Verse. 184 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لَيْسَ الْبِرَّ اَنْ تُوَلُّوْا وُجُوْھَكُمْ قِـبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اٰمَنَ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَالْمَلٰۗىِٕكَۃِ وَالْكِتٰبِ وَالنَّبِيّٖنَ۝۰ۚ وَاٰتَى الْمَالَ عَلٰي حُبِّہٖ ذَوِي الْقُرْبٰى وَالْيَـتٰمٰى وَالْمَسٰكِيْنَ وَابْنَ السَّبِيْلِ۝۰ۙ وَالسَّاۗىِٕلِيْنَ وَفِي الرِّقَابِ۝۰ۚ وَاَقَامَ الصَّلٰوۃَ وَاٰتَى الزَّكٰوۃَ۝۰ۚ وَالْمُوْفُوْنَ بِعَہْدِہِمْ اِذَا عٰھَدُوْا۝۰ۚ وَالصّٰبِرِيْنَ فِي الْبَاْسَاۗءِ وَالضَّرَّاۗءِ وَحِيْنَ الْبَاْسِ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ صَدَقُوْا۝۰ۭ وَاُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الْمُتَّقُوْنَ۝۱۷۷
Laysa albirra an tuwalloo wujoohakum qibala almashriqi waalmaghribi walakinna albirra man amana biAllahi waalyawmi alakhiri waalmalaikati waalkitabi waalnnabiyyeena waata almala AAala hubbihi thawee alqurba waalyatama waalmasakeena waibna alssabeeli waalssaileena wafee alrriqabi waaqama alssalata waata alzzakata waalmoofoona biAAahdihim itha AAahadoo waalssabireena fee albasai waalddarrai waheena albasi olaika allatheena sadaqoo waolaika humu almuttaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ليس البر أن تولوا وجوهكم» في الصلاة «قبل المشرق والمغرب» نزل ردا على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك «ولكن البرَّ» أي ذا البر وقرئ بفتح الباء أي البار «من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب» أي الكتب «والنبيين و آتى المال على» مع «حبه» له «ذوي القربى» القرابة «واليتامى والمساكين وابن السبيل» المسافر «والسائلين» الطالبين «وفي» فك «الرقاب» المكاتبين والأسرى «وأقام الصلاة وآتى الزكاة» المفروضة وما قبله في التطوع «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا» الله أو الناس «والصابرين» نصب على المدح «في البأساء» شدة الفقر «والضراء» المرض «وحين البأس» وقت شدة القتال في سبيل الله «أولئك» الموصوفون بما ذكر «الذين صدقوا» في إيمانهم أو ادعاء البر «وأولئك هم المتقون» الله.

177

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم: أراد بقوله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى: ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله وقال بعضهم: بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً، وإنما البر كيت وكيت، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال: ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها. المسألة الثانية: الأكثرون على أن {لَّيْسَ } فعل ومنهم من أنكره وزعم أنه حرف، حجة من قال: إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال كقولك: لست ولسنا ولستم والقوم ليسوا قائمين، وهذه الحجة منقوضة بقوله: إنني وليتني ولعل وحجة المنكرين أولها: أنها لو كانت فعلاً لكانت ماضياً ولا يجوز أن تكون فعلاً ماضياً، فلا يجوز أن تكون فعلاً، بيان الملازمة أن كل من قال إنه فعل قال: إنه فعل ماض وبيان أنه لا يجوز أن يكون فعلاً ماضياً اتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال، ولو كان ماضياً لكان لنفي الماضي لا لنفي الحال وثانيها: أنه يدخل على الفعل، فنقول: ليس يخرج زيد، والفعل لا يدخل على الفعل عقلاً ونقلاً، وقول من قال إن {لَّيْسَ } داخل على ضمير القصة والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف، فإنه لو جاز ذلك جاز مثله في {مَا } وثالثها: أن الحرف {مَا } يظهر معناه في غيره، وهذه الكملة كذلك فإنك لو قلت: ليس زيد لم يتم الكلام، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائماً ورابعها: أن {لَّيْسَ } لو كان فعلاً لكان {مَا } فعلاً وهذا باطل، فذاك باطل بيان الملازمة أن {لَّيْسَ } لو كان فعلاً لكان ذلك لدلالته على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص وهو الحال، وهذا المعنى قائم في {مَا } فوجب أن يكون {مَا } فعلاً فلما لم يكن هذا فعلاً فكذا القول ذلك، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول: {لَّيْسَ } كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت {مَا } في نفي الفعلية وخامسها: إنك تصل {مَا } بالأفعال الماضية فتقول: ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل {مَا } بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك وسادسها: أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل. فإن قيل: أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف / للزومه حالة واحدة، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها، وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضياً، لأنه أخف الأبنية. قلنا: هذا كله خلاف الأصل، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً وسابعها: ذكر القتيبـي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا، و: أيس، أي موجود قال ولذلك يقولون: أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب، قال وذكر الخليل أن {لَّيْسَ } كلمة جحود معناها: لا أيس، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام، والدليل عليه قول العرب: ائتني به من حيث أيس وليس، ومعناه: من حيث هو ولا هو وثامنها: الإستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر، وهذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلاً، فإن قيل: ينتقض قولكم بقوله: نفى زيداً وأعدمه، قلنا: قولك نفى زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها، فلم يكن السؤال وارداً، وأما القائلون بأن {لَّيْسَ } فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن {لَّيْسَ } قد يجيء لنفي الماضي كقولهم: جاءني القوم ليس زيداً، وعن الثاني أنه منقوض بقولهم: أخذ يفعل كذا وعن الثالث: أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة وعن الرابع: أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة وعن الخامس: أن لك إنما امتنع من قبل أن: ما، للحال {وَلَيْسَ } للماضي، فلا يكون الجمع بينهما وعن السادس: أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل وعن السابع: أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم، وأما قوله: من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن: أن {ليس} مشتق من الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم، وأما قوله: من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن: أن {لَّيْسَ } مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن كانت هذه الجوابات مختلفة. المسألة الثالثة: قرأ حمزة وحفص عن عاصم {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } بنصب الراء، والباقون بالرفع، قال الواحدي: وكلا القراءتين حسن لأن اسم {لَّيْسَ } وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسماً، والآخر خبراً، وحجة من رفع {ٱلْبَرّ } أن اسم {لَّيْسَ } مشبه بالفاعل، وخبرها بالمفعول، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول، ومن نصب {ٱلْبَرّ } ذهب إلى أن بعض النحويين قال: {أن } مع صلتها أولى أن تكون اسم {لَّيْسَ } لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، فكان ههنا اجتمع مضمر ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، وعلى هذا قرىء في التنزيل قوله: {أية : كَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ} تفسير : [الحشر: 12] وقوله: {أية : مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ } تفسير : [الأعراف: 82] {أية : وَمَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } تفسير : [الجاثية: 25] والاختيار رفع البر لأنه روي عن ابن مسعور أنه قرأ: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ بِأَنَّ } والباء تدخل في خبر ليس. المسألة الرابعة: البر اسم جامع للطاعات، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى، ومن هذا بر الوالدين، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } تفسير : [الإنفطار: 13 ـ 14] فجعل البر ضد الفجور وقال: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } تفسير : [المائدة: 2] فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه. المسألة الخامسة: قال القفال: قد قيل في نزول هذه الآية أقوال، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق، فقال الله تعالى: إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها: الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فقولهم: بالتجسيم ولقولهم: بأن عزيراً ابن الله، وأما النصارى، فقولهم: المسيح ابن الله، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: {أية : قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181] وثانيها: الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وقالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر وثالثها: الإيمان بالملائكة، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبرل عليه السلام ورابعها: الإيمان بكتب الله، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى: {أية : وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } تفسير : [البقرة: 85] وخامسها: الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } تفسير : [البقرة: 61] وحيث طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وسادسها: بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود وأخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قال {أية : وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } تفسير : [البقرة: 187] وسابعها: إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنعون الناس منها وثامنها: الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد حيث قال: {أية : أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] وههنا سؤال: وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براً ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول: أن قوله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } نفي لكمال البر وليس نفياً لأصله كأنه قال ليس البر كله هو هذا، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البر الثاني: أن يكون هذا نفياً لأصل كونه براً، لأن استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك، بل كان ذلك إثماً وفجوراً لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث: أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم يقارنه معرفة الله، وإنما يكون براً إذا أتي به مع الإيمان، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر، إلا إذا أتي بها مع الإيمان بالله ورسوله، فأما إذا أتي بها بدون هذا الشرط، فإنها لا تكون من أفعال البر، روي أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا الإستقبال، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين. المسألة السادسة: قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمن بِٱللَّهِ } فيه حذف وفي كفيته وجوه أحدها: ولكن البر بر من آمن بالله، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام كقوله: {أية : وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } تفسير : [البقرة: 93] أي حب العجل، ويقولون: الجود حاتم والشعر زهير، والشجاعة عنترة، وهذا اختيار الفراء، والزجاج، وقطرب، قال أبو علي: ومثل هذه الآية قوله:{أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ } تفسير : [التوبة: 19] ثم قال {أية : كَمَنْ ءامَنَ } تفسير : [التوبة: 19] وتقديره، أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر وفاعل وثانيها: قال أبو عبيدة البر ههنا بمعنى الباء كقوله: {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [طه: 132] أي للمتقين ومنه قوله: {أية : إِنْ أَصْبَحَ مَاؤكم غَوْرًا } تفسير : [الملك: 30] أي غائراً، وقالت الخنساء:شعر : فـإنمـا هـي إقبـال وإدبـار تفسير : أي مقبلة ومدبرة معاً وثالثها: أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم: هم درجات عند الله أي ذووا درجات عن الزجاج ورابعها: التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل. واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه: ولكن البر الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن بالله، وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبرَّ } بفتح الباء، وقرأ نافع وابن عامر {وَلَـٰكِنِ } مخففة {ٱلْبر } بالرفع، والباقون {لَكِنِ } مشددة {ٱلْبَرّ } بالنصب. المسألة السابعة: اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراً الأول: الإيمان بأمور خمسة أولها: الإيمان بالله، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه، وكونه عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل الممكنات حياً مريداً سمعياً بصيراً متكلماً، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، وهذا الإيمان مفرع على الأول، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر وثالثها:الإيمان بالملائكة ورابعها: الإيمان بالكتب وخامسها: الإيمان بالرسل، وههنا سؤالات: السؤال الأول: إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل؟. الجواب: أن الأمل وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا، إلا أن ترتيب الوجود على العكس من ذلك، لأن الملك يوجد أولاً، ثم يحصل بواسطة تبليغة نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول، فالمراعي في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي، لا ترتيب الاعتبار الذهني. السؤال الثاني: لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة؟ الجواب: لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به، فقد دخل تحت الإيمان بالله: معرفته بتوحيده وعدله وحكمته، ودخل تحت اليوم الآخر: المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد، إلى سائر ما يتصل بذلك، ودخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الكتاب القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم، وصحة شرائعهم، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به إلا دخل تحت هذه الآية، وتقرير آخر: وهو أن للمكلف مبدأ ووسطاً ونهاية، ومعرفة المبدأ والمنتهي هو المقصود بالذات، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب، والموحى إليه وهي الرسول؟ السؤال الثالث: لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح، وهو إيتاء المال، والصلاة، والزكاة. الجواب: للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح، الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله: {وآتى المال على حبه } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: {عَلَىٰ حُبّهِ } إلى ماذا يرجع؟ وذكروا فيه وجوهاً الأول: وهو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال، والتقدير: وآتى المال على حب المال، قال ابن عباس وابن مسعود: وهو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وهذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت، والعقل يدل على ذلك أيضاً من وجوه أحدها: أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] وثانيها: أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت وثالثها: أن إعطاءه حال الصحة أشق، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني ورابعها: أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعاً وراغباً فكذا ههنا وخامسها: أنه متأيد بقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] وقوله: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ } تفسير : [الإنسان: 80] أي على حب الطعام، وعن أبـي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعدما شبع» تفسير : . القول الثاني: أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل: يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله. القول الثالث: أن الضمير عائد على اسم الله تعالى، يعني يعطون المال على حب الله أي على طلب مرضاته. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم: إنها الزكاة وهذا ضعيف وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا، فثبت أن المراد به غير الزكاة، ثم إنه لا يخلوا إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات، لا جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } وقف التقوى عليه، ولو كان ذلك ندباً لما وقف التقوى عليه، فثبت أن هذا الإيتاء، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ثم فيه قولان: القول الأول: أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر، ومما يدل على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : لايؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره طاو إلى جنبه»تفسير : وروي عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقاً سوى الزكاة، ثم تلت {وآتى المال على حبه} وحكي عن الشعبـي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته فهل عليه شيء سواه؟ فقال: نعم يصل القرابة، ويعطي السائل، ثم تلا هذه الآية، وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة، وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب، واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق. والجواب: من وجوه الأول: أنه معارض بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : في المال حقوق سوى الزكاة» تفسير : وقول الرسول أولى من قول علي الثاني: أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال الثالث: المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة، أما الذي لا يكون مقدراً فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة، ويلزم النفقة على الأقارب، وعلى المملوك، وذلك غير مقدر، فإن قيل: هب أنه صح هذا التأويل لكن ما الحكمة في هذا الترتيب؟ قلنا فيه وجوه أحدها: أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريباً فهو أولى بالصدقة من غيره من حيث أنه يكون ذلك جامعاً بين الصلة والصدقة، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه وذلك يستحق به الإرث ويحجر بسببه على المالك في الوصية، حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } تفسير : [آل عمران: 180] الآية، وإن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند بعضهم، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى، ثم أتبعه تعالى باليتامى، لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم، ثم ذكر ابن السبيل إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله، ثم ذكر السائلين وفي الرقاب لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره وثانيها: أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه الفرق تقوى وتضعف، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة حاجة من يقرب إليه أقرب، ثم بحاجة الأيتام، ثم بحاجة المساكين، ثم على هذا النسق وثالثها: أن ذا القربى مسكين، وله صفة زائدة تخصه لأن شدة الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى، ثم باليتامى، وأخر المساكين لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما فأما ابن السبيل فقد يكون غنياً، وقد تشتد حاجته في الوقت، والسائل قد يكون غنياً ويظهر شدة الحاجة وأخر المكاتب لأن إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة. القول الثاني:أن المراد بإيتاء الماء ما روي أنه عليه الصلاة والسلام عند ذكره للإبل قال: «حديث : إن فيها حقاً»تفسير : هو إطراق فحلها وإعارة ذلولها، وهذا بعيد لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والسائل والمكاتب. القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجباً، ثم إنه صار منسوخاً بالزكاة، وهذا أيضاً ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة. المسألة الثالثة: أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل والغنيمة والأكثرون من المفسرين على ذوي القربى للمعطين، وهو الصحيح لأنهم به أخص، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [النور: 22]. واعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدين، فلا وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن المحرمية حكم شرعي أما القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب وإن كان من يختص بذلك يتفاضل ويتفاوت في القرب والبعد، أما اليتامى ففي الناس من حمله على ذوي اليتامى، قال: لأنه لا يحسن من المتصدق أن يدفع المال إلى اليتيم الذي لا يميز ولا يعرف وجوه منافعه، فإنه متى فعل ذلك يكون مخطئاً بل إذا كان اليتيم مراهقاً عارفاً بمواقع حظه، وتكون الصدقة من باب ما يؤكل ويلبس ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه، هذا كله على قول من قال: اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر، وعند أصحابنا هذا الإسم قد يقع على الصغير وعلى البالغ والحجة فيه قوله تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 20] ومعلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا بلغوا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى: يتيم أبـي طالب بعد بلوغه، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغاً دفع المال إليه، وإلا فيدفع إلى وليه، وأما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في سورة التوبة والذي نقوله هنا: إن المساكين أهل الحاجة، ثم هم ضربان منهم من يكف عن السؤال وهو المراد ههنا، ومنهم من يسأل وينبسط وهو المراد بقوله: {وَٱلسَّائِلِينَ } وإنما فرق تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله، وليس كذلك السائل لأنه بمسألته يعرف فقره وحاجته، وأما ابن السبيل فروي عن مجاهد أنه المسافر، وعن قتادة أنه الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل، والأول أشبه لأن السبيل اسم للطريق وجعل المسافر ابناً له للزومه إياه كما يقال لطير الماء: ابن الماء ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون: ابن الأيام. وللشجعان: بنو الحرب. وللناس: بنو الزمان. قال ذو الرمة:شعر : وردت عشاء والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلق تفسير : وأما قوله: {وَٱلسَّائِلِينَ } فعني به الطالبين، ومن جعل الآية في غير الزكاة أدخل في هذه الآية المسلم والكافر، روى الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : للسائل حق حتى ولو جاء على فرس» تفسير : وقال تعالى: {أية : فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تفسير : [المعارج: 24]. أما قوله: {وَفِي ٱلرّقَابِ } ففيه مسألتان. المسألة الأولى: {ٱلرّقَابِ } جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق، واشتقاقها من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا المعنى يقال: أعتق الله رقبته ولا يقال أعتق الله عنقه، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها: رقوب، لأجل مراعاتها موت ولدها. المسألة الثانية: معنى الآية: ويؤتي المال في عتق الرقاب، قال القفال: واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات، فقال قائلون: إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة، وقال قائلون: لا يجوز صرف الزكاة إلا في اعانة المكاتبين، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعاً، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأسارى. واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة التوبة في تفسير الصدقات. الأمر الثالث: من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة } وذلك قد تقدم ذكره. الأمر الرابع: قوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في رفع والموفون قولان أحدها: أنه عطف على محل {من آمن} تقديره لكن البر المؤمنون والموفون، عن الفراء والأخفش الثاني: رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهم الموفون. المسألة الثانية: في المراد بهذا العهد قولان الأول: أن يكون المراد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده، والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال: {أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} تفسير : [البقرة: 40] فكان المعنى في هذه الأية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه، واعترض القاضي على هذا القول وقال: إن قوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ } صريح في إضافة هذا العهد إليهم، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {إِذَا عَـٰهَدُواْ } فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى. الجواب عنه: أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام والتزموه، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم. القول الثاني: أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه. واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين رسول الله، أو بينه وبين سائر الناس أما الذي بينه وبين الله فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان، وأما الذي بينه وبين رسول الله فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم، وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة، فقوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ } يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر المفسرون فقالوا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، ومنهم من حمله على قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ } تفسير : [التوبة: 75] الآية. الأمر الخامس: من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى: {وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَاء وٱلضَّرَّاء وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} [البقرة: 177] وفيه مسائل: المسألة الأولى: في نصب الصابرين أقوال. الأول: قال الكسائي هو معطوف على {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ } كأنه قال: وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين: قال النحويون: إن تقدير الآية يصير هكذا: ولكن البر من آمن بالله وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين، فعلى هذا قوله: {وَٱلصَّـٰبِرِينَ } من صلة من قوله: {وَٱلْمُوفُونَ } متقدم على قوله: {وَٱلصَّـٰبِرِينَ } فهو عطف على {مِنْ } فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئاً، وهذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه، أما إن جعلت قوله: {وَٱلْمُوفُونَ } رفعاً على المدح، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى. فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل: إن زيداً فافهم ما أقول رجل عالم، وكقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } تفسير : [الكهف: 30] ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ } ففصل بين المتبدأ والخبر بقوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ } قلنا: الموصول مع الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ والخبر، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة. القول الثاني: قول الفراء: إنه نصب على المدح، وإن كان من صفة من، وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد، وأنشد الفراء:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وقالوا فيمن قرأ: {أية : حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } تفسير : [المسد:4] بنصب {حَمَّالَةَ } أنه نصب على الذم، قال أبو علي الفارسي: وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً.، وجملة واحدة. ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لم صارا علتين لاختلاف الحركة؟ فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد فربما أثنى السامع على زيد، وقال ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، أي هو والله الظريف هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع، فجرى الإعراب على ذلك، وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى أعني الظريف، وأنكر الفراء ذلك لوجهين الأول: أن أعني إنما يقع تفسيراً للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف الثاني:أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقول: قام زيد أخاك، على معنى: أعني أخاك، وهذا مما لم تقله العرب أصلاً. واعلم أن من الناس من قرأ {والموفين، وَٱلصَّـٰبِرِينَ } ومنهم من قرأ {وَٱلْمُوفُونَ، والصابرون }. أما قوله: { فِى ٱلْبَأْسَاء } قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس {وَٱلضَّرَّاء } قال: يريد به المرض، وهما اسمان على فعلاء ولا أفعل لهما، لأنهما ليسا بنعتين {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد القتال في سبيل الله والجهاد، ومعنى البأس في اللغة الشدة يقال: لا بأس عليك في هذا، أي لا شدة {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } تفسير : [الأعراف: 165] شديد ثم تسمى الحرب بأساً لما فيها من الشدة والعذاب يسمى بأساً لشدته قال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 84] {أية : فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } تفسير : [الأنبياء: 12] {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } تفسير : [غافر: 29]. ثم قال تعالى: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا } أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم، وذكر الواحدي رحمه الله في آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائماً بالبر، إلا عند استجماع هذه الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام، لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال آخرون: هذه عامة في جميع المؤمنين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.

القرطبي

تفسير : . فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ} ٱختلِف من المراد بهذا الخطاب؛ فقال قتادة: ذُكر لنا أن رجلاً سأل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية. قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إلٰه إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؛ ثم مات على ذلك وجبت له الجنة؛ فأنزل الله هذه الآية. وقال الربيع وقتادة أيضاً: الخطاب لليهود والنصارى لأنهم ٱختلفوا في التوجّه والتَّولّي؛ فاليهود إلى المغرب قِبَل بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس؛ وتكلّموا في تحويل القبلة وفضّلت كل فرقة توليتها؛ فقيل لهم: ليس البر ما أنتم فيه، ولكن البر من آمن بالله. الثانية: قرأ حمزة وحفص «البِرَّ» بالنصب، لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر؛ فلما وقع بعد «ليس»: «البِرّ» نصبه؛ وجعل «أن تُوَلُّوا» الاسمِ، وكان المصدر أولى بأن يكون ٱسماً لأنه لا يتنكّر، والبرّ قد يتنكّر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون «البِرُّ» بالرفع على أنه ٱسم ليس، وخبره «أن تُوَلُّوا»، تقديره: ليس البرّ توليتكم وجوهكم؛ وعلى الأوّل ليس توليتكم وجوهكم البرّ، كقوله:{أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الجاثية: 25]، {أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ} تفسير : [الروم: 10] {أية : فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [الحشر: 17] وما كان مثله. ويقوّي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعاً في قوله: {أية : وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}تفسير : [البقرة: 189] ولا يجوز فيه إلا الرفع؛ فحملُ الأوّل على الثاني أوْلى من مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أُبَيّ بالباء «لَّيْسَ ٱلْبِرَّ بأَن تُوَلُّواْ» وكذلك في مصحف ٱبن مسعود أيضاً؛ وعليه أكثر القراء، والقراءتان حسنتان. الثالثة: قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} البر ها هنا ٱسم جامع للخير، والتقدير: ولكن البرّ برُّ من آمن؛ فحذف المضاف؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82]، {أية : وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} تفسير : [البقرة: 93] قاله الفرّاء وقُطْرُب والزجاج. وقال الشاعر:شعر : فإنما هي إقبالٌ وإدبار تفسير : أي ذات إقبال وذات إدبار. وقال النابغة:شعر : وكيف تُواصل من أصبحتْ خِلاَلته كأبِي مَرْحَبِ تفسير : أي كخلالة أبي مَرْحب؛ فحذف. وقيل: المعنى ولكنّ ذا البر؛ كقوله تعالى: {أية : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 163] أي ذوو درجات. وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفُرضت الفرائض وصُرفت القبلة إلى الكعبة وحُدّت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البر كله أن تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر ـ أي ذا البر ـ من آمن بالله، إلى آخرها؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضاً. ويجوز أن يكون «البر» بمعنى البارّ والبَرّ، والفاعل قد يُسمَّى بمعنى المصدر؛ كما يقال: رجل عَدْل، وصَوْم وفِطْر. وفي التنزيل: {أية : إن أصبح ماؤكم غوراً}تفسير : [الملك: 30] أي غائراً؛ وهذا ٱختيار أبي عبيدة. وقال المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت «وَلَـٰكِنَّ ٱلْبَرَّ» بفتح الباء. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ} فقيل: يكون «الموفون» عطفاً على «مَن» لأن من في موضع جمع ومحل رفع؛ كأنه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون؛ قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أوّل الكلام، وينصبونه. فأمّا المدح فقوله: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء: 162]. وأنشد الكسائي:شعر : وكلُّ قومٍ أطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهم إلا نُميراً أطاعت أَمْرَ غاوِيها الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحدا والقائلون لِمَنْ دارٌ نُخلِّيها تفسير : وأنشد أبو عبيدة:شعر : لا يَبْعَدن قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ النازلين بكل مُعْتَرَكٍ والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ تفسير : وقال آخر:شعر : نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل تفسير : فنصب على المدح. وأمّا الذّم فقوله تعالى: {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ} تفسير : [الأحزاب: 61] الآية. وقال عُرْوَة بن الوَرْد:شعر : سَقَوْني الخمر ثم تَكَنَّفُوني عُدَاةَ اللَّهِ من كَذِب وزورِ تفسير : وهذا مَهْيَع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بيّنا. وقال بعض من تعسّف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام؛ قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لَحْناً وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء «أية : والْمُقِيمينَ الصَّلاَةَ»تفسير : [النساء: 162]، وفي سورة المائدة {أية : وَٱلصَّابِئُونَ} تفسير : [المائدة: 69]. والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون. وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على «ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط بيّن؛ لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «مَن» فقد نسقت على «مَن» مِن قبل أن تتم الصلة، وفرّقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي قراءة عبد اللَّه «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد اللَّه في النساء {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [النساء: 162]. وقرأ يعقوب والأعمش «والموفون والصابرون» بالرفع فيهما. وقرأ الجَحْدَرِيّ «بعهودهم». وقد قيل: إن «والمُوفُون» عطف على الضمير الذي في «آمن». وأنكره أبو عليّ وقال: ليس المعنى عليه؛ إذ ليس المراد أن البرِّ بِرّ من آمن بالله هو والموفون؛ أي آمنا جميعاً. كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو؛ وإنما الذي بعد قوله «من آمن» تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم. الخامسة: قال علماؤنا: هذه آية عظيمة من أمّهات الأحكام؛ لأنها تضمّنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته ـ وقد أتينا عليها في «الكتاب الأسنى» ـ والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار ـ وقد أتينا عليها في كتاب «التذكرة» ـ والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله ـ كما تقدّم ـ والنبّيين وإنفاق المال فيما يَعِنّ من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقّد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك، ومراعاة ٱبن السبيل ـ قيل المنقطع به، وقيل: الضيف ـ والسّؤال وفكّ الرقاب. وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد. وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب. وتقدّم التنبيه على أكثرها، ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وٱختلف هل يُعطَى اليتيم من صدقة التّطوع بمجرّد اليُتْم على وجه الصلة وإن كان غنياً، أو لا يعطى حتى يكون فقيراً؛ قولان للعلماء. وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة، على ما نبيّنه آنفاً. السادسة: قوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} ٱستدلّ به من قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة وبها كمال البِرّ. وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والأوّل أصح؛ لما خرّجه الدّارقطْني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن في المال حقاً سوى الزكاة»تفسير : ثم تلا هذه الآية {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} إلى آخر الآية. وأخرجه ٱبن ماجه في سُننه والترمذي في جامعه وقال: «هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعَّف. وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح». قلت: والحديث وإن كان فيه مقال فقد دلّ على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك دليل على أن المراد بقوله: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان يكون تكراراً، والله أعلم. وٱتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن ٱستغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضاً، وهو يقوّي ما ٱخترناه، والموفّق الإلٰه. السابعة: قوله تعالى: {عَلَىٰ حُبِّهِ} الضمير في {حُبِّهِ} ٱختلف في عوده؛ فقيل: يعود على المعطي للمال، وحذف المفعول وهو المال. ويجوز نصب «ذَوِي القُرْبَى» بالحُبّ، فيكون التقدير على حبّ المعطي ذوي القربى. وقيل: يعود على المال، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول. قال ٱبن عطية: ويجيء قوله {عَلَىٰ حُبِّه} ٱعتراضاً بليغاً أثناء القول. قلت: ونظيره قوله الحق: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً} تفسير : [الإنسان: 8] فإنه جمع المعنيين، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول؛ أي على حب الطعام. ومن الاعتراض قوله الحق: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ}تفسير : [النساء: 124] وهذا عندهم يسمى التتميم، وهو نوع من البلاغة، ويُسمَّى أيضاً الاحتراس والاحتياط، فتمّم بقوله «عَلَىٰ حُبِّهِ» وقوله: {أية : وَهُوَ مْؤْمِنٌ}تفسير : [النساء: 124]؛ ومنه قول زهير:شعر : مَن يَلْقَ يوماً على عِلاّته هَرِماً يَلق السَّماحةَ منه والنّدَى خُلُقَا تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : على هَيكل يُعطيك قبل سؤاله أفانينَ جَرْيٍ غير كَزٍّ ولا وَانِ تفسير : فقوله: «على علاته» و «قبل سؤاله» تتميم حسن؛ ومنه قول عنترة:شعر : أَثنى عليّ بما علمتِ فإنني سَهلٌ مخالفتي إذا لم أُظْلَم تفسير : فقوله: «إذا لم أُظلم» تتميم حَسَن. وقال طَرَفة:شعر : فَسقى ديارَك غيرَ مفسِدها صوبُ الربيع ودِيمةٌ تَهْمِي تفسير : وقال الربيع بن ضَبع الفَزَاريّ:شعر : فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل ٱمرىء إلا أحاديثه فان تفسير : فقوله: «غير مفسدها»، و «إلا أحاديثه» تتميم وٱحتراس. وقال أبو هفّان:شعر : فأفنى الرّدى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب تفسير : فقوله: «غير ظالم»، و «غير عائب» تتميم وٱحتياط، وهو في الشعر كثير. وقيل: يعود على الإيتاء؛ لأن الفعل يدل على مصدره، وهو كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ}تفسير : [آل عمران: 180] أي البخل خيراً لهم، فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم. وقيل: يعود على ٱسم الله تعالى في قوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}. والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء. الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس. {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ} البأساء: الشدّة والفقر. والضّراء: المرض والزّمانة؛ قاله ٱبن مسعود. وقال عليه السلام: «حديث : يقول الله تعالى أيّما عبدٍ من عبادي ٱبتليته ببلاء في فراشه فلم يَشْك إلى عوّاده أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب» قيل: يا رسول الله، ما لحمٌ خيرٌ من لحمه؟ قال: «لحم لم يُذنب» قيل: فما دَمٌ خير من دمه؟ قال: «دم لم يذنب»تفسير : . والبأساء والضراء ٱسمان بُنيا على فعلاء، ولا فعل لهما؛ لأنهما ٱسمان وليسا بنعت. {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي وقت الحرب. قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها، وأنهم كانوا جادّين في الدِّين؛ وهذا غاية الثناء. والصدق: خلاف الكذب. ويقال: صَدَقُوهم القتال. والصِّدّيق: الملازم للصدق؛ وفي الحديث: «حديث : عليكم بالصدق فإن الصدق يَهدي إلى البِرّ وإن البِرّ يَهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يَصْدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقاً»

