه أشدُّ مطابقةً للَّفظ. قال العلماء: لو ذبح مسلم ذبيحةً، وقصد بذبحها التقرُّب إلى [غير] الله تعالى، صار مرتدّاً، وذبيحته ذبيحة مرتدٍّ، وهذا الحكم في ذبائح غير أهل الكتاب. أمَّا ذبائح أهل الكتاب، فتحلُّ لنا، لقوله تبارك وتعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 5]. فصل في اختلافهم في اقتضاء تحريم الأعيان الإجمال اختلفوا في التَّحريم المضاف إلى الأعيان، [هل يقتضي الإجمال؟ فقال الكَرْخيُّ: إنَّه يقتضي الإجمال، لأنَّ الأعيان] لا يمكن وصفها بالحل والحرمة، فلا بد من صرفها إلى فعل من الأفعال فيها، وهو غير محرَّم، فلا بُدَّ من صرف هذا التحريم إلى فعل خاصٍّ، وليس بعض الأفعال أولى من بعضٍ؛ فوجب صيرورة الآية الكريمة مجملةً. وأمَّا أكثر العلماء، فقالوا: إنَّها ليست بمجملةٍ، بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرُّف؛ قياساً على هذه الأجسام؛ كما أنَّ الذوات لا تملك، وإنَّما تُمْلَكُ التصرُّفات فيها، فإذا قيل: "فلانٌ يَمْلِكُ جاريةً"، فهم كلُّ أحدٍ أنه يملك التصرُّف فيها؛ فكذا هاهنا. فإن قيل: لم لا يجوز تخصيص هذا التَّحريم بالأكل؛ لأنَّه المتعارف من تحريم الميتة، ولأنَّه ورد عقيب قوله: {أية : كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 172]، ولقوله - عليه الصلاة والسلام - في خبر شاة ميمونة: "حديث : إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهُا " تفسير : فالجواب عن الأوَّل: لا نسلِّم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم الأكل. وعن الثَّاني: بأنَّ هذه الآية الكريمة مسألةٌ بنفسها؛ فلا يجب قصرها على ما تقدَّم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها. وعن الثَّالث: أنَّ ظاهر القرآن مقدَّم على خبر الواحد، هذا إذا لم نُجَوِّزْ تخصيص القرآن بخبر الواحد، فإن جوَّزناه، يمكن أن يجاب عنه؛ بأن المسلمين، إنَّما يرجعون في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية؛ فدلَّ انعقاد إجماعهم على أنَّها غير مختصَّة ببيان حرمة الأكل، وللسَّائل أن يمنع هذا الإجماع، والله تعالى أعلم. فإن قيل: كلمة "إنَّما" تفيد الحصر، فيقتصر على تحريم باقي الآية الكريمة، وقد ذكر في سورة المائدة هذه المحرمات، وزاد فيها: المنخنقة، والموقوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة، وما أكل السَّبع، فما معنى هذا الحصر؟ فالجواب: أنَّ هذه الآية متروكة العمل بظاهرها، وإن قلنا: إنَّ كلمة "إنَّما لا تفيد الحصر، فالإشكال زائلٌ. فصل في بيان مذاهب الفقهاء في الدباغ للفقهاء سبعة مذاهب في أمر الدباغ: فأولها: قول الزُّهريِّ: يجوز استعمال جلود الميتة بأسرها قبل الدِّباغ، ويليه داود، قال: تطهر كلُّها بالدِّباغ، ويليه مالكٌ؛ فإنه قال يطهر ظاهرها كلُّها دون باطنها، ويليه أبو حنيفة - رضي الله عنه - قال: يطهر كلها بالدِّباغ إلا جلد الخنزير، ويليه قول الإمام الشافعي - رضي الله عنه - قال: تطهر كلُّها بالدِّباغ إلاَّ جلد الكلب والخنزير، ويليه الأوزاعي، وأبو ثور، قالا: يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، ويليه أحمد بن حنبل، قال: لا يطهر منها شيء بالدباغ؛ واحتجَّ بالآية الكريمة، والخبر؛ أما الآية: فقوله تبارك وتعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [المائدة: 3] فأطلق التحريم، ولم يقيِّده بحالٍ دون حالٍ، وأمَّا الخبر: فقوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث عبد الله بن عُكَيم، لأنه قال: "أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وفَاتِهِ بِشَهْرٍ، أو شَهْرَيْنِ: أنِّي كَنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ في جُلُودِ المَيْتَةِ، فَإذَا أَتَاكُمْ كِتَابي هَذَا، فَلاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإِهَابٍ، وَلاَ عَصَبٍ". واختلفوا في أنَّه، هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازيِّ، والبهيمة؟ فمنهم: من منع منه؛ وقال: لأنَّه انتفاعٌ بالميتة، والآية الكريمة دالَّةٌ على تحريم الانتفاع بالميتة، فأمَّا إذا أقدم البازيُّ من عند نفسه على أكل الميتة، فهل يجب عليه منعه، أم لا؟ فيه احتمالٌ: فصل اختلافهم في حرمة الدِّماء غير المسفوحة حرَّم جمهور العلماء الدَّم، سواءٌ كان مسفوحاً، أو غير مسفوحٍ، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -:[دمٌ السَّمك ليس بمحرَّم. حجَّة الجمهور: ظاهر هذه الآية الكريمة، وتمسَّك أبو حنيفة - رضي الله عنه -] بقوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً}تفسير : [الأنعام: 145] فصرَّح بأنَّه لم يجد من المحرمَّات شيئاً، إلاّ ما ذكر، فالدَّم الذي لا يكون مسفوحاً، وجب ألاَّ يكون محرَّماً؛ لأنَّ هذه الآية الكريمة خاصَّة، وتلك عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِّ. وأُجيب بأنَّ قوله "لا أجِدُ" ليس فيه دلالةُ على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية، بل على أنَّه تعالى ما بيَّن له إلاَّ تحريم هذه الأشياء، وهذا لا ينافي أن يبيِّن له بعد ذلك تحريم شيءٍ آخر، فلعلَّ قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [المائدة: 3] نزلت بعد ذلك، فكان ذلك بياناً لتحريم الدَّم مسفوحاً، أو غير مسفوح. وإذا ثبت هذا، وجب الحكم بحرمة جميع الدِّماء، ونجاستها، فيجب إزالة الدَّم عن اللَّحم ما أمكن، وكذا في السَّمك، وأيُّ دمٍ وقع في الماء، أو الثَّوب، فإنه ينجس ذلك المورود. واختلفوا في قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام-: "حديث : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ"تفسير : ، هل تسمية الكبد والطِّحال دماً حقيقةٌ، أم تشبيه. فصل في شراء الخنزير، وأكل خنزير الماء أجمعت الأُمَّة على أنَّ الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنَّما ذكر الله تبارك وتعالى لحمه؛ لأن معظم الانتفاع متعلِّق به، واختلفوا في أنَّه هل يجوز أن يشترى؟ فقال أبو حنيفة، ومحمد: يجوز، وقال الشافعيُّ: لا يجوز، وكره أبو يوسف - رحمه الله تعالى - الخزز به، وروي عنه الإباحة. واختلفوا في خنزير الماء، فقال ابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، والأوزاعيُّ: لا بأس بأكل شيءٍ يكون في البحر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل. حجَّة الشافعيِّ قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}تفسير : [المائدة: 96] وحجَّة أبي حنيفة: أنَّ هذا خنزير، فيدخل في آية التَّحريم. قال الشَّافِعيُّ - رضي الله عنه -: إذا أطلق الخنزير، لم يتبادر إلى الفهم لحم السَّمك، بل غير السَّمك بالاتِّفاق، ولأنَّ خنزير الماء لا يسمَّى خنزيراً على الإطلاق، بل يسمَّى خنزير الماء. فصل من الناس: من زعم أنَّ المراد بـ{وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} ذبائحُ عَبَدَةِ الأوثان على النصب، قال ابن عطيَّة - رضي الله عنه -: رأيتُ في أخبار الحسن بن أبي الحسن: أنه سئل عن امرأة مترفهة صنعت للعبها عرساً، فذبحت جزوراً، فقال الحسن - رضي الله عنه -: لا يحلُّ أكلها، فإنها نحرت لصنم، وأجازوا ذبيحة النَّصارى، إذا سمَّوا عليها باسم المسيح، وهو مذهب عطاء، ومكحول، والحسن، والشَّعبيِّ، وسعيد بن المسيِّب. وقال مالكٌ، الشافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة لا يحل كل ذلك، لأنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فوجب أن يحرم. قال عليُّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: إذا سمعتم اليهود والنصارى يلهُّون لغير الله، فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم، فكلوا، فإنَّ الله تبارك وتعالى، قد أحلَّ ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون؛ واحتجَّ المخالف بقوله تبارك وتعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 5] وهذا عامٌّ، وبقوله: {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}تفسير : [المائدة: 3] فدلَّت هذه الآية الكريمة على أنَّ المراد بقوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} هو المراد بـ{وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}، ولأن النَّصارى، إذا سمَّوا الله تعالى، فإنَّما يريدون به المسيح، فإذا كانت إرادتهم لذلك، لم تمنع حلَّ ذبيحتهم، مع أنَّه يهلُّ به لغير الله تعالى، فكذلك ينبغي أن يكون حكمه، إذ ظهر ما يضمره عند ذكر الله تعالى في إرادته المسيح. والجواب عن الأوَّل: أن قوله تعالى:{أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 5] عامٌّ، وقوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّه} خاصٌّ، والخاصُّ مقدَّم على العامِّ. وعن الثاني أن قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} لا يقتضي تخصيص قوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ}؛ لأنهما آيتان متباينتان. وعن الثالث: إنَّما كُلِّفنا بالظَّاهر، لا بالباطن، فإذا ذبحه على اسم الله تعالى، وجب أن يحلَّ، ولا سبيل لنا إلى الباطن. قوله: "فَمَنِ اضْطُرَّ" في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أن تكون شرطيةً. والثاني: أن تكون موصُولةً بمعنى "الذي". فعلى الأوَّل: يكون "اضطُرَّ" في محلِّ جزم بها، وقوله: {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} جواب الشرط، والفاء فيه لازمةٌ. وعلى الثاني: لا محلَّ لقوله "اضْطُرَّ" من الإعراب، لوقوعه صلةً، ودخلت الفاء في الخبر؛ تشبيهاً للموصول بالشَّرط، ومحلُّ {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} الجزم على الأوَّل، والرفع على الثاني. والجمهور على "اضْطُرَّ" بضمِّ الطاء، وهي أصلها، وقرأ أبو جعفر بكسرها؛ لأنَّ الأصل "اضْطُرِرَ" بكسر الراء الأولى، فلمَّا أدغمت الراء في الرَّاء، نقلت حركتها إلى الطَّاء بعد سلبها حركتها، وقرأ ابن مُحَيْصِن: "اطُّرَّ" بإدغام الضَّاد في الطَّاء، وقد تقدَّم الكلام في المسألة هذه عند قوله: {أية : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ}تفسير : [البقرة: 126]. وقرأ أبو عَمْرٍو، وعاصمٌ، وحمزة بكسر نون "مَنِ" على أصل التقاء الساكنين، وضمَّها الباقون؛ إتباعاً لضمِّ الثالث. وليس هذا الخلاف مقصور على هذه الكلمة، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين؛ وضُمَّ الثالث ضمَّاً لازماً نحو: {أية : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ}تفسير : [الأنعام: 10] {أية : قُلِ ٱدْعُواْ}تفسير : [الإسراء: 110]، {أية : وَقَالَتِ ٱخْرُجْ}تفسير : [يوسف: 31]، جرى الخلاف المذكور، إلاَّ أنَّ أبا عمرو خرج عن أصله في {أية : أَو}تفسير : [المزمل: 3] و {أية : قُلِ ٱدْعُواْ}تفسير : [الإسراء: 110] فضمَّهما، وابن ذكوان خرج عن أصله، فكسر التنوين خاصَّة؛ نحو {أية : مَحْظُوراً ٱنظُرْ}تفسير : [الإسراء: 20 - 21] واختلف عنه في {أية : بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُواْ}تفسير : [الأعراف: 49]{أية : خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ}تفسير : [إبراهيم: 26] فمن كسر، فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضمَّ، فللإتباع، وسيأتي بيان الحكمة في ذلك. عند ذكره، إن شاء الله - تعالى - والله أعلم. قوله: "غَيْرَ باغٍ": "غَيْرَ": نصب على الحال، واختلف في صاحبها: فالظاهر: أنه الضمير المستتر [في "اضْطُرَّ"]، وجعله القاضي، وأبو بكر الرازيُّ من فاعل فعل محذوف بعد قوله "اضْطُرَّ"؛ قالا: تقديره: "فَمَنَ اضْطُرَّ فَأَكَلَ غَيْرَ بَاغٍ"؛ كأنهما قصَدَا بذلك أن يجعلاه قيداً في الأكل لا في الاضطرار. قال أبو حيَّان: ولا يتعيَّن ما قالاه؛ إذ يحتمل أن يكون هذا المقدَّر بعد قوله {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} بل هو الظاهر والأولى؛ لأنَّ في تقديره قبل "غَيْرَ بَاغٍ" فصلاً بين ما ظاهره الاتصال فيما بعده، وليس ذلك في تقديره بعد قوله: "غَيْرَ بِاغٍ". و"عَادٍ": اسم فاعل من: عَدَا يَعْدُو، إذا تجاوز حدَّه، والأصل: "عَادِوٌ" فقلب الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها؛ كغاز من الغزو، وهذا هو الصحيح؛ وقيل: إنَّه مقلوب من، عاد يعود، فهو عائدٌ، فقدِّمت اللام على العين، فصار اللَّفظ "عَادِوٌ" فأعلَّ بما تقدَّم، ووزنه "فَالِعٌ"؛ كقولهم: "شَاكٍ" في "شَائِكٍ" من الشَّوكة، و"هارٍ"، والأصل "هَائِر"، لأنَّه من: هَارَ يَهُورُ. قال أبُو البَقَاءِ - رحمه الله تعالى -: "ولو جاء في غير القرآن الكريم منصوباً، عطفاً على موضع "غَيْرَ" جاز"، يعني: فكان يقال: "وَلاَ عَادِياً". قوله: "اضْطُرَّ" أُحْوِجَ وأُلْجِىءَ، فهو: "افْتُعِلَ" من الضَّرورة، وأصله: من الضَّرر، وهو الضِّيق، وهذه الضَّرورة لها سببان: أحدهما: الجوع الشَّديد، وألاَّ يجد مأكولاً حلالاً يسدُ به الرَّمَق، فيكون عند ذلك مضطراً. والثاني: إذا أكره على تناوله. واعلم أنَّ الاضطرار ليس من فعل المكلَّف؛ حتى يقال: إنَّه لا إثم عليه، فلا بدَّ من إضمارٍ، والتقدير: "فَمَن اضْطُرَّ، فأكَلَ، فلا إِثْمٍ عَلَيْه" ونظيره: {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}تفسير : [البقرة: 184]، فحذف "فأَفْطَرَ"، وقوله تعالى {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ}تفسير : [البقرة: 196] وإنما جاز الحذف؛ لعلم المخاطب به، ودلالة الخطاب عليه. والبغي: أصله في اللغة الفساد. قال الأصمعيُّ: يقال: بغى الجرح بغياً: إذا بدأ في الفساد، وبغت السماء، إذا كثر مطرها، والبغي: الظلم، والخروج عن الإنصاف؛ ومنه قوله تبارك وتعالى {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}تفسير : [الشورى: 39] وأصل العدوان: الظُّلم، ومجاوزة الحد. فصل اختلفوا في معنى قوله {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} فقال بعضهم: "غَيْرَ بَاغٍ" أي غير خارجٍ على السُّلطان، و"لاَ عَادٍ" أي: متعدٍّ بسفره، أعني: عاص بأن خرج لقطع الطَّريق، والفساد في الأرض، وهو قول ابن عباس، ومجاهدٍ، وسعيد بن جبير. وقالوا: لا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل الميتة، إذا اضطر إليها، ولا أن يترخَّص في السَّفر بشيءٍ من الرُّخص؛ حتى يتوب، وذهب جماعة إلى أن البغي والعدوان راجعان إلى الأكل، واختلفوا في معناه. فقال الحسن، وقتادة، والرَّبيع، ومجاهد، وابن زيد: أي: يأكل من غير ضرورة أي: بغي في أكله "ولاَ عَادٍ"، أي: ولا يعدو لشبعه. وقيل: "غَيْرَ بِاغٍ" أي: غير طالبها، وهو يجد غيرها، "وَلاَ عَادٍ"، أي: غير متعدٍّ ما حد له، فيأكل حتَّى يشبع، ولكن يأكل ما يسدُّ رمقه. وقال مقاتل: "غَيْرَ بَاغٍ" أي: مستحلٌّ لها، "وَلاَ عَادٍ" أي: يتزوَّد منها، وقيل: "غَيْرَ بَاغٍ"، أي: مجاوز للحدٍّ الذي أُحِلَّ له، "وَلاَ عَادٍ" أي: لا يقصِّر فيما أبيح له فيدعه. قال مسروقٌ: من اضطُرَّ إلى