Verse. 185 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلٰي۝۰ۭ اَلْحُــرُّ بِالْحُــرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْاُنْـثٰى بِالْاُنْـثٰى۝۰ۭ فَمَنْ عُفِيَ لَہٗ مِنْ اَخِيْہِ شَيْءٌ فَاتِّـبَاعٌۢ بِالْمَعْرُوْفِ وَاَدَاۗءٌ اِلَيْہِ بِـاِحْسَانٍ۝۰ۭ ذٰلِكَ تَخْفِيْفٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَـۃٌ۝۰ۭ فَمَنِ اعْتَدٰى بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَہٗ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۱۷۸
Ya ayyuha allatheena amanoo kutiba AAalaykumu alqisasu fee alqatla alhurru bialhurri waalAAabdu bialAAabdi waalontha bialontha faman AAufiya lahu min akheehi shayon faittibaAAun bialmaAAroofi waadaon ilayhi biihsanin thalika takhfeefun min rabbikum warahmatun famani iAAtada baAAda thalika falahu AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين منوا كُتب» فرض «عليكم القصاص» المماثلة «في القتلى» وصفا وفعلا «الحر» ولا يقتل بالعبد «والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى» وبيَّنت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا «فمن عفي له» من القاتلين «من» دم «أخيه» المقتول «شيء» بأن ترك القصاص منه، وتنكيرُ شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر «فاتِّباع» أي فعل العافي إتباع للقاتل «بالمعروف» بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الإتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح «و» على القاتل «أداء» الدية «إليه» أي العافي وهو الوارث «بإحسان» بلا مطل ولا بخس «ذلك» الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية «تخفيف» تسهيل «من ربكم» عليكم «ورحمة» بكم حيث وسَّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية «فمن اعتدى» ظلم القاتل بأن قتله «بعد ذلك» أي العفو «فله عذاب أليم» مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.

178

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكـم الرابع قبل الشروع في التفسير لا بد من ذكر سبب النزول وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام، وذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا يقولون: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن واحداً قتل إنساناً من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، وقالوا: ماذا تريد؟ فقال إحدى ثلاث قالوا: وما هي؟ قال: إما تحيون ولدي، أو تملأون داري من نجوم السماء، أو تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً. وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية. والرواية الثانية: في هذا المعنى وهو قول السدي: إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي. والرواية الثالثة: أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه. والرواية الرابعة: ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن علي بن أبـي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط، فأما إذا كان القاتل للعبد حراً، أو للحر عبداً فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حر قتل عبداً فهو قوده، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبداً حراً فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاؤا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية، وإن قتلت المرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤا أعطوا كل الدية وتركوها، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والانثيين والذكرين فأما عند إخلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: {كتب} يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } وقال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ } تفسير : [البقرة: 180] وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات، وقال عليه السلام: «حديث : ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم»تفسير : والثاني: لفظة {عَلَيْكُمْ } مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97] وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا قَصَصًا } تفسير : [الكهف: 64] وقال تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ } تفسير : [القصص: 11] أي اتبعي أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه. أما قوله تعالى: {فِي ٱلْقَتْلَى } أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة {فِى } قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام: «حديث : في النفس المؤمنة مائة من الإبل»تفسير : إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كثيرة، وهي إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربياً أو معاهداً، وفيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه. فإن قيل: قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول: أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل، أو على ولي الدم، أو على ثالث، والأقسام الثلاثة باطلة، وإنما قلنا: إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وإنما قلنا: إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك بقوله: {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237] والثالث أيضاً باطل لأنه يكون أجنبياً عن ذلك القتل والأجنبـي عن الشي لا تعلق له به. السؤال الثاني: إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعاً وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعاً بسبب القتل. والجواب عن السؤال الأول: من وجهين الأول: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين، والتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني: أنه خطاب مع القاتل والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله ولا يقرأ، والفرق أن ذلك حق الآدمي. وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل: المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل على التعيين، وعندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص متعيناً، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية وليس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك. المسألة الثانية: اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال الشافعي: يراعي جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وكذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وقال أبو حنيفة رحمه الله: المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة، حجة الشافعي رحمه الله أن الله تعالى أوجب التسوية بين الفعلين وذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة، ويدل عليه وجوه أحدها: أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص وثانيها: أنا لو لم نحكم بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم كانت الآية مفيدة، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور والتخصيص أهون من الإجمال وثالثها: أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء ألبتة، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت أن هذه الآية تفيد وجوب التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية لوجوب المماثلة، كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] {أية : من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} تفسير : [غافر: 40] ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله: «حديث : من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه»تفسير : ومما يروى أن يهودياً رضخ رأس صبيه بالحجارة فقتلها، فأمر النبـي صلى الله عليه وسلم أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة، وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات، ومع هذه الأحاديث على قول الشافعي مبلغاً قوياً، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام: «حديث : لا قود إلا بالسيف»تفسير : وبقوله عليه السلام: «حديث : لا يعذب بالنار إلا ربها»تفسير : والجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات والله أعلم. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائباً فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عباده ويعفو عن السيآت} تفسير : [الشورى: 25] وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقاً لعقاب، ولأنه عليه السلام قال: «حديث : التوبة تمحو الحوبة»تفسير : فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا: يفعل الله ما يشاء ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفاً به ثم سألوا أنفسهم فقالوا: إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفاً به؟ وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل، ومنفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد. أما قوله تعالى: { ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ } ففيه قولان: القول الأول: إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين. واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن الألف واللام في قوله: {ٱلْحُرُّ } تفيد العموم فقوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ } يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولاً بالحر الثاني: أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقاً لا محالة بفعل، فيكون التقدير: الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما أن يكون مساوياً له أو أخص منه، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولاً بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولاً بالعبد الثالث: وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } فلما ذكر عقيبة قوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } دل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة، لأن قوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } خرج مخرج التفسير لقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب أن لا يكون مشروعاً فإن احتج الخصم بقوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } تفسير : [المائدة: 45] فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين أحدهما: أن قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } شرع لمن قبلنا، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا وثانيهما: أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام النفوس على التفصيل والتخصيص، ولا شك أن الخاص مقدم على العام، ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد، وأن لا تقتل الأثنى إلا بالأنثى، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع، وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية، وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد، فوجب أن يبقى ههنا على ظاهر اللفظ، أما الإجماع فظاهر، وأما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه كان أولى، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه، وكذا القول في قتل الأثنى بالذكر، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع والله أعلم. القول الثاني: أن قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ } لا يفيد الحصر ألبتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أن قوله: {وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ } يقتضي قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } مانعاً من ذلك لوقع التناقض الثاني: أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ } تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك. واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائد عليه في الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب أن لا يكون مشروعاً، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل والشريف بالخسيس، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل، ثم إن سلمنا أن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } يوجب قتل الحر بالعبد، إلا أنا بينا أن قوله: { بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } يمنع من جواز قتل الحرب بالعبد؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان الخاص متصلاً بالعام في اللفظ فإنه يكون جارياً مجرى الاستثناء ولا شك في وجوب تقديمه على العام. الوجه الثاني: في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن أبـي طالب والحسن البصري، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص، أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لا بد فيه من التراجع، وقد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية، إلا أن كثيراً من المحققين زعموا أن هذا النقل لم يصح عن علي بن أبـي طالب وهو أيضاً ضعيف عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى ولا تراجع، ولأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه. أما قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } فاعلم أن الذين قالوا: موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافياً ومعفواً عنه، وليس ههنا إلا ولي الدم والقاتل، فيكون العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من الولي الذي له الحق على القتل، فصار تقدير الآية: فإذا عفي ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف، وقوله: {شَىْء } مبهم فلا بد من حمله على المذكور السابق وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، وليؤد إليه مالاً بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجباً عند العفو عن القود، ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص رحمة من الله عليكم، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من الله في حقه. فإن قيل: لا نسلم أن العافي هو ولي الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا يليق إلا بولي الدم. قلنا: لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق، بل المراد من قوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } أي فمن سهل له من أخيه شيء، يقال: أتاني هذا المال عفواً صفواً، أي سهلاً، ويقال: خذ ما عفا، أي ما سهل، قال الله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } فيكون تقدير الآية: فمن كان من أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة، فيكون معنى الآية على هذا التقدير: إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود. سلمنا أن العافي هو ولي الدم، لكن لم لا يجوز أن يقال: المراد هو أن يكون القصاص مشتركاً بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالاً فالله تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليه بإحسان. سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن، لكن لم لا يجوز أن يقال: إن هذا مشروط برضا القاتل، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتاً لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس ولا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس، فلما كان هذا الرضا حاصلاً في الأعم الأغلب لا جرم ترك ذكره وإن كان معتبراً في النفس الأمر. والجواب: حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن يبعث القاتل المال إلى ولي الدم، وبيانه من وجهين الأول: أن حقيقة العفو إسقاط الحق، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعاً للاشتراك، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ذكرتم، لأنه لما تقدم قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } كان حمل قوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } على إسقاط حق القصاص أولى، لأن قوله: {شَىْء } لفظ مبهم وحمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى الثاني: أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم، لكان قوله: {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } عبثاً لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة واليسر لا حاجة به إلى اتباعه، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان. وأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين الأول: أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركاً بين شخصين ثم عفا أحدهما وسكت الآخر، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق، فحمل اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر والثاني: أن الهاء في قوله: {وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } ضمير عائد إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو العافي، فوجب أداء هذا المال إلى العافي، وعلى قولكم: يجب أداؤه إلى غير العافي فكان قولكم باطلاً. وأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال، أو كان ممكن الزوال، فإن كان ممتنع الزوال، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي الدم على الإطلاق، وإن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه غير جائز ولما تلخص هذا البحث فنقول: الآية بقيت فيها أبحاث لفظية نذكرها في معرض السؤال والجواب. البحث الأول: كيف تركيب قوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }. الجواب: تقديره: فمن له من أخيه شيء من العفو، وهو كقوله: سير بزيد بعض السير وطائفة من السير. البحث الثاني: أن {عُفِىَ } يتعدى بعن لا باللام، فما وجه قوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ }. الجواب: أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه قال الله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } تفسير : [التوبة: 43] فإذا تعدى إلى الذنب قيل: عفوت عن فلان عما جنى، كما تقول: عفوت له عن ذنبه، وتجاوزت له عنه، وعليه هذه الآية، كأنه قيل: فمن عفى له من جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية. البحث الثالث: لم قيل شيء من العفو؟. والجواب: من وجهين أحدهما: أن هذا إنمايشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط، فحينئذ يقال: القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله: {شَىْء } فائدة، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضاً لأن له أن يعفو عن القود دون المال، وله أن يعفو عن الكل، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }. والجواب الثاني: أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر في سقوط القود، إلا أن يكون عفواً عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود، وعفو بعض الأولياء عن حقه، كعفو جميعهم عن خلقهم، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوماً منه، فلذلك قال تعالى: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }. البحث الرابع: بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة. والجواب: قيل: إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمناً من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى سماه مؤمناً حال ما وجب القصاص عليه، وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني: أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، لقوله تعالى:{أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 15] فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق وإلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا: إن قلنا المخاطب بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } هم الأئمة فالسؤال زائل، وإن قلنا: إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما: أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً، فسماه الله تعالى مؤمناً بهذا التأويل والثاني: أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب. وأما الوجه الثاني: وهو ذكر الأخوة، فأجابوا عنه من وجوه الأول: أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل والثاني: الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له والثالث: يجوز أن يكون جعله أخاً له في النسب كقوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } تفسير : [الأعراف: 65] والرابع: أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق واختصاص، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة، كم تقول للرجل، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس: ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد. والجواب: أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان، وبصفة دون صفة، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق. وأما قوله تعالى: {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } ففيه أبحاث: البحث الأول: قوله: {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فحكمه اتباع، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليه اتباع بالمعروف. البحث الثاني: قيل: على العافي الاتباع بالمعروف، وعلى المعفو عنه أداء بإحسان، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف، ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان. البحث الثالث: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجرى فيها على العادة المألوفة فإن كان معسراً فالنظرة، وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً لغير المال الواجب، فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات، فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل. أما قوله تعالى: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } ففيه وجوه أحدها: أن المراد بقوله: {ذٰلِكَ } أي الحكم بشرع القصاص والدية تخفيف في حقكم، لأن العفو وأخذ الدية محرمان على أهل التوراة والقصاص مكتوب عليهم ألبتة والقصاص والدية محرمان على أهل الإنجيل والعفو مكتوب عليهم وهذه الأمة مخيرة بين القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً، وهذا قول ابن عباس، وثانيها: أن قوله: {ذٰلِكَ } راجع إلى قوله: {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ }. أما قوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } التخفيف يعني جاوز الحد إلى ما هو أكثر منه قال ابن عباس والحسن: المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية، وذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية، ثم ظفوا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، فنهى الله عن ذلك وقيل المراد: أن يقتل غير قاتله، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ (فله عذاب أليم) وفيه قولان أحدهما: وهو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة والثاني: روي عن قتادة أن العذاب الأليم هو أن يقتل لا محالة ولا يعفى عنه ولا يقبل الدية منه لقوله عليه السلام: «حديث : لا أعافي أحداً قتل بعد أن أخذ الدية»تفسير : وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها: أن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة وثانيها: أنا بينا أن القود تارة يكون عذاباً وتارة يكون امتحاناً، كما في حق التائب فلا يصح إطلاق اسم العذاب عليه إلا في وجه دون وجه وثالثها: أن القاتل لمن عفي عنه لا يجوز أن يختص بأن لا يمكن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولي الدم فله إسقاطه قياساً على تمكنه من إسقاط سائر الحقوق والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: روى البخاري والنسائي والدَّارقُطْني عن ٱبن عباس قال: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الديّة؛ فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فالعَفْوُ أن يقبل الدية في العمد {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يَتّبع بالمعروف ويؤدي بإحسان {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} مما كتب على من كان قبلكم {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قتل بعد قبول الدية. هذا لفظ البخاري: حدّثنا الحميدي حدّثنا سفيان حدّثنا عمرو (قال) سمعت مجاهداً (قال) سمعت ٱبن عباس (يقول). وقال الشعبي في قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} قال: أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب ٱقتتلتا فقالوا؛ نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبأَمَتِنا فلانة بنت فلان؛ ونحوه عن قتادة. الثانية: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} «كُتب» معناه فُرض وأُثبت؛ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:شعر : كُتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جَرّ الذّيول تفسير : وقد قيل: إن «كُتب» هنا إخبار عما كُتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء. والقصاص مأخوذ من قَصّ الأثر وهو ٱتباعه؛ ومنه القاصّ لأنه يتبع الآثار والأخبار. وقصّ الشعر ٱتباع أثره؛ فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل فقُصّ أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك؛ ومنه {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} تفسير : [الكهف: 64]. وقيل: القّص القطع؛ يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القِصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به؛ يقال: أقصّ الحاكمُ فلاناً من فلان وأباءه به فأمثله فٱمتثل منه؛ أي ٱقتص منه. الثالثة: صورة القِصاص هو أن القاتل فُرض عليه إذا أراد الوليّ القتل الاستسلامُ لأمر الله والانقيادُ لقصاصه المشروع، وأن الوليُّ فُرض عليه الوقوف عند قاتل وليّه وترك التعدّي على غيره؛ كما كانت العرب تتعدّى فتقتل غير القاتل؛ وهو معنى قوله عليه السلام: «حديث : إنّ مِن أعْتَى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة رجلٌ قتل غير قاتله ورجل قتل في الحَرَم ورجل أخذ بذحول الجاهلية»تفسير : . قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان؛ فكان الحيّ إذا كان فيه عزّ ومنَعَة فقُتل لهم عبد؛ قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حُرًّا، وإذا قُتلت منهم ٱمرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلاً، وإذا قُتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفاً؛ ويقولون: «القتل أَوْقَى للقتل» بالواو والقاف، ويروى «أبقى» بالباء والقاف، ويروى «أنفى» بالنون والفاء؛ فنهاهم الله عن البغي فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} الآية، وقال {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ}تفسير : [البقرة: 179]. وبين الكلامين في الفصاحة والجَزْل بَوْنٌ عظيم. الرابعة: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص؛ فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألاّ يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء؛ فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دِيَة أو عَفْو فذلك مباح، على ما يأتي بيانه. فإن قيل: فإن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} معناه فُرض وألزم؛ فكيف يكون القصاص غير واجب؟ قيل له: معناه إذا أردتم؛ فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاحِّ. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة، وهو مما يدخل على الناس كرها؛ فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى؛ وشبههن. الخامسة: قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} الآية. ٱختلف في تأويلها؛ فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه؛ فبينت حكم الحرّ إذا قَتل حُرًّا، والعبد إذا قتل عبداً، والأنثى إذا قَتلت أنثى، ولم تتعرّض لأحد النوعين إذا قتل الآخر؛ فالآية مُحْكَمة وفيها إجمال يبيّنه قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45]، وبيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم بسُنّته لما قتل اليهوديّ بالمرأة؛ قاله مجاهد، وذكره أبو عبيد عن ٱبن عباس. وروي عن ٱبن عباس أيضاً أنها منسوخة بآية «المائدة» وهو قول أهل العراق. السادسة: قال الكوفيون والثوري: يُقتل الحر بالعبد، والمسلمُ بالذمي؛ وٱحتجوا بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} فعمّ، وقوله: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45]، قالوا: والذّمِّي مع المسلم متساويان في الحُرمة التي تكفي في القصاص وهي حُرمة الدم الثابتة على التأبيد؛ فإن الذّمي مَحْقُون الدّم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام؛ والذي يحقق ذلك أن المسلم يُقطع بسرقة مال الذميّ، وهذا يدلّ على أن مال الذميّ قد ساوى مال المسلم؛ فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. وٱتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ وٱبن أبي ليلى على أن الحر يُقتل بالعبد كما يُقتل العبد به؛ وهو قول داود، وروي ذلك عن عليّ وٱبن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيّب وقتادة وإبراهيم النَّخعِي والحكم بن عُيينة. والجمهور من العلماء لا يقتلون الحرّ بالعبد؛ للتنويع والتقسيم في الآية. وقال أبو ثور: لما ٱتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحْرَى بذلك، ومَن فرّق منهم بين ذلك فقد ناقض. وأيضاً فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحرّ في الخطأ لم يشبهه في العمد. وأيضاً فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، ويتصرّف فيه الحرّ كيف شاء، فلا مساواة بينه وبين الحرّ ولا مقاومة. قلت: هذا الإجماع صحيح، وأما قوله أوّلاً: «ولما ٱتفق جميعهم ـ إلى قوله ـ فقد ناقض» فقد قال ٱبن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء، وٱستدل داود بقوله عليه السلام: «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم»تفسير : فلم يفرّق بين حُرّ وعبد. وسيأتي بيانه في «النساء» إن شاء الله تعالى. السابعة: والجمهور أيضاً على أنه لا يُقتل مسلم بكافر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يُقتل مسلم بكافر»تفسير : أخرجه البخاريّ عن عليّ بن أبي طالب. ولا يصحّ لهم ما روَوْه من حديث ربيعة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَتل يوم خَيْبَر مسلماً بكافر؛ لأنه منقطع. ومن حديث ٱبن البَيْلَمَانيّ وهو ضعيف عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرفوعاً. قال الدَّارَقُطْني: «لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ٱبن البَيْلَمانيّ مرسَل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وٱبن البَيْلَمَانيّ ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله». قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاريّ، وهو يخصص عموم قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} الآية، وعموم قوله: {أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}تفسير : [المائدة: 45] الثامنة: رُوي عن عليّ بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصريّ أن الآية نزلت مبّينة حكم المذكورين، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يَقتل حرّ عبداً أو عبدٌ حراًّ، أو ذكرٌ أنثى أو أنثى ذكراً، وقالا: إذا قتل رجلٌ ٱمرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفّوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا ٱستحيَوْه وأخذوا منه دِيَة المرأة. وإذا قتلت ٱمرأةٌ رجلاً فإن أراد أولياؤه قتْلها قتلوها وأخذوا نصف الدّية، وإلا أخذوا دِية صاحبهم وٱستحيَوْها. روى هذا الشعبي عن عليّ، ولا يصح؛ لأن الشعبيّ لم يلق علياً. وقد روى الحَكَم عن عليّ وعبد اللَّه قالا: إذا قتل الرجلُ المرأة متعمّداً فهو بها قَوَدٌ؛ وهذا يعارض رواية الشعبيّ عن عليّ. وأجمع العلماء على أن الأعور والأَشَلّ إذا قتل رجلاً سالم الأعضاء أنه ليس لوليّه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدّية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور، وقَتَل ذا يَدَيْن وهو أشلّ؛ فهذا يدلّ على أن النفس مكافئة للنفس، ويكافىء الطفل فيها الكبير. ويقال لقائل ذلك: إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم»تفسير : فلِم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدّية، والعلماء قد أجمعوا أن الدّية لا تجتمع مع القصاص، وأن الدّية إذا قُبلت حَرُم الدم وٱرتفع القصاص؛ فليس قولك هذا بأصل ولا قياس، قاله أبو عمر رضي الله عنه. وإذا قتل الحرُّ العبدَ، فإن أراد سيّد العبد قَتل وأعطى دِية الحرّ إلا قيمة العبد، وإن شاء ٱستحيا وأخذ قيمة العبد؛ هذا مذكور عن عليّ والحسن؛ وقد أنكر ذلك عنهم أيضاً. التاسعة: وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل؛ والجمهور لا يروْن الرجوع بشيء. وفرقة ترى الاتباع بفضل الدّيات. قال مالك والشافعي وأحمد وإسحٰق والثوريّ وأبو ثور: وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس بالنفس وإنما هو في النفس بالنفس؛ وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأوْلى، على ما تقدّم. العاشرة: قال ٱبن العربي: «ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يُقتل الحرّ بعبد نفسه، وروَوْا في ذلك حديثاً عن الحسن عن سَمُرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قتل عبده قتلناه»تفسير : وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ}تفسير : [الإسراء: 33] والوَليّ ها هنا السّيد؛ فكيف يجعل له سلطان على نفسه. وقد ٱتفق الجميع على أن السّيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال؛ وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أن رجلاً قتل عبده متعمِّداً فجلده النبيّ صلى الله عليه وسلم ونفاه سَنَةً ومَحَا سهمه من المسلمين ولم يُقِده به. فإن قيل: فإذا قتل الرجل زوجته لِمَ لَمْ تقولوا: ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج، إذ النكاح ضرب من الرّق، وقد قال ذلك اللّيث بن سعد. قلنا: النكاح ينعقد لها عليه، كما ينعقد له عليها؛ بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعاً سواها، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القَوَامة التي جعل الله له عليها بما أنفق من ماله؛ أي بما وجب عليه من صداق ونفقة؛ فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين. قلت: هذا الحديث الذي ضعّفه ٱبن العربي وهو صحيح، أخرجه النسائي وأبو داود، وتتميم مَتْنه: «حديث : ومَن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه»تفسير : . وقال البخاري عن عليّ بن المديني: سماع الحسن من سَمُرة صحيح؛ وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاري: وأنا أذهب إليه؛ فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان، وحَسْبُك بهما! ويُقتل الحرُّ بعبد نفسه. قال النَّخَعيّ والثّوريّ في أحد قوليه وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سَمُرة إلا حديث العَقِيقة؛ والله أعلم. (وٱختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس؛ هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد اللَّه والزُّهري وقُرّان ومالك والشافعي وأبو ثور. وقال الشعبيّ والنَّخَعِيّ والثَّوْرِيّ وأبو حنيفة: لا قصاص بينهم إلا في النفس. قال ٱبن المنذر: الأوّل أصح). الحادية عشرة: روى الدَّارَقُطْنِي وأبو عيسى الترمذي عن سُرَاقة بن مالك قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقِيد الأب من ٱبنه، ولا يُقِيد الابن من أبيه. قال أبو عيسى: «هذا حديث لا نعرفه من حديث سُراقة إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، رواه إسماعيل بن عيّاش عن المُثَنّى بن الصباح، والمُثَنّى يُضعَّف في الحديث، وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد رُوِيَ هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلاً، وهذا الحديث فيه ٱضطراب؛ والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قَتل ٱبنه لا يُقتل به، وإذا قذفه لا يُحدّ». وقال ٱبن المنذر: ٱختلف أهل العلم في الرجل يقتل ٱبنه عمداً؛ فقالت طائفة: لا قَوَدَ عليه وعليه دِيَتُه؛ وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن عطاء ومجاهد. وقال مالك وٱبن نافع وٱبن عبد الحكم: يُقتل به. وقال ٱبن المنذر: وبهذا نقول لظاهر الكتاب والسُّنة؛ فأمّا ظاهر الكتاب فقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ}، والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمنون تتكافأ دماؤهم»تفسير : ولا نعلم خبراً ثابتاً يجب به ٱستثناء الأب من جملة الآية. وقد رَوَيْنَا فيه أخباراً غير ثابتة. وحكى الكِيَا الطبري عن عثمان البَتِّي أنه يُقتل الوالد بولده؛ للعمومات في القصاص. ورُوي مثل ذلك عن مالك، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن. قلت: لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ٱبنه متعمِّداً مثل أن يُضْجِعَه ويذبحه أو يَصْبِره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ٱدعاء الخطأ، أنه يُقتل به قولاً واحداً. فأما إن رماه بالسلاح أدباً أو حَنَقاً فقتله، ففيه في المذهب قولان: يُقتل به، ولا يُقتل به وتُغَلّظ الدِّية؛ وبه قال جماعة العلماء. ويُقتل الأجنبيّ بمثل هذا. ٱبن العربي: «سمعت شيخنا فخر الإسلام الشاشي يقول في النّظر: لا يُقتل الأب بٱبنه؛ لأن الأب كان سبب وجوده، فكيف يكون هو سبب عدمه؟ وهذا يبطل بما إذا زنى بٱبنته فإنه يُرجم، وكان سبب وجودها وتكون هي سبب عدمه؛ (ثم أيّ فقه تحت هذا، ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى الله تعالى في ذلك). وقد أَثَرُوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يقاد الوالد بولده»تفسير : وهو حديث باطل، ومتعلِّقهم أن عمر رضي الله عنه قضى بالدِّية مغلّظة في قاتل ٱبنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه، فأخذ سائر الفقهاء رضي الله عنهم المسألة مُسْجَلة، [وقالوا: لا يُقتل الوالد بولده]؛ وأخذها مالك محكمة مفصّلة فقال: إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل وعدمه، وشفقة الأبوة شُبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تُسقط القَوَد، فإذا أضجعه كشف الغطاء عن قصده فٱلتحق بأصله». قال ٱبن المنذر: وكان مالك والشافعيّ وأحمد وإسحٰق يقولون: إذا قتل الابنُ الأب قُتل به. الثانية عشرة: وقد ٱستدلّ الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على قوله: لا تُقتل الجماعة بالواحد، قال: لأن الله سبحانه شرط المساواة ولا مساواة بين الجماعة والواحد. وقد قال تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} تفسير : [المائدة: 45]. والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قَتْل مَنْ قَتَل كائناً من كان؛ ردًّا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قُتِل من لم يَقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة؛ ٱفتخاراً وٱستظهاراً بالجاه والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يُقتل مَن قَتل، وقد قَتل عمر رضي الله عنه سبعةً برجل بصنعاء وقال: لو تمالأ عليه أهلُ صنعاء لقتلتهم به جميعاً. وقَتل عليّ رضي الله عنه الحرورية بعبد اللَّه بن خَباب؛ فإنه توقَّف عن قتالهم حتى يُحدِثُوا، فلما ذبحوا عبد اللَّه بن خَبّاب كما تُذبح الشاة، وأُخبر علي بذلك قال: الله أكبر! نادوهم أن أَخْرِجوا إلينا قاتلَ عبد اللَّه بن خَبّاب؛ فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال عليٌّ لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم عليّ وأصحابه. خرّج الحديثين الدَّارَقُطْنِيّ في سُننه. وفي الترمذيّ عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن أهل السماء وأهل الأرض ٱشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار»تفسير : . وقال فيه: حديث غريب. وأيضاً فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يُقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الأمل من التشفِّي، ومراعاة هذه القاعدة أوْلى من مراعاة الألفاظ، والله أعلم. وقال ٱبن المنذر: وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وٱبن سِيرين: لا يُقتل ٱثنان بواحد. روينا ذلك عن معاذ بن جبل وٱبن الزبير وعبد الملك، قال ٱبن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد. وقد ثبت عن ٱبن الزبير ما ذكرناه. الثالثة عشرة: روى الأئمة عن أبي شريح الكعبيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألاَ إنكم معشرَ خزاعة قتلتم هذا القتيل من هُذيل وإني عاقله فمن قُتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خِيرتَيْن أن يأخذوا العقل أو يقتلوا»تفسير : ، لفظ أبي داود. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروي عن أبي شريح الخزاعي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قُتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية»تفسير : . وذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحٰق. الرابعة عشرة: ٱختلف أهل العلم في أخذ الدّية من قاتل العمد، فقالت طائفة: وَليُّ المقتول بالخيار إن شاء ٱقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل. يُروى هذا عن سعيد بن المسيّب وعطاء والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحٰق وأبو ثور. وحجتهم حديث أبي شريح وما كان في معناه، وهو نص في موضع الخلاف؛ وأيضاً من طريق النظر فإنما لزمته الدّية بغير رضاه؛ لأن فرضاً عليه إحياء نفسه، وقد قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 29]. وقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي ترك له دمه، في أحد التأويلات، ورضي منه بالدّية {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي فعلى صاحب الدم ٱتباع بالمعروف في المطالبة بالدّية، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أي أن من كان قبلنا لم يفرض الله عليهم غير النفس بالنفس؛ فتفضّل الله على هذه الأمة بالدّية إذا رضي بها وليّ الدم؛ على ما يأتي بيانه. وقال آخرون: ليس لوليّ المقتول إلا القصاص، ولا يأخذ الدّية إلا إذا رضي القاتل؛ رواه ٱبن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه، وبه قال الثوريّ والكوفيون. وٱحتجوا بحديث أَنَسٍ: في قصة الرُّبَيِّع حين كَسرت ثَنِيّة المرأة؛ رواه الأئمة قالوا: فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال: «حديث : القصاص كتاب الله، القصاص كتاب الله»تفسير : ولم يخيّر المجني عليه بين القصاص والدّية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسُنّة رسوله في العمد هو القصاص، والأوّل أصح؛ لحديث أبي شريح المذكور. وروى الرّبيع عن الشافعي قال: أخبرني أبو حنيفة بن سِمَاك بن الفضل الشهابي قال: وحدّثني ٱبن أبي ذئب عن المَقْبَرِيّ عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامَ الفتح: «حديث : مَن قُتل له قتيل فهو بخير النّظريْن إن أحبّ أخذ العقل وإن أحبّ فله القود»تفسير : . فقال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث! فضرب صدري وصاح عليّ صياحاً كثيراً ونال منّي وقال: أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به! نعم آخذ به، وذلك الفرض عليّ وعلى من سمعه، إن الله عز وجل ثناؤه ٱختار محمداً صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه، وٱختار لهم ما ٱختاره له وعلى لسانه؛ فعلى الخلق أن يتّبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك؛ قال: وما سكت عنّي حتى تمنّيت أن يسكت. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} ٱختلف العلماء في تأويل «مَنْ» و «عُفِيَ» على تأويلات خمس: أحدها: أن «مَن» يراد بها القاتل، و «عُفِيَ» تتضمّن عافياً هو وليّ الدم، والأخ هو المقتول، و «شَيْءٌ» هو الدّم الذي يُعْفَى عنه ويرجع إلى أخذ الدّية؛ هذا قول ٱبن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء. والعَفْوُ في هذا القول على بابه الذي هو الترك. والمعنى: أن القاتل إذا عفا عنه وليّ المقتول عن دم مقتوله وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدّية ويتبع بالمعروف، ويؤدِّي إليه القاتل بإحسان. الثاني: وهو قول مالك أن «مَن» يراد به الوليّ «وعُفِيَ» يُسّر، لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و «شيء» هو الدية، أي أن الوليّ إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخيّر بين أن يعطيها أو يسلم نفسه؛ فمرّة تُيَسّر ومرة لا تيسر. وغير مالك يقول: إذا رضي الأولياء بالدّية فلا خيار للقاتل بل تلزمه. وقد رُوي عن مالك هذا القول، ورجّحه كثير من أصحابه. وقال أبو حنيفة: إن معنى «عُفِيَ» بُذِل؛ والعفو في اللغة: البذل؛ ولهذا قال الله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أي ما سهل. وقال أبو الأسود الدؤلي:شعر : خُذِي العفو منّي تستديمي مودّتي تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوّل الوقت رضوان الله وآخره عفو الله»تفسير : يعني شهد الله على عباده. فكأنه قال: مَن بُذِل له شيء من الدّية فليقبل. وليتبع بالمعروف. وقال قوم: ولْيُؤَدّ إليه القاتل بإحسان؛ فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة؛ كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة «المائدة» {أية : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} تفسير : [المائدة: 45] فندب إلى رحمة العفو والصدقة، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدّية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدّية، ثم أمر الوليّ بٱتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان. وقد قال قوم: إن هذه الألفاظ في المعّينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الدّيات فيما بينهم مقاصّة. ومعنى الآية: فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الدّيات؛ ويكون «عُفِيَ» بمعنى فُضل. روى سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبيّ قال: كان بين حيّيْن من العرب قتال؛ فقُتل من هؤلاء وهؤلاء. وقال أحد الحيّين: لا نرضى حتى يُقتل بالمرأة الرجلُ وبالرجل المرأةُ؛ فٱرتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: «حديث : القتل سواء»تفسير : فٱصطلحوا على الدّيات، ففُضّل أحد الحيّين على الآخر؛ فهو قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} يعني فمن فُضل له على أخيه فضل فليؤدّه بالمعروف؛ فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية، وذكر سفيان العفو هنا الفضل؛ وهو معنىً يحتمله اللفظ. وتأويل خامس: وهو قول عليّ رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دِيَة الرجل والمرأة والحرّ والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فٱتباع بالمعروف؛ و «عُفِي» في هذا الموضع أيضاً بمعنى فُضل. السادسة عشرة: هذه الآية حضٌّ من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب، وحسن القضاء من المؤدّى؛ وهل ذلك على الوجوب أو الندب. فقراءة الرفع تدل على الوجوب؛ لأن المعنى فعليه ٱتباع بالمعروف. قال النحاس: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} شرطٌ والجواب «فٱتباع» وهو رفع بالابتداء، والتقدير فعليه ٱتباع بالمعروف. ويجوز في غير القرآن «فٱتباعاً، وأداءً» بجعلهما مصدرين. قال ٱبن عطية: وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة «فٱتباعاً» بالنصب. والرفع سبيل للواجبات؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} تفسير : [البقرة: 229]. وأما المندوب إليه فيأتي منصوباً؛ كقوله: {أية : فضَرْبَ الرِّقابِ}تفسير : [محمد: 4] السابعة عشرة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قَوَدٌ ولا دِيَة؛ فجعل الله تعالى ذلك تخفيفاً لهذه الأمة؛ فمن شاء قَتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفَا. قوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ} شَرْط وجوابه؛ أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط الدم قاتلَ ولِيّه. {ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ} قال الحسن: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلاً فرّ إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدّية فيقول وَلِيّ المقتول: إني أقبل الدية؛ حتى يأمن القاتل ويخرج، فيقتله ثم يرمي إليهم بالدّية. وٱختلف العلماء فيمن قَتل بعد أخذ الدية؛ فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي: هو كمن قتل ٱبتداء، إن شاء الوليّ قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة. وقال قتادة وعكرمة والسُّديّ وغيرهم: عذابه أن يُقتل الْبَتّة، ولا يمكّن الحاكمُ الوليَّ من العفو. وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ أَعْفَى من قتل بعد أخذ الدّية»تفسير : . وقال الحسن: عذابه أن يردّ الدّية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى. وفي سُنن الدّارقُطْنيّ عن أبي شريح الخزاعيّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أصيب بدم أو خَبلْ ـ والخَبْلْ عَرَج ـ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتصّ أو يعفو أو يأخذ العقل فإن قَبِل شيئاً من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالداً فيها مخلَّداً»