ابن كثير

تفسير : اشتملت هذه الآية على جمل عظيمة وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عامر بن شفي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ فتلا عليه: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} إلى آخر الآية، قال: ثم سأله أيضاً، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: «حديث : إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك»تفسير : وهذا منقطع، فإن مجاهداً لم يدرك أبا ذر، فإنه مات قديماً، وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألتني عنه، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده: «حديث : المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها»تفسير : ورواه ابن مردويه، وهذا أيضا منقطع،والله أعلم. وأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولاً بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجّه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: {أية : لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ}تفسير : [الحج: 37] وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها، وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك، وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} يقول: هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله؛ وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله عز وجل، وقال الضحاك: ولكن البر والتقوىٰ أن تؤدوا الفرائض على وجوهها. وقال الثوري: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ} الآية قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق رحمه الله، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله، وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله (والكتاب) وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: {وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} أي: أخرجه، وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر»تفسير : وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : {وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ}: أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر»تفسير : ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، (قلت): وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفاً، وهو أصح، والله أعلم، وقال تعالى:{أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً}تفسير : [الإنسان: 8 ـ 9] وقال تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران: 92] وقوله: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9] نمط آخر أرفع من هذا، وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له. وقوله: {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ} وهم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطي من الصدقة؛ كما ثبت في الحديث: «حديث : الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك»تفسير : وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز {وَالْيَتَـٰمَىٰ} هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر، عن الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يتم بعد حلم»تفسير : {وَٱلْمَسَـٰكِينِ} وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه»تفسير : ، {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطىٰ ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفراً في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان {وَٱلسَّآئِلِينَ} وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها ـ قال عبد الرحمن حسين بن علي ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : للسائل حق وإن جاء على فرس»تفسير : رواه أبو داود {وَفِي ٱلرِّقَابِ} وهو المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة إن شاء الله تعالى، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك عن أبي حمزة عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا علي: {وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد، كلاهما عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في المال حق سوى الزكاة»تفسير : ثم قرأ: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} ـ إلى قوله ـ {وَفِي ٱلرِّقَابِ} وأخرجه ابن ماجه والترمذي، وضعف أبا حمزة ميموناً الأعور، وقد رواه سيار وإسماعيل بن سالم عن الشعبي، وقوله: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي، وقوله: {وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ} يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة كقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9 ـ 10] وقول موسى لفرعون: {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ}تفسير : [النازعات: 18 ـ 19] وقوله تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ}تفسير : [فصلت: 6 ـ 7] ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال، كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع والبر والصلة، ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: «حديث : أن في المال حقاً سوى الزكاة»تفسير : والله أعلم. وقوله: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ}، كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ}تفسير : [الرعد: 20] وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث: «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»تفسير : وفي الحديث الآخر:«حديث : وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر،وإذا خاصم فجر»تفسير : وقوله: {وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، وقاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك وغيرهم، وإنما نصب {ٱلصَّـٰبِرِينَ} على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال؛ لشدته وصعوبته. والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان، وقوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا}، أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذا الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} لأنهم اتقوا المحارم، وفعلوا الطاعات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } في الصلاة {قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } نزل ردّاً على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك {وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ } أي ذا البر وقرىء بفتح الباء أي البار {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلَئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ } أي الكتب {وَٱلنَّبِيّينَ وَءاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ } مع {حُبّهِ } له {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ } القرابة {وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المسافر {وَٱلسَّائِلِينَ } الطالبين {وَفِى } فك {ٱلرّقَابِ } المكاتبين والأسرى {وَأَقَامَٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَٰوةَ} المفروضة وما قبله في التطّوع {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُواْ } الله أو الناس {وَٱلصَّٰبِرِينَ } نصب على المدح {فِى ٱلْبَأْسَاءِ } شدّة الفقر {وَٱلضَّرَّاء } المرض {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } وقت شدّة القتال في سبيل الله {أُوْلَٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر {ٱلَّذِينَ صَدَقُوا } في إيمانهم أو ادّعاء البر {وَأُولَئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } الله.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } قرأ حمزة، وحفص بالنصب على أنه خبر ليس، والاسم: {أَن تُوَلُّواْ } وقرأ الباقون بالرفع على أنه الاسم. قيل: إن هذه الآية نزلت للردّ على اليهود، والنصارى، لما أكثروا الكلام في شأن القبلة عند تحويل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وقيل: إن سبب نزولها أنه سأل رسول الله سائل، وسيأتي ذلك آخر البحث إن شاء الله. وقوله: {قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } قيل: أشار سبحانه بذكر المشرق إلى قبلة النصارى؛ لأنهم يستقبلون مطلع الشمس، وأشار بذكر المغرب إلى قبلة اليهود؛ لأنهم يستقبلون بيت المقدس، وهو: في جهة الغرب منهم إذ ذاك. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ } هو: اسم جامع للخير، وخبره محذوف تقديره: برّ من آمن. قاله الفراء وقطرب والزجاج. وقيل: إن التقدير: ولكن ذو البر من آمن، ووجه هذا التقدير: الفرار عن الإخبار باسم العين عن اسم المعنى، ويجوز أن يكون البرّ بمعنى البار، وهو يطلق المصدر على اسم الفاعل كثيراً، ومنه في التنزيل: {أية : إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } تفسير : [الملك: 30] أي: غائراً، وهذا اختيار أبي عبيدة. والمراد بالكتاب هنا: الجنس، أو القرآن، والضمير في قوله: {عَلَىٰ حُبّهِ } راجع إلى المال، وقيل: راجع إلى الإيتاء المدلول عليه بقوله: {وآتى المال} وقيل: إنه راجع إلى الله سبحانه، أي: على حبّ الله، والمعنى على الأوّل: أنه أعطى المال، وهو يحبه، ويشح به، ومنه قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92] والمعنى على الثاني: أنه يحب إيتاء المال، وتطيب به نفسه، والمعنى على الثالث: أنه أعطى من تضمنته الآية في حبّ الله عزّ وجلّ؛ لا لغرض آخر، وهو مثل قوله: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ } تفسير : [الإنسان: 8] ومثله قول زهير:شعر : إن الكريم على علاته هرم تفسير : وقدّم {ذوي القربى} لكون دفع المال إليهم صدقة، وصلة إذا كانوا فقراء، وهكذا اليتامى الفقراء أولى بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى، لعدم قدرتهم على الكسب. والمسكين: الساكن إلى ما في أيدي الناس لكونه لا يجد شيئاً. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المسافر المنقطع، وجعل ابناً للسبيل؛ لملازمته له. وقوله: {وَفِي ٱلرّقَابِ } أي: في معاونة الأرقاء الذين كاتبهم المالكون لهم، وقيل: المراد شراء الرقاب، وإعتاقها، وقيل: المراد فكّ الأسارى. وقوله: {وَاتى ;لزَّكَوٰةَ } فيه دليل على أن الإيتاء المتقدم هو صدقة التطوّع، لا صدقة الفريضة. وقوله: {وَٱلْمُوفُونَ } قيل: هو: معطوف على «من آمن»، كأنه قيل: ولكن البرّ المؤمنون والموفون. قاله الفراء، والأخفش. وقيل: هو مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف. وقيل: هو: خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الموفون. وقيل: إنه معطوف على الضمير في آمن، وأنكره أبو عليّ، وقال: ليس المعنى عليه. وقوله: {وَٱلصَّـٰبِرِينَ } منصوب على المدح كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } تفسير : [النساء: 162] ومنه ما أنشده أبو عبيدة:شعر : لا يَبْعَدن قَومْي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجزُرِ النازِلِين بِكلَ مَعْركَةٍ والطيبين مَعاقـد الأزر تفسير : وقال الكسائي: هو: معطوف على ذوي القربى، كأنه قال: وآتي الصابرين. وقال النحاس: إنه خطأ. قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله: {الموفين والصابرين}. قال النحاس: يكونان على هذه القراءة منسوقين على ذوي القربى، أو على المدح. وقرأ يعقوب والأعمش: "والموفون والصابرون" بالرفع فيهما. و{البأساء} الشدة والفقر، و{ٱلضَّرَّاء } المرض، والزمانة {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } قيل: المراد وقت الحرب، والبأساء، والضراء اسمان بنيا على فَعْلاء ولا فعل لهما؛ لأنهما اسمان، وليسا بنعت. وقوله: {صَدَقُواْ } وصفهم بالصدق، والتقوى في أمورهم، والوفاء بها، وأنهم كانوا جادّين، وقيل المراد: صدقوهم القتال، والأول أولى. وقد أخرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذرّ، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } حتى فرغ منها، ثم سأله أيضاً، فتلاها، ثم سأله، فتلاها، قال: حديث : وإذا عملت بحسنة أحبها قلبك، وإذا عملت بسيئة أبغضها قلبك. تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: جاء رجل إلى أبي ذر فقال: ما الإيمان؟ فتلا عليه هذه الآية، ثم ذكر له نحو الحديث السابق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية قال: يقول ليس البرّ أن تصلوا، ولا تعملوا، هذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة، وأنزلت الفرائض. وأخرج عنه ابن جرير، أنه قال: هذه الآية نزلت بالمدينة، يقول: ليس البرّ أن تصلوا، ولكن البرّ ما ثبت في القلب من طاعة الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البرّ، فأنزل الله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قِبَلَ المغرب، والنصارى قِبَلَ المشرق، فنزلت: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية مثله. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: قال: يعطي، وهو صحيح شحيح يأمل العيش، ويخاف الفقر. وأخرج عنه مرفوعاً مثله، وأخرج البيهقي في الشعب عن المطلب:؛أنه قيل: يا رسول ما آتى المال على حب؟ فكلنا نحبه. قال رسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : تؤتيه حين تؤتيه، ونفسك تحدثك بطول العمر، والفقر»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وآتى المال على حبه} يعني على حب المال. وأخرج عنه أيضاً في قوله: {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ } يعني قرابته. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» تفسير : أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي في سننه من حديث سلمان بن عامر الضبي. وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث زينب امرأة ابن مسعود: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجزي عنها من الصدقة النفقة على زوجها، وأيتام في حجرها؟ حديث : فقال: لك أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة»تفسير : وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من حديث أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح»تفسير : وأخرج أحمد، والدارمي والطبراني من حديث حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: هو الذي يمرّ بك، وهو مسافر، وأخرج ابن جرير، عن عكرمة في قوله: {وَٱلسَّائِلِينَ } قال: السائل الذي يسألك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَفِي ٱلرّقَابِ } قال: يعني فكّ الرقاب. وأخرج عنه أيضاً في قوله: {وأقام الصلاة} يعني وأتمّ الصلاة المكتوبة. {وآتى الزكاة} يعني الزكاة المفروضة وأخرج الترمذي، وابن ماجه، وابن جرير وابن حاتم وابن المنذر، وابن عدي، والدارقطني، وابن مردويه عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : في المال حقّ سوى الزكاة، ثم قرأ: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } الآية"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ } قال: فمن أعطى عهد الله، ثم نقضه، فالله ينتقم منه، ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم غدر بها، فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ } يعني فيما بينهم، وبين الناس. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: {ٱلْبَأْسَاء } الفقر و{ٱلضَّرَّاء } السقم و{حِينَ ٱلْبَأْسِ } حين القتال. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا } قال: فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية، وأخرج ابن جرير، عن الربيع في قوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا } قال: تكلموا بكلام الإيمان، فكانت حقيقة العمل صدقوا الله. قال: وكان الحسن يقول هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل، فلا شيء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وَجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الآية، فيها قولان: أحدهما: أن معناها ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الإيمان مع أداء الفرائض التي فرضها الله، وهذا بعد الهجرة إلى المدينة واستقرار الفروض والحدود، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أن المعنَّي بذلك اليهود والنصارى، لأن اليهود تتوجه إلى المغرب، والنصارى تتوجه إلى المشرق في الصلاة، ويرون ذلك هو البر، فأخبرهم الله عز وجل، أنه ليس هذا وحده هو البر، حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ويفعلوا ما ذَكَرَ، وهذا قول قتادة، والربيع. وفي قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ} قولان: أحدهما: معناه ولكن ذا البر من آمن بالله. والثاني: معناه ولكن البرَّ بِرُّ مَنْ آمن بالله، يعني الإقرار بوحدانيته وتصديق رسله، حكاهما الزَّجَّاجُ. وقوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الآخِرِ} يعني التصديق بالبعث والجزاء. {والْمَلاَئِكَةِ} يعني فيما أُمِروا به، مِنْ كَتْبَ الأعمال، وتولي الجزاء. {وَالْكِتَابِ} يعني القرآن، وما تضمنه من استقبال الكعبة، وأن لا قبلة سواها. {وَالنَّبِيِّينَ} يعني التصديق بجميع الأنبياء، وأن لا يؤمنوا ببعضهم ويكفروا ببعض. {وَءَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ} يعني على حب المال. قال ابن مسعود: أن يكون صحيحاً شحيحاً يطيل الأمل ويخشى الفقر. وكان الشعبي يروي عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنَّ فِي المَالِ حَقاً سِوَى الزَّكَاةِ" تفسير : وتلا هذه الآية {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وَجُوهَكُمْ} إلى آخرها، فذهب الشعبي والسدي إلى إيجاب ذلك لهذا الخبر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: "حديث : جُهْدٌ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْكَاشِحِ ". تفسير : وذهب الجمهور إلى أنْ ليس في المال حق سوى الزكاة وأن ذلك محمول عليها أو على التطوع المختار. وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} يريد قرابة الرجل من طرفيه من قِبَل أبويه، فإن كان ذلك محمولاً على الزكاة، روعي فيهم شرطان: أحدهما: الفقر. والثاني: سقوط النفقة. وإن كان ذلك محمولاً على التطوع لم يعتبر واحد منهما، وجاز مع الغنى والفقر، ووجوب النفقة وسقوطها، لأن فيهم مع الغنى صلة رحم مبرور. {والْيَتَامَى} وهم من اجتمع فيهم شرطان: الصغر وفقد الأب، وفي اعتبار الفقر فيهم قولان كالقرابة. {وَالْمَسَاكِينَ} وهم من عُدِمَ قدرُ الكفاية وفي اعتبار إسلامهم قولان: {وابْنَ السَّبِيلِ} هم فقراء المسافرين {والسَّائِلِينَ وهم الذين ألجأهم الفقر إلى السؤال. {وَفِي الِّرقَابِ} وفيهم قولان: أحدهما: أنهم عبيد يعتقون، وهو قول الشافعي رحمه الله. والثاني: أنهم مُكَاتَبُونَ يعانون في كتابتهم بما يعتقدون، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. {وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} يعني إلى الكعبة على شروطها وفي أوقاتها. {وآتَى الزَّكَاةَ} يعني إلى مستحقها عند وجوبها. {وَالْمُوفُونَ بِعَهدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا} وذلك من وجهين: أحدهما: النذور التي بينه وبين الله تعالى. والثاني: العقود التي بينه وبين الناس، وكلاهما يجب عليه الوفاء به. {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} قال ابن مسعود: البأساء الفقر، والضراء السقم. {وَحِينَ الْبَأْسِ} أي القتال. وفي هذا كله قولان: أحدهما: أنه مخصوص في الأنبياء عليهم السلام لأنه لا يقدر على القيام بهذا كله على شروطه غيرهم. والثاني: أنه عامٌّ، في الناس كلهم لإرسال الكلام وعموم الخطاب. {أولَئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا} فيه وجهان: أحدهما: طابقت نياتهم لأعمالهم. والثاني: صدقت أقوالهم لأفعالهم. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أن تخالف سرائرهم لعلانيتهم. والثاني: أن يحمدهم الناس بما ليس فيهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَّيْسَ الْبِرَّ} الصلاة وحدها، أو خاطب به اليهود والنصارى، لصلاة اليهود إلى الغرب، والنصارى إلى الشرق. {وَلكِنَّ الْبِرَّ} إيمان من آمن، أو برّ من آمن بالله، فأقر بوحدانيته {وَالْمَلآئِكَةِ} بما أُمروا به من كَتْب الأعمال. {وَالْكِتَابِ} القرآن {وَالنَّبِيِّنَ} فلا يكفر ببعضهم ويؤمن ببعض. {عَلَى حُبِّهِ} حب المال فيكون صحيحاً شحيحاً. ذهب الشعبي والسدي إلى وجوب ذلك خارجاً عن الزكاة، فروى الشعبي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في المال حقاً سوى الزكاة وتلا هذه الآية"تفسير : ، والجمهور على أن الآية محمولة على الزكاة، أو على التطوع، وأنه لا حق في المال سوى الزكاة. {ذَوِى الْقُرْبَى} إن حُمل على الزكاة شَرَط فيهم الأوصاف المعتبرة في الزكاة وإن حُمل على التطوع فلا. {وَالْيَتَامَى} كل صغير لا أب له، وفي اعتبار فقرهم قولان. {وَالْمَسَاكِينَ} مَنْ عُدِم قدر الكفاية. وفي اعتبار إسلامهم قولان. {وَابْنَ السَّبِيلِ} فقراء المسافرين. {وَالسَّآئِلِينَ} الذين ألجأهم الفقر إلى السؤال. {وَفِى الرِّقَابِ} المكاتبون أو عبيد يُعتقون. {وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} إلى الكعبة بواجباتها في أوقاتها. {وَءَاتَى الزَّكاةَ} لمستحقها. {بِعَهْدِهِمْ} بنذرهم لله تعالى، أو العقود التي بينهم وبين الناس. {الْبَأْسَآءِ} الفقر. {وَالضَّرَّآءِ} السقم. {وَحِينَ الْبأْسِ} القتال. وهذه الأوصاف مخصوصة بالأنبياء لتعذرها فيمن سواهم. أو هي عامة في الناس كلهم.

النسفي

تفسير : {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ } أي ليس البر توليتكم {وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } والخطاب لأهل الكتاب لأن قبلة النصارى مشرق بيت المقدس، وقبلة اليهود مغربه، وكل واحد من الفريقين يزعم أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن البر ليس فيما أنتم عليه فإنه منسوخ {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ } بر {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ } أو ذا البر من آمن والقولان على حذف المضاف والأول أجود. والبر اسم للخير ولكل فعل مرضي. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به بر من آمن وقام بهذه الأعمال. «ليس البر» بالنصب على أنه خبر «ليس» واسمه «أن تولوا»: حمزة وحفص. «ولكن البر»: نافع وشامي. وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت «ولكن البر» وقرىء «ولكن البار». {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي يوم البعث {وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ } أي جنس كتب الله أو القرآن {وَٱلنَّبِيِّينَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} أي على حب الله أو حب المال أو حب الإيتاء يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي القرابة وقدمهم لأنهم أحق. قال عليه الصلاة والسلام:«حديث : صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك صدقة وصلة». تفسير : {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ } والمراد الفقراء من ذوي القربى واليتامى، وإنما أطلق لعدم الإلباس. {وَٱلْمَسَـٰكِينُ } المسكين الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالسكير للدائم السكر {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المسافر المنقطع وهو جنس وإن كان مفرداً لفظاً، وجعل ابناً للسبيل لملازمته له أو الضيف {وَٱلسَّائِلِينَ } المستطعمين {وَفِي ٱلرّقَابِ } وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم أو في الأسارى {وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ } المكتوبة {وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ } المفروضة. قيل: هو تأكيد للأول. وقيل: المراد بالأول نوافل الصدقات والمبار. {وَٱلْمُوفُونَ } عطف على من آمن {بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ } الله والناس {وَٱلصَّـٰبِرِينَ } نصب على المدح والاختصاص إظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. {فِى ٱلْبَأْسَاءِ} الفقر والشدة {وَٱلضَّرَّاءِ} المرض والزمانة {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } وقت القتال {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا } أي أهل هذه الصفة هم الذين صدقوا في الدين {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }. روي أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزل. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ } أي فرض {عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } وهو عبارة عن المساواة وأصله من قص أثره واقتصه إذا اتبعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار {فِي ٱلْقَتْلَى } جمع قتيل. والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} مبتدأ وخبر أي الحر مأخوذ أو مقتول بالحر {وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ } وقال الشافعي رحمه الله: لا يقتل الحر بالعبد لهذا النص وعندنا يجزي القصاص بين الحر والعبد بقوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ }تفسير : [المائدة: 45]. كما بين الذكر والأنثى وبقوله عليه السلام «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم»تفسير : وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به، وبأن تخصيص الحكم بنوع لا ينفيه عن نوع آخر بل يبقى الحكم فيه موقوفاً على ورود دليل آخر وقد ورد كما بينا. {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } قالوا: العفو ضد العقوبة. يقال: عفوت عن فلان إذا صفحت عنه وأعرضت عن أن تعاقبه وهو يتعدى بـ «عن» إلى الجاني وإلى الجناية {أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ }تفسير : (البقرة؛ 52) {أية : وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تفسير : [الشورى: 25] وإذا اجتمعا عدي إلى الأول باللام فتقول «حديث : عفوت له عن ذنبه» تفسير : ومنه الحديث عفوت لكم عن صدقه الخيل والرقيق وقال الزجاج: من عفي له أي من ترك له القتل بالدية. وقال الأزهري: العفو في اللغة الفضل ومنه: {أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ * ٱلْعَفْوَ } تفسير : [البقرة: 219]. ويقال: عفوت لفلان بمال إذا أفضلت له وأعطيته، وعفوت له عما لي عليه إذا تركته. ومعنى الآية عند الجمهور: فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو على أن الفعل مسند إلى المصدر كما في سير بزيد بعض السير والأخ ولي المقتول. وذكر بلفظ الأخوّة بعثاً له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام، ومن هو القاتل المعفو له عما جنى وترك المفعول الآخر استغناء عنه. وقيل: أقيم «له» مقام «عنه» والضمير في «له» و«أخيه» لـــــ من، وفي «إليه» للأخ أو للمتبع الدال عليه فاتباع لأن المعنى فليتبع الطالب القاتل بالمعروف بأن يطالبه مطالبة جميلة، وليؤد إليه المطلوب أي القاتل بدل الدم أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه. وإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفا عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص. ومن فسر «عُفى» بترك جعل «شيء» مفعولاً به، وكذا من فسره بـ «أعطى» يعني أن الولي إذا أعطى له شيء من مال أخيه يعني القاتل بطريق الصلح فليأخذه بمعروف من غير تعنيف، وليؤده القاتل إليه بلا تسويف. وارتفاع اتباع بأنه خبر مبتدأ مضمر أي فالواجب «اتباع» {ذٰلِكَ } الحكم المذكور من العفو وأخذ الدية {تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } فإنه كان في التوراة القتل لا غير، وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير، وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيراً. والآية تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان ولاستحقاق التخفيف والرحمة {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } كلام فصيح لما فيه من الغرابة، إذ القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جـعل ظرفاً للحياة. وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بينة لأن المعنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا فكان القصاص حياة وأي حياة. أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالقصاص من القاتل، لأنه إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين. { يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ } يا ذوي العقول {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } القتل حذراً من القصاص. {كِتَـٰبَ } فرض {عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } أي إذا دنا منه فظهرت أمارته {إِن تَرَكَ خَيْرًا } مالاً كثيراً لما روي عن علي رضي الله عنه إن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه وقال: قال الله تعالى: «إن ترك خيراً». والخير هو المال الكثير وليس لك مال وفاعل كتب {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} وكانت الوصية للوارث في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث كما بيناه في شرح المنار. وقيل: هي غير منسوخة لأنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقرائبه، والإسلام قطع الإرث فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء لحق القرابة ندباً وعلى هذا لا يراد بكتب فرض {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالعدل وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث {حَقّاً } مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } على الذين يتقون الشرك {فَمَن بَدَّلَهُ } فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود {بَعْدَ مَا * سَمِعَهُ } أي الإيصاء {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ } فما إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى له لأنهما بريئان من الحيف {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لقول الموصي {عَلِيمٌ } بجور المبدل {فَمَنْ خَافَ } علم وهذا شائع في كلامهم يقولون أخاف أن ترسل السماء ويريدون الظن الغالب الجاري مجرى العلم {مِن مُّوصٍ } «موصّ»: كوفي غير حفص. {جَنَفًا } ميلاً عن الحق بالخطإ في الوصية {أَوْ إِثْماً } تعمداً للحيف {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } حينئذ لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل، ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم. وقيل: هذا في حال حياة الموصي أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولاً {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ } أي فرض {عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } هو مصدر صام والمراد صيام شهر رمضان {كَمَا كُتِبَ } أي كتابة مثل ما كتب فهو صفة مصدر محذوف {عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } على الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام إلى عهدكم فهو عبادة قديمة، والتشبيه باعتبار أن كل أحد له صوم أيام أي أنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تعبد من كان قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي بالصيام لأن الصيام أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين إذ الصوم شعارهم. وانتصاب {أَيَّامًا } بالصيام أي كتب عليكم أن تصوموا أياماً {مَّعْدُودٰتٍ } موقتات بعدد معلوم أي قلائل وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد لا الكثير {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } يخاف من الصوم زيادة المرض {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } أو راكب سفر {فَعِدَّةٌ } فعليه عدة أي فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره، والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم أياماً معدودة مكانها {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } سوى أيام مرضه وسفره. وأخر لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام لأن الأصل في «فعلى» صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام كالكبرى والكبر والصغرى والصغر {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر لهم إن أفطروا {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } نصف صاع من بر أو صاع من غيره، فـ «طعام» بدل من «فدية». «فدية طعام مساكين». مدني وابن ذكوان. وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه». ولهذا كرر قوله: «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر». لأنه لما كان مذكوراً مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم. وقيل: معناه لا يطيقونه فأضمر «لا» لقراءة حفصة كذلك وعلى هذا لا يكون منسوخاً. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فزاد على مقدار الفدية { فهو خيرٌ لّه} فالتطوع أو الخير خير له يطوع بمعنى يتطوع: حمزة وعلي {وَأَن تَصُومُواْ } أيها المطيقون {خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية وتطوع الخير وهذا في الابتداء. وقيل: وأن تصوموا في السفر والمرض خير لكم لأنه أشق عليكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } شرط محذوف الجواب. {شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأ خبره {ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } أي ابتدىء فيه إنزاله وكان في ليلة القدر أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى: «كتب عليكم الصيام» وهو بدل من الصيام أو خبر مبتدأ محذوف أي هو شهر. والرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته، ولأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: ما وجه ما جاء في الحديث «من صام رمضان إيماناً واحتساباً» مع أن التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً؟ قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس. «القران» حيث كان غير مهموز: مكي. وانتصب {هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } على الحال أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل، ذكر أولاً أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر. و«الشهر» منصوب على الظرف وكذا الهاء في «ليصمه» ولا يكون مفعولاً به لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } «فعدة» مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه عدة أي صوم عدة {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ } حيث أباح الفطر بالسفر والمرض {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } ومن فرض الفطر على المريض والمسافر حتى لو صاما تجب عليهما الإعادة فقد عدل عن موجب هذا {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } عدة ما أفطرتم بالقضاء إذا زال المرض والسفر، والفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره لتعلموا ولتكملوا العدة {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر. فقوله:« لتكملوا» علة الأمر بمراعاة العدة و«لتكبروا» علة ما علم من كيفية القضاء والخروج من عهدة الفطر «ولعلكم تشكرون» علة الترخيص وهذا نوع من اللف اللطيف المسلك. وعدي التكبير بـ «على» لتضمنه معنى الحمد كأنه قيل: لتكبروا الله أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه. و«لتكمّلوا» بالتشديد: أبو بكر. ولما قال إعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ نزل {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } علماً وإجابة لتعاليه عن القرب مكاناً {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } «الداعي» «دعاني» في الحالين: سهل ويعقوب، ووافقهما أبو عمرو ونافع غير قالون في الوصل. غيرهم بغير ياء في الحالين. ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه، غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة فإجابة الدعوة أن يقول العبد يا رب فيقول الله لبيك عبدي، وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن وقضاء الحاجة إعطاء المراد وذا قد يكون ناجزاً وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد تكون الخيرة له في غيره {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم {وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } واللام فيهما للأمر {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد وهو ضد الغي. كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة.ثم إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي عليه السلام وأخبره بما فعل فقال عليه السلام ما كنت جديراً بذلك فنزل {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ } إي الجماع {إِلَىٰ نِسَائِكُمْ } عدى بـ «إلى» لتضمنه معنى الإفضاء وإنما كنى عنه بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يقل الإفضاء إلى نسائكم استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختياناً لأنفسهم، ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه بقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وقيل: لباس أي ستر عن الحرام، و«هن لباس لكم» استئناف كالبيان لسبب الإحلال وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن فلذا رخص لكم في مباشرتهن {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور {وَعَفَا عَنكُمْ } ما فعلتم قبل الرخصة {فَالـئٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } جامعوهن في ليالي الصوم وهو أمر إباحة وسميت المجامعة مباشرة لالتصاق بشرتيهما {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأبْيَضُ } هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود {مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأسْوَدِ } وهو ما يمتد من سواد الليل شبهاً بخيطين أبيض وأسود لامتدادهما {مِنَ ٱلْفَجْرِ } بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، أو «من» للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله. وقوله «من الفجر» أخرجه من باب الاستعارة وصيره تشبيهاً بليغاً كما أن قولك «رأيت أسداً» مجاز فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيهاً. وعن عدي ابن حاتم قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فنظرت إليهما فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فأخبرت النبي عليه السلام بذلك فقال: إنك لعريض القفا أي سليم القلب لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل. وفي قوله {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي الوصال، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب، وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } معتكفون فيها، بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف. والجملة في موضع الحال، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد {تِلْكَ } الأحكام التي ذكرت {حُدُودُ ٱللَّهِ } أحكامه المحدودة {فَلاَ تَقْرَبُوهَا } بالمخالفة والتغيير {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ } شرائعه {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المحارم. {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم } أي لا يأكل بعضكم مال بعض {بِٱلْبَـٰطِلِ } بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ } ولا تدلوا بها فهو مجزوم داخل في حكم النهي يعني ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام {لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم {فَرِيقاً } طائفة {مّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإثْمِ } بشهادة الزور أو بالأيمان الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم. وقال عليه السلام للخصمين «حديث : إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذون منه شيئاً فإن ما أقضى له قطعة من نار» تفسير : فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي. وقيل: وتدلوا بها وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة. يقال أدلى دلوه أي ألقاه في البئر للاستقاء. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ...}. قال ابن عطية عن ابن عباس (ومجاهد) رضي الله عنهم: الخطاب للمؤمنين أي ليس البر الصلاة وحدها. وعن قتادة والربيع: (الخطاب) لليهود والنصارى. قال ابن عرفة: هو الظاهر لقوله: {قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} والمراد بالمشرق حقيقته لأنّ النّصارى يستقبلون مشرق الشمس، والمراد بالمغرب الأفق لأن اليهود إنما يستقبلون بيت المقدس وهو في جهة المغرب. وفي الآية إيماء لصحة القول بأن المطلوب في القبلة الجهة لا العين. ومعنى "قِبَلَ المَشْرِقِ": عند المشرق وهو مراد الموثقين بقولهم: قبل فلان (لفلان) كذا وكذا دينارا. قال ابن عرفة: ومن لوازم الإيمان بالملائكة الإيمان بعصمتهم وأنهم (أجسام). وصوب المقترح في شرح الإرشاد القول بثبوت الجسمية لهم بالسمع لا بالعقل، كأنه اختار ثبوت الجوهر المفارق سمعا لا عقلا. قوله تعالى: {وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ...}. قوله تعالى: {وَٱلنَّبِيِّينَ...}. قال ابن عرفة: (النبي) أعمّ من الرسول، وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص، فما يلزم من الإيمان بالنبي الإيمان بالرسول فهلا قيل المرسلين؟ والجواب: أن ذلك باعتبار الوصف، لأن وصف النبوة أعم من وصف الرسالة. وترتب الحكم هنا عليهم من حيث ذواتهم لا من حيث أوصافهم، وعرف بالألف واللاّم الدالة على العموم فيدخل في ضمنه الأخص بلا شك فهو كقولك كل حيوان في الدار. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن الإيمان باليوم الآخر والملاَئِكَة وَالكِتَابِ يستلزم الإيمان بالرسول؟ فقال: لايحتاج إلى هذا والجواب ما قلناه. فإن قلت: لم جمع الكل وأفرد ابن السبيل؟ قلنا: لِكثرتهم باعتبار الوجود الخارجي وقلة ابن السبيل، وقرىء {لَيْسَ البِرَّ} بالنصب. قال ابن عرفة: و "أَنْ تُوَلُّوا" اسم ليس إما لكون "أَن" وما بعدها أعرف المعارف أو لأن التولية معلومة والبر مجهول أي ليست التولية برا. قوله تعالى: {وَفِي ٱلرِّقَابِ...}. قوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ...}. قال ابن عرفة: إن قلت: هلا قيل: بعهودهم فهذا أبلغ من الوفاء، فالعهد الواحد لا يستلزم الوفاء (بالعهود) بخلاف العكس؟ فالجواب: أنه يستلزم من ناحية أنّ المكلف إذا عاهد هو وغيره ووفى غيره بالعهود وبِهِ فإنه قد حصل الوفاء بالعهد على الإطلاق بخلاف ما إذا عاهد وحده ولم يوف فإنّه لم يقع في الوجود وفاء بالعهد، فتعظم العقوبة والذم. فإن قلت: ما فائدة قوله {إِذَا عَاهَدُواْ} ولو أسقط لكان الكلام مستقلاّ صحيحا؟ فالجواب عن ذلك: أنّه أفاد سرعة الوفاء فالعهد به (يعقب) العهد منهم فهُم بنفس أن يعاهدوا يبادرون إلى الوفاء بالعهد. قوله تعالى: {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ...}. البَأْسَاءُ هو الفقر، والضَّرّاءُ هو المرض، وحين البأس أي حين القتال وهذا ترق، لأن وقوع الفقر والحاجة (في) الناس أكثر من وقوع القتال فالصبّر على القتال أشد لغرابته، وقلة وقوعه، ودونه الصبر على المرض ودونه الصبر على الفقر، ولهذا تجد الفقراء الأصحاء أكثر عددا من المرضى، والمرضى أكثر عددا من الفرسان المقاتلين. فإن قلت: لم قال "في البأساء" فعداه بفي ولم يقل وفي البأس وكان يقال: والصابرين حين البأساء وحين الضراء؟ فالجواب عن ذلك: أنه لما كان وقوع القتال أقلها وجودا بالنسبة إلى غيره كان الصبر عليه أغرب وأعجب فالمراد بالصابرين من حصل الوصف الكامل من الصبر ولو عدي بفي لتناول من حصل منه مطلق الصبر، وهو الصابر في أول جزء من أجزاء القتال لأنه حينئذ يصدق بأول جزء، فقيل: "وَحِينَ البَأْسِ" (ليفيد) كمال الصبر من أول القتال إلى آخره وأما الفقر والمرض فكلاهما أكثري الوقوع فلا غرابة فيهما فلم يحتج إلى التنبيه على كمال الصبر فيه. قال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه: "الصبر رأس كل عبادة وإذا ذهب رأس الشيء ذهب ذلك الشيء". وذكر بعضهم أن العهد يكون بالقول وبالفعل كمن يحدث حديثا وهو مترقب (لمن) يسمعه فهذا كالعهد في عدم نقله عنه والتحدث به. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ...}. كرر لفظ أُوْلاَئِكَ تنبيها على أن كل وصف من هذا كاف في حصول المدح والثناء لا المجموع. قيل لابن عرفة: احتجّ بها بعض الأصوليين على أن هذه الأمور واجبة؟ ابن عرفة: الصحيح عند الأصوليين أن الواجب ما ذمّ تاركه فالواجب إنما يستفاد من الذم على الترك لا من المدح على الفعل لأن ذلك قدر مشترك بين الواجب والمندوب. قيل لابن عرفة: هذه الآية حجة على أن (ابن قتيبة) في قوله: إن الخبر المستقبل إذا طابق مخبره فإنما يسمّى موافقة و(وفاقا) ولايسمى صدقا، وقد سماه هنا صدقا فقال: والصدق هنا المراد به المطابقة المطلقة. (فقال ابن عرفة: بل هي حجة له لأنه يجعل {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} راجعا للماضي ويجعل {ٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} راجعا للأمر المستقبل فيكون الكلام تأسيسا وعلى قولكم "أنتم" يكون تأكيدا والتأسيس أولى من التأكيد). قاله ابن التلمساني شارح المعالم الفقهية في المسألة الأولى من الباب (الثامن).

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ليس البر} بنصب الراء: حمزة وحفص الخراز عنه مخير. الباقون: بالرفع {ولكن} خفيفاً {البر} رفعاً وكذلك فيما بعد: نافع وابن عامر. الباقون: بالتشديد والنصب. الوقوف: {والنبيَّن} ج لطول الكلام واختلاف المعنى لأن ما قبله أصول الإيمان وما بعده فروع: {وفي الرقاب} ج للطول مع انتهاء شرع المكارم وابتداء اللوازم {الزكاة} ج {عاهدوا} ج للعدول عن النسق إلى المدح والتقدير: هم الموفون أعني الصابرين {اليأس} ط {صدقوا} ط {المتقون} ه. التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الإسلام. عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا لشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب صرف الهمة إليه بر من آمن وقام بهذه الأعمال، وعلى هذا فالخطاب عام. وقيل: الخطاب لأهل الكتاب لأن المشرق قبلة النصارى، والمغرب قبلة اليهود، وأنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت إلى الكعبة. وزعم كل من الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن ما أنتم عليه خارج من البر. أما أولاً فلأنه منسوخ، وأما ثانياً فلأنه على تقدير صحته شرط من شرائط أعمال البر لأن من جملتها الصلاة واستقبال القبلة شرط فيها، ولن يكون شرط جزء الشيء تمام حقيقة ذلك الشيء، وذلك أن البر اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقربة إلى الله ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن. والتركيب يدل على الاتساع ومنه البر خلاف البحر. قيل: إن قراءة رفع البر أولى ليكون الاسم مقدماً على الخبر على الأصل. وقيل: بالنصب أولى لأن "أن" مع صلتها تشبه المضمر في أنها لا توصف، والمضمر أدخل في الاختصاص من المظهر فهو أولى بأن يكون اسماً {ولكن البر من آمن} على تقدير حذف المضاف أي بر من آمن. وقيل: التقدير هكذا ولكن ذا البر من آمن. وقيل: البر بمعنى البار مثل رجل صوم أي صائم. وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت {ولكن البر} بفتح الباء. قال في التفسير الكبير: إنه تعالى اعتبر في تحقيق ماهية البر أموراً: الأول: الإيمان بأمور خمسة: أولها الإيمان بالله، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلائل الدالة عليها فيدخل فيها العلم بحدوث العالم. والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوبه وقدمه وبقائه وكونه عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل الممكنات، حياً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية. ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثه الرسل. وثانيها الإيمان باليوم الآخر ويتفرع على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل الممكنات. وثالثها الإيمان بالملائكة ورابعها الإيمان بالكتب السماوية. وخامسها الإيمان بالنبيين. وسبب هذا الترتيب أن للمكلف مبدأ وسطاً ونهايةً، ومعرفة المبتدأ والمنتهي هو المقصود بالذات أعني الإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي منوطة بالوحي الذي يأتي به الملك، فثبت أن كل ما يلزم المكلف التصديق به داخل في الآية. الثاني: إيتاء المال على حبه أي على حب المال. عن أبي هريرة أنه"حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة خير؟ قال: أن تتصدق وأنت صحيح حريص، تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا"تفسير : . عن أبي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعد ما يشبع" تفسير : والسبب أنه عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال، وعند ظن الموت يحصل الاستغناء، وبذل الشيء عند الاحتياج أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه. وأيضاً الإعطاء عند الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطائه حال المرض والموت. وأيضاً الهبة عند الموت تشبه الهبة عند الخوف من الفوت. وقيل: الضمير يرجع إلى الإيتاء أي يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله. وقيل: يرجع إلى الله أي يعطي المال على حب الله وطلب مرضاته. ثم ذكر سبحانه وتعالى ممن يؤتون المال أصنافاً ستة: أولهم القرابة، وثانيهم اليتامى، وثالثهم المساكين وقد مر ما يتعلق بكل منهم في تفسير قوله تعالى {أية : وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} تفسير : [البقرة: 83] وإنما قدم ذوي القربى لأنهم أحق قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان"تفسير : لأنها صدقة وصلة ولتأكد استحقاقه نال رتبة الوارثة ويحجر بسببه على المالك في الوصية حتى لا يمكن من الوصية إلا في الثلث. وأطلق ذوي القربى واليتامى والمراد الفقراء منهم لعد الإلباس، وتقديم اليتامى على المساكين لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا هو كاسب منقطع الحيلة من كل الوجوه. ورابع الأصناف ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله. جعل ابناً للسبيل لملازمته له كما يقال لطير الماء "ابن الماء" وللشجاع "أخو الحرب" وللناس "بنو الزمان". وقيل: هو الضيف لأن السبيل يرعف به. وخامسهم السائلون وهم المستطعمون ويدخل فيه المسلم والكافر وقريب منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : للسائل حق وإن جاء على فرس" تفسير : وسادسهم المكاتبون وأشار إليه بقوله {وفي الرقاب} أي في معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل: في فك الأسارى. والرقاب جمع الرقبة وهو مؤخر أصل العنق. واشتقاقها من المراقبة وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا يقال للمملوك رقبة كأنه يراقب العذاب ولا يقال له عنق. الثالث والرابع: قوله {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} وقد سلف مباحثهما. ثم إن الأئمة حيث ذكر الله تعالى، إيتاء المال في الوجوه المذكورة، ثم قفاه بإيتاء الزكاة. ومن حق المعطوف عليه، غلب على ظنونهم أن في المال حقاً سوى الزكاة. وكيف لا وقد اكتنف الإيتاء فرضان وهما الإيمان وإقامة الصلاة؟ وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه"تفسير : . ولا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة. وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً. وما روي عن علي عليه السلام أن الزكاة نسخت كل حق كأنه أراد الحقوق المقدّرة بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة والنفقة على الأقارب وعلى المملوك. الخامس: قوله {الموفون بعهدهم إذا عاهدوا} وهو مرفوع على المدح أي هم الموفون، أو عطف على {من آمن} والمراد بالعهد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك حيث آمنوا بالأنبياء والكتب. ويندرج فيه ما يلتزمه المكلف ابتداء من تلقاء نفسه مما يكون بينه وبين الله كالنذور والأيمان، أو بينه وبين رسول الله كبيعة الرضوان بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أن لا يقولوا إلا بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائمٍ، أو بينه وبين الناس واجباً كعقود المعاوضات، أو مندوباً كالمواعيد، فلهذا قال المفسرون ههنا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا، وإذا اؤتمنوا أدّوا، وإذا قالوا صدقوا. السادس: {والصابرين في البأساء والضراء} وهو نصب على المدح والاختصاص إظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. قال أبو علي الفارسي: إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القبول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً أو جملةً واحدة. وذكر المحققون في إفادة اختلاف الحركة المدح والذم أن أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد. فربما أثنى السامع على زيد وقال: ذكرت والله الظريف وذكرت العاقل. أو هو - والله - الطريف، أو هو العاقل. فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى الإعراب على ذلك أي أريد الظريف أو العاقل {والبأساء} الفقر والشدة {والضراء} المرض والزمانة. وهما فعلاء من البؤس والضر لا أفعل لهما لأنهما ليسا بنعتين {وحين البأس} القتال في سبيل الله والجهاد. وأصل البأس الشدة {أولئك الذين صدقوا} في إيمانهم وجدّوا في الدين {وأولئك هم المتقون} ونظير هاتين الجملتين في القطع للاستئناف قوله {أية : أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون}تفسير : [البقرة: 5] كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات وصفوا بالبر الذي هو أصل كل خير؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين لهم قدم صدقٍ في الإسلام، وهم المتسمون بسمة التقوى. وكل منهم منطو على جميع الخيرات ومتضمن لكل المأمورات والمنهيات، فلهذا اتصفوا بتلك الصفات. وذكر الواحدي ههنا أن الواوان في هذه الأوصاف للجمع. فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء، بل لا يكون قائماً بالبر إلا عند استجماع هذه الخصال حتى قال بعضهم: إن البر من خواص الأنبياء. والحق أنه ليس بمستبعد أن يوجد في الأمة موصوف بالبر إلا أن كمال البر لا يكون إلا في النبي ولا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إن أهل الكتاب كما أخلوا بجميع أوصاف البر أخلوا بالإيمان بالله {أية : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} تفسير : [التوبة: 30] {أية : وقالت اليهود يد الله مغلولة} تفسير : [المائدة: 64] وذهبت اليهود إلى التجسيم، والنصارى إلى الحلول والاتحاد، وأنكروا المعاد الجسماني وقالوا {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة: 111] {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} تفسير : [البقرة: 80] وقالوا: إن جبريل عدوّنا وكفروا بالكتب السماوية {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} تفسير : [البقرة: 85] وقتلوا النبيين وطعنوا في نبوة المرسلين، واتسموا بسمة الشح حتى اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، ونقضوا العهود {أية : أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم} تفسير : [البقرة: 100] ولم يصبروا في اللأواء {أية : لن نصبر على طعامٍ واحد} تفسير : [البقرة: 61] ولا حين البأس {أية : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} تفسير : [المائدة: 24] فالعجب كل العجب منهم حيث ادّعوا البر ولا شيء ولا واحد من أجزاء البر فيهم، وهذا غاية القحة ونهاية العناد والله بصير بالعباد. التأويل: ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر الحقيقي هو بري معكم بتولية وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية لتؤمنوا بدلالة نور بري بي وببر حبي لكم تحبوني، والملائكة يحبونكم ببر حبي لكم. وبر حبي لكم ليس بمحدث كبركم معي بل هو بر قديم في الكتاب القديم، وبنور هذه المحبة تحبون أهل محبتي وهم النبيون. فالجنسية علة الضم. {وآتى المال على حبه} أي ما حصل للعبد من بر الحب وما مال إلى سره من عواطف الحق ينفقه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات القالبية والقلبية {ذوي القربى} وهم الروح والقلب والسر ذوو قرابة الحق {واليتامى} المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق {والمساكين} هم الأعضاء والجوارح {وابن السبيل} القوى البشرية والحواس الخمس فإنهم في التردد والسفر إلى عوالم المعقولات والمخيلات والمحسوسات والموهومات {والسائلين} الدواعي الحيوانية والروحانية {وفي الرقاب} في فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين. فحينئذٍ أقام صلاة المحاضرة مع الله بالله وآتى زكاة مواهب الحق إلى أهل استحقاقها من الخلق وهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق، والصابرين في بأساء مراعاة الحقوق وضراء مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند لقاء الشهود وحين بأس سطوات تجلي صفات الجلال {أولئك الذين صدقوا} ببذل الوجود {وأولئك هم المتقون} من شرك الأنانية والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ...} الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الخِطَابُ بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنَىٰ: ليس البرُّ الصلاةَ وحْدها، وقال قتادة، والربيع: الخطاب لليهودِ والنصارَىٰ؛ لأنهم تكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلت كل فرقة تولِّيها، فقيلَ لهم: ليس البرَّ ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ من آمن باللَّه. وقوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ...} الآيةَ: هذه كلُّها حقوقٌ في المال سوى الزكاةِ، قال الفَخْر: وروَتْ فاطمةُ بنْتُ قَيْسٍ، أنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ، وتَلاَ: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ...}، وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ طَاوِياً إِلَىٰ جَنْبِهِ» تفسير : انتهى. قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وإِذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلَتْ بعد ذلك حاجةٌ، فإِنه يجبُ صرف المال إِليها بٱتفاقٍ من العلماءِ، وقد قال مالك: يجبُ على كافَّة المسلمين فِدَاءُ أسراهم، وإن ٱستغْرَقَ ذلك أموالَهُمْ، وكذلك إِذا منع الوالي الزكاةَ، فهل يجبُ على الأغنياء إِغناءُ الفقراء؟ الصحيحُ: وجوبُ ذلك علَيْهم. انتهى. ومعنى: {أَتَىٰ }: أعطى علَىٰ حبِّه، أي: على حبِّ المال، ويحتملُ أن يعود الضميرُ على اسْمِ اللَّه تعالَىٰ من قوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ }، أي: من تَصَدَّقَ مَحَبَّة في اللَّه وطاعته. * ص *: والظاهر أن الضمير في «حُبِّهِ» عائدٌ على «المال»؛ لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود علَىٰ غير الأقرب إِلاَّ بدليلٍ. انتهى. قال: * ع *: والمعنَى المقصودُ أن يتصدَّق المرءُ في هذه الوجوهِ، وهو صحيحٌ شحيحٌ يخشَى الفَقْر، ويأمل الغنَىٰ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم. والشحُّ؛ في هذا الحديث: هو الغريزيُّ الذي في قوله تعالَىٰ: {أية : وَأُحْضِرَتِ ٱلأَنفُسُ ٱلشُّحَّ } تفسير : [النساء:128] وليس المعنَى أنْ يكون المتصدِّق متَّصِفاً بالشحِّ الذي هو البُخْل. {وَفِي ٱلرِّقَابِ }، أي: العتق، وفَكّ الأسْرَىٰ. {وَٱلصَّـٰبِرِينَ }: نصبٌ على المدح، أو على إِضمار فعْلٍ، وهذا مَهْيَعٌ في تكرار النعوتِ. و{ٱلْبَأْسَآءِ}: الفَقْر والفاقة. {وَٱلضَّرَّاءِ}: المرض، ومصائبُ البدن، وعن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَوَّلُ مَنْ يُدْعَىٰ إِلَى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ»تفسير : رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ»، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ. انتهى من «السلاح». وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ»تفسير : انتهى. {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ }، أي: وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ: بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُع، ثم وصف تعالَىٰ أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي: هم عند الظنِّ بهم والرجاء فيهم؛ كما تقول: صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى بالتقَىٰ، والمعنَىٰ: هم الذين جَعَلُوا بينهم وبين عذاب اللَّه وقايةً.

