٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
175
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خساراً في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة. أما قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في هذه اللفظة قولان أحدهما: أن {مَا } في هذه الآية استفهام التوبيخ معناه: ما الذي أصبرهم وأي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وهذا قول عطاء وابن زيد وقال ابن الأنباري: وقد يكون أصبر بمعنى صبر وكثيراً ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم وكرم، وأخبر وخبر الثاني: أنه بمعنى التعجب وتقريره أن الراضي بموجب الشيء لا بد وأن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب النار ويقتضي عذاب الله مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى، والصابرين عليه، فلهذا قال تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } وهو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن إذا عرفت هذا ظهر أنه يجب حمل قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } على حالهم في الدنيا لأن ذلك وصف لهم في حال التكليف، وفي حال اشترائهم الضلالة بالهدى، وقال الأصم: المراد أنه إذا قيل لهم {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص، وهذا ضعيف لوجوه أحدها: أن الله تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم سيصيرون كذلك خلاف الظاهر وثانيها: أن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة. المسألة الثانية: في حقيقة التعجب وفي الألفاظ الدالة عليه في اللغة وههنا بحثان: البحث الأول: في التعجب: وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ {أية : بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } تفسير : [الصافات: 12] بضم التاء من عجبت، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي: معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد. البحث الثاني: اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما: ما أفعله كقوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } والثاني: أفعل به كقوله: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } تفسير : [مريم: 38]. أما العبارة الأولى: وهي قولهم؛ ما أصبره ففيها مذاهب. القول الأول: وهو اختيار البصريين أن {مَا } اسم مبهم يرتفع بالابتداء، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيداً مفعول وتقديره: شيء حسن زيدا أي صيره حسناً. واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسداً واحتجوا عليه بوجوه الأول: أنه يصح أن يقال ما أكرم الله، وما أعظمه وما أعلمه، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل أن يقال: شيء جعل الله كريما وعظيماً وعالماً، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل. هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب، قلنا: إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة {مَا } ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ، ولا يكون أعظم خبراً عنه، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح. الحجة الثانية: أنه لو كان معنى قولنا. ما أحسن زيداً شيء حسن زيداً، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام، ومعلوم أنا إذا قلنا: شيء حسن زيداً فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب ألبتة، بل كان ذلك كالهذيان، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً. الحجة الثالثة: أن الذي حسن زيداً والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكن التعبير عنه سبحانه بمن أولى، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيداً أن يبقى معنى التعجب، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه. الحجة الرابعة: أن على التفسير الذي قالوا لا فرق بين قوله: ما أحسن زيداً وبين قوله زيداً ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك. الحجة الخامسة: أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء صيره حسناً، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره، فإذن العلم بأن شيئاً صيره حسناً علم ضروري والعلم بكونه متعجباً منه غير ضروري، فاذن لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً. الحجة السادسة: أنهم قالوا: المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا ههنا أشد الأشياء تنكيراً مبتدأ؟ وقالوا: لا يجوز أن يقال: رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلاً كاتباً فلا يكون هذا الكلام مفيداً: وكذا كل أحد يعلم أن شيئاً ما هو الذي حسن زيداً فأي فائدة في هذا الإخبار؟ الحجة السابعة: دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك: ما أحسن زيداً، فإن قيل: جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة، فصار مشابهاً للاسم فأخذ خاصيته وهو التصغير قلنا: لا شك أن للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان: إما أن يكونا متنافيتين، أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما ههنا علمنا أن هذا ليس بفعل، وإن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم. الحجة الثامنة: تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب: ما أقوم زيداً بتصحيح الواو كما تقول: زيد أقوم من عمرو، ولو كانت فعلا لكانت واوه ألفاً لفتحة ما قبلها، ألا تراهم يقولون: أقام يقيم فإن قيل: هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم، وتمام التقرير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة الإسمية، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف، وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح والإمتناع من الإعلال قلنا: لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل. الحجة التاسعة: أن قولك: أحسن لو كان فعلاً، وقولك: زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما /با لظرف، فيقال: ما أحسن عندك زيداً، وما أجمل اليوم عبد الله، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز، فبطل ما ذهبتم إليه. الحجة العاشرة: أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً، ثلاثياً كان أو رباعياً، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا، ما أحسن زيداً فعل بوجوه أولها: بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه وثانيها: أن أحسن مفتوح الآخر، ولو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ وثالثها: الدليل على كونه فعلاً اتصال الضمير المنصوب به، وهو قولك: ما أحسنه. والجواب عن الأول: أن أحسن كما أنه قد يكون فعلاً، فهو أيضاً قد يكون اسماً، حين ما يكون كلمة تفضيل، وأيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلاً وأنتم ماطلبتمونا إلا بالدلالة. والجواب عن الثاني: أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة. والجواب عن الثالث:أنه منتقض بقولك: لعلي وليتني، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الإستدلال بهذا الضمير على الفعلية، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى، فهذا جملة الكلام في هذا القول. القول الثاني: وهو اختيار الأخفش قال: القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة {مَا } وهو قولك: أحسن صلة لما، ويكون خبر {مَا } مضمراً، وهذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت: الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم، وقولك: ما أحسن زيداً كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه. القول الثالث: وهو اختيار الفراء: أن كلمة {مَا } للاستفهام وأفعل اسم، وهو للتفضيل، كقولك: زيد أحسن من عمرو، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر: ومن أعلم من فلان؟ إظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك: ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا، فإن هناك معنى قولك: ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد، وبينهما فرق كما ترى، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض لأنه أضيف أحسن إليه، ونصب هنا للفرق، وأيضاً ففي كل تفضيل معنى الفعل، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول، فإن معنى قولك: زيد أعلم من عمرو، أن زيداً جاوز عمراً في العلم، فجعل هذا المعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق. القول الرابع: وهو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن {مَا } للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون، معناه: أي شيء حسن زيداً، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن، ثم تقول: إن عقلي لا يحيط بكنه كماله، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب. وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } تفسير : [مريم: 38].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} تقدّم القول فيه. ولما كان العذاب تابعاً للضلالة وكانت المغفرة تابعةً للهدى الذي ٱطّرحوه دخلا في تجوّز الشراء. قوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} مذهب الجمهور ـ منهم الحسن ومجاهد ـ أن «ما» معناه التعجب؛ وهو مردود إلى المخلوقين، كأنه قال: ٱعجبوا من صبرهم على النار ومُكثهم فيها. وفي التنزيل: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17] و {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}تفسير : [مريم: 38] وبهذا المعنى صدر أبو عليّ. قال الحسن وقتادة وٱبن جبير والرّبيع: ما لهم والله عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على النار! وهي لغة يَمَنِيّة معروفة. قال الفَرّاء: أخبرني الكسائي قال: أخبرني قاضي اليمن أن خصمين ٱختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف؛ فقال له صاحبه: ما أصبرك على الله؟ أي ما أجرأك عليه. والمعنى: ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملاً يؤدّي إليها. وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار؛ من قولهم: ما أصبر فلاناً على الحبس! أي ما أبقاه فيه. وقيل: المعنى فما أقلّ جزعهم من النار؛ فجعل قلة الجزع صبراً. وقال الكسائي وقُطْرُب: أي ما أدْوَمهم على عمل أهل النار. وقيل: «ما» ٱستفهام معناه التوبيخ؛ قاله ٱبن عباس والسدّي وعطاء وأبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، ومعناه: أيْ أيّ شيء صبرهم على عمل أهل النار؟ٰ وقيل: هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم.