البيضاوي

تفسير : { يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طَول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى. فلما جاء الإِسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا. ولا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم وقد بيّنا ما كان الغرض وإنما منع مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنهحديث : أن رجلاً قتل عبده فجلده الرسول صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده به.تفسير : وروي عنه أنه قال: من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد ولأن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير. وللقياس على الأطراف، ومن سلم دلالته فليس له دعوى نسخه بقوله تعالى: {أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}تفسير : [المائدة: 45] لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن. واحتجت الحنفية به على أن مقتضى العمد القود وحده، وهو ضعيف إذ الواجب على التخيير يصدق عليه أنه وجب وكتب، ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً لوجوبه. وقرىء {كَتَبَ} على البناء للفاعل والقِصَاصَ بالنصب، وكذلك كل فعل جاء في القرآن. {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء} أي شيء من العفو، لأن عفا لازم. وفائدته الإِشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إِسقاط القصاص. وقيل عفا بمعنى ترك، وشيء مفعول به وهو ضعيف، إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه. وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، قال الله تعالى {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ }تفسير : [التوبة: 43] وقال {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} تفسير : [المائدة: 95] فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته من جهة، أخيه، يعني ولي الدم. وذكره بلفظ الإِخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإِسلام ليرق له ويعطف عليه. {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ} أي فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. والمراد به وصية العافي بأن يطلب الدية بالمعروف فلا يعنف، والمعفو عنه بأن يؤديها بالإِحسان: وهو أن لا يمطل ولا يبخس. وفيه دليل على أن الدية أحد مقتضى العمد، وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو. وللشافعي رضي الله تعالى عنه في المسألة قولان. {ذٰلِكَ} أي الحكم المذكور في العفو والدية. {تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} لما فيه من التسهيل والنفع، قيل كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى العفو مطلقاً. وخيرت هذه الأمة بينهما وبين الدية تيسيراً عليهم وتقديراً للحكم على حسب مراتبهم. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي قتل بعد العفو وأخذ الدية. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة. وقيل في الدنيا بأن يقتل لا محالة لقوله عليه السلام «حديث : لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك قريظة والنضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر، ضعف دية القرظي، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين المخالفين لأحكام الله فيهم كفراً وبغياً، فقال تعالى: {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}، يعني: إذا كان عمداً الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل العبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} منها منسوخة نسختها {أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: {أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ}تفسير : [المائدة: 45] فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد؛ رجالهم ونساؤهم، في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد، في النفس وفيما دون النفس، رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: {ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}. (مسألة) ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي و الثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده؛ لعموم حديث الحسن عن سمرة: «حديث : ومن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه» تفسير : وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، ولأنه لا يقاد بطرفه، ففي النفس بطريق الأولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر؛ لما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقتل مسلم بكافر»تفسير : ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به؛ لعموم آية المائدة. (مسألة) قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة؛ لهذه الآية، وخالفهم الجمهور؛ لآية المائدة، ولقوله عليه السلام: «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم»تفسير : وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته، لا يقتل بها خاصة. (مسألة) ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد، قال عمر في غلام قتله سبعة، فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع، وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة، وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت، ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر، وقوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ} قال مجاهد عن ابن عباس {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان. وقال الضحاك عن ابن عباس: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} يعني: فمن ترك له من أخيه شيء، يعني: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو، {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية، {وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ} يعني: من القاتل، من غير ضرر ولا معك، يعني: المدافعة، وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان. وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ابن أنس والسدي ومقاتل بن حيان. (مسألة) قال مالك رحمه الله في رواية ابن القاسم عنه، وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض. (مسألة) وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون، وقوله: {ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفاً من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتوماً على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف مما كتب على بني إسرائيل من كان قبلكم، فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإِحسان. وقد رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار، ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس بنحوه، وقال قتادة: {ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ} رحم الله هذه الأمة، وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو، ليس بينهم أرش، وكان أهل الانجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش، وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا. وقوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد. وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية، كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أصيب بقتل أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك، فله نار جهنم خالداً فيها»تفسير : رواه أحمد، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية»تفسير : يعني: لا أقبل منه الدية، بل أقتله. وقوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل. وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان {يٰأُولِي ٱلأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ } فرض {عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } المماثلة {فِي ٱلْقَتْلَى } وصفاً وفعلاً {ٱلْحُرُّ } يقتل {بِالْحُرّ } ولا يقتل بالعبد {وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ } وبينت السنة أنّ الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر ولو حرّاً {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ } من القاتلين {مِنْ } دم {أَخِيهِ } المقتول {شَىْءٌ } بأن ترك القصاص منه وتنكير (شيء) يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر( أخيه) تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأنّ القتل لا يقطع أخوّة الإيمان (ومَن) مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر {فَٱتِبَاعٌ } أي فعلى العافي اتباع للقاتل {بِٱلْمَعْرُوفِ } بأن يطالبه بالدية بلا عنف وترتيب الاتباع على العفو يفيد أنّ الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورُجِّحَ {وَ} على القاتل {أَدَاءٌ} للدية {إِلَيْهِ } أي العافي وهو الوارث {بِإِحْسَٰنٍ } بلا مطل ولا بخس {ذٰلِكَ } الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية {تَخْفِيفٌ } تسهيل {مّن رَّبّكُمْ } عليكم {وَرَحْمَةٌ } بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحداً منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ } ظلم القاتل بأن قتله {بَعْدَ ذَلِكَ } أي العفو {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كتبُ}ِ معناه فرض، وأثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:شعر : كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنَا وعَلَى الغَانِيات جَرُّ الذُّيَولِ تفسير : وهذا إخبار من الله سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك. وقيل: إن {كتب} هنا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ. و {ٱلْقِصَاصُ } أصله قص الأثر: أي: اتباعه، ومنه القاصّ؛ لأنه يتتبع الآثار، وقصّ الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل يسلك طريقاً من القتل، يقصّ أثره فيها، ومنه قوله تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا قَصَصًا }تفسير : [الكهف: 64]. وقيل: إن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع: يقال قصصت ما بينهما: أي: قطعته. وقد استدلّ بهذه الآية القائلون بأن الحرّ لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وداود إلى أنه يقتل به. قال القرطبي: وروى ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وبه قال سعيد بن المسيب، وإبراهيم النَّخعي، وقتادة والحكم بن عتيبة، واستدلوا بقوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ }تفسير : [المائدة: 45] وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } مفسر لقوله تعالى: {ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } وقالوا أيضاً: إن قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في التوراة. ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم» تفسير : ويجاب عنه بأنه مجمل، والآية مبينة، ولكنه يقال: إن قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } إنما أفاد بمنطوقه أن الحرّ يقتل بالحرّ، والعبد يقتل بالعبد، وليس فيه ما يدل على أن الحرّ لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا، ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا، والبحث في هذا محرر في علم الأصول. وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر، وهم: الكوفيون، والثوري، لأن الحرّ يتناول الكافر كما يتناول المسلم، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر، واستدلوا بما ورد من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقتل مسلم بكافر، وهو مبين لما يراد في الآيتين، والبحث في هذا يطول. واستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا سلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية الرجل. وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبو ثور. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة، ولا زيادة، وهو الحق. وقد بسطنا البحث في شرح المنْتقى، فليرجع إليه. قوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } «من» هنا عبارة عن القاتل. والمراد بالأخ المقتول، أو الوليّ، والشيء: عبارة عن الدم، والمعنى: أن القاتل، أو الجاني إذا عفي له من جهة المجني عليه، أو الوليّ دم أصابه منه على أن يأخذ منه شيئاً من الدية، أو الأرش، فليتبع المجني عليه الولي من عليه الدم فيما يأخذه منه من ذلك اتباعاً بالمعروف، وليؤدِّ الجاني ما لزمه من الدية، أو الأرش إلى المجني عليه، أو إلى الوليّ أداء بإحسان. وقيل إن: «من» عبارة عن الوليّ، والأخ يراد به: القاتل، والشيء: الدية، والمعنى: أن الوليّ إذا جنح إلى العفو عن القصاص إلى مقابل الدية، فإن القاتل مخير بين أن يعطيها، أو يسلم نفسه للقصاص كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ذلك، وذهب من عداه إلى أنه لا يخير، بل إذا رضى الأولياء بالدية، فلا خيار للقاتل بل يلزمه تسليمها. وقيل: معنى: «عُفِى» بذل. أي: من بُذِل له شيء من الدية، فليقبل، وليتبع بالمعروف. وقيل: إن المراد بذلك: أن من فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من الديات، فيكون عفى بمعنى فضل، وعلى جميع التقادير، فتنكير شيء للتقليل، فيتناول العفو عن الشيء اليسير من الدية، والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة. وقوله: {فَٱتِبَاعٌ } مرتفع بفعل محذوف، أي: فليكن منه اتباع، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالأمر اتباع، وكذا قوله: {وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } وقوله: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ } إشارة إلى العفو، والدية؛ أي: أن الله شرع لهذه الأمة العفو من غير عوض، أو بعوض، ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود، فإنه أوجب عليهم القصاص، ولا عفو، وكما ضيق على النصارى، فإنه أوجب عليهم العفو، ولا دية. قوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي: بعد التخفيف، نحو أن يأخذ الدية، ثم يقتل القاتل، أو يعفو، ثم يستقص. وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية؟ فقال جماعة منهم مالك، والشافعي: إنه كمن قتل ابتداءً، إن شاء الوليّ قتله، وإن شاء عفا عنه. وقال قتادة وعكرمة، والسدي وغيرهم؛ عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكِّنُ الحاكمُ الوليَّ من العفو. وقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى. قوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } أي: لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم حياة؛ لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصاً إذا قتل آخر كَفَّ عن القتل، وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية، وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت حياةً باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضاً، إبقاء على أنفسهم، واستدامةً لحياتهم؛ وجعل هذا الخطاب موجهاً إلى أولي الألباب؛ لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب، ويتحامون ما فيه الضرر الآجل؛ وأما من كان مصاباً بالحمق، والطيش، والخفة، فإنه لا ينظر عند سورة غضبه، وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة، ولا يفكر في أمر مستقبل، كما قال بعض فتاكهم:شعر : سأَغْسِلُ عَنَّي العَارَ بِالسَيْفِ جَالباً عَليّ قَضَاء الله مَا كَان جَالِباً تفسير : ثم علّل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي: تتحامون القتل بالمحافظة على القصاص، فيكون ذلك سبباً للتقوى، وقرأ أبو الجوزاء: "ولكم في القصص حياة" قيل: أراد بالقصص القرآن: أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصاص حياة، أي: نجاة، وقيل: أراد حياة القلوب، وقيل: هو مصدر بمعنى القصاص، والكل ضعيف، والقراءة به منكرة. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل، وجراحات حتى قتلوا العبيد، والنساء، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة، والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: {أية : #1649;لنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45]، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساءهم، في النفس، وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد في النفس، وفيما دون النفس رجالهم، ونساءهم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر الطَّوْل، فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية: {أية : ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأنثَىٰ بِٱلأنْثَىٰ } تفسير : [المائدة: 45] قال ابن عباس: فنسختها: {أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ }تفسير : ، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ } قال: هو: العمد رضي أهله بالعفو. {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ } أمر به الطالب {وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } من القابل، قال: يؤدي المطلوب بإحسان. {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } مما كان على بني إسرائيل. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، عنه من وجه آخر. وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن الدية فيهم، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } إلى قوله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }، فالعفو أن تقبل الدية في العمد {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } مما كتب على من كان قبلكم {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } قيل: بعد قبول الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: كان أهل التوراة إنما هو القصاص، أو العفو ليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو العفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة القتل، والعفو، والدية إن شاءوا أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي شريح الخزاعي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أصيب بقتل، أو خبلٍ، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتصّ، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك، فله نار جهنم خالداً فيها أبداً»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، أنه إذا قتل بعد أخذ الدية، فله عذاب عظيم، قال: فعليه القتل لا تقبل منه الدية. قال: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية»تفسير : ، وأخرج سمويه في فوائده، عن سَمُرَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة أنه قال: يقتل. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } قال: جعل الله في القصاص حياة، ونكالاً، وعظة إذا ذكره الظالم المعتدي كفّ عن القتل. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قال: لعلك تتقي أن تقتله، فتقتل به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {يأُوْلِي ٱلأبَـٰبِ } قال: من كان له لبّ يذكر القصاص، فيحجزه خوف القصاص عن القتل {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قال: لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} معنى قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أي فرض عليكم، ومنه قول نابغة بني جعدة: شعر : يا بنت عمي كتاب الله أخرجني عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا تفسير : وقول عمر بن أبي ربيعة: شعر : كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول تفسير : والقصاص: مقابلة الفعل بمثله مأخوذ من قص الأثر. ثم قال تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} فاختلف أهل التأويل في ذلك على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم من العرب كانوا أعزة أقوياء لا يقتلون بالعبد منهم إلا سيداً وبالمرأة منهم إلا رجلاً، استطالة بالقوة وإدلالاً بالعزة، فنزلت هذه الآية فيهم، وهذا قول الشافعي، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في فريقين كان بينهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال، فقتل من الفريقين جماعة من رجال ونساء وعبيد فنزلت هذه الآية فيهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الرجل قصاصاً بدية الرجل، ودية المرأة قصاصاً بدية المرأة، ودية العبد قصاصاً بدية العبد ثم أصلح بينهم. وهذا قول السدي وأبي مالك. والثالث: أن ذلك أمر من الله عز وجل بمقاصة دية القاتل المُقْتَص منه بدية المقتول المقتص له واستيفاء الفاضل بعد المقاصة، وهذا قول عليّ كان يقول في تأويل الآية: أيما حر قتل عبداً فهو به قود، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه وقاصّوهم بثمن العبد من دية الحر وأدوا إلى أولياء الحر بقية دِيته، وأيما عبد قتل حراً فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وقاصّوهم بثمن العبد وأخذوا بقية دية الحر، وأيما رجل قتل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه، وأدوا بقية الدية إلى أولياء الرجل، وأيما امرأة قتلت رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية. والرابع: أن الله عز وجل فرض بهذه الآية في أول الإسلام أن يُقْتَلَ الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة والعبد بالعبد، ثم نَسَخَ ذلك قولُه في سورة المائدة {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] وهذا قول ابن عباس. ثم قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإحْسَانٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أن معنى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} بمعنى فمن فضل له فضل وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف، وليرد من عليه الفاضل بإحسان، ويكون معنى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء، وهذا قول السدي. والثالث: أن هذا محمول على تأويل عليّ (رضي الله عنه) في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية. ثم في الاتباع بالمعروف والأداء إليه بإحسان وجهان ذكرهما الزَّجَّاج: أحدهما: أن الاتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، والأداء عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان. والثاني: أنهما جميعاً عائدان إلى القاتل أن يؤدي الدية بمعروف وبإحسان. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} يعني خيار الولي في القود أو الدية، قال قتادة: وكان أهل التوراة يقولون: إنما هو قصاص أو عفو ليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل يقولون: إنما هو أرش أو عفو ليس بينهما قود، فجعل لهذه الأمة القود والعفو والدية إن شاءوا، أحلها لهم ولم تكن لأمة قبلهم، فهو قوله تعالى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِكُم وَرَحْمَةٌ}. ثم قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني مَنْ قَتَلَ بعد أَخْذِهِ الدية فله عذاب أليم، وفيه أربعة تأويلات: أحدها: أن العذاب الأليم هو أن يقتل قصاصاً، وهو قول عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك. والثاني: أن العذاب الأليم هو أن يقتله الإمام حتماً لا عفو فيه، وهو قول ابن جريج، وروي أن النبي الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : لاَ أُعَافِي رَجُلاً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَّةِ ". تفسير : والثالث: أن العذاب الأليم هو عقوبة السلطان. والرابع: أن العذاب الأليم استرجاع الدية منه، ولا قود عليه، وهو قول الحسن البصري. قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} فيه قولان: أحدهما: إذا ذكره الظالم المعتدي، كف عن القتل فحيي، وهذا قول مجاهد وقتادة. والثاني: أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قوداً، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلماً. وفي المعنيين تقارب، والثاني أعم، وهو معنى قول السدي. وقوله تعالى: {يَا أُولِي الألْبَابِ} يعني يا ذوي العقول، لأن الحياة في القصاص معقولة بالاعتبار. وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال ابن زيد: لعلك تتقي أن تقتله فتقتل به.

ابن عطية

تفسير : {كتب} معناه فرض وأثبت، والكتب مستعمل في الأمور المخلدات الدائمة كثيراً، وقيل إن {كتب} في مثل هذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء، وصورة فرض القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه وترك التعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل من قوم قاتله، وأن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وليس القصاص بلزام إنما اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح، فالآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح، و{القصاص} مأخوذ من قص الأثر فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، و {القتلى} جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة وهو مما يدخل على الناس كرهاً فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى. واختلف في سبب هذه الآية، فقال الشعبي: إن العرب كان أهل العزة منهم والمنعة إذا قتل منهم عبد قتلوا به حراً، وإذا قتلت امرأة قتلوا بها ذكراً، فنزلت الآية في ذلك ليعم الله تعالى بالسوية ويذهب أمر الجاهلية، وحكي أن قوماً من العرب تقاتلوا قتال عمية ثم قال بعضهم: نقتل بعبيدنا أحراراً، فنزلت الآية، وقيل: نزلت بسبب قتال وقع بين قبيلتين من الأنصار، وقيل: من غيرهم فقتل هؤلاء من هؤلاء رجالاً وعبيداً ونساء، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم ويقاصهم بعضهم ببعض بالديات على استواء الأحرار بالأحرار والنساء بالنساء والعبيد بالعبيد، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية أن لا يقتل الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل ولا يدخل صنف على صنف ثم نسخت بآية المائدة أن النفس بالنفس. قال القاضي أبو محمد: هكذا روي، وآية المائدة إنما هي إخبار عما كتب على بني إسرائيل، فلا يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم، وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو عبيد وعن غيره الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة، وأن قوله هنا {الحر بالحر} يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد. وقال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد بها الجنس الذكر والأنثى فيه سواء، وأعيد ذكر {الأنثى} تأكيداً وتهمماً بإذهاب أمر الجاهلية، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن الحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبداً أو عبد حراً أو ذكر أنثى أو أنثى ذكراً، وقالا: إنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية منه وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة، وإذا قتلت المرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلوا وأخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن علي رضي الله عنه وعن الحسن، وقد أنكر ذلك عنهما أيضاً، وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات، قال مالك والشافعي: وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس، وقال أبو حنيفة، لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس، وقال النخعي وقتادة وسعيد بن المسيب والشعبي والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف: يقتل الحر بالعبد، وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء: لا يقتل الحر بالعبد، ودليلهم إجماع الأمة على أن العبد لا يقاوم الحر فيما دون النفس، فالنفس مقيسة على ذلك، وأيضاً فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأً أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد، وأيضاً فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، وإذا قتل الرجل ابنه فإن قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ويذبحه أو يصبره مما لا عذر له فيه لا شبهة في ادعاء الخطأ فإنه يقتل به قولاً واحداً في مذهب مالك، وإن قتله على حد ما يرمي أو يضرب فيقتله ففيه في المذهب قولان: يقتل به، ولا يقتل وتغلظ الدية. وقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} فيه أربع تأويلات: أحدها أن {من} يراد بها القاتل و {عفي} يتضمن عافياً هو ولي الدم والأخ هو المقتول، ويصح أن يكون هو الولي على هذا التأويل، وهي أخوة الإسلام، و {شيء} هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابن عباس وجماعة من العلماء، والعفو في هذا القول على بابه والضميران راجعان على {من} في كل تأويل. والتأويل الثاني وهو قول مالك: إن {من} يراد بها الولي، و {عفي} بمعنى يسر لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و {شيء} هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل المقتول أي يسر له من قبل أخيه المقتول وبسببه، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام، وعلى هذا التأويل قال مالك رحمه الله: إن الولي إذا جنح إلى العفو على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه فمرة تيسر ومرة لا تيسر، وغير مالك يقول: إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه، وقد روي أيضاً هذا القول عن مالك ورجحه كثير من أصحابه. والتأويل الثالث أن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة حسبما ذكرناه آنفاً، فمعنى الآية فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات، ويكون {عفي} بمعنى فضل من قولهم عفا الشيء إذا كثر أي أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر. والتأويل الرابع هو على قول علي رضي الله عنه والحسن ابن أبي الحسن في الفضل بين دية المرأة والرجل والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، و {عفي} في هذا الموضع أيضاً بمعنى أفضل، وكأن الآية من أولها بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم الحكم إذا تداخلت، و {شيء} في هذه الآية مفعول لم يسم فاعله، وجاز ذلك و {عفي} لا يتعدى الماضي الذي بنيت منه من حيث يقدر {شيء} تقدير المصدر، كأن الكلام: عفي له من أخيه عفو، و {شيء} اسم عام لهذا وغيره، أو من حيث تقدر {عفي} بمعنى ترك فتعمل عملها، والأول أجود، وله نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى: {أية : ولا تضرونه شيئاً} تفسير : [هود: 57]، قال الأخفش: التقدير لا تضرونه ضراً، ومن ذلك قول أبي خراش: [الطويل] شعر : فَعَادَيْتُ شَيْئاً والدَّرِيس كأنَّمَا يُزَعْزِعُهُ وِرْدٌ مِنَ الْمومِ مردمُ تفسير : وقوله تعالى: {فاتباع} رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره فالواجب والحكم اتباع، وهذا سبيل الواجبات كقوله تعالى {أية : فإمساك بمعروف} تفسير : [البقرة: 229]، وأما المندوب إليه فيأتي منصوباً كقوله تعالى {أية : فضرب الرقاب} تفسير : [محمد: 4]، وهذا الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن القضاء من المؤدي، وقرأ ابن أبي عبلة "فاتباعاً" بالنصب. وقوله تعالى: {ذاك تخفيف من ربكم} إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ الدية، وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم إنما هو القصاص فقط، والاعتداء المتوعد عليه في هذه الآية هو أن يأخذ الرجل دية وليه ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه: فقال فريق من العلماء منهم مالك: هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة ولايمكن الحاكم الولي من العفو، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : نقسم أن يعفي عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتلتفسير : ، وقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة، وقال عمر بن عبد العزيز أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى. وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} نحوه قول العرب في مثل: القتل أوقى للقتل، ويروى: أبقى، بباء وقاف. ويروى أنفى بنون وفاء، والمعنى أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم به ازدجر من يريد قتل أحد مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معاً، وهذا الترتيب ما سبق لهما في الأزل، وأيضاً فكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعية إلى موت العدد الكثير، فلما شرع الله القصاص قنع الكل به ووقف عنده وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة، وخص {أولي الألباب} بالذكر تنبيهاً عليهم، لأنهم العارفون القابلون للأوامر والنواهي، وغيرهم تبع لهم، و {تتقون} معناه القتل فتسلمون من القصاص ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك فإن الله تعالى يثيب على الطاعة بالطاعة، وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي "ولكم في القصص" أي في كتاب الله الذي شرع فيه القصاص وحكمه، ويحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص، أي إنه قص أثر القاتل قصصاً فقتل كما قتل. وقوله تعالى: {كتب عليكم} الآية، كأن الآية متصلة بقوله {يا أيها الذين آمنوا} فلذلك سقطت واو العطف، و {كتب} معناه فرض وأثبت، وقال بعض أهل العلم: الوصية فرض، وقال قوم: كانت فرضاً ونسخت، وقال فريق: هي مندوب إليها، و {كتب} عامل في رفع {الوصية} على المفعول الذي لم يسم فاعله في بعض التقديرات، وسقطت علامة التأنيث من {كتب} لطول الكلام فحسن سقوطها، وقد حكى سيبويه: قام امرأة، ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل، ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل {الوصية} في {إذا} لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو {الوصية}، وقد تقدمت فلا يجوز أن يعمل فيها متقدمة، ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون {كتب} هو العامل في {إذا} والمعنى توجه إيجاب الله عليكم ومقتضى كتابه إذا حضر، فعبر عن توجه الإيجاب بــ {كتب} لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل، و {الوصية} مفعول لم يسم فاعله بــ {كتب} وجواب الشرطين {إذا} و {إن} مقدّر، يدل عليه ما تقدم من قوله {كتب عليكم}، كما تقول شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا، ويتجه في إعرابها أن يكون التقدير: كتب عليكم الإيصاء، ويكون هذا الإيصاء المقدر الذي يدل عليه ذكر الوصية بعد هو العامل في {إذا}، وترتفع {الوصية} بالابتداء وفيه جواب الشرطين على نحو ما أنشد سيبويه: [البسيط] شعر : مَنْ يَفْعَلِ الصَّالِحَاتِ اللَّهُ يَحْفظُهَا تفسير : أو يكون رفعها بالابتداء بتقدير: فعليه الوصية، أو بتقدير الفاء فقط، كأنه قيل: فالوصية للوالدين، ويتجه في إعرابها أن تكون {الوصية} مرتفعة بــ {كتب} على المفعول الذي لم يسم فاعله، وتكون {الوصية} هي العامل في {إذا}، وهذا على مذهب أبي الحسن الأخفش فإنه يجيز أن يتقدم ما في الصلة الموصول بشرطين هما في هذه الآية، أحدهما أن يكون الموصول ليس بموصول محض بل يشبه الموصول، وذلك كالألف واللام حيث توصل، أو كالمصدر، وهذا في الآية مصدر وهو {الوصية}، والشرط الثاني أن يكون المتقدم ظرفاً فإن في الظرف يسهل الاتساع، و {إذا} ظرف وهذا هو رأي أبي الحسن في قول الشاعر: [الطويل] شعر : تَقُولُ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا بِيَمِينِهَا أبَعْلِيَ هذا بِالرَّحَا المُتَقَاعِس تفسير : فإنه يرى أن "بالرحا" متعلق بقوله المتقاعس، كأنه قال: أبَعلي هذا المتقاعس بالرحا، وجواب الشرطين في هذا القول كما ذكرناه في القول الأول، وفي قوله تعالى {إذا حضر} مجاز لأن المعنى إذا تخوف وحضرت علاماته، والخير في هذه الآية المال. واختلف موجبو الوصية في القدر الذي تجب منه، فقال الزهري وغيره: تجب فيما قل وفيما كثر، وقال النخعي: تجب في خمسمائة درهم فصاعداً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة: في ألف فصاعداً. واختلف العلماء في هذه الآية، فقال فريق: محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الوارثة، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: الآية عامة وتقرر الحكم بها برهة ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض، وفي هذه العبارة يدخل قول ابن عباس والحسن وغيرهما إنه نسخ منها الوالدان وثبت الأقربون الذين لا يرثون، وبين أن آية الفرائض في سورة النساء ناسخة، لهذا الحديث المتواتر: "حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ". تفسير : وقال ابن عمر وابن عباس أيضاً وابن زيد: الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندباً، ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وقال الربيع بن خثيم وغيره: لا وصية لوارث، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم: أوصِ لي بمصحفك، فنظر الربيع إلى ولده وقرأ: {أية : وأولو الأرحام بعضَهم أولى ببعض في كتاب الله} تفسير : [الأحزاب: 6]، ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه. وقال بعض أهل العلم: إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة في الحديث المذكور قبل، وقد تقدم توجيه نسخ السنة للكتاب في تفسير قوله تعالى {أية : ما ننسخ من آية} تفسير : [البقرة: 106]. وقال قوم من العلماء: الوصية للقرابة أولى فإن كانت لأجنبي فمعهم ولا تجوز لغيرهم مع تركهم. وقال الناس حين مات أبو العالية: عجباً له أعتقته امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبي: "لم يكن ذلك له ولا كرامة". وقال طاوس: "إذا أوصى لغير قرابة ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله" وقاله جابر بن زيد. وقال الحسن وجابر بن زيد أيضاً وعبد الملك بن يعلى: يبقى ثلث الوصية حيث جعلها ويرد ثلثاها إلى قرابته. وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: الوصية ماضية حيث جعلها الميت، والأقربون: جمع أقرب، و {بالمعروف} معناه بالقصد الذي تعرفه النفوس دون إضرار بالورثة ولا تبذير للوصية، و {حقاً} مصدر مؤكد، وخص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبادر الناس إليها.