ابن عادل

تفسير : قرأ الجُمْهُور برفع "البِرُّ" وحمزة، وحفصٌ عن عاصم بنصبه، فقراءةُ الجُمْهُور على أنَّه اسمُ "لَيْسَ" و "أَنْ تُولُّوا" خبرها في تأويل مصدَرٍ، أي: ليس البِرُّ تَوْلِيَتكُمْ، ورجِّحت هذه القراءةُ مِنْ حيث إنَّه ولي الفعل مرفوعة قَبْل منصوبه، وأَمَّا قراءة حمزة وحَفْصٍ فـ"البرُّ" خبرٌ مقدَّمٌ، و"أَنْ تُوَلُّوا" اسمُها في تأويل مصدرٍ، ورجِّحت هذه القراءة بأنَّ المصدر المؤَوَّل أعرفُ من المحلَّى بالألف واللام؛ لأنَّهُ يشبه الضَّمير، من حيث إِنَّهُ لا يوصَفُ؛ ولا يوصف به، والأعْرَفُ ينبغي أنْ يُجْعَل الاسْمَ وغيْر الأعْرَفِ الخَبَرَ؛ وتقديمُ خَبَر "لَيْسَ" على اسمها قليلٌ؛ حتى زَعَم منْعَهُ جماعةٌ [منْهم ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ، قال: لأنَّها تشبه "مَا" المجازيَّة ولأَنَّها حرفٌ على قول جماعةٍ، لكنه] محجوج بهذه القراءة المتواترة، وبقول الشاعر [الطويل] شعر : 910 - سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمْ فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 911 - أَلَيْسَ عَظِيماً أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ وَلَيْسَ عَلَيْنَا فِي الخُطُوبِ مُعَوَّلُ تفسير : وفي مصحف أُبَيٍّ، وعبْد الله "بِأَنْ تُوَلُّوا" بزيادةِ الباء، وهي واضحة؛ فإن الباء تزادُ في خبر "لَيْسَ" كثيراً. فصل في الاختلاف في أصل ليس الجمهُور على أن "لَيْسَ" فعلٌ وقال بعضُهُمْ إنه حرفٌ حجَّة القائلين بأنَّها فعلٌ: اتصالُ الضمائر بها الَّتي لا تتصلُ إلاَّ بالأَفْعال؛ كقَولك، "لَسْتُ، ولَسْنَا، ولَسْتُمْ"، و"القَوْمُ لَيْسُوا قَائِمِينَ"، وهذا منقوضٌ بقوله: "إِنَّنِي، ولَيْتَنِي، ولَعَلَّني". وحجَّة مَنْ قال بأنَّهَا حرفٌ أمور: الأوَّل: أنَّها لو كانت فعلاً، لكانت فعلاً ماضِياً ولا يجوزُ أن تكون فعلاً ماضياً؛ لاتفاق الجمهُور على أَنَّهُ لِنَفي الحالِ، والقائلُونَ بأَنَّه فعْلٌ قالوا: إنه فعْلٌ ماضٍ. وثانيها: أَنَّهُ يدخلُ على الفعْلِ، فنقول: "لَيْسَ يَخْرُجُ زَيْدٌ"، والفعلُ لا يدخُلُ على الفعْل عَقْلاً ونقلاً. وقولُ مَنْ قال: "إن لَيْسَ" داخلٌ على ضمير القصَّة، والشأن، وكونُ هذه الجملةِ تفسيراً لذلك الضَّمير ضعيفٌ؛ فإنَّهُ لو جاز ذلك، جاز مثلُه في "مَا". وثالثها: أَنَّ الحرف "مَا" يظهرُ في معنَاهُ في هذه الكَلِمَة، فإنك لَو قُلْتَ: "لَيْسَ زَيْدُ" لم يتمَّ الكلام، لا بُدَّ أن تقول: "لَيْسَ زَيْدٌ قَائِماً". ورابعُها: أن "لَيْسَ" لو كان فعْلاً، لكان "ما" فعلاً، وهذا باطلٌ، فذاك باطلٌ، بيان الملازمةِ: ان "لَيْسَ" لو كان فعْلاً لكان ذلك لدلالَتِهِ على حُصُول معنى السَّلْب مقترناً بزمان مخْصُوصٍ، وهو الحالُ، وهذا المعْنَى قائمٌ في "مَا" فيجبُ أن تكونَ "مَا" فعْلاً، فلَمَّا لم يكُنْ هذا فعْلاً، فكذلك القَوْل في ذلك أو تكون في عبارةٍ أُخْرَى: "لَيْسَ" كلمةٌ جامدةٌ، وضعت لنَفْي الحالِ، فأشبهت "مَا" في نفْي الفعليَّة بذلك. وخامسُها: أنَّك تَصِلُ "مَا" بالأفْعَال الماضيةِ، فتقولُ: "مَا أَحْسَنَ زَيْداً"، ولا يجوزُ أنْ تصلَ "مَا" بـ"لَيْسَ" فلا تَقُولُ: "مَا لَيْسَ زَيْدٌ يَذْكُرُكَ". وسادسها: أَنَّه على غير أوزَانِ الفِعْل. وأجابَ القَاضِي، والقائلُونَ بالفعليَّة عن الأَوَّل بأنَّ "لَيْسَ" قد يجيءُ لنفي المَاضِي بمعنَاه؛ كقولهم: "جَاءَنِي القَوْمُ لَيْسَ زَيْداً". وعن الثَّاني أنه منقوضٌ بقولم: "أَخَذَ يَفْعَلُ كَذَا". وعن الثَّالث: أنه منقوضٌ بسائر الأفعال النَّاقِصَة. وعن الرَّابع: أنَّ المماثَلَة مِنْ بعض الوجوه لا تَقتضي المماثلة من كُلِّ الوُجُوه. وعن الخَامِس: أَنَّ ذلك إِنَّمَا امتنع مِنْ قِبَلِ أَنَّ: "مَا" للحال و"لَيْسَ" للماضي، فلا يمكنُ الجَمْع بينهما. وعن السَّادس: أن تغير البناءِ وإن كان على خلافِ الأَصل، لكنَّه يجبُ المصيرُ إِلَيْه؛ لدلالةِ العَمَل بما ذكر، وذكَرُوا وجوهاً أُخَرَ مخالفةً للنَّحْوِ. قوله: "قِبَلَ" منصوبٌ على الظَّرْف المكانيِّ بقوله: "تُوَلُّوا"، وحقيقةُ قولِكَ: "زَيْدٌ قِبَلَكَ" أي في المكان الَّذي يقابلُكَ فيه وقد يُتَّسَعُ فيه، فيكون بمعنى "عِنْدَ"؛ نحو قولك: "قِبَلَ زَيْدٍ دَيْنٌ"، أي "عِنْدَهُ ديْنٌ". فصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه. اختلفوا: هَلْ هذا الخطاب عَامٌّ، أو خاصٌّ؟ فقال قتادةُ، ومقاتلُ بْنُ حَيَّان: لمَّا شددوا أهل الكتاب بالثبات على التوجُّه نحو بيْت المَقْدِس، قال تعالى: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} هذه الطريقة، {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ}. وقال مجاهدٌ وعطاءٌ والضَّحَّاك - رضِيَ الله عنهم-: المرادُ مخاطبةُ المؤمنين، لَمَّا ظنُّوا هذا الكلام. وقال بعضُهُم: هو خطابٌ للكلّ؛ لأنَّه لما حُوِّلت القبلةُ، حَصَلَ للمؤمنينَ الاغتباطُ بهذه القِبْلة، وحَصَلَ منْهم التشديدُ في هذه القِبْلَة؛ حتَّى ظنُّوا أنَّه الغرضُ الأكْبَر في الدِّين، فبعثهم الله تعالى بهذا الخِطَاب استيفاءَ جميع الطاعات والعبادات، ولَيْسَ البرَّ بأنْ تولُّوا وجوهَكُم شَرْقاً وغرباً، وإِنَّمَا البِرُّ كَيْتَ، وكَيْتَ، وكَيْتَ، فكأنَّه تبارك وتعالى قال: ليْس البرُّ المطلوبُ هو أمْرَ القِبْلة، بل البِرُّ المطلوبُ هذه الخصالُ الَّتي عدَّدتُّها. فصل في المشار إليه بالضمير قال القفَّال: والذي عندَنا أنَّه إشارةٌ إلى السُّفَهاء الذين طَعَنُوا في المُسْلِمين، وقالُوا: ما ولاَّهم عن قبلتهم الَّتي كانُوا علَيْها؟ مع أنَّ اليَهُود كانُوا يستَقْبلون المَغْرب، والنَّصَارَى كانُوا يستقْبِلُون المَشْرِق، فقال الله تعالى: إنَّ صَفَةَ البِرِّ لا تحصُلُ باستقبالِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، بل البرُّ يحصُلُ بأُمُور. منها: الإيمانُ بالله تعالى، وأهْلُ الكتابِ أخَلُّوا بذلك، فَأَمَّا اليهود، فلقولهم بالتَّجْسِيم، ولقَوْلِهِم بأنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللَّهِ، وأَمَّا النصارَى؛ فلقولهم: المَسِيحُ ابْنُ الله، واليهودُ وصَفُوا الله تعالى بالبُخْل. وثانيها: الإيمانُ باليَوْم الآخِر، واليهود أخلُّوا بذلك، وقالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}تفسير : [البقرة: 80] والنصارى أنْكَرُوا المعادَ الجِسْمانيَّ، وكلُّ ذلك تكذيبٌ باليوم الآخر. وثالثها: الإيمانُ بالمَلاَئكة، واليهودُ أخلُّوا بذلك؛ حيْثُ أظْهَرُوا عداوة جِبْرِيلَ. ورابعها: الإيمانُ بكُتُب الله تعالى، واليهودُ أخلُّوا بذلك، لأن مع قيام الدَّلائل على أنَّ القرآنَ كتابُ الله تعالى رَدُّوه ولم يقْبلُوه؛ قال تعالى: {أية : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}تفسير : [البقرة: 85]. وخامسها: الإيمانُ بِالنَّبيِّين، واليَهُود أخلُّوا بذلك؛ حيث قتلوا الأنْبياءَ؛ على ما قال تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [البقرة: 61] وطَعَنُوا في نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. وسادسها: بَذْلُ الأمْوَالِ علَى وَفْقِ أمْرِ الله تعالى، واليهود أخلُّوا بذلك؛ لأنَّهم يُلْقُون الشُّبُهات؛ لِطَلَب المَال القَليلِ؛ قال تبارك وتعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً}. وسابعها: إقَامة الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، واليهودُ كانوا يمنَعُون النَّاسَ منها. وثامنها: الوفَاءُ بالعَهْد، واليهودُ نَقَضُوا العَهْد؛ قال تبارك وتعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة: 40]. وتاسعها: قوله: {فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} والمرادُ بذلك المحافظةُ على الجهادِ، واليهودُ أخلُّوا بذلك؛ حيْثُ كانُوا في غاية الخَوْف، والجبْنِ؛ قال تعالى: {أية : لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}تفسير : [الحشر: 14]. فإن قيل: نفى تبارك وتعالى أنْ يكُون التوجُّه إلى القْبلَةِ بِرّاً، ثم حَكَم بأنَّ البِرَّ بمجموع أمُور: أحدُها: الصَّلواتُ، ولا بُدَّ فيها من الاستقبال، فيلزَمُ التناقضُ. فالجوابُ: أنَّ المفسِّرين اختلفُوا على أقْوَال: منها: أنَّ قوله تعالى: "لَيْسَ البِرّ" نَفْيٌ لكمالِ البِرِّ ولَيْسَ نَفْياً لأصْله؛ كأنه قال: "لَيْسَ البِرُّ كلُّه هو هذا"؛ فإنَّ البِرَّ اسمٌ من أسماء الخصالِ الحَمِيدة، واستقبال القبلة واحِدٌ منها، فلا يكونُ ذلك تمامَ البِرِّ. الثاني: أنْ يكُونَ هذا نفياً لأصْلِ كَوْنه بِرّاً؛ لأن استقبالَهُم للمشْرِق والمَغْرِب كان خَطَأً في وقُتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَحِينَمَا نَسَخ الله تباركَ وتعالى ذلك؛ بل كان ذلِكَ ممَّا لا يجُوز؛ لأَنَّهُ عمل بمَنْسُوخ قد نهى الله عَنه، وَمَا كَانَ كذلك، فهو لا يُعَدُّ من البِرِّ. الثالث: أنَّ استقبالَ القِبْلة لا يكُون بِرّاً، إذ البِرُّ يتقدَّمه معرفةُ الله تعَالى، وإنَّما يكون بِرّاً، إذا أتَى بها مع الإيمانِ بِالله ورسُوله، فالإتيانُ بها دُونَ هذا الشَّرْط، لا يكونُ مِنْ أَفْعَال البِرِّ، إلاَّ إذا أُتِيَ بها مع شَرْطه، كما أنَّ السَّجْدة لا تكُونُ مِنْ أفْعال البِرِّ، إلاَّ إذا أَتَى بها مع الإيمَانِ بالله ورسُوله. ورُوِيَ أنَّه لَمَّا حُوِّلَت القبْلة، كَثُرَ الخَوْضُ في نَسْخِهَا، كأنه لا يُرَاعَى بطاعة الله تعالى إلاَّ الاستقبالُ؛ فأنْزَلَ الله تعالَى هذه الآيَةَ؛ كأنه تبارك وتعالى قال: "ما هذا الخَوضُ الشَّديدُ في أَمْر القِبْلَةِ مع الإعْرَاضِ عَنْ كُلِّ أَرْكَانِ الدِّينِ". قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ} في هذه الآية خَمْسَة أوجه: أحدها: أن "البِرَّ" اسم فاعل من: بَرَّ يَبَرُّ، فهو "برُّ" والأصل: "بَرِرٌ" بكسر الراء الأولى بزنة "فطِنٍ" فلمَّا أريد الإدغام، نقلت كسرة الرَّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها؛ فعلى هذه القراءة: لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويلٍ؛ لأنَّ البِرَّ من صفات الأعيان؛ كأنه قيل: "وَلكِنَّ الشخْصَ البِرَّ مَنْ آمن". الثاني: انَّ في الكلام حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره: "ولكنَّ ذا البِرِّ من آمن"؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [طه: 132] أي: لذي التقوى؛ وقوله {أية : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 163] أي: ذوو درجاتٍ، قاله الزَّجَّاج. الثالث: أن يكون الحذف من الثاني: أي: "وَلكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ" وهذا تخريجُ سيبويه، واختياره، وإنَّما اختاره؛ لأنَّ السابق، إنَّما هو نفي كون البِرِّ هو تولية الوجهِ قبل المشرق والمغرب، فالذي يستدركُ، إنَّما هو من جنس ما ينفى؛ ونظير ذلك: "لَيْسَ الكَرَمُ أنْ تَبْذُلَ دِرْهَماً، ولكَّن الكَرَمَ بذل الآلاَفِ" ولا يناسبُ: "ولكِنَّ الكَرِيمَ مَنْ يَبْذُلُ الآلاَفَ" وحذف المضاف كثيرٌ في الكلام، كقوله: {أية : وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ}تفسير : [البقرة: 93]، أي: حُبَّ العجل، ويقولون: الجود حاتم، والشعير زهير، والشجاعة عنترة، [وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 912 -........................... فَإِنَّما هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارُ تفسير : أي: ذات إقبالٍ، وذات إدبار. وقال النَّابغة: [المتقارب] شعر : 913 - وَكَيْفَ نُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ خِلاَلَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ تفسير : أي: كخلالة أبي مرحب]، وهذا اختيار الفرَّاء، والزَّجَّاج، وقطرب. وقال أبو عليٍّ: ومثل هذه الآية الكريمة قوله:{أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ}تفسير : [التوبة: 19]، ثم قال:{أية : كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 19]؛ ليقع التمثيل بين مصدرين، أو بين فاعلين؛ إذ لا يقع التمثيل بين مصدرٍ، وفاعلٍ. الرابع: أن يطلق المصدر على الشَّخص مبالغةً؛ نحو: رجل عدل. ويحكى عن المبرِّد: "لو كنت ممَّن يقرأ القرآن، لقرأت "وَلَكِنَّ البَرَّ" بفتح الباء" وإنَّما قال ذلك؛ لأن"البَرَّ" اسم فاعل، نقول بَرَّ يَبَرُّ، فهو بَارٌّ، وَبَرٌّ، فتارة تأتي به على فاعل، وتارة على فعل. الخامس: أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل، نحو: رجل عدلٌ، أي: عادل، كما قد يقع اسم الفاعل موقعه، نحو: أقائماً، وقد قعد الناس؛ في قولٍ، هذا رأي الكوفيين، والأولى فيه ادِّعاء أنه محذوفٌ من فاعلٍ، وأن أصله: بارٌّ، فجعل "برّاً"، وأصله كـ"سِرٍّ"، و"رَبٌّ" أصله "رابٌّ"، وقد تقدم. وجعل الفراء "مَنْ آمَنَ" واقعاً موقع الإيمان، فأوقع اسم الشخص على المعنى كعكسه؛ كأنه قال: "وَلَكِنَّ البِرَّ الإيمانُ باللَّهِ" قال: والعَرَبُ تجعل الاسم خبراً للفعل، وأنشد في ذلك: [الطويل] شعر : 914 - لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى وَلَكِنَّمَا الفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِي تفسير : جعل نبات اللحية خبراً للفتيان، والمعنى: لعمرك ما الفتوَّة أن تنبت اللِّحى. وقرأ نافعٌ، وابن عامر: "وَلَكِنِ البِرُّ" هنا وفيما بعد بتخفيف "لَكِنْ" وبرفع "البِرُّ"، والباقون بالتَّشديد، والنَّصب، وهما واضحتان ممَّا تقدَّم في قوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْٰطِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البقرة: 102]. وقرئ: "وَلِكنَّ البَارَّ" بالألف، وهي تقوِّي أنَّ "البِرَّ" بالكسر المراد به اسم الفاعل، لا المصدر. قال أبو عُبَيْدَةَ: "البِرُ" هاهنا بمعنى البَارِّ، كقوله: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [طه: 132] أي: للمتَّقين، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً}تفسير : [الملك: 30] أي: غائراً، وقالت الخنساء: [البسيط] شعر : 915 - وَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارُ تفسير : أي: مقبلة ومدبرة والعمل لكل خير هو بر، وقيل: البر: كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}تفسير : [الإنسان: 13]. ووحَّد الكتاب لفظاً، والمراد به الجمع؛ وحسَّن ذلك كونه مصدراً في الأصل، أو أراد به الجنس، أو أراد به القرآن، فإنَّ من آمن به، فقد آمن بكل الكتب، فإنه شاهدٌ لها بالصِّحَّة. فصل فيما اعتبر الله تعالى في تحقيق البرِّ اعلم أنَّ الله تعالى اعتبر في تحقيق البِرِّ أموراً: أحدها: الإيمانُ بخمسة أشياء: أولها: الإيمان بالله، ولا يحصل ذلك إلاَّ بالعلم بذاته المخصوصة، وبما يجب، ويجوز، ويستحيل عليه، ولا يحصل العلم بهذه الأمور إلاَّ بالعلم بالدلائل الدالَّة عليها، فيدخل فيه العلم بحدوث العالم، والعلم بالأصول التي يتفرَّع عليها حدوث العالم، ويدخل فيه العلم بوجوده، وقدرته، وبقائه، وكونه عالماً بكلِّ المعلومات قادراً على كلِّ الممكنات. وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، وهذا متفرِّع على الأوَّل؛ لأنَّا إن لم نعلم قدرته على جميع الممكنات، لا يمكننا أن نعلم صحَّة الحشر والنَّشر. وثالثها: الإيمان بالملائكة. ورابعها: الإيمان بالكتب. وخامسها: الإيمان بالرسل. فإن قيل: لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة، ولا إلى العلم بصدق الكتب، إلاَّ بواسطة صدق الرُّسل، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب، فلم قدَّم الملائكة والكتب في الذِّكر على الرُّسل؟ فالجواب: أنَّ الأمر، إن كان كذلك في عقولنا، إلاَّ انَّ الترتيب على العكس؛ لأنَّ الملك يوجد أوَّلاً، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب إلى الرسل، فالمراعى في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجيِّ، لا الترتيب الذهنيُّ؛ فدخل تحت الإيمان بالله معرفته، ودخل تحت الإيمان باليوم الآخر معرفة ما يلزم من أحكام العقاب، والثَّواب، والمعاد، ودخل تحت الإيمان بالملائكة ما يتَّصل بإتيانهم الرسالة إلى الأنبياء؛ ليؤدُّوها إلينا إلى غير ذلك ممَّا يجب أن يعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الإيمان بالكتاب القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت الإيمان بالنَّبِيِّين الإيمان بنبوِّتهم، وصحَّة شريعتهم، فلم يبق شيءٌ مما يجب الإيمان به، إلاَّ دخل تحت هذه الآية. وتقرير آخر: وهو أنَّ للمكلَّف مبتدأً ووسطاً، ونهايةً، ومعرفة المبدأ والنهاية؛ هو المراد من الإيمان بالله تعالى، واليوم الآخر. وأمَّا معرفة الوسط، فلا يتمُّ إلاَّ بالرِّسالة، وهي لا تتمُّ إلا بثلاثة أمور: الملك الآتي بالوحي، ونفس الوحي، وهو الكتاب، والموحى إليه، وهو الرسول - عليه الصلاة والسلام -. وفي تقديمه الإيمان على أفعال الجوارح؛ من إيتاء المال، والصلاة، والزَّكاة - تنبيهٌ على أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح. الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقيق البرِّ قوله: {وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ}[البقرة: 177]، فالجار والمجرور في محلِّ نصب على الحال العامل في "آتى" أي: آتى المال حال محبَّته له، واختياره إيَّاه، والحُبُّ: مصدر "حَبَبْتُ"، لغةً في "أَحْبَبْتُ"؛ كما تقدَّم، ويجوز أن يكون مصدر الرُّباعيِّ على حذف الزوائد، ويجوز أن يكون اسم مصدر، وهو الإحباب؛ كقوله: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 17] والضمير المضاف إليه هذا المصدر فيه أربعة أقوال: أظهرها: أنه يعود على المال؛ لأنَّه أبلغ من غيره. قال ابن عبَّاس، وابن مسعود: "هو أن تُؤْتيَهُ، وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وتخشَى الفَقْر، وَلاَ تُهْمِلْ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلاَنِ كَذَا، ولِفُلاَنِ كذا" وهذا بعيدٌ من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. أمَّا من حيث اللفظ: رواية أبي هريرة، قال: "حديث : جاء رجل إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ الله، أيُّ الصَّدَقةِ أعْظَمُ أجراً؟ قال: أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ"تفسير : وذكره. الثاني: أنه يعود على الإيتاء المفهوم من قوله تعالى: "آتى"، أي: على حبِّ الإيتاء؛ كأنه قيل: يعطي، ويحبُّ الإعطاء؛ رغبةً في ثواب الله. قال شهاب الدِّين: وهذا بعيدٌ من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. أما من حيث اللفظ: فإنَّ عود الضمير على غير مذكور، بل مدلولٍ عليه بشيء - خلاف الأصل. وأمَّا من حيث المعنى: فإنَّ المدح لا يحسن على فعل شيء يحبه الإنسان، لأنَّ هواه يساعده على ذلك. قال زهير: [الطويل] شعر : 916 - تَرَاهُ إذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً كأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ تفسير : الثالث: أن يعود على الله تعالى، يعني: "يُعْطُون المَال على حُبِّ الله"؛ وعلى هذه الأقوال الثَّلاثة يكون المصدر مضافاً للمفعول، وعلى هذا، فالظاهر أنَّ فاعل هذا المصدر هو ضمير المؤتي، وقيل: هو ضمير المؤتون، أي: "حبِّهم له"، واحتياجهم إليه، وليس بذلك، و"ذَوِي القُرْبَى" على هذه الأقوال الثلاثة: منصوبٌ بـ"أتى" فقط، لا بالمصدر؛ لأنَّه قد استوفى مفعوله. الرابع: أن يعود على "مَنْ آمَنَ"، وهو المؤتي للمال، فيكون المصدر على هذا مضافاً للفاعل، وعلى هذا: فمفعول هذا المصدر يحتمل أن يكون محذوفاً، أي: "حُبِّه المَالَ"، وأن يكون ذَوِي القُرْبَى، إلا أنه لا يكون فيه تلك المبالغة التي فيما قبله. قال ابْنُ عَطِيَّة: ويجيء قوله "عَلَى حُبِّهِ" اعتراضاً بليغاً في أثناء القول. قال أبو حيَّان - رحمه الله -: فإن أراد بالاعتراض المصطلح عليه، فليس بجيِّد، فإنَّ ذلك من خصوصيَّات الجملة الَّتي لا محلَّ لها، وهذا مفردٌ، وله محلٌّ، وإن أراد به الفصل بالحال بين المفعولين، وهما "المال"، و "ذَوِي"، فيصحُّ، إلا انه فيه إلباسٌ. فصل في معنى الإيتاء اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء، فقال قومٌ: إنَّها الزكاة، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه عطف الزكاة عليه، بقوله: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَٰوةَ} [البقرة: 177] ومن حق المعطوف، والمعطوف عليه المغايرة، ثم لا يخلو: إمَّا أن يكون تطوُّعاً: أو واجباً، ولا جائز أن يكون تطوُّعاً؛ لأنه قال في آخر الآية الكريمة: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، وقف التقوى عليه، ولو كان تطوُّعاً، لما وقف التقوى عليه، وإذا ثبت أنَّه واجبٌ، وأنه غير الزكاة، ففيه أقوال: أحدها: أنه عبارة عن دفع الحاجات الضَّروريَّة؛ مثل: إطعام المضطرِّ؛ ويدل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لاَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شَبْعَاناً، وجَارُهُ طَاوٍ إلى جَنْبِهِ " تفسير : ورُوِيَ عن فاطمة بنت قيس: "إنَّ في المال حقّاً سوى الزَّكاة" ثم تلت "وآتى المَالَ عَلَى حُبِّهِ". وحكي عن الشَّعْبِيِّ أنَّه سئل عمَّن له مال، فأدى زكاته، فهل عليه سواه؟ فقال: نعم، يصل القرابة، ويعطي السائل، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وأيضاً: فلا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضَّرورة، وجب على النَّاس أن يعطوه مقدار دفع الضَّرورة. فإن قيل: الزَّكاة نسخت الحقوق الماليَّة. فالجواب: أنَّه - عليه السَّلام - قال: "حديث : في المَالِ حٌقُوقٌ سِوَى الزَّكَاةِ"تفسير : ؛ وقول الرسول أولى، وأجمعت الأمَّة على أنه يجب أن يدفع إلى المضطرِّ ما يدفع به الضَّرورة، وإن سلَّمنا أن الزكاة نسخت كلَّ حقٍّ، فالمراد أنَّها نسخت الحقوق المقدَّرة، أمَّا الذي لا يكون مقدَّراً، فغير منسوخ؛ بدليل أنه يلزم النفقة على الأقارب، والمماليك. فإن قيل: إذا صحَّ هذا التأويل، فما الحكمة في هذا التَّرتيب؟! فالجواب من وجوه: أحدها: أنه تبارك وتعالى قدَّم الأولى فالأولى؛ لأنَّ الفقير القريب أولى بالصَّدقة من غيره، لأنَّ يجمع فيه بين الصلة، والصَّدقة، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه، ولذلك يستحقُّ بها الإرث، ويحجر على ذي المال بسببه في الوصيَّة، حتى لا يتمكَّن من الوصية، إلا في الثُّلث، ولذلك كانت الوصيَّة للأقارب من الواجبات؛ لقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 180]. وإن كانت نسخت عند بعضهم؛ فلهذه الوجوه، قدَّم ذوي القربى، ثم أتبعه باليتامى؛ لأنَّ الصغير الفقير الذي لا والد له، ولا كاسب، فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه، ثم أتبعهم بالمساكين؛ لأنَّ الحاجة قد تشتدُّ بهم، ثم ذكر السَّائلين، وفي الرقاب؛ لأن حاجتهما دون حاجة من تقدَّم. وثانيها: أن علم المرء بشدَّة حاجة قريبه أقوى، ثم بحاجة الأيتام، ثم بحاجة المساكين ثم على هذا النَّسق. وثالثها: أن ذا القربى مسكينٌ، وله صفةٌ زائدةٌ تخصُّه؛ لأن شدَّة حاجته تغمُّ صاحب المال، وتؤذي قلبه، ودفع الضَّرر عن النَّفس مقدَّم على دفع الضرر عن الغير؛ فلذلك بدأ الله بذي القربى، ثم باليتامى؛ لأن الغمَّ الحاصل بسبب عجز الصِّغار عن الطَّعام والشَّراب أشدُّ من الغمٍّ الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما، ثم المساكين؛ لأنَّ الغمَّ الحاصل بسببهم أخفُّ من الغم الحاصل بسبب الصَّغار. وأمَّا ابن السَّبيل، فقد يكون غنيّاً، وقد تشتدُّ حاجته في الوقت، والسَّائل قد يكون غنيّاً، ويظهر شدَّة الحاجة، وأخَّر المكاتب؛ لأنَّ إزالة الرق ليست في محلِّ الحاجة الشَّديدة. القول الثاني: أنَّ المراد بإيتاء المال: ما "حديث : روي أنه - عليه الصلاة والسلام - عند ذكره الإبل، قال: إنَّ فِيهَا حَقّاً؛ وهو إطراق فحلها، وإعارة دَلْوها"تفسير : ، وهذا بعيدٌ؛ لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختصُّ به ابن السَّبيل، والسائل والمكاتب. القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجباً، ثم نسخ بالزَّكاة، وهذا أيضاً ضعيفٌ، لأنه تبارك وتعالى جمع في هذه الآية الكريمة بين هذا الإيتاء، وبين الزكاة. وقال بعضهم: المراد صدقة التطوُّع. فصل في الوجوه الإعرابية لقوله "ذَوِي" قوله "ذَوَي" فيه وجهان: أحدهما - وهو الظاهر - أنه مفعول بـ"آتى" وهل هو الأول، و"المَالَ" هو الثاني؛ كما هو قول الجمهور، وقدِّم للاهتمام، أو هو الثاني: فلا تقديم، ولا تأخير؛ كما هو قول السُّهَيلِيِّ؟ والثاني: أنه منصوب بـ"حُبِّهِ"؛ على أن الضمير يعود على "مَنْ آمَنَ"؛ كما تقدَّم. فصل في المراد بـ"ذَوِي القُرْبَى" من النَّاس من حمل ذَوِي القُرْبَى على المذكور في آية النفل والغنيمة، وأكثر المفسِّرين على ذَوِي القُرْبَى للمعطين، وهو الصحيح؛ لأنَّهم به أخصُّ، وهم الذين يقربون منه بولادة الأبوين، أو بولادة الجدَّين، أو أبي الجدَّين، ولا يقتصر على ذوي الرَّحم المحرم كما حكي عن قوم؛ لأنَّ المحرميَّة حكم شرعيٌّ، والقرابة لفظةٌ لغويةٌ موضوعةٌ للقرابة في النَّسب، وأن تفاوتوا في القرب والبعد. قوله "واليَتَامى": ظاهره أنه منصوب، عطفاً على ذوي. وقال بعضهم: هو عطف على "القرْبَى" أي: "آتى ذَوي اليَتَامى"، أي: أولياءهم؛ لأن الإيتاء إلى اليتامى لا يصحُّ؛ فإن دفع المال إلى اليتيم الذي لا يميِّز، ولا يعرف وجوه المنفعة يكون مخطئاً، ولا حاجة إلى هذا، فإنَّ الإيتاء يصدق، وإن لم يباشر من يؤتيه بالإيتاء، يقال: "آتيْتُ السُّلْطَانَ الخَرَاجَ"، وإنَّما أعطيت أعوانه. وأيضاً: إذا كان اليتيم مراهقاً عارفاً بمواقع حظَّه، وتكون الصدقة من باب ما يؤكل، ويلبس، ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به، جاز دفعها إليه، هذا على قول من قال: إن اليتيم هو الذي لا أب له مع الصِّغر. وقال بعضهم: أن هذا الاسم قد يقع على الصَّغير، وعلى البالغ؛ لقوله تعالى: {أية : وَءَاتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ}تفسير : [النساء: 2] وهم لا يؤتون إلاَّ إذا بلغوا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمَّى يتيم أبي طالب بعد بلوغه؛ فعلى هذا: إن كان اليتيم بالغاً، دفع إليه، وإلاَّ دفع إلى وليه، والمساكين أهل الحاجة، وهم ضربان: من يكفُّ عن السؤال، وهو المراد هاهنا، ومنهم من يسأل وينبسط، وهم السائلون، وإنما فرق بينهما؛ من حيث يظهر على المساكين المسكنة ممَّا يظهر من حاله، وليس كذلك السائل لأنه يظهر حاله. وابن السبيل اسم جنسٍ أو واحد أريد به الجمع، وسمِّي "ابن السَّبيل"، أي: الطريق، لملازمته إيَّاها في السَّفر، أو لأنَّ الطريق تبرزه، فكأنها ولدته. وقيل: هو الضعيف. فصل. من جعل الآية الكريمة في غير الزَّكاة، أدخل في هذه الآية المسلم والكافر، روى الحسن بن علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : للسَّائِل حَقٌّ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 19]. الأمر الثالث في تحقيق مسمَّى البِرِّ، قوله: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَٰوةَ} وقد تقدَّم. قوله {وَفِي ٱلرِّقَابِ} متعلِّق بـ"ءَاتى" وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ضمن "ءَاتى" معنى فعل يتعدى لواحد؛ كأنه قال: وضع المال في الرِّقَاب. والثاني: أن يكون مفعول "ءَاتى" الثاني محذوفاً، أي: آتى المال أصحاب الرِّقاب في فكِّها، أو تخليصها؛ فإنَّ المراد بهم المكاتبون، أو الأسارى، أو الأرقَّاء يشترون، فيعتقون، وكلٌّ قد قيل به. والرِّقَابُ: جمع "رَقَبَةٍ"، وهي من مؤخَّر أصل العنق، واشتقاقها من "المراقبة"؛ وذلك أن مكانها من البدن مكان الرَّقِيب المشرف على القوم؛ وبهذا المعنى: يقال: "أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ"، ولا يقال: "أَعْتَقَ اللَّهُ عُنُقَهُ"؛ لأنها لما سمِّيت رقبةً؛ كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها "رَقُوبٌ"؛ لأجل مراقبة موت ولدها. قوله: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ} عطف على صلة "مَنْ"، وهي: "ءَامَن، وءَاتى" وإنما قدم الإيمان، لأنه رأس الأعمال الدينيَّة، وثنَّى بإيتاء المال؛ لأنه أجلُّ شيء عند العربَ، وبه يمتدحون، ويفتخرون بفكِّ العاني: وقِرَى الضِّيفان، ينطق بذلك نظمهم ونثرهم. قوله {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ...} في رفعة ثلاثة أوجه: أحدها: ذكره الزمخشري: أنه عطف على "مَنْ آمَنَ" أي: ولكنَّ البرَّ المؤمنون والموفون. والثاني: أن يرتفع على خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الموفون، وعلى هذين الوجهين: فنصب الصابرين على المدح؛ بإضمار فعل، وهو في المعنى عطف على "مَنْ آمَنَ"، ولكن لما تكرَّرت الصِّفات، خولف بين وجوه الإعراب. قال الفارِسيُّ: وهو أبلغ؛ لأن الكلام يصير مشتملاً على جملٍ متعددةٍ، بخلاف اتّفاق الإعراب؛ فإنه يكون جملةً واحدةً، وليس فيها من المبالغة ما في الجمل المتعدِّدة. وقال أبو عبيدة: ومن شأن العرب، إذا طال الكلام: أن يغيِّروا الإعراب والنَّسق؛ كقوله تعالى في سورة النساء: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَٰوةَ}تفسير : [النساء: 162] وفي المائدة: {أية : وَٱلصَّابِئُونَ}تفسير : [المائدة: 69] وقال الفرَّاء: إنما رفع "المُوفُونَ"، ونصب "الصَّابِرِينَ"؛ لطول الكلام بالمدح، والعرب تنصب الكلام على المدح والذَّمِّ، إذا طال الكلام في الشَّيء الواحد، وقالوا فيمن قرأ {أية : حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}تفسير : [المسد: 3] بنصب "حَمَّالَةَ": إنه نصب على الذَّمِّ. فإن قيل: لم لا يجوز على هذين الوجهين: أن يكون معطوفاً على ذوي القربى، أي: وآتى المال الصابرين: قيل: لئلاَّ يلزم من ذلك محذورٌ، وهو الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه الذي هو في حكم الصِّلة بأجنبيٍّ، وهو "المُوفُونَ" فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة؛ كقوله: {أية : وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 30] ثم قال "أُوْلَئِكَ" ففصل بين المبتدأ والخبر. قلنا: لا يلزم من جواز الفصل بين المبتدأ والخبر جوازه بين الموصول والصِّلة. الثالث: أن يكون "المُوفُون" عطفاً على الضَّمير المستتر في "آمَنَ" ولم يحتج إلى التأكيد بالضمير المرفوع المنفصل، لأنَّ طول الكلام أغنى عن ذلك؛ وعلى هذا الوجه: يجوز في "الصَّابِرِينَ" وجهان: أحدهما: النَّصيب؛ بإضمار فعْلٍ؛ لما تقدَّم، قال الخليل: المدح والذمُّ ينصبان على معنى "أَعْني الظريف" وأنكر الفراء ذلك لوجهين. أحدهما: أنَّ "أَعْنِي" إنما يقع تفسيراً للمجهول، والمدح يأتي بعد المعروف. الثاني: أنه لو صحَّ ما قاله الخليل، لصحَّ أن يقال: "قَامَ زَيْدٌ أخَاكَ" على معنى "أعني أخاك"، وهذا مما لم تقله العرب أصلاً. والثاني: العطف على ذَوِي القُرْبَى، ولا يمنع من ذلك ما تقدَّم من الفصل بالأجنبيِّ، لأن "المُوفُونَ" على هذا الوجه داخلٌ في الصِّلة، فهو بعضها لا أجنبيٌّ منها. قوله "إذَا عَاهَدُوا" إذا منصوبٌ بـ"المُوفُونَ"، أي: الموفون وقت العهد، من غير تأخير الوفاء عن وقته، وقرأ الجحدريُّ: "بِعُهُودِهِمْ". فصل في معنى قوله "بِعَهْدِهِمْ" في هذا العهد قولان: أحدهما: هو ما أخذه الله على عباده على ألسنة رسله من الإيمان، والقيام بحدوده، والعمل بطاعته؛ لما أخبر الله تبارك وتعالى عن أهل الكتاب: أنَّهم نقضوا العهود والمواثيق، فجحدوا أنبياءه، وقتلوهم، وكذَّبوا بكتابه. واعترض القاضي على هذا القول، وقال: إنَّ قوله تبارك وتعالى: "المُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ" صريحٌ في إضافة العهد إليهم، ثم إنه تعالى أكَّد ذلك بقوله: "إذَا عَاهَدُوا"، فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداءً من قبله تعالى. وأجيب: بأنه تعالى، وإن ألزمهم هذه الأشياء، لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام، والتزموه، فصحَّ إضافة العهد إليهم من هذا الوجه. القول الثاني: أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلَّف ابتداءً من عند نفسه. واعلم أنّ هذا العهد إمَّا أن يكون بين العبد وبين الله تعالى؛ كاليمين والنَّذر، وما أشبهه، أو بينه وبين رسول الله؛ كالبيعة؛ من القيام بالنُّصرة والمجاهدة، والمظاهرة، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، او بينه وبين النَّاس، وقد يكون ذلك واجباً، مثل: ما يلتزمه في عقود المعاوضات من التَّسليم والتَّسلُّم، والشرائط التي يلتزمها في السَّلم، والرَّهن وغيره، وقد يكون مندوباً؛ مثل: الوفاء بالعهد في بذل المال، والإخلاص في المناصرة. فقوله {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} يتناول كل هذه الأقسام؛ فلا تقتصر الآية على بعضها، وهذا هو الذي عبر عنه المفسِّرون، فقالوا: هم الذين إذا وعدوا، أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا، وفَّوا، وإذا قالوا، صدقوا، وإذا ائتمنوا، أدَّوا. فصل في بلاغة قوله "والمُوفُونَ" دون "وأَوْفَى" قال الرَّاغب: وإنَّما لم يقل "وأوْفَى"؛ كما قال "وأَقَامَ"؛ لأمرين: أحدهما: اللفظ، وهو أن الصِّلة، متى طالت، كان الأحسن أن يعطف على الموصول، دون الصلة؛ لئلاَّ يطول ويقبح. والثاني: أنَّه ذكر في الأول ما هو داخل في حيِّز الشريعة، وغير مستفاد إلا منها والحكمة العقليَّة تقتضي العدالة دون الجور، ولما ذكر وفاء العهد، وهو مما تقضي به العقول المجرَّدة، صارعطفه على الأوَّل أحسن، ولما كان الصَّبر من وجه مبدأ الفضائل، ومن وجه: جامعاً للفضائل؛ إذ لا فضيلة إلا وللصَّبر فيها أثر بليغ - غيَّر إعرابه تنبيهاً على هذا المقصد؛ وهذا كلام حسن. وحكى الزَّمخشريُّ قراءة "والمُوفِينَ"، "والصَّابِرِينَ" وقرأ الحسن، والأعمش، ويعقوب: "وَالمُوفُونَ"، "والصَّابِرُونَ". فصل في الأحكام المستافدة من الآية قال القرطبيُّ: تضمَّنت هذه الآية الكريمة ستَّ عشرة قاعدةً من أُمَّهات الأحكام: الإيمان بالله وبأسمائه، وصفاته، والحشر، والنشر، والصراط، والحوض، والشَّفاعة، والجنة، والنار، والملائكة، والرُّسل، والكتب المنزلة، وأنَّها حقٌّ من عند الله؛ كما تقدم، والنَّبيين، وإنفاق المال فيما يعنُّ له من الواجب، والمندوب، وإيصال القرابة، وترك قطعهم، وتفقُّد اليتيم، وعدم إهماله المساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل، وهو: المسافر المنقطع به، وقيل: الضعيف، والسُّؤَّال، وفكّ الرقاب، والمحافظة على الصَّلوات، وإيتاء الزَّكاة، والوفاء بالعهود، والصَّبر في الشَّدائد، وكلُّ قاعدةٍ من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب. وقوله {فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ}: قال ابن عبَّاس: يريد الفقر بقوله: "البَأْسَاءِ"، والمرَضَ بقوله: "وَالضَّرَّاءِ"، وفيهما قولان: أحدهما: وهو المشهور أنَّهما اسمان مشتقَّان من البؤس والضُّرِّ وألفهما للتأنيث، فهما اسمان على "فَعْلاَء" ولا "أفْعَل" لهما؛ لأنَّهما ليسا بنعتين. والثاني: أنهما وصفان قائمان مقام موصوف، والبؤس، والبأْساء: الفقر؛ يقال بئس يبأس، إذا افتقر؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 917 - وَلَمْ يَكُ في بُؤْسٍ إذَا بَاتَ لَيْلَةً يُنَاغِي غَزَالاً سَاجِيَ الطَّرْفِ أَكْحَلاَ تفسير : قوله: "وَحِينَ البَأْس" منصوب بـالصَّابِرِينَ، [أي]: الذين صَبَرُوا وقْتَ الشِّدَّة، والبأْسُ: شدَّة القتال خاصَّة، بؤس الرَّجل، أي: شجع. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد القتال في سبيل الله، وأصل البأس في اللغة: الشِّدَّة؛ يقال: لا بأس عليك في هذا، أي: لا شدَّة و{أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}تفسير : [الأعراف: 165] أي: شديد، ثم يسمَّى الحرب بأساً، لما فيه من الشِّدَّة، والعذاب يسمَّى بأساً؛ لشدَّته، قال تبارك وتعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 84] {أية : فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ}تفسير : [الأنبياء: 12]{أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا}تفسير : [غافر: 29]. قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوآ} مبتدأ وخبر، وأتى بخبر "أُولَئِكَ" الأولى موصولاً بصلةٍ، وهي فعلٌ ماضٍ؛ لتحقُّق اتصافهم به، وأن ذلك قد وقع منهم، واستقرَّ، وأتى بخبر الثانية بموصولٍ صلته اسم فاعلٍ، ليدلَّ على الثبوت، وأنه ليس متجدِّداً، بل صار كالسَّجيَّة لهم، وأيضاً: فلو أتى به فعلاً ماضياً، لما حسن وقوعه فاصلةً. قال الواحديُّ - رحمه الله -: إن الواوات في الأَوْصَاف في هذه الآية للجمع، فمن شرائطِ البِرِّ، وتمام شَرْط البَارِّ: أن تجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدٍ منها، لم يستحقَّ الوصف بالبِرِّ فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده أن يكون من جملة من قام بالبِرِّ، وكذا الصابر في البأساء، بل لا يكون قائماً بالبِرِّ إلاَّ عند استجماع هذه الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصَّة للأنبياء؛ لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلُّها. وقال آخرون: هي عامَّة في جميع المؤمنين، والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط فيها الاستقبال وغيرها فقال تعالى: {ليس البر} أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن {أن تولوا وجوهكم} أي في الصلاة {قبل المشرق} الذي هو جهة مطالع الأنوار {والمغرب} الذي هو جهة أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية، فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه أية : {فأينما تولوا فثم وجه الله}تفسير : [البقرة: 115] ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام إلى قوله {أية : آمن الرسول} تفسير : [البقرة: 258] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيراً مما كلفوه مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلاً لم يتقدم فقال: {ولكن البر من} أي إيمان من، ولعله عبر بذلك إفهاماً لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة {آمن بالله} الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال: {واليوم الآخر} الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد. ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئاً إلا بالتنبيه وضُلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه وتعالى الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئاً بالأول فالأول فقال: {والملائكة} أي الذين أقامهم فيما بينه وبين الناس وهم غيب محض {والكتاب} الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره {والنبيين} الذين تنزل به عليهم الملائكة، لكونهم خلاصة الخلق، فلهم جهة ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها، وجهة بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم، ولهم من المعاني الجليلة الجميلة التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام. قال الحرالي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها - انتهى. وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة، وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعياً للإيمان بلا بينة، وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال {أية : إنما أموالكم وأولادكم فتنة}تفسير : [التغابن: 15] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه فصار عبد الله حقاً، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله سبحانه وتعالى في الله. قال الحرالي: فمن ظن أن حاجته يسدها المال فليس براً، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى. فلذلك قال: {وآتى المال} أي الذي أباحه بعد جعله دليلاً عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو على كل شيء قدير؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالىعلى كل شيء بقوله: {على حبه} أي إيتاء عالياً فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر فقال: {ذوي القربى} أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم صدقة وصلة {واليتامى} من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس {والمساكين} لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة {وابن السبيل} لعجزهم بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي {والسآئلين} لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم {وفي الرقاب} قال الحرالي: جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة. ولما ذكر سبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثاً على مزيد الاهتمام بها لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق فقال: {وأقام الصلاة} التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما يزكي الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال: {وآتى الزكاة} وفي الاقتصار فيها على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من الإخلاص. ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في جميع ما تقدمه فقال: {والموفون بعهدهم} قال الحرالي: من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى. وبين قوله: {إذا عاهدوا} أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق تصريحاً بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال: {والصابرين} وفيه رمز إلى معاملته بما كان من حقه لو عطف على {من آمن} لو سيق على الأصل. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكراً تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييداً من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤاً من الدنيا وتحققاً بمنال الخير من الله - انتهى. وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال: {في البأسآء} أي عند حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة العباد {والضرآء} بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ونحوه، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ليكون الأخص مذكوراً مرتين. وقال الحرالي: البأساء فعلاء من البؤس وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، فكان البأساء في الحال والضراء في البدن - انتهى. {وحين البأس} أي الحرب الجامع للأنفس والأموال. وقال الحرالي: البأس الشدة في الحرب. ولما كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفاً بياناً لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال: {أولئك} أي خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم {الذين صدقوا} أي فيما ادعوه من الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه {وأولئك هم} خاصة {المتقون *} ليوم الجزاء، وفي جعله نعتاً لهم إشعار بأنهم تكلفوا هذه الأفعال لعظيم الخوف. وقال ابن الزبير في برهانه: ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل الأحكام ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاج إليه في كل الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله {ليس البر} إلى قوله: {آمن الرسول} مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق استدعاه - انتهى. والحاصل أنه سبحانه وتعالى لما طهرهم من أوصار المحارم بقوارع الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات الأوامر ليكمل تعبدهم بتحليهم بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر في هذه السورة جميع أركان هذا الحرف وحظيرته. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقاً بصدق المحبة، فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيداً وطليعته آية ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى {أية : اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً}تفسير : [النساء: 36] طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئاً أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة، وبدئت بالوضوء عملاً من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملاً من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان أقواهم إيماناً أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتاً، من أحب ملكاً خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وبدنه في ذلك أنزل عليه {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى}تفسير : [طه: 2-5] - إلى قوله {أية : الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى*}تفسير : [طه: 8] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع على ما كان أصلها، وذلك صبيحة ليلة الإسراء، وأول منزل هذا الحرف والله سبحانه وتعالى أعلم في فرض هذا الركن أو من أول منزله قوله تعالى: {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} تفسير : [الإسراء: 78] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به أوقات الفتنة ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها. الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس لله سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها نهاراً للمقتصر ودواماً للمعتكف، وهو صلة بين العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله {أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}تفسير : [البقرة: 183] وإنما فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم لما آمنوا من عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله تعالى: {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} تفسير : [البقرة: 185] إلى ما تفسير : يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهاراً لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله سبحانه وتعالى بالنفاق جهراً أعظم من شهادته على مانع الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قُواه بالصلاة من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الزكاة حباً قبل فرضها كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزماً مشهوراً عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحي عم نفاق قوم بها أنفة من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: {أية : وآتوا الزكاة}تفسير : [البقرة: 43] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحاً ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: {أية : خذ من أموالهم صدقة} تفسير : [التوبة: 103] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها الوعيد في القرآن جبراً لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان النفقات والصدقات بداراً عن حب أو ائتماراً عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين وذلك في أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة، وأول خطابه {أية : ولله على الناس حج البيت} تفسير : [آل عمران: 97] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام {أية : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً} تفسير : [الحج: 27] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما في المدينة، ومن أول تصريح منزله {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} تفسير : [الحج: 39] إلى قوله {أية : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} تفسير : [التوبة: 36] {أية : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}تفسير : [التوبة: 123] إلى قوله: {أية : جاهد الكفار والمنافقين} تفسير : [التوبة: 73] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 29] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} تفسير : [الأنفال: 39] وهذا تمام حرف الأمر؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله، ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر: اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماماً يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله إلهاً آخر، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة {أية : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} تفسير : [إبراهيم: 18] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي بأن لا يرى لله سبحانه وتعالى شريكاً في شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك في سائر أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد {أية : وما النصر إلاّ من عند الله} تفسير : [آل عمران: 126 والأنفال: 10] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء يكون أملك بذلك العمل، وأما من جهة أحوال النفس فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير رُدت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكانت أمته لا أمة ربها وكان المرء عبده لا عبد ربه "حديث : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة" تفسير : وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون، وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا تتحدث في تسويلها، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في الصوم والصوم الصبر كلّه، ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين، ويصحبها الجميع في الجهاد مع غريزة الشجاعة، هذا من جهة حال النفس وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته أحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه قسطه منها كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن بذلك "حديث : تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر" تفسير : فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم الكفران، "حديث : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يؤذن فلما قال: الله أكبر الله أكبر، قال: على الفطرة، فلما قال: لا إله إلاّ الله، قال: خرجت من النار" تفسير : وأما أدب الصلاة فخشوع الجوارح والهدو في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة، وأما أدب الإنفاق فحسن المناولة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يناول السائل بيده ولا يكله إلى غيره الإسرار أتم {أية : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}تفسير : [البقرة: 271] وينفق من كل شيء بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو مسانهة {أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : [البقرة: 3] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخراً والفطر معجلاً، وصوم الأعضاء كلها عن العدل فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال والأخذ فيه لشهوة العيال؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد الله لا على حاصل ما بيد العبد، وهو تزود التقوى والرفع مع الرفيق والرفق بالظهر وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج والإعلان بالتلبية وهو العج، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة، وأما أدب الجهاد فاستطابة الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها تصفية وورعاً وتناوله بيده "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول علف فرسه بيده ويمسحه بردائه" والتزام ما يجد معه المنة من أن يكون فارساً أو راجلاً أو رامحاً أو نابلاً، من تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع الحق وعمل بالتكليف، والصمت عند اللقاء وغض البصر عن النظر إلى الأعداء، وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم"تفسير : ، وكف اليد عما للغير فيه حق وهو الغلول، وأن لا يدعوا للبراز وأن يجيب إذا دعي وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عزّ وجلّ: عبدي كل عبدي الذي يذكر الله وهو ملاق قرنه" تفسير : ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه على ما يستقرأ من السنن النبوية وآثار الخلفاء وصالحي الأمراء فبهذه الأمور من إخلاص القلب وطيب النفس وأدب الجوارح، فيصح قراءة حرف الأمر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم - انتهى. ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل شيء وكان من جملة ما خاف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم}تفسير : [البقرة: 84] الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذاً لهم بالإقبال عليهم بالخطاب {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولما حصل التعديل بها وقع سابقاً من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله بني للمجهول قوله: {كتب عليكم} أي فرض في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب، والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في معناه وأشعر به التعبير بعلى {القصاص} أي المساواة في القتل والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر. قال الحرالي: كأنه يتبع بالجاني إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى. {في القتلى} أي في سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها، كان قطع يداً فسرى إلى النفس فتقطعه، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة مخصوصة في بعض الصور، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من الإجمال، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وأيضاً لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل الله إلاّ بمحض الإيمان كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك. ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلاً فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبيناً للمساواة: {الحر بالحر} ولا يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساوياً بقتل العبد به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة. ولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله: {والعبد بالعبد} تعظيماً للذكورية، وكذا يقتل بالحر لأنه أولى، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساوياً للحكم {والأنثى بالأنثى} وتقتل الأنثى بالذكر والذكر بها، لأن كلًّ منهما مساوٍ للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : النساء شقائق الرجال" تفسير : احتياطاً للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك، ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم وفاقاً لقوله تعالى {أية : وللرجال عليهن درجة} تفسير : [البقرة: 228] وتنبيهاً على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله، وإذا تأملت قوله {القتلى} دون أن يقول: القتل. علمت ذلك. قال الحرالي: لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصاً بل اعتداء ثانياً ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص على نحوه وحده - انتهى. وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم بكافر بما أفهمه القصاص، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه وتعالى {أية : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} تفسير : [الحشر: 20] في أمثالها من الآيات. ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبهاً على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما. قال الحرالي: نقلاً من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلاً من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ولده فقال: {فمن عفي له} عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء من الحق ولو كان يسيراً وهو معنى قوله: {من أخيه شيء} أي أي شيء كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث {أية : ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ} تفسير : [النساء: 92] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمناً إنما قصد أن يقتل عدوّاً وشاتماً أو عادياً على أهله وماله أو ولده. فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان {فاتباع} أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم {بالمعروف} فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر. ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال {وأدآء إليه بإحسان} لئلا يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان {أية : فقد جعلنا لوليه سلطاناً} تفسير : [الإسراء: 22] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى. ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيماً للمنة فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الرفق وهو التخيير بين القصاص والعفو مجاناً وعلى الدية {تخفيف} أي عن القتال وأوليائه {من ربكم} المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل، وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. {ورحمة} لأولياء القتيل بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "حديث : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فمن عفي له من أخيه شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية"تفسير : انتهى. وقال أهل التفسير: كتب على اليهود القصاص وحرم عليهم الدية والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم الدية ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها تهديد من أباها فقال تعالى: {فمن اعتدى} أي بالقتل {بعد ذلك} أي التخيير والعفو ولو كان العافي غيره {فله عذاب أليم *} بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الملك الذي لا تسوغ مخالفته، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظاً عليه. قال الحرالي: وفي الآية دليل على أن القاتل عمداً لا يصير بذلك كافراً، قال الأصبهاني: قال ابن عباس: سمي القاتل في أول الآية مؤمناً وفي وسطها أخاً ولم يؤيسه آخرها من التخفيف والرحمة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر ‏"حديث : ‏أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان فتلا ‏{‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏}‏ حتى فرغ منها، ثم سأله أيضاً فتلاها، ثم سأله فتلاها وقال‏: وإذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرحمن قال‏ ‏"حديث : ‏جاء رجل إلى أبي ذر فقال‏:‏ ما الإِيمان‏؟‏ فتلا عليه هذه الآية ‏{‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏} حتى فرغ منها‏.‏ فقال الرجل‏:‏ ليس عن البر سألتك‏.‏ فقال أبو ذر‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألتني، فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ادن‏.‏ فدنا فقال‏: المؤمن إذا عمل الحسنة سرته رجاء ثوابها، وإذا عمل السيئة أحزنته وخاف عقابها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه وعبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ سئل الحسن بن علي مقبلة من الشام عن الإِيمان، فقرأ ‏ {‏ليس البر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت ‏{‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏} ‏ يعني في الصلاة. يقول‏:‏ ليس البر أن تصلوا ولا تعلموا، فهذا حين تحوّل من مكه إلى المدينة، ونزلت الفرائض وحد الحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ هذه الآيه نزلت بالمدينة ‏ {‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏}‏ يعني الصلاة، تبدل ليس البر أن تصلوا ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏ليس البر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر، فأنزل الله هذه الآية، فدعا الرجل فتلاها عليه، وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم مات على ذلك يرجى له في خير، فأنزل الله {‏ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب‏} ‏ وكانت اليهود توجهت قبل المغرب والنصارى قبل المشرق ‏ {‏ولكن البر من آمن بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت ‏{‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله والثعلبي من طريق هرون عن ابن مسعود وأبي بن كعب أنهما قرآ (‏ليس البر أن تولوا)‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي ميسرة قال‏:‏ من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإِيمان ‏ {‏ليس البر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر‏}‏ ما ثبت في القلوب من طاعة الله‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال‏:‏ في قراءتنا مكان ليس البر أن تولوا ولا تحسبن أن البر‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين‏}. أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والآجري في الشريعة واللالكائي في السنة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب ‏"حديث : أنهم بينما هم جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يمشي، حسن الشعر عليه ثياب بياض، فنظر القوم بعضهم إلى بعض ما نعرف هذا وما هذا بصاحب سفر‏!‏ ثم قال‏:‏ يا رسول الله آتيك‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ فجاءه فوضع ركبتيه عند ركبتيه ويديه على فخذيه فقال‏:‏ ما الإِسلام‏؟‏ قال‏: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، قال‏:‏ فما الإِيمان‏؟‏ قال‏: أن تؤمن بالله، وملائكته، ولفظ ابن مردويه‏: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والجنة، والنار، والبعث بعد الموت، والقدر كله‏.‏ قال‏:‏ فما الإِحسان‏؟‏ قال‏: أن تعمل لله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏. قال‏:‏ فمتى الساعة‏؟‏ قال‏: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل‏!‏ قال‏:‏ فما اشراطها‏؟‏ قال‏: إذا العراة الحفاة العالة رعاء الشاء تطاولوا في البنيان، وولدت الإِماء أربابهن، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فطلبوه فلم يروا شيئاً، فمكث يومين أو ثلاثة ثم قال‏: يا ابن الخطاب أتدري من السائل كذا وكذا‏؟ قال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قال‏: ذاك جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم ‏"‏‏. تفسير : ‏وأخرج أحمد والبزارعن ابن عباس قال ‏"‏حديث : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا رسول الله حدثني عن الإِسلام‏؟‏ قال‏:‏ الإِسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله‏. قال‏:‏ فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت.‏ قال‏:‏ يا رسول الله حدثني عن الإِيمان‏؟‏ قال‏:‏ الإِيمان أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والموت، والحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة، والنار، والحساب، والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره‏. قال‏: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت‏. قال‏:‏ يا رسول الله حدثني ما الإِحسان‏؟‏ قال‏:‏ الإِحسان أن تعمل لله كأنك تراه فإن لا تراه فإنه يراك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أنس قال ‏"‏حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذا جاءه رجل ليس عليه ثياب السفر يتخلل الناس حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده على ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد ما الإِسلام‏؟‏ قال‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً‏.‏ قال‏:‏ فإذا فعلت فأنا مؤمن‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ صدقت‏.‏ قال‏:‏ يا محمد ما الإِحسان‏؟‏ قال‏:‏ أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك‏.‏ قال‏:‏ فإذا فعلت ذلك فأنا محسن‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ قال‏:‏ صدقت‏.‏ قال‏:‏ يا محمد متى الساعة‏؟‏ قال‏:‏ ما المسؤول عنها بأعلم من السائل‏!‏ وأدبر الرجل فذهب‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ عليّ بالرجل، فاتبعوه يطلبونه فلم يروا شيئاً‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ذاك جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وأبي ذرٍّ قالا‏:‏ ‏"‏حديث : إنا لجلوس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في مجلسه محتب إذ أقبل رجل من أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس ريحاً، وأنقى الناس ثوباً، فقال‏:‏ يا محمد ما الإِسلام‏؟‏ قال‏:‏ أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، قال‏:‏ فإذا فعلت هذا فقد أسلمت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏. قال‏:‏ صدقت‏.‏ فقال‏:‏ يا محمد أخبرني ما الإِيمان‏؟‏ قال‏:‏ الإِيمان بالله، وملائكته، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالقدر كله‏.‏ قال‏:‏ فإذا فعلت ذلك فقد آمنت‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ قال‏:‏ صدقت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال ‏"حديث : ‏قلت يا رسول الله ما الذي بعثك الله به‏؟‏ قال‏:‏ بعثني الله بالإِسلام‏!‏ قلت‏:‏ وما الإِسلام‏؟‏ قال‏: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة‏ "‏‏.‏ تفسير : أما قوله تعالى: ‏ {‏وآتى المال على حبه‏}‏. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏وآتى المال‏} ‏ يعني أعطى المال ‏{‏على حبه‏}‏ يعني على حب المال‏.‏ وأخرج ابن المبارك في الزهد ووكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن مسعود ‏ {‏وآتى المال على حبه‏}‏ قال‏:‏ يعطي وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخاف الفقر‏.‏ وأخرج الحاكم عن ابن مسعود مرفوعا‏ً.‏ مثله‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن المطلب‏ ‏"‏حديث : أنه قيل‏:‏ يا رسول الله ما آتى المال على حبه فكلنا نحبه‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: تؤتيه حين تؤتيه ونفسك حين تحدثك بطول العمر والفقر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلا وقد كان لفلان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏مثل الذي ينفق أو يتصدق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع‏ "‏‏.‏ تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذوي القربى‏}‏ . أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏ذوي القربى‏} ‏ يعني قرابته‏.‏ وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط‏ ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والدارمي والطبراني عن حكيم بن حزام ‏"حديث : ‏أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصدقات أيها أفضل‏؟‏ قال‏:‏ على ذي الرحم الكاشح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه عن ميمونة أم المؤمنين قالت ‏"حديث : ‏أعتقت جارية لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما إنك لو أعطيتها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس‏ ‏"حديث : ‏أن ميمونة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جارية تعتقها‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أعطيها أختك ترعى عليها وصلي بها رحماً، فإنه خير لك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن فاطمة بنت قيس ‏"حديث : ‏أنها قالت‏:‏ يا رسول الله إن لي مثقالاً من ذهب‏.‏ قال‏:‏ اجعليها في قرابتك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي في سننه عن سلمان بن عامر الضبي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم إثنتان، صدقة وصلة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت‏ "‏حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتجزىء عني من الصدقة النفقة على زوجي وأيتام في حجري‏؟‏ قال‏:‏ لك أجران‏:‏ أجر الصدقة، وأجر القرابة‏ "‏‏.‏ تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وابن السبيل‏}‏ . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ ابن السبيل الذي يمر عليك وهو مسافر‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسائلين‏}‏ . أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ‏{‏والسائلين‏}‏ قال‏:‏ السائل الذي يسألك‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : للسائل حق وإن جاء على فرس‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : اعطوا السائل وإن كان على فرس ‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ قال عيسى بن مريم‏:‏ للسائل حق وإن جاء على فرس مطوّق بالفضة‏.‏ وأخرج ابن سعد والترمذي وصححه وابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم بجيد وكانت ممن تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت‏ "حديث : ‏يا رسول الله إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد شيئاً أعطيه إياه‏؟‏‏!‏ فقال لها‏:‏ إنْ لم تجدي إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه‏‏ تفسير : . ولفظ ابن خزيمة‏:‏ حديث : ولا تردي سائلك ولو بظلف‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد من طريق عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حواء قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"‏حديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حميد بن عبد الرحمن قال‏:‏ كان يقال‏:‏ ردوا السائل ولو بمثل رأس القطاة‏.‏ وأخرج أبو نعيم والثعلبي والديلمي والخطيب في رواة مالك بسند واه عن ابن عمر مرفوعا‏ً "حديث : ‏هدية الله للمؤمن السائل على بابه‏ "‏‏تفسير : .‏ وأخرج ابن شاهين وابن النجار في تاريخه عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ألا أدلكم على هدايا الله عز وجل إلى خلقه‏؟ قلنا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏: الفقير هو هدية الله قبل ذلك أو ترك‏ "‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى ‏ {‏وفي الرقاب‏}‏ . أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏{‏وفي الرقاب‏} ‏ يعني فكاك الرقاب‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وأقام الصلاة وآتى الزكاة‏} ‏. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏وأقام الصلاة‏}‏ يعني وأتم الصلاة المكتوبة ‏ {‏وآتى الزكاة‏} ‏ يعني الزكاة المفروضة‏.‏ وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والدارقطني وابن مردويه عن فاطمة بنت قيس قالت‏:‏ قال رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم "حديث : في المال حق سوى الزكاة، ثم قرأ ‏{‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي هريرة ‏"‏حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في المال حق بعد الزكاة‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ تحمل على النجيبة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي‏.‏ أنه سئل هل على الرجل في ماله حق سوى الزكاة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وتلا هذه الآية ‏ {‏وآتى المال على حبه ذوي القربى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ربيعة بن كلثوم قال‏:‏ حدثني أبي قال لي مسلم بن يسار‏:‏ إن الصلاة صلاتان، وإن الزكاة زكاتان، والله إنه لفي كتاب الله أقرأ عليك به قرآنا‏ً.‏ قلت له‏:‏ اقرأ‏.‏ قال‏:‏ فإن الله يقول في كتابه ‏ {‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏} فهذا ما دونه تطوّع كله ‏ {‏وأقام الصلاة‏}‏ على الفريضة ‏ {‏وآتى الزكاة‏} ‏ فهاتان فريضتان‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏والموفون بعهدهم إذا عاهدوا‏}‏ . ‏أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ‏{‏والموفون بعهدهم إذا عاهدوا‏}‏ قال‏:‏ فمن أعطى عهد الله ثم نقضه فالله ينتقم منه، ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غدر بها فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏والموفون بعهدهم إذا عاهدوا‏}‏ يعني فيما بينهم وبين الناس‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ {‏والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس‏}‏ ‏.‏ أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال ‏{‏البأساء والضراء‏}‏ السقم ‏ {‏وحين البأس‏} ‏ حين القتال‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ كنا نحدث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السقم والوجع، وحين البأس عند مواطن القتال‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق سأله عن البأساء والضراء قال‏:‏ البأساء الخصب، والضراء الجدب‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول زيد بن عمرو‏: شعر : إن الإِله عزيز واسع حكم بكفه الضر والبأساء والنعم تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏أولئك الذين صدقوا‏} الآية‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏أولئك‏} ‏ يعني الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية هم الذين صدقوا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله ‏ {‏أولئك الذين صدقوا‏} ‏ قال‏:‏ تكلموا بكلام الإِيمان، فكانت حقيقته العمل صدقوا الله قال‏:‏ وكان الحسن يقول‏:‏ هذا كلام الإِيمان وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شيء‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي عامر الأشعري قال‏:‏ قلت يا رسول الله ما تمام البرِّ قال ‏"‏حديث : تعمل في السر عمل العلانية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي شيبان قال‏:‏ سألت زيد بن رفيع فقلت‏:‏ يا أبا جعفر ما تقول في الخوارج في تكفيرهم الناس‏؟‏ قال‏:‏ كذبوا بقول الله عز وجل {‏ليس البر أن تولوا وجوهكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فمن آمن بهن فهو مؤمن ومن كفر بهن فهو كافر‏.‏