البيضاوي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} في الدنيا. {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} في الآخرة، بكتمان الحق للمطامع والأغراض الدنيوية. {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غيره مبالاة. وما تامة مرفوعة بالابتداء، وتخصيصها كتخصيص قولهم.شعر : شَرٌّ أَهَر ذَا نَابٍ تفسير : أو استفهامية وما بعدها الخبر، أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } أخذوها بدله في الدنيا {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ } المعدّة لهم في الآخرة لو لم يكتموا {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } أي ما أشدّ صبرهم وهو تعجب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأيُّ صبر لهم؟
ابن عطية
تفسير : لما تركوا الهدى وأعرضوا عنه ولازموا الضلالة وتكسبوها مع أن الهدى ممكن لهم ميسر كان ذلك كبيع وشراء، وقد تقدم إيعاب هذا المعنى، ولما كان العذاب تابعاً للضلالة التي اشتروها وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه أدخلا في تجوز الشراء. وقوله تعالى: {فما أصبرهم على النار}، قال جمهور المفسرين: {ما} تعجب، وهو في حيز المخاطبين، أي هم أهل أن تعجبوا منهم، ومما يطول مكثهم في النار، وفي التنزيل: {أية : قتل الإنسان ما أكفره} تفسير : [عبس: 17]، و {أية : أسمع بهم وأبصر} تفسير : [مريم: 38]، وبهذا المعنى صدر أبو علي، وقال قتادة والحسن وابن جبير والربيع: أظهر التعجب من صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها، وتقديره: ما أجرأهم على النار إذ يعملون عملاً يودي إليها، وقيل: {ما} استفهام معناه أي شيء أصبرهم على النار، ذهب إلى ذلك معمر بن المثنى، والأول أظهر، ومعنى {أصبرهم} في اللغة أمرهم بالصبر، ومعناه أيضاً جعلهم ذوي صبر، وكلا المعنيين متجه في الآية على القول بالاستفهام، وذهب المبرد في باب التعجب من المقتضب إلى أن هذه الآية تقرير واستفهام لا تعجب، وأن لفظة {أصبر} بمعنى اضطر وحبس، كما تقول أصبرت زيداً على القتل، ومنه نهي النبي عليه السلام أن يصبر الروح، قال: ومثله قول الشاعر: [السريع] شعر : قُلْتُ لَهَا أصْبُرها دائباً أَمْثَالُ بِسْطَامِ بِنِ قَيْسِ قَليلْ تفسير : قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء، ورد عليه في ذلك كله بأنه لا يعرف في اللغة أصبر بمعنى صبر وإنما البيت أصبُرها بفتح الهمزة وضم الباء ماضيه صبر، ومنه المصبورة، وإنما يرد قول أبي العباس على معنى اجعلها ذات صبر. وقوله تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} الآية، المعنى ذلك الأمر أو الأمر ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به، والإشارة على هذا إلى وجوب النار لهم، ويحتمل أن يقدر فعلنا ذلك، ويحتمل أن يقدر وجب ذلك، ويكون {الكتاب} جملة القرآن على هذه التقديرات: وقيل: إن الإشارة بــ {الكتاب} إلى قوله تعالى: {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم} تفسير : [البقرة: 6]، أي وجبت لهم النار بما قد نزله الله في الكتاب من الخبر به، والإشارة بذلك على هذا إلى اشترائهم الضلالة بالهدى، أي ذلك بما سبق لهم في علم الله وورود إخباره به، و{الحق} معناه الواجب، ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق: أي الصادقة. و {الذين اختلفوا في الكتاب}، قال السدي: "هم اليهود والنصارى لأن هؤلاء في شق وهؤلاء في شق". قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن الشقاق سميت به المشارّة والمقاتلة ونحوه، لأن كل واحد يشق الوصل الذي بينه وبين مشاقّه، وقيل: إن المراد بــ {الذين اختلفوا} كفار العرب لقول بعضهم هو سحر، وبعضهم هو أساطير، وبعضهم هو مفترى، إلى غير ذلك، وشقاق هذه الطوائف إنما هو مع الإسلام وأهله، و {بعيد} هنا معناه من الحق والاستقامة. وقوله تعالى: {ليس البرُّ} الآية: قرأ أكثر السبعة برفع الراء، و"البرُّ" اسم ليس، قال أبو علي: "ليس بمنزلة الفعل فالوجه أن يليها الفاعل ثم المفعول". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: مذهب أبي علي أن {ليس} حرف، والصواب الذي عليه الجمهور أنها فعل، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص "ليس البرَّ" بنصب الراء، جعل {أن تولوا} بمنزلة المضمر، إذ لا يوصف كما لا يوصف المضمر، والمضمر أولى أن يكون اسماً يخبر عنه، وفي مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود {ليس البرّ بأن تولوا}، وقال الأعمش، إن في مصحف عبد الله: لا تحسبن البر، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: الخطاب بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى ليس البر الصلاة وحدها، وقال قتادة والربيع: الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي، فاليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليها، فقيل لهم ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من أمن بالله. قرأ قوم "ولكنّ البرَّ" بشد النون ونصب البر، وقرأ الجمهور " ولكن البر" والتقدير ولكن البر بر من، وقيل: التقدير ولكن ذو البر من، وقيل: {البر} بمنزلة اسم الفاعل تقديره ولكن البار من، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول على حذف مضاف، كقولك رجل عدل ورضى. والإيمان التصديق، أي صدق بالله تعالى وبهذه الأمور كلها حسب مخبرات الشرائع. وقوله تعالى: {وآتى المال على حبه} الآية، هذه كلها حقوق في المال سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل هي الزكاة، و{آتى} معناه أعطى، والضمير في {حبه} عائد على {المال} فالمصدر مضاف إلى المفعول، ويجيء قوله {على حبه} اعتراضاً بليغاً أثناء القول، ويحتمل أن يعود الضمير على الإيتاء أي في وقت حاجة من الناس وفاقة، فإيتاء المال حبيب إليهم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى من قوله: {من آمن بالله} أي من تصدق محبة في الله تعالى وطاعاته، ويحتمل أن يعود على الضمير المستكن في {آتى} أي على حبه المال، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى المقصود: أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، كما قال صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: والشح في هذا الحديث هو الغريزي الذي في قوله تعالى: {أية : وأحضرت الأنفس الشح} تفسير : [النساء: 128]، وليس المعنى أن يكون المتصدق متصفاً بالشح الذي هو البخل، و {ذوي القربى} يراد به قرابة النسب. واليتم في الآدميين من قبل الأب قبل البلوغ، وقال مجاهد وغيره: {ابن السبيل} المسافر لملازمته