ابن عبد السلام

تفسير : {كُتِبَ} فرض. شعر : يا بنت عمي كتاب الله أخرجني عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا تفسير : {الْقِصَاصُ} مقابلة الفعل بمثله من قص الأثر. نزلت في قبيلة من العرب أعزاء لا يقتلون بالعبد منهم إلا السيد، وبالمرأة إلا الرجل، أو في فريقين اقتتلا فقتل منهما جماعة، فقاصص الرسول صلى الله عليه وسلم دية الرجل بدية الرجل، ودية المرأة بدية المرأة، ودية العبد بدية العبد، أو فرض في ابتداء الإسلام قتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، أو هو أمر بمقاصة دية الجاني من دية المُجنى عليه، فإذا قتل الحر عبداً فلسيده القصاص، ثم يقاصص بقيمة العبد من دية الحر ويدفع إلى ولي الحر باقي ديته، وإن قتل العبد حراً فقتل به قاصص ولي الحر بقيمة العبد وأخذ باقي دية الحر، وإن قتل الرجل امرأة فلوليها قتله ويدفع نصف الدية إلى ولي الرجل، وإن قتلت المرأة رجلاً فقتلت به أخذ ولي الرجل نصف الدية قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} هو أن يطلب الولي الدية بالمعروف، ويؤديها القاتل بإحسان {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} أي فضل. إذا قلنا نزلت في فريقين اقتتلا، وتقاصا ديات القتلى، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف وليؤد من عليه بإحسان، وعلى قول علي ـ رضي الله عنه ـ يؤدي الفاضل بعد مقاصصة الديات بمعروف، فالاتباع بمعروف عائد إلى ولي القتيل، والأداء بإحسان عائد إلى ولي الجاني، أو كلاهما عائد إلى الجاني يؤدي الدية بمعروف وإحسان {تَخْفِيفٌ} تخير ولي الدم بين القود والدية والعفو، ولم يكن ذلك لأحد قبلنا، كان على أهل التوراة القصاص أو العفو ولا أرش، وعلى أهل الإنجيل الأرش أو العفو ولا قود. {فَمَنِ اعْتَدَى} فقتل بعد أخذ الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بالقصاص، أو يقتله الإمام حتماً، أو يعاقبه السلطان، أو باسترجاع الدية منه ولا قود عليه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} نزلت في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية بسبب قتيل، فكانت بينهم قتلى وحروب وجراحات كثيرة، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام. وقيل نزلت في الأوس والخزرج، وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهر، وأقسموا لنقتلن بالعبد منا الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وأمره بالمساواة فرضوا وسلموا. وقيل: إنما نزلت هذه الآية لإزالة الأحكام التي كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط بلا عفو والنصارى يوجبون العفو بلا قتل والعرب في الجاهلية كانوا يوجبون القتل تارة ويوجبون أخذ الدية تارة وكانوا يتعدون في الحكمين فإن وقع القتل على شريف قتلوا به عدداً ويأخذون دية الشريف أضعاف دية الخسيس، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أوجب الله رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم} أي فرض عليكم {القصاص في القتلى}. فإن قلت: كيف يكون القصاص فرضاً والولي مخير فيه بين العفو والقصاص وأخذ الدية؟ قلت: إن القصاص فرض على القاتل للولي لا على الولي. وقيل إذا أردتم القصاص فقد فرض عليكم. والقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح من قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل فيفعل به مثل ذلك، فلو قتل رجل رجلاً بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر فمات فيقتل بمثل الذي قتل به وهو قول مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد {الحر بالحر والعبد وبالعبد والأنثى بالأنثى} ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد ولا والد بولد ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والولد بالوالد هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال: سألت علياً هل عندكم من النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ أن يؤتى الله عبداً فهماً في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة قال: العقل وفك الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر، وقد أخرج مسلم عن علي نحو هذا من غير رواية أبي جحيفة. العقل هنا هو الدية والعاقلة الجماعة من أولياء القاتل الذين يعقلون. عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد" تفسير : أخرجه الترمذي، وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل الذمي والحر بالعبد وهذه الآية مع الأحاديث حجة لمذهب الشافعي ومن وافقه ويقولون هي مفسرة لما أبهم في قوله: "النفس بالنفس" وأن تلك واردة لحكاية ما كتب على بني إسرائيل في التوراة وهذه الآية خطاب للمسلمين بما كتب عليهم وذهب أصحاب الرأي إلى أن هذه منسوخة بقوله "النفس بالنفس" وتقتل الجماعه بالواحد يدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن غلاماً قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. قال البخاري وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبياً فقال عمر مثله. وروى مالك في الموطأ عن ابن المسيب أن عمر قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعاً. الغيلة أن يقتل الرجل خديعة ومكراً من غير أن يعلم ما يراد به. وقوله لقتلتهم لو تمالأ أي تعاونوا واجتمعوا عليه. وقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد، ورضي بالدية أو العفو عنها، أو قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه وأراد بالأخ ولي المقتول، وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم والمطالب به. وقيل: إنما ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بما هو ثابت بينهما من الجنسية وأخوة الإسلام. وفي قوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود وثبتت الدية لأن شيئاً من الدم قد بطل {فاتباع بالمعروف} أي فليتبع الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه {وأداء إليه بإحسان} أي على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه وقيل في تقدير الآية: وإذا عفا ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل، وهو وجوب القصاص فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف وليؤد ما وجب عليه من الدية إلى ولي الدم بإحسان من غير مطل ولا مدافعة. وفي الآية دليل على أن القاتل يصير كافراً وأن الفاسق مؤمن ووجه ذلك من وجوه: الأول إن الله تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمناً بقوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} فسماه مؤمناً حال ما وجب عليه من القصاص. وإنما وجب عليه بعد صدور القتل منه وقتل العمد والعدوان من الكبائر بالإجماع فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن. الوجه الثاني: أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} أراد بالأخوة أخوة الإيمان فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة. الوجه الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو لا يليق إلاّ عن المؤمن لا عن الكافر. وقوله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} يعني الذي ذكر من الحكم بشرع القصاص والعفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم، يعني في حقكم ورحمة، وذلك لأن العفو وأخذ الدية كان حراماً على اليهود وكان القصاص حتماً في التوراة، وكان في شرع النصارى أخذ الدية ولم يكتب عليهم القصاص، وقيل: كان عليهم العفو دون القصاص وأخذ الدية فخير الله هذه الأمة بين القصاص أو العفو وأخذ الدية توسعة عليهم وتيسيراً وتفضيلاً لهم على غيرهم {فمن اعتدى بعد ذلك} يعني بعد هذا التخفيف فقتل الجاني بعد العفو أو قبول الدية {فله عذاب أليم} وهو أن يقتل قصاصاً ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه. وقيل: المراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ...}. قال ابن عرفة: الخطاب للمؤمنين. فإن قلنا: إنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ فنقول: إنما عين المؤمنين هنا لما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية. قال: كتب بمعنى فرض أو كتب في اللوح المحفوظ. وأورد الشيخ ابن العربي هنا سؤالا قال: كيف يفهم الكتب بمعنى الفرض مع أن القصاص غير واجب؟ قال ابن عرفة: والجواب أنّا إذا اعتبرنا جهة المجني عليه ووليه فالقصاص غير واجب لأنه مخير بين القصاص وأخذ الدية، وإذا راعينا جهة الجاني فالقصاص غير (واجب). إن طلب الولي الدية، وهذا بخلاف الدين فإنّ رب الدّين إذا أسقط دينه وامتنع من أخذه وأبى ذلك المديون فإنه يجبر رب المال على أخذ دينه، ولذلك إذا حلف أنه لا يأخذه وحلف المديون أنه لايحبسه فأنه يحنث رب المال وما ذاك إلا لحفظ النفوس، بخلاف الأموال فإن المديان يقول له: لا أقبل (مزيتك) ولا أحبها. قال ابن عرفة في هذا: والقصاص (فعال) لأنه يفعل كما فعل له (كالإتباع) سواء لأنه يفعل كفعل المتبع. قال ابن العربي: واحتج بها الحنفية على أن المسلم يقتل بالكافر لقولهم "الحر بالحر" فعمم ولم يقيد ولو كان بينهما فرق لبينه. وأجيب بقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ولا أخوة بين المسلم والكافر إلا أن يريد بالأخوة الصحبة فحينئذ (لايزال السؤال واردا). لكن يجاب بما قال الفخر الرازي في المحصول في قوله تعالى {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : قال: المراد نفي مطلق المساواة في الخلود وغيره فاحتج به الشافعي على أنّ المسلم لا يقتل بالكافر. قال: والأعم لا إشعار له بالأخص. قال ابن عرفة: ورد عليه بعضهم بأنه لا يستوي فعل في سياق النّفي فيعم لأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص (فنقول) تلك الآية دلت على نفي مساواة بينهما فلا يقتل المسلم بالكافر. قال الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي: قال الكوفيون والثوري: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمّي. واحتجّوا بهذه الآية. قالوا: الذّمي مع (الحر) متساويان في حرمة الدم على التأبيد بدليل أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي كمال المسلم فيتساويان في الذّم إذ المال إنما يحترم بحرمة مالكه. قال ابن عرفة: يقال: إنّما قطع في المال لأنه من فساد الأرض بدليل قول مالك: إن الكافر إذا سرق من مال المسلم فإنما تقطع يده، وإذا زنا بالمسلمة طائعة فإنه لا يحد وما ذلك إلا لأنّ أخذ المال من الفساد في الأرض بخلاف الزنا. قال ابن عرفة: وقولهم في العبد إذا جنى جناية وقطع يد المسلم إنّ سيده مخيّر، فله أن يسلمه في الجناية مع أنه يبقى سليما في بدنه. والصواب كان في عقوبته أن تقطع يده لأن إسلامه في الجناية كبيعه، فما يظلم (بذلك) إلاّ سيّده وأما هو فلم يقع عليه عقاب ولا حد يرتدع به بوجه. وغلط الزمخشري هنا في نقله عن الإمام مالك رضي الله عنه لأنه قال: مذهب مالك والشافعي أن الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى. أخذ بهذه الآية. (واختلفوا في هذه الآية) فقيل: إنها منسوخة بآية المائدة وقيل مجملة وتلك مبينة لها. وقال ابن العربي: تلك مجملة وهذه مبنية (لها). ابن عطية: وقال علي والحسن ابن أبي الحسن إذا قتل رجل إمرأة فإن أراد أولياؤها قتلوه (ووفوا) أولياءه نصف الدية، وإلا استحيوه وأخذوا الدية، وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤها قتلوها وإلا استحيوها، وإن قتلوها أخذوا نصف الدية وإن استحيوها أدّوا الدية كاملة. قال ابن عرفة: (نظيره) في مذهبنا قولهم في كتاب الزكاة: إذا وجبت على الإنسان بنت لبون فأعطى للساعي بنت مخاض وما نقصت قيمتها عن بنت اللّبون أو وجب عليه بنت مخاض فأعطاه بنت اللّبون وأخذ منه ما زادت قيمتها عن قيمة بنت المخاض فالمشهور عدم الإجزاء وقيل يجزيه. قوله تعالى: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ...}. (ابن عطية) الإشارة إلى ما شرعت له هذه الآية من أخذ الدية، وكان عند بني إسرائيل في التوراة وجوب القصاص ولا دية عندهم. وقال الطبري: حرم على أهل الإنجيل الدّية وكان الواجب عليهم إمّا القصاص أو العفو على غير شيء. وقال الزمخشري: فرض على أهل الإنجيل العفو وحرّم عليهم القصاص والدّية. ورده ابن عرفة بوجهين: - الأول: ما نقله الطبري وهو حجة في التفسير، - الثاني: أن الأصوليين عدوا حفظ النفوس في الكليات الخمس التي اجتمعت الملل كلها على (حفظها)، وأيضا فهو مصادم لمقتضى الآية لأنه تكون شريعة النّصارى أخف من شريعتنا فلا يكون ذلك تخفيفا بل تثقيلا. قال ابن عرفة: فالتخفيف هو أنه كان في الجاهلية تحتم القصاص من غير قبول العفو، فصار الآن عقوبته إذا عفى عنه الولي أن يجلد مائة ويسجن عاما. قوله تعالى: {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ابن عطية: وقال الحسن: عذابه/ أن يؤدي الديّة فقط ويبقى (إثمه) إلى عذاب الآخرة. قال ابن عرفة: هذا (شبه) ما قالوا في اليمين الغموس إنها أعظم من أن تكفر.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: {في القتلى} ط {بالأنثى} ط لأن العفو إعطاء الدية صلحاً فكان خارجاً عن أصل موجب القتل مستأنفاً {بإحسان} ط {رحمة} ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه فكان مستأنفاً {أليم} ه {تتقون} ه. التفسير: هذا حكم آخر، وسببه أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى يوجبون العفو فقط. فأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل وأخرى يوجبون الدية، لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من الحكمين. فإذا وقع القتل بين قبيلتين كان يقول الشريف للخسيس لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن رجلاً قتل رجلاً من الأشراف ثم اجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول فقالوا: ماذا تريد؟ قال: إحدى ثلاث. قالوا: وما هي؟ قال: تحيون ولدي، أو تملؤن داري من نجوم السماء، أو تدفعون إليّ جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً. وكانوا يجعلون دية الشريف أضعاف دية الخسيس فبعث الله محمداً بالعدل وسوّى بين عباده في القصاص. وقيل: نزلت في واقعة قتل حمزة. ومعنى كتب فرض وأوجب كقوله {أية : كتب عليكم الصيام} تفسير : [البقرة: 183] ولفظة "على" أيضاً تفيد الوجوب كقوله {ولله على الناس حج البيت} والقصاص أن تفعل بالإنسان مثل ما فعل من قولك "اقتص فلان أثر فلان" إذا فعل مثل فعله. ومنه القصة لأن الحكاية تساوي المحكي والمقص لتعادل جانبيه. وقوله {في القتلى} أي بسبب قتل القتلى كقوله "حديث : في النفس المؤمنة مائة إبل"تفسير : أي بسببها. فظاهر الآية يدل على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب جميع القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا العموم. وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كما إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده، والمسلم حربياً أو معاهداً، أو مسلم مسلماً خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه. فإن قيل: لو جب القصاص لوجب إما على القاتل وليس عليه أن يقتل نفسه بل يحرم عليه ذلك، وإما على ولي الدم وهو مخير بين الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك. {أية : والعافين عن الناس} تفسير : [الأعراف: 134] وإما على أجنبي وليس ذلك بالاتفاق. وأيضاً القصاص عبارة عن التسوية، ووجوب رعاية المساواة على تقدير القتل لا يوجب نفس القتل. قلنا عن الأول إن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجري مجرى الإمام، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود وهو من جملة المؤمنين فالتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أرادوا لي الدم أستيفاء. ويحتمل أن يكون خطاباً مع القاتل لأنه كتب عليه تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص. وذلك أن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله فلا يعترفا، فكان أمر القتل أشنع، وفيه حق الآدمي أكثر. وعن الثاني أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل، والتسوية في القتل صفة للقتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات. فالآية تفيد إيجاب القتل. ثم اختلفوا في كيفية المماثلة التي تجب رعايتها فقال الشافعي: إن كان قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل، فإن مات عنه في تلك المرة وإلا حزت رقبته. وكذلك إن أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه"تفسير : ورضخ يهودي رأس جارية بالحجارة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفعل به مثله. ولأنه لا يجوز أن يقال: كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، وحيث لم يستثن دخل. وأيضاً الحكم بالعموم يوجب التخصيص في بعض الصور كما لو قتله بالسحر فلا يقتل السحر لأنه محرم بل بالسيف. وكما لو قتل صغيراً باللواط فإنه يقتل بالسيف على الأصح. ولو لم يحكم بالعموم لزم الإجمال، والتخصيص أهون منه. وأيضاً لو لم تفد الآية إلا إيجاب التسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فلا يستفاد من الآية شيء ألبتة. وقال أبو حنيفة: المراد بالمماثلة تماثل النفس ويتعين السيف لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا قود إلا بالسيف"تفسير : واتفقوا على أن القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة له من الله. أما إذا تاب فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة للدلائل الدالة على قبول التوبة {أية : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} تفسير : [الشورى: 25] فما الحكمة في وجوب قتله؟ أجاب أصحابنا بأنه تعالى يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل. وقالت المعتزلة: إنما شرع ليكون لطفاً. وكيف يتصور هذا اللطف ولا تكليف بعد القتل؟ قالوا: فيه منفعة للقاتل من حيث إنه إذا علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد، ومنفعة لولي المقتول من حيث التشفي، ومنفعة لسائر المكلفين من حيث الانزجار عن القتل. قوله عز من قائل {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} الباء للبدل نحو "بعت هذا بذاك" أي الحر مقتول بدل الحر. ثم فيه قولان: الأول ويروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة، أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين، لأن الألف واللام تفيد العموم أي كل حر يقتل بحر. فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً بعير حر وهو يناقض الآية. ولأن هذا القول خرج مخرج البيان لقوله {كتب عليكم القصاص} وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال للتسوية فلا يكون مشروعاً وهو يناقض الآية، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وقالا: لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه أولى، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر. وأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع، وكأن سنده أن الذكورة والأنوثة فضيلتان كالعلم والجهل والشرف والخسة، فكما أنه لم يفرق بين العالم والجاهل فكذلك بين الذكر والأنثى، ويروى عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن "حديث : أن الذكر يقتل الأنثى"تفسير : . القول الثاني ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والنوري وهذا مذهب أبي حنيفة، أن الحر بالحر لا يفيد الحصر ألبتة بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على حال سائر الأقسام. لأن قوله {والأنثى بالأنثى} يقتضي قصاص الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله {الحر بالحر والعبد بالعبد} مانعاً من ذلك تناقض. وأيضاً قوله {كتب عليكم القصاص} جملة مستقلة وقوله {الحر بالحر} تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر، فلا يمنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات. ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى {النفس بالنفس} وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم"تفسير : وقد يقتل الجماعة بواحد فدل على أن التفاضل غير معتبر في الأنفس ثم إنهم قالوا: الفائدة في تخصيص هذه الجزئيات بالذكر ما ذكرنا في سبب النزول أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل فمنعوا عن ذلك. وأيضاً نقل عن علي رضي الله عنه والحسن البصري أن الغرض أن هذه الصورة هي التي يكتفى فيها بالقصاص. أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد وبين الذكر والأنثى فهناك لا يكتفي بالقصاص، بل لا بد من التراجع. فأيما حر قتل عبداً فقود به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا قيمة العبد من دية الحر ويؤدوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبد حراً فهو به فإن شاء أولياء الحر قتلوا وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاءوا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد. وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا بعد ذلك نصف ديته إلى أوليائه، وإن شاءوا تركوا قتله وأخذوا ديتها. وإذا قتلت امرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاءوا تركوها وأخذوا كل الدية، فعلى هذا الغرض من الآية أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين، فأما عند اختلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع. قوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء} المعنى فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك "سير بزيد بعض السير وطائفة من السير" ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة. فإن قيل: إن "عفا" يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله {فمن عفى له} فالجواب أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال تعالى {أية : عفا الله عنك} تفسير : [التوبة: 23] فإذا تعدى إلى الذنب وإلى الجاني معاً قيل "عفوت لفلان عما جنى" كما تقول "غفرت له ذنبه" وتجاوزت له عنه. فمعنى الآية فمن عفى له عن جنابته. فاستغنى عن ذكر الجناية. فإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية. وأخوه هو ولي المقتول وإنما قيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به كما تقول للرجل "قل لصاحبك كذا" إذا كان بينهما أدنى تعلق. أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام. وقد يستدل بهذا على أن الفاسق مؤمن لأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة بسبب الدين {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : [الحجرات: 10] مع أن قتل العمد العدوان بالإجماع من الكبائر. وأيضاً إنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو إنما يليق عن المؤمن. ويحتمل أن يجاب بأن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً فلعله تعالى سماه مؤمناً بهذا التأويل، وبأن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً. ثم إنه تعالى أدخل غير التائب فيه على سبيل التغليب. وأيضاً لعل الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً. ولا شك أن المؤمنين أخوة قبل الإقدام على القتل. وأيضاً الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له. وأيضاً يجوز أن يكون قد جعله أخاً له في النسب كقوله تعالى {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : [هود: 50] {فاتباع بالمعروف} أي فليكن اتباع، أو فالأمر، أو فحكمه اتباع. أو فعلية اتباع فقيل: على العافي اتباع بالمعروف بأن يشدد في المطالبة بل يجري فيها على العادة المألوفة، فإن كان معسراً فالنظرة وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً بغير المال الواجب فالإمهال إلى أن يستدل وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات {و} إلى المعفو عنه {أداء إليه بإحسان} بأن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل من غير مطل وبخس، هذا قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان {ذلك} قيل: إشارة إلى الاتباع والأداء. وعن ابن عباس: وهو الأقرب إنه إشارة إلى الحكم بسرع القصاص والدية والعفو، فإن هذه الأمة خيرت بينهن توسعة وتيسيراً، ولم يكن لليهود إلا القصاص وللنصارى إلا العفو وإثبات الخيرة فضل من الله ورحمة في حقنا، لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه. وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفو عن القصاص وعن بدله جميعاً وهو الدية. {فمن اعتدى بعد ذلك} التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل مع قتل القاتل أو دونه أو قتل بعد أخذ الدية والعفو فقد كان لولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية ثم يظفر به فيقتله {فله عذاب أليم} نوع من العذاب الأليم في الآخرة. وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل من الدية كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية"تفسير : وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير وضعفه غيرهم. ولما كانت الآية مشتملة على إيلام العبد الضعيف وأنه لا يليق بكمال رحمته عقبها بقوله {ولكم في القصاص حياة}. قال المفسرون: القصاص إزالة الحياة، وإزالة الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء فالمراد لكم في شرع القصاص حياة وأيّ حياة. وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل. وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويحتمل أن يقال: نفس القصاص سبب لنوع من الحياة وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل، لأن القاتل إذا قيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة نفسين. وقرأ أبو الجوزاء {ولكم في القصص حياة} أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص. وقيل: القصص القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب. وهذا وقد اتفق علماء البيان على أن قوله سبحانه {ولكم في القصاص حياة} بلغ في الإيجاز نهاية الإعجاز، وذلك أن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم "قتل البعض أحياء للجميع" وأكبروا القتل وأوجز ذلك قولهم "القتل أنفى للقتل". والترجيح مع ذلك للآية من وجوه: الأول أن قولهم لا يصح على العموم لأن القتل ظلماً ليس أنفى للقتل قصاصاً بل أدعى له. ولو خصص فقيل "القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً" طال. والآية تفيد هذا المعنى من غير تقدير وتكلف. الثاني: أن القتل قصاصاً لا ينفي القتل ظلماً من حيث إنه قتل بل من حيث إنه قصاص. وهذه الحيثية معتبرة في الآية لا في كلامهم. الثالث: أن الحياة هي الغرض الأصلي ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة. فالتنصيص على المقصود الأصلي أولى. الرابع: التكرار من غير ضرورة مستهجن وأنه في كلامهم لا في الآية. الخامس: أن الحروف الملفوظة التي يعتمد عليها في اعتبار الوجازة لا المكتوبة هي في الآية عشرة، وفي كلامهم أربعة عشر. السادس: أن الأغلب في كلامهم أسباب خفاف وذلك مما يخل بسلاسة التركيب، والآية مع غاية وجازتها فيها السبب والوتد والفاصلة. السابع: ظاهر قولهم يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وفي الآية جعل نوع من القتل وهو القصاص سبباً لنوع من الحياة ولا استبعاد فيه لظهور التغاير. الثامن: المطابقة مرعية في الآية لمكان التضاد بين لفظي القصاص وحياة بخلاف كلامهم. التاسع: اشتمال الآية على لفظ يصلح للتفاؤل وهو الحياة، بخلاف كلامهم فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان وأنه لكما يليق بهم. العاشر: اشتمال الآية على اسمين وأداة، واشتمال كلامهم على ثلاثة أسماء وأداة. وإن اعتبرت أداة التعريف ففي الآية واحدة وفي كلامهم ثنتان، وإن اعتبر التنوين في الآية تقاصت الأدوات وتبقى زيادة الأسماء بحالها، على أن أفعل التفضيل إذا لم يكن فيه اللام والإضافة يستعمل بمن. فتقدير كلامهم "القتل أنفى للقتل من كل شيء" فأين الوجازة {يا أولي الألباب} يا ذوي العقول وأولو جمع لا واحد له من لفظه، وواحده ذو بمعنى صاحب. وأولات للإناث واحدتها ذات بمعنى صاحبة قال تعالى {أية : وأولات الأحمال} تفسير : [الطلاق: 4] وإعراب أولو كإعراب جمع المذكر السالم. وزادوا في "أولي" واواً فرقاً بينها وبين "إلى" وأجرى "أولو" عليه. واللب العقل، ولب النخلة قلبها، وخالص كل شيء لبه. خاطب العقلاء الذين يتفكرون في العواقب ويعرفون جهات الخوف فلا يرضون بإتلاف أنفسهم لإتلاف غيرهم إلا في سبيل الله {لعلكم تتقون} يتعلق بمحذوف أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لتكونوا على بصيرة في إقامته، راجين أن تعملوا عمل أهل التقوى في الحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة، أو لعلكم تتقون نفس القتل الخوف القصاص. عن الحسن والأصم: وقد بقي على الآية بحث، وهو أنه سئل إذا صح أن المقتول إن لم يقتل فهو يموت لأن المقدر من عمره ذلك القدر، وكذا إذا هم إنسان بقتل آخر فارتدع خوفاً عن القصاص فإن ذلك الآخر يموت وإن لم يقتله ذلك الإنسان لأن كل وقت صح وقوع قتله صح وقوع موته، فكيف يفيد شرع القصاص حياة؟ والجواب أنه تعالى قد جعل لكل شيء سبباً يدور مسببه معه وجوداً وعدماً. وشرعية القصاص مما جعلها تعالى سبباً لحياة من أراد حياته بعد أن تصور الهامّ قتله، وذلك بأن تذكر القصاص فارتدع عما هم به. ففائدة شرع القصاص هي فائدة سائر الأسباب والوسائط ومنكر فائدتها. وكلا الإنكارين مذموم وصاحبهما عند العقلاء ملوم والله أعلم. التأويل: كما كتب القصاص في قتلاكم كتب على نفسه الرحمة في قتلاه وقال: من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} أي من كان متوجهاً إليه تعالى بالكلية كان فيضه تعالى متصلاً به بالكلية، ومن كان في رق غيره من المكوّنات لم يتصل به فيضه غاية الاتصال، ومن كان ناقصاً في دعوى محبته لم يكن مستحقاً لكمال محبته {فمن عفي له} من الأحباء والأصفياء {شيء} من أنواع البلاء والابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء فإنه معروف من معارفه. فالواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان. {فمن اعتدى بعد ذلك} الوفاء بملابسة الجفاء وألقى جلباب الحياء {فله عذاب أليم} فإن الكفر مرتعه وخيم {ولكم في القصاص حياة} الدارين والتقاء برب الثقلين {يا أولي الألباب} الذين بدلوا قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الصمداني {لعلكم تتقون} شرك وجودكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ...} الآيةَ: {كُتِبَ}: معناه: فُرِضَ، وأُثْبِتَ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ، هو أنَّ القاتل فُرِضَ عليه، إِذا أراد الوليُّ القتل، الاِستسلامُ لأمر اللَّه، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوفُ عند قتل وليِّه، وترك التعدِّي علَىٰ غيره، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو، فذلك مباحٌ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغايةُ عند التَّشَاحِّ، و {ٱلْقِصَاصُ}: مأخوذ من: قَصِّ الأثر؛ فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل، فقص أثره فيها. روي عن ابن عَبَّاس؛ أنَّ هذه الآية مُحْكَمة، وفيها إِجمال فسَّرته آية «المائدة»، وأن قوله سبحانه: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} يعمُّ الرجال والنساء، وأجمعتِ الأمة علَىٰ قتل الرجُلِ بالمرأةِ، والمرأة بالرجل. وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ...} الآيةَ: فيه تأويلاتٌ: أحدها: أنَّ «مَنْ» يرادُ بها القاتلُ، و «عُفِيَ»: تتضمن عافياً، وهو وليُّ الدم، والأخُ: هو المقتولُ، و «شَيْءٌ»: هو الدمُ الذي يعفَىٰ عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابْنِ عَبَّاس، وجماعة من العلماء، والعَفْوُ علَىٰ هذا القولِ علَىٰ بابه. والتأويلُ الثَّاني: وهو قول مالكٍ؛ أنَّ «مَنْ» يراد بها الوليُّ، وعُفِيَ: بمعنى: يُسِّرَ، لا على بابها في العَفْو، والأخُ: يراد به القاتل، و «شَيْءٌ»: هي الديةُ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام. والتأويل الثالثُ: أنَّ هذه الألفاظ في معنى: الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ، وهم قومٌ تقاتَلُوا، فقتل بعضُهم بعضاً، فأُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يصلحَ بينهم، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات على ٱستواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى الآية: فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرَىٰ شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ، وتكون: «عُفِيَ» بمعنى فَضِلَ. وقوله تعالى: {فَٱتِّبَاعٌ }: تقديره: فالواجبُ والحُكْمُ: ٱتباع، وهذا سبيلُ الواجباتِ؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } تفسير : [البقرة:229] وأما المندوبُ إِلَيْه، فيأتي منصوباً؛ كقوله تعالى: {أية : فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ }، تفسير : [محمد:4]، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالَىٰ علَىٰ حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ } إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ، والٱعْتداءُ المتوعَّد عليه في هذه الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم. وٱخْتُلِفَ في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك: هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه، ورُوِيَ في ذلك حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ}: المعنى: أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ٱزدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معاً، وأيضاً: فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما، وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إِلَىٰ موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهاً عليهم؛ لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرُهم تَبَعٌ لهم. و {تَتَّقُونَ} معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعيةً لأنواع التقوَىٰ في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه يثيبُ على الطاعة بالطاعة.