التستري

تفسير : {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}[177] فقال: يعني ليس من التقوى أن لا تفعلوا غير ذلك {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}[177] الآية. وسئل عن قوله: {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ}[177] أي في بداية الأمر بالسنة، {وٱلضَّرَّاءِ}[177] أي في اجتناب المنهي ظاهراً وباطناً في أكل الحلال، والبأساء في الظاهر الفقر، والضراء الشدة، {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} [177] أي عند القتال.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [الآية: 177]. قال بعضهم: الوفاء بالعهد لزوم الحدود والرضا بالموجود والصبرعلى المفقود.

القشيري

تفسير : والإشارة أن الظواهِرَ ليس لها كثيرُ اعتبار إنما الخبر عن الله عزيز. وكثرة الأوراد - وإن جلَّت - فحرفة العجائز، وإخلاص الطاعات - وإن عزَّ - فصفة العوام، وَوَصْلُ الليل بالنهار في وظائف كثيرة ومجاهدات غزيرة عظيم الخطر في استحقاق الثواب، ولكنَّ معرفة الحق عزيزة. وما ذُكِر في هذه الآية من فنون الإحسان، ووجوه قضايا الإيمان، وإيتاء المال، وتصفية الأعمال، وصلة الرحم، والتمسك بفنون الذّمم والعِصَم، والوفاء بالعهود، ومراعاة الحدود - عظيم الأثر، كثير الخطر، محبوب الحق شرعاً، ومطلوبه أمراً لكِنّ قيام الحق عنك بعد فنائك، وامتحائك مِنْ شاهِدِك، واستهلاكك في وجود القِدَم، وتعطل رسومك عن مساكنات إحساسك - أتمُّ وأعلى في المعنى؛ لأن التوحيد لا يُبقِي رسماً ولا أثراً، ولا يغادر غَيْراً ولا غَبَراً.