السبيل. قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يقال ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة ابن زنى" تفسير : أي الملازم له، وقيل: لما كانت السبيل تبرزه شبه ذلك بالولادة فنسب إليها، وقال قتادة: {ابن السبيل} الضيف، والأول أعم، و {في الرقاب}: يراد به العتق وفك الأسرى وإعطاء أواخر الكتابات، و {إقام الصلاة} أتمها بشروطها، وذكر الزكاة هنا دليل على أن ما تقدم ليس بالزكاة المفروضة، و {الموفون} عطف على {من} في قوله: {من آمن}، ويحتمل أن يقدر وهم الموفون، و {الصابرين} نصب على المدح أو على إضمار فعل، وهذا مهيع في تكرار النعوت، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "والموفين" على المدح أو على قطع النعوت، وقرأ يعقوب والأعمش والحسن {والموفون} "والصابرون" وقرأ الجحدري {بعهودهم}، و {البأساء} الفقر والفاقة، و {الضراء} المرض ومصائب البدن، و {حين البأس} وقت شدة القتال. هذا قول المفسرين في الألفاظ الثلاثة، وتقول العرب: بئس الرجل إذا افتقر، وبؤس إذا شجع. ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق في أمورهم أي هم عند الظن بهم والرجاء فيهم كما تقول: صدقني المال وصدقني الربح، ومنه عود صدق، وتحتمل اللفظة أيضاً صدق الإخبار، ووصفهم الله تعالى بالتقى، والمعنى هم الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} فما أجرأهم عليها، أو على عمل يؤدي إليها، أو أي شيء أصبرهم عليها، أو ما أبقاهم عليها، ما أصبر فلاناً على الحبس ما أبقاه فيه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...}. إن قلت: ما فائدة قوله "الذين" وهلا قال: أولائك اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالهُدَى كما قيل {أية : أُوْلَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}.{أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : (فهل هو للحصر)؟ (فأجاب ابن عرفة: بأنه ليس للحصر بل للتحقيق، أي فهم جديرون وحقيقون بأن يقال فيهم هذه المقالة وهي أحق من غيرهم. ابن عرفة: وفي كتاب الوصايا من المدونة: إذا أوصى فلان بعبده لرجل ثم أوصى به لرجل آخر فهو بينهما نصفين. فإن قال: عبدي الذي كنت أوصيت به لفلان فهو لفلان فلذلك رجوع عن الوصية الأولى ويختص به الثاني). قال ابن عرفة: إنّ {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} راجع لتصوّر حالتهم في الدنيا. قوله تعالى: {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ...}. راجع لتصوّر حالهم في الآخرة وهذا أولى مما قال ابن عطية: لما كان العذاب تابعا للضلالة والمغفرة تابعة للهدى أدْخِلا في (حوز) الشراء، ولما كانوا متمكنين من الإيمان والكفر جعلوا كأنّهم حصلوا الإيمان ثم باعوه بالكفر. وتقدم لابن عطية في أول البقرة الاستدلال بهذا على أن من خير بين شيئين يعد منتقلا. قيل لابن عرفة: إنما فيها الاحتجاج لمن يقول من ملك أن يملك بعد مالكا؟ فقال: تلك قاعدة (مختلف) فيها والصحيح بطلانها وهذه قاعدة صحيحة دلت عليها آخر مسألة من كتاب الخيار في المدونة. قيل لابن عرفة: هم ليسوا مخيرين بين الإيمان والكفر؟ فقال: لما كانوا متمكنين منهما فكأنهم (مخيرون) بينهما. قال ابن عرفة: وإنما أفردت المغفرة (إشارة) إلى أن مغفرة واحدة (تكفي) في رفع العذاب وإن تعدد، وهذا دليل على أن التوبة من الكفر قطعية القبول وأنّها تَجُبّ ما قبلها، قال الله تعالى: {أية : قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }. تفسير : قوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}. (قال ابن عطية عن جماعة: أظهروا التعجب (من) صبرهم على النار لما عملوا عمل) (من وطّن نفسه عليها) أي ما أجرأهم على النّار. وحكى عن المقتضب للمبرد أنه تقرير واستفهام من قولك مصبور أي محبوس أي ما أشد حبسهم في النار أو ما أحبسهم في النار. قال ابن عرفة: وهذا أصوب لأن الأول يقتضي أن لهم اختيارا وجلادة على الصبر على النّار وهذا مدح لهم بالقوة والجلادة. والثاني يقتضي أن حبسهم فيها اضطرار ليس لهم فيه اختيار بوجه. قيل لابن عرفة: إنّما التعجّب من أسباب صبرهم على النار؟ فقال: أسباب الصبر (محبوبة) مستلذة، لا يتعجب (منها) كما قال "حديث : حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ".
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ أَحْسَنَ الأشياء في الدُّنيا الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضَّلال والجَهْل فَلَمَّا تركُوا الهُدَى في الدُّنيا، ورضُوا بالضَّلال والجهل، فلا شَكَّ أَنَّهُمْ في نهاية الخَسَارة في الدنيا، وَأَمَّا في الآخرة، فأحسن الأشياء المَغْفِرة، وأخْسَرُها العذَابُ، فَلَمَّا صرفوا المغفرة، ورضُوا بالعَذَاب، فلا جَرَم: أنهم في نهاية الخَسَارة، ومَنْ كانت هذه صفتَهُ، فهو أعْظَمُ النَّاس خسارةً في الدُّنيا والآخِرَة. قولُهُ {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} في "ما" هذه خمسةُ أقْوالٍ: أحدها: وهو قول سيبويه، والجُمهُور: أَنَّها نكرةُ تامَّةُ غير موصُولة، ولا موصوفةٍ، وَأَنَّ معناها التعجُّب، فإذَا قُلْتَ: "مَا أَحْسَنَ زَيْداً"، فمعناهُ: شيءٌ صَيَّرَ زَيْداً حَسَناً. الثاني: قولُ الفراء - رحمه الله تعالى - أَنَّهَا استفهاميَّةٌ صَحِبَها معنى التعجُّب؛ نحو "كَيْف تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ". قال عطَاءٌ، والسُّدِّيُّ: هو "ما" الاستفهام، معناه: ما الَّذي صَبَّرهم على النَّار؟ وأيُّ شيء صَبَّرهم على النَّار؛ حتى تَرَكُوا الحَقَّ، واتبعوا البَاطِلَ. قال الحَسَن، وقَتادة: "والله ما لهم عَلَيْها من صَبْر، ولكنْ ما أجرأهم على العمل الَّذي يقرِّبهم إلى النار" وهي لغة يَمَنية معروفةٌ. قال الفراء: أخبرني الكسائيُّ قال: أخبرني قاضي "اليَمَنِ" أَنَّ خَصْمَينِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فوجَبَتِ اليمينُ على أحدهِمَا، فحلَفَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: ما أصْبَرَكَ عَلَى اللَّهِ؟ أي: ما أجرأك عليه. وحكى الزَّجَّاجُّ: ما أبقاهُمْ على النَّار، من قولِهِم: "مَا أَصْبَرَ فُلاَناً على الحَبْس"، أي: ما أبقاهُ فيه. والثالث: ويُعْزَى للأخفش [أَنَّهَا موصُولةٌ. الرابع: ويُعْزَى له أيضاً: أنها نكرةٌ موصوفةٌ وهي على الأقوال الأربعة في مَحَلِّ رفع بالابتداءِ، وخبرها على القَوْلين الأولَيْن: الجملةُ الفعليَّة بعدَها، وعلى قوْلي الأخْفَش]: يكون الخبر مَحذوفاً فإنَّ الجملة بعدها إما أن تكون صلةً، أو صفةً وكذلك اختلفُوا في أفْعَل الواقع بعدها، أهو اسمٌ؟ وهو قول الكوفيِّن، أم فعل؟ وهو الصحيحُ، ويترتَّب على هذا الخلاَفِ خلافٌ في نصْب الاسْمِ بعده، هَلْ هو مفعولٌ به، أو مشبَّه بالمعفول به، ولكلٍّ مِنَ المذْهَبَين دلائلُ، واعتراضات وأجوبةٌ ليس هذا موضعها. والمراد بالتعجُّب هنا، وفي سائر القُرْآن: الإعلامُ بحالهم؛ إنَّها ينبغي أنْ يتعجَّب منها، وإلا فالتعجب مستحيلٌ في حقِّه تعالى، ومعنى عَلَى النَّارِ، أي: على عمل أهْل النار، قاله الكِسَائيُّ، وهذا من مجاز الكَلاَمِ. الخامس: أنَّها نافيةٌ، أَي: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}. نقله أَبُوا البقاء قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ}: اختلفُوا في مَحَلِّ: "ذَلِكَ" من الإعراب فقيل: رفعٌ، وقيل: نَصْبٌ والقائلُونَ بأنَّه رفْعٌ، اختلفوا على ثلاثة أقْوَال. أحدها: أَنَّهُ فاعلٌ بفعلٍ محذوف، أي: وجب لَهُمْ ذلك. الثاني: أن "ذَلِكَ" مبتدأٌ، و"بِأَنَّ اللَّهَ" خبره، أي: ذلك العذابُ مستحقٌّ بما أنزل الله في القرآن من استحقاق عَذَاب الكَافِرِ. والثالث: أنَّهُ خَبَرٌ، والمبتدأ محذوفٌ، أَي: الأمرُ ذلك، والإشارة إلى العَذَابِ، ومَنْ قال بأنَّه نصب، قدَّره: "فعلنا ذلك" [والباءُ متعلِّقة بذلك المَحْذُوف، ومَعْنَاها السببية. فصل في اختلافهم في الإشارة بـ"ذلك" اختلفوا في الإشارة بقوله "ذلك"] إلى ماذا؟ على قولين: الأوَّل: أنَّهُ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الوعيد على الكِتْمان، أي: إِنَّما كان لأَنَّ الله أنْزَلَ الكتابَ بالحَقِّ في صفَةِ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وإنَّ هؤلاء اليَهُود والنصارى لأجْل مشاقَّة الرَّسُول عليه الصَّلاة والسَّلام يُخْفُونَه، ويوقِعُون التُّهمة فيه، فلا جَرَم، استحقُّو ذلك الوعيد الشديد، ثم تقدَّم في الوعيد أُمُورٌ: أقربُها: أنَّهم اشتروا العذابَ بالمَغْفرة. ثانيها: اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى. ثالثها: أَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أليماً. رابعها: أَنَّ الله لا يزكِّيهم. خامسها: أَنَّ الله لا يكلِّمهم. فقوله: "ذَلِكَ" يصلُحُ أَنْ يكون إشارة إلى [كلِّ واحدٍ منها، وأن يكونَ إشارةً إلى المَجْمُوع. والقول الثاني: أَنَّ ذلك إشارةٌ إلى] ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفَتَهِم أَمْرَ الله، وكتمانِهِمْ ما أَنْزَل الله فبيَّن تبارك وتعالى أَنَّ ذلك إِنَّما هُوَ من أَجلِ الكتابَ بالحَقِّ وقد نزل فيه أَنَّ هؤلاء الكُفَّارَ لا يؤمِنُون، ولا يَنْقَادُونَ، ولا يَكُون منهم إلاَّ الإصْرَار على الكُفْرِ؛ كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}تفسير : [البقرة:6 - 7] وقوله: "بالحَقِّ"، أَي: بالصِّدق، وقيل: ببيان الحقِّ، والمرادُ من "الكتاب": يحتمل أن يكُونَ التَّوراة، والإنجيل، ويحتملُ أن يكُون القرآن، فإن كَانَ الأَوَّلَ، كان المعنى وإن الَّذين اخْتلَفُوا في تأويله، وتحريفه، لَفِي شِقَاقٍ بعيدٍ وإِنْ كان الثَّاني، كان المعنى: وإن الذين اختلَفُوا في كَونه حقّاً منزَّلاً من عند الله تعالى لَفِي شقَاقٍ بعيدٍ. فصل في المراد باختلافهم والمراد باختلافهم: إِنْ قلنا المراد بـ"الكَتِابِ" هو القُرْآن، كان اختلافُهُم فيه: أَنَّ بعضَهُم قال: هو كَهَانَةٌ، وقال آخرون هو سِحْرٌ، وآخرونَ قالُوا: هو رجْزٌ، ورابعٌ قال أساطيرُ الأَوَّلين وخامسٌ قال: إِنَّه كلامٌ مختلق. وإنْ قلنا: المراد بـ"الكتَابِ" هو التوراةُ والإِنْجيلُ، فالمراد باختلافهم يحتمل وجُوهاً. أحدها: اختلافُهُمْ في دَلاَلة التَّوراة على نُبُوَّة المسيح، فاليهود قالوا: إِنَّها دالَّةٌ على القَدْح في عيسى؛ والنصارَى قالوا: إِنَّها دالَّة على نبوَّته. وثانيها: اختلافهُم في الآياتِ الدالَّة على نُبُوَّة محمَّد - عليه السلام - فَذَكَرَ كلُّ واحدٍ منهم له تأويلاً فاسداً. وثالثها: قال أبو مُسْلِم: قوله: "اخْتَلَفُوا" من باب "افْتَعَلَ" الذي كون مكان "فَعَلَ"، كما يقال كَسَبَ واكْتِّسَبَ، وعَمِلَ واعْتَمَلَ، وكَتَبَ واكْتَتَبَ، وفَعَلَ وافْتَعَلَ، ويكون معنى قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ} أي: توارَثُوه وصارُوا خُلَفَاء فيه؛ كقوله تبارك وتعالى {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}تفسير : [الأعراف: 169] وقوله {أية : إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : [يونس: 6] أي: كل واحد منهما يأتِي خَلْف الآخر، [وقوله {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً}تفسير : [الفرقان: 62]. أي كُلُّ واحدٍ منهما يخلفُ الآخر]، وفي الآية الكريمة تأويلاتٌ ثلاثٌ أُخَرُ. أحدها: أن يكونَ المراد بـ"الكِتَابِ" جنْسَ ما أنزل الله، والمراد بـ{ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ} الذين اختلفَ قولهُمْ في الكتاب، فقلبوا بعضَ كُتُب الله، وهي التوراة والإنجيلُ؛ لأجل عداوتك، وهم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ، ومنازعة شديدةٍ، فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتَّفاقهم على العداوة؛ فإنه ليسَ بينهم مؤالَفَة وموافَقَةٌ. وثانيها: كأنه تعالى يقُولُ: هؤلاءِ، وإن اختلفُوا فيما بينهم، فإنَّهم كالمتفقين على عَدَاوتك، وغاية المشاقَّة لك، فلهذا خَصَّهم الله بذلك الوَعِيدِ. وثالثها: أَنَّ هؤلاء الَّذين اتَّفَقوا على أصلِ التَّحريف، فإن كلَّ واحد منْهُم يُكَذِّب صاحبه، ويشاقُّه، وينازعه، وإذا كان كذلك، فقد عرفت كذبَهُمْ، بقولهم، فلا يكُونُ قدحُهُمْ فيك قَدْحاً ألبَتَّة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى...} الآية. قال: اختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة {فما أصبرهم على النار} قال: ما أجرأهم على عمل النار. وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله {فما أصبرهم على النار} قال: والله ما لهم عليها من صبر ولكن يقول: ما أجرأهم على النار. وأخرج ابن جرير عن قتادة {فما أصبرهم} قال: ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {فما أصبرهم على النار} قال: هذا على وجه الاستفهام يقول: ما الذي أصبرهم على النار؟ وفي قوله {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} قال: هم اليهود والنصارى {لفي شقاق بعيد} قال: في عداوة بعيدة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: إثنان ما أشدهما عليّ، ومن يجادل في القرآن {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} تفسير : [غافر: 4] {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} .