ابن عادل

تفسير : قوله "في القَتْلَى"، أي: بسبب القَتْلَى و"في" تكون للسَّببية؛ كقوله - عليه السَّلام - "حديث : إنَّ امْرَأَةً َدَخَلَتِ النَّار في هِرَّةٍ"تفسير : ، أي: بسببها، و"فَعَلَى" يطَّردُ أن يكون جمعاً لفعيل، بمعنى مفعول، وقد تقدَّم شيءٌ من هذا عند قوله {أية : وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ}تفسير : [البقرة: 85]. فصل في بيان سبب النزول في سبب النزول وجوه: أحدها: إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل البعثة، وذلك أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، والعرب تارةً كانوا يوجبون القتل، وتارة يوجبون الدِّية، لكنَّهم كانوا يظهرون التعدِّي، فأما القتل؛ فكانوا إذا وقع القتل بين قبيلتين: أحدهما أشرف من الأخرى، فكان الأشراف يقولون: "لنَقْتُلَنَّ بالعَبْدِ مِنَّا الحُرَّ مِنْهُمْ، وبالمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلَ مِنْهُمْ، وَبِالرَّجُلِ مِنَّا الرَّجُلَيْنِ مِنْهُمْ" وربما زادوا على ذلك، وينكحون نساءهم بغير مهورٍ؛ قاله سعيد بن جُبَيْرٍ. يروى أن واحداً من الأشراف قتل له ولد، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، فقالوا له: ما تُرِيدُ؟ فقال: إحدى ثلاثٍ، فقالوا: ما هي؟ قال: إما تُحْيُونَ لِي وَلَدِي، أو تَمْلَئُونَ دَارِي من نُجُومِ السَّمَاءِ، أو تَدْفَعُونَ إليَّ جُملَةَ قَوْمِكُمْ؛ حَتَّى أقْتُلَهُمْ، ثم لا أَرَى أَنِّي أخذت عوضاً. وأمَّا أمر الدِّية، فربمَّا جعلوا دية الشَّريف أضعاف دية الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمَّداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل، وسوَّى بين عباده في حكم القصاص، وأنزل الله هذه الآية. الوجه الثاني: قال السُّدِّيّ: إن قريظة والنَّضير كانوا مع تديُّنهم بالكتاب، سلكوا طريقة العرب، فنزلت الآية. الوجه الثالث: نزلت في واقعة قتل حمزة - رضي الله عنه -. الوجه الرابع: روى محمَّد بن جرير الطبريُّ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وعن الحسن البصريِّ: أن المقصود من هذه الآية الكريمة التسوية بين الحُرَّين والعبدين والأُنثيين في القصاص، فأما إذا كان القاتل للعبد حرًّا، أو للحرِّ عبداً، فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حرٌّ قتل عبداً، فهو قوده، فإن شاء أولياء العبد أن يقتلوا الحرَّ، قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ويردوا إلى أولياء الحر بقيَّة ديته، وإن قتل عبد حراً، فهو به قودٌ، فإن شاء أولياء الحرِّ، قتلوا العبد، وأسقطوا قيمة العبد من دية الحُرِّ، وأدَّوا بعد ذلك إلى أولياء الحُرِّ بقيَّة ديته، وإن شاءوا أخذوا كلَّ الدية، وتركوا كل العبد، وإن قتل رجلٌ امرأة، فهو بها قودٌ، فإن شاء أولياء المرأة، قتلوه، وأدَّوا نصف الدية، وإن شاءوا، أعطوا كلَّ الدية، وتركوها، فالآية الكريمة نزلت لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرَّين، [والعبدين والأنثيين، والذكرين، فأما عند اختلاف الجنس، فالاكتفاء غير مشروع فيه]. فصل في اشتقاق كلمة "القصاص" و"القِصَاصُ": مصدر قَاصَّهُ يُقَاصُّهُ قِصَاصاَ، ومقَاصَّةً؛ نحو: قاتَلْتُهُ قِتَالاً، ومُقَاتَلَةً، وأصله من: قصصت الشيء، اتَّبعت أثره؛ لأنَّه اتباع دم المقتول. قال تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِمَا قَصَصاً}تفسير : [الكهف: 64]، {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ}تفسير : [القصص: 11]، أي: اتبعي أثره، وسمِّيت القصَّة قصَّةً؛ لتتبُّع الخبر المحكيِّ، والقصص تتبُّع أخبار النَّاس، وسمِّي المقصُّ مقصًّا، لتعادل جانبيه، هذا أصل المادَّة. فمعنى القصاص: تتبُّع الدم بالقود، ومنه التقصيص، لما يتبع من الكلأ بعد رعيه، والقصُّ أيضاً: الجصُّ، ومنه "نهيه - عليه السلام - عن تقصيص القبور" أي: تجصيصها. فصل روى البخاريُّ، والنَّسائيُّ، والدَّار قطنيُّ، عن ابن عبَّاس، قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدِّية، فقال الله لهذه الأمَّة: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 178]. والعفو: أن يقبل الدية في العبد: "فَاتبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَداءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ" تتبع بالمعروف، وتؤدي بإِحْسَانٍ، "ذَلِكَ تخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ" مما كتب على من كان قبلكم، {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فمن قتل بعد قبول الدِّية، هذا لفظ البخاريِّ. وقال الشَّعبيُّ في قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} قال: نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقْتَتَلا قتال عمية، فقالوا: نقتلُ بِعَبْدِنَا فُلاَنَ، ابنَ فُلاَنٍ، وَبِأَمَتِنَا فُلانَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ، ونحوه عن قتادة. فصل في المراد بقوله "كتب عليكم" قوله: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ": معناه: "فُرِضُ عَلَيْكُمْ"، فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: أن قوله كتب في عرف الشرع يفيد الوجوب. قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183] وقال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ}تفسير : [البقرة: 180] وقد كانت الوصية واجبة، ومنه الصلوات المكتوبات أي: المفروضات قال عليه السلام: "حديث : ثَلاَثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ " تفسير : والثاني: لفظة "عَلَيْكُمْ" مشعرة بالوجوب؛ لقوله {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97]. والقصاص: أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، فهو عبارة عن التَّسوية، والمماثلة في الجراحات، والدِّيات. وقيل "كُتِبَ" هنا إخبار عمَّا كتب في اللَّوح المحفوظ، وقوله {فِي ٱلْقَتْلَى}، أي: بسبب القتلى، كما تقدَّم؛ فدلَّ ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلاَّ أنَّهم أجمعوا على أنَّ غير القاتل خارجٌ عن هذا الفارق، أمَّا القاتل، فقد دخله التخصيص أيضاً في صورٍ كثيرةٍ؛ وهي ما إذا قتل الوالد ولده، والسَّيِّد عبده، وفيما إذا قتل مسلم مسلماً خطأً، إلاَّ أنَّ العامَّ إذا دخله التخصيص، يبقى حجَّةً فيما عداه. فإن قيل: قولكم: هذا الآية تقتضي وجوب القصاص، فيه إشكالان: الإشكال الأول: لو وجب القصاص، لوجب إمَّا على القاتل، أو على وليِّ الدَّم، أو على ثالثٍ، والأقسام الثلاثة باطلةٌ؛ لأنَّ القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وأمَّا وليُّ الدم، فلا يجب عليه؛ لأنَّ وليَّ الدم يخيَّر في الفعل، والتَّرك، بل هو مندوبٌ إلى التَّرك؛ كقوله {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [البقرة: 237] وأمَّا الثالث: فإنه أجنبيٌّ عن القتيل والأجنبي عن الشيء لا تعلُّق له به. الثاني: أنَّا بيَّنا أن القصاص عبارة عن التَّسوية، وكان مفهوم الآية إيجاب التَّسوية؛ وعلى هذا التقدير: لا تكون الآية دالَّة على إيجاب القتل ألبتَّة، بل تدلُّ على وجوب رعاية التَّسوية في القتل الذي يكون مشروعاً بسبب القتل. والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام، ومن يجري مجراه؛ لأنَّ متى حصلت شرائط وجوب القود، فإنَّه لا يحلُّ للإمام أن يترك القود من المؤمنين، والتقدير: يا أيها الأئمَّة، كتب عليكم استيفاء القصاص، إن أراد وليُّ الدّمِ استيفاءَه. والثاني: أنه خطاب مع القاتل، التقدير: يا أيها القاتلون، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الوليِّ بالقصاص؛ وذلك لأنَّ القاتل ليس له أن يمتنع؛ خلاف الزَّاني والسارق، فإنَّ لهما الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله، فلا يعرفان، والفرق بينهما: أن ذلك حقٌّ لآدميٍّ. والجواب عن الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي التَّسوية في القتل، والتَّسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيحاب الذَّات، فكانت الآية تفيد إيجاب القتل من هذا الوجه. قوله "الحُرُّ بالحُرِّ" مبتدأٌ وخبرٌ، والتقدير: الحُرُّ مأخوذٌ بالحُرِّ، أو مقتول بالحُرِّ، فتقدِّر كوناً خاصًّا، حُذِف؛ لدلالة الكلام عليه؛ فإنَّ الباء فيه للسَّبب، ولا يجوز ان تقدِّر كوناً مطلقاً؛ إذ لا فائدة فيه، لو قلت: "الحُرُّ كائنٌ بالحُرِّ" إلاَّ أن تقدِّر مضافاً، أي: قتل الحرِّ كائن بالحُرِّ، وأجاز أبو حيان: أن يكون الحُرُّ مرفوعاً بفعل محذوف، تقديره: "يُقْتَلُ الحُرُّ بالحُرِّ"؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: {ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}؛ فإن القصاص يشعر بهذا الفعل المقدَّر، وفيه بعدٌ، والحر وصفٌ، و"فُعْلٌ" الوصف، جمعه على "أفْعَالٍ" لا يقاس، قالوا: حُرٌّ وأَحْرَارٌ، ومُرٌّ وأمرار، والمؤنَّثة حُرَّة، وجمعها على "حَرَائِر" محفوظٌ أيضاً، يقال: "حَرَّ الغُلاَمُ يَحَرُّ حُرِّيَّةً". فصل في اختلافهم في اقتضاء الآية الحصر قوله {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ} فيه قولان: الأولى: أنَّها تقتضي ألاَّ يكون القصاص مشروعاً إلاَّ بين الحُرَّين، وبين العبدين، وبين الأُنثيين. واحتجَّ عليه بوجوه: الأول: ان الألف واللام في "الحُرِّ" تفيد العموم؛ فقوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} يفيد أن يقتل كلُّ حرٍّ بالحر، فلو كان قتل حرٍّ بعبد مشروعاً، لكان ذلك الحُرُّ مقتولاً بغير حُرٍّ، وذلك ينافي إيجاب أن يكون كلُّ حرٍّ مقتولاً بالحُرِّ. الثاني: أن "الباء" من حروف الجَرِّ، فتتعلَّق بفعلٍ، فيكون التقدير: يقتل بالحر، والمبتدأ لا يكون أعمَّ من الخبر، بل إمَّا مساوياً له، أو أخصَّ منه، وعلى هذا التقدير فهذا يقتضي أن يكون كلُّ حُرٍّ مقتولاً بالحُرِّ، وذلك ينافي كلَّ حُرٍّ مقتولاً بالعبد. الثالث: أنه تبارك وتعالى أوجب في أول الآية الكريمة رعاية المماثلة، وهو قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى..}، فلما ذكر عقيبة قوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} دلَّ على أن رعاية التَّسوية في الحُرِّيَّة والعبوديَّة معتبرةٌ؛ لأن قوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} خرج مخرج التَّفسير لقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى..}، فإيجاب القصاص على الحُرِّ بقتل العبد إهمال لرعاية التَّسوية؛ فوجب ألاَّ يكون مشروعاً؛ ويؤيِّد ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لاَ يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلاَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ"تفسير : ، فإن أخذ الخصم بقوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}تفسير : [المائدة: 45]، فالجواب من وجهين: أحدهما: هذه الآية شَرْعُ مَنْ قبلنا وليسَ شَرْعاً لَنا، والآيةُ التي نَحْنُ فيها شرْعُنا، فهذا أقوَى في الدَّلالة. والثاني: أن هذه الآية الكريمة مشتملةٌ على أحْكَام النُّفُوس على التفصِيل والتَّخْصيص، وتلك عامَّةٌ، والخاصُّ متقدِّم على العامِّ، ثم قال أَصْحَابُ هذا القَوْل إِنَّ ظاهِر الآية يقتضِي ألاَّ يُقتل العبد بالحرّ ولا تقتل الأنثَى بالذَّكَر، إِلاَّ إِذَا خالَفْنا هذا الظاهر؛ للإجمَاع وللمعنى المستنبطِ من نَسقِ هذه الآية الكريمة، وذلك المعنَى غير موجُود في الحُرِّ بالعَبْد؛ فوجب أَنْ يبقَى هاهنا على ظاهر اللَّفظ، أَمَّا الإجْمَاعُ فظاهرٌ، وَأَمَّا المعنَى المستنبَطُ، فهو أنه لَمَّا قتل العبدُ بالعبدِ، فَلأَنَّ يقتَلَ بالحرِّ الذي هو فوقه أولى، بخلاف الحر، فإنَّه لمَّا قتل بالحرِّ، لا يلزم: أنْ يُقْتَل بالعبد الَّذي هو دونَهُ، وكذا القَوْل في قتل الأنثَى بالذَّكَر، وأَمَّا قتل الذَّكَر بالأُنْثَى، فليس فيه إِلاَّ الإجماعُ. القول الثاني: أَنَّ قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} لا يفيدُ الحَصْر، بل يفيد شَرْع القِصَاص بيْن الذُّكُور من غير أن يكُون فيه دَلالَةٌ على سائر الأقسامِ؛ واحتجُّوا عليه بوجهين: الأول: أنَّ قوله: {وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} يقتضي قِصَاص المرأة الحُرَّة بالمرأة الرقيقَةِ، فلو كان قوله {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ..} مانعاً من ذلك، لوقع التناقض. الثاني: أنَّ قولَهُ تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى..} جملةٌ تامَّة مستقلَّةٌ بنَفْسها. وقوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} تخصيصٌ لبعض الجزئيَّاتِ بالذِّكْر، وتخصيص بعض الجزئيَّات بالذِّكِر لا يمنع مِنْ ثُبُوت الحُكْم؛ كسَائِر الجزئيَّات، وذلك التخصيصُ يمكنُ أنْ يكُون لفائدةٍ سوى نَفْي الحُكْم عن سائِرِ الصُّور، ثم اختلَفُوا في تلك الفَائدة، فذكَرُوا فيها وجهين: الأول: وعَليْه الأكْثَرُونَ: أَنَّ فائدته إِبطالُ ما كان علَيْه الجاهليَّةُ من أنهم كانوا يقتُلُون بِالَعَبْدِ منهم الحُرَّ من قبيل القَاتِل، ففائدةُ التخصيص زجْرُهُم عن ذلك، وللقائلين بالقَوْلِ الأَوَّل: أَنْ يقولُوا: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} يمنَعُ مِنْ جواز قَتْل الحرِّ بالعبد، لأَنَّ القِصَاص عبارةٌ عن المُساواة، وقتل الحُرِّ بالعبد لم يحصُلْ فيه رعايةُ المُسَاواة، لأَنَّهُ زائدةٌ علَيْه في الشَّرف، وفي أهليَّة القضاء، والإِمامة، والشهادَة؛ فوجب ألاَّ يُشْرعَ، أقْصَى ما في البَاب أنه ترك العَمَل بهذا النَّصِّ في قتْل العَالِمِ بالجاهِل، والشَّريف بالخَسِيس بالإجْماع إِلاَّ أَنَّهُ يبقَى في غير محلِّ الإجماع على الأَصلِ، ثم إِنْ سلَّمنا أنَّ قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى..} يوجِبُ قتْل الحر بالعَبْد، إِلاَّ أنَّا بَينَّا أنَّ قوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} يمنَعُ مِنْ جواز قَتْل الحُرّ بالعبد؛ لأَنَّ هذا خاصٌّ، وما قبله عامٌّ، والخاصُ مقدَّم على العامِّ، ولا سيَّما إِذَا كان الخاصُّ متَّصلاً بالعامٌ في اللَّفْظِ، فإنه يكون بمنزلة الاستثناءِ، ولا شَكَّ في وُجُوب تقديمة على العامِّ. الوجه الثاني: من بيان فائدَة التَّخصيص: نَقَلهُ محمَّد بنُ جَرِيرٍ، عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسَن البصريِّ: أنَّ هذه الصُّور هي التي يكْتَفي فيها بالقصاصِ، وفي باقي الصُّور، أَعْنِي: القِصَاصَ بين الحرِّ والعبد، وبين الذَّكر والأُنثَى، لا يكتفي فيها بالقِصَاص، بل لا بُدَّ من التراجع، إلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ المحقِّقين زعم أنَّ هذا النَّقل لم يصحَّ عن عليٍّ - رضي الله عنه - وهو أيضاً ضعيفٌ عند النَّظَر لأَنَّه قد ثبت أَنَّ الجماعَةَ تُقْتَل بالواحِدِ، ولا تراجع، فكذلك يُقْتَل الذَّكَر بالأُنْثَى، ولا تَرَاجُع. قوله "فَمَنْ عُفِيَ" يجوز في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أن تكون شرطيَّةً. والثاني: أن تكون موصولةً، وعلى كلا التقديرين، فموضعها رفعٌ بالابتداء؛ وعلى الأَوَّل: يكون "عُفِيَ" في محلِّ جزم بالشَّرط؛ وعلى الثَّاني: لا محلَّ له، وتكون الفاء واجبةً في قوله: "فَاتِّبَاعٌ" على الأوَّل، ومحلُّها وما بعدها الجَزم وجائزةٌ في الثَّاني، ومحلُّها وما بعدها الرفع على الخبر، والظاهر أَنَّ "مَنْ" هو القاتِلُ، والضمير في "لَهُ وأخيه" عائدٌ على "مَنْ" و "شيء" هو القائِمُ مقام الفاعل، والمرادُ به المصدر، وبني "عُفِيَ" للمفعول، وإِنْ كان قاصراً؛ لأن القاصر يتعدَّى للمصدر؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ}تفسير : [الحاقة: 13]، والأخ هو المقتولُ، أو وليُّ الدم، وسمَّاه أخاً للقاتِل؛ استعطافاً علَيْه، وهذا المصدر القائمُ مقام الفاعل المرادُ به الدَّمُ المعفُوُّ عنه، و"عُفِيَ" يتعدّى إلى الجاني، وإلى الجناية بـ"عَنْ"؛ تقول: "عَفَوْتُ عَنْ زَيْدٍ، وعَفَوْتُ عَنْ ذَنْبِ زَيْدٍ" فإذا عدي إليهما معاً، تعدَّى إلى الجاني بـ"اللام"، وإلى الجناية بـ"عَنْ"؛ تقول "عَفَوْتُ لِزَيْدٍ عَنْ ذَنْبِهِ"، والآية من هذا الباب، أي: "فمَنْ عُفِيَ له عَنْ جنايتِهِ" وقيل: "مَنْ" هو وليُّ أي مَنْ جُعِلَ له من دم أخيهِ بدلُ الدمِ، وهو القِصَاص، أو الدِّيَةُ، والمرادُ بـ"شَيْءٌ" حينئذٍ: ذلك المستَحَقُّ، والمرادُ بـ"الأخ" المقتولُ، ويحتمل أنْ يرادَ علَى هذا القول أيضاً: القاتِلُ، ويراد بالشيءِ الديةُ، و"عُفِيَ" بمعنى: ["يُسِّرَ" على هذين القولَيْن، وقيل: بمعنى "تُرِكَ". وشَنَّعَ الزَّمْخَشرِيُّ على مَنْ فَسَّر "عُفِيَ"] بمعنى "تُرِكَ" قال: فإنْ قُلْتَ: هَلاَّ فسَّرْتَ "عُفِيَ" بمعنى "تُرِكَ"؛ حتى يكون شَيْءٌ في معنى المفعُول به. قلْتُ: لأنَّ: "عَفَا الشَّيْء" بمعنى تركَهُ، ليْس يثبُتُ، ولكنْ "أَعْفَاهُ"، ومنه: "وَأَعْفُوا اللِّحَى"، فإنْ قُلتَ: قد ثَبَتَ قولُهُمْ: "عَفَا أَثَرَه" إِذَا مَحَاهُ وأَزَالَهُ، فهلاَّ جَعْلتَ معْنَاه: "فَمَنْ مُحِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء" قلْتُ: عبارةٌ قلقةٌ في مكَانها، والعفُو في بابِ الجناياتِ عبارةٌ متداولَةٌ مشهُورة في الكتَاب والسُّنةِ، واستعمال النَّاس، فلا يُعْدَلُ عنها إلى أخرَى قلقةٍ نابيةٍ عنْ مكانها، وَتَرَى كثيراً ممن يتعاطَى هذا العلْمَ يجترىءُ إِذَا أعْضلَ علَيْه تخريجُ وجْهٍ للمشْكِلِ من كلام الله تعالى على اختراعٍ لُغةٍ، وإدِّعاءٍ على العرب ما لَمْ تعرْفهُ، وهذا جُزأةٌ يستعاذ بالله منها. قال أَبُو حَيَّان: إذا ثَبَتَ أنَّ "عَفَا" بمعنى "مَحَا" فَلاَ يَبْعُدُ حَمْلُ الآية علَيْه، ويكون إسناد "عَفَا" لمرفوعِهِ [إسناداً حقيقياً؛ لأنَّهُ إِذْ ذاكَ مفعولٌ به صريح، وإذا كان لا يتعدَّى كان إسناده لمرفوعِهِ] مجازاً؛ لأنَّه مَصْدَرٌ مشبَّهٌ بالمفعول به، فقد يتعادَلُ الوجْهَان؛ أَعْنِي: كوْنَ "عَفَا" اللاَّزم لشهرته في الجنايات، و"عَفَا" المتعدِّي بمعنى "مَحَا" لتعلُّقه بمرفوعِهِ تعلُّقاً حقيقياً. فإن قيل: تضَمّن "عَفَا" معنى تَرَكَ. فالجوابُ: أنَّ التَّضمين لا يَنْقَاسُ، وقد أَجَازَ ابن عطيَّة - رحمه الله - أن يكون "عَفَا" بمعنى "تَرَكَ". وقيل إِنَّ "عُفِيَ" بمعنى فُضِلَ، والمعنَى: فَمَنْ فضل له من الطائفَتَيْن على الأُخْرَى شيءٌ من تِلْك الدِّيات؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَفَاء الشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ، وَأَظْهَرُ هَذه الأقْوَالِ أوَّلُهَا. فصل اعلم أَنَّ الذَّين قالُوا: يوجب العَهْد أحد أمرَين: إِمَّا القِصَاص، وَإِمَّا الدِّيَة: تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: الآيةُ تدُلُّ على أَنَّ فيها عافياً ومَعفوًّا عَنْه، وليسَ هاهنا إلاَّ وَلِيُّ الدمِ، والقاتلُ، فيكون العافِي أحدَهُما، ولا يجوزُ أن يكونَ القاتلَ لأَنَّ ظاهر العْفو هو إسقاطُ الحقِّ، وذلك إنَّما يتأتَّى من الوليِّ الذي له الحقُّ على القاتل، فصار تقديرُ الآية: فإذا عَفَى وَلِيُّ الدَّم عن شيءٍ يتعلَّق بالقاتِلِ، فليتبع القاتلُ ذلك العفو بمَعْروف. وقوله "شيء" مبهمٌ، فلا بدَّ من حمله على المذكُور السَّابق، وهو وجوب القِصَاصِ؛ إزالةً للإبهام، فصار تقدير الآية: إِذَا حصَلَ العْفُو للقاتلِ عن شيءِ فلْيُتْبع القاتِلُ العَافِيَ بالمَعْروف، والأداء إِلَيْه بالإِحْسَان. وبالإجْماع لا يجبُ أداءُ غيْر الدِّية؛ فوجب أن يكُون ذلك الواجبُ، هو الدِّيةَ؛ وهذا يدلُّ على أنَّ موجِبَ العمد هو القَوَد، أو المال؛ إِذْ لو لم يكُنْ كذلك، لما كان واجباً عنْد العفو عن القَودِ، والله تعالى أعلَمُ. ومما يؤكِّد هذا قولُه تعالى: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}، أي أثبَتَ الخيارَ لَكُمْ في أخْذ الدية، والقِصَاص؛ رحمةً عَلَيْكُم، لأَنَّ الحُكم في اليَهُود حتْمُ القِصَاصِ، والحُكمَ في النَّصَارَى حتمُ العفوِ؛ فخفّف عن هذه الأمَّة، وشَرَع لهم التخييرَ بين القِصَاص، والعَفْوِ، وذلك تخفيفٌ من الله ورحمةٌ في حقِّ هذه الأمَّة؛ لأنَّ وليَّ الدم قد تكون الديةُ عنْده آثَرَ مِن القَوَدِ، إذا كان محتاجاً، وقد يكون القَوَدُ عنده آثَرَ، إذا كان راغباً في التشفِّي، ودفْع شر القاتلِ عنْ نَفْسهِ، فجعل الخِيَرةَ فيما أحبَّهُ؛ رحمةً من الله في حقِّه. فَإِنْ قيل: لا نسلِّم أَنَّ العافِيَ هو وليُّ الدمِ، والعفو إسقاطُ الحقِّ، بل المراد من قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي فمَنْ سَهُلَ له مِنْ أخيه شيءٌ، يقال: أتَانِي هذا المالُ عَفْواً صَفْواً، أي: سهلاً، ويقال: خُذْ ما عُفِيَ، أي: ما سَهُلَ؛ قال تبارك وتعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ}تفسير : [الأعراف: 199]، فتقديرُ الآيةِ: فمَنْ كان من أولياءِ الدَّم، وسَهُلَ له مِنْ أخيه الَّذي هو القاتِلُ شيءٌ من المالِ، أو سَهُلَ له من جهة أخِيه المَقْتُولِ، أي: بسب أخِيهِ المَقْتُولِ، فإِمَّا أن يكون أخَاه حقيقةً، وإِمَّا أن تكون قرابَتُهُ غيْر الأخوَّة، فسمَّاه أخاً مجازاً؛ كما سمَّى المقتول أخاً للقاتل، والمراد: فمن كان من أولياء الدم وسَهَّلَ، فليتبعْ وليُّ الدم ذلك القاتِلَ في مطالَبَةِ ذلك المالِ، وليؤدِّ القاتلُ إلى وَلِيِّ الدَّم ذلك المال بالإحْسَان؛ منْ غَيْر مطل، ولا مدافعة، فيكون معنَى الآيَةِ؛ على هذا التقدير: "إنَّ الله تعالى حَثَّ الأَوْلِيَاءَ، إِذَا دُعُوا إلى الصُّلْحِ من الدَّمِ على ديتهِ كُلِّها، أو بَعْضها: أَنْ يرضَوْا بِهِ؛ ويعْفُوا عن القَوَد. سلَّمنا أن العَافِيَ هو وَلِيُّ الدم، لكن لا يجوز أن يقال: المرادُ هو أن يكون القِصَاصَ مشتركاً بين شريكَيْن؛ فيعفُو أحدهما فحينئذٍ ينقلب نصيبُ الآخَرِ إلى الدِّية، والله تعالى أَمَرَ الشريكَ السَّاكت باتِّباعَ القاتلِ بالمَعْروف، وأمر القاتل بالأداء إِلَيْه بإِحْسَان. سلَّمنا أن العافِيَ هو وليُّ الدم، سواءٌ كان له شريكٌ، أوْ لمَ يكُنْ لِمَ لا يَجُوز أن يُقَالَ إن هذا مَشْروطٌ بِرضا القاتِلِ إِلاَ أَنَّه تبارك وتعالى لم يذكُر رضا القاتِل؛ لأنه ثابتٌ معروفٌ لا محالة، لأَنَّ الظاهر مِنْ كلِّ عاقلٍ أنَّه يبذلُ كلَّ الدنيا لَغَرَضِ دَفْع القَتْل عن نَفْسه؛ لأَنَّهُ إِذَا قتل لا يبقَى له نفْسٌ ولا مالٌ، وبذل المال فيه إحياءُ النَّفْسِ، فَلَمَّا كان هذا الرضا حاصلاً في الأَعَمِّ الأغلَبِ، لا جَرَمَ ترك ذكْره، وإن كان معتبراً في نَفْس الأَمْر. فالجواب أَنَّ حمل لفظ "العفوِ" هنا على إسقاط القِصَاص أولىَ منْ حَمله على دَفع القاتل المالَ إلى وليِّ الدمِ؛ مِنْ وجهين: الأوَّل: أنَّ حقيقة العفوِ إِسْقاط الحقِّ؛ فوجب ألاَّ يكونَ حقيقةً في غيره؛ دفعاً للاشتراك، وحَمْلُ اللفظ هنا على إِسْقاط الحقِّ أَولى من حمْله على ما ذكَرتمِ؛ لأَنَّه لَمَّا قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}، كان حمل قولِهِ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} على إسقاط حقِّ القصاص أَوْلَى؛ لأنَّ قوله "شَيْءٌ" لفظ مبهمٌ، وحمل هذا المبْهَم علَى ذلك المعيَّن المذكور السَّابقِ أَوْلَى. الثاني: لو كان المرادُ بـ"العَفْو" ما ذكَرتم، لكان قوله {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} عبثاً؛ لأنَّ بَعْد وُصُول المالِ إِلَيْه في السُّهولة واللِّين، لا حاجة به إلَيْه، ولا حاجَةَ بذلك المُعْطَى أنْ يؤمر بأداء ذلك المَالِ بالإِحْسَان. والجواب عن الثاني مِنْ وجهين: الأَول: أنَّ ذلك الكلام: إِنَّمَا يتمشَّى بفَرض صُورةٍ مخْصُوصة، وهي ما إذا كان حَقُّ القِصَاصِ مشتركاً بين اثنين، فعفا أحدهما وسكت الآخرُ، والآيَةُ دالَّة على شرعيَّة هذا الحُكْمِ على الإِطْلاقَ، فَحَمْلُ اللَّفْظ المطْلَقِ علَى صُورة خاصَّة مقيَّدة خلافُ الظاَّهر. الثاني: أن الهاء في قوله {وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} ضميرٌ عائدٌ إلى مذكور سابقٍ، وهو العافِي، فوجَبَ أداء هذا المال إلى العَافِي، وعلى قولكم: يكون أداؤه إلى غيْر العافي فيكون باطلاً. والجوابُ عن الثَّالث: أنَّ توقيفَ ثُبُوتِ أَخْذِ الدِّية وقبول ذلك لوليِّ الدم، على اعتبار رضا القاتلِ يُخَالِفُ الظَّاهر، وهو غَيْرُ جائزٍ. فصل قد تَقَدَّمَ أن تقدِيرَ الآية الكريمة يَقْتَضِي شَيْئاً من العَفو، وهذا يُشْكِلُ إِذَا كان الحقّ ليسَ إلا القَوَد فَقَط، فإنَّهُ يقال: القَوَدُ لا يتبعَّض، فأما إذا كان مجموعُ حقِّه، إِمَّا القَودَ وَإِمَّا المَالَ؛ كان مجموعُ حقِّه متبعِّضاً؛ لأنَّ له أنْ يعفو عن القَود دون المال وله أن يعفُو عن الكُلِّ.؟ وتنكير الشَّيء يفيد فائدةً عظيمةً؛ لأَنَّهُ كان يجوز أن يتوهم أنَّ العفو لا يؤثِّر في سَقُوط القَوَدِ، وعفو بعض الأولياءَ عَنْ حقِّه؛ كعَفْو جميعهم عَنْ حقِّهم، فلو عرَّف الحقَّ، كان لا يفهم منْه ذلك، فَلَمَّا نكَّره، صار هذا المعْنَى مفهوماً منه. فصل في دلالة الآية على كون الفاسق مؤمناً نقل أن ابن عبَّاس تمسَّك بهذه الآية في كَوْن الفاسِق مؤمناً مِنْ ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه تعالى سمَّاه مؤمناً، حال ما وجَبَ القِصَاص علَيْه: وإِنَّما وجب القِصَاصُ عليه إذا صدر القتل العمدُ العدوان، وهو بالإِجْماع من الكبائرِ؛ فدلَّ على أن صاحِبَ الكبيرةِ مؤمنٌ. وثانيها: أنَّه أثْبَتَ الأخوَّة بيْن القاتل، وبيْن وليِّ الدم، ولا شَكَ أنَّ هذه الأخوَّة تكُون بسَبَب الدِّينِ، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10] فلولا أَنَّ الإيمَانَ باقٍ مع الفسقِ، وإلاَّ لما بقِيت الأخوَّة الحاصلةُ بسبب الدين. وثالثها: أنه تبارك وتعالى نَدَبَ إلى العَفْو عن القاتِلِ، والندب إلى العَفْو، إِنَّما يليقُ بالمؤمن. أجابت المعتزلة عن الأَوَّل: فقالوا: إِنْ قلْنا: المخاطبُ بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} هم الأَئمَّةُ، فالسُّؤالُ زائلٌ: وإِنْ قلْنا: هُمُ القاتِلُون، فجوابُهُ مِنْ وجهين: أحدهما: أن القاتل قبل إقدامِهِ على القَتْل، كان مؤمناً فسمَّاه الله تعالى مؤْمناً بهذا التأويل. الثاني: أن القاتل قد يَتُوب، وعنْد ذلك يكُونُ مؤمناً، ثم إِنَّه تعالَى أَدْخَلَ فيه غير التائبِ تغليباً. وأجابُوا عن الثَّاني بوجوه: الأوَّل: أَنَّ الآية نزلَتْ قبل أن يقتل أحدٌ أحداً، ولا شكَّ أَنَّ المؤمنين إخوةٌ قبْل الإقدام على القَتْل. والثاني: الظاهر أنَّ الفاسق يتوبُ، أو نَقُول: المرادُ الأخُوَّة بيْن وليِّ المقتول والقتيل؛ كما تقدَّم. الثالث: يجوز أن يكون جعلُه أخاً له في الكتاب؛ كقوله: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}تفسير : [الأعراف: 65]. الرابع: أنَّه حصَلَ بيْن وليِّ الدمِ، وبيْن القاتل نوعٌ تعلُّق واختصاصٍ، وهذا القَدْرُ يكْفِي في إِطلاق اسْمِ الأُخُوَّة، كما نقول للرجُل: قلْ لصاحبك كذا، إِذَا كان بينهما أَدنَى تعلُّق. الخامس: ذكر لفْظ الأخُوَّة؛ ليعْطِف أحدَهُما على صاحبه بِذِكْره ما هو ثابتٌ بينهما من الجنسيَّة. وعن الثَّالث: أنَّه ندبه لما بينهما من أصل الإقرار والاعتقاد. والجوابُ: أنَّ هذه الوجوه كُلَّها تقتضِي تقْييدَ الأخُوَّة بزمانٍ دون زمانٍ، وبصفَةٍ دون صفةٍ، والله تعالى أَثْبَتَ الأخوَّةَ على الإطْلاق، وهذا الجوابُ لا يردُّ ما ذكَرُوه في الوَجْه الثاني مِنْ قولهم: المرادُ بالأخُوَّة الَّتي بيْن وليِّ الدم والمقتولِ؛ كأنه قيل: "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ بسبب أخِيه المَقتُول شَيْء والمراد: الدِّيَةُ: فَلْيَتَّبعْ وليُّ الدَّم القاتلَ بالمعروف، وَلأْيُؤَدِ القاتلُ الديةَ إلى وَلِيِّ الدَّمِ بإحسان؛ وحينئذ يحتاجُ هذا إلى جوابٍ. قوله: {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} في رفْع "اتِّبَاعٌ" ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، فقدره ابن عطيَّة - رحمه الله تعالى - والواجبُ الاتباعُ وقدَّره الزمخشريُّ: "فالأَمْر اتِّباعٌ".؟ قال ابن عطيَّة: وهذا سبيلُ الواجباتِ، وأَمَّا المندوبات، فتجيء منصوبةً؛ كقوله {أية : فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ}تفسير : [محمد: 4] قال أبو حيَّان: ولا أدري ما الفَرْق بين النَّصْب والرفع، إلاَّ ما ذكروه من أَنَّ الجملة الاسمية أثبَتُ وآكد؛ فيمكن أن يكُونَ مستند ابن عطيَّة هذا، كما قالوا في قوله: {أية : قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ}تفسير : [هود: 69]. الثاني: أن يرتفع بإضمار فعل، وقدره الزمخشري: "فليكن اتباعٌ" قال أبو حيَّان: هو ضعيفٌ؛ إِذْ "كَانَ" لا تضمَرُ غالباً إلاَّ بعد "إِن" الشَّرطيَّة و"لَوْ"؛ لدليلٍ يَدُلُّ عليه. الثالث: أن يكُونَ مبتدأً محذوفَ الخبر، فمنهم: مَنْ قَدَّرَهُ متقدِّماً عليه، أي: "فعلَيْهِ اتباعٌ" ومنهم: مَنْ قدَّره متأخِّراً عنه، أي: "فَاتِّباعٌ بالمَعْرُوفِ علَيْه". قولُهُ "بِالمَعْرُوفِ" فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أن يتعلَّق بـ"اتِّبَاعٌ" فيكون منصوبَ المحلِّ. الثاني: أن يكونَ وصْفاً لقوله" اتِّبَاعٌ" فيتعلَّق بمحذوف ويكون محلُّه الرفْعَ. الثالث: أَنْ يكون في محلِّ نصب على الحال مِنَ الهاء المحذُوفة، تقديرُهُ: "فعلَيْهِ اتِّباعُهُ عادلاً" والعاملُ في الحالِ معْنَى الاسْتِقْرار. قولُهُ "وَأدَاء إِلَيْهِ بإحْسَانٍ" في رفعه أربعةُ أوجُه، الثلاثة المقولةُ في قوله: فاتِّبَاعٌ؛ لأنَّه معطوف علَيْه. [والرابع: أنْ يكونَ مبتدأً خبره الجارُّ والمجرورُ بَعْده، وهو "بإِحْسَانٍ"، وهو بعيدٌ، و"إِلَيْهِ" في محلِّ نصْبٍ؛ لتعلُّقِهِ بـ"أداءٌ"، ويجوز أن يكونَ في محلِّ رفْع؛ صفةً لـ"أداءٌ" فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: و"أَدَاءٌ كَائِنٌ إلَيْهِ". و"بِإِحْسَانٍ" فيه أربعةُ أوجهٍ: الثلاثة المقولة في "بِالمَعْرُوفِ"]. والرابع: أَنْ يكون خبر الأداء، كما تقدَّم في الوجه الرابع من رفع "أَدَاءٌ". والهاء في "إِلَيْهِ"، تعود إلى العافي، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، لأَنَّ "عَفَا" يستلزمُ عافياً، فهو من باب تَفْسِير الضمير بمصاحبٍ بوجْهٍ ما، ومنه {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [ص: 32] أي: الشمس؛ لأن في ذكر "العَشِيِّ" دلالةً عليها؛ ومثله: [الطويل] شعر : 918 - فَإِنَّكَ وَالتَّأْبِينَ عُرْوَةَ بَعْدَمَا دَعَاكَ وَأَيْدينَا إِلَيْهِ شَوَارعُ لَكَّالرَّجُلِ الْحَادِي وَقَدْ تَلَعَ الضُّحَى وَطَيْرُ المَنَايَا فَوْقَهُنَّ أَوَاقِعُ تفسير : فالضميرُ في "فَوْقَهُنَّ" للإِبِلِ؛ لدلالة لَفْظ "الحَادِي" عليها؛ لإِنَّهَا تصاحبُهُ بوجه مَّا. فصل قال ابنُ عبَّاس، والحَسَنُ وقتادةُ، ومجاهد: على العَافِي الاتباعُ بالمَعْروف، وعلى المَعْفُوِّ الأَدَاء إِلَيْه بإحسان. وقيل هما على المَعْفُوِّ عنه، فإنَّه يُتْبع عفو العافِي بمعروفٍ، فهو أَداءُ المعروفِ إليه بإحسان، والاتباعُ بالمعروف: ألاَّ يشتدَّ في المطالبة، بَلْ يجري فيها على العادَةِ المألُوفَة فإنْ كان مُعْسِراً، أنْظَرَه، وإن كان واجداً لغَيْر المالِ، فلا يطالبه بزيادة على قدر الحَقِّ، وإن كان واجداً لغير المال الواجبِ، فيمهله إلى أن يبيع، وأن يستبدل وألاَّ يمنعه تقديم الأهمِّ من الواجبات، فأَمَّا الداء إلَيه بإحسان فالمراد به: ألاَّ يَدَّعِيَ الإِعدامَ في حال الإِمكانِ، ولا يؤخِّره مع الوجُود، ولا يقدِّم ما ليس بواجِبٍ عليه، وأن يؤدي المالَ ببشْرٍ، وطلاقةٍ، وقولٍ جميلٍ. ومذْهبُ أكثر العُلَمَاءِ، والصحابةِ، والتابعين: أّنَّ وليَّ الدم، إِذَا عَفَا عن القصاصِ على الدِّية، فله أَخْذُ الدية، وإِنْ لم يرْضَ القَاتِلُ. وقال الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وأصحاب الرأي: لا دِيَةَ له، إلاَّ برضى القاتل. حجَّة القول الأَوَّل: قوله - صلى الله عليه وسلم-: "حديث : مَنْ قُتِلَ له قَتِيل، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمَّا أَنْ يفدِي ". تفسير : قولُهُ: "ذَلِكَ تَخْفِيف" الإِشارةُ بذلك إلى ما شَرَعه من العَفْو، والدية؛ لأنَّ العَفْو، وأَخذَ الدِّيَةِ محرَّمان عَلى أهْل التَّوْرَاة، وفي شَرْع النَّصَارَى العفْو فقَطْ، ولم يكُنْ لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمَّة بيْن القصاص، وبيْن العَفْو على الدِّيَة تخفيفاً منه ورحمةً. وقيل إِنَّ قولَهُ: "ذَلِكَ" راجعٌ إلى قوله {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} و "مِنْ رَبِّكُم" في محلِّ رفْعٍ؛ لأَنَّهُ صفةٌ لما قبله، فيتعلَّق بمحذوف. ورَحْمَةٌ صفتُها محذوفةٌ أيضاً، أي: "رحْمَة مِنْ رَبِّكُمْ". قوله "فَمَن اعْتَدَى" يجوز في "مَنِ" الوجهانِ الجائزانِ في قولِهِ "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ" من كونِها شرطيَّةً وموصولَةً، وجميعُ ما ذكر ثَمَّةَ يعودُ هنا. فصل قال ابنُ عبَّاس: "اعْتَدَى"، أي: جاوز الحَدَّ إلى ما هو أكْثَرُ منْه، قال ابن عبَّاس، وقتادة، والحسن: هو أن يَقْتُلَ بَعْد العَفْوِ، وأخذ الدِّية، وذلك أنَّ الجاهليَّة كانوا إذا عَفَوْا، وأَخَذُوا الدية، ثم ظَفِرُوا بالقاتل، قَتَلُوه، فنهى الله عن ذلك في قوله {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وفيه قولان: أشهرهُما: أنه نوعٌ من العذابِ شديدٌ الألمِ في الآخِرةِ. والثاني: روي عَنْ قتادَة، والحَسَن، وسعيد بن جبير: هو أن يقتل لا محالة، ولا يَعْفُو عَنْه، ولا يقبل منه الدِّية؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : لاَ أُعَافِي أَحَداً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ " تفسير : قال القرطبيُّ منْ قَتَلَ بَعْد أخْذ الدِّية؛ كَمَنْ قَتَلَ ابتداءً، إنْ شاء الوليُّ قَتَلَه وإِنْ شاءَ، عفا عنه، وعذابه في الآخر، وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ وجماعةٍ. وقال قتادةُ وعكْرمةُ، والسُّدِّيُّ، وغيره: عذابُه أن يقتل الْبَتَّةَ، ولا يمكن الحاكمُ الوليَّ من العَفْو. قال ابن الخَطِيب وهذا القَولُ ضعيفٌ؛ لأن المفهُوم من العذاب الأَليم عنْد الإطلاق هو عذابُ الآخرة، وأيْضاً: فإِنَّ القَوَدَ تارةً يكُونُ عذاباً؛ كما هو في حقِّ غير التائب، وتارةً يكُون امتحاناً؛ كما في حقِّ التائب، فلا يصحُّ إِطْلاٌقُ العذابِ علَيْه إلاَّ في وجه دُونَ وجْهٍ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإِسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى بالعبد من الحر منهم، وبالمرأة من الرجل منهم، فنزل فيهم ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‏} ‏ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله ‏{أية : ‏النفس بالنفس}‏تفسير : ‏[‏المائدة: 45‏]‏ فجعل الأحرار في قصاص سواء فيما بينهم من العَمْد رجالهم ونساؤهم في النفس وما دون النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد النفس وما دون النفس رجالهم ونساؤهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال‏:‏ نزلت هذه الآية في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يقتل بعبدنا فلان ابن فلان، ونقتل بأمتنا فلانة بنت فلانة‏.‏ فأنزل الله ‏{‏الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‏}‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي مالك قال‏:‏ كان بين حيين من الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر الطول، فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية ‏{‏الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ نسختها ‏{أية : ‏النفس بالنفس‏}تفسير : ‏[‏المائدة: 45‏]‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ لم يكن لمن كان قبلنا دية إنما هو القتل والعفو، فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم، فكانوا إذا قتل من الكثير عبد قالوا‏:‏ لا نقتل به إلا حراً، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا‏:‏ لا نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله ‏ {‏الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وأبو القاسم الزجاجي في أماليه والبيهقي في سننه عن قتادة في الآية قال‏:‏ كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي منهم إذا كان فيهم عدد فقتل لهم عبداً عبد قوم آخرين فقالوا‏:‏ لن نقتل به إلا حراً تعززاً وتفضلاً على غيرهم في أنفسهم، وإذا قتلت لهم أنثى قتلتها امرأة قالوا‏:‏ لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بالعبد إلى آخر الآية، نهاهم عن البغي، ثم أنزل سورة المائدة فقال ‏{أية : ‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏}‏ تفسير : [‏المائدة: 45‏] الآية‏.‏ وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس ‏ {‏الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‏}‏‏ .‏ قال‏:‏ نسختها ‏{‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏} الآية‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن عفي له‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس ‏ {‏فمن عفي له‏} ‏ قال‏:‏ هو العمد يرضى أهله بالدية ‏ {‏فاتباع بالمعروف‏}‏ أمر به الطالب ‏{وأداء إليه بإحسان‏}‏ قال‏:‏ يؤدى المطلوب بإحسان ‏{‏ذلك تخفيف من ربكم ورحمة‏}‏ مما كان على بني إسرائيل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {‏فمن عفي له من أخيه شيء‏} ‏ بعد أخذ الدية بعد استحقاق الدم وذلك العفو ‏{‏فاتباع بالمعروف‏} ‏ يقول‏:‏ فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ‏{‏وأداء إليه بإحسان‏} من القاتل في غير ضرر ولا فعلة المدافعة ‏{ذلك تخفيف من ربكم ورحمة‏} ‏ يقول‏:‏ رفق‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة ‏ {‏كتب عليكم القصاص في القتلى‏}‏ إلى قوله ‏ {‏فمن عفي له من أخيه شيء‏}‏ فالعفو أن تقبل الدية في العمد ‏{‏فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان‏}‏ يتبع الطالب بالمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ‏ {‏ذلك تخفيف من ربكم ورحمة‏} ‏ مما كتب على من كان قبلكم ‏ {‏فمن اعتدى بعد ذلك‏} ‏ قتل بعد قبول الدية ‏ {‏فله عذاب أليم‏}‏‏ .‏ وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ كانت بنو إسرائيل إذا قتل فيهم القتيل عمداً لا يحل لهم إلا القود، وأحل الله الدية لهذه الأمة، فأمر هذا أن يتبع بمعروف، وأمر هذا أن يؤدي بإحسان {‏ذلك تخفيف من ربكم‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ كان على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ليس بينهم دية في نفس ولا جرح، وذلك قول الله ‏{أية : ‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏تفسير : ‏[‏المائدة: 45‏]‏ الآية‏.‏ فخفف الله عن أمة محمد، فجعل عليهم الدية في النفس وفي الجراحة، وهو قوله ‏ {‏ذلك تخفيف من ربكم‏ ورحمة}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير والزجاجي في أماليه عن قتادة في قوله ‏ {‏ورحمة‏} ‏ قال‏:‏ هي رحمة رحم الله بها هذه الأمة أطعمهم الدية وأحلها لهم ولم تحل لأحد قبلهم، فكان في أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو ليس بينهما أرش، فكان أهل الإِنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة القتل والعفو الدية إن شاؤوا أحلها لهم ولم يكن لأمة قبلهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: من أصيب بقتل أو جرح فإنه يختار إحدى ثلاث:‏ إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها أبداً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فمن اعتدى بعد ذلك‏}‏ بأن قتل بعد أخذه الدية ‏{‏فله عذاب أليم‏}‏ قال‏:‏ فعليه القتل لا يقبل منه الدية، وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سمويه في فوائده عن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير الحسن في قوله ‏{‏فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم‏} ‏ قال‏:‏ كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلاً ينضم إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية، فيخرج الفار وقد أمن في نفسه فيقتله ويرمي إليه بالدية، فذلك الاعتداء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة‏.‏ في رجل قتل بعد أخذ الدية قال‏:‏ يقتل، أما سمعت الله يقول ‏{‏فله عذاب أليم‏}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا} شروعٌ في بـيان بعض الأحكامِ الشرعية على وجه التلافي لما فرَط من المُخِلّين بما ذكر من أصول الدين وقواعدِه التي عليها بُنيَ أساسُ المَعاش والمَعاد {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} أي فُرض وأُلزم عند مطالبةِ صاحبِ الحق فلا يقدَحُ فيه قدرةُ الوليِّ على العفو، فإن الوجوبَ إنما اعتُبر بالنسبة إلى الحكّام أو القاتلين {ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} أي بسبب قتلِهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن امرأةً دخلت النارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْها»تفسير : أي بسبب ربطها إياها {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} كان في الجاهلية بـين حيَّـيْنِ من أَحياء العربِ دماءٌ وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر فأقسموا لنقتُلَنَّ الحرَّ منكم بالعبد والذكرَ بالأنثى فلما جاء الإسلامُ تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. فأمرهم أن يتباوَؤُا وليس فيها دِلالةٌ على عدم قتل الحرِّ بالعبد عند الشافعي أيضاً لأن اعتبارَ المفهومِ حيث لم يظهر للتخصيص بالذكر وجهٌ سوى اختصاصِ الحُكم بالمنطوقِ. وقد رأيتَ الوجهَ ههنا وإنما يتمسك في ذلك هو ومالكٌ رحمهما الله بما روىٰ عليٌ رضي الله عنه أن رجلاً قتل عبدَه فجلده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنةً ولم يُقِدْه، وبما رُوي عنه رضي الله عنه أنه قال: من السنة أن لا يُقتلَ مسلمٌ بذي عهدٍ ولا حرٌّ بعبد، وبأن أبا بكر وعمرَ رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بـين أظهر الصحابة من غير نكيرٍ، وبالقياس على الأطراف، وعندنا يُقتل الحرُّ بالعبد لقوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ }تفسير : [المائدة، الآية: 45] فإن شريعة مَنْ قبلَنا إذا قُصَّتْ علينا من غير دلالة على نسخها فالعملُ بها واجبٌ على أنها شريعةٌ لنا ولأن القصاصَ يعتمدُ المساواةُ في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سِيّانِ فيهما وقرىء كَتب على البناء للفاعل ونصْبِ القصاص {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء} أي شيء من العفو لأن عفا لازمٌ وفائدتُه الإشعار بأن بعض العفو بمنزلة كلّه في إسقاط القصاصِ وهو الواقع أيضاً في العادة إذ كثيراً ما يقعُ العفوُ من بعض الأولياءِ فهو شيءٌ من العفو وقيل: معنى عُفي تُرك وشيء مفعولٌ به وهو ضعيف إذ لم يثبُتْ عفاه بمعنى تركه بل أعفاه، وحُمل العفو على المحو كما في قول من قال: شعر : ديارٌ عفاها جَوْرُ كلِّ معاندِ تفسير : وقـولـه: شعر : عفاها كلُّ هتانٍ كثيرِ الوبل هَطّالِ تفسير : فيكونُ المعنى فمن مُحيَ له من أخيه شيءٌ صرفاً للعبارة المتداولة في الكتاب والسنةِ عن معناها المشهور المعهودِ إلى ما ليس بمعهود فيهما وفي استعمال الناس، فإنهم لا يستعملون العفوَ في باب الجنايات إلا فيما ذكرَ من قبلُ. وعفا يُعدَّى بعن إلى الجاني والذنب قال تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنْكُمْ } تفسير : [التوبة، الآية 43] وقال: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } تفسير : [المائدة، الآية 101] فإذا تعدَّى إلى الذنب قيل: عفوْتُ لفلان عما جنىٰ كأنه قيل: فمن عُفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليَّ الدم، وإيرادُه بعنوان الأخوّة الثابتةِ بـينهما بحكم كونِهما من بني آدمَ عليه السلام لتحريك سلسلة الرقةِ والعطف عليه {فَٱتّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} فالأمرُ اتباعٌ أو فليكُنِ اتباعٌ، والمرادُ وصيةُ العافي بالمسامحة ومطالبتُه بالديَة بالمعروف من غير تعسفٍ، وقوله عز وجل: {وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ} حثٌّ للمعفوِّ عنه على أن يؤدِّيَها بإحسانٍ من غير مماطلةٍ ولا بخس {ذٰلِكَ} أي ما ذكر من الحُكم {تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} لما فيه من التسهيل والنفعِ وقيل: كُتب على اليهود القصاصُ وحده وحرِّم عليهم العفوُ والدية، وعلى النصارى العفوُ على الإطلاق وحرِّم عليهم القصاصُ والدية، وخُيِّرت هذه الأمةُ بـين الثلاث تيسيراً عليهم وتنزيلاً للحُكم على حسَب المنازل {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} بأن قتلَ غيرَ القاتل بعد ورود هذا الحُكم أو قتلَ القاتلَ بعد العفو أو أخذِ الدية {فَلَهُ} باعتدائه {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أما في الدنيا فبالاقتصاص لما قتله بغير حقَ وأما في الآخرة فبالنار.