البقلي

تفسير : {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} اى الموفون بعهد الازل بترك المعارضة في العبودية والاعراض عما سوى الحق فى مقام المعرفة وقال بعضهم الوفاء بالعهد لزوم الحدود والرضا بالموجود والصبر على المفقود {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} اى الصابرين في دفع صولة ضدمات النفوس عند معارضتها كشوف الحقائق وخرها عند القاء المخطرات فى ديوان المكاشفات بنعت ترغيبها او ترهيبها وعند تطرق طوارقات القهر ابو بخزائن القلب لتشددها بحثاله عوراض البشرية والسكون في دفع الخطرات صبر خص به الصادقين في طلب مرضاة الحق عند نزول الحجار البليات من منجنيق الامتحان.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليس البر} هو كل فعل مرضى يفضى بصاحبه الى الجنة {أن تولوا} اى ان تصرفوا يا اهل الكتابين {وجوهكم} فى الصلاة {قبل المشرق والمغرب} اى مقابلهما ظرف مكان لقوله تولوا والبر منصوب على انه خبر مقدم وان تولوا اسمها لكونه فى تأويل المصدر والمصدر المؤول اعرف من المحلى باللام وهو يشبه الضمير من حيث انه لا يوصف ولا يوصف به فالاولى ان يجعل الاعرف اسما وغير الاعرف خبرا وذلك ان اليهود والنصارى اكثروا الخوض فى امر القبلة حين حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى الكعبة وزعم كل واحد من الفريقين ان البر هو التوجه الى قبلته فرد عليهم وقيل ليس البر ما انتم عليه فانه منسوخ خارج من البر {ولكن البر} المعود الذى ينبغى ان يهتم بشأنه ويجد فى تحصيله {من} اى بر من على حذف المضاف لان اسم لكن من اسماء المعانى وخبرها من اسماء الاعيان فامتنع الحمل لذلك {آمن بالله} وحده ايمانا بريئا من شائبة الاشراك لا كايمان اليهود والنصارى المشركين بقولهم عزيز ابن الله وقولهم المسيح ابن الله وقدم الايمان بالله فى الذكر لانه اصل لجميع الكمالات العلمية والعملية {واليوم الآخر} اى بالبعث الذى فيه جزاء الاعمال على انه كائن لا محالة وعلى ما هو عليه لا كما يزعمون من انهم لا تمسهم النار الا اياما معدودة وان آباءهم الانبياء ويشفعون لهم فالبر هو التوجه الى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب فى الحقيقة ولما كان الايمان باليوم الآخر متفرعا على الايمان بالله لانا ما لم نعلم باستحقاقه الالوهية وقدرته على جميع الممكنات لا يمكننا ان نعلم صحة الحشر والنشر وكان الايمان به محركا وداعيا الى الانقياد بالله فى جميع ما امر به ونهى عنه خوفا وطمعا ذكر الايمان به عقيب الايمان بالله {والملائكة} كلهم بانهم عباد الله ليسوا بذكور ولا اناث ولا بشر ولا اولاد مكرمون عنده متوسطون بينه وبين انبيائه بالقاء الوحى وانزال الكتب واليهود اخلو بذلك حيث اظهروا عداوة جبريل {والكتاب} اى بجنس الكتاب الالهى الذى من افراده الفرقان واليهود اخلو بذلك لانه مع قيام الدليل على ان القرآن كتاب الله تعالى ردوه ولم يقبلوه {والنبيين} جميعا بانهم المبعوثون الى خلقه والقائمون بحقه والصادقون عنه فى امره ونهيه ووعده ووعيده واخباره من غير تفرقة بين احد منهم واليهود اخلوا بذلك حيث قتلوا الانبياء وطعنوا فى نبوة محمد عليه السلام. واعلم ان الايمان بالملائكة والكتاب مؤخر عن الايمان بالنبيين الا انه قدم الايمان بهما فى الذكر رعاية للترتيب بحسب الوجود الخارجى ولم ينظر الى الترتيب فى العلم فان الملك يوجر اولا ثم يحصل بواسطته نزول الكتاب الى الرسل فتدعو الرسل الى ما فيها من الاحكام وهذا اى الايمان بالامور الخمسة المذكورة اصول الدين وقواعد العقائد {وآتى المال} اى الصدقة من ماله {على حبه} حال من الضمير فى آتى والضمير المجرور للمال اى آتاه كائنا على حب المال كما قال عليه السلام لما سئل أى الصدقة افضل قال "حديث : ان تؤتيه وانت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى اذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلانbr>". تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه دردست تست كنون بر كف دست نه هرجه هست كه فردا بدندان كزى بشت دست تفسير : {ذوى القربى} مفعول اول لآتى بدلالة الحال وقدمهم لانهم احق بالصدقة لقوله عليه السلام "حديث : صدقتك على المسلمين صدقة وعلى ذى رحمك اثنتانbr>". تفسير : لانها صدقة وصلة وقال ايضا "حديث : افضل الصدقة على ذى الرحم الكاشحbr>". تفسير : {واليتامى} الفقراء منهم لا الاغنياء وقدم اليتامى على سائر المصارف لان الصغير الفقير الذى لا والد له ولا كاسب اشد احتياجا من المساكين ومن ذكر بعدهم {والمساكين} جمع مسكين والمسكين ضربان من يكف عن السؤال وهو المراد ههنا ومن ينبسط ويسأل وهذا القسم داخل فى قوله والسائلين وهو مبالغة الساكن فان المحتاج يزداد سكونه الى الناس على حسب ازدياد حاجته {وابن السبيل} اى المسافر البعيد عن ماله وسمى به لملازمته له كما تقول للص القاطع ابن الطريق وللمعمر ابن الليالى ولطير الماء ابن الماء والضيف لانه جاء من السبيل فكأنه ولد منه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفهbr>". تفسير : وايضا "حديث : اكرموا الضيف ولو كان كافراbr>". تفسير : {والسائلين} الذين الجأتهم الحاجة والضرورة الى السؤال وفى الحديث "حديث : للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسهbr>". تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : نه خواهنده بردر ديكران بشكرانه خواهنده ازدرمران تفسير : {وفى} تخليص {الرقاب} بمعاونة المكاتبين جمع رقبة وهى مؤخر العنق واشتقاقها من المراقبة لانها مكان مراقبة الرقيب المشرف على القوم واذا قيل اعتق الله رقبته يراد ان الله تعالى خلصه من مراقبة العذاب اياه. وقيل المراد بهم ارقاء يشتريهم الاغنياء لاعتاقهم. وقيل المراد بهم الاسارى فان الاغنياء يؤتون المال فى تخليصهم فهذا هو البر ببذل الاموال على وفق مراد الله تعالى الى المصارف المذكورة واليهود اخلوا بذلك لانهم اكلوا اموال الناس بالباطل حيث كتموا دلائل حقية الاسلام على اتباعهم واشتروا به ثمنا قليلا وعوضا يسيرا وهو ما يعود اليهم من هدايا السفلة {وأقام الصلاة} المفروضة عطف على صلة من اى من آمن وآتى واقام واليهود كانوا يمنعون الناس من الصلاة والزكاة {وآتى الزكوة} المفروضة على ان المراد بما مر من ايتاء المال التنفل بالصدقة قدم على الفريضة مبالغة فى الحث عليه او الاول لبيان المصارف والثانى لبيان وجوب الاداء {والموفون} عطف على من آمن فانه فى قوة ان يقال ومن اوفوا {بعهدهم} من الاوامر والنواهى والنذور {إذا عاهدوا} فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس اذا وعدوا انجزوا واذا حلفوا او نذروا اوفوا واذا قالوا صدقوا واذا ائتمنوا ادوا وفى الحديث "حديث : من اعطى عهد الله ثم نقضه فالله لا ينظر اليهbr>". تفسير : اى انقطع نظره عنه "حديث : ومن اعطى ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم غدر فالنبى خصمه يوم القيامةbr>". تفسير : واليهود نقضوا العهد قال الله تعالى {أية : وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم}تفسير : [البقرة: 40]. وفى المثنوى شعر : جون درختست آدمى وبيخ عهد بيخ را نيمار مى بايد بجهد عهد فاسد بيخ بوسيده بود وزثمارلطف ببريده بود شاخ وبرك نخل اكرجه سبزبود بافساد بيخ سبزى نيست سود ورندارد برك سبز وبيخ هست عاقبت بيرون كند صدبرك دست تومشوغره بعلمش عهد جو علم جون قشراست وعهدش مغزاو تفسير : {والصابرين} منصوب على المدح اى بتقدير اعنى وهو فى الحقيقة والمعنى عطف على من آمن لكن غير سبكه تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته اى واعنى الذين صبروا {فى البأساء} اى فى الفقر والشدة {والضراء} اى المرض والزمانة {وحين البأس} منصوب بالصابرين اى وقت الشدة والبأس شدة القتال خاصة وهو فى الاصل مطلق الشدة وزيادة الحين للاشعار بوقوعه احيانا وسرعة انقضائه واهل الكتاب اخلوا بذلك حيث كانوا فى غاية الخوف والجبن والحاصل انه لما حولت القبلة وكثر خوض اهل الكتاب فى نسخها صار كأنهم قالوا مدار البر والطاعة هو الاستقبال فانزل الله هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد فى امر القبلة مع الاعراض عن كل اركان الدين فصفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل الا بمجموع الامور المذكورة {أولئك} اى اهل هذه الصفة {الذين صدقوا} فى الدين واتباع الحق وتحرى البر حيث لم تغيرهم الاحوال ولم تزلزلهم الاحوال {وأولئك هم المتقون} عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الاشارة لزيادة تنويه شأنهم وتوسيط الضمير للاشارة الى انحصار التقوى فيهم والآية جامعة للكمالات الانسانية باسرها دالة عليها صريحا او ضمنا فانها بكثرتها وتشعبها منحصرة فى ثلاثة اشياء صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وقد اشير الى الاول بقوله من آمن الى والنبيين والى الثانى بقوله وآتى المال الى وفى الرقاب والى الثالث بقوله واقام الصلوة الى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا الى ايمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق واليه يشير قوله عليه السلام "حديث : من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان ". تفسير : قال شيخنا العلامه. ابقاه الله بالسلامة قيل لى فى قلبى احسن اخلاق المرء فى معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن اخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء انتهى كلامه. وحب المال من اغلب اخلاق النفس وكذا العجلة من الاخلاق الرديئة ولذلك قيل ان الصبر افضل من الشكر وفى الخبر "حديث : يؤتى بأشكر اهل الارض ليجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بالصابر فيقول الله هذا انعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر فيعطى اضعاف جزاء الشاكرينbr>". تفسير : والتحقيق ان تهذيب النفس انما يكون بالتوحيد بطريقه المخصوص كما ان اصل الايمان انما يحصل بالتوحيد والشهادة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: لمّا ذكر الحقّ تعالى التوحيد وبراهينه الذي هو رأس الدين، وحذَّرَ من الشرك وفروعه، ذكر هنا بقية أركان الدين، وهي الإيمان والإسلام، ذكر في هذه الآية قواعد الإيمان وبعض قواعدِ الإسلام؛ وهي الصلاة والزكاة، ثم ذكر بعد ذلك الصيام وأحكامه، ثم ذكر الحج وأركانه، ثم ذكر الجهاد والنكاح والطلاق والعِدَّة، ثم ذكر البيوع، وما يتعلق بها من الربا، ثم الشهادات والرهَان، وبها ختم السورة. لكن الحديث ذو شُجون، والكلام يَجُرُّ بعضُه بعضاً، فقوله: {ليس البر أن تولوا}: اسم ليس وخبرها، وكلاهما مُعَرَّفَتان، الأول بأل والثاني بالإضافة، إذا التقدير: توليةُ وجوهكم، فمن رجَّح تعريف الألف واللام. جعل {البر} اسمها، و {أن تولوا} خبرها، وبه قرأ الأكثر، ومن رجح الإضافة جعل {البر} خبرها مقدماً، والمصدر اسمها مؤخراً، وبه قرأ حمزة وحفص. وقوله: {ولكن البر} مَنْ خَفَّفَ جعلها عاطفة الجملة، و {البر} مبتدأ، و {من آمن} خبر على حذف مضاف، أَيْ: بِرُّ من آمن؛ إذ لا يُخْبَرُ بالذات عن المعنى، أو قصد المبالغة، ومن شدَّد نصب بها، لوقوعها بين جملتين، وهي استدراكية، و {على حبه} حال من المال، و {الصابرين} نصب على المدح، ولم يعطفه بالرفع لفضل الصبر وشرفه. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الرد على أهل الكتاب: {ليس البر} محصوراً في شأن القبلة، {ولكن البر} الذي ينبغي أن يُعتنى بشأنه هو الإيمان بالله، وما يجب له من الكمالات، وباليوم الآخرة وما بعده، وبالملائكة وما يجب أن يعتقد في شأنهم، والكتاب المنزل من السماء كالقرآن وغيره، {والنبيين} وما يجب لهم وما يستحيل في حقهم. فالبر هو بر من اعتقد في قلبه هذه الأشياء، وأظهر على جوارحه ما يصدق صحة اعتقادها، وذلك كالاتصاف بالسخاء والكرم، فأعطى المال على محبته له، أي: مع حبه، فقد سئل - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فقال: أن تَتَصَدَّقَ وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تأمُلُ الْغِنَى وتَخشَى الفَقْر"تفسير : . و {آتى المال} على حب الله، لا جزاء ولا شكوراً، فأعطى ذلك المال ذوي قرابته المحَاويج، وقدَّمهم لقوله - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : صَدَقَتُك على المَساكينِ صَدَقَةٌ، وعَلَى ذَوِي القُربى اثنتان؛ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"تفسير : . وأعطى {اليتامى} لإهمالهم، وأعطى {المساكين} الذين أسكنهم الفقر في بيوتهم، {وابن السبيل} وهو المسافر الغريب، كأن الطريق وَلَدْته، أو الضيف {والسائلين} ألجأتهم الحاجة إلى السؤال. وفي الحديث:"حديث : أَعْطِ السائِلَ ولو على فَرَسِه"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : هَدِيَّةُ اللّهِ إلى المؤمن السائلُ على بَابِه"تفسير : . وأعطى في فَكّ {الرقاب} من الرق أو الأسر. {وأقام الصلاة} المفروضة، {وآتى الزكاة} المعلومة. ومن أهل البر أيضاً: {المُوفُون بعهدهم} فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الناس {إذا عاهدوا} الله أو عبادة، فإذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدَّوْا، وأخُصُّ من أهل البر {الصابرينَ في البأساء} كالفقر والذل وإذاية الخلق، و {الضراء} كالمرض والزَّمَانة، أو {البأساء}: الأهوال، و {الضراء} في الأنفس، والصابرين {حين البأس} أي: الحرب والجهاد، {أولئك الذين صدقوا} في طلب الحق، {وأولئك هم المتقون} لكل ما يقطع عن الحق، أو يشغل عنه. فقد اشتملت هذه الآية على كمالات الإنسان بأسرها؛ لاشتمالها على ما يَزِين البواطنَ من الاعتقادات وما يزين الظواهر من المعاملات، وما يُزَكِّي النفوس من الرذائل ويُحَلِّيها بالمحاسن والكمالات. ولذلك وُصف المتصف بها بالصدق والتقى، اللذين هما أساسُ الطريقة ومبنَى أسرار التحقيق، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. الإشارة: ليس المطلوب من العبد أن يَتَوجَّه إلى الحق بجِهَةٍ مخصوصة، كما إذا توجه إليه بالظاهر وأهملَ الباطن، أو توجه بالباطن وأهمل الظاهر، ولكن المطلوب منه أن يُزين باطنه بأنوار الإيمان واليقين، ويزين ظاهره بسائر وظائف الدين، ويزكي نفسه من الرذائل؛ كالشح والبخل والغش والخيانة والكذب والخَوْف والجزَع، ويحليها بأنواع الفضائل؛ كالسخاء والكرم والوفاء بالعهد والأمانة، والصبر والشجاعة، والعفة والقناعة، وسائر أنواع الفضائل، فإذا تخلّى عن الرذائل وتحلّى بأضدادها من الفضائل استحق الدخول مع الأبرار، وكان من العارفين الكبار، أولئك الذين ظفروا بصدق الطلب فنالوا الغاية من كل مطلب، وأولئك هم المتقون حق التقاة، فنالُوه أعلى الدرجات، منحنا الله من ذلك الحظ الوافر بمنِّه وكرمه.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ حفص الأهبيرة، وحمزة {ليس البرّ} بنصب الراء. الباقون برفعها. وقرأ نافع، وابن عامر {ولكن البرّ} بتخفيف النون، ورفع الراء. النزول: قيل: إن هذه الآية نزلت لما حولت القبلة، وكثر الخوض في نسخ تلك الفريضة، صار كأنه لا يراعى بطاعة الله إلا التوجه للصلاة، فأنزل الله تعالى الآية، وبين فيها أن البر ما ذكره فيها، ودل على أن الصلاة إنما يحتاج اليها لما فيها من المصلحة الدينية، وإنه انما يأمر بها، لما في علمه أنها تدعو الى الصلاح، وتصرف عن الفساد، وإن ذلك يختلف بحسب الأزمان، والأوقات. المعنى: وقوله: {ليس البرّ} قيل فيه قولان: أحدهما - ذكره ابن عباس، ومجاهد: أنه {ليس البرّ} كله في التوجه الى الصلاة بل حتى يضاف إلى ذلك غيره من الطاعات التي أمر الله تعالى بها. والثاني - قاله قتادة، والربيع واختاره الجبائي: انه {ليس البرّ} ما عليه النصارى من التوجه الى المشرق، أو ما عليه اليهود من التوجه الى المغرب {ولكن البرّ} ما ذكره الله تعالى في الآية، وبينه. وقوله: {ولكن البرّ من آمن} قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - {ولكن البرّ} بر {من آمن بالله} فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه، واختاره المبرد، لقوله {ليس البرّ أن تولوا} وقال النابغة: شعر : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعلٍ في ذي المطارة عاقل تفسير : يعني مخافة وعل. وقالت الخنساء: شعر : ترتع ما غفلت حتى اذا ادّكرتْ فانما هي إقبال وإدبار تفسير : معناه انما هي مقبلة تارة، ومدبرة أخرى، فبالغ، فجعلها إقبالا وإدباراً، وقال متمم: شعر : لعمري! وما دهري بتأبين هالك ولا جزعاً مما أصاب فأوجعا تفسير : معناه ولا ذى جزع. الوجه الثاني - ولكن ذا البرّ من آمن بالله. الثالث - ولكن البارّ من آمن بالله، فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل. وقد بينا في ما مضى حقيقة الايمان والخلاف فيه، فلا معنى لاعادته. والضمير في قوله: {على حبه} يحتمل أن يكون عائداً على حب المال، ويحتمل أن يكون عائداً على حب الاتيان، قال عبد الله بن مسعود: على حب المال، لأنه يأمل العيش ويخشى الفقر. وأما على حب الاتيان، فوجهه ألاّ تدفعه وأنت متسخط عليه كاره. ويحتمل وجهاً ثالثاً: وهو أن يكون الضمير عائداً على الله، ويكون التقدير على حب الله، فيكون خالصاً لوجهه، وقد تقدم ذكر الله تعالى في قوله {من آمن بالله}. وهو أحسنها. والآية تدل على وجوب إعطاء مال الزكاة بلا خلاف. وتدل ايضاً - في قول الشعبي، والجبائي - على وجوب غيره مما له سبب وجوب كالانفاق على من تحب عليه نفقته، وعلى من يجب عليه سدّ رمقه إذا خاف التلف، وعلى ما يلزمه من النذور، والكفارات، ويدخل فيها ايضاً ما يخرجه الانسان على وجه التطوع، والقربة الى الله، لأن ذلك كله من البرّ. وابن السبيل: هو المنقطع به إذا كان مسافراً محتاجاً وإن كان غنياً في بلده، وهو من أهل الزكاة. وقيل: إنه الضيف، والأول قول مجاهد، والثاني قول قتادة. وانما قيل: ابن السبيل: بمعنى ابن الطريق، كما قيل للطير: ابن الماء، لملازمته إياه، قال ذو الرمة: شعر : وردت اعتسافاً والثرّيا كأنها على قمة الرأس ابنُ ماءٍ محلق تفسير : والسائلين معناه: والطالبين للصدقة، لأنه ليس كل مسكين يطلب. وقوله: {وفي الرقاب} قيل فيه قولان: احدهما - عتق الرقاب. والثاني - المكاتبين. وينبغي أن تحمل الآية على الامرين، لأنها تحتمل الامرين، وهو اختيار الجبائي، والرماني. اللغة: والمراقبة: المراعاة. والرقبة: الانتظار. والرقيب: المشرف على القوم لحراستهم. والرقيب: الحافظ. وتقول: رقبته أرقبه رقباً، وراقبته مراقبة، وارتقبته ارتقاباً، وتراقبوا تراقباً، وترقب ترقباً. والرقوب: الأرمله التي لا كاسب لها، لأنها تترقب معروفاً أو صلة. والرقبة مؤخر أصل العنق. وأعتق الله رقبته، ولا يقال عتقه. والرقيب ضرب من الحيّات خبيث. والرقوب: المرأة التي لا يعيش لها ولد. والرقيب: النجم الذي يتبين من المشرق، فيعيب رقيبه من المغرب. المعنى: وقوله تعالى: {ذوي القربى} قيل أراد به قرابة المعطي، اختاره الجبائي، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لفاطمة بنت قيس، لما قالت: يا رسول الله إن لي سبعين مثقالا من ذهب، فقال: اجعليها في قرابتك. وقال (ع) لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال: جهد المقل على ذي القرابة الكاشح. ويحتمل أن يكون أراد به قرابة النبي (صلى الله عليه وسلم). كما قال: {أية : قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}تفسير : وهو قول أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع) وقوله: {في البأساء والضراء وحين البأس} قال قتادة: البأساء: البؤس، والفقر. والضراء: السقم، والوجع. ومنه قوله: {أية : مسني الضرّ} تفسير : وحين البأس: حين القتال. قال ابن مسعود: البأساء: الفقر. والضراء: السقم. وانما قيل: البأساء فى المصدر ولم يقل منه أفعل، لأن الأصل في فعلاء أفعل للصفات التي للألوان، والعيوب. كقولك أحمر، وحمراء. وأعور، وعوراء. فأما الأسماء التي ليست بصفات، فلا يجب ذلك فيها. وعلى ذلك تأوّلوا قول زهير: شعر : فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم تُرضع فتفطم تفسير : وأنكر ذلك قوم، لأنه لم يصرف أشأم. وقالوا إنما هو صفة وقعت موقع الموصوف كأنه قال: غلمان أمر أشأم، فلذلك قالوا إنما المعنى الخلة البأساء, والخلة الضراء. {والموفون بعهدهم} رفع عطفاً على {من آمن}. ويحتمل أن يكون رفعاً على المدح، وتقديره: وهم الموفون، ذكره الزجاج. والصابرين نصب على المدح، كقول الشاعر: شعر : الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرأي حين تغم الأمور بذات الصليل وذات اللجم تفسير : ويحتمل أن يكون نصب بفعل مضمر، وتقديره وأعني الصابرين. ويحتمل أن يكون عطفاً على قوله: {وآتى المال على حبه ذوي القربى} {والصابرين} فعلى هذا يجب أن يكون رفع {الموفين} على المدح للضمير الذي في صلة (من)، لأنه لا يجوز بعد العطف على الموصوف، العطف على ما في الصلة. وهذا الوجه ضعيف، لأنه يؤدي الى التكرار، لأنهم دخلوا في قوله: {والمساكين وابن السبيل والسائلين} فيجب أن يحمل قوله: {والصابرين} على من لم يذكر، ليكون فيه فائدة. وإن كان ذلك وجهاً مليحاً. والقراءة بالرفع أجود، وأقوى، لأنه اسم (ليس) مقدم قبل الخبر لفائدة في الخبر، ولأنه قرأ {ليس البرّ بأن} ذكره الفراء. وقوله: {أولئك الذين صدقوا} معناه الذين جمعوا العمل بهذه الخصال الموصوفة: هم الموصوفون بأنهم صدقوا على الحقيقة، لأنهم عملوا بموجب ما أقرّوا به. {أولئك هم المتقون} يعني اتقوا - بفعل هذه الخصال - نار جهنم. واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن المعني بها أمير المؤمنين (ع)، لأنه لا خلاف بين الأمة أن جميع هذه الخصال كانت جامعة فيه. ولم تجتمع في غيره قطعاً، فهو مراد بالآية بالاجماع. وغيره مشكوك فيه غير مقطوع عليه. وقال الزجاج، والفراء: هذه الآية تتناول الانبياء المعصومين، لأنهم الذين يجمعون هذه الصفات. الاعراب: ومن قرأ {ليس البرّ} بالرفع، جعل البر اسماً، وجعل (أن) في موضع نصب، ومن نصب جعل "أن تولوا" في موضع رفع، وقدم الخبر. ومثله قوله تعالى: {أية : ما كان حجتهم إلا أن قالوا}تفسير : {أية : وما كان قولهم}تفسير : {أية : وما كان جواب قومه}.تفسير : {أية : فكان عاقبتهما}تفسير : وما أشبه ذلك.

الجنابذي

تفسير : {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ} كلام مستأنف لابداء حكمٍ آخر او جواب سؤال ناشئٍ من السّابق كأنّه قيل: فما بالنا اختلفنا فى القبلة بالصّلوة الى بيت المقدّس تارةً والى مكّة أخرى وأمر القبلة من الكتاب؟ - فقال: ليس الطّاعة {أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} على انّ الاختلاف فى العمل من باب التّسليم لأمر الآمر الالهىّ اتّفاق فى الاعتقاد والقول بخلاف الاختلاف من آراءٍ مختلفة، و{ٱلْبِرَّ} بكسر الباء مصدر بمعنى الصّلة والخير والاتّساع فى الاحسان والصّدق والطّاعة، والاحسان الى الغير ضدّ العقوق وفعله من باب علم وضرب وهذا ردّ على من خاض من اهل الكتاب فى أمر القبلة بعد تحوّل المسلمين الى الكعبة وعلى من خاض من المسلمين فى أمرها بعد صرف وجوههم الى الكعبة، روى عن السّجّاد (ع) أنه قال: قالت اليهود قد صليّنا على قبلتنا هذه الصّلوات الكثيرة وفينا من يحيى اللّيل صلاةً اليها وهى قبلة موسى التي أمرنا بها، وقالت النّصارى: قد صليّنا الى قبلتنا هذه الصّلوات الكثيرة وفينا من يحيى اللّيل صلاةً اليها وهى قبلة عيسى الّتى أمرنا بها، وقال كلّ واحدٍ من الفريقين: اترى ربّنا يبطل اعمالنا هذه الكثيرة وصلواتنا الى قبلتنا لأنّا لا نتّبع محمّداً (ص) على هواه فى نفسه وأخيه فأنزل الله يا محمّد (ص) قل: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ} والطّاعة الّتى تنالون بها الجنان وتستحقّون بها الغفران ان تولّوا وجوهكم قبل المشرق يا أيّها النّصارى وقبل المغرب يا أيّها اليهود وانتم لامر الله مخالفون وعلى ولىّ الله مغتاظون {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} حمل الذّات على المعنى مثل حمل المغنى على الذّات محتاج الى تصرّف فهو امّا بتقدير مضافٍ فى الاوّل او فى الثّانى او بجعل البرّ بمعنى البارّ او بادّعاء الاتّحاد بين المعنى والذّات للمبالغة فى اتّصاف الّذات بالمعنى {بِٱللَّهِ} يعنى انّ البرّ الايمان والاذعان بالله والتّسليم له وهو روح العمل لا صورة العمل واعتبار الجهة فيه {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يعنى الاقرار بالمبدء والمعاد {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ} الّذى هو الشّريعة الالهيّة {وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} اى مشتملاً على حبّ الله او على حبّ المال او على حبّ الايتاء وعلى الثّلاثة يجوز ان يكون الضّمير المجرور فاعلاً راجعاً الى من آمن وواحد من هذه الثلاثة مفعولاً مقدّراً، ويجوز ان يكون راجعاً الى واحدٍ من هذه الثلاثة مفعولاً والفاعل محذوفاً، ويجوز ان يكون راجعاً الى الله فاعلاً {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} ذوى قرباه او ذوى قربى النّبىّ (ص) يعنى يعطى من ماله ندباً او من الخمس فرضاً وامّا الزّكاة الفرض فانّها تذكر بعد {وَٱلْيَتَامَىٰ} عطف على القربى على عدم جواز اعطاء الصّدقات المستحبّة للأيتام أنفسهم، او على تقدير كون المال من الحقوق الواجبة، او عطف على ذوى القربى وهو جمع اليتمان بمعنى اليتيم ويتم من باب ضرب وعلم بمعنى انفرد لا نظير له وفقد الاب من الإنس والأمّ فى سائر الحيوان اذا لم يبلغ {وَٱلْمَسَاكِينَ} المسكين أسوأ حالاً من الفقير لكن اذا افترقا اجتمعا {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} اى المسافر الّذى انقطع نفقته وكان من قرابات الرّسول ان كان المال مال الخمس او مطلقاً ان كان غيره والعرب يسمّى كلّ من يباشر أمراً أبا ذلك الامر وابنه {وَٱلسَّآئِلِينَ} الّذين يتعفّفون عن السّؤال صريحاً ويسألون فى ضمن اظهار الحال كناية حتّى لا ينافى الحقوق الواجبة على فرض عدم جواز اعطائها السّائل بالكفّ، أو المراد أعمّ من السّؤال بالكفّ ان اريد الايتاء ندباً {وَ} مالك الرّقاب او العبيد أنفسهم {فِي ٱلرِّقَابِ} فى استخلاصها سواء كانوا مكاتبين او تحت الشّدّة او لم يكونوا كذلك {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} يعنى انّ البرّ الايمان والاذعان بالله وترك ما فيه خيره لخير الغير والتّوجّه التامّ الى الله والتّسليم والخروج من الانانيّة ولوازمها الّتى هى خلاف التّسليم من الخلاف والنّزاع والرّأى من النّفس وغير ذلك من دواعى الانانيّة لا توجيه وجه البدن الى المشرق او المغرب والرّأى فيه والتّوقّف عليه. وقد مرّ بيان للصّلاة والزّكاة فى اوّل السّورة من أراد فليرجع اليه {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} عطف على من آمن وجعله خبر مبتدءٍ محذوفٍ او مبتدء خبرٍ محذوفٍ تقديرٌ من غير حاجة، والعدول الى الاسم للاشعار بانّ الوفاء بالعهد امر يطلب فيه الاستمرار والثّبوت بخلاف الايمان فانّه يحدث سواء اريد به الاقرار او البيعة وبقاء الحالة الحاصلة منه ليس ايماناً انّما هو بقاء الايمان، وبخلاف الزّكاة والصّلاة فانّهما لا تكونان الاّ متجدّدتين، وامّا الوفاء بالعهد فانّه ليس الاّ البقاء على العهد؛ وهكذا الحال فى الصّبر، والمراد بالعهد العهد الحاصل فى ضمن البيعة او مطلق العهد {إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ} علم وجه العدول الى الاسم والعدول الى النّصب لقصد المدح بتقدير فعل {فِي ٱلْبَأْسَآءِ} البأس العذاب والشّدّة فى الحرب بؤس ككرم فهو بئيسٌ شجاع، وبئس كسمع اشتدّت حاجته، و{ٱلْبَأْسَآءِ} الدّاهية والمناسب هاهنا ان يفسّر بشدّة الحاجة والدّاهية فى المال {وٱلضَّرَّاءِ} فى الانفس {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} شدّة القتال {أُولَـٰئِكَ} العظماء المحصرون بتلك الاوصاف العظام {ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} لا صادق سواهم فى اقوالهم بتصديق أفعالهم لأقوالهم وفى أفعالهم وأحوالهم لتصديق آثار الافعال والاحوال صدقها {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} لا متّقى غيرهم وقد فسّر بعلىٍّ (ع) لانّ الجامع بين الاوصاف بحقائقها لا يكون الاّ محمّداً (ص) وعليّاً (ع) واولاده الطّاهرين وامّا غيرهم من الانبياء والاوصياء فانّ لهم حظّاً من هذه وبقدر حظّهم تصدق عليهم.

فرات الكوفي

تفسير : {لَيْسَ البرّ أنْ تُوَلّوا وُجوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمغْرب177} [سيأتي في ذيل الآية 189 بعد حديث واحد].

اطفيش

تفسير : {لَيسَ البِرَّ أن تُولُّوا وجُوهَكُم قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِب}: إلى أن قال: {والكِتابِ والنَّبِيين} إلى آخره: فصوب المؤمنين فى الصلاة إلى الكعبة، فإن الكتاب هو القرآن أو الجنس، فمن آمن بالقرآن أو بالكتب كلها صلى إلى الكعبة، لأن غيرها منسوخ بها فى القرآن، ومن آمن بالنبيين كلهم صلى إليها، لأن سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، أمر بالصلاة إليها. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: كان الرجل فى ابتداء الإسلام إذا أتى بالشهادتين وصلى إلى أى جهة ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزلت الفرائض، وصرفت القبلة إلى الكعبة، نزلت الآية. وفى قوله أيضاً الرد على اليهود والنصارى، بأن استقبالهم للصخرة والمشرق منسوخ ليس برّاً، وإنما البر فى استقبال الكعبة، وهو الذى بينه الله واتبعه المؤمنون، وذلك أنه لما نزل أمر الكعبة أكثر فيه اليهود والنصارى الخوض، وقيل الخطاب لليهود والنصارى والمؤمنين، أى ليس البر فى أمر الاستقبال فقط، ويحتمل أن يراد البر العظيم الأعظم الذى يحسن أن تذهلوا بشأنه من غيره، هو أمر القبلة، فإن الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين أهم منه، وقيل عن ابن عباس: إن الخطاب للمؤمنين، وإن المراد بتولية الوجوه قبل المشرق والمغرب نفس الصلاة لا نفس الاستقبال، وقيل المعنى: ليس البر أن تكونوا نصارى فتصلوا إلى المشرق، ولا يهودا فتصلوا إلى المغرب. وقال مجاهد: إن أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر فنزلت الآية، فدعاه فتلاها عليه، ثم سأله فأعادها، ثم سأله فأعادها، فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك، وقرأ ابن مسعود: بأن تولوا بزيادة الباء فى خبر ليس للتأكيد، وقرأ حمزة وحفص بنصب البر على أنه خبر ليس مقدم على اسمها، وفى قراءتهما رد على ابن درستويه، إذ منع توسيط خبر ليس، قال ابن هشام: وتوسيط أخبار كان وأخواتها جائز خلافا لابن درستويه فى ليس، قرأ حمزة وحفص {ليس البرَّ أن تولوا وجوهكم} بنصب البر انتهى بتصرف. وإن قلت: أى القراءتين قوى؟ قلت: يدل كلام ابن هشام أن قراءتهما أقوى، لأن فى رفع البر الإخبار بما هو بمنزلة الضمير عما دونه فى التعريف. قال: واعلم أنهم حكموا لأن وأن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير، ولذا قرأ السبعة: {وما كان حجتهم إلا أن قالوا} بالنصب والرفع ضعيف انتهى. {ولكنَّ البرَّ مَنْ آمنَ باللهِ}: بتخفيف نون لكن، وكسرها لالتقاء الساكنين، أى لكن البر من آمن بالله لاستقبال ما نسخ استقباله، أو لكن البر الأعظم من آمن بالله، والبر معنى لا ذات، فإن البر هو الفعل المرضى سواء كان طاعة الله لا إحسان فى ظاهرها إلى الخلق، ولو كان فيها ضر عليهم كالجلد والرجم والقطع والحدود، أو طاعة له فيها إحسان للخلق كإنفاق المال لوجه الله، ويطلق فى اللغة أيضا على الإحسان للخلق ولو بلا نية تقرب إلى الله، وليس هذا مرادا هنا فيقدر مضاف ليكون الإخبار بذات عن ذات، أو بمعنى عن معنى، تقديره لكن ذو البر من آمن، ويدل لهذا التقدير قراءة بعضهم، ولكن الكبار من آمن بالله بالألف بعد الباء، والحذف على هذا كان أولا وفيه إخبار عن ذات بذات، أو تقديره ولكن البر من آمن بالله، وهذا فى إخبار بمعنى عن معنى، والحذف كان آخر، وهذا أولى لأنه وارد عن قوله: {لَيس البرَّ أنْ تُولّوا وُجُوهَكم} إلخ الذى هو نفى كون البر تولية الوجه، فليكن هذا الوارد المستدرك عليه الذى هو قوله: {ولكنَّ البرَّ من آمَن بالله}: من جنس ذلك المنفى، ولو قال ليس البار من يولى وجهه قبل المشرق والمغرب لكان تقدير ولكن ذو البر من آمن بالله أولى. قال ابن هشام. إذا احتاج الكلام إلى حذف مضاف يمكن تقديره مع أول الجزاءين ومع ثانيهما فتقديره مع الثانى أولى، نحو: {ولكن البر من آمن} فتقدير نحو البر من آمن أولى من تقدير البربرة، لأنك قدرت عند الحاجة إلى التقدير، ولأن الحذف من آخر الجملة أولى، ويعنى عند الحاجة أنك إنما احتجت آخراً لا أولا إذ الأول أخذ مكانه فيؤتى لهُ بما يطابقه، فإن لم يوجد لفظا قدر له، ومثل تقدير المضاف أولا تأويل البر بالبار كسائر ما يؤول فيه المصدر بالوصف، كما تدل له قراءة ولكن البار، ويجوز ألا يقدر ولا يؤول، ولكن مبالغة كقوله من قال: فإنما هى إقبال وإدبار. وقرأ ابن مسعود وغير نافع وابن عامر بتشديد نون لكن وفتحها، ونصب البر، وفى هذه القراءة ما تقدم من الأوجه فى قراءة التخفيف والكسر للنون ورفع البر، وهو قراءة نافع وابن عامر، ويجوز تقدير ذى جمعا فى قراءة النصب وقراءة الرفع، واختار المبرد قراءة النصب، وقال لو كنت ممن يقرأ لقرأت {ولكنَّ البر} بالتشديد والنصب وفتح الباء، وفى إختياره فتح الباء اختيار لتقدير ذو البر، أو اختيار لتأويل البر بالبار لأن البار وذا البر بكسر الباء بفتحها بمعنىً فإن البر بفتح الباء مخفف من البار. {واليَومِ الآخر}: ذكره لأن عبدة الأوثان ينكرونه وهو يوم البعث من القبر. {والملائِكَةِ}: كلهم بأنهم خلق مطيعون لله سبحانه، خلقهم من نور وذكرهم لأن اليهود كفروا فى حقهم، إذ قالوا: جبريل عدونا، ومشركو العرب قالوا: إنهم بنات الله. {والكِتابِ}: القرآن، وقيل جنس كتب الله، ويدل بقوله: {والنَّبِيِّينَ}: لأن الإيمان بالأنبياء كلهم مستلزم للإيمان بالكتب كلها، ويجمع دين الله ووحيه سبحانه، ويدل فى الإيمان بكل من الخمسة أشياء كثيرة يلزم التصديق عليها. {وآتَى المالَ عَلَى حُبِّه}: أى على حب المال، أو على حب البر، أو على حب الله، أو على حب الإيتاء، أى يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه، فالهاء مفعول معنى، ويجوز أن تكون فاعلا معنى عائدة إلى الموتى، أو على حب المال، أو على حبه البر، أو على حبه الله، أو على حبه الإيتاء. والصحيح من ذلك عود الهاء للمال، لأنهُ أقرب مذكور بلا تكلف معه ولا تأويل، ولا يعود لغير الأقرب إلا لدليل، ولقوله صلى الله عليهِ وسلم:حديث : لما سئل أى الصدقة أفضل؟ (قال): "أن تؤتيه أى المال وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر" تفسير : رواه البخارى ومسلم، ومعنى الشح هنا حرص النفس على المال ورغبتها فيهِ، وصعوبة إنفاقه عليها، ولقول ابن مسعود: أن تؤتيه ـ أى المال ـ وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا. وفى رواية: "حديث : تأمل الحياة وتخشى الفاقة"، تفسير : وفى البخارى ومسلم: حديث : جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أى الصدقة أعظم أجرا؟ فقال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا"، تفسير : وحفظت رواية أخرى أنهُ قال: قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلا ولفلان كذا. وضمير بلغت للروح لدلالة المقام، والحلقوم وفلان فى الموضعين فى الرواية الأولى والثلاثة فى هذه الرواية من أوصى له، وفلان الثالث فى قوله: وقد كانا لفلان كذا هو الوارث. {ذَوى القُرْبى}: يعنى أهل قرابة الموتى، وقدمهم لأنهم أحق بالإيتاء إذ فيهم صدقة وصلة، روى الترمذى والنسائى وغيرهم عن سليمان بن عامر رحمه الله، صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذى القربى اثنتان صدقة وصلة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة على ذى الرحم والكاشح" تفسير : وروى البخارى ومسلم حديث : أن ميمونة رضى الله عنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبى صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذى يدور عليها قالت: أشعرت يا رسول الله أنى أعتقت وليدتى، قال: أو فعلت؟ قالت: نعم. قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك، تفسير : والوليدة الجارية الصغيرة، وإضافتها للياء على معنى صغيرتى. {واليَتامَى}: جمع يتيم وهو الذى لا أب له مع الصغر، وقيل يطلق على البالغ أيضا حقيقة ما دام لم يستعد لمصالحه ومنافعه وما له لصغر. {والمسَاكِين}: جمع المسكين وهو من أوزان التأكيد والمبالغة فى الشئ كالمنطيق لكثير النطق أو الفصيح، والمسكير لكثير السكر الدائم السكر وكذلك المسكين كثير السكون إلى الناس والخضوع لهم، أو كثير اللبث لضعفه {وابْنَ السَّبِيلِ}: المسافر سمى ابن السبيل لملازمته السبيل، كما يقال لمن لازم الشئ أخوه وصاحبه، أو لأنهُ يجئ من السبيل ويظهر منه إذا وصل فرية أو محلة، كما يظهر الولد من بطن أمه، ويقال لقاطع الطريق: ابن الطريق لأنهُ يرصد الطريق للقطع، وقيل ابن السبيل هو الضعيف، لأن السبيل يقدمه ولأنه وصل من السبيل، والقول الأول أولى لعمومه، لأن المسافر يعم الضعيف وغيره، ويخص من سافر فى معصية فإنه لا يعطى إلا إن تاب، والثانى أوضح، لأن حق الضيف أقوى، ولأنه الوارد فى السنة الواجب الحق. {والسَّائِلينَ}: الذين يطلبون الطعام أو غيره لحاجة ألجأتهم إلى السؤال. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعط السائل ولو جاء على فرس" تفسير : رواه مالك فى الموطأ عن على بن أبى طالب، ورواه أحمد بن حنبل فى مسنده، وأخرج أبو داود والترمذى عن أم نجيد، وقال الترمذى حسن صحيح أنها قالت قلت: حديث : يا رسول الله إن المسكين ليقوم على بابى فلا أجد شيئاً أعطيه إياه. قال: "أتجدى ظلفا محرقا فادفعيه إليه فى يده" تفسير : وروى مالك فى الموطأ عن أم نجيد أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق" تفسير : أى أعطوه شيئاً يرجع به ولو ظلفا، والظلف خف شاة ونحوها وفى كونه محرقا زيادة مبالغة فى جواز إعطاء القليل لئلا يرجع بلا شئ، وكذا روى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق " تفسير : {وفى الرِّقاب}: أى فى تخليص الرقاب إما بالعتق وذلك أن يشترى عبداً ويعتقه. وإما يفكه من الدين أو من بعضه اللازم عليه على مكاتبه، وذلك أن يكاتب الإنسان عبده فهو عندنا حر من حينه فيعطى ليخلص من الدين، وإما يفك الأسارى، وحكى بعضهم ذلك أقوالا ثلاثة، وإنما لم يقل والرقاب بالنصب على أسلوب ما قبله، لأن المعتق والمكاتب والأسير لا يعطون المال ملكا لهم، بل يدفع فى مصالحهم، ولو أعطى بأيد المكاتب والأسير، فالمفعول الثانى بالنظر إليه محذوف تقديره وآتى المال مكاتب العبد أو مالكه أو أسر الأسير لفك الرقاب المذكورة، أو ينزل كالمعتدى لواحد لعدم تعلق القصد بالثانى، ففى للتعليل أو يقدر ودفع المال فى فك الرقاب. {وأقامَ الصّلاة}: أتى بها مستقيمة بوقت وطهارة وخشوع وإخلاص والمراد هنا الواجبة، ولو كانت النافلة أيضا براً يثاب عليها بشرط إقامتها. {وآتى الزَّكاةَ}: أتاها الفقراء أو المساكين أو من تصرف إليه، أو من يقوم بصرفها والمفعول الثانى محذوف كما رأيت، أو لا يقدر لعدم تعلق القصد به وهى الزكاة المفروضة، وأما المال فى قوله عز وجل: {وآتى المال}، فهو ما يتصدق يتصدق به تطوعاً، فإن البر يقع بالواجب والمندوب، ويحتمل أن يراد بالمال حقاً كان يجب فى المال غير الزكاة، ثم نسخ بالزكاة المذكورة فى غير هذه الآية، وذكر الزكاة بعدها، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : نسخت الزكاة كل صدقة" تفسير : رواه الدارقطنى والبيهقى، أى نسخت الزكاة وجوب كل صدقة، ويجوز أن يريد بالمال الزكاة الواجبة ذكرها أولا ليبين مصارفها. وهن ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمكاتب والأسير، وعتق الرقاب إذا احتاج إليها بيت المقال، ولعل الزكاة كانت جائزة للقريب ولو لم يكن فقيراً، ثم نسخ جوازها لغير الفقير، أو أراد القريب المتأهل لها مثل أن يكون فقيرا أو غارما أو مكاتبا أو أسيرا، وخص بالذكر على هذه المزية الأجر فى القريب، وكذا الكلام فى اليتيم فإنهُ قد يكون غنيا، وذكر باقى المصارف فى براءة، فإن فرضنا وجود الإمام ووصلت بيده فكان نائباً لكن قد يصرفها فى غير ما ذكر فى الآية كالغارم والعامل، وذكرها ثانيا بقوله: {وآتى الزكاة} مطلق الحث على أدائها، وعنه صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : ليس فى المال حق سوى الزكاة". تفسير : وعن الشعبى أن فى المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية، ولا ينافى الحديثين حديث نسخ الزكاة كل صدقة، وحديث ليس فى المال حق سوى الزكاة، لأن الشعبى أراد بالحق الواجب ما وجب من تنجية المشرف على الهلاك يجوع أو عطش أو برد أو حر أو نحو ذلك مما يتوصل إليه بالمال، وحق ابن السبيل وصلة الرحم، فإنه إن احتاج لمال وجب له وإلا فصلته واجبة بما أمكن، فإن أديت بالمال تأدت، وكذا يجب إعطاء السائل إن رأيت عليه الحاجة الشديدة حتى كاد يهلك، ثم إن هناك وجوبا أدنى من وجوب، ألا ترى حديث من رد سائلا لم تدخل الملائكة يومه، ولا شك أن هذه الأشياء ونحوها واجبة، صرح بها فى أحاديث، ولوح إليها فى أحاديث كثيرة. قال الفخر: روت فاطمة بنت قيس أن فى المال حقا سوى الزكاة ثم تلت {وآتى المال على حبه}. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره طاويا إلى جنبه"، تفسير : قال بعض الأندلسيين وهو ابن العربى فى أحكامه: إذا وقع أداء الزكاة ثم نزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك ما الهم، وكذا إذا منع الولى الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء، الصحيح وجوب ذلك عليهم انتهى. واختلف أصحابنا رحمهم الله فى وجوب التنجية بالمال الصحيح عندى وجوبها فانظر شرحى على النيل الذى من الله الرحمن على به، ولا يجب فى المذهب فك الأسارى وأراد ابن العربى فاتفاق العلماء اتفاق علماء المالكية. {والموفُون بِعَهدهم إذا عاهَدُوا}: العطف على من آمن فكأنه قيل ولكن البر بر من آمن والموفين، أو لكن ذو البر من آمن والموفون بإفراد ذو المقدرة على أنها للحقيقة أو يجمعها بأن يقدر ذو البر بالنظر إلى مجموع لفظ من، والموفين أو بالنظر إلى معنى من والموفين، والمراد إذا عاهدوا الله جل وعلا أو الناس أو الله والناس، ودخل فى ذلك ما لزمهم من النذور ووعد العبادة، وما وجب الله عليهم من الفرائض، فإنهم قد عاهدوا عليها إذ كانوا ذرّاً خارجة من آدم، وإذ فهموا عن الله وقامت الحجة، فإن الفهم وقيام الحجة معاهدة، والخروج عن مقتضاهما مجرد عناده، ودخل الوفاء بالوعد للناس، وأداء الأمانات، وأما العهد الحرام فلا يجوز الإيفاء به، بل يجب تركه والطاعة فى تركه، ويجوز ترك عهد فى الطاعة والإحسان للخلق إلى أحسن منه، وكذا فى المباح كما روى عنه صلى الله عليهِ وسلم. وقرئ والموفين بالياء نصباً على المدح، أى واجب الموفين بعهدهم إذا عاهدوا. {والصَّابِرِين}: رفع الموفون كما مر ونصب الصابرين على المدح لمزية فضل الصبر كما تدل عليه مشقته، وكون الأعمال جميعاً يعود عليها عاملها بالإفساد إذا لم يصبر وهو أفضل الأعمال، والتقدير وأحب الصابرين كما رأيت فى قراءة نصب الموفين، فإن بعضا قرأ بنصب الصابرين ورفع الموفين وهم الجمهور، وعليهِ القراء العشرة، وبعضا قرأ بنصب الموفين على المدح ونصب الصابرين عطفاً عليه، وبعضا قرأ برفع الموفين والصابرين بالواو عطفا على من. {فى البأْساءِ}: شدة الفقر. {والضَّرَّاء}: المرض، وقال الأزهرى البأساء فى الأموال كذهاب بعض ماله أو كله أو كونه فقيراً من أول مرة، والضراء فى الأبدان كالمرض وضعف القوة وزوال بعض منفعة الأعضاء، وزوال بعض الأعضاء، وذلك كذهاب البصر والشم والسمع وقطع اليد. روى مسلم على شرطه والحاكم فى المستدرك عن ابن عباس، رضى الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله على السراء والضراء"تفسير : وروى مسلم عن صهيب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كلهُ له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً لهُ، وإن أصابتهُ ضراء صبر فكان خيراً له " تفسير : {وحيِنَ البأسِ}: أى حين الحرب والقتال فى سبيل الله، قيل سميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة، ويجوز ألا يكون البأس اسماً للحرب، بل للشدة والمضرة الواقعتين فيها وهو الأصل، ولكن استعمال البأس بمعنى الحرب وارد، ولك أن تقول شاع استعمال البأس فى بأس الحرب، ويحتمل هذه الأوجه ما رواه البخارى ومسلم عن البراء بن عازب: كنا والله إذا احمر البأس نتقى به، وإن الشجاع منا الذى يحاذيه، يعنى النبى، صلى الله عليه وسلم، واحمر البأس اشتد البأس، ونتقى به يتقدمنا ويكون لنا كالوقاية من العدو. {أولئِكَ الَّذينَ صَدقُوا}: أولئك الجامعون لهذه الخصال صدقوا فى الدين وادعاء البر، وفى طلب البر بدليل أنهم وصلوه، أولئك مبتدأ والذين خبره، والصدق هنا مطابقة لشئ لما يقتضيه، فكلمة الإخلاص تقتضى الاتباع بالعمل، فمن اتبعها به قيل صدق فيها، والاجتهاد فى عمل تلك الخصال صدق فى طلبها، ومقتضى ادعاء الشئ ثبوته كما ادعى، وهكذا ويقال صدق سيفى أى فعلت به ما أعددته لأجله. {وأُولئِكَ هُم المتَّقُونَ}: التاركون للمعاصى، أو الحاذرون عذابه والآية جامعة للكمالات الإنسانية، وهى ثلاثة أصول صحة الاعتقاد المشار إليها بقوله: {مَنْ آمن} إلى {والنَّبِيِين}، وحسن المعاشرة المشار إليها بقوله: {وآتى المال} إلى قوله: {وفى الرقاب}، وتهذيب النفس المشار إليه بقوله: {وأقامَ الصَّلاة} إلى آخرها فوصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه واعتقاده، ووصفه بالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق، وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان"تفسير : قاله القاضى.