ابو السعود
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى ما أشير إليه بنظيره بالاعتبار المذكور خاصة لا مع ما يتلوه من أحوالهم الفظيعةِ إذ لا دخل لها في الحكم الذي يراد إثباتُه ههنا فإن المقصود تصويرُ ما باشروه من المعاملة بصورة قبـيحة تنفِر منها الطباعُ ولا يتعاطاها عاقلٌ أصلاً ببـيان حقيقةِ ما نبذوه وإظهار كُنهِ ما أخذوهُ وإبداءِ فظاعة تِبعاتِه، وهو مبتدأ خبرُه الموصولُ أي أولئك المشترون بكتاب الله عز وجل ثمناً قليلاً ليسوا بمشترين للثمن وإن قل، بل هم {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} بالنسبة إلى الدنيا {ٱلضَّلَـٰلَةُ} التي ليست مما يمكن أن يشترىٰ قطعاً {بِٱلْهُدَىٰ} الذي ليس من قبـيل ما يُبذل بمقابلة شيء وإن جل {وَٱلْعَذَابَ} أي اشتروا بالنظر إلى الآخرة العذاب الذي لا يُتوَهَّم كونُه مما يشترىٰ {بِٱلْمَغْفِرَةِ} التي يتنافس فيها المتنافسون {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} تعجيبٌ من حالهم الهائلة التي هي ملابستُهم بما يوجب النارَ إيجاباً قطعياً كأنه عينها و(ما) عند سيبويهِ نكرةٌ تامة مفيدة لمعنى التعجيب مرفوعةٌ بالابتداء وتخصيصُها كتخصُّص شرَ في «شرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ» خبرُها ما بعدها أي شيءٌ ما عظيم جعلهم صابرين على النار، وعند الفراء استفهامية وما بعدها خبرها أي أيُّ شيءٍ أصبرَهم على النار وقيل: هي موصولة وقيل: موصوفة بما بعدها والخبر محذوف أي الذي أصبرهم على النار أو شيءٌ أصبرهم على النار أمرٌ فظيع {ذٰلِكَ} العذاب {بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنس الكتاب {بِٱلْحَقّ} أي ملتبساً به فلا جرم أن يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متنَ الجهل والغَواية مُبتلىً بمثل هذا من أفانينِ العذاب {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي في جنس الكتابِ الإلٰهيِّ بأن آمنوا ببعض كتبِ الله تعالى وكفروا ببعضها أو اختلفوا في التوراة بأن آمنوا ببعض آياتِها وكفروا ببعضٍ كالآيات المُغيَّرة المشتملةِ على أمر بِعثةِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم ونعوته الكريمة فمعنى الاختلافِ التخلفُ عن الطريق الحق أو الاختلافُ في تأويلها أو في القرآن بأن قال بعضهم أنه سحرٌ وبعضُهم أنه شعرٌ وبعضهم أساطيرُ الأولين كما حكى عن المفسرين {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} عن الحق والصواب مستوجب لأشد العذاب {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} البِرُّ اسمٌ جامع لمراضِي الخصالِ، والخطابُ لأهل الكتابـين فإنهم كانوا أكثروا الخوضَ في أمر القِبلة حين حُوِّلت إلى الكعبة وكان كلُّ فريقٍ يدّعي خيريةَ التوجُّه إلى قبلته من القُطرين المذكورين، وتقديمُ المشرق على المغرب مع تأخر زمانِ الملّةِ النصرانية إما لرعاية ما بـينهما من الترتيب المتفرِّع على ترتيب الشروق والغروب وإما لأن توجّه اليهودِ إلى المغرب ليس لكونه مَغرِباً بل لكون بـيتِ المقدس من المدينة المنورة واقعاً في جانب فقيل لهم: ليس البر ما ذكرتم من التوجه إلى تينك الجهتين، على أن البر خبرُ ليس مقدم على اسمها كما في قوله: [الطويل] شعر : سلي إن جهِلتِ عني وعنهم فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ تفسير : وقـولـه: شعر : أليس عظيماً أن تُلمَّ مُلِمَّة وليس علينا في الخطوب مقولُ تفسير : وإنما أخر ذلك لما أن المصدرَ المؤولَ أعرفُ من المحلَّى باللام لأنه يُشبهُ الضمير من حيث أنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرفُ أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعيَ الترتيبُ المعهود لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم وقرىء برفع البرُّ على أنه اسمها وهو أقوى بحسب المعنى لأن كل فريق يدعي أن البرَّ هذا فيجب أن يكون الردُّ موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكَوْن البِرِّ اسماً كما يُفصح عنه جعلُه مُخْبَراً عنه في الاستدراك بقوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ} وهو تحقيقٌ للحق بعد بـيانِ الباطلِ وتفصيلٌ لخِصال البِر مما لا يختلف باختلاف الشرائعِ وما يختلف باختلافها، أي ولكن البِرَّ المعهود الذي يحِقّ أن يُهتَمَّ بشأنه ويُجَدَّ في تحصيله بِرُّ مَنْ آمن بالله وحده إيماناً بريئاً من شائبة الإشراكِ لا كإيمان اليهودِ والنصارى المشركين بقولهم عزيرٌ ابنُ الله وقولِهم المسيحُ ابن الله {وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ} أي على ما هو عليه لا كما يزعُمون من أن النارَ لن تمسَّهم إلا أياماً معدوداتٍ وأن آباءَهم الأنبـياءَ يشفعون لهم، ففيه تعريضٌ بأن إيمانَ أهلِ الكتابـين حيث لم يكن كما ذكر من الوجه الصحيحِ لم يكن إيماناً، وفي تعليق البِرِّ بهما من أول الأمر عَقيبَ نفيه عن التوجُّه إلى المشرق والمغرب من الجزالة ما لا يخفى، كأنه قيل: ولكن البِر هو التوجُّه إلى المبدأ والمَعاد اللذيْن هما المشرِقُ والمغرِب في الحقيقة {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} أي وآمن بهم وبأنهم عبادٌ مُكْرَمون متوسِّطون بـينه تعالى وبـين أنبـيائِه بإلقاء الوحي وإنزالِ الكتب {وَٱلْكِتَـٰبِ} أي بجنس الكتابِ الذي من أفراده الفرقانُ الذي نبذوه وراءَ ظهورِهم، وفيه تعريضٌ بكِتمانهم نعوتَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم واشترائِهم بما أنزل الله تعالى ثمناً قليلاً {وَٱلنَّبِيّيْنَ} جميعاً من غير تفرقةٍ بـين أحدٍ منهم كما فعل أهلُ الكتابَـيْن، ووجهُ توسيط الكتابِ بـين حَمَلةِ الوحي وبـين النبـيـين واضحٌ وسيأتي في قوله تعالى: {أية : كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}تفسير : [البقرة، الآية 285] {وآتى المالَ عَلَى حُبِّه} حالٌ من الضمير في آتىٰ، والضميرُ المجرورُ راجعٌ للمال أي آتاه كائناً على حب المالِ كما في «حديث : قوله صلى الله عليه وسلم حين سُئِل: أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟: أن تُؤتِيَه وأنت صحيحٌ شحيحٌ» تفسير : وقولِ ابن مسعود رضي الله عنه: أن تؤتيَه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُلُ العيشَ وتخشىٰ الفقرَ ولا تُمهِلَ حتى إذا بلغت الحُلقومَ قلت لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، وقيل: الضمير لله تعالى أي آتاه كائناً على محبته تعالى لا على قصد الشرِّ والفساد، ففيه نوعُ تعريضٍ لباذلي الرِّشا وآخذيها لتغيـير التوراة، وقيل: للمصدر أي كائناً على حب الإيتاء {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ} مفعولٌ أولٌ لآتىٰ قُدِّم عليه مفعولُه الثاني أعني المالَ للاهتمام به أو لأن في الثاني مع ما عُطف عليه طُولاً لو رُوعي الترتيبُ لفات تجاوبُ الأطرافِ في الكلام وهو الذي اقتضى تقديمَ الحال أيضاً وقيل: هو المفعولُ الثاني {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} أي المحاويجَ منهم على ما يدل عليه الحال وتقديمُ ذوي القربى عليهم لما أن إيتاءَهم صدقةٌ وصِلَة {وَٱلْمَسَـٰكِينُ} جمعُ مِسكينٍ وهو الدائمُ السُكون لما أن الخَلّة أسكنَتْهُ بحيث لا حَراكَ به أو دائمُ السكون إلى الناس {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي المسافرَ سُمي به لملازمته إياه كما سمِّي القاطِعُ ابنَ الطريق وقيل: الضيف {وَٱلسَّائِلِينَ} الذين أَلْجأتهم الحاجةُ والضرورةُ إلى السؤال قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أعطُوا السائلَ ولو جاء على فرَسٍ» تفسير : {وَفِي ٱلرّقَابِ} أي وضَعَه في فكّ الرقابِ بمعاونة المكاتَبـين حتى يفُكّوا رِقابَهم وقيل: في فك الأُسارى وقيل: في ابتياع الرقابِ وإعتاقِها وأياً ما كان فالعدولُ عن ذكرهم بعنوان مُصححٍ للمالكية كالذين من قبلهم إما للإيذان بعدم قرارِ مِلكِهم فيما أوتوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوتِه رأساً كما في الوجه الأخير وإما للإشعار برسوخهم في الاستحقاق والحاجةِ لما أن (في) للظرفية المُنْبئة عن محلِّيتهم لما يؤتىٰ {وأقامَ الصَّلاَةَ} أي المفروضةَ منها {وآتَى الزَّكَاةَ} أي المفروضة على أن المرادَ بما مرَّ من إيتاءِ المالِ التنفّلُ بالصدقات قُدِّم على الفريضة مبالغةً في الحثِّ عليه أو المرادُ بهما المفروضةُ، والأول لبـيان المصارفِ والثاني لبـيان وجوب الأداءِ {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} عطفٌ على مَنْ آمن فإنه في قوة أن يقال ومَنْ أوفَوْا بعهدهم، وإيثارُ صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاءِ والمرادُ بالعهد ما لا يحرِّم حلالاً ولا يُحلِّل حَراماً من العهود الجارية فيما بـين الناس، وقولُه تعالى: {إِذَا عَـٰهَدُواْ} للإيذان بعدمِ كونِه من ضروريات الدين {وَٱلصَّـٰبِرِينَ} نُصب على الاختصاص، غُيِّر سبكُه عما قبله تنبـيهاً على فضيلة الصبر ومزِيَّتِه وهو في الحقيقة معطوفٌ على ما قبله. قال أبو علي: إذا ذُكرتْ صفاتٌ للمدح أو الذمِّ فخولفَ في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان ويسمَّى ذلك قطعاً، لأن تغيـيرَ المألوفِ يدل على زيادة ترغيبٍ في استماع المذكورِ ومزيدِ اهتمامٍ بشأنه كما مر في صدر السورة، وقد قرىء الصابرون كما قرىء والموفين {فِى ٱلْبَأْسَاء} أي في الفقر والشدة {وَٱلضَّرَّاء} أي المرض والزَّمانة {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي وقتَ مجاهدةِ العدوِّ في مواطن الحرب، وزيادةُ الحينِ للإشعار بوقوعه أحياناً وسرعةِ انقضائِه {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتّصافِهم بالنعوت الجميلةِ المعدودة، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من التنبـيه عن علوِّ طبقتِهم وسُموِّ رُتبتِهم {ٱلَّذِينَ صَدَقُوا} أي في الدين واتباعِ الحقِّ وتحرَّى البِرِّ حيث لم تغيِّرْهم الأحوالُ ولم تُزلزلهم الأهوال {وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} عن الكفر وسائرِ الرذائلِ وتكريرُ الإشارة لزيادة تنويهِ شأنِهم، وتوسيطُ الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآيةُ الكريمة كما ترى حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية برُمَّتها تصريحاً أو تلويحاً لما أنها - مع تكثُّر فنونها وتشعُّب شجونِها - منحصرةٌ في خِلالِ ثلاث: صحةِ الاعتقاد وحسنِ المعاشرة مع العباد وتهذيبِ النفس، وقد أشير إلى الأولى بالإيمان بما فُصِّل وإلى الثانية بإيتاء المالِ وإلى الثالثة بإقامة الصلاة الخ ولذلك وُصف الحائزون لها بالصدق نظراً إلى إيمانهم واعتقادِهم وبالتقوى اعتباراً بمعاشرتهم مع الخلق ومعاملتهم مع الحق وإليه يشير قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان «
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}[175] فقال: أي على الفتوى من غير علم من السنة والشرع، والعبودية بعمل أهل النار.
