Verse. 181 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يَكْتُمُوْنَ مَاۗ اَنْزَلَ اللہُ مِنَ الْكِتٰبِ وَ يَشْتَرُوْنَ بِہٖ ثَـمَنًا قَلِيْلًا۝۰ۙ اُولٰۗىِٕكَ مَا يَاْكُلُوْنَ فِيْ بُطُوْنِہِمْ اِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُہُمُ اللہُ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ وَلَا يُزَكِّيْہِمْ۝۰ۚۖ وَلَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۱۷۴
Inna allatheena yaktumoona ma anzala Allahu mina alkitabi wayashtaroona bihi thamanan qaleelan olaika ma yakuloona fee butoonihim illa alnnara wala yukallimuhumu Allahu yawma alqiyamati wala yuzakkeehim walahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب» المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود «ويشترون به ثمنا قليلا» من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم «أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار» لأنها مآلهم «ولا يكلمهم الله يوم القيامة» غضبا عليهم «ولا يزكيهم» يطهرهم من دنس الذنوب «ولهم عذاب اليم» مؤلم هو النار.

174

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ومالك بن الصيف، وحيـي بن أخطب، وأبـي ياسر بن أخطب، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون؟ فقيل: كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبـي مسلم، وقال الحسن: كتموا الأحكام وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 34]. المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الكتمان، فالمروى عن ابن عباس: أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل، وعند المتكلمين هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام، فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. أما قوله تعالى: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكناية في: به، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم. المسألة الثانية: معنى قوله: {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } كقوله: {أية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } تفسير : [البقرة: 41] وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان: أخذ الأموال بسبب ذلك، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمناً قليلاً. المسألة الثالثة: إنما سماه قليلاً إما لأنه في نفسه قليل، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل. المسألة الرابعة: من الناس من قال: كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم، وقال آخرون: بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها: قوله تعالى: {أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم: ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون: بل فيه فائدة فقوله: {فِي بُطُونِهِمْ } أي ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه. المسألة الثانية: قيل: إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10] عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار، كما روي في حديث آخر «حديث : الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» تفسير : وقوله: {أية : إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } تفسير : [يوسف: 36] أي عنباً فسماه بإسم ما يؤول إليه وقيل: إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم وثانيها: قوله تعالى: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ } فظاهره: أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم، وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول: أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم، وذلك قوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر: 92 ـ 93] وقوله: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الأعراف: 6] فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا: وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] الثاني: أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكوراً في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه، وضده في أعدائه، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث: أن قوله: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث وثالثها: قوله: {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } وفيه وجوه الأول: لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني: لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث: لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها: قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل: المسألة الأولى: أن علماء الأصول قالوا: العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يُزَكّيهِمْ } إشارة إلى الإهانة والاستخفاف، وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيهاً على أن الإهانة أشق وأصعب. المسألة الثانية: دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره. المسألة الثالثة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يعني علماء اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته. ومعنى «أنزل»: أظهر؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 93] أي سأظهر. وقيل: هو على بابه من النزول؛ أي ما أنزل به ملائكته على رسله. {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أي بالمكتوم {ثَمَناً قَلِيلاً} يعني أخذ الرّشاء. وسمّاه قليلاً لانقطاع مدّته وسوء عاقبته. وقيل: لأن ما كانوا يأخذونه من الرشاء كان قليلاً. قلت: وهذه الآية وإن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختاراً لذلك بسبب دنيا يصيبها؛ وقد تقدم هذا المعنى. قوله تعالى: {فِي بُطُونِهِمْ} ذكر البطون دلالةً وتأكيداً على حقيقة الأكل؛ إذ قد يستعمل مجازاً في مثل أكل فلان أرضي ونحوه. وفي ذكر البطون أيضاً تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظّهم من المطعم الذي لا خطر له. ومعنى {إِلاَّ ٱلنَّارُ} أي إنه حرام يعذّبهم الله عليه بالنار؛ فسُمّي ما أكلوه من الرّشاء ناراً لأنه يؤدّيهم إلى النار؛ هكذا قال أكثر المفسرين. وقيل: أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقةً. فأخبر عن المآل بالحال؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10] أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك؛ ومنه قولهم:شعر : لِدُوا للموت وٱبنُوا للخراب تفسير : قال:شعر : فللموت ما تلد الوالده تفسير : آخر:شعر : ودُورُنا لخراب الدّهر نبنيها تفسير : وهو في القرآن والشعر كثير. قوله تعالى: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم؛ يقال: فلان لا يكلّم فلاناً إذا غضب عليه. وقال الطبري: المعنى {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ} بما يحبونه. وفي التنزيل: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108]. وقيل: المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهّرهم. وقال الزجاج: لا يثني عليهم خيراً ولا يسمّيهم أزكياء. و {أَلِيمٌ} بمعنى مؤلم؛ وقد تقدّم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخٌ زانٍ ومَلِكٌ كذاب وعائلٌ مستكبر»تفسير : . وإنما خصّ هؤلاء بأليم العذاب وشدّة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. ومعنى {لاَ ينظَرُ إِلَيْهِمْ} لا يرحمهم ولا يعطف عليهم. وسيأتي في «آل عمران» إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا} عوضاً حقيراً. {أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} إما في الحال، لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقوله:شعر : أَكَلْتُ دَماً إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضرة بَعِيدة مَهوى القِرطِ طيبة النَّشر تفسير : يعني الدية. أو في المآل أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار. ومعنى في بطونهم: ملء بطونهم. يقال أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه كقوله:شعر : كُلوا في بَعضِ بَطنِكَمو تُعفُوا تفسير : {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} عبارة عن غضبه عليهم، وتعريض بحرمانهم حال مقابليهم في الكرامة والزلفى من الله. {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } لا يثني عليهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم؛ مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا ـ لعنهم الله ـ إن أظهروا ذلك، أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاورا عوناً له على قتالهم، وباؤوا بغضب على غضب، وذمهم الله في كتابه في غير موضع، فمن ذلك هذه الآية الكريمة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا} وهو عرض الحياة الدنيا {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق، ناراً تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}تفسير : [النساء: 10] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»تفسير : وقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم؛ لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذاباً أليماً، وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه، ههنا حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر»تفسير : ثم قال تعالى مخبراً عنهم: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك، واعتاضوا عنه الضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة، وقوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذاً بالله من ذلك، وقيل: معنى قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار، وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزواً، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه، ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزؤا بآيات الله المنزلة على رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: { ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ}

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ } المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ } لأنها مآلهم {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ } غضباً عليهم {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } يطهرهم من دنس الذنوب {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم هو النار.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ } قيل: المراد بهذه الآية: علماء اليهود؛ لأنهم كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. والاشتراء هنا: الاستبدال، وقد تقدّم تحقيقه، وسماه قليلاً؛ لانقطاع مدّته وسوء عاقبته، وهذا السبب، وإن كان خاصاً، فالاعتبار بعموم اللفظ، وهو يشمل كل من كتم ما شرعه الله، وأخذ عليه الرشا، وذكر البطون دلالة، وتأكيداً أن هذا الأكل حقيقة، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل: أكل فلان أرضى، ونحوه، وقال في الكشاف: إن معنى: {فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم: قال: يقول: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه. انتهى. وقوله: {إِلاَّ ٱلنَّارُ } أي: أنه يوجب عليهم عذاب النار، فسمى ما أكلوه ناراً؛ لأنه يؤول بهم إليها، هكذا قال أكثر المفسرين، وقيل إنهم يعاقبون على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة، ومثله قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً }تفسير : [النساء: 10] وقوله: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ } فيه كناية عن حلول غضب الله عليهم، وعدم الرضا عنهم، يقال فلان لا يكلم فلاناً: إذا غضب عليه. وقال ابن جرير الطبري: المعنى: ولا يكلمهم بما يحبونه لا بما يكرهونه. كقوله تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108]، وقوله: {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } معناه: لا يثنى عليهم خيراً. قاله الزجاج. وقيل معناه: لا يصلح أعمالهم الخبيثة، فيطهرهم. وقوله: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } قد تقدّم تحقيق معناه. وقوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } ذهب الجمهور ومنهم الحسن ومجاهد إلى أن معناه التعجب، والمراد: تعجيب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جهنم. وحكى الزجاج أن المعنى: ما أبقاهم على النار، من قولهم: ما أصبر فلاناً على الحبس، أي: ما أبقاه فيه، وقيل المعنى: ما أقلّ جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبراً. وقال الكسائي وقُطْرُب: أي ما أدومهم على عمل أهل النار. وقيل: «ما» استفهامية، ومعناه التوبيخ: أي أيّ شيء أصبرهم على عمل النار. قاله ابن عباس، والسدي، وعطاء، وأبو عبيدة. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } الإشارة باسم الإشارة إلى الأمر، أي: ذلك الأمر، وهو العذاب. قاله الزجاج. وقال الأخفش: إن خبر اسم الإشارة محذوف، والتقدير: ذلك معلوم. والمراد بالكتاب هنا: القرآن، {بِٱلْحَقّ } أي: بالصدق. وقيل بالحجة. وقوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } قيل: المراد بالكتاب هنا التوراة، فادّعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكرهم اليهود، وقيل: خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيها. وقيل: المراد: القرآن، والذين اختلفوا كفار قريش، يقول بعضهم هو سحر، وبعضهم يقول: هو أساطير الأوّلين، وبعضهم يقول غير ذلك. {لَفِى شِقَاقٍ } أي: خلاف {بَعِيدٍ } عن الحق، وقد تقدم معنى الشقاق. وقد أخرج ابن جرير، عن عكرمة في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } قال: نزلت في يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذوا عليه طمعاً قليلاً. وأخرج ابن جرير، أيضاً عن أبي العالية نحوه. وأخرج الثعلبي، عن ابن عباس بسندين ضعيفين أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } قال: اختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } قال: ما أجرأهم على عمل النار، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } قال: ما أعملهم بأعمال أهل النار. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر [عن الحسن] في قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } قال: والله ما لهم عليها من صبر، ولكن يقول: ما أجرأهم على النار. وأخرج ابن جرير، عن قتادة ونحوه. وأخرج ابن جرير أيضاً عن السدي في الآية قال: هذا على وجه الاستفهام، يقول: ما الذي أصبرهم على النار؟ وقوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } قال: هم اليهود والنصارى {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } قال: في عداوة بعيدة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ} يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل الله عز وجل في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته. {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً} يعني قبول الرُشَا على كتم رسالته وتغيير صفته، وسماه قليلاً لانقطاع مدته وسوء عاقبته. وقيل: لأن ما كانوا يأخذون من الرُشا كان قليلاً. {أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ} فيه تأويلان: أحدهما: يريد أنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار فصار ما يأكلون ناراً، فسماه في الحال بما يصير إليه في ثاني الحال، كما قال الشاعر: شعر : وأمّ سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة تفسير : {وَلاَ يُكْلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه يغضب عليهم، من قولهم: فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب عليه. والثاني: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. والثالث: معناه لا يسمعهم كلامه. {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} فيه قولان: أحدهما: يعني لا يصلح أعمالهم الخبيثة. والثاني: لا يثني عليهم، ومن لا يثني الله عليه فهو معذب {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم موجع. قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} يعني من تقدم ذكره من علماء اليهود اشتروا الكفر بالإيمان {وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} يعني النار بالجنة. {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: معناه ما أجرأهم على النار، وهذا قول أبي صالح. والثاني: فما أصبرهم على عمل يؤدي بهم إلى النار. والثالث: معناه فما أبقاهم على النار، من قولهم: ما أصبر فلاناً على الحبس، أي ما أبقاه فيه. والرابع: بمعنى أي شيء صبّرهم على النار؟