الميتة، والدم، ولحم الخنزيرن فلم يأكل، ولم يقرب، حتى مات، دخل النَّار. وقال سهل بن عبد الله: "غَيْرَ بَاغٍ": مفارقٍ للجماعة، "ولاَ عَادٍ"، أي: ولا مبتدعٍ مخالف السنة، ولم يرخِّص للمبتدع تناول المحرَّم عند الضرورة. فإن قيل: الأكل في تلك الحالة واجبٌ، وقوله: {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} أيضاً يفيد الإباحة، وأيضاً: فإنَّ المضْطَرَّ كالمُلْجَأ إلى الفعل، والملجأ لا يوصف بأنَّه لا إثم عليه. فالجواب: أنَّا قد بينَّا عند قوله {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}تفسير : [البقرة: 158]: أنَّ نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب، والمندوب، والمباح، وأيضاً: قوله تبارك وتعالى: {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ}: معناه: رفع الحرج والضِّيق. واعلم: أنَّ هذا الجائع، إن حصلت فيه شهوة الميتة، ولم يحصل له فيه النُّفرة الشَّديدة، فإنَّه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرَّمق، وكما يصير ملجأً إلى الهرب من السَّبع، إذا أمكنه ذلك، أمَّا إذا حصلت ألنُّفرة، فإنَّه بسبب تلك النُّفرة، يخرج عن أن يكون ملجأً، ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النِّفار. فإن قيل: قوله تبارك وتعالى: {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} يناسب أن يقال بعده: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإنَّ الغفران، إنَّما يذكر عند حصول الإثم. فالجواب من وجوه: أحدها: أن المقتضي للحرمة قائم في الميتة والدَّم إلاَّ أنه زالت الحرمة؛ لقيام المعارض، فلمَّا كان تناوله تناولاً لما حصل فيه المقتضي للحرمة، عبَّر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنَّه رحيم، يعني: لأجل الرحمة عليكم، أبحت لكم ذلك. وثانيها: لعل المضطرَّ يزيد على تناول قدر الحاجة. وثالثها: ان الله تعالى، لمَّا بيَّن هذه الأحكام، عقَّبها بقوله تعالى: "غَفُورٌ" للعصاة، إذا تابوا، "رَحِيمٌ" بالمطيعين المستمرِّين على منهج الحكمة فصل في معنى المضطر قال الشافعيُّ - رضي الله عنه -: قوله تعالى {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} معناه: أن كل من كان مضطرّاً لا يكون موصوفاً بصفة البغي، ولا بصفة العدوان ألبتَّة، فأكل؛ فلا إثم عليه. وقال أبو حنيفة: معناه: "فمن اضْطُرَّ فأَكَلَ غَيْرَ بِاغٍ، ولا عادٍ في الأكلِ، فلا إثْمَ عَلَيْه" فخصَّص صفة البغي والعدوان بالأكل، ويتفرَّع على هذا الخلاف، هل يترخَّص العاصي بسفره، أم لا؟ فقال الشافعيُّ: لا يترخَّص؛ لأنَّه يوصف بالعدوان: فلا يندرج تحت الآية الكريمة. وقال أبو حنيفة: يترخَّص؛ لأنَّه مضطرٌّ، وغير باغٍ، ولا عادٍ في الأكل، فيندرج تحت الآية. احتجَّ الشافعي - رضي الله عنه - بأنَّ الله تعالى حرم هذه الأشياء على الكُلِّ، ثم أباحها للمضطرِّ الموصوف بأنَّه غير باغٍ، ولا عادٍ، والعاصي بسفره غير موصوفٍ بهذه الصفة؛ لأنَّ قولنا: "فلانٌ ليس بمتعدٍّ" نقيضٌ لقولنا: "فلانٌ متعدٍّ"، وقولنا: "فُلاَنٌ متعدٍّ" يكفي في صدقه كونه متعدِّياً لأمر من الأمور، سواء كان في سفرٍ، أو أكلٍ، أو غيرهما، وإذا صدق عليه اسم التعدِّي بكونه متعدِّياً في شيء من الأشياء فإن قولنا "غَيْرَ بِاغٍ، وَلاَ عَادٍ" لا يصدق إلاَّ إذا انتفى عنه صفة التعدِّي من جميع الوجوه، والعاصي بسفره متعدٍّ بسفره، فلا يصدق عليه كونه "غَيْرَ بِاغٍ وَلاَ عَادٍ"، فيجب بقاؤه تحت التَّحريم. فإن قيل: يشكل بالعاصي في سفره؛ فإنَّه يترخَّص مع أنَّه موصوف بالعدوان. والجواب: أنَّه عامٌّ دخله التخصيص في هذه الصُّورة، ثم الفرق بينهما: أنَّ الرخصة إعانة على السَّفر، فإذا كان السَّفر معصيةً، كانت الرخصة إعانةً على المعصية، وإذا لم يكن السَّفر معصيةً في نفسه، لم تكن الإعانة عليه إعانةً على المعصية، فافترقا. فإن قيل: قوله تعالى "غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ" شرطٌ، والشرط بمنزلة الاستثناء؛ في أنه لا يستقلُّ بنفسه، فلا بدَّ من تعلُّقه بمذكورٍ، ولا مذكور إلاَّ الأكل؛ لأنَّا بيَّنَّا أنَّ قوله تعالى: "غَيْرَ بِاغٍ وَلاَ عَادٍ" لا يصدق عليه إلاَّ إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور، فيدخل فيه نفي العدوان بالسَّفر ضمناً، ولا نقول: اللفظ يدلُّ على التعيين. وأمَّا تخصيصه بالأكل: فهو تخصيصٌ من غير ضرورةٍ، ثمَّ الذي يدلُّ على أنَّه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوهٌ: أحدها: أنَّ قوله "غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ" حالٌ من الاضطرار؛ فلا بدَّ وأن يكون وصف الاضطرار باقياً، مع بقاء كون: "غَيْرَ بِاغٍ وَلاَ عَادٍ" حالاً من الاضطرار، فلو كان المرادُ بقوله: "غَيْرَ بَاغٍ، وَلاَ عَادٍ" كونه كذلك في الأكل - لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه؛ لأنَّه حال الأكل، لا يبقى معه حال الاضطرار. ثانيها: ان الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم، وإذا كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي، فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة. وثالثها: أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها، والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية. وكذلك العدوان بالسفر فرد آخر من أفرادها فإذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات، فتخصيصه بالأكل غير جائز. وثالثها: قوله تبارك وتعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [المائدة: 3] فبيَّن في هذه أن المضطرَّ إنما يترخَّص، إذا لم يكن متجانفاً لإثم، وهذا يؤيِّد ما قلناه من أن الآية الكريمة تقتضي ألاَّ يكون موصوفاً بالبغي والعدوان في أمر من الأمور. احتجَّ أبو حنيفة - رضي الله عنه -، بوجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 119]. وهذا مضطرٌّ؛ فوجب أن يترخَّص. وثانيها: قوله تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}تفسير : [النساء: 29]{أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}تفسير : [البقرة: 195]، والامتناع من الأكل سبب في قتل النَّفس، وإلقاء بها إلى التهلكة؛ فوجب أن يحرَّم. وثالثها: أنه - عليه الصلاة والسلام - رخَّص للمقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاث أيَّامٍ ولياليهنَّ، ولم يفرق بين العاصي وغيره. رابعها: أنَّ العاصي بسفره، إذا كان نائماً، فأشرف على غرقٍ، أو حرقٍ، يجب على الحاضر الَّذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه، فلأن يجب عليه في هذه الصورة: أن يسعى في إنقاذ مهجته أولى. وخامسها: أن العاصي بسفره له أن يدفع عن نفسه أسباب الهلاك؛ من الحيوانات الصَّائلة عليه، والحيَّة، والعقرب، بل يجب عليه، فكذا ههنا. سادسها: أَنَّ العَاصِي بسَفَرهِ، إذا اضطُرَّ، فلو أباح له رجُلٌ شيئاً من ماله، فله أَخذُهُ، بل يجب دفع الضَّرر عن النَّفْس. [سابعها: أَنَّ التوبةَ أَعْظَمُ في الوُجُوب وما ذاكَ إِلا لدفع ضررِ النَّار عن النَّفس]، وهي أعظمُ من كُلِّ ما يدفع المؤمنُ من المضارِّ عن نفسه؛ فلذلك دفع ضرر الهلاكِ عن نفسه لهذا الأكلِ، وإن كان عاصياً. وثامنها: أَنَّ الضرورة تبيحُ تناولَ طعامِ الغَيْر من دون رضَاهُ، بل على سَبيل القَهْر، وهذا التناوُلُ يَحْرُم لولا الاضطرارُ، فكذا ههنا. وأُجيبُ عن التمسُّك بالعُمُومات؛ بأَنَّ دليلنا النَّافي للترخّص أخصُّ دلائِلِهِمُ المرخِّصة والخاصُّ متقدَّم على العامِّ، وعن الوجوه القياسيَّة بأنه يمكنُه الوصُول إِلى استباحةِ هذه الرخص بالتَّوبة، فإذا لم يتُبْ، فهو الجانِي على نَفْسه، ثم تُعَارَضُ هذه الوجوهُ: بأنَّ الرخصة إِعَانَةٌ على السَّفَر، فإذا كان السَّفر معصيةً، كانت الرخصةُ إِعَانَةً على المعصية، والمعصية ممنوعٌ منها، والإعَانَةُ سعيٌ في تحصيلها؛ فالجمع بينهما مُتناقضٌ. فصل في اختلافهم في اختيار المضطرِّين المحرَّمات اختلفُوا في المضطرِّ، إذا وجد كلَّ ما يضطرُّ مِنَ المحرَّمات. فالأكثرون على أنَّه مخيَّر بين الكُلِّ، ومنهم من قال: يتناوَلُ الميتة، دون لَحْم الخنزير ويعد لحم الخنزير أَعظَمَ في التَّحريم.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال ". تفسير : أما قوله تعالى: {وما أهل به} الآية. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وما أهل} قال: ذبح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وما أهل به لغير الله} يعني ما أهلّ للطواغيت. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {وما أهل} قال: ما ذبح لغير الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية {وما أهل به لغير الله} يقول: ما ذكر عليه اسم غير الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فمن اضطر} يعني إلى شيء مما حرم {غير باغ ولا عاد} يقول: من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {غير باغ} قال: في الميتة. قال: في الأكل. وأخرج سفيان بن عيينة وآدم بن أبي إياس وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في المعرفة وفي السنن عن مجاهد في قوله {غير باغ ولا عاد} قال: غير باغ على المسلمين ولا متعد عليهم، من خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقاً للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله، فاضطر إلى الميتة لم تحل له. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} قال: العادي الذي يقطع الطريق لا رخصة له {فلا إثم عليه} يعني في أكله حين اضطر إليه {إن الله غفور} يعني لما أكل من الحرام {رحيم} به إذ أحل له الحرام في الاضطرار. وأخرج وكيع عن إبراهيم والشعبي قالا: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قدر ما يقيمه. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مسروق قال: من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فتركه تقذراً ولم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} قال: غير باغ في أكله ولا عاد بتعدي الحلال إلى الحرام، وهو يجد عنه بلغة ومندوحة.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} أي أكلها والانتفاعَ بها وهي التي ماتت على غير ذَكاةٍ، والسمكُ والجرادُ خارجان عنها بالعُرف أو باستثناء الشرعِ كخروج الطحال من الدم {وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} إنما خُصّ لحمُه مع أن سائر أجزائه أيضاً في حكمه لأنه معظمُ ما يؤكل من الحيوان، وسائرُ أجزائِه بمنزلة التابع له {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} أي رُفِعَ به الصوتُ عند ذبحه للصنم، والإهلالُ أصلُه رؤيةُ الهلالِ لكن لما جرت العادةُ برفع الصوتِ بالتكبـير عندها سمِّي ذلك إهلالاً ثم قيل: لرفع الصوت وإن كان لغيره {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} بالاستئثار على مضطر آخرَ {وَلاَ عَادٍ} سدَّ الرمق والجَوْعة وقيل: غير باغ على الوالي ولا عادٍ بقطع الطريق وعلى هذا لا يُباح للعاصي بالسفر وهو ظاهرُ مذهب الشافعي وقولُ أحمدَ رحمهما الله {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} في تناوله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بالرخصة، إن قيل كلمة إنما تفيد قصرَ الحُكمِ على ما ذُكر وكم من حرام لم يُذكَرْ قلنا: المرادُ قصرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحلوه لا مطلقاً، أو قصرُ حرمتِه على حالة الاختيارِ كأنه قيل: إنما حُرِّم عليكم هذه الأشياءُ ما لم تضطروا إليها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكامُ المحلَّلات والمحرَّمات حسبما ذكر آنفاً. وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما: نزلت في رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبـي صلى الله عليه وسلم {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أي يأخذون بدلَه {ثَمَناً قَلِيلاً} عِوَضاً حقيراً، وقد مر سرُّ التعبـير عن ذلك بالثمن الذي هو وسيلة في عود المعاوضة، وقولُه تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة من الوصفَين الشنيعين المميَّزين لهم عمن عداهم أكملَ تميـيز الجاعلَيْن إياهم بحيث كأنهم حُضّارٌ مشاهِدون على ما هم عليه، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بغاية بُعدِ منزلتِهم في الشر والفساد، وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} والجملةُ خبرٌ لإن، أو اسمُ الإشارة مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأول والخبر ما يأكلون الخ ومعنى أكلِهم النارَ أنهم يأكلون في الحال ما يستتبِعُ النار ويستلزمُها فكأنه عينُ النار، وأكلُه أكلُها كقوله: شعر : أكلتُ دماً إن لم أَرُعْكِ بضَرَّة بعيدةِ مَهوىٰ القُرط طيّبةِ النشْرِ تفسير : أو يأكلون في المآل يوم القيامة عينَ النار عقوبةً على أكلهم الرِّشا في الدنيا و(في بطونهم) متعلقٌ بـيأكلون وفائدتُه تأكيدُ الأكلِ وتقريرُه ببـيان مقرِّ المأكول، وقيل: معناه ملءَ بطونهم كما في قولهم: أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه ومنه «كُلوا في بعض بطنِكم تعفّوا» فلا بد من الالتجاء إلى تعليقه بمحذوف وقعَ حالاً مقدّرة من النار مع تقديمه على حرف الاستثناء وإلا فتعليقُه بـيأكلون يؤدّي إلى قصْر ما يأكلونه إلى الشبع على النار والمقصود قصرُ ما يأكلونه مطلقاً عليها {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} عبارة عن غضبه العظيم عليهم وتعريضٌ بحرمانهم ما أتيح للمؤمنين من فنون الكرامات السنية والزلفى {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} لا يُثني عليهم {وَلَهُمْ} مع ما ذكر {عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم.
القشيري
تفسير : حرَّم على الظواهر هذه المعدودات وهي ما أهل به لغير الله، وحرَّم على السرائر صحبة غير الله بل شهود غير الله، فمن اضطر - أي لم يجد إلى الاستهلاك في حقائق الحق وصولاً - فلا يَسْلكَنَّ غير سبيل الشرع سبيلاً، فإما أن يكون محواً في الله، أو يكون قائماً بالله، أو عاملاً لله، والرابع همجٌ لا خَطَرَ له.
البقلي
تفسير : {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} اى من سار فى بيداء الحقيقة بنعت سباحة الروح الناطقة فى بحرا الازلية عند بدو ارادة المعرفة واحترق جسم نفس الامارة فى نيران المحبة ويخاف ان يتلاشى في سطوات بسط العظمة فيجوز له بعد اضطراره وهذه الصفة فى مهمة الوحدانية ان يتناول من حطام الدنيوية لبقاء الصورة لا جرم على العارف ما دام فى مقام العبودية وعجز البشرية ان يستانس بمستحسنات المحدثات ملتفتا بنعت اقتباس انوار الالوهية من عالم الشواهد {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} ساتر تهمة الحديثة بنور الازلية لاهل المعرفة {رَّحِيمٌ } بهم بان يخرجهم من ظلمات الانسانينة الى نور الصمدية.