القشيري
تفسير : إن الذين آثروا الغَيْرَ على الغيب، والخَلْقَ على الحقِّ، والنَفْسَ على الأُنْسِ، ما أقسى قلوبهم، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم، وما أخس قدرهم، وما أفضح لذوي الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نَزَّل الكتاب بالحق، وأمضى القضاء والحكم فيه بالصدق، وأوصلهم إلى مَالَهُ أَهَّلَهُمْ، وأثْبَتَهُم على الوجه الذي عليه جَبَلَهُمْ.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولئك} المشترون بكتاب الله ثمنا قليلا ليسوا بمشترين للثمن وان قل بل {الذين اشتروا} بالنسبة الى الدنيا {الضلالة} التى ليست مما يمكن ان يشترى قطعا {بالهدى} الذى ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شىء وان جل {والعذاب} اى اشتروا بالنظر الى الآخرة العذاب الذى لا يتوهم كونه من المشترى {بالمغفرة} التى يتنافس فيها المتنافسون {فما أصبرهم على النار} اى ما اصبرهم على اعمال اهل النار حين تركوا الهدى وسلكوا مسالك الضلال فالمراد بالنار سببها اطلق عليه اسم النار للملابسة بينهما ومعنى التعجب راجع الى العباد فهو تعجب اى ايقاع للمخاطب فى العجب لامتناع التعجب فى شأنه تعالى لان التعجب منشأه الجهل بالسبب فانهم قالوا التعجب انفعال النفس مما خفى سببه وخرج عن نظائره فلا يجوز على الله تعالى.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى {اشتروا الضلالة بالهدى} استبدلوا، لأن أصل الشراء الاستبدال، وليس يقع في مثله إشكال، فأما قولهم: استبدل بالجارية غيرها، فلا يجوز أن يقال بدلاً منه: اشترى، لأنه يلتبس. والضلالة التي اشتروها بالهدى: كفرهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وجحدهم لنبوته استبدلوه بالايمان به، وهم وإن لم يقصدوا أن يضلوا بدلا من أن يهتدوا فقد قصدوا الكفر بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بدلا من الايمان به، وذلك ضلال بدلا من هدى، فقد قصدوا الضلال بدلا من الهدى، وإن لم يقصدوه من وجه أنه ضلال. ولا يجوز أن يقول: قصدوا أن يضلوا. لأنه يوهم أنهم قصدوه من هذا الوجه، كما ينبىء علموا أنهم يضلون غير أنهم علموه من هذا الوجه، ويجوز قصدوا الضلال، وعلموا الضلال، لأنه لا ينبىء على هذا الوجه وإنما علموه، وقصدوه من وجه آخر، وهو جحدهم محمداً (صلى الله عليه وسلم) بدلا من التصديق به. وقوله تعالى {فما أصبرهم على النار} الفاء معناها معنى الجواب، لأن الكلام المتقدم قد تضمن معنى من كان بهذه الصفة، {فما أصبرهم على النار} فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به. والعجب لا يجوز على القديم تعالى، لأنه عالم بجميع الأشياء، لا يخفى عليه شيء. والتعجب يكون مما لا يعرف سببه. وإنما الغرض - من الآية - أن يدلنا على أن الكفار حلو محل من يتعجب منه، فهو تعجيب لنا منهم. وقد قيل في معنا {ما} في قوله {فما أصبرهم على النار} قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: إنها للتعجب. والثاني - قال ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد والسدي: إنها للأستفهام. وقيل في معنا {أصبرهم} أربعة أقوال: أحدها - ما أجرأهم على النار، ذهب اليه الحسن وقتادة. والثاني - قال مجاهد: ما أعملهم بأعمال أهل النار. وهو المروي عن أبي عبدالله (ع). والثالث - حكاه الزجاج: ما أبقاهم على النار، كما تقول: ما أصبره على الحبس. والرابع - ذكره الفراء: ما صبرهم على النار أي حبسهم عليها. وقال الكسائي: هو استفهام على وجه التعجب. قال أبوالعباس: المبرد: هذا حسن كأنه توبيخ لهم وتعجيب لنا، مثل قولك للذي وقع في هلكة ما اضطرك الى هذا، اذا كان غنياً عن التعرض للوقوع في مثلها. يقال: أصبرت السبع، والرجل، ونحوه اذا نصبته لما يكره. وقال الحطيئة: شعر : قلتُ لها أصبرُها جاهداً ويحك أمثال طريف قليل تفسير : معناه ألزمها، واضطرها. فأما التعجب، فمثل قوله {أية : قتل الإنسان ما أكفره}تفسير : أي قد حلّ محل ما يتعجب منه. وقيل: ما أصبرك على كذا بمعنى ما أجرأك قال أبوعبيدة: هي لغة يمانية. واشتق أصبر بمعنى أجرأ من الصبر الذي هو حبس النفس، لأن بالجرءة يصبر على الشدة. فأما القول الآخر: فحبسوا أنفسهم على عمل أهل النار، بدوامهم عليه، وانهماكهم فيه. وحكى الكسائي عن قاضي اليمن عن بعض العرب، قال لخصمه: ما أصبرك على الله أي على عذاب الله تعالى.