ابن عبد السلام

تفسير : {الِّذِينَ يَكْتُمُونَ} علماء اليهود، كتموا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوته. {ثَمَناً} الرشا التي أخذوها على كتم رسالته، وتغيير صفته، وسماه قليلاً، لانقطاع مدته، وسوء عاقبته، أو لقلته في نفسه. {إِلاَّ النَّارَ} سمى مأكولهم ناراً، لأنه سبب عذابهم بالنار، أو لأنه يصير يوم القيامة في بطونهم ناراً، فسماه بما يؤول إليه. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} ولا يُسمعهم كلامه، أو لا يُرسل إليهم بالتحية مع الملائكة، أو عبَّر بذلك عن غضبه عليهم، فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب عليه {وَلا يُزَكِّيهِمْ} لا يثني عليهم، أو لا يصلح أعمالهم الخبيثة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم ذلك أنهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو من غيرهم خافوا على ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتموها فأنزل الله: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} أي في الكتاب من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ووقت نبوته هذا قول المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي وعند المتكلمين هذا ممتنع لأن التوراة والإنجيل قد بلغا من الشهرة والتواتر إلى حيث تعذر ذلك فيهما بل كانوا يكتمون التأويل لأنه قد كان منهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ويصرفونها عن محالها الصحيحة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا هو المراد بالكتمان فيصير المعنى، إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب {ويشترون به} أي بالكتمان وقيل يعود الضمير إلى ما أنزل الله من الكتاب {ثمناً قليلاً} أي عوضاً يسيراً وهي المآكل التي كانوا يأخذونها من سفلتهم {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاّ النار} يعني ما يؤديهم إلى النار وهو الرشا والحرام فلما كان يفضي بهم ذلك إلى النار فكأنهم أكلوها {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أي كلام رحمة وما يسرهم بل يكلمهم بالتوبيخ، وهو قوله اخسؤوا فيها وقيل أراد به الغضب يقال فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب عليه {ولا يزكيهم} أي ولا يطهرهم من دنس الذنوب {ولهم عذاب أليم} أي وجيع يصل ألمه إلى قلوبهم {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة} معناه: أنهم اختاروا الضلالة على الهدى واختاروا العذاب على المغفرة لأنهم كانوا عالمين بالحق، ولكن كتموه وأخفوه وكان في إظهاره الهدى والمغفرة وفي كتمانه الضلالة والعذاب فلما أقدموا على إخفاء الحق وكتمانه كانوا بائعين الهدى بالضلالة والمغفرة بالعذاب {فما أصبرهم على النار} أي ما الذي صبرهم وأي شيء جسرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، فهو استفهام بمعنى التوبيخ وقيل: إنه بمعنى التعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، فلما أقدموا على ما يوجب النار مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بالعذاب والصابرين عليه، تعجب من حالهم بقوله: فما أصبرهم على النار.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً...}. قال ابن عرفة: عطفه بالواو مع أن الشراء مسبوق عن الكتم فهلا عطف بالفاء؟ وأجاب عن ذلك بأن المراد الذمّ على كل وصف منهما لا على واحد فقط. وجعل الثمن مشترى فإما أن يتجوز في لفظ "يَشْتَرُونَ" فيجعل بمعنى يبيعون أو في لفظ "ثمنا" بمعنى مثمون قليلا؟ وهذا إن حملنا اللّفظ على حقيقته اللّغوية فنقول يصح: إطلاق الثمن على المشترى وعلى عوضه وإن نظرنا الاصطلاح فيجيء ما قلناه. قيل لابن عرفة: ظاهره منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأنه من كتم ما أنزل الله؟ فقال ابن عرفة: أباح له أخذ الأجرة عليه كما أباح له ثمن الماء لأجل المشقة، (وكما) أباح له أخذ ثمن الطّعام في الأعوام التي هي مسبغة مع أنه يجب عليه إعطاؤه والواجب إنما هو تعليمه وإعطاؤه ما عنده سواء كان بالثمن أو بغيره وليس الواجب عليه بذل ما عنده بلا ثمن وهذه أمور جعلية لا عقلية. قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ...}. قال تعالى في سورة الغاشية {أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ }. تفسير : وأجاب ابن عرفة: بأن الضريع طعامهم ولا يأكلون منه وإنما تكون المعارضة إن لو قيل ليس لهم أكل (إلا) الضريع أو يكون باختلاف الحالات في الأوقات (أو يكون) الضريع نارا فأكلهم للضريع أكل للنار، والأكل المضغ فهو في الفم لا في البطن لكن روعي السبب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية. قال ابن عَبَّاس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمَّد صلى الله عليه وسلم، و {ٱلْكِتَـٰبِ}: التوراة والإِنجيل. * ع *: وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ علَىٰ مذمَّتهم؛ بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره: سَمَّىٰ مأكولهم ناراً؛ لأنه يؤول بهم إِلى النار، وقيل: يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً. * ت *: وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين علَىٰ تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه عزَّ وجلَّ، وقد قال تعالى لنبيِّه - عليه السلام -: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً...}، تفسير : [الأنعام:90] الآية، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قال: «حديث : «عَلَّمْتُ نَاساً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ، وَالقُرْآنَ، وَأَهْدَىٰ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً، فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلأسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَهْدَىٰ إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ، فَٱقْبَلْهَا»، وَفِي روايةٍ: «فَقُلْتُ مَا تَرَىٰ فِيهَا، يَا رَسُولَ اللَّهُ؟ قَالَ: جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا»»تفسير : . انتهى. وقوله تعالى: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ}: قيل: هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم؛ إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالَىٰ يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره: المعنَىٰ: لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ. {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ }، أي: لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل: المعنى: لا يسمِّيهم أزكياء. وقوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}: قال جمهور المفسِّرين: «ما» تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي: هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُ }تفسير : [عبس:17] و {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } تفسير : [مريم:38]. وقال قتادة، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْر، والربيع: أظهر التعجُّب من صبرهم على النار لَمَّا عملوا عملَ مَنْ وَطَّن نفْسه علَيْها، وتقديره ما أجرأَهم علَى النَّارِ؛ إِذ يعملون عملاً يؤدِّي إِليها، وذهب مَعْمَرُ بْنُ المُثَنَّىٰ؛ إِلى أن «ما» استفهامٌ، معناه: أيُّ شَيْءٍ صبرهم عَلَى النار، والأول أظهر. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ...} الآية: المعنَىٰ: ذلك الأمر بأنَّ اللَّه نزَّل الكتابَ بالحَقِّ، فكفروا به، والإِشارة إِلى وجوب النَّار لهم. و {ٱلْكِتَـٰبَ }: القُرْآن، و {بِٱلْحَقِّ }، أي: بالإِخبار الحقِّ، أي: الصادقة. و {ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } هم اليهودُ والنصارَىٰ، في قول السُّدِّيِّ، وقيل: هم كفَّار العرب؛ لقول بعضهم: هو سِحْرٌ، وبعضهم: أساطير، وبَعْضهم: مفترًى، إِلى غير ذلك. و {بَعِيدٍ }، هنا: معناه من الحقِّ، والاستقامة.