اسماعيل حقي
تفسير : {إنما حرم عليكم الميتة} اى ما مات بغير ذكاة مما يذبح والسمك والجراد مستثنيان بالعرف لانه اذا قيل فلان اكل ميتة لم يسبقا الى الفهم ولا اعتبار للعادة قالوا من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث وان اكل لحما فى الحقيقة قال الله تعالى {أية : لتأكلوا منه لحما طريا} تفسير : [النحل: 14]. والمراد بتحريم الميتة تحريم اكلها وشرب لبنها او الانتفاع بها لان الاحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال دون الاعيان {والدم} الجارى والكبد والطحال مستثنيان ايضا بالعرف فهما حلالان {ولحم الخنزير} قد انعقد الاجماع على ان الخنزير حرام لعينه فيكون جميع اجزائه محرما وانما خص الله لحمه بالذكر لانه معظم ما ينتفع به من الحيوان فهو الاصل وما عداه تبع له {وما أهل به لغير الله} اى وحرم ما رفع به الصوت عند ذبحه للصنم واصل الاهلال رفع الصوت وكانوا اذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون اصواتهم بذكرها ويقولون باسم اللات والعزى فجرى ذلك من امرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر بالتسمية مهل. قال العلماء لو ذبح مسلم ذبيحة وقصد بها التقرب الى غير الله صار مرتدا وذبيحته ميتة وذبائح اهل الكتاب تحل لنا لقوله تعالى {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} تفسير : [المائدة: 5]. الا ان سموا غير الله فانها حينئذ لا تحل لهذه الآية فان قوله تعالى {أية : وطعام الذين} تفسير : [المائدة: 5] الخ عام. وقوله {وما أهل به لغير الله} خاص مقدم على العام {فمن} يحتمل ان تكون شرطية وموصولة {اضطر} اى احوج وألجئ الى اكل شىء مما حرم الله بان لا يجد غيرها وجد ان الاضطرار ان يخاف على نفسه او على بعض اعضائه التلف {غير} نصب على الحال فانه اذا صلح فى موضع لا فهو حال وان صلح فى موضع الا فهو استثناء والا فهو صفة وذو الحال ههنا فاعل فعل محذوف بعد قوله اضطر تقديره فمن اضطره احد امرين الى تناول شىء من هذه المحرمات احدهما الجوع الشديد مع عدم وجدان مأكول حلال يسد رمقه وثانيهما الاكراه على تناوله فتناول واكل حال كونه غير {باغ} على مضطر آخر بأن حصل ذلك المضطر الآخر من الميتة مثلا قدر ما يسد به جوعته فأخذه منه وتفرد بأكله وهلك الآخر جوعا وهذا حرام لان موت الآخر جوعا ليس اولى من موته جوعا {ولا عاد} من العدو وهو التعدى والتجاوز فى الامر لما حد له فيه اى غير متجاوز حد الشبع عند الاكل بالضرورة بان يأكل قدر ما يحصل به سد الرمق والجوعة {فلا إثم عليه} فى تناوله عند الضرورة {ان الله غفور} لما اكل فى حال الاضطرار {رحيم} بترخيصه ذلك ولم يذكر فى هذه الآية سائر المحرمات لانها ليست لحصر المحرمات بل هذه الآيات سيقت لنهيهم عن استحلال ما حرم الله وهم كانوا يستحلون هذه الاشياء فكانوا يأكلون الميتة ويقولون تأكلون ما امتم ولا تأكلون ما اماته الله وكذا يأكلون الدم ولحم الخنزير وذبائح الاصنام فبين انه حرمها فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا. وقيل ذكر الميتة يتناول المتردية وهى الساقطة فى بئر او ماء او من علو والمنخنقة وهى ما اختنق بالشبكة او بحبل او خنق خانق والموقوذة وهى المضروبة بالخشب والنطيحة وهى المنطوحة وما اكل السبع ومتروك التسمية عمدا ونحوها ويكره عشرة من الحيوان الدم والغدة والقبل والدبر والذكر والخصيتان والمرارة والمثانة ونخاع الصلب. اما الدم فلقول تعالى {أية : حرمت عليكم الميتة والدم} تفسير : [المائدة: 3] واما ما سواه فلانها من الخبائث. قال الشيخ الشهير بأفتاده افندى ذكر ان النبى عليه السلام لم يأكل الطحال ولا الكلية ولا الثؤم وان لم يمنع عن اكلها فالاولى ان لا تؤكل اقتفاء لاثره ثم قيل فى وجهه ان المنى اذا نزل لم ينزل الا بعد اتصاله بالكلية. واما الطحال فلأنه من اطعمة اهل النار كذا فى واقعات الهدائى قدس سره ومن امتنع من الميتة حال المخمصة او صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوى حتى مات فانه لا يأثم لانه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج. وذكر فى الاشباه والنظائر انه يرخص للمريض التداوى بالنجاسات وبالخمر على احد القولين واختار قاضى خان عدمه واساغة اللقمة بها اذا غص اتفاقا على ما نص عليه فى الخانية وما قال الصدر الشهيد من ان الاستشفاء بالحرام حرام فهو غير مجرى على اطلاقه لان الاستشفاء بالمحرم انما لا يجوز اذا لم نعلم ان فيه شفاء واما اذا علم ذلك وليس له دواء آخر غيره يجوز له الاستشفاء به ومعنى قول ابن مسعود رضى الله عنه ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم يحتمل ان عبد الله قال ذلك فى داء عرف له دواء غير محرم لانه حينئذ يستغنى بالحلال. عن الحرام وفى التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوى اذا اخبره طبيب مسلم ان شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه كذا فى شرح الاربعين حديثا لعلامة الروم ابن الكمال. والاشارة فى قوله تعالى {إنما حرم عليكم الميتة} انه كما حرم على الظواهر هذه المعهودات حرم على البواطن شهود غير الله فالميتة هى جيفة الدنيا {والدم} هى الشهوات النفسانية قال عليه السلام "حديث : ان الشيطان ليجرى فى ابن آدم مجرى الدمbr>". تفسير : ولولا ان الشهوات فى الدم مستكنة لما كان للشيطان اليه سبيل ولهذا قال عليه السلام "حديث : سددوا مجارى الشيطان بالجوعbr>". تفسير : لان الجوع يقطع مادة الشهوات {ولحم الخنزير} اشارة الى هوى النفس وتشبيه النفس بالخنزير لغاية حرصها وشرهها وخستها والخيرات المالية من غير اخلاص لله وفى الله بل للرياء والسمعة فى سبيل الهوى {فمن اضطر} اما لضرورة الحاجة النفسانية واما لضرورة امر الشرع باقامة احكام الواجبات عليه فليشرع فى شىء مما اضطر اليه {غير باغ} اى غير حريص على الدنيا وجمعها من الحرام والحلال وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال وغير مقبل الى استيفاء حظوظ النفس فى الحرام والحلال وغير مواظب على الرياء فى الطاعات والخيرات من السنن والبدع {ولا عاد} اى غير متجاوز من الدنيا حد القناعة وهى ما يسد الجوعة ويستر العورة {فلا إثم عليه} على من قام بهذه الشرائط {إن الله غفور رحيم} يغفر للعاملين له بآثار الرحمة والقائمين به بانوار الرحمة والماحين فيه باوصاف الرحمة التقطته من التأويلات النجمية. والغفور والغفار هو الذى اظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التى سترها باسباب الستر عليها فى الدنيا والتجاوز عن عقوبتها فى الآخرة وحظ العبد من هذا الاسم ان يستر من غيره ما يحب ان يستر منه وقد قال عليه السلام "حديث : من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامةbr>". تفسير : والمغتاب والمتجسس والمكافىء على الاساءة بمعزل عن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق الله الا احسن ما فيه كما روى عن عيسى عليه السلام انه مر مع الحواريين بكلب قد غلب نتنه فقالوا ما انتن هذه الجيفة فقال عليه السلام ما احسن بياض اسنانها تنبيها على ان الذى ينبغى ان يذكر من كل شىء ما هو احسن كذا فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى قدس سره.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ نافع وابن عامر، وابن كثير، والكسائي - بضم نون - {فمن اضطر} الباقون بكسرها. اللغة والاعراب: لفظة إنما تفيد إثبات الشيء، ونفي ما سواه كقول الشاعر: شعر : وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي تفسير : ومعناه لا يدافع غيري، وغير من هو مثلي، وهو قول الزجاج، والفراء، والرماني، والطبري، وأكثر أهل التأويل. وإنما كانت لاثبات الشيء، ونفي ما سواه، من قبل أنها لما كانت (إن) للتأكيد، ثم ضم إليها (ما) للتأكيد ايضاً، أكدت (إن) من جهة التحقيق للشيء، وأكدت (ما) من جهة نفي ما عداه، فكأنك اذا قلت: إني بشر، فالمعنى أنا بشر على الحقيقة، فاذا قلت: إنما أنا بشر، فقد ضممت إلى هذا القول ما أنا إلا بشر. وتقدير قوله تعالى: {إنما حرّم عليكم الميتة} ما حرم عليكم إلا الميتة. ولو كانت (ما) بمعنى الذي، لكتبت مفصولة، ومثله قوله تعالى: {أية : إنما الله إله واحد}تفسير : أي لا إله إلا واحد، ومثله {أية : إنما أنت منذر}تفسير : أي لا نذير إلا أنت ومثله إنما ضربت أخاك أي ما ضربت إلا أخاك. فاذا ثبت ذلك، فلا يجوز في الميتة إلا النصب، لأن (ما) كافة ومعناه تحريم الميتة، وتحليل المذكى، ولو كانت ما بمعنى الذي، لكان يجوز في الميتة الرفع. والفرق بين الميت، والميتة قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبو عمرو: ما كان قد مات، فهو بالتخفيف مثل {أية : يخرج الحي من الميت}. تفسير : وما لم يمت بالتثقيل كقوله تعالى: {أية : إنك ميت وإنهم ميتون}.تفسير : ووجه ذلك أن التثقيل لما كان هو الأصل كان أقوى على التصريف في معنى الحاضر والمستقبل. و [الثاني] قال قوم: المعنى واحد، وانما التخفيف لثقل الياء على الكسرة، قال الشاعر: شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء تفسير : فجمع بين اللغتين: المعنى: قوله: {وما أهل به لغير الله} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الربيع، وابن زيد، وغيرهما من أهل التأويل: معناه ذكر غير اسم الله عليه. والثاني - قال قتادة، ومجاهد: ما ذبح لغير الله. اللغة: والاهلال على الذبح: هو رفع الصوت بالتسمية، وكان المشركون يسمون الأوثان، والمسلمون يسمون الله. ويقال: انهل المطر انهلالا وهو شدة انصبابه، وتهلل السحاب ببرقه أي تلألأ، وتهلل وجهه اذا تلألأ، وتهلل الرجل فرحاً. والهلال غرة القمر، لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته بالتكبير، والمحرم يتهلل بالأحرام، وهو أن يرفع صوته بالتلبية، ويهلل الرجل: يكبر اذا نظر الى الهلال. وهلل البعير تهليلا اذا تقوس كتقوس الهلال، وسمي به الذكر، لأن الهلال ذكر. وثوب هل أي رقيق مشبه بالهلال في رقته. والتهليل: الفزع. واستهل الصبي اذا بكي حين يولد. والهلال: الحية الذكر، لأنه يتقوس، وسمي به الذكر، لأن الهلال ذكر. {فمن اضطر} من كسر النون فلالتقاء الساكنين، ومن ضمها أتبع الضمة الضمة في الطاء. وقرأ أبو جعفر بكسر الطاء. والاضطرار: كل فعل لا يمكن المفعول به الامتناع منه، وذلك كالجوع الذي يحدث للانسان، ولا يمكنه الامتناع منه. والفرق بين الاضطرار، والالجاء أن الالجاء تتوفر معه الدواعي الى الفعل من جهة الضر أو النفع، وليس كذلك الاضطرار. وأكثر المفسرين على أن المراد في الآية المجاعة. وقال مجاهد: ضرورة إكراه. والأولى أن يكون محمولا على العموم إلا ما خصه الدليل. {ولحم الخنزير} قال صاحب العين يقال: رجل لحم اذا كان أكول اللحم. وبيت لحم: يكثر فيه اللحم. وألحمت القوم اذا قتلهم وصاروا لحماً. والملحمة: الحرب ذات القتل الشديد. واستلحم الطريق اذا اتسع. واللحمة: قرابة النسب. واللحمة ما يسد به بين السديين من الثوب. واللحام: ما يلحم به صدع ذهب أو فضة أو حديد حتى يلتحما، ويلتئما. وكل شيء كان متبايناً ثم تلاءم، فقد التحم. وشجة متلاحمة إذا بلغة اللحم. وأصل الباب اللزوم، فمنه اللحم للزومه بعضه بعضاً. المعنى: وقوله: {غير باغ ولا عاد} قيل في معناه ثلاثة أقوال أولها - {غير باغ} اللذة {ولا عاد} سد الجوعة وهو قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد. والثاني - ما حكاه الزجاج {غير باغ} في الافراط {ولا عاد} فى التقصير. والثالث - "غير باغ" على إمام المسلمين "ولا عاد" بالمعصية طريق المحقين، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع) قال الرماني: وهذا القول لا يسوغ، لأنه تعالى لم يبح لأحد قتل نفسه بل حظر عليه ذلك، والتعريض للقتل قتل في حكم الدين، ولأن الرخصة إنما كانت لأجل المجاعة المتلفة، لا لأجل الخروج في طاعة، وفعل إباحة. وهذا الذي ذكره غير صحيح لأن من بغى على إمام عادل فأدى ذلك الى تلفه، فهو المعرّض نفسه للقتل، كما لو قتل في المعركة، فانه المهلك لها، فلا يجوز لذلك استباحة ما حرّم الله، كما لا يجوز له أن يستبقي نفسه بقتل غيره من المسلمين، وما قاله من أن الرخصة لمكان المجاعة، لا يسلم إطلاقه، بل يقال: إنما ذلك للمجاعة التي لم يكن هو المعرض نفسه لها، فأما إذا عرّض نفسه لها، فلا يجوز له استباحة المحرم، كما قلنا في قتل نفس الغير، ليدفع عن نفسه القتل. وأصل البغي: الطلب من قولهم: بغى الرجل حاجته يبغيها بغاً قال الشاعر: شعر : لايمنعنّك من بغا الخير تعقاد التمائم إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم تفسير : والبغاء: طلب الزنا. وإنما اقتضى ذكر المغفرة ها هنا أحد أمرين: أحدهما - النهي عما كانوا عليه من تحريم مالم يحرمه الله من السائبة، والوصيلة، والحام، فوعد الله بالمغفرة عند التوبة، والانابة الى طاعة الله فيما أباحه أو حظره. الثاني - إذا كان يغفر المعصية، فهو لا يوآخذ بها، جعل فيه الرخصة، ولا يجوز أن يقع في موضع غير (إلا) لأنها بمعنى النفي ها هنا، ولذلك عطف عليها بـ (لا) لأنها في موضع (لا). فأما (إلا) فمعناها في الأصل الاختصاص لبعض من كل، وليس ها هنا كل يصلح أن يحض منه. {غير باغ} منصوب على الحال وتقديره لا باغياً، ولا عادياً. والقدر المباح من الميتة عند الضرورة ما يمسك الرمق فقط - عندنا - وفيه خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} والحصر هاهنا ضافىّ يعنى لا ما حرّمتموه بأهوائكم من البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام وغير ذلك ممّا لم يرد به نهى من الله {وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} وما رفع الصّوت بسببه لغير الله يعنى ما ذكر اسم غير الله عليه وقوله و{أية : لاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 121] اعمّ ممّا ذكر اسم الله غير الله عليه فالتّخصيص هاهنا بما ذكر اسم غير الله عليه امّا للاهتمام بحرمة هذا القسم لشدّته او لأنّ عدم ذكر اسم الله لا ينفكّ عن ذكر اسم غير الله فانّ النّفس ان لم تكن مؤتمرةً بأمر الله كانت مؤتمرةً بأمر الشّيطان واذا لم تكن متذكّرة بذكر الله كانت متذكّرة بذكر الشّيطان لعدم خلوّها من ائتمار ما وذكرٍ ما، والتّفسير بذبيحة ذكر اسم غير الله عليها بيان لتنزيل الآية، ولا يخفى على من استبصر اجمالاً بطريق التّأويل تعميم ما أهلّ به لكلّ ما يدخل تحت اليد ولكلّ فعلٍ من افعال القوى يعنى لا تأخذوا ولا تأكلوا ولا تنكحوا ولا تفعلوا صغيراً ولا كبيراً ذكر اسم غير الله او لم يذكر اسم الله عليه، وفسّر بما ذكر اسم الله او اسم غير الله لأجل غير الله يعنى ما ذبح لأجل الاصنام او لأجل ما نصبوه للعبادة سوى الاصنام {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} الى شيءٍ من هذه المحرّمات {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} من البغية بمعنى الطلب او من البغى بمعنى الفجور والزّنا، او من البغى بمعنى الاستطالة وفسّر فى الخبر بطالب الصّيد لهواً وبطالب اللّذة وبالباغى المستطيل على الامام والعادى المتجاوز عن الحدّ سواء كان التّجاوز عن الحدّ فى الامامة بان يقول بامامة امامٍ باطلٍ او بتشريك امامٍ باطلٍ للامام الحقّ او بالغلوّ فى الامام الحقّ بان يقول فيه ما لم يقله هو فى حقّه او فى سائر الحقوق الالهيّة والخلقيّة، او فى جملة الافعال الصّادرة من المدارك والقوى العمّالة فانّ المفرط ولمفرّط فيها متجاوز عن الحدّ وعاد، وقد فسّر بكلّ منها فى الاخبار {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} فى الاكل عن هذه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يستر عليكم ما هو نقص وشين لكم {رَّحِيمٌ} يرحمكم بالاذن فى المخمصة ان ترتكبوا ما حرّمه عليكم فى غيرها، عن الصّادق (ع): من اضطرّ الى الميتة والدّم ولحم الخنزير فلم يأكل شيئاً من ذلك حتّى يموت فهو كافرٌ.