الهواري
تفسير : قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} أي: استحبوا الضلالة على الهدى. وقال الحسن: اختاروا الضلالة على الهدى والعذاب على المغفرة، {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أي: فما أجرأهم على العمل الذي يدخلهم النار. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. أي لفي فراق، أي لفي ضلال طويل، وهم أهل الكتاب، فارقوا الحق. وقال بعضهم: بعيد: أي: بعيد عن الحق. قوله: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ} قال بعض المفسرين: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ}: أي: أن تكونوا نصارى فتصلوا إلى المشرق. ولا أن تكونوا يهوداً فتصلوا إلى المغرب، أي: إلى بيت المقدس. قوله: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ}. ذكر بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله عن البر، فأنزل الله هذه الآية. وذكر لنا أن النبي عليه السلام دعا الرجل فتلاها عليه. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: {آتى المال على حبّه}: أن تنفق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخشى الفقر. قال: {ذَوِي القُرْبَى} يعني القرابة. {وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} يعني الضيف {وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} يعني المكاتب، {وَأَقَامَ الصَّلاَة} الموقوتة {وَءَاتَى الزَّكَاةَ} المفروضة {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} أي فيما عاهدوا عليه من الحق {وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ}. قال بعض المفسرين: البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم والوجع. قال أيوب: رَبِّ (أية : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) تفسير : [الأنبياء:83] وحين البأس؛ أي: عند مواطن الجهاد والقتال. {أُوْلَئِكَ} أي الذين هذه صفتهم {الَّذِينَ صَدَقُوا} في إيمانهم ووفائهم {وَأُوْلَئِكَ} الذين هذه صفتهم {هُمُ المُتَّقُونَ} فأخبرهم بالبر وهو الإِيمان وبيَّنه لهم. ذكروا عن مجاهد عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان فقرأ عليه هذه الآية: {لَّيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}.... إلى آخر الآية، ثم سأله فأعادها عليه، ثم سأله فأعادها عليه فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من سرّته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن .
اطفيش
تفسير : {أولئكَ الذينَ اشْتروُا الضَّلالةَ بالهُدى}: أخذو الكفر والمعصية بدلا من الإيمان والطاعة فى الدنيا. {والعَذَابَ بالمغْفِرةِ}: أخذوا العذاب بدلا من المغفرة التى لهم لو تابوا، ويجوز أن يكون المراد بالضلالة كتمان صفات محمد، صلى الله عليهِ وسلم والحق، وبالهدى إظهار ذلك، وفى الكتم العذاب، وفى الإظهار المغفرة لو أظهروا. {فَما أصْبَرَهُم علَى النَّار}: تعجيب من الله للمؤمنين باقترافهم ما يوجب النار من غير مبالاة، كأنهم يطيقونها مع أنهُ لا طاقة لهم ولا صبر عليها ولو عشر لحظة أو أقل، لما كانت أعمالهم أعمال ما يصبر على النار لو كان شئ بعمل المعصية ويصبر على النار، شبه عملهم تلك الأعمال الموحية للنار بالصبر على النار، كأنها توجبها عن قريب قطعاً وحزما، فدعا المؤمنين أن يتعجبوا من ذلك الصبر الذى هو ارتكاب الأعمال التى هى كالنار، ويجوز أن يشبه العمل السئ بالنار، لأنه فى الحقيقة مؤلم فظيع ضار كالسم، كما أن النار تضر ولو زينه الشيطان، وذلك لأن فيه غضب السلطان المنعم المحبوب فى القلوب وقطيعته وهو الله، جل وعلا، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن طول مكثهم فى النار، وهو مكث دائم من غير إرادة للمعنى الحقيقى الذى هو شدة الصبر على النار، إذ لا يمكن الصبر عليها، ولو صبروا قليلا، ويجوز أن يشبه طول مكثهم الدائم فيها بطول حبس النفس على الشئ. والوجه الأول أوجه، وهو قول الربيع وقتادة والحسن وابن جبير، وقد علمت أن ما تعجبية وهى مبتدأ، فجملة أصبرهم خبر، وقال معمر بن المثنى إنها استفهامية، أى أى شئ صبرهم على النار، والاستفهام أيضا تعجبنى أو توبيخى، والجملة أيضاً خبر أو نكرة تامة مخصوصة بالمعنى، والجملة أيضا خبر، أى شئ عظيم أصبرهم على النار، أو نكرة موصوفة بالجملة بعدها والخبر محذوف، أى شئ صبرهم على النار شئ عظيم أو معرفة موصولة. والخبر محذوف، أى الذى أصبرهم على النار بشئ عظيم، أو نافية، أى ما جعلهم يصبرون على النار، والمشهور أنها تعجبية، والمعنى على التعجيب كما تقول متعجبا لمن تعرض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنهُ لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب، روى الكسائى أنه قال: قال لى قاضى اليمن بمكة: اختصم إلىَّ رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له: ما أصبرك على الله، أى على عذاب الله.
اطفيش
تفسير : {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَواْ الضَّلَٰلَةَ بِالْهُدَى} فى الدنيا {وَالْعَذَابَ} فى الآخرة أو الدنيا، أو فيهما، وذكر الآخرة فى قوله: فما أصبرهم على النار {بِالْمَغْفِرَةِ} المعدة لهم، ولو آمنوا ولم يكتموا وعملوا الصالحات واتقوا {فَمَا} تعجيبية أو استفهامية توبيخية {أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} الأصل أن تكون المعصية شاقة على المعاصى، لعظمة حق الله وشدة العقاب، حتى إن الصبر عليها كالصبر على النار، فجاءت الآية على ذلك، تقول لمن تعرض لغضب السلطان، ما أصبرك على القيد والسجن، تقبح رأيه، بأنه لا يتعرض لغضبه إلا من له طاقة على القيد والسجن وأنت لا طاقة لك، وكانت رابعة العدوية ترى المعصية ناراً، شبه مداومتهم على المعصية باعتبار مشقتها بحسب الأصل، ولو لم تشق عليهم، وباعتبار الصديقين بالصبر على النار، أو يقال كذلك، ما أصبرهم على موجبات النار، أو الصبر مطلق حبس النفس على الشىء ولو لم يشق عليها، أى ما أدومهم على موجبات النار، هى الكتم والكفر والاشتراء.
الالوسي
تفسير : {أُولَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} بسبب كتمانهم الحق للمطامع الدنية، والأغراض الدنيوية {ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} في الدنيا {وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ} في الآخرة، والجملة إما مستأنفة فإنه لما عظم وعيد الكاتمين كان مظنة أن يسأل عن سبب عظم وعيدهم فقيل: إنهم بسبب الكتمان خسروا الدنيا والآخرة، وإما خبر بعد خبر لأن، والجملة الأولى لبيان شدة وعيدهم، وهذه لبيان شناعة كتمانهم. {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي ما أشد صبرهم، وهو تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم، و (ما) في مثل هذا التركيب قيل: نكرة تامة ـ وعليه الجمهور ـ وقيل: استفهامية ضمنت معنى التعجب ـ وإليه ذهب الفراء ـ وقيل: موصولة ـ وإليه ذهب الأخفش ـ وحكي عنه أيضاً أنها نكرة وموصوفة ـ وهي على هذه الأقوال ـ في محل رفع على الابتداء، والجملة خبرها، أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة، وتمام الكلام في «كتب النحو».