ابن عادل

تفسير : قال ابن عبَّاس: نزلَت في رؤوس اليهود: كعبِ بنِ الأَشْرفِ وكعْبِ بن أسدٍ، ومالك بنِ الصيف، وحُييِّ بن أخطَبَ، وأبي ياسرِ بنِ أخطَبَ؛ كانوا يأخذون من أتباعهم الهَدَايا، وكانُوا يَرجُون أن يكُونَ النبيُّ المَبْعُوثُ منهم، فلما بُعِثَ محمَّدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام من غيرهم خافُوا انقطَاع تلك المنافِع؛ فكتموا أمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بأنْ غيَّروا صِفَتَه، ثم أخرَجُوها إليهم، فإذا ظَهَرت السفلة على النَّعتِ المغيَّر، وجدوه مخالفاً لصفتِهِ صلى الله عليه وسلم، لا يتبعونَه، فأنزل الله تبارَكَ وتعالى هذه الآية. قال القرطبيُّ: ومعنى "أَنْزَلَ": أظْهَرَ؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنعام: 93] أي: سأُظْهِر وقيل: هو على بابِهِ من النُّزول، أي: ما أَنْزَل به ملائكتَهُ على رُسُله. قوله: "مِنَ الْكِتَابِ": في محلِّ نصْبٍ، على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أَنَّهُ العائِدُ على الموصول، تقديره: "أَنْزَلَهُ اللَّهُ" حال كونه "مِنَ الكِتَابِ" فالعاملُ فيه "أَنْزَلَ". والثاني: أنه المُوصول نَفسُه، فالعامل في الحال "يَكْتُمُونَ". قوله: "وَيَشْترونَ بِهِ": الضميرُ في "بِهِ" يُحْتَمَل أن يعود على "ما" الموصولة، وأن يعودَ على الكَتْم المفهومِ من قوله: "يَكْتُمُونَ"، وأَنْ يعودَ على الكتابِ، والأَوَّلُ أَظهَرُ، ويكونُ ذلك على حَذْف مضافٍ، أي: "يَشْتَرونَ بِكَتْم ما أَنْزَلَ". قال ابنُ عَبَّاس - رضي الله عنه - وقتادَةُ والسُّدِّيُّ، والأصَمُّ وأبو مُسْلِمٍ - رضي الله عنهم - كانوا يكتُمُونَ صفَةَ محمَّدٍ - عيله الصَّلاة والسَّلام - ونَعْتَهُ. وقال الحسَنُ: كَتَمُوا الأَحْكَام، وهو قولهُ تبارَكَ وتعالى: {أية : إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 34]. فصل في حقيقة الكتمان اختلفوا في كيفيَّة الكتمان. فروي عن ابن عبَّاس أَنَّهُم كانُوا يحرِّفون ظاهِرَ التَّوراةِ، والإنجيلِ. قال المتكلِّمون: وهذا ممتنعٌ؛ لأنَّ التوراة والإنجيل كتابانِ، وقد بلغا من الشهرة إلى حدِّ التواتر؛ بحيث يتعذّر ذلك فيهما، وإِنَّما كانوا يكتُمُونَ التأويلَ، لأن‍َّه قَدْ كان منهم مَنْ يعرف الآياتِ الدالَّةَ على نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يذكُرُون لها تأويلاتٍ باطلةً، ويحرِّفونها عن محامِلها الصحيحة، والدَّالَّةِ على نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو المرادُ من الكتْمَان، فيصير المعنى: الذين يكْتُمُون معاني ما أنزَلَ الله منَ الكتاب. {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً}تفسير : [البقرة: 41] لأنَّه في نفسه قليلٌ ولأنَّه بالإضافة إلى ما فيه من القدر قليلٌ، ولما ذكر عنهم هذه الحكاية، ذكر الوعيدَ عليهم؛ فقال: {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ}. قال بعضُهُم: ذكْرُ البطْنِ هنا زيادةُ بيانٍ؛ كقوله: {أية : يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38] وقال بعضهُم: بل فيه فائدةٌ؛ وقولُه "فِي بطُونِهِمْ"، يقالُ: أَكَلَ فُلاَنٌ فِي بَطْنِهِ وَأَكَلَ فِي بَعْضِ بَطْنِهِ. فصل في أكلهم النَّار في الدنيا أم في الآخرة قال الحسن، والرَّبيع، وجماعةٌ مِنْ أهلِ العلم إنَّ أكلَهُم في الدنيا وإن كان طيِّباً في الحال، فعاقبتُه النَّار؛ لأنَّه أكلُ ما يوجب النار؛ فكأنه أكْلُ النَّار؛ كما روي في حديث الشَّارب مِن آنيةِ الذَّهَب والفضَّة: "حديث : إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ " تفسير : وقوله تبارَكَ وتَعَالى: {أية : إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً}تفسير : [يوسف: 36] أي: عِنباً؛ فهذا كلُّه من تسمية الشيء بما يؤولُ إلَيْه. وقال الأصمُّ إِنَّهم في الآخرةِ يَأكلُون النَّار؛ لأكلهم في الدنيا الحرامَ. قوله: {إِلاَّ النَّارَ} استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّ قبله عاملاً يطلبه، وهذا من مجازِ الكَلاَمِ، جعل ما هُوَ سَبَبٌ للنَّار ناراً؛ كقولهم: "أَكَلَ فُلاَنٌ الدَّمَ"، يريدُون الدية الَّتي بِسَبَبها الدَّمُ؛ قال القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 904 - فَلَوْ أَنَّ حَبّاً يَقْبَلُ المَالَ فِدْيَةً لَسُقْنَا إِلَيْهِ المَالَ كَالسَّيْلِ مُفْعَما وَلَكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصِيبَ أَخُوهُمُ رِضَا الْعَارَ وَاخْتَارُوا عَلَى اللَّبَنِ الدَّمَا تفسير : وقال القائلُ: [الطويل] شعر : 905 - أَكَلْتُ دَماً إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ بِعِيدَةِ مَهْوَى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ تفسير : وقال: [الرجز] شعر : 906 - يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إِكَافَا تفسير : يريد: ثَمَنَ إكافٍ. وقوله: "في بُطُونِهِم" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أَن يتعلَّق بقوله "يَأْكُلُونَ" فهو ظرْفٌ له، قال أبو البقاء: وفيه حذفُ مضافٍ، أي "طَرِيقِ بُطُونِهِمْ" ولا حاجة إلى ما قاله من التَّقْدِير. والثاني: أنْ يتعلَّق بمحذوفٍ، على أنَّهُ حالٌ من النَّار. قال أبُو البقاء: والأجودُ: أن تكونُ الحال هُنَا مقدَّرة؛ لأنَّها وقت الأَكْلِ ليْسَتْ في بُطُونِهِمْ. وإنَّمَا تَؤول إلى ذلك، والتقديرُ: ثابتةٌ وكائنةٌ في بُطُونهم. قال: ويلْزَمُ منْ هذا تقديمُ الحال على حرف الاستثناء. وهو ضعيفٌ، إلاَّ أنْ يجعل المفعولَ محذوفاً و"فِي بُطُونِهِمْ" حالاً منه، أَو صفةً له، أي: في بطونِهِم شيئاً، يعني فيكون: "إلاَّ النَّارُ" منصوباً على الاستثناء التَّامِّ؛ لأنَّهُ مستثنًى من ذلك المحذوف إِلاَّ أَنَّه قال بَعْد ذلك: وهذا الكلامُ من المعنى على المجاز وللإعْرَابِ حكْمُ اللفظ. والثالث: أنْ يكون صفةً أو حالاً من مفعُول "كُلُوا" محذوفاً؛ كما تقدم تقديرُه. قوله: في ذِكْرِ البُطُونِ تنبيهٌ على أَنَّهُم باعوا آخِرَتَهُم بدُنياهم، وهو حظُّهم من المَطْعَم الَّذي لا خَطَرَ له ومعنى "إلاَّ النَّار"، أي: أنَّهُ حرامٌ يعذِّبهم الله علَيْه، فسمّى ما أَكَلُوه من الرُّشَا ناراً؛ لأَنَّهُ يؤدِّيهم إلى النار، قاله أكثر المفسِّرين. وقيل: إِنَّهُ يعاقبهم على كتمانهم بأكل النَّار في جهنم حقيقةً فأَخْبَر عن المآل بالحالِ؛ كما قال تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}تفسير : [النساء: 10]، أي عاقبتهم تئُولُ إلى ذلك، ومنْه قَوْلُ القائل: [الوافر] شعر : 907 - لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ .............................. تفسير : وقال القائِل [المتقارب] شعر : 908 -......................... فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الْوَالِدَهْ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 909 -........................ وَدُورُنَا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا تفسير : وهذه الآيةُ تدُلُّ على تحريم الرَّشْوَة على الباطل. قوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} ظَاهِرهُ: أَنَّهُ لا يكلِّمهم أصلاً، لكنه لما أوردَهُ مَوْرِدَ الوعيد، فهم منه ما يجري مَجْرَى العقوبة وذكَروُا فيه ثلاثة أَوْجِهٍ: الأوَّل: قد دَلَّ الدَّليلُ على أَنَّه سبحانَهُ وتعالى يكلِّمهم؛ وذلك قولُهُ {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر: 92]. وقوله {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأعراف: 6] فعرفنا أَنَّهُ يسأل كلُّ واحدٍ من المكلَّفين، والسؤال لا يكونُ إِلاَّ بكَلاَم، فقالوا: وجب أنْ يكُون المرادُ من الآية الكريمة أنه تعالى لا يكلِّمهم بتحيَّةٍ وسلام وخَيْرٍ، وإنما يكلِّمهم بما يعظم عندهم من الحَسْرة والغَمِّ؛ من المناقشة والمُسَاءلة كقوله تعالى {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108]. الثاني: أنَّه تبارك وتعالى لا يكلِّمهم أَصْلاً، وأَمَّا قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} إنما يكون السؤال من الملائكة بأمره تعالى، وإنَّما كان عدَمُ تكليمهم في مَعْرِضِ التَّهْديد؛ لأَنَّ [يومَ القيامة هُو اليَوْمُ الذي يكلِّم الله تعالى فيه كلَّ الخلائق بلا واسطةٍ، فيظهر] عند كلامِهِ السُّرُورُ في أوليائه، وضده في أعدائِهِ ويتميَّز أهلُ الجَنَّة بذلك، من أهلِ النار. فلا جَرَم كان ذلك من أعظَمِ الوعيد. الثالث: أن قوله: "وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ" استعارةٌ عن الغَضَب؛ لأنَّ عادةَ المُلُوك أنَّهُم عند الغَضَب يعرضُون عن المَغْضُوب عليه، ولا يكلِّموه؛ كما أنَّهُم عند الرضَا يُقْبِلُون علَيْه بالوجه والحديث. وقوله "وَلاَ يُزكِّيهِم" فيه وجوه: الأوَّل: لا ينسبهم إلى التَّزكية، ولا يُثْنِي عليهم. الثاني: لا يقْبَل أعمالَهُمْ؛ كما يقبل أَعْمَال الأولياء. الثالث: لا ينزلُهم منازل الأولياء. وقيل: لا يُصْلِحُ عمالهم الخبيثة، فيطهرهم. قولُهُ {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، اعْلَمْ: أنَ الفعيل قد يكون بمعنى المفعول؛ كالجريح والقتيل، بمعنى المجروح والمَقْتُول، وقد يكُونُ بمعنى "المُفعل"؛ كالبصير بمعنى المُبْصِر والأليم بمعنى المُؤلم. واعلم أَنَّ العبرةَ بعُمُوم اللَّفْظِ، لا بخُصُوص السَّبَب، فالآية الكريمة وإن نزلت في اليهود، لكنَّها عامَّة في حقِّ كلِّ مَنْ كَتَم شيئاً من باب الدِّين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ‏{‏إِن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب‏}‏ والتي في آل عمران ‏{أية : ‏إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلا‏ً}‏ تفسير : ‏[‏آل عمران: 77‏]‏ نزلتا جميعاً في يهود‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذوا عليه طمعاً قليلاً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية {‏إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب‏}‏ قال‏:‏ أهل الكتاب كتموا ما أنزل الله عليهم في كتابهم من الحق، والهدى، والإِسلام، وشأن محمد ونعته ‏{‏أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار‏}‏ يقول‏:‏ ما أخذوا عليه من الأجر فهو نار في بطونهم‏.‏ وأخرج الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ سألت الملوك اليهود قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ما الذي يجدون في التوراة‏؟‏ قالوا‏:‏ إنا نجد في التوراة أن الله يبعث نبياً من بعد المسيح يقال له محمد بتحريم الزنا، والخمر، والملاهي، وسفك الدماء، فلما بعث الله محمداً ونزل المدينة قالت الملوك لليهود‏:‏ هذا الذي تجدون في كتابكم‏؟‏ فقالت‏:‏ اليهود طمعاً في أموال الملوك‏:‏ ليس هذا بذاك النبي‏.‏ فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله هذه الآية اكذاباً لليهود‏.‏ وأخرج الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد فغيروها، ثم أخرجوها إليهم وقالوا‏:‏ هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة محمد فلم يتبعوه، فأنزل الله ‏ {‏إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب‏}‏‏ .‏