اطفيش
تفسير : {إنَّما حرَّم عليكُم الميتَةَ}: أى ما حرم عليكم إلا الميتة والدم إلخ. والحصر إضافى منظور فيهِ إلى الحيوان، فلا يشكل أنه قد حرم غير ذلك كالأجناس والمتنجساتٌ، إذا كانوا يحرمون بعض الطيبات ويحرمون السائبة والبحيرة ونحوها، فرد الله جل وعلا عليهم بأن المحرم: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به لا ما تحرمونهُ، ويجوز أن يكون إضافيا منظوراً فيه إلى السعة كأنه قيل: ما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به إلا فى السعة، وأما فى الضرورة فما حرم ذلك، ثم إن كان الخطاب للمؤمنين الذين حرموا بعض اللذائذ مع الميتة وما بعدها، فالقصر إفرادى، وإن كان للكفار الذين حرموا السائبة ونحوها مما هو حلال دون الميتة وما ذكر بعضها فقصر قلب، وإن كان لمن رأى تحريم المؤمنين وتحريم الكافرين فتردد هل حرم جميع ما حرم المؤمنون أو بعضه أو ما حرم الكافرون فقصر تعيين، وفاعل حرم بالبناء للفاعل ضمير يعود إلى الله، والميتة بالنصب مفعول به، وإنما معطوف به وكاف وهى المفيدة للحصر، قرئ إنما حرم عليكم الميتة بالبناء للمفعول، ورفع الميتة فإنما معطوف، وكاف مقيد للحصر، والميتة نائب حرم، ويجوز أن يكون ما إسماً موصولاً. وقرئ إنما حرم عليكم الميتة بالبناء للفاعل والتشديد ورفع الميتة على أن إسما لأن، وفى حرم ضمير نائب الفاعل عائد عليها، والجملة صلتها، والميتة خبر إن، أى إن الذى حرم عليكم هو الميتة، وعلى هذا فمفيد الحصر تعرف المسند والمسند إليه. وقرئ إنما حرم عليكم الميتة بفتح الحاء وضم الراء خفيفة، ورفع الميتة فإنما معطوف، وكاف والميتة فاعل حرم، ومفيد الحصر إنما، ويجوز أن يكون ما إسما موصولا إسماً لأن، وفى حرم ضميره الفاعل، والجمة صلة، والميتة خير إن، ومفيد الحصر تعريف المسند والمسند إليه، أى إن الذى حرم عليكم هو الميتة، واختار الزجاج كون إنما معطوف وكافا فى قراءتى الرفع فيكون الميتة هو المسند إليه والمسند حرم، واختار السعد كونه إن وإسمها لتبقى إن على عملها وهو الأصل، فيكون الميتة مسنداً وما مسند إليه. قلت: لكن تخالف أصل الحصر كلما جعلنا ما إسما لإن، لأنها متصلة بالنون كالخط، واتصالها يقتضى أنها كافة، وكونها اسما لإن يقتضى انفصالها عن النون. وقرئ إنما حرم عليكم الميتة ببناء للفاعل وتشديد حرم ورفع الميتة، فإنما إن وإسمها وفاعل حرم ضمير عائد إلى الله، والجملة صلة ما، والرابط محذوف، والميتة خبر إن، أى إن الذى حرمه الله عليكم هو الميتة، فمقيد الحصر تعريف المسند إليه وهو ما والمسند وهو الميتة، وهذا أولى من قول بعضهم فى هذه القراءة إنما مكفوف وكاف، وأن مفعول حرم محذوف، وأن الميتة خبر لمحذوف، وأن الجملة صفة لذلك المحذوف، أى إنما حرم الله عليكم شيئاً هو الميتة، أو هو الميتة مستأنف لما فى ذلك من التكلف، ويقدر مضاف أى حرم عليكم نفع الميتة، وهذا المضاف المقدر مسلط على الدم ولحم الخنزير وما أهلّ بهِ لغير الله، فإنهُ يحرم أكل ذلك وشربهُ كشرب لبن الميتة والخنزير ولبن ما أهل به لغير الله وشرب الدم وشرب لحم أو غيره فى الماء أو غير الماء، وأكل ثمنه ورهنه، والاستئجار به وإصداقه، والمداواة به، وكل انتفاع إلا ما استثنى الشارع من جواز الانتفاع يجلد الميتة المدبوغ وصوفها ووبرها وشعرها وريشها، واختلف فى العظم والقرن والبيضة قشرها وداخلها. والأحاديث تدل على ذلك، وأيضا الحرمة المضاف إلى عين الشئ تفيد فى العرف حرمة التصرف فيها مطلقا إلا ما خصه الدليل، كالتصرف فى المدبوغ كما قاله القاضى: ومن الأحاديث الدالة على ذلك حديث البزار عنهُ صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه" تفسير : وقال القزوينى والسعد أخذا من كلام الكشاف ما حاصله: أن أدلة الحذف كثيرة، وأن منها العقل ومن الأدلة على تعيين المحذوف ما هو المقصود الأظهر فى الكلام، نحو حرمت عليكم الميتة، ومثلهُ آية البقرة، أى حرم تناول الميتة، فإن العقل دل على أن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأفعال دون الأعيان فلا بد ها هنا من محذوف، والمقصود الأظهر دل على أن المحذوف تناول أن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها، وتقدير التناول أولى من تقدير الأكل ليشمل شرب ألبانها، فإنه أيضاً حرام انتهى. وهذا مذهبنا معشر الإباضية بأصنافها، والمعتزلة وأهل العراق. وقال غيرهم: تعلق الأحكام بأعيان حقيقة مراد به تحريم العين كالخمر والميتة والخنزير، وإن شئت فقدر هكذا، إنما حرم عليكم لحم الميتة وخص بالتقدير بأن الآية رد على من يحل أكله، والميتة ما خرجت روحه بلا ذكاة شرعية، وفيهِ دم أصلى غير السمك، وهذا فى الميتة المحرمة الشرعية، ولا دم فى الجراد فخرج بقولى فيهِ دم أصلى، وخرج ما فيه دم غير أصلى كذباب وقمل، وفيهِ خلاف فى الفقه، ولا ضير إجماعا بذباب وقع فى الماء ومات فيه أنهُ لا ينجس، وكذا غير الماء، وإما الميتة لغة فى كل ما خرجت روحه وباعتبارها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحلت لكم ميتتان الجراد والسمك"، تفسير : وبهذا الحديث ونحوه علمنا أن الجراد حلال وجد حيّا أو ميتا، أكل حيا أو ميتا، ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر، طبخ أو لم يطبخ، وسواء مات بقطع يد أو غيرها، وإنما قطع منه حلالا يؤكل، ولو بقى الجراد حيا، وكذا الحوت فى ذلك كله، وسواء ما صيد وما وجد ميتا على الماء أو فى الساحل أو فى أسفل الماء، وما قتل بضرب أو غيره، أو جلب حيا. ومن حديثه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كالبحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته" تفسير : رواه الربيع رحمه الله، وكثير من المحدثين من المخالفين غير البخارى ومسلم، وهو حديث حسن صحيح، وكذا قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وكذا روى الربيع والمخالفون حديث أبى عبيدة بن الجراح، إذ كان أميراً على العسكر، ووجدوا حوتا على الساحل فأكلوا منه واصطحبوا منه للمدينة، فسألوه صلى الله عليهِ وسلم فقال: "حلال"، روى أنهُ قال: "أطعمونى منه" وعن أبى أو فى غزونا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبع غزوات أو ستا، وكنا نأكل الجراد ونحن معه، أخرجه البخارى ومسلم، واختلف فى السمك الطافى على الماء. قال مالك والشافعى: لا بأس به. وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حبى: إنه مكروه. روى عن على بن أبى طالب أنه قال: ما طفا من صيد البحر فلا تأكله. وكذا قال ابن عباس وجابر ابن عبدالله، وروى عن أبى بكر الصديق، وأبى أيوب إباحته وهو الصحيح لعموم الحديثين الأولين، وللحديث الثالث، وكذا الجراد، وعن الشافعى وأبى حنيفة: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما وجدته ميتا. وفى رواية عن مالك: إنما وجد منه ميتا لا يحل وما أخذ حيا يذكى ذكاة مثله بأن يقطع رأسه ويشوى، فإن غفل عنه حتى يموت فلا يحل وهو ضعيف لعموم الأحاديث فى حله مطلقاً، واستثناءه من الميتة المذكورة فى القرآن والسنة، وقيل استثناؤه بالعرف وليس بشئ إذ لا وجه باستثناء بالعرف مع وجود الحديث، ويحتمل عندى أن يريد قائله إن استثناءه، صلى الله عليه وسلم، كان منه نظراً للعرف لا بالوحى، أو أن استثناءه هو خروجه بالعرف إذ لا يسمى فيه ميتة فلا يحنث به حالف لا يأكل ميتة عند الناظر للعرف، كما لا يحنث عنده بكافر من حلف لا يركب دابة، والسمك فى ذلك كله، والجراد وما قطع من حى وهو حى فهو ميتة، وهذا حديث مرفوع، ورواه الأكثرون أثرا موقوفا، وحد الميتة يشمله، لأن تلك القطعة خرجت منها الروح بلا ذكاة شرعية. {والدَّم}: المسفوح لتقييده بالسفح فى آية الأنعام، والمحرم من الدم ما سفح من حى وما خرج بتذكيته، وأما الباقى داخل اللحم والعروق، وما اجتمع فى داخله بعد الذكاة فحلال عند الجمهور منا، وشذ من حرمه أو كرهه، وكذا قالت المالكية إنه حلال إلا شاذا منهم ذكره ابن الحاجب وغيره، وليس كذلك لما فيه من الحرج، ولقول عائشة رضى الله عنها: لو حرم علينا غير المسفوح لتتبع الناس ما فى العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم والبرمة يعلوها الصفرة. وأما الدم داخل الميتة فنجس من حيث إنها ميتة وهو بعضها، لا من حيث إنه دم، لأنهُ غير مسفوح، ودم السمك طاهر عندنا حلال الأكل، لأنه إذا يبس ابيض، والدم إذا يبس أسود، ولأن ميتة السمك حلال، فما قطع منها وهى جية حلال، فالدم منها حلال، فخبر ما قطع من حى حيا فهو نجس مخصوص بغير السمك والجراد، فإنما قطع منها جبين طاهر، وكذا قال أبو حنيفة بطهارة دم السمك، وقال الشافعى: دم السمك نجس، وقال: كل دم نجس مفسوحاً أو غير مسفوح، وزعم أن التقييد بالسفح بيان للواقع إذ كانوا يسفحون الدم فيأكلونه بعد أن يشوى، وكانوا يفصدون الإبل لذلك، وكانوا يجمعون الدم فى المصارين ويشوونها، واستثنى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الدم الكبد والطحال. روى الدارقطنى عن عبدالرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه، عن عبدالله بن عمر: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : أحل لنا من الدم دمان ومن الميتة أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ومن الدم الكبد والطحال" تفسير : وفى لفظ آخر "حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد"، تفسير : أخرجه ابن ماجه وأحمد بن حنبل. قال أحمد، وعلى بن المدنى، وعبدالله بن زيد: ضعيف، وأخرجه عبدالله بن زيد، وهو عند قومنا ثقة قوى، وضعف أبو بكر بن العربى هذا الحديث عن ابن عمر بما لا يصح سنده، وقال البيهقى: يروى هذا الحديث عن ابن عمر موقوفا ومرفوعا، الصحيح الموقوف. واختلف فى تخصيص الدم بالكبد والطحال من الدم. فقال مالك: لا تخصيص لأن الكبد والطحال لحمتان لا دمان، فضلا عن أن يخصصا من عموم الدم كما يشهد به العيان الذى لا يفتقر إلى برهان، وأيضا لو كانا دمين لم يكونا مسفوحين فلم يحتاجا إلى التخصيص من المسفوح وتسميتهما دمين فى الحديث مجاز لشبههما بالدم الجامد، أو هما دمان حقيقان ليسا من نوع الدم المحرم، وأيضا لا يشبههما لفظ الدم عرفا فلا يدخلان فى الدم فضلا عن أن يخصا بالحديث بيان لكونهما حلالا مع أنهما شبيهان بالدم، وبيان لنا نوعا حلال من الدم غير نوع الدم المحرم، هذا ما ظهر لى من الأوجه فى توجيه كلامه، وقال الشافعى: هما دمان حقيقان من نوع الدم المحرم، أحلهما الله جل وعلا، وزعم من زعم أن الله جل وعلا نسخ بالسنة بعض اليمتة وبعض الدم، الجراد والسمك والكبد والطحال، وليس ذلك نسخا، وأقول من قلع سنه مثلا واتصل الدم ولم يرق يخشو أدواء فلا يجوز لصاحبه الأكل والشرب وبلع الريق إلا إذا خاف على حلقه أو خاف المضرة بالجوع أو بالعطش، فإنه يبلع ريقه أو يأكل أو يشرب ما يقوت به، لأن فى ذلك أكل الدم أو شربه أو بلعهُ، فحاله كحال المضطر له القوت فقط ما دام يطمع أن يرقى وإن لم يطمع واتصل فله الأكل والشرب والبلع كعادته حال الطهر، ومقتضى من قال إنه لا ينجس الدم حتى يخرج من حد الفم أنه يأكل ويشرب ويبلغ كالعادة ولم يصل حد الاضطرار. {أوْ لحْم خِنْزيرٍ}: الخنزير كله الوحشى والإنسى حرام لحمهُ وشحمهُ وعَصبهُ ما يؤكل منه وما لا يؤكل، ذكى أو لم يذك، وخص اللحم بالذكر لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه حكمه يعلم بحكم لحمه وهو تبع اللحمه، وقد قال فى الأنعام: {أية : فإنه رجس} تفسير : أى فإن الخنزير رجس على ما يأتى فيها إن شاء الله، وهو عندنا نجس حيا أو ميتا وكذا عند جمهور الأمة وقال مالك: إنه طاهر حال حياته، وكذا كل حيوان عنده طاهر إذا كان حيا ولو كان محرما، وعلة الطهارة عنده الحياة ألا ترى الإنسان محرم وهو فى حياته طاهر، فانظر شرحى على النيل. وقال الشافعى فى جديده: إن ولغ الخنزير فى إباء غسل سبعاً أولاهن وأخراهن بالتراب، وقال فى قديمه: تكفى غسلة واحدة، لأن الغليظ فى الكب، لأن العرب تألفه بخلاف الخنزير. وقال مالك: للسم، وقيل غلظ فيه تعبداً ولا يتعدى حكمه إلى الخنزير. {ومَا أهِلَّ بهِ لغَيْر اللهِ}: أى وما رفع الصوت به للصنم كقول أهل الجاهلية عند الذبح والنحر: باسم اللات وباسم العزى، أو باسم مناة يذكرون اسم أصنامهم عند الذبح أو النحر، ولو لم يكن الذبح أو النحر للأصنام، ولا سيما إن كان لها كما نذكر اسم الله عند فى ذبح أو النحر، وليس مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب، ولو ذكروا عليها غير الله لقوله تعالى: {أية : وطعامُ الَّذينَ أوتُوا الكتاب حِلٌّ لكم}، تفسير : يعنى ذبائحهم أو جميع طعامهم الذبائح وغيرها. قال عطاء والحسن ومكحول والشعبى وابن المسيب: تجوز ذبيحة النصارى ولو ذكروا عليها اسم المسيح لعموم الآية. وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة: لا يحل ذلك لأن ذلك إهلال لغير الله وعن على بن أبى طالب: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا أى لهذه الآية، وإذ لم تسمعوا فكلوا، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون، وما واقعة على الحيوان المذبوح والمنحور، والإهلال رفع الصوت مطلقا، وأصله ظهور الهلال، يقال أهل الهلال، أى ظهر، وأهللته رأيته أو ظهر لى، لكن لما جرت العادة بالتكبير إذا رئى يسمى رفع الصوت بالكتبير عنده إهلالا، ثم قيل لرفع الصوت مطلقاً إهلالا كالتكبير عند غير الهلال، ويقال أهل بالحج رفع صوته بالتلبية لهُ، وأهل الصبى واستهل رفع الصوت بالبكاءِ، قيل ثم قيل لكل ذابح جهل وإن يجهر بالتسيمة، وقيل جرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك فى استعمالهم حتى عبر به عن النية التى هى علة التحريم، وهاء به عائدة إلى ما والباء بمعنى على أو مع للإلصاق أو ما رفع الصوت عليه أو معه، أو أوصل به، وذلك الرفع لغير الله لأنهُ لم ينو الله ولم يذكر اسمه، بل اسم غيره وبه نائب فاعل أهل. {فَمنِ اضْطُرَّ}: بضم النون تبعاً للطاء، لأن همزة الوصل بينهما محذوفة نطقاً، الضاد ساكن وهو لسكونه غير حاجز حصين. وقرأ عاصم وحمزة بكسر النون، وكذا كلما سكن قبل همزة الوصل المضموم ضما لازما بعد تاليها، الثلاثة يكسرون على أصل التقاءِ الساكنين، والباقون يضمون تبعا مثل: وأن اعبدوا، وأن أحكم، لكن انظروا، وأن اغدوا، ولقد استهزئ، وقالت أخرج، وقتيلا انظر، ومبينا قتلوا، قل ادعوا الله أو انقص، إلا أبا عمرو فإنه يضم ذلك الساكن إذا كان لاما أو واوا كالمثالين، وكالجمهور، واستثنى ابن ذكوان من ذلك التنوين خاصة فكسره إلا حرفين فضم فيهما برحمه ادخلوا، وخبيثة اجتثت، هذه رواية ابن الأحزم عن الأخفش عنه، وروى عن النقاش وغيره بكسر ذلك حيث وقع، والاضطرار الألجاء أى فمن اضطره الله بالجوع أو اضطره الجوع، فاضطر مبنى للمفعول وهو من المتعدى، ولو بنى للمفعول لكان الفاعل الله أو الجوع، والمعنى فمن اضطر إلى الأكل من ذلك الأكل. {غَير باغٍ ولا عادٍ}: غير حال من الضمير المستتر فى اضطر، والباغى خارج عن الإمام أو القاضى أو الحاكم أو الجماعة مريداً للإفساد أو هارب من حق، والعادى الخارج لقطع الطريق، وقيل الباغى هو الذى يبغى على مضطر آخر مثله، فيمنعه من الأكل من ذلك ويأكل وحده، والعادى هو الذى يجاوز الحد فى ذلك فيأكل أكثر من سد الرمق، أو يحمل معه، وهو قول أبى حنيفة لكنه يجيز لمن سافر فى معصية، واضطر أن يأكل من ذلك، وقال أصحابنا والشافعى ومالك وأحمد لا يجوز للعاصى بسفره الأكل من ذلك عند اضطراره، والذى عندى أن المضطر فى سفر معصية يتوب ويأكل لئلا يموت، وكذا عند هؤلاء، وعندنا لا يجوز له إفطار رمضان فى سفر معصية اضطر أو لم يضطر للإفطار، فإن أفطر كان كمن أفطر فى الإقامة، لكنه عندى يتوب ويأكل إن خاف الموت أو زوال عضو أو منفعة كسمع وبصر، ويعيد ويعطى الكفارة المغلظة، أو يوصى بها، ولا يجوز له التيمم بفقد ماء فى سفر المعصية، أو حدوث ضر فيه مانع من الغسل، فإن كان ذلك كان كمن ترك الوضوء فى الإقامة واحداً قادراً، وإن قصر كان كمن قصر فى الحضر، ولكنه عندى يتيمم إن لم يجد، ولم يقدر ولزمته المغلظة، ويصلى التمام تقليدا، والذى من رأيى أنه يصلى قصراً ويعيد على كل حال ويتوب، وكذا قال الشافعى وأحمد ومالك، لا يترخص لمن سافر فى معصية برخص المسافرين حتى يتوب. قال ابن عباس رضى الله عنهما: {غير باغ ولا عاد}، غير خارج عن السلطان ولا معتد بسفره فى معصية، وقيل: {غير باغ} غير طالب الميتة وما ذكر معها وهو يجد غير ذلك، {ولا عاد} غير معتد ما حل له، وقيل غير مستحل لها استحلالا مطلقاً بل استحلالا بقيد الاضطرار الذى هو فيه، وغير متزود منها. وقال قتادة: {غير باغ ولا عاد}، غير قاصد فساد وتعد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها، وكان يجيز الأكل منها للمضطر العاصى فى سفره والحق منع ذلك لأن إباحة الأكل منها له إعانة على معصية، والمنع مذهب الجمهور، وبه قال مجاهد، قال المعنى غير باغ على المسلمين وعاد عليهم، فيدخل فى الباغى والعادى قطاع السبل، والخارج عن السلطان، والمسافر فى قطع الرحم، والغارة على المسلمين وما شاكل ذلك، والرخصة لغير هؤلاء، ومذهبنا أن المضطر يأكل ما يسد رمقه. وقال بعض أصحابنا: يأكل ما يصل به وينجو به ويؤدى فرضه ولا يتزود منها، وقال مالك: يأكل المضطر شيمه، وفى الموطأ وهو لكثير من العلماء يتزود من ذلك إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفاوز وقفار. وقال ابن العربى: إذا دمت على المخمصة فلا خوف فى جواز شبع المضطر، وإن كانت نادرة ففى شبعه قولان: أحدهما لمالك يأكل حتى يشبع ويتضلع، وقال غيره يأكل بمقدار سد الرمق، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون وأبو حنيفة، وعن الشافعى القولان، وعن سهل بن عبدالله بن عون: دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب فقال: هذا كتاب كتبه شمره لولده، فإذا فيه يجزئ من الضرورة أو من الضارة صبوح أو غبوق، وذكر الحسن حديث : أن رجلا قال: يا رسول الله متى تحرم على الميتة؟ قال: "إذا رويت من اللبن وجاءت مبرة أهلك" تفسير : ذكره الشيخ هود، وهو تمثيل بحال الغنى عنها لا قيد بوجود الشبع من الحلال، وإذا غنى عنها حرمت ولو جاع، ثم من اضطر ووجد ذلك كله أو متعدداً منه فقيل يسد رمقه من كل يجزئ، وإن شاء سده من واحد، وقيل يشبع على ما مر من عموم أو تفصيل من مجموعها، وإن شاء شبع من واحد، وقيل يأكل مما قدمه الله على الآخر فى ذكر التحريم، لأن الإباحة للمضطر مفرعة على ذلك المرتب، فإن أقرب ذلك الميتة لأنها لو ذكيت حال الحياة لحلت وماتت غير مُهلِّ لها لغير الله، ويليها الدم، لأن منه حلالا طاهرا وهو غير المسفوح ودم اللحم والقلب فى قول، وأيضا قد كان فى الشرع ما حل من الميتة والدم وهو السمك والجراد والكبد والطحال فهما مقدمان على المهل بها لغير الله، لأنهُ لا حال لها نحل فيه لغير المضطر، ولأن فيها ميتة ودما حراما، ولو كانت حرمته بالموت لا بالسفح وفيها إهلالا لغير الله، ومع هذا تقدم على الخنزير لأنها لو ذكيت باسم الله لحلت، ولو ذكيت به بعد الإهلال لغير الله لحلت إن أدركت فيها حياة والخنزير لا تعمل فيه الذكاة، ولا حالة يحل فيها لغير المضطر، وقيل إن وجد حيّاً ذكى وقدم على الميتة والدم وما أهل به لغير الله إن لم تدرك فيهِ حياة ويذك، واختلفوا فى أن من أكل شيئا من ذلك لضرورة هل ينتقض وضوءه أو يتممه إن تيمم أو لا ينقض؟ واختلفوا هل تقدم هذه الأشياء لأنها لا حق فيها لمخلوق، أو يقدم مال الناس، لأنه حلال وينوى الخلاص، ويشهد أو يكتب فى وصيته لصاحبه، واختلفوا: هل ينجى بالميتة المدودة؟ فقيل لا يأكل منها، لأنها لا تنجى وإن أكل هلك، وقيل يأكل ويقدم ذلك على الخمر، وقيل لا ينجى بالخمر لعدم ورود الترخيص فيها إذا اضطر، واختلفوا: هل يأكل ذلك أو يشرب الخمر إذا جبر بالقتل قياساً على الأكل ولا إذ الترخيص لم يرد فى الإخبار وكذا المداواة بحبة إن لم يداو بذلك مات أو ساعة غصة يخمر فى ذلك خلاف. {فَلاَ إِثْم عَليهِ}: لا ذنب عليهِ فى أكلهِ، وهذا لمجرد دفع ما يتوهم الإنسان من الإثم فى الأكل من ذلك عند الاضطرار، فلا يفيد جواز ترك الأكل من ذلك عند الضرورة واجب ترخيصاً من الله. ومن ترك رخصة الله وهلك، جاء يوم القيامة على ظهره كجبل أحد، ومن اضطر ولم يأكل من ذلك فمات دخل النار، لأن ذلك قتل منه لنفسه، قال الله عز وجل: {أية : ولا تقتُلوا أنفُسكم} تفسير : إلى قوله: {أية : ومَنْ يَفْعل ذلكَ عُدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً} تفسير : إلا أن تاب مثل أن يتوب بعد تركه وبعد عجزه عن مناولة ذلك، وعن أكله وقبل موتهِ، وقول ابن العربى: دخل النار إلا أن يغفر الله له يحتمل هذا، ويحتمل الجرى على مذهبه من جواز دخول العاصى الفاسق الجنة بلا توبة، قال الشيخ هود رحمه الله: ذكر بعض السلف أن من اضطر فلم يأكل ولم يشرب، فمات دخل النار، ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه انتهى. وحفظت مثل هذا مرفوعا. {إنَّ اللهَ غَفورٌ}: لما أكله حال الضرورة، أو أن الله غفور لأوليائه، وهذا الوجه الثانى استئناف على الكلام فى الاضطرار. {رحيمٌ}: إذ رخص لعباده فى أكل ذلك للضرورة أو رحيم بأهل طاعته.