Verse. 183 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

ذٰلِكَ بِاَنَّ اللہَ نَزَّلَ الْكِتٰبَ بِالْحَـقِّ۝۰ۭ وَاِنَّ الَّذِيْنَ اخْتَلَفُوْا فِي الْكِتٰبِ لَفِيْ شِقَاقٍؚ بَعِيْدٍ۝۱۷۶ۧ
Thalika bianna Allaha nazzala alkitaba bialhaqqi wainna allatheena ikhtalafoo fee alkitabi lafee shiqaqin baAAeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده «بأن» بسبب أن «الله نزَّل الكتاب بالحق» متعلق بنزل فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمه «وإن الذين اختلفوا في الكتاب» بذلك وهم اليهود وقيل المشركون في القرآن حيث قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وبعضهم كهانة «لفي شقاق» خلاف «بعيد» عن الحق.

176

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ماذا؟ فذكروا وجهين: الأول: أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور: أحدها: أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها: اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها: أن لهم عذاباً أليماً ورابعها: أن الله لا يزكيهم وخامسها: أن الله لا يكلمهم فقوله: {ذٰلِكَ } يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء، وأن يكون إشارة إلى مجموعها. الثاني: أن {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6]. المسألة الثانية: قوله: {ذٰلِكَ } يحتمل أن يكون في محل الرفع أو في محل النصب، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ، ولا محالة له خبر، وذلك الخبر وجهان الأول: التقدير ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوماً لهم لا محالة الثاني: التقدير: ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية، وأما في محل النصب فلأن التقدير: فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه. المسألة الثالثة: المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون هو القرآن، فإن كان الأول كان المعنى: وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقاً منزلاً من عند الله لفي شقاق بعيد. المسألة الرابعة: قوله: {بِٱلْحَقِّ } أي بالصدق، وقيل ببيان الحق. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: إن الذين اختلفوا قيل: هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم، أما قوله: {بِٱلْحَقِّ } فقيل: بالصدق، وقيل: ببيان الحق، وأما قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } فاعلم أنا وإن قلنا: المراد من الكتاب هو القرآن، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة، وآخرون قالوا: إنه سحر، وثالث قال: رجز، ورابع قال: إنه أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام منقول مختلق، وإن قلنا: المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوهاً أحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح، فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فذكر كل واحد منهم له تأويلاً آخر فاسداً لأن الشيء إذا لم يكن حقاً واجب القبول بل كان متكلفاً كان كل أحد يذكر شيئاً آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الإختلاف وثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: {ٱخْتَلَفُواْ } من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال: كسب واكتسب، وعمل واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله: {ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } تفسير : [الأعراف: 169] وقوله: {أية : إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [يونس: 6] أي كل واحد يأتي خلف الآخر، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } تفسير : [الفرقان: 62] أي كل واحد منهما يخلف الآخر، وفي الآية تأويل ثالث، وهو أن يكون المراد بالكتاب جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن. أما قوله: {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ففيه وجوه أحدها: أن هؤلاء الذين يختلفون في كيفية تحريف التوراة والإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ومنازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة وثانيها: كأنه تعالى يقول لمحمد هؤلاء وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم كالمتفقين على عداوتك وغاية المشاقة لك فلهذا خصهم الله بذلك الوعيد وثالثها: أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف واختلفوا في كيفية التحريف فإن كل واحد منهم يكذب صاحبه ويشاقه وينازعه، وإذا كان كذلك فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحاً فيك ألبتة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ} «ذلك» في موضع رفع، وهو إشارة إلى الحُكم؛ كأنه قال: ذلك الحكم بالنار. وقال الزجاج: تقديره الأمر ذلك، أو ذلك الأمر، أو ذلك العذاب لهم. قال الأخفش: وخبر «ذلك» مضمر، معناه ذلك معلوم لهم. وقيل: محلّه نصب، معناه فعلنا ذلك بهم. {بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن في هذا الموضع {بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق. وقيل بالحجة. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ} يعني التوراة؛ فٱدّعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته. وقيل: خالفوا آباءهم وسلفهم في التمسك بها. وقيل: خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وٱختلفوا فيها. وقيل: المراد القرآن، والذين ٱختلفوا كفار قريش؛ يقول بعضهم: هو سحر، وبعضهم يقول: أساطير الأوّلين. وبعضهم: مفترًى؛ إلى غير ذلك. وقد تقدّم القول في معنى الشقاق، والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ} اللام فيه إما للجنس، واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعض. أو للعهد، والإِشارة إما إلى التوراة، واختلفوا بمعنى تخلفوا عن المنهج المستقيم في تأويلها، أو خلفوا خلال ما أنزل الله تعالى مكانه، أي حرفوا ما فيها. وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم سحر، وَتَقوَّلَ، وكلام علمه بشر، وأساطير الأولين. {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} لفي خلاف بعيد عن الحق. {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} {ٱلْبَرّ}: كل فعل مرضٍ، والخطاب لأهل الكتاب فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت، وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله تعالى عليهم وقال: ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما بينه الله واتبعه المؤمنون. وقيل عام لهم وللمسلمين، أي ليس البر مقصوراً بأمر القبلة، أو ليس البر العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها، وقرأ حمزة وحفص {ٱلْبَرّ } بالنصب {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيّينَ} أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن، ويؤيده قراءة من قرأ ولكن «البار». والأول أوفق وأحسن. والمراد بالكتاب الجنس، أو القرآن. وقرأ نافع وابن عامر {وَلَـٰكِنِ} بالتخفيف ورفع {ٱلْبَرّ }. {وَآتَى المَالَ عَلى حُبِّهِ} أي على حب المال، قال عليه الصلاة والسلام لما سئل أي الصدقة أفضل قال: «حديث : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، وتخشى الفقر»تفسير : وقيل الضمير لله، أو للمصدر. والجار والمجرور في موضع الحال. {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} يريد المحاويج منهم، ولم يقيد لعدم الالتباس. وقدم ذوي القربى لأن إيتاءهم أفضل كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك اثنتان، صدقة وصلة»تفسير : {وَٱلْمَسَـٰكِينُ} جمع المسكين وهو الذي أسكنته الخلة، وأصله دائم السكون كالمسكير للدائم السكر. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المسافر، سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريق. وقيل الضيف لأن السبيل يرعف به. {وَٱلسَّائِلِينَ} الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، وقال عليه السلام: «حديث : للسائل حق وإن جاء على فرسه»تفسير : {وَفِي ٱلرّقَابِ} وفي تخليصها بمعاونة المكاتبين، أو فك الأساري، أو ابتياع الرقاب لعتقها. {وأَقامَ الصَّلاةَ} المفروضة. {وَآتَى الزَّكَاةَ} يحتمل أن يكون المقصود منه ومن قوله: {وَآتَى المَالَ} الزكاة المفروضة، ولكن الغرض من الأول ببيان مصارفها، ومن الثاني أداؤها والحث عليها. ويحتمل أن يكون المراد بالأول نوافل الصدقات أو حقوقاً كانت في المال سوى الزكاة. وفي الحديث «حديث : نسخت الزكاة كل صدقة»تفسير : {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ} عطف على {مَنْ ءامَنَ}. {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَاء وٱلضَّرَّاء} نصبه على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على سائر الأعمال. وعن الأزهري: البأساء في الأموال كالفقر، والضراء في الأنفس كالمرض. {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} وقت مجاهدة العدو. {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا} في الدين واتباع الحق وطلب البر. {وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} عن الكفر وسائر الرذائل. والآية كما ترى جامعة للكمالات الإِنسانية بأسرها، دالة عليها صريحاً أو ضمناً، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس. وقد أشير إلى الأول بقوله: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } إلى {وَٱلنَّبِيّيْنَ}. وإلى الثاني بقوله: {وَآتَى المَالَ} إلى {وَفِي ٱلرّقَابِ} وإلى الثالث بقوله: {وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه واعتقاده بالتقوى، اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق. وإليه أشار بقوله عليه السلام «حديث : من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإِيمان»

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } الذي ذُكِرَ من أكلهم النار وما بعده {بِأَنَّ } بسبب أنّ {ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقّ } متعلق (بنزل) فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمه {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَٰبِ } بذلك وهم اليهود وقيل المشركون في القرآن حيث قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وبعضهم كهانة {لَفِى شِقَاقٍ } خلاف {بَعِيدٍ } عن الحق.