القشيري

تفسير : العلماء مُطَالَبُون بنشر دلائل العلم، والأولياء مأمورون بحفظ ودائع السِّر فإنْ كَتَم هؤلاء براهين العلوم ألجموا بلجام من النار، وإن أظهر هؤلاء شظية من السر عُوجِلُوا ببعاد الأسرار، وسَلْبِ ما أوتوا من الأنوار. ولكُلٍ جدٌّ، وعلى كل أمرٍ قطيعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن الذين} نزلت فى احبار اليهود فانهم كانوا يرجون ان يكون النبى المنعوت فى التوراة منهم فلما بعث الله نبينا محمدا عليه السلام من غيرهم غيروا نعته حتى اذا نظر اليه السفلة يجدونه مخالفا لصفة محمد عليه السلام فلا يتبعونه فلا تزول رياستهم {يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} حال من العائد المحذوف اى انزل الله حال كونه من الكتاب وهو التوراة المشتمل على نعت محمد عليه السلام {ويشترون به} اى بدل المنزل المكتوم {ثمنا قليلا} اى يأخذون عوضا حقيرا من الدنيا يعنى المآكل التى يصيبونها من سفلتهم {أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار} اما فى الآخرة فظاهر لانهم لا يأكلون يوم القيامة الاعين النار عقوبة لهم على اكلهم الرشوة فى الدنيا واما فى الدنيا فبأكل سببها فان اكلهم ما اخذوه من اتباعهم سبب مؤد الى ان يعاقبوا بالنار فاطلاق النار عليه من قبيل اطلاق اسم المسبب على السبب ومعنى فى بطونهم ملئ بطونهم يقال اكل فى بطنه واكل فى بعض بطنه يعنى ان المقصود من ذكر بطونهم متعلقا بقوله يأكلون انما هو بيان محل الاكل ومقر المأكول فلما لم يقل يأكلون فى بعض بطونهم علم ان محل الاكل هو تمام بطونهم فلزم امتلاءها ففيه مبالغة كأنهم ما كانوا متكئين على البطون عند الاكل فملأوا بطونهم {ولا يكلمهم الله يوم القيمة} اى لا يكلمهم الله بطريق الرحمة غضبا عليهم فليس المراد به نفى الكلام حقيقة لئلا يتعارض بقوله تعالى {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين} تفسير : [الحجر: 92]. ونحوه بل هو كناية عن الغضب لان نفى الكلام لازم للغضب عرفا وعادة الملوك عند الغضب انهم يعرضون عن المغضوب عليهم ولا يكلمونهم كما انهم عند الرضى يتوجهون اليهم بالملاطفة {ولا يزكيهم} لا يثنى عليهم ولا يطهرهم من دنس الذنوب يوم يطهر المؤمنين من ذنوبهم بالمغفرة {ولهم عذاب أليم} وجع دآئم مؤلم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ما} تعجبية، مبتدأ، وهي نكرة، وسوَّغَ الابتداء َ معنى التعجب، وجملة {أصبرهم} خبر، أي: أيُّ شيء عظيم صيَّرهم صابرين، أو استفهامية، أي: أيُّ شيء حملهم على الصبر على النار؟ يقول الحقّ جلّ جلاله: في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يُصيبون من سفلتهم الهدايا والخَرَاج، ويدَّعون أن النبيّ المبعوث منهم، فلما بُعِثَ نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم خافوا ذهاب مأكلتهم ورئاستهم، فأنزل الله: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله} في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحرفونها في المعنى ويَنْزِعُونها {من الكتاب} أي: التوراة، {ويشترون} بذلك التحريف {ثمناً قليلاً} أي: عِوَضاً حقيراً يذهب ويفنَى في زمان قليل {أولئك} الذين يكتمون ويأكلون ذلك العوض الحقير - {ما يأكلون في بطونهم} إلا نار جهنم؛ لأنهم مآلهم وعقوبة أكلهم، {ولا يكلمهم الله} إهانة وغضباً عليهم حين يُكلم أولياءه ويُسلم عيلهم، {ولا يزكيهم} أي: لا يطهرهم من دنَس ذنوبهم حتى يتأهلون للحضرة، {ولهم عذاب أليم} مُوجع. {أولئك الذين} استبدلوا {الضلالة بالهدى} أي: باعوا الهدى واشتروا به الضلالة، واستبدلوا {العذاب بالمغفرة} التي كانت لهم لو آمنوا وبيّنوا، فما أجرأهم على اقتحام النار باقتحام أسبابها، أو فما أبقاهم في النار، أو ما الذي أصبرهم على النار حتى تركوا الحق ومالوا إلى الباطل؟! استفهام توبيخي. {ذلك} العذاب الذي استحقوه وتجرءوا عليه بسبب أن {الله} تعالى {نزل الكتاب} القرآن ملتبساً {بالحق}، فاختلفوا فيه؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} أي: لفي خلاف وضلال بعيد. الإشارة: كل من كتم علمه، ولم ينشرْه إلا في مقابلة حظ دنيوي، صَدَق عليه قولُه تعالى: {ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار}. رُوِيَ أن بعض الصحابة كان يُقرئ أهل الصُّفّة، فأَهْدَى له أحدُهم قوساً، فأتى به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: كنت أُعلِّمُ أهلَ الصفة فأهدى لي فلان قوساً، وقال: هو لله، فقال له - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : لقدْ تقلدتَ قَوسْاً مِنْ نَارِ جَهنم"تفسير : . أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وأمره بردِّه. ولعل هذا من باب الورع، فأراد عليه السلام أن يرفع همة ذلك الصحابي، وإلا فقد ورد في الحديث:"حديث : أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ علَيْهِ الأجرَ كتَابُ اللّهِ ". تفسير : فمن ملَكَتْه نفسه، وأسره الهوى، فقد اشترى الضلالة بالهدى، اشترى الضلالة عن طريق أولياء الله، بالهدى الذي كان له ملَكَ نفسه وهواه، وعذابَ القطيعة والحجاب، بالمغفرة والدخول مع الأحباب، فما أصبرهم على غم الحجاب وسوء الحساب، سبب ذلك اختلاف قلبه، وتفريق همه ولُبَّه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : اقْرَءوا القُرْآنَ ما ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُبُكمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا"تفسير : . أو كما قال: وسببت تفرق القلب وعدم حضوره، حبُّ الدنيا فقد قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَنْ كَانَت الدُّنيا هَمَّهُ فَرَّقَ اللّهُ عَلَيْه أمْرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلا من قُسِمَ لَهُ، ومن كَانَتِ الآخرةُ نيته، جَمَعَ اللّهُ عليه أمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبه، وأتتْهُ الدُنيَا وَهِيَ رَاِغِمةً ". تفسير : والقلب الذي اختلَف في فهم الكتاب وتشتَّت عنه في شقاق بعيد عن الحضرة؛ لأن عُنْوان صحة القلب: جمعُه على كلام الله وتدبر خطابه والتلذذ بسماعه، وقد تقدم في أول السورة درجات القراءة: فانظره إن شئت. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: المعني بهذه الآية أهل الكتاب باجماع المفسرين إلا أنها متوجهة - على قول كثير منهم - الى جماعة قليلة منهم، وهو علماؤهم الذين يجوز على مثلهم كتمان ما علموه، فأما الجمع الكثير منهم الذين لا يجوز على مثلهم ذلك لاختلاف دواعيهم، فلا يجوز. والذي كتموه قيل فيه قولان: قال أكثر المفسرين: إنهم كتموا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن حرفوه عن وجهه في التأويل، هذا اذا حمل على الجماعة الكثيرة. وإن حمل على القليلة منهم، يجوز أن يكونوا كتموا نفس التنزيل ايضاً. الثاني - قال الحسن: كتموا الأحكام، وأخذوا الرشا على الأحكام، والكتاب على القول الأول: هو التوراة، وعلى الثاني يجوز أن يحمل على القرآن وسائر الكتب. وقوله: {ويشترون به ثمناً قليلاً} ليس المراد به أنهم اذا اشتروا به ثمناً كثيراً كان جائزاً. وإنما المقصد كلما يأخذونه في مقابلته من حطام الدنيا، فهو قليل، كما قال {أية : ويقتلون النبيين بغير حق} تفسير : وكما قال {أية : ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} تفسير : وانما أراد أن قتل النبيين لا يكون إلا بغير حق، وإن من ادعى مع الله إلها آخر لا يقوم له عليه برهان. وكما قال الشاعر: شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : والمعنى لا لا حب هناك، فيهتدى به، لأنه لو كان، لاهتدي به. وقوله تعالى {ما يأكلون في بطونهم إلا النار} معناه على قول الربيع، والحسن، والجبائي، وأكثر المفسرين: الأجر الذي أخذوه على الكتمان، سمي بذلك، لأنه يؤديهم الى النار، كما قال في أكل مال اليتيم ظلماً {أية : إنما يأكلون في بطونهم ناراً}تفسير : وقال بعضهم: إنما يأكلون في جهنم ناراً جزاء على تلك الاعمال، والأول أحسن. فان قيل اذا كان الأكل لا يكون إلا في البطن، فما معنى قوله {في بطونهم}؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان العرب تقول: جعت في غير بطنى وشبعت في غير بطني، اذا جاع من يجري جوعه مجرى جوع نفسه، فذكر ذلك لأزالة اللبس. والثاني - انه لما استعمل المجاز بالاجراء على الرشوة اسم النار، حقق بذكر البطن، ليدل علي أن النار تدخل أجوافهم. اللغة: والبطن: خلاف الظهر. والبطن: الغامض من الارض. والبطن من العرب: دون القبيلة. وعرفت هذا الأمر ظاهره، وباطنه أي سرَّه وعلانيته. ورجل بطين: عظيم البطن. ومبَّطن: خميض البطن. وفلان بطانتي دون إخواني. أي الذي أبطنه أمري. واستبطنت أمر فلان: إذا وقفت على دخلته. ويقال في المثل: البطنة تذهب الفطنة، وبطن الشيء بطوناً اذا غمض. والبطان حزام الرّحل. والبطين: نجم وهو بطن الحمل. وأصل الباب البطون: خلاف الظهور. المعنى: وقوله تعالى: {ولا يكلمهم} قيل في معناه قولان: أحدهما - لا يكلمهم بما يحبون، وإنما هو دليل على الغضب عليهم، وليس فيه دليل على أنه لا يكلمهم بما يسوءهم، لأنه قد دّل في موضع آخر، فقال {أية : فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين}تفسير : وقال {أية : ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} تفسير : وهذا قول الحسن، وواصل، وأبي علي. الثاني - لا يكلمهم أصلا، فتحمل آيات المسائلة على أن الملائكة تسألهم بأمر الله ويتأول قوله {اخسئوا فيها ولا تكلمون} على أن الحال دالة على ذلك. وإنما دلّ نفي الكلام على الغضب - على الوجه الاول - من حيث أن الكلام وضع في الأصل للفائدة، فلما انتفى على جهة الحرمان للفائدة، دلّ على الغضب، ولا يدخل في ذلك الكلام للغم والايلام. وقوله: "ولا يزكيهم" معناه لا يبني عليهم، ولا يصفهم بأنهم أزكياء. ويحتمل أن يكون المراد لا يتقبل أعمالهم تقبل أعمال الازكياء. والاشتراء هو الاستبدال بالثمن العوض، فلما كانوا هؤلاء استبدلوا بذنبهم الثمن القليل، قيل فيهم: إنهم اشتروا به ثمناً قليلا. والثمن هو العوض من العين، والورق والقلة هو نقصان المقدار عن مقدار غيره، لانه يقال: هو قليل بالاضافة الى ما هو أكثر منه، وكثير بالاضافة الى ما هو أقل منه. والكلام ما انتظم من حرفين فصاعداً من هذه الحروف المعقولة: إذا وقع ممن يصح منه أو من قبيلة للافادة وقال الرماني: الكلام ما كان من الحروف دالاّ بتأليفه على معنى، قال وأصله من الآثار وهي كالعلامات الدالة، والكلم أي الجراح. وما ذكرناه أولى، لأن هذا ينتقض بالمهمل من الكلام، فانه لا يفيد وهو كلام حقيقة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} امّا المقصود منافقوا الامّة واسقاطهم من الكتاب مناقب علىّ (ع) ومثالب أحزابهم ولذا أتى بالمضارع اخباراً بما يقع بعد، او المراد أعمّ من اهل الكتاب ومنافقى الامّة و {من الكتاب} صلة أنزل اى ما أنزل الله من اللّوح المحفوظ او من مقام النّبوّة وهو مقام القلب الى الصّدر وعالم الطّبع او حال ممّا أنزل الله، ومن للتّبعيض على ان يكون المراد بالكتاب التّدوينىّ او اعمّ منه ومن احكام النّبوّة {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} قد مضى بيان مبسوط لاشتراء الثمن القليل بالآيات فى اوّل السّورة عند قوله {وَلاَ تَشْتَرُوا بآيَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً} {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ} اى ما يدخلون بالأكل من الاعواض الّتى يأخذونها بما أنزل {فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} ومثل هذه قد تكرّر فى الكتاب والكلّ مبنىّ على التّضمين {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} كناية عن عدم الاعتداد بهم لشدّة الغضب {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} لا يطهّرهم، او لا يثنى عليهم بأنّهم ازكياء، او لا ينعم عليهم من زكى الرّجل اذا صلح وتنعّم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} اى استبدلوا الضّلالة الّتى هى ملك الشّيطان بالهدى الّذى كان لهم ملكاً فى الدّنيا {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} فى الآخرة {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} فما أجرأهم على فعلٍ يدخلهم فى النّار ويبقيهم فيها فهو تعبير عن الشّيء بالّلازم ولذا اختلف الاخبار فى تفسيرها واختلف المفسّرون فى بيانها.