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} الحصر إضافى فيه إلى السائبة وما معها، لا حقيقى، لأنه قد حرم أيضاً الغصوب والمسروق وأجرة الزنا وأجرة الكهانة والربا وغير ذلك، وأما الموقوذة والمتردية االنطيحة وما أكل السبفع فداخلة فى الميتة إن لم تدرك ذكاتها قبل الموت، وإن أدركت فمن الحلال، والحصر حصر القلب بالنسبة إلى من أحل الميتة وما معها، وحرم السائبة وما معها، وحصر أفراد بالنسبة إلى ما حرمه بعض المؤمنين من اللذات، بأن شدد عليهم فقد منعهم أنفسهم منها تحريماً، فنهاهم بهذا الحصر، ففى كل من التحريم والمنع تحجيز، فيكون من عموم المجاز، ثم الحكم وشراءهن ورهنهن والإجارة بهن، وإصداقهن، والغسل بهن، والاستصباح وهو حي، قال أبو داوود، والترمذى، وحسنه عن أبى واقد الليثى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، وهم يجبون الأسنمة ويقطعون أليات الغنم، ما قطع، أى وهو حى، من البهيمة وهى حية فهو ميتة، واستثنى الحديث السمك والجراد إذ قال: حديث : أحلت لكم ميتتانتفسير : ، وزعم بعض أن ما مات من الحوت والجراد حرام، وعموم الحديث يرده، واستثنى الحديث أيضا الجلد، فإنه أزيل ودكه بدباغ أو غيره حل ظاهرا وباطنا، واستثنى من الدم الكبد والطحال، وخص ذكر لحم الخنزير بالذكر لأنه معظم ما يؤكل، ولأنهم يستعظمون تحريمه، وغيره تبع له، وكله حرام حتى عظامه وجلده وشعره، وقيل بحل شعره، وحل خنزير البحر على الصحيح، ومعنى أهلَّ به رفع الصوت به، وذلك أن يذكر الصنم أو غيره عند ذكاته وحده، أو مع الله، فيحرم ما ذكر عليه المسيح، وقيل حل لأن الله عز وجل أباح ذبائح أهل الكتاب، وقد علم أنهم يخلطون، ويحرم ما ذكى للجن اتقاء بهم لمريض، أو عند حفر بئر، أو بناء دار، بأن يذبح فى الموضع الذى يحفر نفسه، أو فى الدار نفسها، أو فى موضع مجاور لهما لذلك، والرفع ذكر للواقع فى الجاهلية، فما ذبح لغير الله حرام، ولو أسر ذكر غير الله أو ذكره فى قلبه، والإهلال مأخوذ من الهلال، إذ يرفع الصوت به إذا رئى، ثم أطلق على رفع كل صوت، وكل ما نهى عن قتله فى الحديث من نحو الصرد والهدهد فذبحه للأكل أو المنفعة حلال، والآية تشمله {فَمِنِ اضْطُرَّ} افتعل من الضر، وهو متعد لواحد كأصله، ألا تراه مبنيا للمفعول مع أن نائب الفاعل غير ظرف ولا مصدر، وطاؤه عن تاء، لتوافق الضاد فى الجهر، الافتعال هنا للمبالغة، كأنه قيل من ضره الله ضرا عظيماً بالجوع حتى خاف به الموت أو العمى أو الصمم أو البكم أو الشلل أو نحو ذلك مما لا يحتمل {غَيْرَ بَاغٍ} بالسفر فى معصية أو منع حق، أو نشوز عن زوج أو سيد، أو خروج عن المسلمين، أو منع مضطر آخر عن أن يشاركه {وَلاَ عَادٍ} معلّ، كغاز وقاض، من المداوة، أو العدوان، وهو تجاوز الحد، ومرجعهما واحد، وذلك بقطع الطريق عن المسلمين أو أهل الذمة، أو بأكل فوق ما يمسك الرمق {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} فى الأكل من ذلك بقدر ما يوصله أو يحيا به، ولا يأخذ معه من ذلك، والمذهب تحريم الزيادة على ما يمسك الرمق وكذا روى عن أبى حنيفة والشافعى، وقال عبدالله بن الحسن البصرى: يأكل قدر ما يدفع الجوع، وقال مالك يأكل حتى يشبع ويتزود، فإذا وجد الحلال طرحه، وإن تاب الباغى أو العادى حل له تناول من ذلكن وكذا لا يحل لهما التيمم إن فقد الماء، ويصليان به ويقضيان إذا وجدا ماء، وإن تابا لم يقضيا ما صليا بالتيمم بعد التوبة {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ} لأوليائه لأنهم يتوبون {رَحِيمٌ} بأهل طاعته حيث وسع للمضطر، وليس ذلك مختصا بالموحدين، بل يحل لمشرك غير باغ ولا عاد أيضا أن يتناول منها للاضطرار، لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كأصلها.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} أي أكلها والانتفاع بها وأضاف الحرمة إلى العين ـ مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف، وليست مما تتعلق بالأعيان ـ إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ وألحق بالميتة ما أبين من حي للحديث الذي أخرجه/ أبو داود، والترمذي وحسنه عن أبـي واقد الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة»تفسير : وخرج عنها السمك والجراد للحديث الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» تفسير : وللعرف أيضاً فإنه إذا قال القائل: أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم إليهما، نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافي وما مات من الجراد بغير سبب، وعليه أكثر المالكية، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة، وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافاً لمن أباحه من المالكية، وقرأ أبو جعفر: (الميّتة) مشددة {وَٱلدَّمَ} قيد في سورة الأنعام [145] بالمسفوح وسيأتي، واستدل بعمومه على تحريم نجاسة دم الحوت، وما لا نفس له تسيل {وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ} خص اللحم بالذكر مع أن بقية أجزائه أيضاً حرام خلافاً للظاهرية لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له، وقيل: خص اللحم ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وفيه ما لا يخفى، ولعل السر في إقحام لفظ اللحم هنا إظهار حرمة ما استطيبوه وفضلوه على سائر اللحوم واستعظموا وقوع تحريمه، واستدل أصحابنا بعموم الخنزير على حرمة خنزير البحر، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا بأس به، وروي عن الإمام مالك أنه قال له شخص: ما تقول في خنزير البحر؟ فقال: حرام ثم جاء آخر فقال له: ما تقول في حيوان في البحر على صورة الخنزير؟ فقال حلال ـ فقيل له ـ في ذلك فقال: إن الله تعالى حرم الخنزير ولم يحرم ما هو على صورته، والسؤال مختلف في الصورتين. {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} أي ما وقع متلبساً به أي بذبحه الصوت لغير الله تعالى، وأصل الإهلال عند كثير من أهل اللغة رؤية الهلال لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤى سمي بذلك إهلالا، ثم قيل لرفع الصوت وإن كان بغيره، والمراد ـ بغير الله تعالى ـ الصنم وغيره كما هو الظاهر، وذهب عطاء ومكحول والشعبي والحسن وسعيد بن المسيب إلى تخصيص الغير بالأول وأباحوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح، وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من التحريم وإنما قدم به هنا لأنه أمس بالفعل وأخر في مواضع أخر نظراً للمقصود فيها من ذكر المستنكر وهو الذبح لغير الله عز شأنه. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} بالاستئثار على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر {وَلاَ عَادٍ} أي متجاوز ما يسد الرمق والجوع وهو ظاهر في تحريم الشبع وهو مذهب الأكثرين فعن الإمام أبـي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه لأن الإباحة للاضطرار، وقد اندفع به، وقال عبد الله بن الحسن العبري: يأكل منها قدر ما يسد جوعته، وخالف في ذلك الإمام مالك فقال: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها، ونقل عن الشافعي أن المراد غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق وجعل من ذلك السفر في معصية فالعاصي في سفره لا يباح له الأكل من هذه المحرمات ـ وهو المروي عن الإمام أحمد أيضاً ـ وهو خلاف مذهبنا، ويحتاج حكم الرخصة على هذا إلى التقييد بأن لا يكون زائداً على قدر الضرورة من خارج، واستدل بعموم الآية على جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي خلافاً لمن منع ذلك، وقرأ أهل الحجاز والشام والكسائي {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} بضم النون وأبو جعفر منهم بكسر الطاء من اضطر. {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أي في تناوله بل ربما يأثم بترك التناول {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فلذا أسقط الحرمة في تناوله ورخص، وقيل: الحرمة باقية إلا أنه سقط الإثم عن المضطر وغفر له لاضطراره كما هو الظاهر من تقييد الإثم بعليه، واستدل للأول بقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 119] حيث استثنى من الحرمة،/ ثم اعلم أنه ليس المراد من الآية قصر الحرمة على ما ذكر مطلقاً كما هو الظاهر حتى يرد منع الحصر بحرمة أشياء لم تذكر بل مقيد بما اعتقدوه حلالاً بقرينة أنهم كانوا يستحلون ما ذكر فكأنه قيل: إنما حرم عليكم ما ذكر من جهة ما استحللتموه لأشياء أخر، والمقصود من قصر الحرمة على ما ذكر رد اعتقادهم حليته بأبلغ وجه وآكده فيكون قصر قلب إلا أن الجزء الثاني ليس لرد اعتقاد الحرمة إذ لم يعتقدوا حرمة شيء مما استحلوه بل تأكيد الجزء الأول، والخطاب للناس باعتبار دخول المشركين فيهم فيكون مفاد الآية الزجر عن تحليل المحرمات كما أن {أية : يـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ } تفسير : [البقرة: 168] زجر عن تحريم الحلالات؛ أو المراد قصر حرمة ما ذكر على حال الاختيار، كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها، والأنسب حينئذ أن يكون الخطاب للمؤمنين ليكون محط الفائدة هو القيد حيث كانوا معتقدين لحرمة هذه الأمور، وفائدة الحكم الترخيص بعد التضييق عليهم بطلب الحلال الطيب، أو تشريفهم بالامتنان بهذا الترخيص بعد الامتنان عليهم بإباحة المستلذات، واختار بعضهم أن المراد من الحصر رد المشركين في تحريمهم ما أحله الله تعالى ـ من البحيرة والوصيلة والحام ـ وأمثالها لأكلهم من هذه المحرمات المذكورة في الآية، فكأنهم قالوا: تلك حرمت علينا ولكن هذه أحلت لنا، فقيل: ما حرمت إلا هذه ـ فهو إذاً إضافي ـ وذهب آخرون إلى أنه قصر إفراد بالنسبة إلى ما حرمه المؤمنون مع المذكورات من المستلذات، وفيه أن المؤمنين لم يعتقدوا حرمة المستلذات بل حرموها على أنفسهم لما سمعوا من شدائد المحاسبة والسؤال عن النعم، قاله بعض المحققين فليتدبر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني، ذلك أن الإذْن بأكْلِ الطيبات يثير سؤال مَن يسأل ما هي الطيبات فجاء هذا الاستئناف مبيِّناً المحرماتِ وهي أضداد الطيبات، لتُعرف الطيبات بطريق المضادة المستفادة من صيغة الحصر، وإنما سُلك طريق بيان ضد الطيبات للاختصار؛ فإن المحرمات قليلة، ولأن في هذا الحصر تعريضاً بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم كثيراً من الطيبات وأحلوا الميتة والدم، ولما كان القصر هنا حقيقياً لأن المخاطب به هم المؤمنون وهم لا يعتقدون خلاف ما يُشرع لهم، لم يكن في هذا القصر قلبُ اعتقادِ أحدٍ وإنما حصل الرد به على المشركين بطريقة التعريض. و{إنما} بمعنى مَا وإلاّ أي ما حَرَّم عليكم إلاّ الميتة وما عطف عليها، ومعلوم من المقام أن المقصود ما حَرَّم من المأكولات. والحرام: الممنوع منعاً شديداً. والمَيْتَة بالتخفيف هي في أصل اللغة الذَّات التي أصابها الموت فمخففها ومشدَّدها سواء كالميْتِ والميِّت، ثم خُص المخفف مع التأنيث بالدابة التي تقصد ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة، فقيل: إن هذا من نقل الشرع وقيل: هو حقيقة عرفية قبل الشرع وهو الظاهر بدليل إطلاقها في القرآن على هذا المعنى. وقرأ الجمهور (الميتة) بتخفيف الياء وقرأه أبو جعفر بتشديد الياء. وإضافةُ التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأَعيان، ومحمله على تحريم ما يُقصد من تلك العَين باعتبار نوعها نحو { أية : حرمت عليكم الميتة } تفسير : [المائدة: 3] أو باعتبار المقام نحو { أية : حرمت عليكم أمهاتكم } تفسير : [النساء: 23] فيقدر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق، أو يقال: أقيم اسم الذات مُقام الفعل المقصود منها للمبالغة، فإذا تعين ما تقصد له قُصر التحريم والتحليل على ذلك، وإلاَّ عُمِّم احتياطاً، فنحو {حُرمت عليكم أمهاتكم} متعين لحرمة تزوجهن وما هو من توابع ذلك كما اقتضاه السياق، فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن أو محادثتهن، ونحو: { أية : فاجتنِبُوه } تفسير : [المائدة: 90] بالنسبة إلى الميسِر والأزلام متعينٌ لاجتناب اللعب بها دون نجاسة ذواتها. والميتة هنا عام؛ لأنه معرَّف بلام الجنس، فتحريم أكل الميتة هو نصُّ الآية وصريحُها لوقوع فعل {حَرَّم} بعد قوله: { أية : كلوا من طيبات ما رزقناكم } تفسير : [البقرة: 172] وهذا القدر متفق عليه بين علماء الإسلام، واختلفوا فيما عدا الأكل من الانتفاع بأجزاء الميتة كالانتفاع بصُوفها وما لا يتصل بلحمها مما كان يُنتزع منها في وقت حياتها فقال مالك: يجوزُ الانتفاع بذلك، ولا ينتفع بقرنها وأَظلافها وريشها وأنيابها لأن فيها حياة إلاَّ نابَ الفيل المسمى العَاج، وليس دليله على هذا التحريم منتزعاً من هذه الآية ولكنه أخذَ بدلالة الإشارة؛ لأن تحريم أكل الميتة أَشارَ إلى خباثة لحمها وما في معناها، وقال الشافعي: يحرم الانتفاع بكل أجزاء الميتة، ولا دليل له من فعل {حَرَّم}؛ لأن الفعل في حيز الإثبات لا عموم له، ولأن لفظ {الميتة} كُلٌّ وليس كليّاً فليس من صيغ العموم، فيرجع الاستدلال به إلى مسألة الخلاف في الأَخذ بأوائل الأسماء أو أواخرها وهي مسألة ترجع إلى إعمال دليل الاحتياط وفيه مراتب وعليه قرائن ولا أحسبها متوافرة هنا، وقال أبو حنيفة لا يجوز الانتفاع بالميتة بوجهٍ ولا يُطَعمُها الكلابُ ولا الجوارح، لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها وقد حرمها الله تحريماً مطلقاً معلقاً بعينها مؤكداً به حكم الحظر، فقوله موافق لقول مالك فيما عدا استدلاله. وأما جلد الميتة فله شبه من جهة ظاهره كشبه الشعر والصوف، ومن جهة باطنه كشبه اللحم، ولتعارض هذين الشبهين اختلف الفقهاء في الانتفاع بجلد الميتة إذا دُبغ فقال أحمد ابن حنبل: لا يطهر جلد الميتة بالدبغ، وقال أبو حنيفة والشافعي: يطهر بالدبغ ما عدا جلد الخنزير لأنه محرم العين، ونسب هذا إلى الزهري، وألحق الشافعي جلد الكلب بجلد الخنزير، وقال مالك يطهر ظاهر الجلد بالدبغ لأنه يصير صلباً لا يداخله ما يجاوره، وأما باطنه فلا يطهر بالدبغ ولذلك قال: يجوز استعمال جلد الميتة المدبوغ في غير وضع الماء فيه، ومنع أن يصلي به أو عليه، وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى شاة ميتة كانت لميمونة أم المؤمنين فقال"هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به تفسير : ، ولما جاء في الحديث الآخر من قوله: « حديث : أيُّما إهَابٍ دُبغَ فقد طَهُر » تفسير : ، ويظهر أن هذين الخبرين لم يبلغا مبلغ الصحة عند مالك ولكن صحتهما ثبتت عند غيره، والقياس يقتضي طهارة الجلد المدبوغ لأن الدبغ يزيل ما في الجلد من توقع العُفونة العارضة للحيوان غير المذكى فهو مزيل لمعنى القذارة والخباثة العارضتين للميتة. ويستثنى من عموم الميتة ميتة الحوت ونحوه من دواب البحر التي لا تعيش في البر وسيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : أحل لكم صيد البحر وطعامه } تفسير : [المائدة: 96] في سورة العقود. واعلم أن حكمة تحريم الميتة فيما أرى هي أن الحيوان لا يموت غالباً إلاّ وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا أكلها الإنسان قد يخالط جزءاً من دمه جراثيم الأمراض، مع أن الدم الذي في الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة، ولذلك شرعت الذكاة لأن المذكى مات من غير علة غالباً ولأن إراقة الدم الذي فيه تجعل لحمه نقياً مما يخشى منه أضرار. ومن أجل هذا قال مالك في الجنين: إن ذكاته ذكاة أمه؛ لأنه لاتصاله بأجزاء أمه صار استفراغ دم أمه استفراغاً لدمه ولذلك يموت بموتها فسلم من عاهة الميتة وهو مدلول الحديث الصحيح « حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه » تفسير : وبه أخذ الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يؤكل الجنين إذا خرج ميتاً فاعتبر أنه ميتة لم يذكَّ، وتناول الحديث بما هو معلوم في الأصول، ولكن القياس الذي ذكرناه في تأييد مذهب مالك لا يقبل تأويلاً. وقد ألحق بعض الفقهاء بالحوت الجراد تؤكل ميتته لأنه تتعذر ذكاته وهو قول ابن نافع وابن عبد الحكم من المالكية تمسكاً بما في «صحيح مسلم" حديث : من حديث عبد الله بن أبي أوفى "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه" تفسير : اهــــ. وسواء كان معه ظرفاً لغواً متعلقاً بنأكل أم كان ظرفاً مستقراً حالاً من ضمير «كنا» فهو يقتضي الإباحة إما بأكله صلى الله عليه وسلم إياه وإما بتقريره ذلك فتخص به الآية لأنه حديث صحيح، وأما حديث « حديث : أحلت لنا ميتتان السمك والجراد » تفسير : فلا يصلح للتخصيص لأنه ضعيف كما قال ابن العربي في «الأحكام»، ومنعه مالك وجمهور أصحابه إلاّ أن يذكى ذكاة أمثاله كالطرح في الماء السخن أو قطع ما لا يعيش بقطعه. ولعل مالك رحمه الله استضعف الحديث الذي في مسلم أو حمله على الاضطرار في السفر أو حمله على أنهم كانوا يصنعون به ما يقوم مقام الذكاة قال ابن وهب: إن ضم الجراد في غرائر فضمه ذلك ذكاة له، وقد ذكر في «الموطأ» حديث عمر وقول كعب الأحبار في الجراد إنه من الحوت وبينت توهم كعب الأحبار في كتابي المسمى «كشف المغطى على الموطأ». وأما الدَّم فإنما نص الله على تحريمه لأن العرب كانت تأكل الدم، كانوا يأخذون المباعر فيملأونها دماً ثم يشوونها بالنار ويأكلونها، وحكمة تحريم الدم أن شربه يورث ضراوة في الإنسان فتغلظ طباعه ويصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة، لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق وإبعاد الإنسان عن التهور والهمجية، ولذلك قيد في بعض الآيات بالمسفوح أي المُهراق، لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده ولو اعتاده أورثه ضراوة، ولذا عفت الشريعة عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح أو النحر، وقاس كثير من الفقهاء نجاسة الدم على تحريم أكله وهو مذهب مالك، ومداركهم في ذلك ضعيفة، ولعلهم رأوا مع ذلك أن فيه قذارة. والدم معروف مدلولهُ في اللغة وهو إفراز من المفرزات الناشئة عن الغذاء وبه الحياة وأصل خلقته في الجسد آتٍ من انقلاب دم الحيض في رحم الحامل إلى جسد الجنين بواسطة المصران المتصل بين الرحم وجسد الجنين وهو الذي يقطع حين الولادة، وتجددُه في جسد الحيوان بعد بروزه من بطن أمه يكون من الأغذية بواسطة هضم الكبد للغذاء المنحدر إليها من المعدة بعد هضمه في المعدة ويخرج من الكبد مع عرق فيها فيصعد إلى القلب الذي يدفعه إلى الشرايين وهي العروق الغليظة وإلى العروق الرقيقة بقُوَّةِ حركة القلب بالفَتْح والإغلاق حركةً ماكينية هوائية، ثم يدور الدم في العروق منتقلاً من بعضها إلى بعض بواسطة حركات القلب وتنفس الرئة وبذلك الدوران يسلم من التعفن فلذلك إذا تعطلت دورته حصة طويلة مات الحيوان. ولحم الخنزير هو لحم الحيوان المعروف بهذا الاسم. وقد قال بعض المفسرين: إن العرب كانوا يأكلون الخنزير الوحشي دون الإنسي، أي لأنهم لم يعتادوا تربية الخنازير وإذا كان التحريم وارداً على الخنزير الوحشي فالخنزير الإنسي أوْلى بالتحريم أو مساوٍ للوحشي. وذِكر اللحم هنا لأنه المقصود للأكل فلا دلالة في ذكره على إباحة شيء آخر منه ولا على عدمها، فإنه قد يعبر ببعض الجسم على جميعه كقوله تعالى عن زكرياء { أية : رب إني وهن العظْم مني } تفسير : [مريم: 4]، وأما نجاسته ونجاسة شعره أو إباحتها فذلك غرض آخر ليس هو المراد من الآية. وقد قيل في وجه ذكر اللحم هنا وتركه في قوله: {إنما حرم عليكم الميتة} وجوه قال ابن عطية: إن المقصد الدلالة على تحريم عينه ذُكِّيَ أم لم يُذَكَّ اهــــ. ومراده بهذا ألا يتوهم متوهم أنه إنما يحرم إذا كان ميتة وفيه بعد، وقال الألوسي خصه لإظهار حرمته، لأنهم فضلوه على سائر اللحوم فربما استعظموا وقوع تحريمه اهــــ. يريد أن ذكره لزيادة التغليظ أي ذلك اللحم الذي تذكرونه بشراهة، ولا أحسب ذلك، لأن الذين استجادوا لحم الخنزير هم الروم دون العرب، وعندي أن إقحام لفظ اللحم هنا إما مجرد تفنن في الفصاحة وإما للإيماء إلى طهارة ذاته كسائر الحيوان، وإنما المحرم أكله لئلا يفضي تحريمه بالناس إلى قتله أو تعذيبه، فيكون فيه حجة لمذهب مالك بطهارة عين الخنزير كسائر الحيوان الحي، وإما للترخيص في الانتفاع بشعره لأنهم كانوا يغرزون به الجلد. وحكمة تحريم لحم الخنزير أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها آكله قتلته. ومن عجيب ما يتعرض له المفسرون والفقهاء البحث في حرمة خنزير الماء وهي مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء والألقاب في الأحكام الشرعية وفي «المدونة» توقَّف مالك أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزير. قال ابن شَأْس: رأى غير واحد أن توقُّف مالك حقيقة لعموم { أية : أحل لكم صيد البحر } تفسير : [المائدة: 96] وعموم قوله تعالى: {ولحم الخنزير} ورأى بعضهم أنه غير متوقِّف فيه حقيقة، وإنما امتنع من الجواب إنكاراً عليهم تسميتهم إياه خنزيراً ولذلك قال أنتم تسمونه خنزيراً يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزيراً وأنه لا ينبغي تسميته خنزيراً ثم السؤال عن أكله حتى يقول قائلون أكلوا لحم الخنزير، أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يُتَلاعَب