اطفيش

تفسير : {لَيْسَ الْبِرَّ} الطاعة والإحسان {أَنْ تُوَلُّواْ} فقط للصلاة وتصلوا، بل مع ذلك الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وإيتاء المال على حبه، والإتيان بالصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس، {وُجُوهَكُمْ} أيها المؤمنون، والتعريف للحصر، وأل للجنس أو للعهد، بمعنى ليس البر العظيم الذى أكثرتم الخوض فيه، وقيل الخطاب لهم ولأهل الكتاب {قِبَلَ الْمَشْرِقِ} كما إذا كنتم غرب مكة {وَالْمَغْرِبِ} كما إذا كتم شرقها، وكما كنتم تصلون إلى المغرب قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فإن بيت المقدس غرب المدينة، فإن الشمس تغرب إليه فى أطول الصيف، وما يلى أطواله فذلك المغرب، وليس كما قيل إنه شمال المدينة، ولم يذكر الجهات الأخرى اكتفاء بذكر المشرق والمغرب على طريق التمثيل لا التقييد، لأن من اهل الجهات من يستقبل ما بينهما، وقدم المشرق مع أنه قبلة المتأخرين، وهم النصارى، لتقدم شروق الشمس على غروبها {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} الإحسان الكامل، من آمن بالله، مبالغة كقولك زيد عدل، فهو خبر، ومن مبتدأ، أو بالعكس، وهو أشد مبالغة كمن قال: الصوم هو زيد، وأل للجنس أو العهد، أو لكن البار، والأصل البارر، نقلت كسرة الراء للياء، وحذفت الألف قصداً لكون الراء بسلب حركتها، وأدغمت فى الراء، ولا حذف مضارف فى ذلك، ولا تأويلا بالوصف، لكن فيه تكلف، أو هو مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو يبقى على مصدريته ويقدر مضاف فيه، أى ولكن والبر أو فى قوله {مَنْ ءَامَنَ} أى بر من آمن {بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَالْمَلَٰئِكَةِ وَالْكِتَٰبِ} أى من الكتب كلها، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله"تفسير : ، أو القرآن، لأنه الذى أنكره أهل الكتاب، وأنه المقصود بالدعوة، وأنه أكمل الكتب، والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب، لأنه مصدق لما بين يديه، وقيل التوراة ولا قرينة له، وهى لا توجب الإيمان إلا بتوسط اشمالها على القرآن المستلزم لذلك {وَالنَّبِيِّينَ} وهذا كله موجود فى المؤمنين قبل نزول الآية، فمحط الكلام قوله {وَءَاتَى الْمَالَ} الخ وما كان فيهم من بعض صفة فقد أمروا بتجويدها. أو الخطاب فى تولوا وجوهكم لليهود النصارى، رد على اليهود إذ قالوا البر استقبال المقدس، وعلى النصارى إذ قالوا البر استقبال مطلع الشمس، وأل فى البر للجنس، ولا حصر فى الآية {عَلَى حُبِّهِ} مع حب صاحب المال، فالهاء لمن، والمفعول محذوف أى مع حبه المال، أو مع حب المال، فالهاء للمال، وَالفاعل محذوف، ومحبه مؤتيه أو الناس، وحبه لجودته أو لقلته، أوَ على حبه على حب الله، فالهاء للمال، أو لصاحبه المؤتى، أو لله سبحانه، أو للإيتاء المفهوم من آتى، وَالتقييد بقوله على حبه للتكميل، وَقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح"تفسير : ، تأمل البقاء وتخشى الفقر، وَلا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا وَلفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا، فصدقة التفقير والبخيل أفضل من صدقة الغنى والكريم، إلا أن يكونا أحب للمال منهما، أو يتصدقا بما هو أعز عندهما، قال صلى الله عليه وسلم، "حديث : أفضل الأعمال أحَمزها" تفسير : {ذَوِي الْقُرْبَى} القرابة بالنسب مع الحاجة، أو دونها، وهو مفعول ثان، والمال مفعول أول، لأنه الفاعل فى المعنى، أى صيره آتيا ذوى القربى، فافهم، ولا تهم، فالمال يأتى ذوى القربى لا مفعولا أول إلا بتكليف التفسير بتناول ونحوه، مما يكون ذوى القربى به فاعلا فى المعنى {وَالْيَتَٰمَى} مع الحاجة أو دونها بوساطة القائم بهم من ولى وغيره لأنه لا قبض لغير البالغ، ولا يتم بعد بلوغ، ولكن يجوز إطعام يتيم ولو بلا قائم ولو حقا واجبا، كزكاة لمن هو فى يده ويتفقده، وما أوتى قائم يتيم فقد أوتى يتيما، لأن قائمه كرسول إليه، فهو معطوف على ذوى ولا حاجة إلى عطفه على القربى، قصدا إلى معنى إعطاء ذوى اليتامى {وَالْمَسَٰكِينِ} أسكنتهم الحاجة فقلت حركتهم، أو أسكنتهم إلى الناس بالميل إليهم، وعن أبى حنيفة، هو من لا يملك شيئاً، والفقير من يملك أقبل من نصاب، والشافعى من يملك شيئاً، والفقير من لا يملك شيئاً، أما السفينة فكانت لمساكين، فللمسكين شىء، لكن ليس فى الآية أن الفقير لا شىء له {وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر مع حاجة فى حاله ولو غنيّاً فى أهله، سمى لأنه يلقيه الطريق كما تلد الأم ولدها، ولأنه يصاحب الطريق كالولد مع أبيه، ولأنه مبنى السبيل كالولد مبنى أبيه، كأنه ولده السبيل، أو لانفراده عن من مع قبل، وقيل: ابن السبيل: الضعيف لأنه يقدم به إلى بيت المضيف {وَالسَّآئِلِينَ} ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، عطف عام على خاص، لأن ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يكونون وغير سائلين، ويكون السائل أيضاً غيرهم دعاء داع إلى السؤال، ولو كان غنيا لتحمله ديناً لإصلاح بين الناس، وكاشتهائه شيئاً ليس عنده، كحامل ومتوحم وحالف على موجوده لا ينتفع به فى محله، وككل سائل ولو غنيا، إذ لا يدرى هل هو غنى، بل ولو غنيا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : للسائل حق ولو جاء على فرس"تفسير : ، رواه أحمد وذلك سد لذريعة الرد واحتياط للناس {وَفِي الرِّقَابِ} وصرفه فى الرقاب، أى على طريق صرفه فيها، بوزن المصدر، أى لفك الأسرى، واعتاق العبيد، وإعانة المكاتب، وشراء العبيد ليكونوا فى الإسلام، عوناً له فى الجهاد وغيره، وتنجية المضطر، وشراء العبيد المسلمين الذين تملكهم المشركون بالتقويم {وَأَقَامَ الصَّلَٰوةَ وَءَاتَى الزَّكَٰوةَ} أهلها، فما قيل هذا فى غير الزكاة ترغيباً فى النفل لا إيجاباً، إذ لا واجب فى المال بعد الزكاة إلا إن خيف موت أحد، أو نفقة العيال والضعيف، إلا أنواع الكفارات، وعن الشعبى أن فى المال حقا سوى الزكاة، وتلا هذه الآية، وسئل الشعبى: هل فى المال حق بعد الزكاة؟ قال نعم، يصل قرابة ويعطى السائل وتلا هذه الآية وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه"تفسير : ، وفى الحديث: "حديث : فى المال حقوق سوى الزكاة"تفسير : ، واجتمعت الأمة إلا من شذ، أنه يجب دفع حاجة المضطر ودفع الكفارات، وذلك ثابت، ولو مع قوله صلى الله عليه وسلم من حديث على، نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة، وهو غريب أخرجه ابن شاهين، وليس فى سنده قوة وأخرجه الدارقطنى والبيهقى، ويجوز أن يكون آتى الزكاة ذكراً للخاص لمزيته بعد العام وهو آتى المال {وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُواْ} ربهم فى طاعة، أو مخلوقاً فيها، أو فى مباح فيه نفع لغيرهم أو انتظار من غيرهم لهم، لا فى معصية أو مكروه، أو مباح لأنفسهم، فلا ذم فى خلاف الثلاثة، والعطف على من، ومقتضى الظاهر ولكن إنه من آمن بالله الخ، وأوفى بعهده إذا عاهد، ولكن غير الأسلوب، لأن ما تقدم بإيجاب الله، وهذا بإيجاب المكلف على نفسه، كما قال إذا عاهدوا، أى لا يتأخر إيفاؤهم عن وقت عهد إليه، وذلك حكمة التقييد بإذا، فليس ذلك فيما أوجبه الله عليه بلا إيجاب منه، كما قيل به، وبأن إذا عاهدوا تأكيد، ومما يكون من إيجابهم بر اليمين والنذر، ورد الأمانة، لأن عقدهن عهد بالوفاء، أو غير الأسلوب إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء، أو إلى أنه أمر مقصود بالذات، أو لأن هذا من حقوق الله وما مرّ من حقوق الناس، والعهود ما يجرى فى الناس مما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالا، والظاهر أن المراد حقوق الله وحقوق العباد، لأن الوفاء بها من حقوق الله أيضاً {وَالصَّٰبِرِينَ} لا تنس الصابرين فى مقام الخير والثناء، أو اذكر الصابرين، أو خص الصابرين، ومعنى كون ذلك نصباً على المدح أنهم فى مقام رفيع، يعرف به المحذوف ولو لم يذكر، قال أبو على الفارسى إذا غير إعراب صفة المدح أو الذم فذلك تفنن، ويسعى قطعا، وذلك أن التغيير المألوف يدل على مزيد الاهتمام بشأن المغير، فإنه لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ، وإلا فسدت وأدت إلى مضرة {فِي الْبَأْسَاءِ} شدة الفقر وفساد المال ولو بلا فقر، كفساد نوع دون آخر، أو فساد فيه كله مع بقاء تقع فيه بلا فقر {وَالضَّرَّاءِ} المضرة فى البدن بمرض أو غيره، كعرج وصمم وعنة، وذكر فى لأن المدح على البأساء والضراء إنما يكون إذا عظنا، وكان المصاب كالمظروف لهما، وأما الصبر على ما قل منه نفى أكثر الناس {وَحِينَ الْبَأْسِ} القتال، والمراد القتال فى سبيل الله، ذكر حين لأن القتال لا يستمر {أُوْلَٰئِكَ} الموصوفون بالإيمان، وإيتاء المال وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والموصوفون بالإيقاء بالعهد، والموصوفون بالصبر {الَّذِينَ صَدَقُواْ} فى دين الله مع الله، وفى دعواهم أنهم مؤمنون، وفى طلب البر، وذكر الثلاث على الترقى، فالصبر على المرض أشد منه على الفقر، والقتال أشد من المرض {وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} عن الكفر وسائر الرذائل، قال بعضهم: هذه الصفات خاصة بالأنبياء استجماعاً، وغيرهم لا يستعجمها، والصحيح أنها عامة فى جميع المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم دعاءً إلى العمل بها: "حديث : من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ".

الالوسي

تفسير : {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}. البر اسم جامع لأنواع الخير والطاعات المقربة إلى الله تعالى ـ والخطاب لأهل الكتابين ـ والمراد من {قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} السمتان المعينان، فإن اليهود تصلي ـ قبل المغرب ـ إلى بيت المقدس من أفق مكة، والنصارى ـ قبل المشرق ـ والآية/ نزلت رداً عليهم حيث أكثروا الخوض في أمر القبلة وادعى كل طائفة حصر ـ البر ـ على قبلته رداً على الآخر فرد الله تعالى عليهم جميعاً بنفي جنس البر عن قبلتهم لأنها منسوخة، فتعريفه للجنس لإفادة عموم النفي ـ لا للقصر ـ إذ ليس المقصود نفي القصر أو قصر النفي. ويحتمل أن يكون الخطاب عاماً لهم وللمسلمين ـ فيكون عوداً على بدء ـ فإن الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبـي صلى الله عليه وسلم بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع، فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل. والمراد من ذكر المشرق والمغرب التعميم ـ لا تعيين السمتين ـ وتعريف البر حينئذ إما للجنس فيفيد القصر، والمقصود نفي اختصاص البر بشأن القبلة مطلقاً على ما يقتضيه الحال من كثرة الاشتغال والاهتمام بذلك والذهول عما سواه، وإما لعهد أي ليس البر العظيم الذي أكثرتم الخوض فيه وذهلتم عما سواه ذلك، وقدم المشرق على المغرب مع تأخر زمان الملة النصرانية رعاية لما بينهما من الترتيب المتفرع على ترتيب الشروق والغروب، وقرأ حمزة وحفص ـ البر ـ بالنصب والباقون بالرفع ووجه الأول: أن يكون خبراً مقدما كما في قوله:شعر : سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم فليس (سواءاً) عالم وجهول تفسير : وحسن ذلك أن المصدر المؤول أعرف من المحلى باللام لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعي الترتيب المعهود لفات تجاوب أطراف النظم الكريم، ووجه الثانية: أن كل فريق يدعي أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكون البر اسماً كما يفصح عنه جعله مخبراً عنه في الاستدراك. وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ} بالنصب (بأن تولوا) ـ بالباء ـ. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ} تحقيق للحق بعد بيان بطلان الباطل، و ـ ال ـ في البر إما للجنس فيكون القصر ادعائياً لكمال ذلك الجنس في هذا الفرد، وإما للعهد أي ما ينبغي أن يهتم به ويعتني بشأنه ويجد في تحصيله، والكلام على حذف مضاف أي ـ برّ من آمن ـ إذ لا يخبر بالجثة عن المعنى ويجوز أن لا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال باطلاق البر على البار مبالغة، والأول أوفق لقوله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ} وأحسن في نفسه لأنه كنزع الخف عند الوصول إلى الماء ولأن المقصود من كون ذي البر من آمن إفادة أن البر إيمانه فيؤول إلى الأول. والمراد بهذا الإيمان إيمان خال عن شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود والنصارى القائلين ـ عزير ابن الله والمسيح ابن الله ـ وقرأ نافع وابن عامر (ولكن) بالتخفيف، وقرأ بعضهم البار بصيغة اسم الفاعل. {وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} أي المعاد الذي يقول به المسلمون وما يتبعه عندهم {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} أي وآمن بهم وصدق بأنهم عباد مكرمون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ومنهم المتوسطون بينه تعالى وبين أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام بإلقاء الوحي وإنزال الكتب {وَٱلْكِتَـٰبِ} أي جنسه فيشمل جميع ـ الكتب ـ الإلهية لأن البر الإيمان بجميعها وهو الظاهر الموافق لقرينه ولما ورد في الحديث: «حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله»تفسير : أو القرآن لأنه المقصود بالدعوة والكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً والإيمان به الإيمان بجميع الكتب لكونه مصدقاً لما بين يديه، وقيل: التوراة ويبعده عدم ظهور القرينة المخصصة لها وأن الإيمان بها لا يستلزم الإيمان بالجميع إلا باعتبار استلزامه الإيمان بالقرآن، والإيمان بالكتب أن يؤمن بأنها كلام الرب جل شأنه منزهة عن الحدوث منزلة على ذويها ظاهرة لديهم حسبما اقتضته الحكمة من اللغات {وَٱلنَّبيِّنَ} أي جميعهم من غير تفرقة بين أحد منهم كما فعل أهل الكتابين والإيمان بهم أن يصدق بأنهم معصومون مطهرون وأنهم أشرف الناس/ حسباً ونسباً وأن ليس فيهم وصمة ولا عيب منفر ويعتقد أن سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع والتمسك بها لازم لجميع المكلفين إلى يوم القيامة. {وَءاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبّهِ} حال من ضمير (ءاتى)، والضمير المجرور للمال ـ أي أعطى المال كائناً على حب المال ـ والتقييد لبيان أفضل أنواع الصدقة فقد أخرج البخاري. ومسلم وغيرهما عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح [شحيح] تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا لفلان كذا ألا وقد كان لفلان» تفسير : وفي هذا إيذان بأن درجات الثواب تتفاوت حسب تفاوت المراتب في الحب حتى إن صدقة الفقير والبخيل أفضل من صدقة الغني والكريم إلا أن يكونا أحب للمال منهما، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أفضل الأعمال أحمزها»تفسير : وجوز رجوع الضمير لله تعالى أو للمصدر المفهوم من الفعل، والتقييد حينئذ للتكميل، وبيان اعتبار الإخلاص أو طيب النفس في الصدقة ودفع كون إيتاء المال مطلقاً براً، والأول: هو المأثور عن السلف الصالح، ولعله المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ} مفعول أول لـ {ءَاتَىٰ} قدم عليه مفعوله الثاني للاهتمام أو لأن فيه مع (ما) عطف عليه طولا لو روعي الترتيب لفات تجاوب الأطراف، وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضاً، وقيل: هو المفعول الثاني، والمراد بـ {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ} ـ ذوو قرابة ـ المعطي لكن المحاويج منهم لا مطلقاً لدلالة سوق الكلام، وعد مصارف الزكاة على أن المراد الخير والصدقة ـ وإيتاء ـ الأغنياء هبة لا صدقة، وقدم هذا الصنف لأن ـ إيتاءهم ـ أهم فقد صح عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة»تفسير : . {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} عطف على {ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ} وقيل: على {ٱلْقُرْبَىٰ} إذ لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل فالمعطي حينئذ كافلهم لأجلهم، وفيه ما لا يخفى {وَٱلْمَسَـٰكِينُ} جمع ـ مسكين ـ وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس، وتخصيصه بمن لا شيء له أو بمن لا يملك ما يقع موقعاً من حاجته خارج عن مفهومه {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي المسافر ـ كما قاله مجاهد ـ وسمي بذلك لملازمته الطريق في السفر أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبداً يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه، أو لأنه لما لم يكن بين أبناء السبيل، والمعطي تعارف غالباً يهون أمر الإعطاء ويرغب فيه أفردهم ليهون أمر إعطائهم وليشير إلى أنهم وإن كانوا جمعاً ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة فلا يضجر من إعطائهم لعدم معرفتهم وبعد منفعتهم فليفهم، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير أنه الضيف الذي ينزل بالمسلمين {وَٱلسَّائِلِينَ} أي الطالبين للطعام سواء كانوا أغنياء إلا أن ما عندهم لا يكفي لحاجتهم أو فقراء كما يدل عليه ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن أبـي حاتم عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : للسائل حق وإن جاء على فرس»تفسير : فإن الجائي على فرس يكون في الغالب غنياً، وقيل: أرد المساكين/ الذين يسألون فتعرف حالهم بسؤالهم، والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون وتعرف حاجتهم بحالهم وإن كان ظاهرهم الغنى وعليه يكون التقييد في الحديث لتأكيد رعاية حق السائل وتحقيق أن السؤال سبب للاستحقاق، وإن فرض وجوده من الغني كالقرابة واليتم. {وَفِي ٱلرّقَابِ} متعلق بـ {ءَاتَىٰ} أي آتى المال في تخليص الرقاب وفكاكها بمعاونة المكاتبين، أوفك الأسارى، أو ابتياع الرقاب لعتقها، و ـ الرقبة ـ مجاز عن الشخص وإيراد كلمة ـ في للإيذان بأن ما يعطى لهؤلاء مصروف في تخليصهم لا يملكونه كما في المصارف الأخر {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ} عطف على صلة (من) والمراد بالصلاة المفروضة كالزكاة في {وَءاتَى ٱلزَّكَٰوةَ} بناءاً على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل الصدقات وقدمت على الفريضة مبالغة في الحث عليها، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة، أخرج الترمذي والدارقطني وجماعة عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« حديث : في المال حق سوى الزكاة ثم قرأ الآية»تفسير : وأخرج البخاري في «تاريخه» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه نحو ذلك، واختلف هل بقي هذا الحق أم لا؟ فذهب قوم إلى الثاني واستدلوا بما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً ـ نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم؛ وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة ـ وقال جماعة بالأول لقوله تعالى: {أية : وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تفسير : [الذاريات: 19] ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاً وجاره طاو إلى جنبه»تفسير : وللإجماع على أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوا مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ولو امتنعوا عن الأداء جاز الأخذ منهم وأجابوا عن الحديث بأنه غريب معارض، وفي إسناده المسيب بن شريك ـ وهو ليس بالقوي عندهم ـ وبأن المراد أن الزكاة نسخت كل صدقة مقدرة، وجوز أن يكون المراد بما مر الزكاة المفروضة أيضاً ولا تكرار لأن الغرض مما تقدم بيان مصارفها، ومن هذا بيان أدائها والحث عليها وترك ذكر بعض المصارف لأن المقصود هٰهنا بيان أبواب الخير دون الحصر، وقدم بيان المصرف اهتماماً بشأنه فإن الصدقة إنما تعتبر إذا كانت في مصرفها ومحلها كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [البقرة: 215] وعلى هذا يتعين أن يراد بالسائلين الفقراء. {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ} عطف على {مَنْ ءامَنَ} ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء، وقيل: رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات، وقيل: إيذاناً بمغايرته لما سبق فإنه من حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس، والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق، وحذف المعمول يؤذن بذلك، والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة، وقيل: للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس للتأكيد كما قيل به {وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَاء وٱلضَّرَّاء} نصب على المدح بتقدير ـ أخص أو أمدح ـ وغير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول، ومجي القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء في النكرة أيضاً كقول الهذلي:شعر : ويأوي إلى نسوة عطل وشعثا مراضيع مثل السعالى تفسير : / و ـ البأساء ـ البؤس والفقر، و ـ الضراء ـ السقم والوجع وهما مصدران بنيا على فعلاء وليس لهما أفعل لأن أفعل وفعلاء في الصفات والنعوت ولم يأتيا في الأسماء التي ليست بنعوت وقرىء (والصابرون) كما قرىء (والموفين). {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي وقت القتال وجهاد العدو وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر والصبر على القتال فوق الصبر على المرض، وعدى الصبر على الأولين بفي لأنه لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له وأما إذا أصاباه وقتاً مّا وصبر فليس فيه مدح كثير إذ أكثر الناس كذلك وأتى ـ بحين ـ في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات. {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا} في إيمانهم أو طلب البر. {وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} عذاب الله تعالى بتجنب معاصيه وامتثال أوامره، وأتى بخبر ـ أولئك ـ الأولى: موصولاً بفعل ماض أيذاناً بتحقق اتصافهم به وإن ذلك قد وقع منهم واستقر، وغاير في خبر الثانية: ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد بل صار كالسجية لهم، وأيضاً لو أتى به على طبق سابقه لما حسن وقوعه فاصلة، هذا والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة وترجع إلى ثلاثة أقسام، فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد، وآخرها قوله: {وَٱلنَّبِيّيْنَ} وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة فيلتئم مع ما نفاه أولاً غاية الالتئام، والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد وأولها {وَآتَى ٱلْمَالَ} وآخرها {وَفِي ٱلرِّقَابِ} والأربعة الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ} وآخرها {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} ولعمري من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان. ومن باب التأويل: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ} مشرق عالم الأرواح ومغرب عالم الأجساد فإن ذلك تقيد واحتجاب {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ} بر الموحد الذي آمن بالله والمعاد في مقام الجمع وشاهد الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجب بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين والكتاب الجامع بين الظاهر والباطن {وَءاتَى} العلم الذي هو مال القلب مع كونه محبوباً ذوي قربـى القوى الروحانية القريبة منه، ويتامى القوى النفسانية المنقطعة عن الأب الحقيقي وهو نور الروح، ومساكين القوى الطبيعية التي لم تزل دائمة السكون إلى تراب البدن وأبناء السبيل السالكين إلى منزل الحق، والسائلين الطالبين بلسان استعدادهم ما يكون غذاء لأرواحهم، وفي فك رقاب عبدة الدنيا وأسراء الشهوات بالوعظ والإرشاد، وأقام صلاة الحضور، وآتى ما يزكي نفسه بنفي الخواطر ومحو الصفات، والموفون بعهد الأزل بترك المعارضة في العبودية والإعراض عما سوى الحق في مقام المعرفة، والصابرين في بأساء الافتقار إلى الله تعالى دائماً، وضراء كسر النفس، وحين بأس محاربة العدو الأعظم {أُولَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا} الله تعالى في السير إليه وبذل الوجود {وَأُولَٰـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} عن الشرك المنزهون عن سائر الرذائل.

ابن عاشور

تفسير : قدَّمنا عند قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصَّلٰوة } تفسير : [البقرة: 153] أَن قوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} متصل بقوله تعالى: { أية : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } تفسير : [البقرة: 142]، وأنه ختام للمُحاجة في شأن تحويل القبلة، وأن ما بين هذا وذلك كله اعتراض أُطنب فيه وأُطيل لأخْذِ معانيه بعضِها بحُجَزِ بعضٍ. فهذا إقبال على خطاب المؤمنين بمناسبة ذكر أحوال أهل الكتاب وحَسَدِهم المؤمنين على اتِّباع الإِسلام مرادٌ منه تلقين المسلمين الحجةَ على أهل الكتاب في تهويلهم على المسلمين إبطال القبلة التي كانوا يصلُّون إليها ففي ذلك تعريض بأهل الكتاب. فأهل الكتاب رأوا أن المسلمين كانوا على شيء من البر باستقبالهم قبلتَهم فلما تحولوا عنها لمزوهم بأنهم أضاعوا أمراً من أمور البر، يقول عَدِّ عن هذا وأَعْرِضوا عن تهويل الواهنين وهَبُوا أنَّ قبلة الصلاة تغيرت أو كانت الصلاةُ بلا قبلة أصلاً فهل ذلك أمر له أثر في تزكية النفوس واتصافها بالبر، فذكر المشرق والمغرب اقتصار على أشهر الجهات أو هو للإِشارة إلى قبلة اليهود وقبلة النصارى لإبطال تهويل الفريقين على المسلمين حين استقبلوا الكعبة، ومنهم من جعله لكل من يسمع الخطاب. والبِرّ سعة الإحسان وشدة المرضاة والخير الكامل الشامل ولذلك توصف به الأفعال القوية الإِحسان فيقال: بر الوالدين وبر الحج وقال تعالى: { أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } تفسير : [آل عمران: 92]، والمراد به هنا بر العبد ربه بحسن المعاملة في تلقي شرائعه وأوامره. ونفيُ البر عن استقبال الجهات مع أن منها ما هو مشروع كاستقبال الكعبة: إما لأنه من الوسائل لا من المقاصد فلا ينبغي أن يكون الاشتغال به قصارى همة المؤمنين ولذلك أسقطه الله عن الناس في حال العجز والنسيان وصلوات النوافل على الدابة في السفر، ولذلك قال: {ولكن البر من آمن} إلخ فإن ذلك كله من أهم مقاصد الشريعة وفيه جماع صلاح النفس والجماعة، ونظير هذا قوله تعالى: { أية : أجعلتم سقاية الحاج } تفسير : [التوبة: 19] الآيات فيكون النفي على معنى نفي الكمال، وإمَّا لأن المنفي عنه البرُّ هو استقبال قبلتي اليهود والنصارى فقد تقدم لنا أن ذلك الاستقبال غيرُ مشروع في أصل دينهم ولكنه شيء استحسنه أنبياؤُهم ورهبانهم ولذلك نُفي البر عن تولية المشرق والمغرب تنبيهاً على ذلك. وقرأ الجمهور {ليس البرُّ} برفع {البر} على أنه اسم {ليس} والخبر هو {أَن تُولُّوا} وقرأه حمزة وحفص عن عاصم بنصب {البرَّ} على أن قوله: {أن تولوا} اسمُ {ليس} مؤخر، ويكثر في كلام العرب تقديم الخبر على الاسم في باب كان وأخواتها إذا كان أحد معمولي هذا الباب مركباً من أنْ المصدرية وفعلِها كان المتكلم بالخيار في المعمول الآخر بين أن يرفعه وأن ينصبه وشأن اسم {ليس} أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به، فوجه قراءة رفع {البر} أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر، وأما توجيه قراءة النصب فلأن أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذُكر خبره قبلهُ ترقب السامع المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه. وقوله: {ولكن البر من آمن} إخبار عن المصدر باسم الذَّات للمبالغة كعكسه في قولها: «فإنما هي إقبال وإدبار» وذلك كثير في الكلام ومنه قوله تعالى: { أية : إن أصبح ماؤكم غوراً } تفسير : [الملك: 30] وقول النابغة: شعر : وقد خِفْتُ حتى ما تزيد مَخافَتي علَى وَعِلٍ في ذي المطارة عاقلِ تفسير : أي وعل هو مخافة أي خائف، ومن قدر في مثله مضافاً أي برُّ مَنْ آمن أو ولكن ذُو البر فإنما عنى بيان المعنى لا أن هنالك مقداراً؛ لأنه يخرج الكلام عن البلاغة إلى كلام مغسول كما قال التفتازاني، وعن المبرد: لو كنتُ ممن يقرأ لقَرَأْتُ ولكن البَر بفتح الباء، وكأنه أراد الاستغناء عن التقدير في الإخبار عن البر بجملة: {من آمن} لأن مَن آمن هو البار لا نفس البِر وكيف يقرأ كذلك و{البر} معطوف بلكِن في مقابلة البر المثبت فهل يكون إلاّ عينه ولذا لم يقرأ أحد إلاّ البِر بكسر الباء، على أن القراءات مروية وليست اختياراً ولعل هذا لا يصح عن المبرد. وقرأ نافع وابن عامر (ولكنْ البر) بتخفيف النون من لكن ورفع البر على الابتداء وقرأه بقية العشرة بتشديد نون (لكن) ونصب (البر) والمعنى واحد. وتعريف {والكتٰب} تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكُتب الله مثل التوراة والإنجيل والقرآن، ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم التباس التعريف بأن يكون للعهد؛ لأن عطف (النبيين) على (الكتاب) قرينة على أن اللام في (الكتاب) للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلباً لخفة اللفظ. وما يُظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع المعرف بها ليس جارياً على الاستعمال وإنما توهمه السكاكي في «المفتاح» في قوله تعالى: { أية : قال رب إني وهن العظم مني } تفسير : [مريم: 4] من كلام وقع في «الكشاف» وما نقل عن ابن عباس أنه قرأ قولَه تعالى: { أية : كلٌّ ءَامَن بالله وملائكته وكِتَابِهِ } تفسير : [البقرة: 285]، وقال الكتاب أكثر من الكتب فلو صَحَّ عنه لم يكن مريداً به توجيه قراءته (وكتابِه) المعرفَ بالإضافة بل عنى به الأسماء المنفية بلا التبرئة تفرقة بين نحو لا رجل في الدار ونحو لا رجال في الدار في تطرق احتمال نفي جنس الجموع لا جنس الأفراد على ما فيه من البحث فلا ينبغي التعلُّق بتلك الكلمة ولا يصح التعلق بما ذكره صاحب «المفتاح». والذي ينبغي اعتماده أن استغراق المفرد والجمع في المعرف باللام وفي المنفي بلا التبرئة سواء وإنما يختلف تعبير أهل اللسان مرة بصيغة الإفراد ومرة بصيغة الجمع تبعاً لحكاية الصورة المستحضرة في ذهن المتكلم والمناسبِة لمقام الكلام، فأما في المنفي بلا النافية للجنس فلك أن تقول لا رجل في الدار ولا رجال في الدار على السواء إلاّ إذا رجح أحدَ التعبيرين مرجِّح لفظي، وأما في المعرف باللام أو الإضافة فكذلك في صحة التعبير بالمفرد والجمع سِوى أنه قد يتوهم احتمال إرادة العهد وذلك يَعرض للمفرد والجمع وينْدفع بالقرائن. وعلى في قوله: {على حبه} مجاز في التمكن من حب المال مثل { أية : أولئك على هدى } تفسير : [البقرة: 5] وهي في مثل هذا المقام للتنبيه على أبعد الأحوال من مظنة الوصف فلذلك تفيد مفاد كلمة مع وتدل على معنى الاحتراس كما هي في قوله تعالى: { أية : ويطعمون الطعام على حُبِّه مسكيناً } تفسير : [الإنسان: 8] وقول زهير: شعر : مَن يَلْقَ يوماً على عِلاَّتِه هَرِماً يَلْقَ السماحة فيه والنَّدى خُلُقاً تفسير : قال الأعلم في «شرحه» أي فكيف به وهو على غير تلك الحالة اهــــ. وليس هذا معنى مستقلاً من معاني على بل هو استعلاء مجازي أريد به تحقق ثبوت مدلول مدخولها لمعمول متعلقها، لأنه لبعد وقوعه يحتاج إلى التحقيق، والضمير للمال لا محالة والمراد أنه يعطي المال مع حبِّه للمال وعدم زهادته فيه فيدل على أنه إنما يعطيه مرضاة لله تعالى ولذلك كان فعله هذا براً. وذكر أصنافاً ممن يؤتون المال لأن إتيانهم المال ينجم عنه خيرات ومصالح. فذكر ذوي القربى أي أصحاب قرابة المعطي فاللام في (القربى) عوض عن المضاف إليه، أمر المرء بالإحسان إليهم لأن مواساتهم تكسبهم محبتهم إياه والتئامهم وهذا التئام القبائل الذي أراده الله بقوله: { أية : لتعارفوا } تفسير : [الحجرات: 13] فليس مقيّداً بوصف فقرهم كما فسر به بعض المفسرين بل ذلك شامل للهدية لأغنيائهم وشامل للتوسعة على المتضائقين وترفيه عيشتهم، إذ المقصود هو التحابب. ثم ذكر اليتامى وهم مظنة الضعف لظهور أن المراد اليتيم المحتاج حاجة دون الفقر وَإنما هو فاقد ما كان ينيله أبوه من رفاهية عَيْشٍ، فإيتاؤهم المال يجبر صدع حياتهم. وذكر السائلين وهم الفقراء. والمسكنة: الذل مشتقة من السكون ووزن مسكني مفعيل للمبالغة مثل مِنطيق. والمسكين الفقير الذي أذله الفقر وقد أتفق أئمة اللغة أن المسكين غير الفقير هو أقل فقراً من الفقير وقيل هو أشد فقراً وهذا قول الجمهور وقد يطلق أحدهما في موضع الآخَر إذا لم يجتمعا وقد اجتمع في قوله تعالى: { أية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين } تفسير : [التوبة: 60] ونظيرها في ذكر هؤلاء الأربعة قوله تعالى: { أية : يسألونك ماذا ينفقُعون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } تفسير : [البقرة: 215]. وذكر السائلين وهم الفقراء كنى عنهم بالسائلين لأن شأن المرء أن تمنع نفسه من أن يسأل الناس لغير حاجة غالباً. فالسؤال علامة الحاجة غالباً، ولو أدخل الشك في العلامات الاعتيادية لارتفعت الأحكام فلو تحقق غنى السائل لما شرع إعطاؤه لمجرد سؤاله، ورووا: «للسائل حق ولو جاء راكباً على فرس» وهو ضعيف. وذَكر ابن السبيل وهو الغريب أعْني الضيف في البوادي؛ إذ لم يكن في القبائل نُزْل أو خانات أو فنادق ولم يكن السائر يستصحب معه المال وإنما يحمل زاد يومه ولذلك كان حق الضيافة فرضاً على المسلمين أي في البوادي ونحوها. وذكر الرقاب والمراد فِداء الأسرى وعتق العبيد. ثم ذكر الزكاة وهي حق المال لأجل الغنى ومصارفها مذكورة في آياتها. وذكر الوفاء بالعهد لما فيه من الثقة بالمعاهِد ومن كرم النفس وكون الجِد والحق لها دربة وسجية، وإنما قيد بالظرف وهو إذا عاهدوا أي وقت حصول العهد فلا يتأخر وفاؤهم طَرفَة عَيْن، وفيه تنبيه على وجوب الاحتياط عند بذل العهد بحيث لا يعاهِد حتى يتحقق أنه يستطيع الوفاء كأنه يقول: فإن علموا ألا يفوا فلا يعاهدوا. وعطف {والموفون} على {من ءامن بالله} وغير أسلوب الوصف فلم يقل ومَنْ أوْفَى بعهده للدلالة على مغايرة الوصفين بأن الأول من علائق حق الله تعالى وأصول الدين والثاني من حقوق العباد. وذكر الصابرين في البأساء لما في الصبر من الخصائص التي ذكرناها عند قوله تعالى: { أية : واستعينوا بالصبر والصلوٰة } تفسير : [البقرة: 45] ثم ذكر مواقعه التي لا يعدوها وهي حالة الشدة، وحالة الضر، وحالة القتال، فالبأساء والضراء اسمان على وزن فعلاء وليسا وصفين إذ لم يسمع لهما أَفْعَلُ مذكَّراً، والبأساء مشتقة من البُؤْس وهو سوء الحالة من فقر ونحوه من المكروه، قال الراغب: وقد غلب في الفقر ومنه البئيس الفقير، فالبأساء الشدة في المال، والضراء شدة الحال على الإنسان مشتقة من الضُّرّ ويقابلها السَّرَّاء وهي ما يَسُرّ الإنسان من أحواله، والبأسُ النكاية والشدة في الحرب ونحوها كالخصومة { أية : قالوا نحن أولوا قُوَّةٍ وأولُوا بأس شديد } تفسير : [النمل: 33] { أية : بأسهم بينهم شديد } تفسير : [الحشر: 14] والشر أيضاً بأس والمراد به هنا الحرب. فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم. وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشىء عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال. فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحراراً. والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض. والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} فحصر فيهم الصدق والتقوى حصراً ادعائياً للمبالغة، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين، ولأنهم حرموا كثيراً من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا. وفيها أيضاً تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر، والنبيئين، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة. ونصب (الصابرين) وهو معطوف على مرفوعات نصبٌ على الاختصاص على ما هو المتعارف في كلام العرب في عطف النعوت من تخيير المتكلم بين الاتباع في الإعراب للمعطوف عليه وبين القطع قاله الرضي، والقطع يكون بنصب ما حقه أن يكون مرفوعاً أو مجروراً وبرفع ما هو بعكسه ليظهر قصد المتكلم القطع حين يختلف الإعراب؛ إذ لا يعرف أن المتكلم قصد القطع إلاّ بمخالفة الإعراب، فأما النصب فبتقدير فعل مدح أو ذم بحسب المقام، والأظهر تقدير فعل (أخُص) لأنه يفيد المدح بين الممدوحين والذم بين المذمومين. وقد حصل بنصب (الصابرين) هنا فائدتان: إحداهما عامة في كل قطع من النعوت، فقد نقل عن أبي علي الفارسي أنه إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف إعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها لأن هذا من مواضع الإطناب فإذا خولف إعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان. قال في «الكشاف» «نُصِب على المدح وهو باب واسع كسَّره سيبويه على أمثلة وشواهد» اهــــ. قلت: قال سيبويه في باب ما ينتصب على التعظيم والمدح «وإن شئتَ جعلته صفة فجرى على الأولِ، وإن شئتَ قطعته فابتدأْتَه، مثل ذلك قوله تعالى: {ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر} إلى قوله {والصابرين} ولو رُفع الصابرين على أول الكلام كان جيداً، ولو ابتدأته فرفعته على الابتداء كان جيداً، ونظير هذا النصب قول الخِرْنِقِ: شعر : لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذِين هُمُوا سُم العُداةِ وآفة الجزْرِ النازِلينَ بكل مُعْتَرَكٍ والطيِّبون مَعَاقِدَ الأُزْرِ تفسير : بنصب النازلين، ثم قال: وزعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم تُرِد أن تحدِّث الناس ولا مَنْ تخاطب بأمرٍ جَهِلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمتَ فجعلته ثناء وتعظيماً ونصبه على الفعل كأنه قال أَذْكُرُ أهْلَ ذلك وأَذْكُرُ المقيمين ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره» اهــــ قلت: يؤيد هذا الوجه أنه تكرر مثله في نظائر هذه الآية في سورة النساء { أية : والمقيمين الصلٰوة } تفسير : [النساء: 162] عطفاً على { أية : لكن الراسخون في العلم } تفسير : [النساء: 162]، وفي سورة العقود { أية : والصابئون } تفسير : [المائدة: 69] عطفاً على { أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا } تفسير : [المائدة: 69]. الفائدة الثانية أن في نصب {الصابرين} بتقدير أخص أو أمدح تنبيهاً على خصيصية الصابرين ومزية صفتهم التي هي الصبر. قال في «الكشاف»: «ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظرْ في الكتابِ ولم يعرف مذاهب العرب ومالَهم في النصب على الاختصاص من الافتتان اهــــ» وأقول: إن تكرره كما ذكرنا وتقارب الكلمات يَرْبَأُ به على أن يكون خطأً أو سهواً وهو بين كلمتين مخالفتين إعرابه. وعن الكسائي أن نصبه عطف على مفاعيل {آتى} أي وآتى المال الصابرين أي الفقراء المتعففين عن المسألة حين تصيبهم البأساء والضراء والصابرين حين البأس وهم الذين لا يجدون ما ينفقون للغزو ويحبون أن يغزوا، لأن فيهم غناء عن المسلمين قال تعالى: { أية : ولا على الذين إذا ما أتَوْك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون } تفسير : [التوبة: 92]. وعن بعض المتأولين أن نصب {والصابرين} وقع خطأ من كتاب المصاحف وأنه مما أراده عثمان رضي الله عنه فيما نُقل عنه أنه قال بعد أن قرأ المصحف الذي كتبوه: «إنِّي أجد به لحناً ستقيمه العرب بألسنتها» وهذا مُتَقَوَّل على عثمان ولو صح لكان يريد باللحن ما في رسم المصاحف من إشارات مثل كتابة الألف في صورة الياء إشارة إلى الإمالة ولم يكن اللحن يطلق على الخطأ. وقرأ يعقوب {والصابرون} بالرفع عطفاً على {والموفون}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} الآية. لم يبين هنا هل هذا المصدر مضاف إلى فاعله فيكون الضمير عائداً إلى من آتى المال، والمفعول محذوفاً، أو مضاف إلى مفعوله فيكون الضمير عائداً إلى المال، ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى فاعله، وأن المعنى: على حبه، أي حب مؤتي المال لذلك المال وهو قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92]، ولا يخفى أن بين القولين تلازماً في المعنى. قوله تعالى: {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ}. لم يبين هنا ما المراد بالبأس. ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 18]، كما هو ظاهر من سياق الكلام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: البر: اسمٌ جامع لكل خير وطاعة لله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن البر من آمن بالله: البر الحق برٌّ من آمن بالله واليوم الآخر إلى آخر الصفات. وأتى المال على حبه: أعطى المال حيث تعين إعطاؤه مع شدة حبه له فآثر ما يحب الله تعالى على ما يحب. ذوي القربى: أصحاب القرابات، الأقرب فالأقرب. اليتامى: جمع يتيم وهو من مات والده وهو لم يبلغ الحنث. المساكين: جمع مسكين، فقير معدم أسكنته الحاجة فلم يقدر على التصرف. ابن السبيل: المسافر البعيد الدار المنقطع عن أهله وماله. السائلين: جمع سائل: الفقير المحتاج الذي أذن له في السؤال لدفع عائلة الحاجة عن نفسه. في الرقاب: الرقاب جمع رقبه والإِنفاق منها معناه في عتقها. البأساء والضراء: البأساء: شدة البؤس من الفقر، والضراء: شدة الضر أو المرض. وحين البأس: عند القتال واشتداده في سبيل الله تعالى. أولئك الذين صدقوا: أي في دعواهم الإيمان والبر والبرور. معنى الآية الكريمة: في الآيات الثلاث السابقة لهذه الآية ندد الله تبارك وتعالى بأحبار أهل الكتاب وذكر ما توعدهم به من غضبه وأليم عقابه يوم القيامة كما تضمن ذلك تخويف علماء الإِسلام من أن يكتمون العلم على الناس طلباً لحظوظ الدنيا الفانية، وفي هذه الآية رد الله تعالى على أهل الكتاب أيضاً تبجحهم بالقبلة وادّعاءهم الإيمان والكمال فيه لمجرد أنهم يصلون إلى قبلتهم بيت المقدس بالمغرب أو طلوع الشمس بالمشرق إذ الأولى قبلة اليهود والثانية قبلة النصارى فقال تعالى: ليس البر كل البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، وفي هذا تنبيه عظيم للمسلم الذي يقصر إسلامه على الصلاة ولا يبالي بعدها ما ترك من واجبات وما ارتكب من منهيات، بين تعالى لهم البار الحق في دعوى الإيمان والإِسلام والإحسان فقال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ} أي ذا البر أو البار بحق هو {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} وذكر أركان الإِيمان إلا السادس منها (القضاء والقدر)، {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} وهما من أعظم أركان الإسلام، وأنفق المال في سبيل الله مع حبه له وضنِّه به ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فهو ينفق ماله على من لا يرجو منه جزاءً ولا مدحاً ولا ثناء كالمساكين وأبناء السبيل والسائلين من ذوي الخصاصة والمسغبة، وفي تحرير الأرقاء وفكاك الأسرى وأقام الصلاة أدامها وعلى الوجه الأكمل في أدائها وأتى الزكاة المستحقين لها، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من أعظم قواعد الإسلام، وذكر من صفاتهم الوفاء بالعهود والصبر في أصعب الظروف وأشد الأحوال، فقال تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} وهذا هو مبدأ الإِحسان وهو مراقبة الله تعالى والنظر إليه وهو يزاول عبادته، ومن هنا قرر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في دعوى الإيمان والإسلام وهم المتقون بحق غضب الله وأليم عذابه، جعلنا الله منهم، فقال تعالى مشيراً لهم بلام البعد وكاف الخطاب لبُعْدِ مَكَانتهم وارتفاع درجاتهم {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- الاكتفاء ببعض أمور الدين دون القيام ببعض لا يعتبر صاحبه مؤمناً ولا ناجياً. 2- أركان الإيمان هي المذكورة في هذه الآية، والمراد بالكتاب في الآية الكتب. 3- بيان وجوه الإنفاق المرجو ثوابه يوم القيامة وهو ذوي القربى إلخ... 4- بيان عظم شأن الصلاة والزكاة. 5- وجوب الوفاة بالعهود. 6- وجوب الصبر وخاصة عند القتال. 7- التقوى هي ملاك الأمر، والغاية التي ما بعدها للعاملين غاية.