الأعقم

تفسير : {ان الذين يكتُمُون ما انزل الله من الكتاب ويشترون به} الآية، نزلت في رُؤساء اليهود كعب ابن الأشرق وحيي بن اخطب وغيرهم وكانوا يُصِيبُون الهدايا من عوامهم ويرجون كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم فلما بعث من غيرهم خافوا زوال ما كانوا عليه فغيّروا صفته وكتموا ما في التوراة فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وروي عن ابن عباس: ان الملوك كانوا يسألُون اليهود عن صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيحدثوهم فلما بعث سألُوهم فأنكروا طمعاً في مالهم وأعطاهُم الملوك الأموال فنزلت الآية {اولئك} يعني الذين كتمُوا ذلك {ما يأكُلون في بطُونهم الا النار} يعني ان أكلهم في الدنيا وان كان حسناً طيباً في الحال فعاقبته النار كقوله تعالى: {أية : ان الذين يأكُلون أموال اليتامى ظلماً انما يأكُلون في بطُونهم ناراً } تفسير : [النساء: 10] ولا يُكلمهم الله اي لا يكلمهم بما يحبُّون ويسرّهم، وقيل: هو كنايَة عن غضبه عليهم ثم السؤال يقع من الملائكة بأمره تعالى {ولا يزكِّيهم} اي لا ينسبهم الى التزكية ولا يثني عليهم {فما اصبرهم على النار} قيل: في الآخرة، وقيل: في الدنيا ما أجرأهم على النار أي على العمل المؤدي اليها، وقيل: ما أعملهم بأعمال أهل النار {ذلك بان الله نزل الكتاب بالحق} قيل: هو القرآن، وقيل: هو التوراة {وان الذين اختلفوا} قيل: هم الكفار قالوا: هو سحر، وقيل: هم اليهود والنصارى حرفوا وكتموا قوله تعالى {ليس البر ان تُولوا وجُوهكم قبل المشرق والمغرب} الآية نزلت في اليهود قيل: ان رجلاً سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البر فانزل الله تعالى هذه الآية وكان الرجل قبل الفرائض اذا اتى بالشهادتين ثم مات يطمع في الجنّة فلما هاجر وفرضت الفرائض انزل الله هذه الآية وانه زعم كل واحد من الفريقين أن البر التوجه إلى قبلته فرد عليهم، وقيل: ليس البر ما أنتم عليه فانه منسوخ خارج من البر {ولكن البر} ما نبينه الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمَّة اليه بهذه الأعمال. {والكتاب} جنس كتب الله والقرآن {واتى المال على حبه} يعني مع حب المال والشح به، وقيل: على حب الله تعالى {والموفون بعهدهم اذا عاهدوا} يعني عُوِهدُوا اموراً لزمتهم بعقودهم ونذورهم وأيمانهم، وقيل: ما عاهدوا الله تعالى عليه من الطاعات، وقيل: الأيمان وإيفاؤها في كفاراتها {والصابرين في البأساء} يعني الفقر والشدة {والضراء} المرض {وحين البأس} يعني حين القتال.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ}. فهؤلاء أهل الكتاب الذين حرّفوا كتاب الله. وهو كقوله: (أية : إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) تفسير : [التوبة:34]. وكانت لهم مأكلة من السلطان وكانوا يضعون لهم ما يهوون. وقوله: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ}، يقول: فسوف يأكلون به النار. وقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: بما يحبون؛ وقد يكلّمهم ويسألهم عن أعمالهم ويأخذهم بها. وقال بعضهم: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي لا يدخل عليهم الملائكة بالسَّلام من الله؛ فأضاف ذلك السلام الذي هو كلام الملائكة أنه كلامه؛ أي: فلا تأتيهم الملائكة بكلام الله الذي هو السلام. ولا يزكيهم، أي لا يطهرهم من آثامهم. ولهم عذاب أليم؛ أي: موجع. وقال بعضهم: أي ولا يثني عليهم بخير ولا يمدحهم، لأن التزكية ثناء ومدح. وكل ما تأولوا في هذا جائز صحيح.

اطفيش

تفسير : {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكِتَاب}: من للتبعيض، لأنهم يكتمون بعض الكتاب لا كله وهم اليهود يكتمون ما فى التوراة من صفات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما فيها من تصديقه متعلق بمحذوف حال من مال أو من المحذوف، أى ما أنزله الله حال كونه بعض الكتاب، أو من للابتداء متعلق بيكتمون وليست بيانا لما أو لضميرها المحذوف: لأنهم لم يكتموا كل الكتاب بل بعضه. {ويشْتَرونَ به}: أى بما أنزل الله، أو بالكتاب إثباتا بيانا ونفيا وزيادة، أما الإثبات فهم يقرءون التوراة ويقرءونها ويعلمون بعض ما فيها بالأجرة، وأما النفى فهو محوهم منها صفات محمد وما يصدقها أو كتم ذلك أو تأويله بتحريف، أو يأخذون الأجرة على ذلك، ويعيرون وقت نبوته فعل علماءهم ذلك وأكابرهم لئلا تزول عنهم الرياسة والمآكل التى يأكلونها من السفلة والعامة، وأما الزيادة فرسمهم فيها ما حرم برسم الحلال والعكس وتبديل صفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بغيرها، ليرى الناس أنه غير النبى المبعوث آخر الزمان، وقيل الكاتمون اليهود والنصارى، والكتاب التوراة والإنجيل، وزعم المتكلمون أن التوراة والإنجيل بلغا من الشهرة إلى حيث يتعذر كتم بعض ما فيهما أو محوه، وليس كذلك لأنهم قوم سوء، وقد غيروهما قبل سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وزادوا ونقصوا، ففعلوا ذلك أيضا بعد ولادته وبعد بعثه إلا قليلا منهم، وزعم هؤلاء المتكلمون أن كتمهم هو التحريف بالتأويل ليصرفوا الرسالة عنه، صلى الله عليه وسلم، وليس هذا الحصر بشئ، والآية ولو نزلت فى الأحبار والرهبان لكنها تتناول من كتم الحق من الموحدين لغرض من الدنيا، ويجوز عود الهاء إلى الكتم، أى يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون بالكتم. {ثَمَناً قَليلاً}: هو مآكلهم المذكورة، سماها ثمنا لأنها عوض عن الحق، وسماها قليلا لقلة ما فى الدنيا كله، وبالنسبة إلى ما عوضوه عنه، وبالنسبة إلى ثوابهم فى الآخرة لو أطاعوا أو إلى عذابهم فيها. {أولئك ما يأكلونَ فى بطونهم إلاَّ النارَ}: شبه ما يأكلونه من المآكل المذكورة والرشاء بالنار، فسماه باسم النار لأنهُ سبب للنار وملزوم لها، ومعاقبون بها عليه، فكأنه عوضه وبدله. قال أعرابى تزوج امرأة فلم توافقه: شعر : أكلت دما إن لم أرعك بضره بعيدة مهوى القرط طبيعة النشر تفسير : كان أخذ الدية عند العرب عاراً لأنها تتضمن قتل الأعزة وتجسر عليها، وعلى الإهانة بالأقارب، فحلف بأنه يكون كالذى أكل دما، أى أخذ الدية المسببة أو اللازمة عن الدم المعبر عن القتل إن لم ينزع مخاطبته التى هى زوجه بامرأة يتزوجها عليها، طويلة العنق، بحيث يبعد مسقط ما تعلق فى أذنها ومسقطه الكتف، طيبة الرائحة. وتقول العرب: أكل فلان الدم، أى الدية المبدلة منه. وقال الشاعر: شعر : يأكلن كل ليلة إكافا تفسير : أى ثمن الإكاف فسماه إكافا لأنهُ ثمنه، وذلك مجاز مرسل، ويجوز أن يكون شبه ما يأكلونه من المآكل المذكورة والرشاء بالنار، فسماه باسم النار، لأنهُ يحرق نور القلب ويزيد بطلانا للحسنات، كما أن النار تحرق الحطب، وتذهب المنفعة من الشئ الذى لا تليق به، فيكون ذلك مجازاً استعارياً، ويجوز أن يكون المعنى ما يأكلون يوم القيامة فى بطونهم إلا النار إذا دخلوا النار أكلوا منها كما كانوا يأكلون ما لا يحل، فذلك حقيقة لا مجازا، والوجه الأول هو قول الربيع وغيره: قال سمى مأكولهم ناراً، لأنهُ يؤل بهم إلى النار، ولزم الإنسان ألا يأخذ مالا على عمل الطاعة ولا على المعصية، وهذا مسقط عظيم تهاونت به المالكية إلا قليلا منهم، إذ أجازوا عمل الطاعات بالأجرة كالأذان والإقامة وتعليم الصبيان، وقد رددت عليهم فى الشامل، ففى سنن داود عن عبادة بن الصامت أنهُ قال: حديث : علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، وأهدى إلى رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال، وأرمى عليها فى سبيل الله، لآتين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلأسألنه، فأتيه فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلى قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمى عليها فى سبيل الله. قال: "إن كنت تحب أن تطوق من نار فاقبلها" تفسير : وفى رواية فقلت: حديث : ما ترى فيها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "جمرة بين كتفيك تقلدها وتعلقتها"،تفسير : وإن قلت معلوم أن الأكل ما يكون إلا فى البطن، فما فائدة قوله: {فى بطونهم} قلت: تهويل الأمر وتفظيعه وتأكيد الزجر، فإن الأكل ولو كان يشعر بالبطن لكن قد تصيب السامع بعض غفلة من استشعار كل الألم فى ذلك وإذا قيل فى بطونهم فكأنه قيل يأكلون النار، وتباشر أمعاءهم، ثم تتصل بكبدهم ورئتهم وقلبهم ونحو ذلك، فيستشعر الألم كل الاستشعار، هذا ما ظهر لى، ويحتمل أن يكون قال: {فى بطونهم} ليدل على أنهم يملئونها نارا، ولو قال ما يأكلون إلا النار، لم يشعر الكلام بأن بطونهم مملوءة بها، والعرب إذا أرادوا أن يقولوا ملأ بطنه بطعام، قالوا أكل فى بطنه، كأنهم قالوا باشر الطعام أمعاءه ومعدته كلهن حتى إذا ضاق بهن البطن، أى أكل مقدار ما يشبع بدليل أنهم إذا أرادوا أن يصرحوا بأنه لم يملأ بطنه قالوا أكل فى بعض بطنه. فقال الشاعر: شعر : كلوا فى بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميصص تفسير : أى لا تشبعوا بأن سننكم سنة ضامرة، قليلة الخير خفيفته، ولا تتركوا الأكل بالكلية لتعفوا عن سؤال الطعام وما تشترونه به، وفى ذكره تعالى {بطونهم} تهجين عليهم بأنهم باعوا الجنة، ورضى الله بمطعم حقير قليل منقطع. {ولا يُكلِّمهُم اللهُ يَومَ القيامة}: هذا عندى من المجاز المركب غير الاستعارى كقوله. شعر : هواى مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثمانى بمكة موثق تفسير : فإن هذه الجملة معناها بحسب الوضع انتفاء الكلام من الله سبحانه إليهم يوم القيامة، واستعملت هنا فى معنى غير ذلك، وهو أنه غضبان عليهم عدو لهم محرومون مما للمؤمنين من الكرامة، ولا شئ أعظم عليهم من أن يروا المؤمنين فى خير دونهم، ويدل ذلك ما ثبت من أنه يسألهم، وأنه يقول لهم: اخسئوا فيها إلى غير ذلك، فلم يكن نفى الكلام هنا حقيقة، ولك أن تقول هذه الجملة كناية عن الغضب والحرمان، والكناية لا يمنع فيها إرادة المعنى الحقيقى، فيكون المعنى على إرادته مع لازمه أنه غضبان عليهم يحرمهم ولا يكلمهم فى بعض المواضع، ولو كان يكلمهم فى بعض، أو لا يكلمهم كلام خير، وإن أريد لازمه فقط، كان المعنى أنه غضبان يحرمهم ويكلمهم فى بعض كلام سوء أو حساب، وهذا تقول لا رماد له أصلا، أو له قليل، فلأن كثير الرماد تريد أنه جواد، ويجوز أن يكون {لا يكلمهم} مجازا مرسلا مرادا به الغضب والحرمان، لأنهما سبب لعدم الكلام فى الجملة ملزومان له، ويجوز أن يكون لا كناية هناك ولا مجاز، بل حقيقة، والمعنى لا يكلمهم فى بعض المواضع أو لا يكلمهم بخير، بل بسوء وتوبيخ. قال الطبرى: لا يكلمهم بما يحبون، أو لا يرسل الله، جل وعلا، إليهم السلام مع الملائكة. {ولا يُزكِّيهم}: لا يطهرهم من ذنوبهم، بل يلقيهم فى النار بسببها، أو لا يثنى عليهم بل يذكرهم بسوء على رءوس الخلائق وبما لا شئ أحب إليهم من ستره، أو لا يسميهم أزكياء كما تقول زكاة، تريد سماه زاكياً وفسقه أى سماه فاسقاً. وقد أوضحت هذا المعنى فى شرح اللامية. {ولهُم عَذابٌ أليمٌ}: عذاب مؤلم وهو عذاب النار يصل وجعه قلوبهم.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَٰبِ} هم علماء النصارى واليهود ورؤساؤهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل، ويرجون أن النبى المبعوث آخرا منهم، فلما كان من العرب خافوا من ذهاب ما يُعطَون فكتموا صفاته التى فى التوراة والإنجيل، واهتم أهل الكتاب بأن لا يعلِّموها من يتعلمها، وبأن يخطوا عليها، ويكتبوا كتابا، ولا يكتبوها فيه. وبأن يبدلوها بعكسها، وبأن يبدلوها فى التعليم وبكل ما أمكنهم، وهكذا كلما ذكر كتمهم فى القرآن {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} بسبب الكتاب أو ما أنزل إذ كتموه أو بكتمانه {ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} كلها بملئها، ولا فى بعض البطن، لشهرة أنه أكل فى بعض بطنه إذا أكل قليلا، أو أكل فى بطنه إلا ملأه {إِلاَّ النَّارَ} ما يأكلون فى الدنيا بكتمانهم إلا سبب النار أو موجب النار، فحذف المضاف، ولا يصح أن يكون مجازاً بعلاقة التسبب أو المآل، أى إلا ما سيصير ناراً، أو أن النار مستعمل فى ذلك المأكول، لأنه لو قيل ما يأكلون فى بطونهم إلا ذلك المأكول بالكتمان أو الصيرورة لم يصح، فإن شرط المجاز أن تصلح موضعه الحقيقة، أو المعنى ما يأكلون يوم القيامة إلا النار، جزاء على ذلك الأكل على الكتمان، فالمضارع للاستقبال على هذا الوجه، وللحال على الوجه الأول، فأكل النار حقيقة، ولا ينافى الحصر أنهم يأكلون الزقوم أيضا لأنه إضافى، أى ما يأكلون لهذا الكتمان والأكل عليه إلا النار، فآكل الزقوم على غيره، أو على الإطلاق، أو أكل النار مجاز عن إحراق باطنهم، أو عد الزقوم أيضاً ناراً، أو الكلام تمثيل، شبه هيئة الراشى والمرتشى والرشوة بهيئة الأكل والنار وآكلها {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ} كناية عن غضبه عليهم، أو تعريض بحرمانهم، لكنهم من الكرامة التى يؤتيها المؤمنين، لعدم كتمانهم، ومن جملتها الكلام الموحى إليهم من الله بالبشرى والرضى، أو المراد لا يكلمهم بخير كما يكلم المؤمنين، وذلك بالوحى، وإلا فمطلق الكلام، واقع لقوله تعالى: "أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" تفسير : [الحجر: 92] وقوله: "أية : فَلَنَسْأَلَنِّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ"تفسير : [الأعراف: 6]، ويسال كل مكلف {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} يطهرهم من الذنوب، أو لا يمدحهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الدنيا كالآخرة.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ} المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكام المحللات والمحرمات، والآية نزلت ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ في علماء اليهود كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبـي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم كتموا وغيروا صفته صلى الله عليه وسلم حتى لا يتبع فتزول رياستهم وتنقطع هداياهم {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أي يأخذون بدله في نفس الأمر، والضمير ـ للكتاب ـ أو لما أنزل أو للكتمان {ثَمَناً قَلِيلاً} أي عوضاً حقيراً. {أُولَٰـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} إما في الحال ـ كما هو أصل المضارع ـ لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار وهو ـ الرشا ـ لكونها عقوبة لها فيكون في الآية استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة الحاصلة من أكلهم ما يتلبس بالنار بالهيئة المنتزعة من ـ أكلهم النار ـ من حيث إنه يترتب على ـ أكل ـ كل منهما من تقطع الأمعاء والألم ما يترتب على الآخر، فاستعمل لفظ المشبه به في المشبه، وإما في المآل، أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار فالنار في الاحتمالين مستعمل في معناه الحقيقي، وقيل: إنها مجاز عن ـ الرشا ـ إذا أريد الحال، والعلاقة السببية والمسببية وحقيقة إذا أريد المآل، ولا يخفى أن الأول هو الأليق بمقام الوعيد، والجار والمجرور حال مقدرة، أي: ما يأكلون شيئاً حاصلاً في بطونهم إلا النار إذ الحصول في ـ البطن ـ ليس مقارناً للأكل، وبهذا التقدير يندفع ضعف تقديم الحال على الاستثناء، ولا يحتاج إلى القول بأنه متعلق بيأكلون والمراد في طريق بطونهم كما اختاره أبو البقاء، والتقييد ـ بالبطون ـ لإفادة ـ الملء ـ لا للتأكيد ـ كما قيل به ـ والطرفية بلفظة (في) وإن لم تقتض استيعاب المظروف الظرف، لكنه شاع استعمال ظرفية ـ البطن ـ في الاستيعاب كما شاع ظرفية بعضه في عدمه كقوله:شعر : / ـ كلوا ـ في بعض ـ بطنكم ـ تعفوا فإن زمانكم زمن خميص تفسير : {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي كلام رحمة ـ كما قال الحسن ـ فلا ينافي سؤاله سبحانه إياهم، وقيل: لا يكلمهم أصلاً لمزيد غضبه جل جلاله عليهم، والسؤال بواسطة الملائكة. {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} أي لا يطهرهم من دنس الذنوب، أو لا يثني عليهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم، وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه لما ذكر سبحانه اشتراءهم بذلك ـ الثمن القليل ـ وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية بدأ أولاً في الخبر بقوله تعالى: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} ثم قابل ـ كتمانهم الحق ـ وعدم التكلم به بقوله تعالى: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ} تعالى، وابتنى على ـ كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله تعالى ثمناً قليلاً ـ أنهم شهود زور وأحبار سوء آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلموه فقوبلوا بقوله سبحانه: {وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وبدأ أولاً: بما يقابل فرداً فرداً، وثانياً: بما يقابل المجموع.