بها، وعن أبي حنيفة أنه منع أكل خنزير البحر غير متردد أخذاً بأنه سمي خنزيراً، وهذا عجيب منه وهو المعروف بصاحب الرأي، ومن أين لنا ألا يكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب فيكون أكله محرماً على فريق ومباحاً لفريق. وقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} أي ما أعلن به أو نودي عليه بغير اسم الله تعالى، وهو مأخوذ من أهل إذا رفع صوته بالكلام ومثله استهل ويقولون: استهل الصبي صارخاً إذا رفع صوته بالبكاء، وأهلَّ بالحج أو العمرة إذا رفع صوته بالتلبية عند الشروع فيهما، والأقرب أنه مشتق من قول الرجل: هلا لقصد التنبيه المستلزم لرفع الصوت وهلا أيضاً اسم صوت لزجر الخيل، وقيل مشتق من الهلال، لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال نادى بعضهم بعضاً وهو عندي من تلفيقات اللغويين وأهل الاشتقاق، ولعل اسم الهلال إن كان مشتقاً وكانوا يصيحون عند رؤيته وهو الذي اشتق من هلَّ وأهلَّ بمعنى رفع صوته، لأن تصاريف أهلَّ أكثر، ولأنهم سموا الهلال شهراً من الشهرة كما سيأتي. وكانت العرب في الجاهلية إذا ذبحت أو نحرت للصنم صاحوا باسم الصنم عند الذبح فقالوا باسم اللات أو باسم العزَّى أو نحوهما، وكذلك كان عند الأمم التي تعبد آلهة إذا قربت لها القرابين، وكان نداء المعبود ودعاؤه عند الذبح إليه عادة عند اليونان كما جاء في «الإلياذة» لهوميروس. فأُهِلَّ في الآية مبني للمجهول أي ما أهل عليه المهل غير اسم الله، وضمن (أهل) معنى تقرب فعدي لمتعلقه بالباء وباللام مثل تقرب، فالضمير المجرور بالباء عائد إلى {ما أهل}، وفائدة هذا التضمين تحريم ما تقرب به لغير الله تعالى سواء نودي عليه باسم المتقرب إليه أم لا، والمراد بغير الله الأصنام ونحوها. وأما ما يذبحه سودان بلدنا بنية أن الجن تشرب دمه ولا يذكرون اسم الله عليه زعماً بأن الجن تفر من نورانية اسم الله فالظاهر أنه لا يجوز أكله وإن كان الذين يفعلونه مسلمين ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام. وقال ابن عرفة في «تفسيره»: الأظهر جواز أكله لأنه لم يهل به لغير الله. وقوله: «فمن اضطر» الخ الفاء فيه لتفريع الإخبار لا لتفريع المعنى، فإن معنى رفع الحرج عن المضطر لا ينشأ عن التحريم، والمضطر هو الذي ألجأته الضرورة أي الحاجة أي اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فلا إثم عليه، وقوله: {غير باغ ولا عاد} حال، والبغي الظلم، والعدوان المحاربة والقتال، ومجيء هذه الحال هنا للتنويه بشأن المضطر في حال إباحة هاته المحرمات له بأنه بأكلها يكون غير باغ ولا عاد، لأن الضرورة تلجىء إلى البغي والاعتداء فالآية إيماء إلى علة الرخصة وهي رفع البغي والعدوان بين الأمة، وهي أيضاً إيماء إلى حد الضرورة وهي الحاجة التي يشعر عندها من لم يكن دأبه البغي والعدوان بأنه سيبغي ويعتدي وهذا تحديد منضبط، فإن الناس متفاوتون في تحمل الجوع ولتفاوت الأمزجة في مقاومته، ومن الفقهاء من يحدد الضرورة بخشية الهلاك ومرادهم الإفضاء إلى الموت والمرض وإلاّ فإن حالة الإشراف على الموت لا ينفع عندها الأكل، فعلم أن نفي الإثم عن المضطر فيما يتناوله من هذه المحرمات منوط بحالة الاضطرار، فإذا تناول ما أزال به الضرورة فقد عاد التحريم كما كان، فالجائع يأكل من هاته المحرمات إن لم يجد غيرها أكلاً يغنيه عن الجوع وإذا خاف أن تستمر به الحاجة كمن توسط فلاة في سفر أن يتزود من بعض هاته الأشياء حتى إن استغنى عنها طرحها، لأنه لا يدري هل يتفق له وجدانها مرة أخرى. ومن عجب الخلاف بين الفقهاء أن ينسب إلى أبي حنيفة والشافعي أنّ المضطرّ لا يشبع ولا يتزود خلافاً لمالك في ذلك والظاهر أنه خلاف لفظي والله تعالى يقول: {إن الله غفور رحيم} في معرض الامتنان فكيف يأمر الجائع بالبقاء على بعض جوعه ويأمر السائر بالإلقاء بنفسه إلى التهلكة إن لم يتزود، وقد فسر قوله {غير باغ ولا عاد} بتفاسير أخرى فعن الشافعي أنه غير الباغي والعادي على الإمام لا عاص بسفره فلا رخصة له فلا يجوز له أكل ذلك عند الاضطرار فأجاب المالكية: بأن عصيانه بالسفر لا يقتضي أن يؤمر بمعصية أكبر وهي إتلاف نفسه بترك أكل ما ذكر وهو إلجاء مكين. ومما اختلفوا في قياسه على ضرورة الجوع ضرورة التداوي، فقيل لا يتداوى بهاته المحرمات ولا بشيء مما حرم الله كالخمر وهذا قول مالك والجمهور، ولم يزل الناس يستشكلونه لاتحاد العلة وهي حفظ الحياة، وعندي أن وجهه أن تحقق العلة فيه منتف إذ لم يبلغ العلم بخصائص الأدوية ظن نفعها كلها إلاّ ما جرب منها، وكم من أغلاط كانت للمتطببين في خصائص الدواء، ونقل الفخر عن بعضهم إباحة تناول المحرمات في الأدوية، وعندي أنه إذا وقع قوة ظن الأطباء الثقات بنفع الدواء المحرم من مرض عظيم وتعينه أو غلب ذلك في التجربة فالجواز قياساً على أكل المضطر وإلاّ فلا. وقرأ بو جعفر: {فمن اضطر} بكسر الطاء، لأن أصله اضطرر براءين أولاهما مكسورة فلما أريد إدغام الراء الأولى في الثانية نقلت حركتها إلى الطاء بعد طرح حركة الطاء. وقوله: {إن الله غفور رحيم} تذييل قصد به الامتنان، أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب، ونحوه حديث : قوله - صلى الله عليه وسلم - في رؤيا القليب "وفي نزعه ضعف والله يغفر له" تفسير : . ومعنى الآية: أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ} الآية. ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بين في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو قوله: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} تفسير : [المائدة: 96] الآية. إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته. وما ذكره بعض العلماء من أن المراد [بطعامه] قديده المجفف بالملح مثلاً، وأن المراد [بصيده] الطري منه. فهو خلاف الظاهر. لأن القديد من صيده فهو صيد جعل قديداً، وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته. منهم: أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنهم أجمعين - وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير. وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام، وهو قوله: {أية : إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145]، فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله: {مَّسْفُوحاً} فائدة. وقد جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم حديث : أن الله أحل له ولأمته ميتتين ودمينتفسير : . أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء الله تعالى. وعنه صلى الله عليه وسلم في البحر: "حديث : هو الحل ميتته"تفسير : ، أخرجه مالك وأصحاب السنن والإمام أحمد والبيهقي والدراقطني في سننيهما، والحاكم في المستدرك، وابن الجارود في المنتفى، وابن أبي شيبة. وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث وعموم قوله تعالى: {وَطَعَامُهُ} يدل على إباحة ميتة البحر مطلقاً. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتاً وقصته مشهورة. وحاصل تحرير فقه هذه المسالة أن ميتة البحر على قسمين: قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أخرج منه مات كالحوت، وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها. أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت، فميتته حلال عند جميع العلماء، وخالف أبو حنيفة - رحمه الله - فيما مات منه في البحر وطفا على وجه الماء، فقال فيه: هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده. وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء، فقد اختلف فيه العلماء. فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه، ووجد طافياً أو بالاصطياد، أو أخرج حياً، أو ألقي في النار، أو دس في طين. وقال ابن نافع وابن دينار: ميتة البحر مما يعيش في البر نجسة. ونقل ابن عرفة قولاً ثالثاً بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهراً، أو في البر فيكون نجساً. وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه. وفي المدونة: ولا بأس بأكل الضفادع وإن ماتت. لأنها من صيد الماء اهـ. أما ميتة الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقاً ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. أما كلب الماء وخنزيره، فالمشهور من مذهب مالك، فيهما الكراهة. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفاً على ما يكره، وكلب ماء وخنزيره. وقال الباجي: أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان أنه مكروه، وقاله ابن حبيب. وقال ابن القاسم في المدونة: لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول: أنتم تقولون خنزير. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه ولو أكله رجل لم أره حراماً. هذه هو حاصل مذهب مالك في المسألة وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر أو لا قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُه} تفسير : [المائدة: 96] ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته" تفسير : وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث وفيه التصريح من النَّبي بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم. كقوله: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النور: 63] وقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34]. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفاً على صيغ العموم: شعر : وما معرفاً بأل قد وجدا أو بإضافةٍ إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى تفسير : وبه نعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَيْتَتَهُ" تفسير : يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر. ومذهب الشافعي - رحمه الله - في هذه المسالة: هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال، بلا خلاف، سواء كان طافياً على الماء أم لا. وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين: أن ميتته كله حلال. للأدلة التي قدمنا آنفاً ومقابله قولان: أحدهما: منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقاً. الثاني: التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة، فتباح ميتة البحري منه، وبين ما لا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر. لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحل ميتته" تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَطَعَامُهُ} تفسير : [المائدة: 96]، كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر، بأنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرناعلى خصوص ما لا يعيش إلا في البحر ا هـ. وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلاً، والله تعالى أعلم. ومذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلاً. لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر [وهو الحوت بأنواعه] فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه: أنه مستخبث. والله تعالى يقول: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157]. وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه: "حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه"تفسير : اهـ. قال أبو داود: "روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر. وقد أسند هذا الحديث أيضاً من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب. عن أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم اهـ. وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب أو سنة يدل على التخصيص كما تقدم. ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يرد به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور. قال النووي في شرح المهذب ما نصه: وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء. فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي الله عنهم المنتشرة؟ وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر. قال البيهقي: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيئ الحفظ. قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفاً على جابر. قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث. فقال: ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. قال: ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئاً. قال البيهقي: وقد رواه أيضاً يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعاً، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به. قال: روواه عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر مرفوعاً، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال: ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. فكيف بما يخالف؟ قال: وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما رويناه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته" تفسير : اهـ. وقال البيهقي في السنن الكبرى في باب "منكره أكل الطافي" ما نصه: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه أنه كان يقول: "ما ضرب به البحر أو جزر عنه أو صيد فيه فكل، وما مات فيه ثم طفا فلا تأكل". وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً وعبد الرزاق وعبد الله بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفاً، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعاً وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا علي بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله"تفسير : . قال سليمان لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي، قال مقيده [عفا الله عنه] فتحصل: أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم الاحتجاج به. وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت. وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وبالآية والحديث المتقدمين. وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم برد حديث جابر المذكور. لأن رفعه جاء من طرق متعددة وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعاً التي قدمنا، ضعفوها بأن في إسنادها يحيى بن سليم الطائفي، وأنه سيء الحفظ. وقد رواه غيره مرفوعاً، مع أن يحيى بن سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعاً عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها بأنه واهم فيها. قالوا: خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفاً. ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور وهو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي ثقة ثبت. وإن قال ابن حجر في التقريب: إنه قد يخطئ في حديث الثوري فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية ابن الوليد له مرفوعاً عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. ويعتضد ذلك أيضاً برواية عبد العزيز بن عبيد الله له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً. ورواية يحيى بن أبي أنيسة له عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً، وإن كان عبد العزيز بن عبيد الله ويحيى بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين، لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك أيضاً برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً عند الترمذي وغيره. فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت، لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها. وبعضها صحيح كرواية أبي أحمد المذكورة والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة. قال في مراقي السعود: شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ تفسير : إلخ... نعم لقائلٍ أن يقول: هو معارض بما هو أقوى منه، لأن عموم قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}تفسير : [المائدة: 96]، وقوله صلى الله عليه ولسم في البحر: "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته"تفسير : ، أقوى من حديث جابر هذا، ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس، لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره. وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة. فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، والله تعالى أعلم. والمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: شعر : وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين تفسير : يحكى في نوادر المجانين أن مجنوناً مر به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام. فقال لهم المجنون: ألقوا الغلام في البحر، فإن رسب فيه فهو من بني راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة. وقال البخاري في صحيحه باب قول الله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 96]: قال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. وقال أبو بكر: الطافي حلال، وقال ابن عباس طعامه ميتته إلاَّ ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله. وقال شريح صاحب النَّبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء في البحر مذبوحه، وقال عطاء: أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السَّيل، أَصَيد بحرٍ هو؟ قال: نعم. ثمَّ تلا: {أية : هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} تفسير : [فاطر: 12]، وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم. ولم ير الحسن بالسلحفاة بأساً. وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء: في المري: ذبح الخمر النِّينان والشَّمس. انتهى من البخاري بلفظه. ومعلوم أن البخاري - رحمه الله - لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحاً ثابتاً عنده. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه: قوله: قال عمر [هو ابن الخطاب] "صيده" ما اصطيد و "طعامه" ما رمى به. وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه. فلما قدمت على عمر فذكر قصة. قال: فقال عمر: قال الله تعالى في كتابه: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} تفسير : [المائدة: 96] فصيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف به. قوله: وقال أبو بكر [هو الصديق]: الطافي حلال، وصله أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال. زاد الطحاوي: لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد والطبري منها. وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله. فإنه ذكي. قوله: وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} تفسير : [المائدة: 96] قال: طعامه ميتته. وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس. وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافياً، في سنده الأجلح وهو ليّن، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله، قوله: والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله. وصله عبد الرزاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجري فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به. وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري، فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. والجَري - بفتح الجيم - قال ابن التين - وفي نسخة: بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة - قال: ويقال له أيضاً: الجريت، وهو ما لا قشر له. وقال ابن حبيب من المالكية: إنما أكرهه، لأنه يقال إنه من الممسوخ. وقال الأزهري: الجريت نوع من السمك يشبه الحيات. وقيل: سمك لا قشر له. ويقال له أيضاً: المرماهي والسلور مثله. وقال الخطابي: هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره: نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين. قوله: وقال شريح صاحب النَّبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء في البحر مذبوح، وقال عطاء: أما الطير فأرى أن تذبحه، وصله المصنف في التاريخ وابن منده في المعرفة من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير أنهما سمعا شريحاً صاحب النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء. فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه. وأخرجه الدارقطني وأبو نعيم في الصحابة مرفوعاً من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار: سمعت شيخاً كبيراً يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم. وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: أن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم، وفي سنده ضعف. والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضاً. وأخرج عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن علي: الحوت ذكي كله، قوله: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا {أية : هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} تفسير : [فاطر: 12] وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي داود عن ابن جريج أتم من هذا، وفيه: وسألته عن حيتان بركة القشيري - وهي بئر عظيمة في الحرم - أتصاد؟ قال: نعم. وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو صيد. وقلات - بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة - ووقع في رواية الأصيلي مثلثة، والصواب الأول: جمع قلت بفتح أوله مثل: بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء. قوله: وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة بأساً. أما قول الحسن الأول فقيل إنه ابن علي. وقيل: البصري. ويؤيد الأول أنه وقع في رواية: "وركب الحسن عليه السلام" وقوله: على سرج من جلود، أي متخذ من جلود كلاب الماء. وأما قول الشعبي: فالضفادع جمع ضفدع - بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضاً - وحكى ضم أوله مع فتح الدال. والضفادي بغير عين لغة فيه، قال ابن التين: لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغيره. وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي: لا بد من التذكية. قال مقيده - عفا الله عنه-: ميتة الضفادع البرية لا ينبغي أن يختلف في نجاستها، لقوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] وهي ليست من حيوان البحر لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك. نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل: والبحري ولو طالت حياته ببر. وقال ابن حجر متصلاً بالكلام السابق، وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأساً، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بأكلها، و السلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم الف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة، حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس. وحكى أيضاً في المحكم: بسكون اللام وفتح الحاء. وحكي أيضاً: سلحفية كلأول لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة. قوله: وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي. قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة وفي بعضها "ما صاده" قبل لفظ نصراني. قلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: كل ما ألقى البحر وما صيد منه، صاده يهودي أو نصراني أو مجوسي. قال ابن التين: مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. انتهى، من فتح الباري بلفظه. وقول أبي الدرداء في المري: ذبح الخمر النينان والشمس، المشهور في لفظه، أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفاً على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو: الحوت، والمري - بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافاً لصاحب الصحاح والنهاية، فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء المشددة نسبة إلى المر وهو الطعم المشهور، و المري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير عن طعم الخمر ويصير خلاً، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر وإزالة الإسكار عنه، هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يرى إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعاً، قال ابن حجر في الفتح: وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر. وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته، وحله يتعدى إلى غيره كالملح. حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهراً حلالاً، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر وهو قول أبي الدرداء وجماعة. قال مقيده - عفا الله عنه-: والظاهر منع أكل الضفادع مطلقاً، لثبوت النهي عن قتلها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيباً سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النَّبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها. وقال النسائي في سننه: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان، أن طبيباً ذكر ضفدعاً في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قال: سأل طبيب النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وسيأتي لتحريم أكل الضفدع زيادة بيان إن شاء الله في سورة الأنعام في الكلام على قوله: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقاً قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم، أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع، قاله النووي. ونقل عن أحمد - رحمه الله - ما يدل على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج. لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع. وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر ككلب الماء، وخنزيره. وإنسانه، وهو قول الليث إلا في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر، قاله ابن قدامة في المغني، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند الله تعالى. تنبيه الدم أصله دمي، يائي اللام، وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئاً، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول دُميّ بادغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضاً في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضاً في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي: شعر : ولو أنّا عَلى حجرٍ ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليَقين تفسير : وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول: في الماضي دميت يده كرضي، ومنه قوله: شعر : هل أنتِ إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : وتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفاً كما في يرضى ويسعى ويخشى، ومنه قول الشاعر: شعر : ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تفسير : وتقول في الوصف: أصبح جرحه دامياً، ومنه قول الراجز: شعر : نرد أولالها على أخراها نردها داميةً كلاها تفسير : والتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل: أصلها واو وإنما أبدلت ياء في الماضي لتطرفها بعد الكسر، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويات اللام في الأصل. لأنها من الرضوان والقوة والشجو. وقال بعضهم: الأصل فيه دمي بفتح الميم، وقيل بإسكانها، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ}. لم يبين هنا سبب اضطراره، ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع، وهو قوله: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} تفسير : [المائدة: 3] وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} تفسير : [المائدة: 3]، والمتجانف المائل، ومنه قوله الأعشى: شعر : تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا تفسير : فيفهم من الآية أن الباغي والعادي، كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها. وقال بعض العلماء: الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين، وكثيراً ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله ا هـ. وقال بعض العلماء: إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ}. وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا. ونقل القرطبي عن قتادة، و الحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى: غير باغ، أي: في أكله فوق حاجته، ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها. ونقل أيضاً عن السدي أن المعنى غير باغ في أكلها شهوة وتلذذاً، ولا عادٍ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع. وقال القرطبي أيضاً، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا صحيح. فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد، يقال: بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت. قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} تفسير : [النور: 33]، وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء إبل له، أي: في طلبها، ومنه قول الشاعر: شعر : لا يمنعنك من بغا ء الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم تفسير : وذكر القرطبي عن مجاهد أن المراد بالاضطرار في هذه الآية الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا. وقد قدمنا أن آية {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} تفسير : [المائدة: 3] مبينة لذلك، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106] بطريق الأولى، وحديث: "حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". تفسير : مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حياته، وأجمعوا أيضاً على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع: هل له أن يشبع من الميتة أو ليس له مجاوزة ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت. فذهب مالك - رحمه الله تعالى: - إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في موطئه: إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها. قال ابن عبد البر: حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالاً له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه. وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما: أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك. وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، حيث قال: وللضرورة ما يسد غير آدمي. وقال ابن العربي: ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشيخ منها. ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجتهما في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي: إنه الصحيح. ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضاً. وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو: أنه إن كان بعيداً من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلاً في المسألة، وهو: أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعاماً طاهراً قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف. قال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح. وعن الإمام أحمد - رحمه الله - في هذه المسالة روايتان أيضاً. قال ابن قدامة في المغني: وفي الشبع روايتان: أظهرهما: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. قال الحسن: يأكل قدر ما يقيمه. لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر، فلم يحل له الأكل للآية. يحققه: أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل كذا ههنا. والثانية: يباح له الشبع. اختارها أبو بكر. لما روى جابر بن سمرة حديث : أن رجلاً نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله؟ فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال: "هل عندك غنى يغنيك"؟ قال: لا. قال "فكلوها ولم يفرقتفسير : . رواه أبو داود. ويدل له أيضاً حديث الفجيع العامري عنده: أن النَّبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها. ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الشبع: لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل، والله أعلم. انتهى من المغني بلفظه. وقال إمام الحرمين: وليس معنى الشبع أن يمتلئ حتى لا يجد مساغاً، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك أهـ. قاله النووي. المسألة الثانية: حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة، هو الخوف من الهلاك علماً أو ظناً. قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ: ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة أهـ. وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علماً أو ظناً، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد. وقال النووي في شرح المهذب: الثانية في حد الضرورة. قال أصحابنا: لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها، قالوا: ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك. فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك. فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما: الحِل. قال إمام الحرمين وغيره: ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفى غلبة الظن. انتهى منه بلفظه. وقال ابن قدامة في المغني: إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور. وحد الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقيناً كان أو ظناً، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة:هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب. لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} تفسير : [النساء: 29]. ومن هنا قال جمع من أهل الأصول: إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضاً، وهو اختيار ابن حامد، وهذا هو مذهب أبي حنيفة - رحمهم الله - وقال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه. وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصياً، نقله القرطبي وغيره. وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة - رحمهم الله - وغيرهم، واحتجوا بأن له غرضاً صحيحاً في تركه وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة. وقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما نصه: وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان: أحدهما: يجب، وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول الله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195]، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} تفسير : [النساء: 29]، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. والثاني: لا يلزمه، لما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحله لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص. ولأن له غرضاً في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه. وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلاً وجوب تناول ما يمسك الحياة. لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقاً ويحكم عليه بالقطع. ففي موطئه ما نصه: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة، أيأكل منها و هو يجد ثمراً لقوم أو زرعاً أو غنماً بمكانه ذلك؟ قال مالك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقاً فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئاً، وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة. وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقاً بما أصاب من ذلك. فإن أكل الميتة خير له عندي. وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عادٍ ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. أهـ. وقال ابن حبيب: إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل. فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه. الباجي: يريد أنه يدعوه أولاً إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه. وقال خليل بن إسحق المالكي في مختصره الذي قال فيه مبيناً لما به الفتوى عاطفاً على ما يقدم المضطر على الميتة وطعام غير إن لم يخف القطع، وقاتل عليه. هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة. ومذهب الشافعي فيها هو ما ذكره النووي في شرح المهذب بقوله: المسألة الخامسة: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب فثلاثة أوجه، وقيل ثلاثة أقوال: أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخير بينهما. وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي ولو كان صاحب الطعام حاضراً، فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب والذي قطع به العرافيون والطبريون وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلاً، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف، لضعف المالك وسهولة دفعه، فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائباً، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح. وقال البغوي: يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة ثم يجيء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أو ثمن المثل، قال وإذا لم يبذل أصلاً وقلنا طعام الغير أولى من الميتة، يجوز أن يقاتله ويأخذه قهراً، والله أعلم. وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير. قال الخرقي في مختصره: ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزاً لا يُعرف مالكه، أكل الميتة أهـ. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لهذا الكلام ما نصه، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم. وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما: يأكل الطعام وهو قول عبد الله بن دينار. لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه. ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى. ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق. ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحق الله لا عوض له. المسالة السادسة: إذا كان المضطر إلى الميتة محرماً وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم الله - والشافعي في أصح القولين: إلى أنه يقدم الميتة. وعن الشافعي - رحمه الله تعالى - قول بتقديم الصيد وهو مبني على القول: بأن المحرم إن ذكى صيداً لم يكن ميتة. والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم. لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله في سورة المائدة. وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنتفي الضرورة فلا تحل الميتة. واحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلا صيداً وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق، لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهراً حلالاً فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة. ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو لحم إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الأدمي. قال الباجي: إن وجد المضطر ميتة وخنزيراً فالأظهر عندي أن يأكل الميتة. لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقاً وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعاً، سواء كان مسلماً، أو ذمياً. وإن وجد إنسان معصوم ميتاً فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز؟ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية. واحتج الحنابلة لمنعه. لحديث "حديث : كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" تفسير : واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال: لا حجة في الحديث ههنا. لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت، قاله في المغني. ولو وجد المضطر آدمياً غير معصوم كالحربي والمرتد، فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، والله تعالى أعلم. المسألة السابعة: هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟ فيه للعلماء أربعة اقوال: الأول: المنع مطلقاً. الثاني: الإباحة مطلقاً. الثالث: الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها دون العطش. الرابع: عكسه. وأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقاً. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن التداوي بالخمر لا يجوز، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء"تفسير : . والظاهر إباحتها. لإساغة غصة خيف بها الهلاك. وعليه جل أهل العلم. والفرق بين إساغة الغصة وبين شربها للجوع أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش. قال الباجي: وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك: لا يشربها ولن تزيده إلا عطشاً. وقال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. وقال ابن حبيب: من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج. أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل. وإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعمالها لإساغة الغصة، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش أهـ بنقل المواق في شرح قول خليل وخمر لغصة، وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشاً نقل نحوه النووي عن الشافعي، قال: وقد نقل الروياني أن الشافعي - رحمه الله - نص على المنع من شربها للعطش. معلِّلاً بأنها تجيع وتعطش. وقال القاضي أبو الطيب: سألت من يعرف ذلك فقال: الأمر كما قال الشافعي: إنها تروي في الحال ثم تثير عطشاً عظيماً. وقال القاضي حسين في تعليقه: قالت الأطباء الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش. وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسالة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقاً والله تعالى أعلم. أهـ من شرح المهذب. وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضاً، والعلم عند الله تعالى. ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطراً اضطراراً يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعاً، ولا يجوز له حمل شيء منه وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه. فقيل: له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئاً، وقيل: ليس له ذلك، وقيل: بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقاً ما ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من عموم قوله: "حديث : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا"تفسير : ، وعموم قوله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 29]، ونحو ذلك من الأدلة. وحجة من قال بالإباحة مطلقاً ما أخرجنه أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أتى أحكدم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل"تفسير : اهـ. وما رواه الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من دخل حائطاً فليأكل ولا يتخذ خبنة"تفسير : ، قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وما رواه الترمذي أيضاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: "حديث : من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه"تفسير : . قال: فيه حديث حسن. وما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "حديث : إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثباناً ". تفسير : قال أبو عبيد: قال أبو عمرو: هو يحمل الوعاء الذي يحمل فيه الشيء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال قد تثبنت ثباناً، فإن حملته على ظهرك فهو الحال. يقال: منه قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئاً ثم حملته على ظهرك، فإن جعلته في حضنك فهو خبنة، ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع: "ولا يتخذ خبنة"، يقال فيه: خبنت أخبن خبناً، قاله القرطبي. وما روي عن أبي زينب التيمي، قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب المغني وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح حديث : عن عباد ابن شرحبيل اليشكري الغبري - رضي الله عنه - قال: أصابتنا عاماً مخمصة، فأتيت المدينة فأتيت حائطاً من حيطانها فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: "ما اطعمته إذ كان جائعاً أو ساغباً، ولا علمته إذ كان جاهلاً، فأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق"تفسير : ، فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة. وقال القرطبي في تفسيره عقب نقله لما قدمنا عن عمر - رضي الله عنه - قال أبو عبيد: وإنما يوجه هذا الحديث، أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شيء معه يشتري به، ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته. ثم قال: قلت: لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه. فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما ان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم. والله أعلم اهـ منه. وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شح صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب المغني وغيره. وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة وبين مال الكتابي (الذمي) فلا يجوز بحال غير ظاهر. ويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : (173) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤْمِنِينَ مَا حَرَّمُهُ عَلَيهِمْ مِنَ المآكِلِ: المَيْتَةَ (وَهيَ الحَيَوانُ الذِي مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيرِ تَذْكِيَةٍ وَلاَ ذَبْحٍ) والدَّمَ المَسْفُوحَ، وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ، وَمَا ذُبِحَ مِنَ الأَنْعَامِ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ كَالأَصْنَامِ، وَالأَوْثَانِ، فَهذا كُلُّهُ حَرَامٌ. أَمَّا الذِينَ يُضْطَرُّونَ إِلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ وَسِيلَةً أُخْرَى لِلْحُصُولِ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ الحَلاَلِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَيْلٌ إِلَى تَعَدِّي الحَلاَلِ إِلَى الحَرَامِ، وَهُمْ يَجِدُونَ عَنْ أَكْلِ الحَرَامِ مَنْدُوحَةً (غَيْرَ بَاغٍ)، وَدُونَ أَنْ يُجَاوِزُوا فِيمَا يَأْكُلُونَ حُدَودَ الضَرُورَةِ الَّتِي تَكْفِي لِسَدِّ الرَّمَقِ، وَحِفْظِ الحَيَاةِ، حَتَّى يَجِدُوا الطَّعَامَ الحَلالَ (عَادٍ)، فَهؤُلاءِ لا إِثْمَ عَلَيهِمْ وَلا مَسْؤولِيَّةَ. وَاللهُ تَعَالَى غَفُورٌ لَهُمْ لِما أَكَلُوا مِنَ الحَرَامِ، رَحِيمٌ بِهِمْ إِذ أَحَلَّ لَهُمُ الحَرَامَ فِي حَالَةِ الاضْطِرَارِ. وَلاَ عَادٍ - غَيْرَ مُتََجَاوِزٍ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ. غَيْرَ بَاغٍ - غَيْرَ طَالِبٍ لِلحَرَامِ لِلَذَّةٍ أَوِ اسْتِئْثَارٍ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونجد أن استخدام "الموت" يأتي في كلمات مُنَوَّعة، ففيه: "مَيِّت" و"مَيْتَة"، و"ميّتة" ومثال ذلك ما يقوله الحق:{أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ ..}تفسير : [فاطر: 9]. و"الميّت" بتشديد الياء هو مَنْ ينتهي أمره إلى الموت وإن كان حياً، فكل واحد منا يقال له أنت ميّت، أي مصيره إلى الموت، ولذلك يخاطب الله رسوله: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}تفسير : [الزمر: 30]. إذن فكلمة "مَيّت" معناها أنك ستموت، رغم أنك الآن حي. لكن عندما نقول: "مَيْت"، بتسكين الياء، فمعناها مات بالفعل، وفي الشعر العربي جاء: شعر : وما الميْت إلا مَنْ إلى القبر يُحمل تفسير : والحق سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ} [البقرة: 173]، ولو قال: "الميِّتة" بتشديد الياء، لقلنا: إن كل شيء سيموت يصير محرما، لكن كلام الله هنا الميْتة - بالياء الساكنة - وهي الميتة بالفعل، وهي التي خرجت روحها حتفاً؛ لأنَّه فيه خروج الروح إزهاقاً بمعنى أن تذبحه فيموت؛ لكن هناك مخلوقات تموت حتف أنفها، وساعة تموت الحيوانات حتف أنفها تُحتبس فيها خلاصة الأغذية التي تناولتها وهي الموجودة بالدم؛ وهذا الدم فيه أشياء ضارة كثيرة، ففي الدم مواد ضارة فاسدة استخلصتها أجهزة الجسم وهو حي، وكانت في طريقها إلى الخروج منه، فإذا ما ذبحناه؛ سال كل الدم الفاسد والسليم، ولأن درء المفسدة مقدمة على جلب المصلحة، فإننا نضحي بالدم السليم مع الدم الفاسد. وهذا الدم يختزنه الجسم عندما يموت، وتظل بداخله الأشياء الضارة فيصبح اللحم مملوءاً بالمواد الضارة التي تصيب الإنسان بالأمراض. ونظرة بسيطة إلى دجاجتين، إحداهما مذبوحة أريق دمها، والأخرى منخنقة أي لم يرق دمها، فإننا نجد اختلافا ظاهراً في اللون، حتى لو قمنا بطهي هذه وتلك فسنجد اختلافاً في الطعم، سنجد طعم الدجاجة المذبوحة مقبولاً، وسنجد طعم الدجاجة الميتة غير مقبول، وكان الذين لا يؤمنون بإله أو بمنهج يقومون بذبح الحيوانات قبل أكلها، لماذا؟ لقد هدتهم تجاربهم إلى أن هذه عملية فيها مصلحة، وإن لم يعرفوا طريقة الذبح الإسلامية. وحين يحرم الله {ٱلْمَيْتَةَ} فليس هناك أحد منا مطالب أن يجيب عن الله؛ لماذا حرم الميتة؟، لأنه يكفينا أن الله قال: إنها حرام، وما دام الذي رزقك قال لك: لا تأكل هذه؛ فقد أخرجها من رزقيه النفعية المباشرة، ولو لم يكن فيها ضرر نعلمه، هو سبحانه قد قال: لا تأكلها، فلا تأكلها، لأنه هو الذي رزق، وهو الذي خلقك، وهو الذي يأمرك بألا تأكلها، فليس من حقك بعد ذلك أن تسأل لماذا حرمها علي؟. وهب أننا لم نهتد إلى حكمة التحريم، ولم نعرف الأذى الذي يصيب الإنسان من أكل الميتة؟ هل كان الناس يقفون عند الأمر حتى تبدو علته، أم كانوا ينفذون أوامر الله بلا تفكير؟ لقد استمع المؤمنون لأوامر الحق ونفذوها دون تردد. إذن، فما دام الله يخاطبنا، فبمقتضى حيثية الإيمان يجب أن نتقبل عنه الحكم، وعلة قبول الحكم هي صدوره من الذي حكم. أما أن نعرف علة الحكم، فهذه عملية إيناس للعقل، وتطمين على أن الله لم يكلفنا بأمر إلا وفيه نفع لنا، والمؤمن لا يصح أن يجعل إيمانه رهناً بمعرفة العلة. إن الحق يقول: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} [البقرة: 173] والآية صريحة في أن كل ميتة حرام، وما دامت ميتة فقد كان فيها حياة وروح ثم خرجت، لكننا نأكل السمك وهو ميت، وذلك تخصيص من السّنة لعموم القرآن، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أحل لكم ميتتان: السمك والجراد، ودمان؛ الكبد والطحال ". تفسير : لماذا هذا الاستثناء في التحليل؟ لأن للعرف في تحديد ألفاظ الشارع مدخلاً، فإذا حلفت ألا تأكل لحماً وأكلت سمكاً فهل تحنث؟. لا تحنث، ويمينك صادقة؛ رغم أن الله وصف السمك بأنه لحم طريٌّ، إلا أن العرف ساعة يُطلق اللحم لم يدخل فيه السمك. إذن، فالعرف له اعتبار، لذلك فالزمخشري صاحب الكشاف يقول في هذه المسألة: "لو حلفت ألا تأكل اللحم وأكلت السمك فإجماع العلماء على أنك لم تحنث في يمينك". وضرب مثلاً آخر فقال: لو حلفت بأن تركب دابة، والكافر قد أسماه الله دابة فقال: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 55] فهل يجوز ركوب الكافر؟. لا يجوز فكان مقتضى الآية أنه يصح لك أن تركبه وعلق على ذلك قائلاً: صحيح أن الدابة هي كل ما يدب على الأرض، إلا أن العرف خصها بذوات الأربع. لهذا كان للعرف مدخل في مسائل التحليل والتحريم. فإذا قال قائل: إن الله حرم الميتة، والسمك والجراد ميتة فلماذا نأكلها؟. نرد عليه: إن العرف جرى على أن السمك والجراد ليسا لحماً، بدليل قولهم: "إذا كثر الجراد أرخص اللحم"، وذلك يعني أن الجراد ليس من اللحم. أما بالنسبة للسمك، فالسمك لم يكن كالميتة التي حرمها الله لأن الميتة المحرمة هي كل ما يذبح ويسيل دمه، والسمك لا نفس سائلة له أي لا دم له. والجراد أيضاً لا دم فيه، إذن، فتحليل أكله وهو ميت إنما جاء بسبب عدم وجود نفس سائلة يترتب عليها انتقال ما يضر من داخله إلى الإنسان، وكذلك الكبد والطحال أيضاً ليسا بدم؛ فالدم له سيولة، والكبد والطحال لحم متجمد متماسك، خلاصة دم تكّون منه عضو الكبد وعضو الطحال. إذن، السنة لها دور بيان في التحليل والتحريم، وقوله الحق: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ} [البقرة: 173] يعني أنه سبحانه قد حرمها لأجل بقاء الدم في الميتة وعدم سيلانه، ومن باب أولى؛ كان تحريم الدم أمراً واجباً. وحرم الحق "لحم الخنزير" وقلنا إن علة الإقبال على الحكم هو أمر الله به، فإذا أثبت الزمن صدق القضية الإيمانية في التحليل؛ فذلك موضوع يؤكد عملية الإيمان، لكن لو انتظرنا وأجلنا تنفيذ حكم الله حتى نتأكد من علة التحريم؛ لكُنّا نؤمن بالعلماء والاكتشافات العلمية قبل أن نؤمن بالله. لأننا إن انتظرنا حتى يقول العلماء كلمتهم؛ فقد اعتبرنا العلماء آمن علينا من الله. وهل يوجد مخلوق آمن على مخلوق من الخالق؟. إن ذلك مستحيل. إذن فالمؤمن مَنْ يأخذ كل حكم صادر من الله، وهو متيقن أن الله لا يأمره إلا بشيء نافع له، وفي الحقيقة فالشيء الضار غير ضار في ذاته، فقد ينفع في أشياء أخرى. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فأنت ساعة تعاقب ابنك بأمر من الأمور، فتحرمه من المصروف أو تحرمه من أكلة شهية، فإن ذلك العقاب ليس ضاراً في ذاته، إنما إغراقك إياه بما يحب ويطلب، مع سيره في طريق لا ترتضيه، هو دعوة للابن أن يستمر في فعل ما لا ترتضيه. إن عدم تربية الابن بالثواب والعقاب هو أمر ضار. ولذلك نقول للذين يريدون أن يوجدوا علة لكل مُحَرَّم: أنتم لم تفطنوا إلى تحريم التأديب، فهناك تحريم الأمر لأنه ضار، وهناك تحريم لأمر آخر لأنك تريد أن تحرمه تأديباً له، وأنت لا يصح منك أن تجعل عملية التأديب في القيم دون عملية الإصلاح في المادة البدنية. والحق سبحانه وتعالى أرحم بخلقه من الأب بابنه، وهو قد حرم بعضاً من طيبات الحياة على بني إسرائيل للتأديب، فقال عز وجل: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ..}تفسير : [النساء: 160]. فالحق حرم عليهم الطيبات كتأديب لهم على ظلمهم لأنفسهم. إذن، ساعة ترى تحريماً فلا تنظر إلى تحريم الشيء الضار، لكن انظر أيضاً إلى أن هناك تحريماً من أجل التأديب، لأن إباحة بعض من الطيبات لهؤلاء مع كونهم مخالفين للمنهج هو إغراء لهم بأن يكونوا مخالفين دائماً، ظالمين لأنفسهم. فالحق قد منع ما يضر الإنسان في بدنه، ومنع أيضاً بعضاً من الطيبات على بعض المخالفين كتأديب لهم. وبالنسبة لتحريم الخنزير، فقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يكشف لخلقه سر التحريم، فأثبت العلماء أن هناك أمراضاً في الخنزير لم تكن معروفة قبل ذلك، وتبين لهم خطورتها مثل الدودة الشريطية، وإِذا كان الحق سبحانه وتعالى قد كشف لهم سراً واحداً هو الدودة الشريطية، فربما هنا أسرار أخرى أخطر من الدودة الشريطية. ويحرم الحق أيضاً {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 173] والإهلال هو رفع الصوت، ولذلك يقال: هلل أي رفع صوته بلا إله إلا الله، ويُسمى الهلال هلالاً؛ لأننا ساعة نراه نهلل ونقول: "الله أكبر، ربي وربك الله" وساعة يولد الولد، ويخرج من بطن أمه يتنبه إلى حياته وإلى ذاتية وجوده بعد أن كان ملتحماً بذاتية أمه فهو يصرخ، إنه يبدأ حياته بالصراخ، ولذلك فالذين ينتظرون مولد الطفل عندما يستمعون لصرخته يطمئنون. ولذلك يقول الشاعر: شعر : لما تـؤذن الدنيا بـه مـن صـروفـها يـكـون بـكـاء الطـفل سـاعة يـولد تفسير : كأن الوليد يقبل على شيء فيه نكد، ولا يلتفت إلى ما في اتساع الدنيا ورغد العيش فيها. وإلا فما يبكيه وإنها لأوسع ما كان فيه وأرغد؟. فكأن صرخة الوليد هي صرخة الانتقال من رحم الأم إلى مواجهة الحياة. كانت حياة الطفل في بطن أمه رتيبة وغذاؤه من الحبل السري، لكنه ساعة ينفصل عن أمه تنقطع صلته بجهاز تحضير الغذاء في رحم الأم، وفقد المدد الغذائي في لحظة خروجه من بطن أمه ولم يأته مدد الرضاعة بعد؛ فالرضاعة من مدد الدنيا، ولا يأخذها الطفل إلا إذا أخذ أقل نسبة من الهواء ليدير الرئة، ولذلك يحرص الأطباء في أن ينزل الوليد من جهة رأسه دائماً، لأنه لو نزل من ناحية رجليه ورأسه ما زال بالداخل، فإن أنفاسه تكون محبوسة في بطن أمه، ويكاد يموت، ولذلك يكشفون الآن على الأم ليعرفوا وضع الجنين، ويقوم الطبيب بإجراء الجراحة القيصرية حرصاً على حياة الوليد، وأول شيء يقوم به الطبيب بعد ميلاد الطفل هو أن يُسلك منافذ الهواء إلى أنفه، وبعد ذلك يعالج بقية الأعضاء. إنها صرخة الغريزة، تماماً مثل ما تسهو أُمه عنه وجاء موعد رضعته فهو يصرخ وهكذا نعرف أن الإهلال هو رفع الصوت، وقوله الحق: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 173] يعني هو رفع الصوت لحظة الذبح، والذبح نوعان: ذبح لنفعك لتأكل ويأكل غيرك، وذبح قربى لله. وما أهل به لله، هو ذبح قربى لله، أما {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} [البقرة: 173] فهو الذبح لمنفعة الإنسان فقط، وتقرباً إلى أصنامهم وأوثانهم وما يعبدونه من دون الله. وما دام الله هو الذي أعطى الحيوانات وسخرها لنا من أجل أن نأكلها؛ فعلينا أن نذكر المنعم، وأن تكون القربى لله وحده هي القصد الأول. ولذلك فالمؤمنون يتقربون ويأكلون، أما الكفار فيأكلون ولا يتقربون لله وإنما يذبحون ويتقربون إلى آلهتهم. والحق سبحانه وتعالى حينما شرع، فتشريعه يضع الاحتمالات، وليس كالمشرعين من البشر الذين تضطرهم أحداث الحياة بعد التشريع إلى أن يغيروا ما شرعوا؛ لأنه حدثت أقضية بعد تطبيق التشريع لم تكن في بالهم ساعة شرعوا، وذلك لقصور علمهم عما يحدث في الكون من القضايا التي تضطرهم وتلجئهم إلى أن يعدلوا القانون. فتعديل أي قانون بشري معناه حدوث أقضية لا يوجد لها تكييف في القانون عند التطبيق؛ فيلجأ المشرعون إلى تعديل القانون، ليضعوا فيه ما يتسع لهذه الأقضية. ولكن الحق سبحانه وتعالى ساعة قنن .. فهو يقنن تقنيناً يحمل في طياته كل ما يمكن أن يستجد من أقضية دون حاجة إلى تعديل، ولأن الإسلام جاء منهاجاً خاتماً ولا منهج للسماء بعده، لذلك كان متضمناً كافة الاحتمالات. لقد كان من المعقول تعديل التقنينات عندما كانت الرسل تتوالى، لكن عندما ختم الله رسالات السماء بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان لابد أن تكون التشريعات التي أنزلها الله على رسوله تحمل في ذاتها ضمانات تكفل ذلك. إذن، فالضرورات التي اقتضت المشرع الوضعي أن يعدل قانوناً غفل عن جزئياته ساعة وضعه الأول، مثل هذه الأمور لا توجد في تشريعات السماء، لأن الله يعلم الأقضية التي تجئ. وهب أن الضرورة التي تستلزم التعديل لم تكن موجودة، وبعد ذلك جدت ضرورات، أكان الحق يميت خلقه لأنه قال: لا تأكلوا الميتة؟ عندئذ كنا سنقول: ما هذه الحكاية؟ صحيح الميتة ستضر، وإنما المخمصة والمجاعة ستميت، فلماذا لا نتحمل أكل ما يضر بدلاً من أن نمتنع عن الأكل فنموت من الجوع؟ إذن فهي عدالة الحق التي قالت: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] فالاضطرار له شرط هو: "غير باغ ولا عاد". وغير باغ يعني غير متجاوز الحد، فيأخذ على قدر حاجته الضرورية، مثلاً، لا يقول: إن الله أحل الميتة لمثل ما أنا عليه من الاضطرار ويملأ بطنه منها، لا، إن عليه أن يأخذ على قدر استبقاء الحياة. ولا يظن أن ذلك يصبح حلالاً، بل يقول: إن هذا حرام أبيح للاضطرار. وأيضا لابد أن نلحظ قيمة الحقوق المتعلقة بالآخرين، هب أن إنساناً يملك فنجان ماء لا يكفيه إلا ليروي حلقه، وبعد ذلك جاء شخص آخر مضطر وقوي وضربه ليأخذ منه هذا الفنجان. نقول لهذا المعتدي: لا تعتد لأن للملكية سبقاً، فإن اتسعت لكما كمية الماء معاً فأهلاً وسهلاً، وإن لم تتسع، فصاحب الملكية أولى بالماء، ولا يقولن هذا الآخر: "أنا مضطر لأن آخذها منه". إن اضطراره سيدفع عنه المضرة ويوقعها في غيره. إذن، فالمقاييس عند الضرورة تظل كما هي، فلابد من احترام الحق والسبق، ولا يصح أن نتجاوز بالضرورة قدرها، هذا معنى قوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، وقوله الحق: {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] يدل على أن المسألة فيها إثم أباحها الله عز وجل للضرورة؛ وذلك حتى لا نحلها تحليلاً دائماً، فإذا ما زالت الضرورة عُدنا إلى أصل الحكم. ويختم الحق الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173] ونتساءل: ما علاقة "غفور رحيم" بهذه الآية؛ إن المغفرة والرحمة تقتضيان ذنوباً، وما سبق كله هو قول الحق وتشريعه، وتحريم الميتة إلا عند الضرورة هو كلام الحق، والمضطر حين يأخذ منها على قدر الضرورة فإنما هو إباحة من الحق، فلا ذنب - إذن - يقتضي تذييل الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173]؟. ونقول: إذا كان الله يغفر مع الذنب، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم، إن المنطق يقول: إن الله يغفر الذنب الذي يحدث بلا مناسبة تستدعيه، أفلا يغفر للمضطر الذي أجبرته الظروف على أكل الميتة؟. إن الله غفور في الأصل أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة؟ إذن فهو غفور رحيم، ولن يكتب على المضطر ذنباً من جراء اضطراره. إن رحمة الله التي تغفر للعاصي الذي اجترأ على الحق بلا مناسبة، هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} معناهُ أُرِيدَ بهِ غَيرُ الله. والإهْلاَلُ: رفعُ الصوتِ بذكرِ الله، وذِكْرِ غَيرِهِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} والبَاغِـ[ـي] الذي يَأكلُ المِيتَةَ عَنْ غَيْر اضْطِرارٍ إِليها. والعَاد [ي] الذي يَشْبَعُ مِنهُ. فالمِيتةُ تُحلُّ لَهُ.
همام الصنعاني
تفسير : 155- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 173]، قَال: ما ذُبحَ لغَيْرِ اللهِ مِمَّا لمْ يُسَمَّ عليه. 156- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، ق ال: الإِهلال أن يقولوا: باسم المسيح. 157- عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن من سمع الحسن في قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}: [الآية: 173]، قال: باغٍ فيها، ولا يعتدي فيها بأكلها وهُو غنيٌّ عنها. 158- قال معمر: وقال الكلبي: {غَيْرَ بَاغٍ}: [الآية: 173] في الأرض، يقول: اللص يقْطعُ الطّريق {وَلاَ عَادٍ }: [الآية: 173]، عَلى النّاسِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):