الخازن

تفسير : {ذلك بأن الله نزل الكتاب} يعني ذلك العذاب بسب إن الله نزل الكتاب {بالحق} فكفروا به وأنكروه وقيل معناه فعلنا بهم ذلك، لأن الله أنزل الكتاب بالحق فحرفوه فعلى هذا يكون المراد بالكتاب التوراة {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} يعني اختلفوا في معانيه وتأويله فحرفوها وبدلوها، وقيل: آمنوا ببعض وكفروا ببعض {لفي شقاق} أي خلاف ومنازعة {بعيد} يعني عن الحق. قوله عز وجل: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} هذا خطاب لأهل الكتاب لأن النصارى تصلي قبل المشرق واليهود قبل المغرب إلى بيت المقدس، وزعم كل طائفة منهم أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر ليس فيما زعموا ولكن فيما بينه في هذه الآية. وقال ابن عباس: هو خطاب للمؤمنين وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام إذا أتى بالشهادتين وصلى إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل الله هذه الاية فقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} أي في صلاتكم قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا ذلك {ولكن البر} يعني ما بينته لكم البر اسم جامع لكل الطاعات وأعمال الخير المقربة إلى الله الموجبة للثواب والمؤدية إلى الجنة ثم بين خصالاً من البر فقال تعالى: {من آمن بالله} أي ولكن البر من آمن بالله فالمراد بالبر هنا الإيمان بالله والتقوى من الله {واليوم الآخر} وإنما ذكر الإيمان باليوم الآخر، لأن عبدة الأوثان كانوا ينكرون البعث بعد الموت {والملائكة} أي ومن البر الإيمان بالملائكة كلهم لأن اليهود قالوا: إن جبريل عدونا {والكتاب} قيل: أراد به القرآن وقيل جميع الكتب المنزلة لسياق ما بعده وهو قوله {والنبيين} يعني أجمع وإنما خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة لأنه يدخل تحت كل واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها {وآتى المال على حبه} يعني من أعمال البر إيتاء المال على حبه قيل إن الضمير راجع إلى المال فالتقدير على هذا وآتى المال على حب المال (ق) عن أبي هريرة قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان" تفسير : قوله حتى إذا بلغت الحلقوم يعني الروح وإن لم يتقدم لها ذكر وقوله لفلان كذا هو كناية عن الموصى له وقوله وقد كان لفلان كناية عن الوارث وقيل الضمير في حبه راجع إلى الله تعالى أي وآتي المال على حب الله وطلب مرضاته {ذوي القربى} يعني أهل قرابة المعطي وإنما قدمهم لأنهم أحق بالإعطاء. عن سليمان بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة" تفسير : أخرجه النسائي (ق): "إن ميمونة رضي الله عنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت يا رسول الله أني اعتقت وليدتي قال أو قد فعلت قالت نعم قال أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" الوليدة الجارية {واليتامى} اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر وقيل: يقع على الصغير والبالغ أي وآتى الفقراء من اليتامى {والمساكين} جمع مسكين سمي بذلك لأنه دائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له {وابن السبيل} يعني المسافر المنقطع عن أهله سمي المسافر ابن السبيل لملازمته الطريق، وقيل هو الضيف ينزل بالرجل لأنه إنما وصل إليه من السبيل وهو الطريق قول والأول أشبه لأن ابن السبيل اسم جامع جعل للمسافر {والسائلين} يعني الطالبين المستطعمين. عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : للسائل حق ولو جاء على فرس" تفسير : أخرجه أبو داود عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أعطوا السائل ولو جاء على فرس" تفسير : أخرجه مالك في الموطأ عن أم نجيد قالت: قلت يا رسول الله إن المسكين ليقوم على بابي فلم أجد شيئاً أعطيه إياه قال: "حديث : إن لم تجدي إلاّ ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية مالك في الموطأ عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ردوا المسكين ولو بظلف محرق" تفسير : قوله ردوا المسكين، لم يرد به رد الحرمان وإنما أراد به ردوه بشيء تعطونه إياه ولو كان ظلفاً وهو خف الشاة وفي كونه محرقاً مبالغة في قلة ما يعطي {وفي الرقاب} يعني المكاتبين. وقيل: هو فك النسمة وعتق الرقبة وفداء الأسارى {وأقام الصلاة} يعني المفروضة في أوقاتها {وآتى الزكاة} يعني الواجبة {والموفون بعهدهم} يعني ما أخذه الله من العهود على عباده بالقيام بحدوده والعمل