ابن عاشور

تفسير : عود إلى محاجَّة أهل الكتاب لاَحِقٌ بقوله تعالى: { أية : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } تفسير : [البقرة: 159] بمناسبة قوله: { أية : إنما حرم عليكم الميتة والدم } تفسير : [البقرة: 173] تحذيراً للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يَقْرؤا من كتابهم ما غَيَّروا العمل بأحكامه كما قال تعالى: { أية : تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً } تفسير : [الأنعام: 91] كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في التوراة حين دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في كتاب الحدود، ولجريانه على مناسبة إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله هنا {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} لقصد المشاكلة. وفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام؛ فإن هذا الكلام فيه إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملوناً بلوني الغَرض السابق والغرض اللاحق. وعُدل عن تعريفهم بغير الموصول إلى الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى سبب الخبر وعلته نحو قوله تعالى: { أية : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } تفسير : [غافر: 60]. والقول في الكتمان تقدم عند قوله تعالى: { أية : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } تفسير : [البقرة: 159] والكتاب المذكور هنا هو الكتاب المعهود من السياق وهو كتاب {الذين يكتمون}، فيشبه أن تكون (أل) عوضاً عن المضاف إليه، والذين يكتمونه هم اليهود والنصارى أي يكتمون البشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويكتمون بعض الأحكام التي بدلوها. وقوله: {ويشترون به ثمناً قليلاً} تقدم تفسيره عند قوله تعالى: { أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } تفسير : [البقرة: 41] وهو المال الذي يأخذونه من الناس جزاء على إفتائهم بما يلائم هواهم مخالفاً لشرعهم أو على الحكم بذلك، فالثمن يطلق على الرشوة لأنها ثمن يدفع عوضاً عن جور الحاكم وتحريف المفتي. وقوله: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} جيء باسم الإشارة لإشهارهم لئلا يخفى أمرهم على الناس وللتنبيه على أن ما يخبر به عن اسم الإشارة استحقوه بسبب ما ذكر قبلَ اسم الإشارة، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : [البقرة: 5]، وهو تأكيد للسببية المدْلول عليها بالموصول، وفعل {يأكلون} مستعار لأخذ الرُّشَا المعبر عنها بالثمن والظاهر أنه مستعمل في زمان الحال، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلاّ النارَ لأنه الأصل في المضارع. والأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له فهو خفي لا يَظهر كحال الرشوة، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام أكْلُ نار تعين أن في الكلام مجازاً، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة، قال التفتازاني: وهو الذي يوهمه ظاهر كلام «الكشاف» لكنه صرح أخيراً بغيره، وقيل هو مجاز في الطَّرَف بأن أطلق لفظ النار على الرشوة إطْلاقاً للاسم على سببه قال التفتازاني: وهو الذي صرح به في «الكشاف» ونظَّره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يَقْلاَها: شعر : أَكَلْتُ دَماً إنْ لم أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ بعيدةِ مَهْوَى القُرْطِ طيبةِ النَّشْر تفسير : أراد الحلف بطريقة الدعاء على نفسه أن يأكل دماً أي دية دَمٍ فقد تضمن الدعاءَ على نفسه بقتل أحد أقاربه وبذهاب مروءته، لأنهم كانوا يتعيرون بأخذ الديَة عن القتيل ولا يرضون إلاّ بالقَوَد. واختار عبد الحكيم أنه استعارة تمثيلية شبهت الهيئة الحاصلة من أكلهم الرُّشا بالهيئة المنتزعة من أكلهم النار وأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة. قلت: ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غيرَ محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله: (أعلامُ ياقوْت نشرن على رماحٍ من زبرجد) فالمركب الذي من شأنه أن يدل على الهيئة المشبهة أن يقال: أولئك ما يأخذون إلاّ أخذاً فظيعاً مُهلكاً فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كلَّه هلاك من وقت تناولها باليد إلى حصولها في البطن، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى: { أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } تفسير : [آل عمران: 103] أي على وشك الهَلاك والاضمحلال. والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى: {في بطونهم} فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة، ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله: {يأكلون في بطونهم} مستعملاً في المركب الحقيقي، وهو لا يصح، ولولا قوله {في بطونهم} لأمكن أن يقال: إنَّ {يأكلون} هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك. وجوزوا أن يكون قوله: {يأكلون} مستقبلاً، أي ما سيأكلون إلاّ النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة، وهو وجيه، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله: {يشترون به ثمناً قليلاً} فإن المراد بالثمن هنا الرشوة، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلاً. وقوله: {ولا يكلمهم الله} نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب، فالمراد نفي كلام التكريم، فلا ينافي قوله تعالى: { أية : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } تفسير : [الحجر: 93]. وقوله: {ولا يزكيهم} أي لا يُثني عليهم في ذلك المجمع، وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ، فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذٍ سكوت.