القطان

تفسير : البر: الصلة، يقال بَرَّ رحمه اذا وصلها. والخير، والاتساع في الاحسان، والطاعة والصدق، وهو جماع الخير، والاخلاق الحسنة وما ينشأ عنها من أعمال صالحة يتقرب بها العبد الى ربه، أما بالنسبة الى الله فهو الثواب والرضا والمحبة الآلهية. المساكين: مفرده مسكين وهو الذي لا يستطيع العمل، ولا يفطن أحد له لانه لا يسأل الناس. ابن السبيل: هو المسافر إذا انقطع فلا يجد ما يوصله الى بلده. السائلين: الذين ألجأتهم الحاجة الى السؤال، فاضطروا الى التكفف. في الرقاب: تحرير العبيد واعانتهم على فك رقابهم. البأساء: الشدة. الضراء: كل ما يضر الانسان من مرض أو فقد حبيب من أهل أو مال. حين البأس: وقت الحرب. هذه أجمع الآيات في تحديد معنى البر من النواحي الواقعية. فهي ترشد الى ان البر لا يرتبط بشيء من المظاهر والصور والأشكال، وانما بالحقائق ولب الأمور وروح التكاليف. كما ترشد الى ان البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير: برٌّ في العقيدة، وبر في العمل، وبر في الخُلق. يعلمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ان الخير ليس في الجدل في أمور لا تجدي، ولا هو متعلق بالتوجه الى المشرق أو المغرب في صلاة مظهرية جوفاء، كلا، وانما هو أولاً الإيمان بالله في ربوبيته ووحدانيته؛ والايمان باليوم الآخر، حيث تتم المحاسبة على ما جنته الجوارح وما في القلوب والضمائر. بيد ان الايمان بالله واليوم الآخر لا يمكن للعقل البشري ان يصل اليه مستقلاًّ بل لا بد من واسطة تدلنا عليه. وهي من ثلاثة عناصر: الملائكة الذين يتلقون عن الله مباشرة، والأنبياء الذين يتلقُّون عن الملائكة، والكتاب الذي يتلقونه ويبلّغون ما فيه من أحكام وتشريعات. وقد عبر الله عنها بالكتاب اشارة الى وحدة الدين عند الله. هذه الأمور الخمسة هي البر في العقيدة: الايمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين. أما البر في العمل فله شُعب كثيرة ترجع كلها مهما تنوعت الى بذل النفس والمال ابتغاء مرضاة الله، وادخال السرور على خلق الله. والعمل هو مَدَدُ العقيدة وفي نفس الوقت ثمرتها، يحفظها وينمّيها، ويدل عليها. وقد ذكرت الآية بذل النفس في أعظم مظهر له، ذلك هو اقامة الصلاة. فالصلاة هي عماد الدين، والفارق بين المؤمن وغيره. انها مناجاة العبد لربه، والناهية عن الفحشاء والمنكر، والعاصمة من الهلع والجزع. هذه هي الصلاة اذا اقامها المرء على حقيقتها، فوقف بين يدي ربه وقد خلع نفسه من كل شيء في دنياه، وسلّم لله أموره ونسي ما عداه. بذلك يكون قد بذل نفسه لله، ووضعها بين يديه، فجاءت صلاته عهداً حقيقياً بينه وبين ربه. ثم بين الله تعالى في الآية بذل المال في وصرتين، أحداهما قوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ}, والثانية قوله تعالى: {وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} ويجب ان يفهم هنا بمقتضى هذا الوضع القرآني الكريم ان الزكاة المفروضة شيء، وان ايتاء المال لهؤلاء الأصناف المذكورة شيء آخر لا يندرج في الزكاة ولا تغني عنه الزكاة. وقد قدّم الله تعالى الكلام في بذل المال لسد حاجة المحتاجين، ودفع ضرورة المضطرين، والقيام بمصالح المسلمين ـ وحث عليه وأكده لأنه هو البر الحقيقي. اما الزكاة فهي فرض من الفروض الواجبة على المسلم يؤديها طبقا لشروطها. فاذا لم يقم الاغنياء والقادرون ببذل المال على هذا الوجه واكتفوا بدفع الزكاة فقط ـ فإنهم ليسوا على البر الذي أراده الله من عباده. وهذا أصل عظيم في تنظيم الحياة الاجتماعية يباح به لمن يولِّيه المسلمون أمرهم ان يشرّع الوانا من الضرائب اذا لم تفِ الزكاة بحاجة الأفراد والمجتمع. {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} اي بذَلَه رغم فطرة حب المال عند الانسان، وبذلك يبرز معنى الايثار {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران:92] و{أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر:9]. وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الصدقة ان تصَّدق وأنت صيح شحيح تخشى الفقر وتأمل المغنى"تفسير : أخرجه البخاري عن أبي هريرة. ذوي القربى: الأقرباء المحتاجين، وهم أحق الناس بالبر. وقد ورد في الحديث "حديث : ان الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة ". تفسير : واليتامى: وهم الصغار فقدوا آباءهم وليس لهم عائل يرعاهم. وقد عني الاسلام بأمر اليتيم والحث على تربيته والمحافظة على نفسه وماله اذا كان له مال. وقد ظهرت عناية القرآن الكريم بشأن اليتيم منذ ان نزل الى ان انقطع الوحي، وستمر بنا آيات كثيرة في ذلك. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : خير بيتٍ في المسلمين بيت فيه يتيم يحسَن اليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء اليه ". تفسير : والمساكين: هم الذين لا يستطيعون العمل، ولا يفطن الناس اليهم لأنهم لا يسألون. وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطعت به الطريق فلا يوصله الى اهله. والسائلين: الذين الجأتهم الحاجة الى السؤال، فاضطروا الى التكفف. وفي الرقاب: اي لتحرير الأرقاء. والاسلام أول دين شرّع "العتق". لقد حث على تحرير العبيد ولم يشرع الرق، لأن هذا كان موجودا منذ أقدم العصور. لذا جعل من مصارف الزكاة انفاقها في الرقاب، أي فكاك الاسرى، وعتق الرقيق. ولقد حث الرسول الكريم في كثير من وصاياه وأحاديثه على الرفق بالرقيق والعمل على تحريرهم. والبر في الخُلق هو المبدأ الثالث في هذه الآية العظيمة: وهو يشمل مبدأ القيام بالواجب، وقد جاء التعبير عنه بقوله تعالى: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ}، ومبدأ مقاومة الطوارىء والتغلب على عقبات الحياة كما جاء في قوله تعالى: {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ}, والعهد لفظٌ شامل يجمع ألوانا من ارتباطات والتزامات لا غنى للناس عنها، ولا استقامة للحياة بدونها. وهي على كثرتها ترجع الى واحد من ثلاثة: عهد بين العبد وربه، وعهد بين الانسان وأخيه، وعهد بين دولة ودولة. اما مبدأ المقاومة فقد عبر عنه تعالى بقوله: {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ}، والصبر كما قدمنا الكلام عنه في شرح {ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} هو عدة النجاح في الحياة، والسبيل الوحيد للتغلب على جميع الصعاب. وقد ذكر سبحانه هنا ثلاث حالات هي ابرز ما يظهر في الهلع: البأساء، والضراء وحين البأس. وقد تقدم تفسيرها. هذه عناصر البر في العقيدة والعمل والخلق، تحدثت عنها هذه الآية الكريمة، وختمت حديثها بحصر الصدق والتقوى فيمن اتصف بهذه المبادىء من المؤمنين، {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}، فالذين يجمعون هذه العقائد والأعمال الخيرة هم الذين صدقوا في ايمانهم. وهذه الآية دستور شامل عظيم. القراءات: قرأ حمزة وحفص "ليس البر" بالنصب والباقون "ليس البر" بالرفع. وقرأ نافع وابن عامر "ولكن البر" بتخفيف لكن ورفع البر.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَ} {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ} {وَٱلْكِتَابِ} {وَٱلنَّبِيِّينَ} {وَآتَى} {وَٱلْيَتَامَىٰ} {وَٱلْمَسَاكِينَ} {وَٱلسَّآئِلِينَ} {ٱلصَّلاةَ} {وَآتَى} {ٱلزَّكَاةَ} {عَاهَدُواْ} {وَٱلصَّابِرِينَ} {أُولَـٰئِكَ} (177) - بَعْدَ أَن حَوَّلَ اللهُ قِبْلَةَ المُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إِلى البَيتِ الحَرامِ، شَقَّ ذلِكَ عَلَى نُفُوسِ طَائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَخَذَ اليَهُودُ فِي الدَّسِّ والنَّقْدِ بُغْيَةَ زَعْزَعَةِ ثِقةِ المُسْلِمِينَ بِرَبِّهِمْ وَنَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم، فَأَوْضَحَ اللهُ فِي عَدَدٍ مِنَ الآيَاتِ حِكْمَتَهُ مِنْ ذلِكَ، وَهِيَ: أَنَّ المُرَادَ أَسَاساً هُوَ طَاعَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ، وَالتَّوَجُّهُ حَيثُما أَمَرَ وَوَجَّهَ، فَهذا هُوَ البِرُّ وَالتَّقوَى والإِيمَانُ الكَامِلُ، وَليسَ فِي التَّوجُّهِ نَحْوَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ بِحَدِّ ذَاتِهِ طَاعَةٌ ولا بِرٌّ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ. فَالبِرُّ يَقُومُ بِالإِيمَانِ بِاللهِ، وَاليَومِ الآخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ، وَالكِتَابِ المُنْزَلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالإِيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ الذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِلى النَّاسِ، وَبِإِنْفَاقِ المَالِ فِي طَاعَتِهِ - وَالإِنْسَانُ حَيٌ سَلِيمٌ صَحِيحٌ يَأْملُ العَيْشَ، وَيَخْشَى الفَقْرَ - عَلَى ذَوِي قُرْبَاهُ، وَعَلَى اليَتَامَى الذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ، وَهُمْ صِغَارٌ غَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى الكَسْبِ، وَعَلى المَسَاكِينِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ وَمَسْكِنِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ، وَعَلَى ابنِ السَّبيلِ - وَهُوَ المُسَافِرُ المُجْتَازُ الذِي نَفَدَتْ نَفَقَتُهُ - وَعَلَى مَنْ يُريدُ سَفَراً فِي طَاعَةِ اللهِ فَيُعطَى مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَّابِهِ، وَعَلَى السَّائِلِينَ الذِينَ يَتَعرَّضُونَ لِلسُّؤالِ، وَعَلى العَبيدِ المُكَاتَبِينَ الذِين لاَ يَجِدُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ في كِتَابَتِهِمْ. كَمَا أَنَّ البِرَّ يَقُومُ: بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ (وَإِتمَامِ أَفْعَالِهَا بِخُشُوعٍ تَامٍّ في أَوْقَاتِهَا وَإِتْمَامِ رُكُوعِهِا وَسُجُودِها)، وَبِدَفْعِ الزَّكَاةِ، وَبِالتَّمسُّكِ بالعُهُودِ والمَواثِيقِ وَعَدَمِ النَّكْثِ بِها، وَبِالصَّبرِ فِي البَأْسَاءِ - أَيْ فِي حَالِ الفَقْرِ - وَفِي الضَّرَّاءِ - أَيْ فِي حَالِ المَرَضِ -، وَالصَّبرِ حِينَ البَأْسِ - أَيْ فِي حَالَةِ القِتالِ وَلِقَاءِ الأَعْدَاءِ-. فَالذِينَ اتَّصَفُوا بِالصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ هُمُ البَرَرَةُ الذِينَ صَدقُوا فِي إِيمَانِهِمْ، وَفَازُوا بِرِضَا اللهِ. (وَقَدْ نَصَبَ اللهُ تَعَالَى الصَّابِرينَ عَلَى المَدْحِ والثَّناءِ عَلَى الصَّبرِ، وَالحَثِّ عَليهِ لِشِدَّتِهِ، وَصُعُوبَةِ احِتِمَالِهِ عَلَى النُّفُوسِ). البِرَّ - التَّوسُّعَ فِي الطَّاعَاتِ وَفِعْلِ الخَيْرِ. ابْنَ السَّبِيلِ - المُسَافِرَ الذِي انْقَطَعَ عَنْ أَهْلِهِ. فِي الرِّقَابِ - فِي تَحْرِيرِ الرِّقاَبِ مِنَ الأَسْرِ والرِّقِ. الصَّابِرِينَ - أَخُصُّ الصَّابِرِينَ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ. البَأْسَاءِ - البُؤْسِ وَالفَقْرِ. الضَّرَّاءِ - السَّقمِ وَالأَلَمِ. حِينَ البَأْسِ - وَقْتَ القِتَالِ.