بطاعته. وقيل: أراد بالعهد ما يجعله الإنسان على نفسه ابتداء من نذر وغيره. وقيل: العهد الذي كان بينه وبين الناس مثل الوفاء بالمواعيد وأداء الأمانات {إذا عاهدوا} يعني إذا وعدوا أنجزوا وإذا نذروا أوفوا وإذا حلفوا بروا في أيمانهم وإذا قالوا صدقوا في أقوالهم صدقوا في أقوالهم وإذا ائتمنوا أدوا {والصابرين في البأساء} أي في الشدة والفقر والفاقة {والضراء} يعني المرض والزمانة {وحين البأس} يعني القتال والحرب في سبيل الله. وسمي الحرب بأساً لما فيه من الشدة (ق) عن البراء قال كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا الذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم قوله احمر البأس: أي اشتد الحرب ونتقي به أي نجعله وقاية لنا من العدو {أولئك الذين صدقوا} أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم {وأولئك هم المتقون}.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ...}. قال ابن عطية: أي بالواجب أو بالأخبار الصادقة. وضعف ابن عرفة الأول بأن فيه (إيماء لمذهب) المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح عقلا وأنّ بعثة الرّسل وإنزال الكتب واجب عقلا فليس المراد إلا إنزال الكتب مصاحبا لكلامه الحق المصدق، وإنزاله بسبب الحقّ الصدق. قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. هم كلهم في شق واحد بعيد عن شق الحق، ولا يؤخذ منه أن المصيب واحد لأنّ المراد المختلفين في الكتب/ من أهل البدع وكلهم على الباطل.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} العذاب بالنار {بأن الله} اى بسبب انه {نزل الكتاب} اى جنس الكتاب {بالحق} اى حال كونه ملتبسا بالحق فلا جرم يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متن الجهل والغواية مبتلى بمثل هذا من افانين العذاب {وإن الذين اختلفوا فى الكتاب} اى فى جنس الكتاب الالهى بان آمنوا ببعض كتب الله وكفروا ببعضها او فى التوراة بان آمنوا ببعض آياتها وكفروا ببعض كالآيات المغيرة المشتملة على امر بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ونعوته الكريمة او فى القرآن بان قال بعضهم انه شعر وبعض سحر وبعض كهانة {لفى شقاق بعيد} اى خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لاشد العذاب. اعلم ان فى هذه الآيات وعيدا عظيما لكل من يكتم الحق لغرض فاسد دنيوى فليحذروا اى العلماء ان يكتموا الحق وهم يعلمون وانما يكتمونه عن الملوك والامراء والوزراء وارباب الدنيا اما خوفا من اتضاع مرتبتهم ونقصان قدرهم عندهم واما طموحا الى احسانهم او لانهم شركاؤهم فى بعض احوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص فى طلبها او طلب مناصبها وحب رياستها او بالتنعم فى المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والاوانى وآلات البيت والامتعة والزينة فى كل شىء والخدم والخيول وغير ذلك فعند ذلك يداهنون ويأكلون ثمنا قليلا ولا يأكلون الا نار الحرص والشهوة والحسد التى تطلع على الافئدة وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. واعلم ان فى كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شررا يجتنى من نار السعير فتحصل فى قلب العبد تلك النار فى الحال وفى التى تصدر من العبد على وفق الشرع شررا يجتنى من نار المحبة فتظهر فى القلب فتحرق كل محبوب غير الله فى قلب كما ان نار السعير تحرق فى القلب الحسنات والاخلاق الحميدة فيأكلون نارا فى الحال وانما قال ما يأكلون فى بطونهم الا النار لان فسادهم كان فى باطل فكان عذابهم فى البطون وانما لا يكلمهم الله يوم القيامة لانهم كتموا كلام الله فى الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها وانما لا يزكيهم لان تزكية النفس للانسان مقدرة من الايمان والاعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الاخلاق بآداب الشرع فاولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى اظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على افضل الجهاد قال عليه السلام "حديث : ان افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائرbr>". تفسير : وانما كانت افضل لان الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فانه جهاد اصغر ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة. قال الحسن ان الزبانية الى فسقة حملة القرآن اسرع منهم عبدة الاوثان فيقولون ربنا ما بالنا يتقدمون الينا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع فىخسران مبين وكان دائما فى منازعة الشيطان ـ كما حكى ـ ان رجلا قال للشيخ ابى مدين ما يريد منا الشيطان شكاية منه فقال الشيخ انه جاء قبلك وشكا منك وقال اعلم انه سيشكونى ولكن الله ملكنى الدنيا فمن نازعنى فى ملكى لا اتسلى بدون ايمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها ـ وحكى ـ ان ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على ابوابهم يقتاتون بنبات الارض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين الى ملكهم فقال ما لى حاجة الى صحبة ذى القرنين فجاء ذو القرنين فقال ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم قال ليس للدنيا طالب عندنا لانها لا تشبع احدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم اخرج رأس انسان وقال هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه الله تعالى وبقى عليه السيآت ثم اخرج رأسا آخر وقال ايضا هذا رأس ملك عادل مشفق فقبضه واسكنه جنته ورفع درجته ثم وضع يده على رأس ذى القرنين وقال من أى الرأسين يكون رأسك فبكى ذو القرنين وقال ان ترغب فى صحبتى شاطرتك مملكتى وسلمت اليك وزارتى فقال هيهات وقال ذو القرنين ولم قال لان الناس اعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم احبابى بسبب القناعة: قال السعدى قدس سره شعر : در كوشه قناعت نان باره وبينه دربيش اهل معنى بهتر زصد خزينه

الطوسي

تفسير : الاعراب: ذلك رفع بالابتداء، أو بأنه خبر الابتداء وهو إشارة إلى أحد ثلاثة أشياء: أولها - قال الحسن: ذلك الحكم بالنار. الثاني - ذلك العذاب. الثالث - ذلك الضلال. وفي تقدير خبر ذلك ثلاثة أقوال: [الاول] - قال الزجاج: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك، فحذف لدلالة ما تقدم من الأمر بالحق. فكأنه قال: ذلك الحق. واستغنى عن ذكر الحق لتقدم ذكره في الكلام. الثاني - ذلك معلوم {بأن الله نزل الكتاب بالحق} فقد تقدم ذكر ما هو معلوم بالتنزيل، فحذف لدلالة الكلام عليه. الثالث - ذلك العذاب لهم {بأن الله نزل الكتاب بالحق} وكفروا به، فتكون الباء في موضع الخبر. ويحتمل ذلك أن يكون رفعاً على ما بينا. ويحتمل أن يكون نصباً على فعلنا ذلك، لأن في الكلام ما يدل على (فعلنا). المعنى: ومعنى الكتاب ها هنا قيل: إنه التوراة. وقال الجبائي: إنه القرآن، وغيره. وهو أعم فائدة. وقال بعضهم: إن المراد بالأول التوراة، وبالثاني القرآن. ومعنى الاختلاف ها هنا يحتمل أمرين: أحدهما - قول الكفار في القرآن. ومنهم من قال: هو كلام السحرة. ومنهم من قال: كلام يعلمه. ومنهم من قال: كلام يقوله الثاني - اختلاف اليهود والنصارى في التأويل، والتنزيل من التوارة، والانجيل، لأنهم حرفوا الكتاب، وكتموا صفة محمد النبي (صلى الله عليه وسلم) وجحدت اليهود الانجيل والقرآن. قوله تعالى: {لفي شقاق بعيد} فيه قولان: أحدهما - بعيد عن الالفة بالاجتماع على الصواب. الثاني - بعيد: من الشقاق، لشهادة كل واحد على صاحبه بالضلال. وكلاهما قد عدل عن السداد. ومن ذهب الى أن المعنى ذلك العذاب {بأن الله نزل الكتاب بالحق} قدر فكفروا به، وجعله محذوفاً. ومن ذهب الى أن المعنى: ذلك الحكم بدلالة {أن الله نزل الكتاب بالحق} لم يجعله محذوفاً. والمعني بالذين اختلفوا على قول السدي: اليهود، والنصارى. وقال غيره: هم الكفار من عبدة الاوثان، وغيرهم من أهل الضلال. وهو الاولى، لأنه أعم. الاعراب: وإنما كسرة (إن) الثانية لالحاق اللام الخبر، وهي لام الابتداء، فأخرت الى الخبر وكسرت معها (إن) لأنها للاستئناف ايضاً. فأما (أن) المفتوحة فاسم يعمل فيه عوامل الاعراب كما يعمل في الأسماء. وإنما كسرت (إن) في قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام}تفسير : لا لالحاق اللام، ولكن لدخول (إلا) على جملة مستأنفة في التقدير. كأنه قيل: إلا هم يأكلون الطعام. ولو قلت ما ظننت إلا إنك لخارج لكسرت لأجل اللام. اللغة: والاختلاف: الذهاب على جهة التفريق في الجهات. وأصله من اختلاف الطريق. تقول: اختلفنا الطريق، فجاء هذا من ها هنا، وجاء ذاك من هناك، ثم قيل في الاختلاف في المذاهب تشبيهاً في الاختلاف في الطريق من حيث أن كل واحد منهم على نقيض ما عليه الآخر من الاعتقاد. فأما الاختلاف في الأجناس، فهو ما لا يسد واحد منهما مسد الآخر، فيما يرجع الى ذاته، كالسواد والبياض، وغيرهما. والشقاق: انحياز كل واحد عن شق صاحبه للعدواة له. وهو طلب كل واحد منهما ما يشقّ على الآخر، لأجل العدواة. والمشاقة مثله.