الواحدي

تفسير : {إنَّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} يعني: رؤساء اليهود {ويشترون به} بما أنزل الله من نعت محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في كتابهم {ثمناً قليلاً} يعني: ما يأخذون من الرُّشى على كتمان نعته {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاَّ النار} إلاَّ ما هو عاقبته النَّار {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أَيْ: كلاماً يسرُّهم {ولا يزكيهم} ولا يُطهِّرهم من دنس ذنوبهم. {أولئك الذين اشتروا الضلالة} استبدلوها {بالهدى والعذاب بالمغفرة} حين جحدوا أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وكتموا نعته {فما أصبرهم} أَيْ: فأيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار، ودعاهم إليها حين تركوا الحقَّ واتبعوا الباطل؟! وهذا استفهامٌ معناه التَّوبيخ لهم. [وقيل: ما أجرأهم على النار!]. {ذلك} أَيْ: ذلك العذاب لهم {بأنَّ الله نزل الكتاب بالحق} يعني: القرآن فاختلفوا فيه {وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب} فقالوا: إنَّه رَجَزٌ، وشِعرٌ، وكهانةٌ، وسحرٌ {لفي شقاق بعيد} لفي خلافٍ للحقِّ طويلٍ. {ليس البر..} الآية. كان الرَّجل في ابتداء الإِسلام إذا شهد الشَّهادتين، وصلَّى إلى أَيٍّ ناحيةٍ كانت ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنَّة، فلمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وصُرفت القِبلة إلى الكعبة أنزل الله تعالى هذه الآية، فقال: {ليس البر} كلَّه أن تُصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك {ولكنَّ البرَّ} أَيْ: ذا البرِّ {مَنْ آمن بالله واليومِ الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيين وآتى المال على حبه} أَيْ: على حبِّ المال. [وقيل: الضميرُ راجعٌ إلى الإِيتاء] {ذوي القربى} قيل: عنى به قرابة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد به قرابة الميت] {وابن السبيل} هو المنقطع يمرُّ بك، والضَّيف ينزل بك {وفي الرِّقاب} أَيْ: وفي ثمنها. يعني: المكاتبين {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} اللَّهَ أو النَّاسَ {والصابرين في البأساء} الفقر {والضراء} المرض {وحين البأس} وقت القتال في سبيل الله {أولئك} أهل هذه الصفة هم {الذين صدقوا} في إيمانهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يكتمون: يجحدون ويخفون. ما أنزل الله من الكتاب: الكتاب التوراة وما أنزل الله فيه صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإِيمان به. لا يكلمهم الله: لسخطه عليهم ولعنه لهم. ولا يزكيهم: لا يطهرهم من ذنوبهم لعدم رضاه عنهم. الضلالة: العماية المانعة من الهداية إلى المطلوب. الشقاق: التنازع والعداء حتى يكون صاحبه في شق ومنازعه في آخر بعيد: يصعب انهاؤه والوفاق بعده. معنى الآيات: هذه الآيات الثلاثة نزلت قطعاً في أحبار أهل الكتاب تندد بصنيعهم وتريهم جزاء كتمانهم الحق وبيعهم العلم الذي أخذ عليهم أن يبينوه بعرض خسيس من الدنيا يجحدون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينه إرضاء للعوام حتى لا يقطعوا هداياهم ومساعدتهم المالية، وحتى يبقى لهم السلطان الروحي عليهم فهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وأخبر تعالى أن ما يأكلونه من رشوة في بطونهم إنما هو النار إذ هو مسببها ومع النار غضب الجبار فلا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. كما أخبر تعالى عنهم في الآية [175] أنهم وهم البعداء اشتروا الضلالة بالهدى أي الكفر بالإيمان، والعذاب بالمغفرة أي النار بالجنة، فما أجرأ هؤلاء على معاصي الله، وعلى التقحم في النار فلذا قال تعالى فما أصبرهم على النار. وكل هذا الذي تم مما توعد الله به هؤلاء الكفرة، لأن الله نزّل الكتاب بالحق مبيناً فيه سبيل الهداية وما يحقق لسالكيه من النعيم المقيم ومبيناً سبيل الغواية وما يفضي بسالكيه إلى غضب الله وأليم عذابه. وفي الآية الآخيرة [176] أخبر تعالى أن الذين اختلفوا في الكتاب التوراة والانجيل وهم اليهود والنصارى لفي عداء واختلاف بينهم بعيد، وصدق الله فما زال اليهود والنصارى مختلفين متعادين إلى اليوم، ثمرة اختلافهم في الحق الذي أنزله الله وأمرهم بالأخذ به فتركوه وأخذوا بالباطل فأثمر لهم الشقاق البعيد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة كتمان الحق، لا سيما إذا كان للحصول على منافع دنيوية مالاً أو رياسة. 2- تحذير علماء الإِسلام من سلوك مسلك علماء أهل الكتاب بكتمانهم الحق وإفتاء الناس بالباطل للحصول على منافع مادية معينة. 3- التحذير من الإختلاف في القرآن الكريم لما يفضي إليه من العداء والشقاق البعيد بين المسلمين.