الثعلبي

تفسير : {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} قرأ حمزة وحفص: ليس البرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله إسم ليس، وجعل خبره في قوله {أَن تُوَلُّواْ} تقديره: ليس البرَّ توّليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على إسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله {أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الجاثية: 25]، وقوله {أية : فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [الحشر: 17]. هارون عن عبد الله وأُبي بن كعب: إنّهما قرئا ليس البرَّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية: فقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنصّارى؛ وذلك إنّ اليهود كانت تُصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه مابينّه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي. وقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون؛ وذلك إنّ رجلاً سأل النبّي صلى الله عليه وسلم عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرّجل فتلاها عليه. وقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلاّ الله وإنّ محمّداً عبدهُ ورسوله وصلّى الصلاة إلى أيّ ناحية ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} جعل من وهي اسم خبراً للبرّ وهو فعل ولايُقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية: فقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمراً للبرّ. كأنّه قال: ولكن البّر الأيمان بالله، والعرب تجعل الأسم خبراً للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصلُ من رحمه ويُخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء: شعر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحّى ولكنّما الفتيان كل فتى ندي تفسير : فجعل نبات اللحية خبراً للفتى. وقيل: معناه ولكنّ البّر برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]، وقال تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] قال النابغة الجعدي: شعر : وكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب تفسير : أي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضاً. وقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 132] أي المتقي. وقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله {أية : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 163]: أي ذو درجات. قال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنَّ البرَّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والأحسان، والبرَّ أيضاً: الصدق، والبرَّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. {وَٱلْمَلاۤئِكَة} كلهم. {وَٱلْكِتَابِ} (يعني الكتب). {وَٱلنَّبِيِّينَ} أجمع. {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} واختلفوا في هذه الحكاية: فقال أكثر المفسرين: في حبّه راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم. وقيل: هي عائدة على الله عزّ وجلّ أي حبّ الله سبحانه. قال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الأيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي. {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ} أهل القرابة. عن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صدقتك على مسكين صدَقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنتين لأنّها صدقة وصلة ". تفسير : الزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح ". تفسير : سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النبّي صلى الله عليه وسلم قالت:"حديث : أعتقت جارية لي فدخلت على النبّي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بعتقها فقال: "آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ". تفسير : {وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمّر عليك. قتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال: وذكرنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". تفسير : وكان يقول: "حديث : حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة ". تفسير : وإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي (أتت عليه الدهور) ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة: شعر : وردت اعتسافاً والثريّا كأنّها على قمّة الرأس ابن ماء محلّق تفسير : {وَٱلسَّآئِلِينَ} المستطعمين الطّالبين. عبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للسائل حقّ وإن جاء على فرس ". تفسير : مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه ". تفسير : {وَفِي ٱلرِّقَابِ} يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الاسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة. {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ} المفروضة. {وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} الواجبة. {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا اوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا أئتمنوا أدَّوا. قال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النبّي صلى الله عليه وسلم ثمّ غدر فالنبّي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة. وفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} و(من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البّر المؤمنون والموفون. وقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هُم الموفون، ثمّ قال: {وَٱلصَّابِرِينَ} وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام (والنسق). وقال الكسائي: نصبه نسقاً على قوله {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} الصابرين. وقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين. وقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. فأمّا المدح فقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء: 162] وأنشد الكسائي: شعر : وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلاّ نميراً اطاعت أمر غاويها والطاعنين ولما يطعنوا أحدا والقائلين لمن دار يخليها تفسير : وأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان: شعر : [لا يبعدن] قومي الَّذين هم سم العداة وانه الجزل النازلين بكل معترك والطيبين معاقد الأزل تفسير : وأما الذّم، فقوله تعالى {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ} تفسير : [الأحزاب: 61] أخذوا. وقال عروة بن الورد شعر : تسقوني الخمر ثمّ تكفوني عداة الله من كذب وزور تفسير : {فِي ٱلْبَأْسَآءِ} يعني الشدة والفقر {وٱلضَّرَّاءِ} المرض والزمانة وهما إسمان بنيا على فعلاً ولا أفعل لهما لانهما إسمان وليسا بنعت. {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} وقت القتال: وقال علي (رضي الله عنه): كنّا إذا أحمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أقربنا إلى العدّو إذا اشتدّ الحرب. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في دمائهم. {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} روى القاسم: إن إبا ذر سُئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البّر، فقال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية. وقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام. قال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج. وقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا. السّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات؛ وذلك إنّ أهل حزبين من العرب أقتتلوا؛ أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصاً بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ} فرض وكتب عليكم في القتلى، والقصاص: المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتبّعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثلهُ، ثمّ بيّن فقال: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}. ذكر حكم الآيات إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قُتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قُتل منهم بالذكر، والأُنثى إذا قُتلت بالأُنثى، والذكر والأجماع واقع إنّ الرّجل يُقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرّمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك؛ فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يُقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت (ثلث)؛ لما بينهما من المفاضلة، ولا يُقتل مؤمن بكافر. بدليل ماروى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّاً كرم الله وجهه هل عندكم من النبّي صلى الله عليه وسلم سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسّمة إلاّ أن يعطي الله عزّ وجلّ عبداً فهماً في كتابه ومافي الصحيفة. قلتُ: ومافي الصّحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لايُقتل مسلم بكافر، ولا يُقتل (سيد) بعبده، ولا والد بولده. يدلّ عليه ماروى إن رجلاً اسمهُ قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (رضي الله عنه): لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لايُقاد والد بولده، وإلاّ قدتهُ به. {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وروي عن علي (رضي الله عنه) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته. {فَٱتِّبَاعٌ} أي فعليه اتباع. {بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفة مالم يوجبه الله له أو يُشدد عليه كما قال النبّي صلى الله عليه وسلم "حديث : من زاد بعيراً في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية ". تفسير : حكم الآية أعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يُقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقهُ أو غرقه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر ومايشبه ذلك مما يتعمدّ قلبه ففي هذا القصاص أو الدّية. فدية المسلم ألف دينار ومن الورق أثنا عشر الف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعة، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك. وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لايموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمداً أو مااشبه وذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مُغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد. وأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئاً فيخطىء ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيُخطىء السهم فيقع بأنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث سنين أخماساً: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون إبنا لبنون، وعشرون خناق، وعشرون جذعاً، ولايتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة. {تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوارة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولايأخذوا الدّية ولايعفوا وعلى أهل الأنجيل أن يعفوا ولايقيدوا ولايأخذوا الدّية. فخير الله تعالى هذه الأُمة بين القصاص والدّية والعفو. كما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثمّ أنتم ياخُزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلاً بعده فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل ". تفسير : {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} ظلم وتجاوز الحد. {بَعْدَ ذٰلِكَ} فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلاً فرَّ إلى قومه فيجيء قومه فيُصالحون بالدّية فذلك الاعتداء. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يُقتل في الدٌّنيا ولايُعفى عنه. قال النبّي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أُعافي رجلاً قتل بعد أخذه الدّية منه»تفسير : ، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافراً ولا يبقى خالداً في النّار؛ لأنّ الله تعالى خاطبهم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فسمى القاتل أخا المقتول، وقال {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين. يروى أنّ مسروقاً سُئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق باباً فتحه الله. {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يُهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل. وقال قتادة: كم رجل قدهمّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين. وقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيى في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: ولكم في القصاص حياة أراد القرآن فيه حياة القلوب. قال {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} ياذوي العقول. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} القتل مخافة القود.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعندما جاء الأمر من الحق سبحانه وتعالى بتحويل القبلة إلى الكعبة واتجاه المسلمين في صلواتهم إليها بعد أن كانوا يصلون ووجهتهم إلى بيت المقدس، عند ذلك حدثت بلبلة، وصار لكل أتباع ملة قبلة خاصة: فالمسلون يتجهون إلى الكعبة، واليهود يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى يتجهون إلى الشرق. وهذه الآية تؤكد أن الخلاف ليس في مسألة اتجاه الصلاة، وقبل تحويل القبلة كان كل مَنْ يصلي يتجه إلى مُتجه، وتغيير المتجه ليس فيه مشقة. والحق سبحانه وتعالى يقول لهم: لا تجعلوا أمر الاتجاه إلى الكعبة هو كل البر؛ لأن هذا الأمر لا مشقة فيه؛ فلا مشقة في توجه المسلمين إلى الكعبة بعد أن كانوا متوجهين إلى بيت المقدس، إنما المسألة هي امتثال لأمر الآمر، فالبر إذن ليس في الأمور السهلة التي لا مشقة فيها، وإنما في الخير الواسع الكثير، ويشمل الإيمان ويشمل التقوى، ويشمل الصدق، ويشمل الطاعة، ويشمل الإحسان، وكل وجوه الخير تدخل في كلمة "البر". فالبر معناه كبير واسع، وما دام معناه متسعاً هكذا فكل ناحية منه تحتاج إلى مشقة. وانظروا إلى مطلوب البر، ومتعلقات البر التي تتطلب منكم المشقة، ولا تختلفوا في المسألة السهلة اليسيرة التي لا يوجد فيها أدنى تعب مثل مسألة تغيير اتجاه القبلة، فإن كنتم تعتقدون أن ذلك هو البر نقول لكم: لا، البر له مسئوليات تختلف، إن مُتعلق البر هو أن يُختبر صدق الإيمان، ويظهر الإيثار لمطلوب الله على الراحة، ويتطلب من المؤمن أن يقبل على الطاعة وإن شقَّت عليه، ويتطلب أن يمتنع المسلم عن المعاصي؛ وأن يعرف أن للمعاصي لذة عاجلة، لكن عقابها كبير، كل ذلك هو من مطلوبات البر والإيمان، فلا تجعلوا مسألة التوجه إلى الكعبة أو إلى بيت المقدس، أو إلى المشرق هو المشكلة؛ لأن وجوهكم ستتولى إلى جهة ما وإن لم تُؤمَروا. والبر كما نعلم هو الخير الواسع الذي يشمل كل وجوه الجمال في الكون. يقول الحق: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} [البقرة: 177]. ولماذا جعل الله الحديث عن البر حديثاً عن ذات مجسدة؛ برغم أن البر معنى؟. إن الحق يجسد المعنى وهو البر في ذات العبد الذي آمن لأنه سبحانه حينما يريد أن يؤكد معنى من المعاني يجعل الذات مجسدة فيه. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - عندما نقول: "فلان عادل"، أي نحن نصفه بما يحقق للسامع أنه رجل يعرف العدل، ولكن عندما نقول: "فلان عدل" فكأنه هو العدل ذاته، وكذلك عندما نقول: "فلان صادق" فمعنى ذلك أنه صاحب ذات اتصفت بالصدق، ومن الممكن للذات أن تنفصل عن الصدق يوماً، ولكن حين نقول: "فلان صدق" فمعنى ذلك أن الصدق قد امتزج به فلا ينحل عنه أبداً، أو أن الحق يريد أن يقول لنا: لكن صاحب البر هو من آمن بالله، أو يقول: "ولكن البر هو بر من آمن بالله"، أو أن الإخبار بالذات "من آمن" عن الصفة "البر" دليل على امتزاج الذات في الصفة امتزاجاً لا تتخلى عنه أبداً فكأن البر قد تجسد فيهم. وكل هذه الأقوال يتسع لها النص القرآني الكريم. والحق يقول: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّه} [البقرة: 177] هذه بداية الإيمان، ويأتي بعد ذلك بنهاية الإيمان وهو ضرورة الإيمان بـ {ٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 177]، إن بداية القوس هي الإيمان بالله وطرفه الأخير الإيمان باليوم الآخر. وهنا نتساءل: وكيف يأتي الإيمان باليوم الآخر؟ نقول: يأتي الإيمان باليوم الآخر بأن تؤمن بالله ثم تؤمن بما يخبرك به الله، فلا تقل: أنا جعلتهما في صف واحد، بل الإيمان بالله أولاً، وبعد ذلك الإيمان بما أخبرني به الله، وقد أخبر سبحانه: أن هناك يوماً آخر، فصدقت ما أخبر به. وتأتي مسألة الإيمان بالملائكة فيقول الحق: "والملائكة" فكيف نؤمن بخلق من خلق الله لا نراه؟. إننا ما دمنا قد آمنا بالقمة، وهي الإيمان بالله، والله أخبرنا بأن هناك ملائكة، وحتى لو كان وجود الملائكة غيبياً فنحن نؤمن بها؛ لأن الذي أخبر بها هو الله، وكذلك نؤمن بالجن برغم أننا لا نراه، وكل ما يتعلق بالغيبيات هو إخبار ممن آمنت به، لذلك تؤمن بها. والمسائل الإيمانية كلها غيبية، ولا تقول في الأمر الحسي: "إنني آمنت به"، إنما تقول: "آمنت" في الأمر الغيبي؛ لأنه أمر غيبي لا تأنس به الحواس والإدراكات، وتريد أن تجعله عقيدة، والعقيدة هي أمر يُعقد فلا ينحل أبداً، ولأنه أمر غيبي فربما ينفلت منا؛ لأنه لو كان أمراً مشهدياً لما غفل عنه الإنسان أبداً؛ لأن مشهديته ستجعلك تتذكره، إنما هو أمر غيبي، ويسمى عقيدة، أي أمراً معقوداً لا يُحل أبداً. والقمة العقدية هي أن تؤمن بالله، ثم تؤمن بما يخبرك به الله من غيبيات لا دليل لك عليها إلا أن الله قال بها، فإن رأيت في متعلقات الإيمان أموراً محسة فاعلم أن الجهة في الإيمان منفكة؛ لأنه سيأتي ذكر الملائكة واليوم الآخر وكلاهما غيب، وبعد ذلك سيذكر الكتاب والنبيين، وهما محسوسان. صحيح أن الكتاب أمر محس والنبيين كذلك، لكننا لم نحس أن الله أنزل الكتاب، وأن الله بعث النبيين. ونحن لم نكن على قيد الحياة وقت نزول الكتاب ولا وقت بعث النبي، وجاء إيماننا لأننا صدقنا أن الله أنزل وحياً على محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الوحي نزل بالكتاب، وأن الله اختار محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون مبلغاً لهذا الوحي، وكل هذه أمور غيبية لم نرها. والغيبيات هي أرضية الحركة الإيمانية؛ أو أساس الإيمان. وبعد ذلك تنتقل الآية من الحديث عن الأمر العقدي، لتبين لنا أن البر مكون من أمور عقدية هي أساس لأمور حركية، والأمور الحركية هي المقصودة من كل تدين. فالحق سبحانه لا يعنيه أن يؤمن به أحد، ولا يعنيه أن تؤمن بملائكته، وكتبه ورسله، لكن الأمر الذي يريده الله هو أن تنتظم حركة الحياة في الأرض بمنهج الله، ولذلك ينتقل الحديث إلى الأمر المادي فيقول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] كأن الإنسان قد ملك المال وبعد ذلك "آتاه". وعندما تقول: "آتيت" فهي تعني أعطيت، وهي تختلف عن "أتيت" التي تعني "جئت". وما هو المال؟ إن المال هو كل ما يتمول إلا أننا نصرفه إلى شيء يمكن أن يأتي بكل متمول وأسميناه بالنقد. وأصبحت له الغلبة؛ لأننا نشتري بالنقد كل شيء، لكن المعنى الأصلي للمال هو كل ما يتمول، وكيف يجيء المال لك أو لي أو لأي إنسان؟. أَخَرَجَ أحد منا من بطن أمه وهو يملك شيئاً؟. لا. إن ما يملكه الإنسان يأتي إما من متحرك في الحياة قبلك إن كان والدك أو جدك وإما من حركتك أنت. إذن لا يقال: "آتى المال" إلا إذا ثبتت له حركة ذاتية يصير بها متمولا، أو ورث عن متمول، والمتمول هو الذي يتحرك في الحياة حركة قد تكون لنفسه، وإن اتسعت حركته فستكون لأبنائه، وإن اتسعت أكثر فستكون لأحفاده. والحق يقول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] وكلمة الحب مصدر، والمصدر أحياناً يضاف إلى فاعله، وأحياناً يضاف إلى المفعول الواقع عليه، مثلاً كلمة "ضرب" نحن نقول: ضرب زيد عُمَرَ، وهكذا نجد ضارباً هو "زيد" ومضروباً هو "عمَر". وإذا قيل: "أعجبني ضَرْبُ زيدٍ". إن قلت: "لعمر" عرفنا الضارب والمضروب، وإن سكت عند قولك: "أعجبني ضرب زيد" فهي تحتمل معنيين، الضرب الصادر من زيد، أو الضرب الواقع على زيد. فساعة تأتي بالمصدر ويضاف إلى شيء فيصح أن يضاف إلى فاعله وأن يضاف إلى مفعوله. {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] يمكن أن نفهمها على أكثر من معنى: يمكننا أن نفهمها على أنه يعطي المال وهو يحب المال، ويحتمل أن نفهمها على أنه يؤتي المال لأنه يحب أن يعطي مما يحبه من المال عملاً بقول الله تعالى {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} .. وهي تحتمل المعنيين. ويمكن أن تُصَعِّد المعنى فيصير "وآتى المال على حب الإيتاء أي الإعطاء" أي يُحب الإعطاء وترتاح نفسه للإعطاء، ومن الممكن تصعيدها تصعيداً آخر يشمل كل ما سبق فيصبح المعنى: وآتى المال على حب الله الذي شرع له ذلك، وكل هذه المعاني محتملة. والحق يقول:{أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}تفسير : [الإنسان: 8]. ويقول سبحانه أيضاً: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ..}تفسير : [آل عمران: 92]. وتعطينا كل هذه الآيات وضوح الفرق بين الملكية، وبين حب المملوك، فمن الممكن أن تكون لديك أشياء كثيرة أنت مالكها، ولكن ليس كل ما تملكه تحبه، فعندما تؤتي المال فمن المحتمل أن تكون قد نزعته من ملكيتك وأنت لا تحبه. وبذلك أخرجته من ملكيتك فقط، وإما أن تكون محباً للشيء الذي تعطيه لغيرك، وبذلك تكون قد أخرجته من ملكيتك، ومن حبك له. وإما أن يكون المال الذي في يدك مجرد أداة لك ولغيرك وليس له مكانة في قلبك، ولذلك يقول الشاعر: شعر : لا أبالي توفير مالي لدهري منفقاً فيه في رخاء وبأس إن يكن في يدي وليس بقلبي فهو ملكي وليس يملك نفسي تفسير : إن قوله الحق: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] تعطينا إما منزلة إخراجه من الملك وإما منزلة إخراجه من القلب الذي يحبه. ولذلك يعيب الحق على جماعة من الناس يريدون العمل على طاعة الله، لكنهم لا ينفقون لله إلا مما يكرهون. ويقول الله في حقهم {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} تفسير : [النحل: 62]. ولكن لمن يكون ذلك المال الذي ينطبق عليه القول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177]؟. إنه، لـ {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177] ألا ترون إنساناً له حركة في الحياة قد اتسعت لنفسه، ثم، نرى قرباه الذين لا يقدرون على الحركة محتاجين، كيف تكون حالة نفسيته إذن؟. لابد أن تكون نفسية متعبة؛ لأن المفروض في الإنسان المؤمن أن يجعل كل الناس قرباه، ونذكر في هذا المقام قصة معاوية عندما كان أميراً للمسلمين، ودخل عليه الحاجب وهو يقول: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يدعي أنه "أخوك"، فقال معاوية: أبلغ بك الأمر ألا تعرف إخوتي؟ أدخله. فلما دخل الرجل قال له معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم. فماذا قال معاوية؟ قال: رحمٌ مقطوعة، والله لأكونن أول مَنْ وَصلها. وأكرمه. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصل قرباه من الناس كافة، ألا يستطيع أن يصل خاصة أقاربه؟. كيف يستطيب المؤمن - إذن - نعيم الحياة وهو يجد أقاربه محتاجين، حتى لو نظرنا بعيداً عن الدين والإنسانية، ألا تستحق المسألة أن يجود الإنسان بما عنده على أهله؟. وفي دائرة الإيمان حين يجعل الله حركة الحياة في التكافل دوائر، فهو سبحانه يريد أن يوزع خير المجتمع على المجتمع؛ لأنه سبحانه حينما أراد استبقاء النوع شرع لنا طهر الالتقاء بين الرجل والمرأة بعقد علني وشهود، لماذا؟. لأن الثمرة من الزواج هي الأبناء التي ستأتي بقطاع جديد من البشر في الكون، وهذا القطاع لابد أن يكون محسوباً على الرجل أمام الناس، وإن لم يرع الرجل في أبنائه حق الله يلمه الناس على ذلك لأنهم أبناؤه. ولذلك عندما نرى شخصاً يخفي زواجه، كأن يتزوج زواجاً عرفياً مثلاً نقول له: أنت تريد أن تأتي بثمرة منك ثم تنكرها، فيأتي أبناء غير محسوبين عليك. ولذلك فلنكن على ثقة من أن كل مشرد في الأرض نراه هو نتيجة لخطيئة إما معلنة، وإما لا يقدر على إعلانها رجل لم يتحمل مسئولية علاقته بالمرأة، ولا يهمل رجل ولداً منسوباً له إلا إذا تشكك في نسبه إليه، وهذا ما يجعله ينكر نسبه. إذن فعملية الطهر التي أرادها الله سبحانه وتعالى في الالتقاءات بين الرجل والمرأة، إنما أرادها سبحانه لأنه يشرع لبناء أجيال جديدة، ينشأ منها مجتمع المستقبل، وقبل أن يوجد هؤلاء الأبناء لابد أن يكون لهم رصيد وأساس يتحملهم، فجعل الله لنا الأولاد والأحفاد، ويوصي الله الأبناء على الوالدين قبل ذلك، ثم تتسع الدائرة للقرابة القريبة. وهات واحداً واصنع له هذه الدائرة، وهات آخر واصنع له الدائرة نفسها، وثالثاً واصنع له دائرته، واصنع إحصاء للقادرين وحدد دوائرهم العائلية، ستجد كل إنسان في الكون يدخل في دائرة من هذه الدوائر، فإن رأيت عوجا فاعلم أن مركز الدائرة قد تخلى عن محيط الدائرة. والله سبحانه وتعالى يقول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177]، تأمل - إذن - الحث على البر تجد أن أول ما جاء فيه هو إيتاء ذوي القربى؛ لأن لهم مكانة خاصة؛ وعندما يؤتي كل منا قرباه ويحملهم على فائض ماله وفائض حركته فلن يوجد محتاج، وإذا وُجِدَ المحتاج فسيكون نزراً يسيراً، وتتسع له الزكاة الواجبة. أو كما قال بعض العلماء: المقصود بذوي القربى هم قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون ذلك؛ لأن في القرآن آية تقول: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الشورى: 23]. ولماذا قربى رسول الله؟ لأنهم ليس لهم حق في الزكاة؛ حتى يبرأ المبلغ عن الله من أي نفع يعود عليه، أو يعود على آله، لذلك منع الله عنهم أي حق في الزكاة. وكأن الله يريد أن يقول لنا: لا يصح أن تجعلوا الناس الذين رفعهم الله وكرمهم عن أخذ الزكاة التي يأخذها أي فقير منكم ممنوعين من أخذ كل شيء، فلابد أن تتخذوهم أقارب لكم بحيث لا تجعلونهم محتاجين. وعلى فرض أن الآية تريد قُرباناً نقول: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 6]، فقرباه وآله أولى من قربانا وأهلنا. وبعد ذلك جاء الله بقوله: {وَٱلْيَتَامَىٰ}، ونعرف أن اليتيم هو من فقد أباه ولم يبلغ مبلغ الرجال. واليتيم في الإنسان غير اليتيم في الحيوان؛ فاليتيم في الحيوان هو مَنْ فقد أمه، ولكن اليتيم في الإنسان هو مَنْ فقد أباه. واليتيم لا يكون له وصي إلا إذا كان عنده شيء من مال، عندئذ يكون هناك وصي لإدارة أمور اليتيم. ولذلك جاء الحق بالأمر بإعطاء المال على حبه لليتامى، ولم يقل: "لذوي اليتامى". فربما كان هناك يتيم ضاع لا يتقدم أحد للوصاية عليه، وليس عنده ما يستحق الوصاية؛ لذلك فعلينا أن نؤتي اليتيم من مال الله حتى ندخل في صفات البر، أو نعطي للوصي على اليتيم لينفق عليه إن كان له وصي. وكذلك نؤتي المال للمساكين، والمسكين مأخوذة من السكون، وهو الإنسان الذي لا قدرة له على الحركة، كأن استخذاءه وذله في الحياة منعاه من الحركة. واختلف الفقهاء حول مَنْ هو الفقير، ومَنْ هو المسكين، قال بعضهم: إن الفقير هو مَنْ لا يملك شيئاً، والمسكين يملك ما لا يكفيه، أي يملك شيئاً دون ما يحتاجه، وقال البعض الآخر: إن الفقير هو الذي يملك ما هو دون حاجته، والمسكين مَنْ لا يملك. وعلى كل حال فقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يجعل للفقير نصيباً من البر. وللمسكين أيضاً نصيباً كالآخر، والخلاف بين العلماء لا يؤدي إلى منع أحدهما من المال، لأن كلا منهما - المسكين والفقير - يستحق من مال الله. وعلى ذلك فالخلاف لا طائل من ورائه. وكذلك نؤتي المال لابن السبيل، والسبيل هو الطريق، وابن السبيل هو ابن الطريق، وعادة ما يُنسب الإنسان إلى مكانه أو إلى بلده، فإذا قيل ابن السبيل، فذلك يعني أنه ليس له مكان يأوي إليه إلا الطريق، فهو رجل منقطع، وقد يكون ابن سبيل ذا مال في مكانه، إلا أن الطريق قطعه عن ماله وباعد بينه وبين ما يملك أو يكون ذا مال وسرق منه ماله، فهو منقطع. ولماذا جعل الله نصيباً من البر لابن السبيل؟. لقد جعل الله نصيباً من المال لابن السبيل حتى يفهم المؤمن أن تكافله الإيماني متعد إلى بيئة وجوده، فحين يوجد في مكان وينتقل إلى مكان آخر يكون في بيئة إيمانية متكافلة. ونؤتي المال أيضاً للسائلين أي الذين يضعون أنفسهم موضع السؤال، أعط من يسألك ولو كان على فرس؛ لأنك لا تعرف لماذا يسأل، إن بعضاً من الناس يبررون الشُّح فيقولون: إن كثيراً من السائلين هم قوم محترفون للسؤال، ونقول لهم: ما دام قد سأل انتهت المسألة، وعمدتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أعطوا السائل وإن جاء على ظهر فرس ". تفسير : وما دام قد عرض نفسه للسؤال فأعطه ولا تتردد. قد تظن أنه يحمل حقيبة ممتلئة بالخبز، أو يخفي المال بعيداً. وأقول: قد يكون عنده خبز لكنّه لا يكفي أولاده، وقد يخفي المال الذي لا يكفيه، ولن تخسر شيئاً من إعطائه، فلأن تخطئ في العطاء، خير من أن تصيب في المنع. ونؤتي المال أيضاً لمن هم "في الرقاب" وكلمة "رقبة" تُطلق في الأصل اللغوي على أصل العنق، وليس على العنق نفسه. وتطلق كلمة الرقبة على الذات كلها، أي الإنسان في حد ذاته، لماذا؟ لأن حياة الإنسان يمكن أن تملكها من الرقبة، فتستطيع أن تمسك إنساناً من رقبته وتتحكم فيه وتضغط عليه ضغطاً تمنع تنفسه إلى أن يموت، لذلك تطلق الرقبة ويراد بها الشخص ذاته، وفي ذلك يقول القرآن: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ}تفسير : [البلد: 12-13]. أي فك الأسير، إذن "في الرقاب" تعني فك أسر العبد، ويمكن لصاحب البر أن يشتري العبيد ويعتقهم، أو يسهم في فك رقابهم فذلك لون من ألوان تصفية الرق، وفي تصفية الرِّق هناك شيء اسمه التدبير، وشيء اسمه المكاتبة. هب أن عبداً يخدمك وبعد ذلك ترى أنه أخلص في خدمتك، فثمناً لإخلاصه في خدمتك مدة طويلة قررت أن تُدَبِّره بعد موتك، أي تعطيه حريته فيصبح حراً بعد موتك، فكأنك علقت عبوديته على مدى حياتك، وبعد انتهاء حياتك يصبح مدبراً أي حراً، ولا يدخل في تركتك، ولا يُورَث. وقد تكاتبه على مال فتقول له: يا عبد أنا أكاتبك على مائة جنيه، وأطلق حركتك لتتصرف أنت وتضرب في الحياة وتكسب وتأتي لي بالمائة جنيه، ثم أطلق سراحك، وفي هذه الحالة فإن على أهل البر أن يعاونوا هذا المُكاتب ليؤدي مال الكتابة حتى يفك رقبته من الأسر. ومن البر أيضاً إقامة الصلاة، كأن المعنى: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة"، ونعرف أن معنى إقامة الصلاة هي أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المطلوب شرعاً. ومن البر أن نؤتي الزكاة، فكأن كل ما سبق {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ} [البقرة: 177] لا علاقة لها بالزكاة، إن كل ذلك هو بّر آخر غير المطلوب للزكاة، لأن الزكاة لو كانت تدخل فيما سبق لما كان الله كرَّرها في الآية. هذه أوجه البر التي ذكرتها الآية من إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكل ذلك لمن أراد أن يدخل في مقام الإحسان، فمقام الإحسان كما نعرف هو أن تلزم نفسك بشيء لم يفرضه الله عليك، إنما تحس أنت بفرح الله بك ورضاه عنك فيقبله الله منك. ولذلك عندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في المال حق غير الزكاة؟ ذكر هذه الآية: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]. إذن، فتلك أوجه البر المطلوبة، والزكاة أيضاً مطلوبة. ففي مصرف الزكاة لا يوجد ذوو القربى ولا اليتامى. صحيح أن في مصارف الزكاة إعطاء المسكين وابن السبيل، لكن في البر هناك أشياء غير موجودة في الزكاة، فكأنك إن أردت أن تفتح لنفسك باب البر مع الله، فوسع دائرة الإنفاق، وستجد أن البر قد أخذ حيزاً كبيراً من الإنفاق؛ لأن المُنْفِقَ مستخلف عن الله. فالله هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام هو المستدعي إلى الوجود فهو سبحانه مكلف بإطعامه، وأنت إذا أنفقت على المحتاج الذي استدعاه الله للوجود، فإنك تتودد إلى الله بمساعدة المحتاجين من خلقه دون أن يلزمك به الله، ولذلك يقول الله عز وجل: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ..}تفسير : [البقرة: 245]. إذا كان هو سبحانه الذي أعطى المال، فكيف يقول: أقرضني؟. نعم، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال، إن المال الذي لك هو هبة من الله، ولكن إن احتاجه أخ مسلم، فهو لا يقول لك "أعطه من عندك أو أقرضه من عندك"، إنما يقول لك: "أقرضني أنا، لأني أنا الذي أوجدته في الكون ورزقه مطلوب مني"، فكأنك حين تعطيه تقرض الله، وهذا معنى قوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245]. إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو. ولنضرب على ذلك مثلاً من أمر الدنيا - وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله المثل الأعلى - هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية، وعندك أولاد ولهم مبالغ مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضوني ما معكم من مال؛ وسأرده لكم عندما تمر الضائقة. كأنك لم ترجع في هبتك وما أعطيته لهم من مال، إنما اقترضته منهم، كذلك يفعل الله سبحانه وتعالى. وكذلك لنا عبرة وعظة من السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها ممسكة بدرهم، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه، فسألها أبوها: ما تصنعين يا فاطمة؟ قالت: أجلو درهما. قال: لماذا؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، قال: وما دمت تتصدقين به فلماذا تجلينه؟ قالت: لأني أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد المحتاج. ومن البر أيضاً أن يفي الإنسان بالعهد، فالحق يقول: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [البقرة: 177]. وما معنى العهد؟. إن هناك عهداً، وهناك عقد. والعهد يوجد من طرفين تعاهدا على كذا، لكن قد يستطيع أحدهما العطاء ولا يستطيع الآخر الرد. والعقد يوجد بين طرفين أيضاً، أحدهما يعطي ويأخذ، والآخر يعطي ويأخذ. ومن البر أن تكون من {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ} [البقرة: 177]. ولنا أن نلحظ أن الحق جاء بـ {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} [البقرة: 177] مرفوعة لأنها معطوفة على خبر لكنَّ البر، فلماذا جاء "بالصابرين" منصوبة؟ فماذا يعني كسر الإعراب؟ إن الأذن العربية اعتادت على النطق السليم الفصيح فإذا كان الكلام من بليغ نقول: لَمْ يكسر الإعراب هنا إلا لينبهني إلى أن شيئاً يجب أن يُفهم، لأن الذي يتكلم بليغ وما دام بليغاً وقال قبلها: "والموفون" ثم قال: "والصابرين" فلابد أن يكون هناك سبب، ما هو السبب؟. إن كل ما سبق مطيةُ الوصول إليه هو الصبر، إيتاء المال على حبه ذوي القربى و .. و.... لذلك أراد الله أن ينبه إلى مزية الصبر فكسر عنده الإعراب، وكسر الإعراب يقتضي أن نأتي له بفعل يناسبه فجاء قوله تعالى: "والصابرين" وكأن معناها: وأخص الصابرين، وأمدح الصابرين. إذن كسر الإعراب هنا غرضه تنبيه الآذان إلى أن شيئاً جديداً استحق أن يُخالف عنده الإعراب. لأن الصبر هو مطية كل هذه الأفعال، فالذي يقدر في الصبر على نفسه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وإيتاء المال على حبه هو الذي فاز وظفر، إذن كل ذلك امتحان للصبر. ومن هنا خص الله "الصابرين" بإعراب مخالف حتى نفهم أنه منصوب على المدح، أو على الاختصاص. ولماذا خص الله الصابرين بالمدح؟. لأن التكليفات كلها تعطي مشقات على النفس، ولا يستطيع تحمل هذه المشقات إلا من يقدر على الصبر. وما دام قد قدر على الصبر فكل ذلك يهون. ومن هنا خص الله الصبر بهذه الميزة. والمهم أن الآية جاءت بالصابرين بعد "والموفون" حتى تكون النقلة ملحوظة ومتيقنة، بأن الإعراب فيما سبق "والصابرين" تقديري معطوف أي هو معطوف على خبر "ولكن البر من آمن بالله" .. فجاءت "والموفون" مرفوعة لنفهم أنها معطوفة على خبر "ولكن"، ثم جاء ما بعدها "والصابرين" منصوبة، حتى نلحظ الفرق بين المعنيين، ولو جاءت مرفوعة مثل ما قبلها فربما مرت علينا ولم نلحظها. "والصابرين في البأسآء والضراء" البأساء هو البؤس والفقر، وهذا في الأحوال، نقول: فلان حاله بائس. "والضراء" هي الألم والوجع والمرض، وهي تصيب البدن والجسد. "وحين البأس" أي حين الحرب عندما يلتقي المقاتل بالعدو ويصبر ويصمد ليقاتل. إذن صفة الصبر تناولت ثلاثة أمور: في البأساء، أي في الفقر، وفي المرض، وفي الحرب مع العدو، صابر في كل هذه الأمور. ولذلك جاء في الحديث الشريف:"حديث : ما من مصيبة تُصيب المسلم إلاَّ كَفَّرَ الله بها عنه حتى الشوكة يُشاكها ". تفسير : ويقول الحق عن الذين دخلوا إلى رحاب البر: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177] فـ {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177]. ماذا تعني صدقوا؟ الصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع الفعلي. وأولئك صدقوا في إعلان إيمانهم، وواقع حركتهم في الحياة، وصدق قولهم: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". إذن فصدق إيمانك متوقف على أن تكون حركة حياتك مناسبة لمقتضيات إيمانك. فإن آمنت وأسلمت وجاءت حركة حياتك مناقضة لإعلان إسلامك، نقول: أنت غير صادق، ولكن إذا وُجدت صفات الإيمان في إنسان نقول له: لقد صدقت في إيمانك، لأن حركة حياتك انسجمت مع واقعك الإيماني. وما أكثر الناس الذين يقولون ولا يفعلون، وهم منسوبون إلى الإسلام بالكلام. وما نتيجة صدق المؤمنين؟ يجيبنا الحق بوصفهم: {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]. وساعة تسمع كلمة "متقون" أو "اتقوا". فذلك يعني أنهم جعلوا وقاية بينهم وبين شيء، ولا يُطلب منك أن تجعل وقاية بينك وبين شيء إلا إن كنت لا تتحمل هذا الشيء. ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ..}تفسير : [التحريم: 6]. أي اجعلوا بينكم وبين النار حاجزاً. وقلنا: إن من العجب أن كلمة "اتقوا" تأتي إلى الشيء الذي هو "اتقوا النار" وتأتي إلى "اتقوا الله"، كيف يكون التقوى في متناقضين؟ نعم: لأن معنى اتقوا النار، أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية، وهل النار فاعلة بذاتها أم بتسليط الله لها على العاصي؟ إنها فاعلة بتسليط الله لها على العاصي. إذن اتقوا الله معناها اتقوا متعلق صفات الجلال من الله، لأن لله صفات جمال وصفات جلال، فاجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، لأنكم لا تتحملون غضب الله، ولا قهر الله، ولا بطش الله، فاجعلوا بينكم وبين صفات جلاله وقاية، ومن آثار صفات جلاله النار. فالمسألة متساوية ولا تناقض فيها. وبعد ذلك يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه التقريب، ونصف السورة السابق كان متعلقاً بأصول الدين وبقبائح بني إِسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق بالأحكام التشريعية الفرعية، ووجه المناسبة أنه تعالى ذكر في الآية السابقة أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافاً كبيراً صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة إِذ أكثروا الخوض فيه وأنكروا على المسلمين التحول إِلى استقبال الكعبة، وادّعى كلٌ من الفريقين - اليهود والنصارى - أن الهدى مقصور على قبلته، فردّ الله عليهم بين أن العبادة الحقة وعمل البرّ ليس بتوجه الإِنسان جهة المشرق والمغرب، ولكن بطاعة الله وامتثال أوامره وبالإِيمان الصادق الراسخ. اللغَة: {ٱلْبِرَّ} اسم جامع للطاعات وأعمال الخير {ٱلرِّقَابِ} جمع رقبة وهي في الأصل العُنقُ، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على الجاسوس والمراد في الآية الأسرى والأرقاء {ٱلْبَأْسَآءِ} الفقر {ٱلضَّرَّاءِ} السُّقم والوجع {ٱلْبَأْسِ} القتال وأصل البأس في اللغة: الشدّة {كُتِبَ} فرض {ٱلْقِصَاصُ} العقوبة بالمثل من قتل أو جرح مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} تفسير : [القصص: 11] أي اتبعى أثره {ٱلْقَتْلَى} جمع قتيل يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل {ٱلأَلْبَابِ} العقول جمع لب مأخوذ من لبّ النخلة {إِثْماً} الإِثم: الذنب {جَنَفاً} الجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ. سَبَبُ النّزول: عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطان، وكان الحيُّ منهم إِذا كان فيهم منعة فقتل عبدُهم عبد آخرين قالوا لن نقتل به إِلا حراً، وإِذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا لن نقتل بها إِلا رجلاً فأنزل الله {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}. التفسِير: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ} أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته فهم أولى بالمعروف {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم والمساكين الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله {وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ} أي الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} أي وأتى بأهم أركان الإِسلام وهما الصلاة والزكاة {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي الصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله وهو منصوب على المدح {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إِيمانهم وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإِيحاء إِلى ما يلاقونه من اطمئنان وخيراتٍ حسان. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} أي فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} أي اقتصوا من الجاني فقط فإِذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإِذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إِذا قتلت الأنثى، مثلاً بمثلٍ ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإِن أخذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي فمن تُرك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليُّه القود وأسقط القصاص راضياً بقبول الدية {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق، وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفعٌ لأولياء القتيل، وقد جمع الإِسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إِذا طالبوا به وذلك عدل، وشرع الديه إِذا أسقطوا القصاص عن القاتل وذلك رحمة {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية فله عذاب أليم في الآخرة {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} أي ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت من القصاص حياةٌ وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي فرض عليكم إِذا أشرف أحدكم على الموت وقد ترك مالاً كثيراً {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} أي وجب عليه الإِيصاء للوالدين والأقربين {بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء، حقاً لازماً على المتقين لله وقد كان هذا واجباً قبل نزول آية المواريث ثم نسخ بآية المواريث {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} أي من غيَّر هذه الوصية بعد ما علمها من وصيّ أو شاهد {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} أي إِثم هذا التبديل على الذين بدّلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيه وعيد شديد للمبدِّلين {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} أي فمن علم أو ظنَّ من الموصي ميلاً عن الحق بالخطأ {أَوْ إِثْماً} أي ميلاً عن الحق عمداً {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي أصلح بين الموصي والموصَى له فلا ذنب عليه بهذا التبديل {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح. البَلاَغَة: 1- {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} جعل البرُّ نفس من آمن على طريق المبالغة وهذا معهود في كلام البلغاء إِذ تجدهم يقولون: السخاء حاتم، والشعر زهيرٌ أي أن السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير، وعلى هذا خرّجه سيبويه حيث قال في كتابه قال جلّ وعز: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} وإِنما هو ولكنَّ البر برُّ من آمن بالله انتهى ونظير ذلك أن تقول: ليس الكرم أن تبذل درهماً ولكنَّ الكرم بذل الآلاف فلا يناسب ولكنَّ الكريم من يبذل الآلاف. 2- {وَفِي ٱلرِّقَابِ} إِيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء الأسرى، وفي لفظ الرقاب "مجاز مرسل" حيث أطلق الرقبة وأراد به النفس وهو من إِطلاق الجزء وإِرادة الكل. 3- {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ} الأصل أن يأتي مرفوعاً كقوله {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} وإِنما نصب على الاختصاص أي وأخصُّ بالذكر الصابرين وهذا الأسلوب معروف بين البلغاء فإِذا ذُكرت صفاتٌ للمدح أو الذم وخولف الإِعراب في بعضها فذلك تفننٌ ويسمى قطعاً لأن تغيير المألوف يدل على مزيد اهتمام بشأنه وتشويق لسماعه. 4- {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} الجملة جاء الخبر فيها فعلاً ماضياً "صدقوا" لإِفادة التحقيق وأن ذلك وقع منهم واستقر، وأتى بخبر الثانية في جملة اسمية {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} ليدل على الثبوت وأنه ليس متجدداً بل صار كالسجية لهم ومراعاة للفاصلة أيضاً. 5- {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} ذكر المتقين من باب الإِلهاب والتهييج. 6- الطباق بين {ٱتِّبَاعٌ} و {أَدَآءٌ} وبين {ٱلْحُرُّ} و {ٱلْعَبْدُ}. الفوَائِد: الأولى: في ذكر الأخوة تعطفٌ داع إِلى العفو فقد سمّى الله القاتل أخاً لولي المقتول {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} تذكيراً بالأخوَّة الدينية والبشرية حتى يهزّ عطف كل واحد منهما إِلى الآخر فيقع بينهم العفو والاتباع بالمعروف والأداء بالإِحسان. الثانية: كان في بني إِسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، وكان في النصارى الدية ولم يكن فيهم القصاص، فأكرم الله هذه الأمة المحمدية وخيرّها بين القصاص والدية والعفو، وهذا من يسر الشريعة الغراء التي جاء بها سيَّد الأنبياء صلى الله عليه وسلم. الثالثة: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} بالغة أعلى درجات البلاغة، ونقل عن العرب في هذا المعنى قولهم: القتل أنفى للقتل، ولكنْ لورود الحكمة في القرآن فضلٌ من ناحية حسن البيان، وإِذا شئتَ أن تزداد خبرة بفضل بلاغة القرآن وسمو مرتبته على مرتبة ما نطق به بلغاء البشر فانظر إِلى العبارتين فإِنك تجد من نفحات الإِعجاز ما ينبهك لأن تشهد الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق، أما الحكمة القرآنية فقد جعلت سبب الحياة القصاصُ وهو القتل عقوبةً على وجه التماثل، والمثل العربي جعل سبب الحياة القتلُ، ومن القتل ما يكون ظلماً فيكون سبباً للفناء وتصحيحُ العبارة أن يقال: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً، والآية جاءت خالية من التكرار اللفظي والمثل كرر فيه لفظ القتل فمسَّه بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية، ومن الفروق الدقيقة بينهما أن الآية جعلت القصاص سبباً للحياة والمثل جعل القتل سبباً لنفي القتل وهو لا يستلزم الحياة الخ وقد عدّ العلماء عشرين وجهاً من وجوه التفريق بين الآية القرآنية واللفظة العربية وقد ذكرها السيوطي في الإِتقان فارجع إليه تجد فيه شفاء الغليل.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ} معنى البَأْساء: الجوعُ والضَّراء: المَرضُ. والبأْسُ: القِتالُ.

الأندلسي

تفسير : كانت اليهود تصلي إلى المغرب والنصارى إلى المشرق فنزل: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} وقبل ظرف مكان. تقول: زيد قبلك أي في المكان الذي يقابلك. ولما تقدم ذكرهم بأقبح الذكر وما يؤلون إليه في الآخرة ولم يبق لهم مما يتعلقون به إلا صلاتهم وزعمهم أن ذلك هو البر نفي ذلك عنهم وأثبت ما يكون به البر وهي الأوصاف الذي ذكرها. وقرىء البر بالنصب على أنه خبر ليس، وبالرفع على أنه اسمها. وأن تولوا الخبر، والبر اسم جامع لأنواع الخير. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} قرىء بتشديد نون لكن، ونصب البر وبالتخفيف والرفع، والبر ليس نفس من آمن فهو على حذف من الأول أي: ولكن ذو البر، أو من الثاني أي: بر من آمن، أو جعل البر نفس من آمن مبالغة. {بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية وهذه أركان الايمان كما جاء في الحديث حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرتفسير : ، واليهود أخلوا بالإِيمان بالله لتجسيمهم. وقولهم: عزير بن الله، والنصارى بقولهم: المسيح ابن الله والنصارى أنكروا المعاد الجسماني، واليهود قالوا: لن تمسنا النار وعادوا جبريل عليه السلام والنصارى واليهود أنكروا القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَآتَى ٱلْمَالَ} واليهود أبخل العالم وأحرصهم بإِلقاء الشبه لأخذ الأموال. {عَلَىٰ حُبِّهِ} أي على حب المؤتي المال وهذا من أعظم المدح أن تتعلق نفس بشيء فتبذله طاعة الله. {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} بدأ بالأهم لأنها صدقة وصلة ثم باليتامى إذ ليس لهم من يقوم بأودهم. وفي الحديث: حديث : أنا وكافل اليتم كهاذين في الجنة تفسير : . ثم بالمساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم ثم بابن السبيل لأنه منقطع به عن أهله ثم بالسائلين لأن حاجتهم دون حاجة من تقدم لأنه عرض نفسه للسؤال. {وَفِي ٱلرِّقَابِ} وهم الذين يعانون في فك رقابهم من مكاتب وأسير. {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} معطوف على من آمن أو على القطع أي وهم الموفون والعامل في إذ الموفون أي لا يتأخر إبقاؤهم بالعهد عن وقت إيقاعه. وقرىء والموفين نصباً على المدح. {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ} قرىء رفعاً ونصباً. والبأساء: الشدة كالفقر والقتال. والضر: ما يضر من زمانة وغيرها. {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} أي وقت شدة القتال واضطرام الحرب. {أُولَـٰئِكَ} إشارة إلى: {ٱلَّذِينَ} جمعوا هذه الأوصاف الذين {صَدَقُواْ} في أقوالهم وأحوالهم كان قوم من العرب أقوياء أعزاء لا يقتلون بالعبد منهم إلا سيداً ولا بالمرأة إلا رجلاً.

الجيلاني

تفسير : ثم لما اختلف الناس في أمر القبلة واهتموا بشأنها، بأن حصر البر والخير كل فيها، أشار سبحانه إلى تخطئتهم، ونبه على البر الحقيقي والخير الذاتي بقوله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ} أي: الخصلة السنية والأخلاق المرضية مجرد {أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} مثلاً، بل اتصاف بالعزائم، والحكمة المترتبة على تشريع القبلة {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ} الحقيقي {مَنْ آمَنَ} صدق منكم {بِٱللَّهِ} المنشئ لكم من كتم العدم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعد لجزاء الأعمال {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ} المهيمنين الوالهين في مطالعة جمال الله، المستغفرين لمن آمن وعمل صالحاً من عباده {وَٱلْكِتَابِ} المبين لكم طريق الهداية {وَٱلنَّبِيِّينَ} المبعوثين إليكم به؛ ليرشدكم إلى مقاصده. {وَ} بعدم ما آمن بما ذكر {آتَى ٱلْمَالَ} المانع من التوجه الحقيقي، وأنفقه {عَلَىٰ حُبِّهِ} سبحانه طالباً لرضاه، وأنقه على المحتاجين أولاً هم {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} المنتمين إليه من قبل أبويه {وَٱلْيَتَامَىٰ} الذين لا متعهد لهم من الوالدين وذوي القربى {وَٱلْمَسَاكِينَ} الذين أسكنهم الفقر العارض لهم من عدم مساعدة آلات الكسب والحوادث الأُخر {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} الغرباء الذين لا يمكنهم التصرف في أموالهم لوقوع البون والمبين {وَٱلسَّآئِلِينَ} الذين ألجأهم الاحتياج مطلقاً إلى السؤال من أي وجهٍ كان {وَفِي ٱلرِّقَابِ} من الأسرى الموثقين في يد العدو، والمكاتبين الذين لا يقدرون على فك رقابهم من مواليهم وغير ذلك من المضطرين {وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ} أي: دوام الميل والتوجه بجميع الأعضاء والجوارح نحوه تعالى في جميع الأوقات، خصوصاص في الأوقات التي تفرض فيها التوجه {وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} المفروضة المقدرة في كتاب الله. {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} كلهم من خيار الأبرار {وَ} بشر من بينهم يا أكمل الرسل {ٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ} أي: الفقر المكسر للظهر {وٱلضَّرَّآءِ} المرض المسقم للجسم {وَ} خصوصاً الغزاة الذين صبروا {حِينَ ٱلْبَأْسِ} من اقتحام العدو بالإنعامات العلية والكرامات السنية {أُولَـٰئِكَ} الأبار الأحرار الصابرون في البلوى، المرجون لرضا المولى على أنفسهم هم {ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في أقوالهم وأصلحوا في أفعالهم، وأخلصوا في نياتهم {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] المحفوظون عن جميع ما ضيق عليهم في أمور الدين، الوصلون إلى مرتبة الحقيق واليقين. رب اجعلنا منهم بلطفك وكرمك يا أرحم الراحمين. ثم ناداهم سبحانه إصلاحاً لهم فيما يقع بينهم من الوقائع الهائلة، والفتن العظيمة الحادثة من ثوران القوة الغضبية، وطغيان الحمية الجاهلية، المؤدية إلى قتل البعض بعضاً ظلماً وعدواناً فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم وتوحيدكم المحافظة بزجر النفس الأمارة بالسوء عن مقتضياتها المنشعبة من القوى البشرية، وإن وقع فيكم أحياناً فاعلموا أنه {كُتِبَ} فُرض {عَلَيْكُمُ} في دينكم {ٱلْقِصَاصُ} بالمثل {فِي ٱلْقَتْلَى} المقتولين عمداً فيُقتل {ٱلْحُرُّ} القاتل { بِالْحُرِّ} المقتول {وَ} كذا {ٱلْعَبْدُ} القاتل {بِٱلْعَبْدِ} المقتول، وبالحر وبالطريق الأولى {وَ} كذا يُقتل {ٱلأُنثَىٰ} القاتلة حرة كانت أو أمة {بِٱلأُنْثَىٰ} المقتولة أيضاً، كذلك لنظيرتها قياساً على الحر ةالعبد، والأمة بالحرة بالطريق الأولى، وكذا بالذكرين مهما وافى قتل الحر، والحرة بالعبد والأمة، فقد خولف فيه، الظاهر أنه لم يقتل. {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} أي: للجاني والقاتل من المحقوق والسهام المشتركة بين الغرماء الطالبين منه قصاص أخيه المسلم المقتول بيده ظلماً {مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} قليل من الحقوق المذكورة {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: فالحكم لازم عليكم في دينكم أيها الغرماء متابعة المعروف المستحسن عند الله وعند المؤمنين والرجوع إلى الدية وعدم القصاص {وَ} عليك أيها الجاني {أَدَآءٌ} أي: أ داء الدية التي هي فدية حياتك {إِلَيْهِ} أي: إلى و لي المقتول {بِإِحْسَانٍ} معتذراً نادماً متذللاً على وجه الانكسار بلا مطل وكسل {ذٰلِكَ} أي: سقوط القصاص بعد عفو البعض ولزوم الدية يدله { تَخْفِيفٌ} لكم أيها المؤمنون وإصلاح لحالكم {مِّن} قبل {رَّبِّكُمْ} أمَّا التخفيف بالنسبة إلى الغرماء فبتسكين القوة الغضبية، وتليين الحمية العصبية بالمال المسرة لنفوسهم بعد وقوع ما وقع، وأمَّا بالنسبة إلى الجاني فظاهر لإبقاء الحياة بالمال {وَرَحْمَةٌ} نازلة لكم من ربكم لتصفية كدورتكم الواقعة بينكم بواسطة القتل {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} منكم وتجاوز عن الحمم {بَعْدَ ذٰلِكَ} المذكور بأن قتل الغرماءُ الجاني بعد عفو البعض وأخذ الدية، أو امتنع الجاني عن أداء الدية على الغرماء {فَلَهُ} أي: لكل من المعتدين {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] يؤاخذون في الدنيا بما صدر عنهم، ويعاقبون عليها في الآخرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد، فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "ونحو ذلك. { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } أي: بأنه إله واحد، موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص. { وَالْيَوْمِ الآخِرِ } وهو كل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول، مما يكون بعد الموت. { وَالْمَلائِكَةِ } الذين وصفهم الله لنا في كتابه، ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم { وَالْكِتَابِ } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله، وأعظمها القرآن، فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، { وَالنَّبِيِّينَ } عموما، خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم. { وَآتَى الْمَالَ } وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلا كان أو كثيرا، أي: أعطى المال { عَلَى حُبِّهِ } أي: حب المال ، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد. فمن أخرجه مع حبه له تقربا إلى الله تعالى، كان هذا برهانا لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه، أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل، لأنه في هذه الحال، يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر. وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى: {أية : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه. ثم ذكر المنفق عليهم، وهم أولى الناس ببرك وإحسانك. من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم، وتفرح بسرورهم، الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه، تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي، على حسب قربهم وحاجتهم. ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم، وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته [تعالى] بالعباد، الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم، الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره، رُحِمَ يتيمه. { وَالْمَسَاكِين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة، وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء، بما يدفع مسكنتهم أو يخففها، بما يقدرون عليه، وبما يتيسر، { وَابْنَ السَّبِيلِ } وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحث الله عباده على إعطائه من المال، ما يعينه على سفره، لكونه مظنة الحاجة، وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته، وخوله من نعمته، أن يرحم أخاه الغريب، الذي بهذه الصفة، على حسب استطاعته، ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره، أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها. { وَالسَّائِلِينَ } أي: الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج، توجب السؤال، كمن ابتلي بأرش جناية، أو ضريبة عليه من ولاة الأمور، أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة، كالمساجد، والمدارس، والقناطر، ونحو ذلك، فهذا له حق وإن كان غنيا { وَفِي الرِّقَابِ } فيدخل فيه العتق والإعانة عليه، وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده، وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة. { وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } قد تقدم مرارا، أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة، لكونهما أفضل العبادات، وأكمل القربات، عبادات قلبية، وبدنية، ومالية، وبهما يوزن الإيمان، ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان. { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا } والعهد: هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه. فدخل في ذلك حقوق الله كلها، لكون الله ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور، ونحو ذلك. { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ } أي: الفقر، لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره. فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم. فكل هذه ونحوها، مصائب، يؤمر بالصبر عليها، والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها. { وَالضَّرَّاءِ } أي: المرض على اختلاف أنواعه، من حمى، وقروح، ورياح، ووجع عضو، حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لأن النفس تضعف، والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، خصوصا مع تطاول ذلك، فإنه يؤمر بالصبر، احتسابا لثواب الله [تعالى]. { وَحِينَ الْبَأْسِ } أي: وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم، لأن الجلاد، يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان من القتل، أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا، ورجاء لثواب الله [تعالى] الذي منه النصر والمعونة، التي وعدها الصابرين. { أُولَئِكَ } أي: المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية، فأولئك هم { الَّذِينَ صَدَقُوا } في إيمانهم، لأن أعمالهم صدقت إيمانهم، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمنا ولزوما، لأن الوفاء بالعهد، يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها، كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون. وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة، من الثواب الدنيوي والأخروي، مما لا يمكن تفصيله في [مثل] هذا الموضع.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 56 : 105 - قال سفين في قوله عز وجل {ٱلْبَأْسَآءِ} الفقر، {وٱلضَّرَّآءِ} المضرة، {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} القتال. [الآية 177].

النسائي

تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [177]] 2/ 737- أخبرنا بشر بن خالد، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربعة من كُنَّ فيه كان مُنافقا أو كانت فيه خصلة من الأربع كانت فيه خصلة من النِّفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".

همام الصنعاني

تفسير : 160- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: كانت اليهود تُصلِّي قبل المغرب، والنَّصارى قبل المشرق، فنزلت {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}: [الآية: 177]. 161- عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثَّوْري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعُود، في قوله تعالى: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ}: [الآية: 177]، قال: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيح تأملُ العيش وتَخشى الفقر. 162- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر في قوله: {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ}: [الآية: 177]، قال: {ٱلْبَأْسَآءِ}: البؤسُ، {وٱلضَّرَّآءِ}: الزمانة في الجسد، {وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} قال: حين القتال.