الجنابذي

تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من الحكم على كاتمى ما انزل الله بادخال النّار وعدم تكليمهم الله وعدم تزكيتهم وثبوت العذاب الاليم لهم واستبدال الضّلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة {بِأَنَّ ٱللَّهَ} بسبب أنّ الله فهو خبر لذلك لا حاجة له الى تقدير مبتدءٍ او خبرٍ او فعلٍ ناصبٍ {نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} بسبب الحقّ المخلوق به وهو المشيئة الّتى خلق الاشياء بها، او متلبّساً بالحقّ موصوفاً به، او مع الحقّ مقارناً له فالكاتم له كاتم للحقّ ومستحقٌ لما ذكر، والمراد بالكتاب أحكام النّبوّة والتّوراة والانجيل والقرآن صورتها {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ} عطف على انّ الّذين يكتمون واختلف ضدّ اتّفق او بمعنى تردّد وعلى الاوّل فالمعنى انّ الّذين اختلفوا معك او انّ الّذين وقع الاختلاف بينهم وعلى الثّانى فالمعنى انّ الّذين تردّدوا {فِي ٱلْكِتَابِ} لاستنباط الاحكام الشّرعيّة ولان يقيسوا ما لم يكن فيه بما يجدونه فيه والمراد بالكتاب أحكام النّبوّة والتّوراة والانجيل والقرآن صورتها {لَفِي شِقَاقٍ} لفى ظرف منكم او من الله {بَعِيدٍ} او لفى عناد معكم وعداوة. اعلم انّ من استسلم وانقاد لنبىٍّ (ص) او وصىٍّ ليس من شأنه ان يخالف امثاله فى حكمٍ من الاحكام لانّه ليس له رأى فى شيءٍ من نفسه وانّما هو منقاد لغيره بخلاف من لم يكن منقاداً لنبىٍّ (ص) او وصىٍّ فانّ الشّيطان متمكّن منه لا محالة الاّ ان يكون فى حكم المنقاد، ومن تمكّن الشّيطان منه لا يمكن له التّوافق مع احدٍ بل كان شأنه الاضطراب فى الآراء وعدم الثّبات على شيءٍ منها والخلاف والعناد مع كلّ النّاس فالمؤمنون ان كان أحكامهم مختلفة كانوا متوافقين مترافقين متّحدين، وغير المؤمنين ان كانوا متوافقين فى الاحكام كانوا متخالفين متعاندين غير خارجين من العناد، وما نقل من اختلاف أصحاب الائمّة مع بعضٍ لا ينافى مرافقتهم مع كلّ النّاس لأنّ المخالفة الّتى ظهرت فيهم لستلزام المخالفة من طرف ظهورها فى طرف آخر.

اطفيش

تفسير : {ذلكَ}: العذاب أو ذلك المذكور من أكلهم النار فى بطونهم وما بعده {بأنَّ اللهَ}: الباء سببية. {أنْزَل الكِتابَ}: القرآن فكفروا به وفعلوا تلك الأفاعيل، أو التوراة أى أنزل التوراة فحرفوها وبدلوها وكتموها وزادوا ونقصوا، فقد كفروا بما حرفوا أو بدلوا أو كتموا أو نقصوا منها، وآمنوا بما لم يفعلوا به ذلك فقد آمنوا ببعض وكفروا ببعض. {بالحقِّ}: متعلق بأنزل، أو بمحذوف حال من الكتاب. {وإنَّ الَّذِينَ اخْتلفُوا فى الكِتابِ}: هم اليهود، والكتاب هو التوراة، ومعنى اختلافهم فيها ترددهم فيها بالتحريف والتبديل والكتم والنقص يقال: اختلف فلان إلى كذا، أى جاء وذهب، واختلف فى كذا، أى تردد فيه، ومنه خير القناطر عن بعض السلف، لأن تختلف الأسنة فى بطنى أحب إلى من أن يقع لى فى الصلاة ما يقع لكم من اشتغال القلب فى الصلاة، ويجوز أن يكون اختلافهم فى التوراة تخلفهم عن العمل بما فيها، وعن الحق فى تأويلها، وفى على هذا الوجه بمعنى عن، أو على أصلها، أى أوقعوا التخلف فيها، ويجوز أن يكون اختلافهم فيها كونهم فيها ذوى تخليف إذ صيروا ما ليس من التوراة بعضا منها وخلفا مما أزالوه منها، أو اختلافهم فيها بإيمانهم ببعضها وكفرهم ببعضها وهو صعب عليهم، وما فيها من بيانه صلى الله عليه وسلم أنكروا أن يكون من التوراة، ويجوز أن يكون المراد بالكتاب الجنس، والمختلفون اليهود والنصارى، إذ آمنوا ببعض كتب الله وكفروا ببعض، كفروا بالقرآن، وكفر اليهود بالإنجيل، والنصارى بالتوراة وهو قول السدى، ويجوز أن يراد بالكتاب القرآن، والمختلفون إما اليهود وإما مشركوا العرب، واختلافهم قول بعضهم إنهُ سحر، وبعض إنهُ شعر، وبعض أساطير الأولين، وبعض علمه بسر، واليهود قالوا ذلك كما قالته العرب، وإذا أريد بالكتاب الأول والثانى القرآن أو التوراة، فألى للعهد، ولا يتعين ذلك، بل يجوز كون الأول التوراة والثانى القرآن أو العكس. {لَفِى شِقاقٍ}: خلاف للحق ومفارقة له. {بَعيدٍ}: طويل لا يزول، بل يرثه حسيس عن حسيس، أو طويل بالنظر إلى عقابه، أو بعيد عن الحق والله أعلم. قال الربيع وقتادة: كانت اليهود تصلى إلى صخرة بيت المقدس وهى غرب بالنسبة إلى قراهم الحجاز، وكانت النصارى تصلى إلى مشرق الشمس، فادعت اليهود أن البر فى الصلاة إلى الصخرة، وادعت النصارى أنه فى الصلاة إلى المشرق فأنزل الله عز وجل تكذيبهم جميعاً فقال: {لَيَس البِرِّ أن تُولَّوا وجُوهَكُم...}