القطان

تفسير : الضلالة: ضد الهدى. الباطل: الهلاك. الهدى: الرشاد. الشرائع التي أنزلها الله على لسان انبيائه. الشقاق: العداء. التنازع. يعود الحديث هنا في الحملة على الذين يخفون الحقائق، وقد جادل اليهودُ كثيراً في ما أحلّ الله للمؤمنين، كما كتموا ما تورده كتبهم من أمر النبي ونبوّته.. كل ذلك لقاء عَرَض من أعراض الدنيا، فما جزاؤهم؟ انهم لا يأكلون من ذلك العرض الا سبباً لدخول النار، فهي التي تملأ بطونهم يوم القيامة، وسوف يُعرِض الله عنهم يوم القيامة ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة، ولهم عذاب شديد موجع. ذلك بأنهم تركوا الهدى الواضح الذي لا خلاف فيه، واتبعوا الضلال، واشتروا العذاب بالمغفرة. بذلك كانوا هم الجناة على أنفسهم، فما أصبرهم على حر جهنم! لقد جاء الكتاب بالحق لكنهم انكروه، ومن غالب الحق غلبه الحق، وبقي هو في نزاع كبير فلا يهتدي الى الحق ابدا. وكتمان الحق يتناول كل انسان من أية ملة كان، يهوديا أو نصرانيا أو مسلما، فهو حكمٌ عام مستمر في كل مكان وكل زمان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {أُولَـٰئِكَ} {ٱلْقِيَامَةِ} (174) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الذِينَ يُخْفُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ عَلَى رُسُلِهِ، أَوْ يُؤَوِّلُونَهُ أَوْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَضَعُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، بِرَأْيِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ، فِي مُقَابِلِ الثَّمَنِ الحَقِيرِ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا، كَالرَّشْوَةِ عَلَى ذلِكَ، وَالجُعْلِ (الأجْرِ عَلَى الفَتَاوَى البَاطِلَةِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ ... وَالذِينَ يَكْتُمُونَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (وَهُمُ اليَهُودُ)، وَعَنْ رِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ لِئَلاَّ تَذْهَبَ زَعَامَاتُهُمْ، وَرِيَاسَاتُهُمْ إِنْ صَدَّقُوا مُحَمَّداً، وَآمَنُوا بِهِ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ، وَلِئَلاَّ يَخْسَرُوا مَا كَانَ يَصِلُ إِليهِمْ مِنْ أَموالٍ وَهَدَايَا، وَهُوَ شَيءٌ تَافِهٌ يَسِيرٌ إِذا مَا قُورِنَ بِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ جَزيلِ الثَّوَابِ .. فَهؤُلاءِ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابِلِ كِتْمَانِ الحَقِّ نَاراً تَتَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَومَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لغَضَبِهِ عَلَيهِمْ، وَلا يُزَكِّيهم، وَلا يَمْدَحُهُمْ وَلا يُثْنِي عَلَيهِمْ، وَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. (وَقِيلَ أَيْضاً في تَفْسِيرِ: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ: إِنَّهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَنِهِ إِلاَّ مَا يَكُونُ سَبَباً لِدُخُولِهِمْ نَارَ جَهَنَّمَ). ثَمَناً قَلِيلاً - عِوَضاً يَسِيراً. لا يُزَكِّيهِمْ - لاَ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ المَعَاصِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه وتعالى ينزل بوساطة رسله على خلقه ليحكم المنهج حركة الحياة للناس وعلى الناس، إنه يحكم للناس أي لمصالحهم، ويحكم على الناس إن فوتوا المصالح، لأن الذي يُفَوِّت مصلحة لسواه عنده، لابد أن يلحظ أن غيره سيفوّت عليه مصلحة عنده. إذن، فمن الإنصاف في التشريع أن تجعل له وعليه، فكل "تكليف عليه" يقابله "تكليف له"، لأنه إن كان له حق، فحقه واجب على سواه، وما دام حقه واجباً على ما سواه، فلزم أن يكون حق غيره واجباً عليه؛ وإلا فمن أين يأخذ صاحب الحق حقه؟ والحق سبحانه وتعالى حين ينزل المنهج يبلغه الرسل ويحمله أولو العلم؛ ليبلغوه للناس، فالذين يكتمون ما أنزل الله إنما يصادمون منهج السماء. ومصادمة منهج السماء من خلق الله لا تتأتى إلا من إنسان يريد أن ينتفع بباطل الحياة؛ ليأكل حق الناس. فحين يكتمون ما أنزل الله، فقد أصبحوا عوائق لمنهج الله الذي جاء ليسيطر على حركة الحياة. وما نفعهم في ذلك؟. لابد أن يوجد نفع لهم، هذا النفع لهم هو الثمن القليل، مثل "الرشا"، أو الأشياء التي كانوا يأخذونها من أتباعهم ليجعلوا أحكام الله على مقتضى شهوات الناس. فالله يبين لهم: أن الشيء لا يُثمن إلا بتثمين مَنْ يعلم حقيقته، وأنتم تُثَمّنون منهج الله، ولا يصح أن يُثَمِّن منهج الله إلا الله، ولذلك يجب أن يكون الثمن الذي وضعه الله لتطبيق المنهج ثمناً مربحاً مقنعاً لكم، فإن أخذتم ثمناً على كتمان منهج الله وأرضيتم الناس بتقنين يوافق أهواءهم وشهواتهم، فقد خسرتم في الصفقة؛ لأن ذلك الثمن مهما علا بالتقدير البشري، فهو ثمن قليل وعمره قصير. والأثمان عادة تبدأ من أول شيء يتعلق بحياة الإنسان هو قوام حياته من مأكل ومشرب، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} [البقرة: 174] وإذا كانوا يأكلون في بطونهم ناراً فكيف يكون استيعاب النار لكل تلك البطون؟ لأن المؤمن كما قال الرسول يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، أي أن الكافر لا يأكل إلا تلذذاً بالطعام؛ فهو يريد أن يتلذذ به دائماً حتى يضيق بطنه بما يدخل فيه. لكن المؤمن يأخذ من الطعام بقدر قوام الحياة، فسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف:"حديث : حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده ". تفسير : إذن: فالأكل عند المؤمن هو لمقومات الحياة وكوقود للحركة، ولكن الكافر يأخذ الأكل كأنه متعة ذاتية. والحق يقول: {أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} [البقرة: 174] يعني كما أرادوا امتلاء بطونهم شهوة ولذة، فكذلك يجعل الله العذاب لهم من جنس ما فعلوه بالثمن القليل الذي أخذوه، فهم أخذوا ليملأوا بطونهم من خبيث ما أخذوا وسيملأ الله بطونهم ناراً، جزاء وفاقاً لما فعلوا، وهذا لون من العقاب المادي يتبعه لون آخر من العقاب هو {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 174] أي أن الحق ينصرف عنهم يوم لا أُنْسَ للخلق إلا بوجه الحق. ونحن حين نقرأ كلمة "لا يكلم فلان فلاناً" نستشعر منها الغضب؛ لأن الكلام في البشر هو وسيلة الأُنْسِ، فإذا ما امتنع إنسان عن كلام إنسان، فكأنه يبغضه ويكرهه. إذن "لا يكلمهم الله" معناها أنه يبغضهم، وحسبك بصدود الله عن خلقه عقاباً وعذاباً. لقد والاهم بالنعمة وبعد ذلك يصد عنهم. ويقول قائل: كيف نقرأ هنا أن الحق لا يكلمهم، وهو سبحانه القائل: {أية : قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 106-108]. نقول: صحيح أنه سبحانه يقول لهم: "لا تكلمون" ولكن الكلام حين ينفي من الله فالمقصود به هو كلام الحنان وكلام الرحمة وكلام الإيناس واللطف، أما كلام العقوبة فهو اللعنة. إذن "لا يكلمهم الله" أي لا يكلمهم الحق وصلا للأنس. ولذلك حين يؤنس الله بعض خلقه يطيل معهم الكلام. ومثال ذلك عندما جاء موسى لميقات ربه، ماذا قال الله له؟ قال عز وجل:{أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17]. فهل معنى هذا السؤال أن الله يستفهم من موسى عما بيده؟. إنه سؤال الإيناس في الكلام حتى يخلع موسى من دوامة المهابة. وضربنا مثلاً لذلك - ولله المثل الأعلى - حينما يذهب شخص إلى بيت صديقه ليزوره، فيأتي ولده الصغير ومعه لعبة، فيقول الضيف للطفل: ما الذي معك؟ إن الضيف يرى اللعبة في يد الطفل، لكن كلامه مع الطفل هو للإيناس. وعندما جاء كلام الله بالإيناس لموسى قال له: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17]. كان يكفي موسى أن يقول: عصا، وتنتهي إجابته عن السؤال، ولو قال موسى: عصا، لكان ذلك منه عدم استيعاب لتقدير إيناس الله له بالكلام، لكن سيدنا موسى عليه السلام انتهز سؤال الله له ليطيل الأنس بالله فيقول:{أية : قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]. تأمل التطويل في إجابة موسى. إنّ كلمة "هي" زائدة، و"أتوكأ عليها" زائدة أي غير محتاج إليها في إفادة المعنى، و "أهش بها على غنمي" تطويل أكثر، و"لي فيها مآرب أخرى" رغبة منه في إطالة الحديث أكثر. إذن: فكلام الله والنظر إليه سبحانه أفضل النعم التي ينعم الله بها على المؤمنين يوم القيامة. فإذا كان الله سيمنع عن الكافرين وسائل التكريم المادي فلا يكلمهم، فهذه مسألة صعبة. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] وبعد أن يحرمهم من الكلام والاستئناس بحضرته؛ ولا يطهرهم من الخبائث التي ارتكبوها؛ ولا يجعلهم أهلاً لقربه، بعد ذلك يعذبهم عذاباً شديداً؛ كَأنَّ فيه عذاباً سابقاً؛ ثم يأتي العذاب الأشد، لأنهم لابد أن يلاقوا عذاباً مضاعفاً، لأنهم كتموا منهج الله عن خلق الله، فتسببوا في إضلال الخلق، فعليهم وزر ضلالهم وأوزار فوق أوزارهم لأنهم أضلوا سواهم. ومسألة كلام الله للناس أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر ". تفسير : ما سر حرمان هؤلاء من كلام الله وتزكيته والنظر إليهم؟ إن الشيخ الزاني يرتكب إثماً، لا ضرورة له لأنه لا يعاني من سعار المراهقة. والملك الذي يكذب، إنما يكذب على قوم هم رعيته، والكذب خوف من الحق، فمِمّنْ يخاف الملك إذا كان الناس تحت حكمه؟. وعائل الأسرة عندما يصيبه الكِبْرُ وهو فقير، سيسبب له هذا الكِبْر الكثير من المتاعب ويضيق عليه سبل الرخاء وسبل العيش ويجعله في شقاء من العيلة، فإن أراد أحد مساعدته فسيكون الكبر والاستعلاء على الناس حائلاً بينه وبين مساعدته، وهذا هو معنى "لا يكلمهم ولا يزكيهم"، فما معنى "لا ينظر إليهم"؟ إن النظر شراك العطف، ولذلك يقطع الحق عنهم باب الرحمة والعطف من الأصل، وهو النظر إليهم، ويُذيِّل الحق الآية الكريمة بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم، وعندما تسمع صيغة "فعيل" فنحن نأخذها بمعنى فاعل أو مفعول، لذلك نفهم "أليم" على أنه مؤلم. ثم يقول الحق: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ} هم علماء اليهود. {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي التوراة. وهو ما تضمنته من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته وكانوا يرجون أن يكون منهم فلما بعث من غيرهم غيروا صفته. {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أي بالكتم من سفلتهم. {ثَمَناً قَلِيلاً} وهي الهدايا التي كانوا يأخذونها على الكتم إذ كان ملوكهم لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوهم: أهذا الذي بشرت به التوراة؟ فقالوا: ليس هذا هو النبي المنتظر. {أُولَـٰئِكَ} أي المتصفون بالكتم والاشتراء. {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} كناية عن تحمل آثامهم المؤدية إلى النار في الآخرة وكأنهم أكلوا النار أو يأكلون النار في الآخرة. وهي كقوله في أكل مال اليتيم: إنما يأكلون في بطونهم نارا. وفي بطونهم لرفع المجاز في يأكلون. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ} ظاهر في نفي تكليمه تعالى إياهم. وفيه دلالة على غضبه عليهم لأن في التكليم تأنيساً للمتكلم أو لا يكلمهم كلاماً فيه خير لهم بل ما يشق عليهم. {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي لا يقبل أعمالهم فيثني عليهم. {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} تعجب من كثرة صبرهم. كقوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}تفسير : [عبس: 17] و{أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}تفسير : [مريم: 38]، أي هم في حال عذاب يقول من يراهم: ما أصبرهم. وفي ما التعجيبية وأفعل خلاف مذكور في النحو. {ذَلِكَ} إشارة إلى الوعيد السابق من أكل النار وانتفاء التكليم والتزكية وهو مبتدأ خبره. {بِأَنَّ ٱللَّهَ} أي حاصل بأن الله. {نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} فلم يتبعوه وكتموه واشتروا به ثمناً قليلاً أقام السبب وهو تنزيل الكتاب بالحق مقام المسّبِب عنه وهو الكتمان والاشتراء كأنه قيل ذلك مستقر وثابت بالكتمان والاشتراء. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ} وهم اليهود آمنوا ببعض التوراة وكفروا ببعضها. أو الكتاب القرآن والذين اختلفوا مشركوا العرب من قولهم سحر أساطير الأولين وغير ذلك. {لَفِي شِقَاقٍ} أي تباين وتباغض. {بَعِيدٍ} أي عن الحق والصواب.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المدبر لأمور عباده {مِنَ ٱلْكِتَابِ} المبين لهم طريق الرشاد والسداد، ويظهرون بدله ما تشتهيه نفوسهم وترتضيه عقولهم عتواً واستكباراً {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أي: بكتمان كتاب الله {ثَمَناً قَلِيلاً} من ضعفاء الناس على وجه التحف والهدايا {أُولَـٰئِكَ} الكاتمون طريق الحق، الناكبون عن منهج الصدق {مَا يَأْكُلُونَ} بهذه الحيلة والتزوير، لا يستحيل {فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} أي: نار الحرص والطمع المقتبسة من نيران الإمكان المنتهية إلى نار الجحيم، أعاذنا الله منها {وَ} من فطاعة أمرهم وسناعة صنيعهم { لاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} المنكشف عن أحوال العباد {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} ليجزيهم على مقتضى أعمالهم التي كانوا عليها في النشأة الأولى، بل يسوقهم إلى النار بلا كشفٍ عن حالهم {وَ} بعد ما ساقهم إليها {لاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: لا يطهرهم الله بها كما يطهر عصاة المؤمنين بالنار، ثم يخرجهم إلى الجنة، يبقون فيها خالدين {وَلَهُمْ} فيها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] مؤلم غير منقطع أبداً. {أُولَـٰئِكَ} الظالون الخاسرون هم {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ} المستتبعة لهذا النكال {بِٱلْهُدَىٰ} الموصل إلى النعيم الدائم في النشأة الأولى {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} الملذة المستمرة في النشأة الأخرى {فَمَآ} أعجب حالهم ما {أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} [البقرة: 175] بارتكاب تلك الموجبات المؤدية إليها. {ذَلِكَ} النكال والعذاب {بِأَنَّ ٱللَّهَ} المرشد لهم إلى التوحيد {نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} أي: القرآن المبين لهم طريقه ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} الصريح الثابت في الواقع { وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي} حقيقة {ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ} خلافٍ {بَعِيدٍ} [البقرة: 176] بمراحل عن الحق. حققنا بفضلك حقية ما أنزلت علينا من جودك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله، من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله، أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي، ونبذ أمر الله، فأولئك: { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ } لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه، إنما حصل لهم بأقبح المكاسب، وأعظم المحرمات، فكان جزاؤهم من جنس عملهم، { وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } بل قد سخط عليهم وأعرض عنهم، فهذا أعظم عليهم من عذاب النار، { وَلا يُزَكِّيهِمْ } أي: لا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء عليها، وإنما لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها العمل بكتاب الله، والاهتداء به، والدعوة إليه، فهؤلاء نبذوا كتاب الله، وأعرضوا عنه، واختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة، فهؤلاء لا يصلح لهم إلا النار، فكيف يصبرون عليها، وأنى لهم الجلد عليها؟" { ذَلِكَ } المذكور، وهو مجازاته بالعدل، ومنعه أسباب الهداية، ممن أباها واختار سواها. { بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } ومن الحق، مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وأيضا ففي قوله: { نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } ما يدل على أن الله أنزله لهداية خلقه، وتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، فمن صرفه عن مقصوده، فهو حقيق بأن يجازى بأعظم العقوبة. { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: وإن الذين اختلفوا في الكتاب، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، والذين حرفوه وصرفوه على أهوائهم ومراداتهم { لَفِي شِقَاقٍ } أي: محادة، { بَعِيدٍ } عن الحق لأنهم قد خالفوا الكتاب الذي جاء بالحق الموجب للاتفاق وعدم التناقض، فمرج أمرهم، وكثر شقاقهم، وترتب على ذلك افتراقهم، بخلاف أهل الكتاب الذين آمنوا به، وحكموه في كل شيء، فإنهم اتفقوا وارتفقوا بالمحبة والاجتماع عليه. وقد تضمنت هذه الآيات، الوعيد للكاتمين لما أنزل الله، المؤثرين عليه، عرض الدنيا بالعذاب والسخط، وأن الله لا يطهرهم بالتوفيق، ولا بالمغفرة، وذكر السبب في ذلك بإيثارهم الضلالة على الهدى، فترتب على ذلك اختيار العذاب على المغفرة، ثم توجع لهم بشدة صبرهم على النار، لعملهم بالأسباب التي يعلمون أنها موصلة إليها، وأن الكتاب مشتمل على الحق الموجب للاتفاق عليه، وعدم الافتراق، وأن كل من خالفه، فهو في غاية البعد عن الحق، والمنازعة والمخاصمة، والله أعلم.