ابن عاشور
تفسير : إن جعلت {أولئك} مبتدأً ثانياً لجملة هي خبر ثان عن المبتدأ الأول وهو اسم {إن} في قوله: { أية : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } تفسير : [البقرة: 174] فالقول فيه كالقول في نظيره وهو { أية : أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } تفسير : [البقرة: 174] ونكتة تكريره أنه للتنبيه على أن المشار إليه جدير بأحكام أخرى غير الحكم السابق وأن تلك الأحكام لأهميتها ينبغي ألا تجعل معطوفة تابعة للحكم الأول بل تفرد بالحكمية. وإن جعلته مبتدأ مستقلاً مع جملته فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب انغماسهم في عذاب النار؛ لأنه وعيد عظيم جداً يستوجب أن يسأل عنه السائل فيبين بأنهم أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب ونبذوا المغفرة، ومجيء المسند إليه حينئذٍ اسم إشارة لتفظيع حالهم؛ لأنه يشير لهم بوصفهم السابق وهو كتمان ما أنزل الله من الكتاب. ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى في كتمان الكتاب أن كل آية أخفوها أو أفسدوها بالتأويل فقد ارتفع مدلولها المقصود منها وإذا ارتفع مدلولها نسي العمل بها فأقدم الناس على ما حذرتهم منه، ففي كتمانهم حق رُفع وباطل وُضع. ومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء عاقبته، فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة العذاب. والقول في معنى {اشتروا} تقدم عند قوله تعالى: { أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } تفسير : [البقرة: 41]. وقوله: {فما أصبرهم على النار} تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار، ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئاً عن مشاهدة صبرهم على العذاب وهذا الصبر غير حاصل في وقت نزول هاته الآية بني التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية، وهذا من طرق جعل المحقق الحصول في المستقبل بمنزلة الحاصل، ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وتنزيل المتخيل منزلة المشاهد كقول زهير: شعر : تَبَصَّر خليلي هلْ ترى من ظَعائن تَحَملْنَ بالعَلْياءِ من فَوْقِ جُرْثَم تفسير : بعد أن ذكر أنه وقف بالدار بعد عشرين حجة، وقول مالك بن الرَّيْب: شعر : دَعاني الهَوى من أَهل ودِّي وجيرتي بذي الطَّيِّسَيْن فالتفتُّ ورائيا تفسير : وقريب منه قوله تعالى: { أية : كلا لو تعلمون علم اليقين، لتروُنّ الجحيم } تفسير : [التكاثر: 5 ــــ 6] على جعل {لترون} جواب {لو}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 175- وأولئك هم الآثمون الذين اختاروا الضلالة على الهدى فاستحقوا العذاب فى الآخرة بدل الغفران، فكانوا كمن يشترى الباطل بالحق، وما فيه ضلال بما فيه هداية، وإن حالهم لتدعو إلى العجب، إذ يصبرون على موجبات العذاب ويستطيبون ما يؤدى بهم إليه. 176- ولقد استوجبوا ما قدر لهم من الجزاء لكفرهم بكتاب الله الذى أنزله بالحق والصدق، ولقد اختلفوا فيه اختلافاً كبيراً، دفع إليه حب الجدل ومجانبة الحق والانقياد للهوى، فحرفوه وأفسدوه وفسروه بغير معانيه. 177- لقد أكثر الناسُ الكلام فى أمر القبلة كأنها هى وحدها الخير، وليس هذا هو الحق، فليس استقبال جهة معينة فى المشرق أو المغرب هو قوام الدين وجماع الخير، ولكن ملاك الخير عدة أمور بعضها من أركان العقيدة الصحيحة، وبعضها من أمهات الفضائل والعبادات، فالأول هو: الإيمان بالله ويوم البعث والنشور والحساب وما يتبعه يوم القيامة، والإيمان بالملائكة وبالكتب المنزلة على الأنبياء وبالأنبياء أنفسهم. والثانى هو: بذل المال عن رغبة وطيب نفس للفقراء من الأقارب واليتامى، ولمن اشتدت حاجتهم وفاقتهم من الناس، وللمسافرين الذين انقطع بهم الطريق فلا يجدون ما يبلغهم مقصدهم، وللسائلين الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، ولغرض عتق الأرقاء وتحرير رقابهم من الرق. والثالث: المحافظة على الصلاة. والرابع: إخراج الزكاة المفروضة. والخامس: الوفاء بالعهد فى النفس والمال. والسادس: الصبر على الأذى ينزل بالنفس أو المال، أو وقت مجاهدة العدو فى مواطن الحروب فالذين يجمعون هذه العقائد والأعمال الخيرة هم الذين صَدَقوا فى إيمانهم، وهم الذين اتقوا الكفر والرذائل وتجنبوها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُولَـٰئِكَ} {ٱلضَّلاَلَةَ} (175) - وَهؤُلاءِ الآثِمُونَ الذِينَ أَنْذَرَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ، اعْتَاضُوا عَنِ الهُدَى الذِي يَقْتَضِيهِمْ نَشْرَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ، وَذِكْرِ مَبْعَثِهِ، وَوُجُوبِ اتِّباعِهِ وَتَصْدِيقِهِ، بِالضَّلاَلِ وَهُوَ تَكْذِيبُهُ، وَالكُفْرُ بِهِ، وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ، وَاعْتَاضُوا عَنِ المَغْفِرَةِ، التِي وَعَدَ اللهُ بِها المُؤْمِنينَ العَامِلِينَ السَّاعِينَ فِي الخَيْراتِ، بِالعَذَابِ الذِي سَيحِلُّ بِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَكِتْمَانِ مَا وَرَدَ في كُتُبِهِمْ. فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (أَيْ إِنَّ مَنْ يَرَاهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَعَجَّبُ مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى احتِمَالِها، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ العَذَابِ). أَوْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: (أَنَّ انْهِمَاكَهُمْ فِي العَمَلِ الذِي يُوصِلُهُمْ إِلى النَّار هُوَ مَثَارُ العَجَبِ، فَسَيْرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إِليها، وَعَدَمُ مُبَالاتِهِمْ بِمَآلِ أَعْمَالِهِمْ هُوَ مَثَارُ العَجَبِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يذكر الله لنا حيثية الحكم عليهم؛ ولماذا لا يكلمهم؛ ولماذا لا يزكيهم، ولماذا يكون لهم في الآخرة عذاب أليم؟ إنّهم قد بدلوا الضلالة بالهدى؛ والعذاب بالمغفرة. وعندما ترى فظاعة العقاب فلا تستهوله، ولكن انظر إلى فظاعة الجُرم. إن الناس حين يفصلون الجريمة عن العقاب فهم يعطفون على المجرم؛ لأنهم لا يرون المجرم إلا حالة عقابه ومحاكمته ونسوا جريمته، ولذلك فساعة ترى عقوبة ما وتستفظعها؛ فعليك استحضار الجرم الذي أوجب تلك العقوبة. ولذلك نجد الناس غالباً ما يعطفون على كل المجرمين الذين يحاكمون وتصدر عليهم عقوبات صارمة، لأن الجريمة مرَّ عليها وقت طويل، ولم نرها، وآثارها وتبعاتها انتهت. ولم يبق إلا المجرم؛ فيعطفون عليه، ولذلك فمن الخطأ أن تطول الإجراءات في المحاكمات، بل لابد من محاكمة المجرم من فور وقوع الجريمة وهي ساخنة؛ حتى لا يعطف عليه الجمهور، لأن تعطيف قلب الجمهور عليه يجعل العقوبة قاسية. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 175] ونعرف أن "الباء" تدخل على المتروك، فالضلالة هنا أُخِذَتْ وترك الهدى، واستبدلوا العذاب بالمغفرة، وما داموا قد أخذوا الضلالة بدلاً من الهدى، والعذاب بدلاً من المغفرة، فالعدالة أن يأخذوا العذاب الأليم. وبعد ذلك يقول الحق: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} [البقرة: 175] هذا تبشيع للعقاب حتى يُنَِّفر منه الناس. ويريد منا الله أن نتعجب، كيف يجوز للضال أن يترك الهدى ويأخذ الضلال، وبعد ذلك تكون النتيجة أن يأخذ العذاب ويترك المغفرة. فما الذي يعطيه الأمل في أن يصبر على النار؟، هل عنده صبر إلى هذا الحد يجعله يقبل على الذنب الذي يدفعه إلى النار؟. وما الذي جعله يصبر على هذا العذاب؟ أعنده قوة تُصَبِّره على النار؟ وما هذه القوة؟. وكأن الحق يقول: أنت غير مدرك لما ينتظرك من الجزاء وإلاَّ ما الذي يصبرك على هذه النار؟ إنك تتمادى في طغيانك وضلالك، وتنسى أن النار ستكون من نصيبك؛ فإذا كنت متيقناً أن النار من نصيبك؛ فكيف أخذت أماناً من صبرك على النار. فالنار أمر لا يصبر عليه إنسان أبداً. ويقول الحق بعد ذلك: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} معناهُ مَا أَجْرَأَهُم عليها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 55 : 21 - سفين عن عبد الملك بن أبي سليمن عن مجاهد في قوله جل وعز {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} قال، ما أجرأهم على النار. قال، ما أحملهم على عمل أهل النار. [الآية 175].
همام الصنعاني
تفسير : 159- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}: [الآية: 175]، قال: ما أجْرأهُمْ عَلَيْهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):