اطفيش

تفسير : {ذَٰلِكَ} أى أكل العار فى بطونهم، وعدم تكليم الله إياهم، وعدم تزكيته لهم، وثبوت العذاب الأليم والنار، أو ذلك العذاب المسبب على الكتم والاشتراء {بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَٰبَ} التوراة والإنجيل والقرآن {بِالْحَقِّ} فخالفوه، وآمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، والذى آمنوا به كفروا ببعضه، أنكر اليهود والنصارى القرآن، واليهود والإنجيل، وبعض التوراة، والنصارى التوراة وبعض الإنجيل {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ} مشركو العرب {فِى الْكِتَٰبِ} القرآن، قال بعض هو شعر وبعض كهانة، وبعض سحر، وبعض كذب، وبعض علمه بشر، وبعض أساطير الأولين، وبعض كلام حنون، أو هو الكتاب الأول العام، والمختلفون والمشركون واليهود والنصارى، فإن المشركين أيضا كذبوا القرآن وآمنوا ببعضه، وكذبوا التوراة والإنجيل، وقد يؤمن بعضهم بهما أو ببعضهما، فاختلفوا بمعنى خالفوا أو تخلفوا عن الحق {لَفِي شِقَاقٍ} خلاف {بَعِيدٍ} عن الحق وكل فى جانب بعيد عن جانب الآخر.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} أي مجموع ما ذكر من أكل النار وعدم التكليم والتزكية والعذاب المرتب على الكتمان. {بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} أي بسبب أن الله تعالى نزل القرآن، أو التوراة متلبساً بالحق ليس فيه شائبة البطلان أصلا فرفضوه ـ بالتكذيب أو الكتمان ـ. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي في جنسه ـ بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعض ـ أو في التوراة، ومعنى (اختلفوا) تخلفوا عن سلوك طريق الحق فيها، أو جعلوا ما بدلوه خلفاً عما فيها ـ أو في القرآن ـ واختلافهم فيه قول بعضهم: إنه سحر، وبعضهم إنه شعر، وبعضهم إنه أساطير الأولين. {لَفِى شِقَاقٍ } أي خلاف {بَعِيدٍ } عن الحق موجب لأشد العذاب، وهذه الجملة تذييل لما تقدم معطوفة عليه. ومن الناس من جعل ـ الواو ـ للحال والسببية المتقدمة راجعة إليها والتذييل أدخل في الذم كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : جيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علة أو نحوهما كقول النابغة: شعر : وذلك من تلقاء مثلك رائع تفسير : بعد قوله: شعر : أتاني أبيتَ اللعن أنَّكَ لُمْتَنِي تفسير : والكلامُ السابق الأظهرُ أَنه قولُه: { أية : فما أصبرهم على النار } تفسير : [البقرة: 175] والمعنى أنهم استحقوا العذاب على كتمانهم بسبب أن الله أنزل الكتاب بالحق فكتمانُهم شيئاً من الكتاب كتمان للحق وذلك فساد وتغيير لمراد الله؛ لأن ما يُكتم من الحق يَخلفه الباطل كما بيناه آنفاً فحقَّ عليهم العذاب لكتمانه، لأنه مخالف مراد الله من تنزيله، وعليه فالكتاب في قوله: {بأن الله نزل الكتاب} هو عين الكتاب المذكور في قوله: { أية : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } تفسير : [البقرة: 174] وهو كتابهم التوراة والإنجيل ليكون الموضوع في العلة والحكم المعلَّل واحداً، وعليه فالجملة فصلت من الجملة التي قبلها لجريانها منها مجرى العلة. ويجوز أن يكون المشار إليه السابق هو الكتمان المأخوذ من { أية : يكتمون } تفسير : [البقرة: 174]، أي إنما كتَموا ما كتموا بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فعلموا أنه على النعت الذي بَشر الله به على لسان التوراة. والمعنى أنهم كتموا دلائل صدق النبي حَسداً وعناداً؛ لأن الله أنزل القرآن على محمد، فالكتاب هنا غير الكتاب في قوله: { أية : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } تفسير : [البقرة: 174]. والجملة على هذا الوجه استئناف بياني لاستغراب تعمدهم كتمانَ ما أنزل الله من الكتاب وإن هذا الصنع الشنيع لا يكون إلاّ عن سبب عظيم، فبُين بقوله تعالى: {ذك بأن الله نزل الكتاب بالحق}. وقوله: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} تذييل ولكنه عطف بالواو لأنه يتضمن تكملة وصف الذين اشتروا الضلالة بالهدى ووعيدَهم، والمرادُ بالذين اختلفوا عين المراد من قوله: { أية : الذين يكتمون } تفسير : [البقرة: 174]، و { أية : الذين اشتروا } تفسير : [البقرة: 175]، فالموصولات كلها على نسق واحد. والمراد من الكتاب المجرور بفي يحتمل أنه المرادُ من الكتاب في قوله: {نزل الكتاب} فهو القرآن فيكون من الإظهار في مقام الإضمار ليناسب استقلال جملة التذييل بذاتها ويكون المراد باختلفوا على هذا الوجه أنهم اختلفوا مع الذين آمنوا منهم أو اختلفوا فيما يصفون به القرآن من تكذيب به كلِّه أو تكذيبِ ما لا يوافق هواهم وتصديقِ ما يؤيد كتبهم، ويحتمل أن المراد من الكتاب المجرور بفي هو المراد من المنصوب في قوله: { أية : ما أنزل الله من الكتاب } تفسير : [البقرة: 174] يعني التوراة والإنجيل أي اختلفوا في الذي يُقِرُّونه والذي يغيرونه وفي الإيمان بالإنجيل والإيمان بالتوراة، ومن المحتمل أن يكون المراد بالذين اختلفوا في الكتاب ما يشمل المشركين وأن يكون الاختلاف هو اختلاف معاذيرهم عن القرآن إذْ قالوا: سحرٌ أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين. لكنه خروج عن سياق الكلام على أهل الكتاب، ومن المحتمل أيضاً أن يكون المراد بالكتاب الجنس أي الذين اختلفوا في كتب الله فآمنوا ببعضها وكفروا بالقرآن. وفائدة الإظهار في مقام الإضمار في قوله: {الكتاب} أن يكون التذييل مستقلاً بنفسه لجريانه مجرى المثل، وللمفسرين وجوه كثيرة في قوله: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} متفاوتة البعد. ووصف الشقاق بالبعيد مجاز عقلي أي بعيد صاحبُه عن الوفاق كقوله تعالى: { أية : ولا يزالون مختلفين } تفسير : [هود: 118].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {ٱلْكِتَابِ} (176) - وَإِنَّما استَحَقَّ هؤلاءِ العَذابَ لِكُفْرِهِمْ بِكِتاَبِ اللهِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ لِجَمْعِ الكَلِمَةِ عَلَى اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَإِزَالَةِ الاخْتِلاَفِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَبيراً دَفَعَ إِليهِ حُبُّ الجَدَلِ، وَمُجَانَبَةُ الحَقِّ، وَالانْقِيادُ إِلَى الهَوَى، فَحَرَّفُوهُ وَأَفْسَدُوهُ وَفَسَّرُوهُ بِغيرِ مَعَانِيهِ. شِقَاقٍ بَعِيدٍ - خِلافٍ وَنِزاعٍ بَعيدٍ عن الحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وذلك إشارة إلى ما تقدم، وما تقدم هو الضلالة التي أخذوها وتركوا الهدى، والعذاب الذي أخذوه بدلاً من المغفرة، ونار يعذبون فيها، وقد صبروا عليها، إنها ثلاثة أشياء ملتقية؛ العذاب، والضلالة، والنار. فالضلال هو السبب الأصيل في العذاب، فإذا قال الله: عاقبتهم بكذا لأنهم ضلوا، فذلك صحيح، وإذا قال: فعلت فيهم ذلك لأنهم استحقوا العذاب، فهو صادق، والعذاب كحكم عام يكون بالنار. إذن: عندما يقول الحق: بالنار أو بالعذاب أو بالضلال فمرجعها جميعاً واحد، يقال عنه: "ذلك". {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 176] والذي يغير الكتاب ويكتمه إنما يكره الحق. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176]. إنها هوة واسعة يسقطون فيها، فالشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوة كبيرة، فلو كان الخلاف في أمور مادية لأمكن للبشر أن يتحملوها فيما بينهم، ولكانت مسألة سهلة. ولكن الخلاف في أمر قيمي لا يقدر البشر على أن يصلحوه فيما بينهم، من هنا فإن شقة الخلاف واسعة، ولا يقوى على حلها إلا الله، ولذلك قال سبحانه: {أية : إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ..}تفسير : [الزمر: 3].