القشيري

تفسير : حق القِصاص مشروع، والعفو خير، فمن جنح إلى استيفاء حقه فمُسَلَّمٌ له، ومن نزل عن ابتغاء حقه فمحسن، فالأول صاحب عبادة بل عبودية، والثاني صاحب فتوة بل حرية. والدم المراق يجري فيه القِصاص على لسان أهل العلم، وأمَّا على لسان الإشارة لأهل القصة فدماؤهم مطلولة وأرواحهم هدرة قال: شعر : وإن فؤداً رعته لَكَ حامدٌ وإنَّ دماً أجريته بِكَ فاخِرُ تفسير : وسفك دماء الأحباب (فوق) بِساط القرب خلوف أهل الوصال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللونُ لونُ الدم والريحُ ريح المِسك ".

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى} الخطاب لائمة المؤمنين اوجب الله تعالى على الامام وعلى من يجرى مجراه ويقوم مقامه اقامة القصاص والتقدير يا ايها الائمة فرض عليكم استيفاء القصاص ان اراد ولى الدم استيفاءه ويحتمل ان يكون الخطاب متوجها على القاتل والمعنى يا ايها القاتلون عمدا كتب عليكم تسليم انفسكم عند مطالبة الولى بالقصاص وذلك لان القاتل ليس له ان يمتنع عن القصاص لكونه حق العبد بخلاف الزانى والشارب فان لهما الهرب من الحدود لكون ما عليهما من الحق حق الله تعالى والقصاص ان يفعل بالانسان مثل ما فعل فهو عبارة عن التسوية والمماثلة فى الانفس والاطراف والجراحات. والقتلى جمع قتيل وفى للسبب اى بسبب قتل القتلى كما فى قوله عليه السلام "حديث : ان امرأة دخلت النار فى هرة ربطتهاbr>". تفسير : اى بسبب ربطها اياها وحسن الوقف فى قوله القتلى {الحر بالحر} مبتدأ وخبر اى الحر مأخوذ ومقتول بمثله {والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} سبب النزول انه كان بين حيين من احياء العرب دماء فى الجاهلية وكان لاحدهما طول على الآخر اى قوة وفضل فاقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالانثى والاثنين بالواحد فتحاكموا الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين جاء الله بالاسلام فنزلت وامرهم الله ان يتباروا اى يتساووا ويتعادلوا. وقوله الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بان لا يجرى القصاص الا بين الحرين وبين العبدين وبين الانثيين بل يفيد شرع القصاص فى القتلى بين المذكورين من غير ان يكون فيه دلالة على سائر الاقسام فان قوله تعالى {كتب عليكم القصاص فى القتلى} جملة مستقبلة بنفسها. وقوله الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وتخصيص بعض جزئيات الجملة المستقلة بالذكر لا يمنع ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن ان يكون لفائدة سوى نفى الحكم عن سائر الصور وهى ابطال ما كان عليه اهل الجاهلية من انهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل بالعبد المقتول والانثى القاتلة بالانثى المقتولة وليس فيه نفى جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والانثى بل فيه منع عن التعدى الى غير القاتل انتهى كلامه. والثورى وابو حنيفة يقتلان الحر بالعبد والمؤمن بالكافر ويستدلان بعموم قوله تعالى {أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} تفسير : [المائدة: 45]. فان شريعة من قبلنا اذا قصت علينا فى القرآن من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على انها شريعة لنا وبما روى "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهمbr>". تفسير : وبأن التفاضل فى النفس غير معتبر بدليل قتل الجماعة بالواحد وبان القصاص يعتمد المساواة فى العصمة وهى بالدين او بالدار وهما سيان فيهما. ومالك والشافعى لا يقتلان الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر كما قال الشافعى رحمه الله شعر : خذوا بدمى هذا الغزال فانه رمانى بسهمى مقلتيه على عمد ولا تقتلوه اننى انا عبده وفى مذهبى لا يقتل الحر بالعبد تفسير : {فمن} عبارة عن القاتل شرطية كانت او موصولة {عفى له من اخيه} الضميران راجعان الى من {شىء} اى شىء من العفو قليل فارتفاع شىء على انه قائم مقام فاعل عفى بناء على انه فى حكم المصدر اى فى حكم قولك عفى عفو فان عفا وان كان لازما لا يتعدى الى المفعول به الا انه يتعدى الى المفعول المطلق فيصلح ان يقام مصدره مقام الفاعل كما فى قوله تعالى {أية : فإذا نفخ فى الصور نفخة} تفسير : [الحاقة: 13]. وقولهم سير بزيد بعض السير وشىء من السير وفائدة قوله شىء الاشعار بانه اذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بان يعفى عن بعض الدم او عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب الا الدية وعفا يتعدى الى الجانى والى الذنب بعن فاذا تعدى الى الذنب بعن كما فى قوله تعالى {أية : عفا الله عنك} تفسير : [التوبة: 43]. عدى الى الجانى باللام يقال عفوت لفلان اذ جنى وعليه ما فى الآية وعفو الجانى عبارة عن اسقاط موجب الجناية عنه وموجبها ههنا القصاص فكأنه قيل القاتل الذى عفى له عن جناية من جهة اخيه الذى هو ولى المقتول سواء كان العفو الواقع تاما بان اصطلح القاتل مع جميع اولياء القتيل على مال او بعض العفو بان وقع الصلح بينه وبين بعض الاولياء فانه على التقديرين يجب المال ويسقط القصاص فانه قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذه الآية نزلت فى الصلح عن القصاص على مال وسمى الله تعالى ولى الجناية اخا للقاتل استعطافا له عليه وتنبيها على ان اخوة الاسلام قائمة بينهما وان القاتل لم يخرج من الايمان بقتله {فاتباع بالمعروف} خبر مبتدأ محذوف اى واذا حصل شىء من العفو وبطل الدم بعفو البعض فالامر اتباع بالمعروف اى على ولى المقتول ان يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف بترك التشديد والتضييق فى طلبه واذا اخذ الدية لا يطلب الاكثر مما وجب عليه {وأداء إليه بإحسان} حث المعفو عنه وهو القاتل على تأدية المال بالاحسان اى وعلى القاتل ان يؤدى المال الى العافى باحسان فى الاداء بترك المطل والبخس والاذى {ذلك} اى الحكم المذكور من العفو والدية {تخفيف من ربكم} اى تيسير وتوسعة لكم {ورحمة} منه حيث لم يجزم بالعفو واخذ الدية بل خيركم بين الثلاث القصاص والدية والعفو وذلك لان فى شرع موسى عليه السلام القصاص وهو العدل فقط وفى دين عيسى عليه السلام العفو وهو الفضل فحسب وفى ملتنا للتشفى القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو {فمن اعتدى} اى تجاوز ما شرع له {بعد ذلك} التخفيف بأن قتل غير القاتل أو قتل القاتل بعد العفو او اخذ الدية فقد كان الولى فى الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر فيقتله وينبذ ماله الى اوليائه {فله} باعتدائه {عذاب أليم} نوع من العذاب شديد الالم اما فى الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق واما فى الآخرة فبالنار.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {عفا} لازمٌ يتعدى بالحرف: بعَنْ إلى الجناية، وباللام إلى الجاني، فيقال: عفوت لفلان عن جنايته و {ابتاعٌ} خبر عن مضمَر، أي: فالأمر اتباع، و {حياة} مبتدأ و {في القصاص} خبره، و {لكم} خبر ثان، أو صلة له، أو حال من الضمير المستكِنْ فيه. وفيه من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى، جعل الشيء مجيء ضده، وعرّف القصاص ونكْر الحياة ليدل على التعظيم والتعميم، أي: ولكم نوع من الحياة عظيم، وذلك لأن العلم به يَرْدَع القاتل عن القتل، فيكون سببَ حياةِ نَفْسَيْن، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتُصّ من القاتل سَلِم الباقون، ويصيرُ ذلك سبباً لحياتهم. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: يا أيها المؤمنون {كتب عليكم القصاص في} شأن {القتلى} في العَمْد، فاستسلِموا للقصاص، فالحُر يُقتل {بالحر}، ولا يقتل بالعبد. بل يغرم قيمته لسيده، ودليله قوله - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ ولا حرٌ بعبدٍ"تفسير : . والعبد يقتل بالعبد، إن أراد سيد المقتول قتله، فإن استحياه خُيِّر سيدُه بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد. وكذلك إن قُتل الحر خُيّر أولياؤُه بين قتله أو استرقاقه، فإن استحيَوْه خُيِّر سيدُه بين إسلامه وفدائه بِدِيَةِ الحر العَمْد، والأنثى تُقتل بالأنثى والذكر، والذكر يقتل بالأنثى. وتخصيصُ الآية بالمُساوي، قال مالك: (أحسنُ ما سمعتُ في هذه الآية: أنه يُراد بها الجنسُ - أي: جنس الحر - والذكر والأنثى فيه سواء. وأعيدَ ذِكْرُ الأنثى تأكيداً وتهمُّمَا بإذهاب أمر الجاهلية). هـ. يعني أن (أل) في الحر: للجنس، تشمل الذكر والأنثى. وأعاد ذكر الأنثى اهتماماً بردِّ ما كان يفعله الجاهلية من عدم القَودَ فيها. ثم قال الحقّ جلّ جلاله: {فمن عُفي له من} دم أخيه {شيء} ولو قَلَّ، فقد سقط القتل، فالواجب اتباعٌ للقاتل بالدية {بالمعروف} من غير تعنيف ولا تعنيت، و {أداء} من القاتل {بإحسان} من غير مطل ولا بَخس. {ذلك} - الذي شرعْتُ لكم من أمر العفو والديّة - {تخفيف من ربكم ورحمة} بكم، وقد كُتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى مطلقاً. وخيَّركم أيها الأمة المحمدية بين أخذ الديّة والقصاص. {فمن اعتدى} بعد أخذ الديّة وقَتَل {فله عذاب أليم} في الدنيا والآخرة، في الدنيا: بأن يُقتل لا محالة؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : لا أُعَافِي أحَداً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَة ". تفسير : {ولكم} يا معشر المسلمين {في} تشريع {القصاص حياة} عظيمة في الدنيا، لانزجار القاتل إذا علَم أنه يُقتص منه، وقد كانوا يَقتُلون الجماعةَ في الواحد، فسلِموا من القتل بشروع القصاص، أو في الآخرة، فإن القاتل إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يؤخذْ به في الآخرة، فاعتُبِروا {يا أولي الألباب} أي: العقول الكاملة، ما في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، {لعلكم تتقون} الله في المحافظة على القصاص، والحكم به والإذعان له، أو تَكُفُّون عن القتل خوفاً من الله. الإشارة: كما جعل الله القصاص في الجناية الحسيّة، جعل القصاصَ في الجناية المعنوية، وهي الجنايةُ على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوةٌ أو زَلَّة، اقْتصَ الحقّ تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة: وتأمَّلْ قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطَمْته كَفٍّ من الهوى، وذهبت عينه، فقال: آه، فقيل له: لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. هـ. وقضية أبي تراب النخشبي: قال رضي الله عنه: ما تمنت نفسي شهوةً من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلّق بي، وقال: هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجلٌ منهم، وحملني إلى منزله، وقدَّم لي خبزاً وبيضاً، فقلت في نفسي: كُلْ بعد سبعين درة.

الطوسي

تفسير : معنى قوله: كتب: فرض. وأصل الكتب: الخط الدّال على معنى الفرض. وقيل: لأنه، مما كتبه الله في اللوح المحفوظ على جهة الفرض، قال الشاعر: شعر : كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جرّ الذيول تفسير : وقال النابغة الجعدي: شعر : يا بنت عمي كتاب الله أخرجني عنكم فهل امنعنّ الله ما فعلا تفسير : ومنه الصلاة المكتوبة أي المفروضة فان قيل: كيف قيل: كتب عليكم بمعنى فرض، والأولياء مخيرون: بين القصاص، والعفو، وأخذ الدية؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - انه فرض عليكم ذلك إن اختار أولياء المقتول القصاص. والفرض قد يكون مضيقاً ويكون مخيراً فيه. والثاني - فرض عليكم ترك مجاوزة ما حد لكم الى التعدي فيما لم يجعل لكم. اللغة: والقصاص: الأخذ من الجاني مثل ما جنى، وذلك لأنه تال لجنايته. وأصله التلو، من قص الاثر: وهو تلو الاثر. والقصاص، والمقاصة، والمعاوضة، والمبادلة نظائر. يقال: قصّ يقصّ قصّا، وقصصاً. وأقصه به إقصاصاً. واقتصّ اقتصاصاً. وتقاصّوا تقاصاً. واستقص: اذا طلب القصاص استقصاصاً. وقاصه مقاصّة وقصاصاً. وقصّ الشيء بالمقص يقصه قصاً. وقص الحديث يقصه قصصاً. وكذلك قص أثره قصصاً: اذا اقتفى أثره. والقص والقصص: عظم الصدر من الناس، وغيرهم. والقصة: الخصلة من الشعر. والقصة من القصص معروفة. والقصة الجص. والقصاص: التقاص من الجراحات والحقوق شيء بشيء. والقصيص: نبات ينبت في أصول الكمأة. واقصّت الشاة، فهي مقصّ اذا استبان ولدها. وأصل الباب التلوّ. وقوله تعالى: {الحرّ بالحرّ} فالحر نقيض العبد، والحر من كل شيء. أعتقه. والحرّ: ولد الحية، وولد الظبية، وفرخ الحمام. واحرار البقول: ما يؤكل غير مطبوخ. والحر: نقيض البرد، حرّ النهار يحر حرّا. والحرير: ثياب من إبريسم. والحريرة: دقيق يطبخ باللبن. والحرة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار. وتحرير الكتابة: إقامة حروفها. والحرورية: منسوب الى حرور: قرية كان أول مجتمعهم بها، فالمحرر المختص بخدمة الكنيسة ما عاش، ومنه قوله {أية : ما في بطني محرراً}تفسير : وأصل الباب الحرّ خلاف البرد. ومنه الحرير، لأنه يستدفأ به. قوله: {من عفي له من أخيه شيء} معناه ترك، من عفت المنازل اذا تركت حتى درست. والعفو عن المعصية: ترك العقاب عليها. وقيل: معنى العفو ها هنا ترك القود بقبول الدية من أخيه، فالأخ يجمع أخوة اذا كانوا لأب، وإذا لم يكونوا لاب، فهم أخوان، ذكر ذلك صاحب العين، ومنه قوله: {فاصلحوا بين أخويكم} ومنه الاخاء، والتآخي. والأخوة قرابة الأخ. والتآخي اتخاذ الأخوان. وبينهما إخاء وأخوة. وآخيت فلاناً موآخاة، وإخاء. وأصل الباب الأخ من النسب، ثم شبه به الاخ من الصداقة. المعنى: والهاء في قوله: {من أخيه} تعود الى أخي المقتول - في قول الحسن -. وقال غيره: تعود الى أخي القاتل، فان قيل: كيف يجوز أن تعود الى أخي القاتل وهو في تلك الحال فاسق؟ قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها - إنه أراد أخوة النسب، لا في الدين، كما قال {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : والثاني - لأن القاتل قد يتوب فيدخل في الجملة، وغير التائب على وجه التغليب. الثالث - تعريفه بذلك على أنه كان أخاه قبل أن يقتله، كما قال: {أية : إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}تفسير : يعنى الذين كانوا أزواجهن. وقال جعفر بن مبشر عن بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بقوله {أية : النفس بالنفس}تفسير : قال: وليست عندي كذلك، لأن الله تعالى إنما أخبرنا أنه كتبها على اليهود قبلنا، وليس في ذلك ما يوجب أنه فرض علينا، لأن شريعتهم منسوخة بشريعتنا. والذي أقوله: إن هذه الآية ليست منسوخة، لأن ما تضمنته معمول عليه ولا ينافي قوله تعالى: {النفس بالنفس} لأن تلك عامة، ويمكن بناء تلك على هذه، ولا تناقض ولا يحتاج الى أن ينسخ إحداهما بالأخرى. وقال قتادة: نزلت هذه الآية، لأن قوماً من أهل الجاهلية كانت لهم حولة على غيرهم من أهل الجاهلية، فكانوا يتعدون في ذلك، فلا يرضون بالعبد إلا الحرّ، ولا بالمرأة إلا الرجل، فنهاهم الله تعالى عن ذلك. وقوله: {فاتباع بالمعروف} يعني العافي، وعلى المعفو عنه {أداء إليه بإحسان} وبه قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والشعبي، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي عبدالله (ع). وقال قوم: هما على المعفو عنه. والاعتداء هو القتل بعد قبول الدية على قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع). وقال بعضهم {من اعتدى} بعد البيان في الآية، فقتل غير قاتل وليه أو بعد قبول الدية {فله عذاب أليم} وهذا ايضاً جيد تحتمله الآية. الاعراب: وقوله: {فاتباع} رفع بأنه إبتداء لخبر محذوف، كأنه قيل: فحكمه اتباع، أو فعليه اتباع. وكان يجوز النصب في العربية. على تقدير فاليتبع اتباعاً، ولم يقرأ به. اللغة: والاداء، قال الخليل: أدّى فلان يؤدّي ما عليه إداء وتأدية. ويقال: فلان آدّى للامانة من غيره. والأداة من أدوات الحرب. وأصل الباب التأدية تبليغ الغاية. المعنى: وقوله تعالى: {تخفيف من ربكم} معناه: أنه جعل لكم القصاص، أو الدية، أو العفو، وكان لأهل التوراة قصاص، وعفو، ولأهل الانجيل عفو، أو دية. ويجوز قتل العبد بالحر، والأنثى بالذكر إجماعاً، ولقوله: {أية : ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} تفسير : ولقوله: {أية : النفس بالنفس}. تفسير : وقوله: في هذه الآية {الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} لا يمنع من ذلك، لأنه تعالى لم يقل: ولا يقتل الأنثى بالذكر، ولا العبد بالحر. فاذا لم يكن ذلك في الظاهر، فما تضمنته الآية معمول به، وما قلناه مثبت بما تقدم من الأدلة. فأما قتل الحر بالعبد، فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي، وأهل المدينة. وقال أهل العراق: يجوز. ولا يقتل والد بولد عندنا، وعند أكثر الفقهاء. وعند مالك يقتل به على بعض الوجوه. وأما قتل الوالدة بالولد، فعندنا تقتل. وعند جميع الفقهاء انها جارية مجرى الأب. فأما قتل الولد بالوالد فيجوز إجماعاً. ولا يقتل مولى بعبده. ويجوز قتل الجماعة بواحد إجماعاً إلا أن عندنا يردّ فاضل الدية، وعندهم لا يرد شيء على حال. واذا اشترك بالغ مع طفل. أو مجنون في قتل، فعندنا لا يسقط القود عن البالغ، وبه قال الشافعي. وقال أهل العراق: يسقط. ودية القصاص في قود النفس الف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو مأة من الابل، أو مأتان من البقر، أو الف شاة، أو مأتا حلة. ولا يجبر القاتل على الدية - عندنا - وان رضي، فهي عليه في ماله. وقال الحسن: يجبر على العفو عن القصاص، والدية على العاقلة. والقتل بالحديد عمداً يوجب القود إجماعاً. فأما غير الحديد، فكل شيء يغلب على الظن أن مثله يقتل فانه يجب القود عندنا، وعند أكثر الفقهاء. والذي له العفو عن القصاص كل من يرث الدية إلا الزوج، والزوجة. وهم لا يستثنون بها إلا أبا حنيفة: قال: اذا كان للمقتول ولد صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا، ويحتج بقاتل علي (ع). وقال غيره: لا يجوز حتى يبلغ الصغار. وعندنا أن لهم ذلك إذا ضمنوا حصة الصغار من الدية إذا بلغوا، ولم يرضوا بالقصاص. واذا اجتمع مع القصاص حدود، فان كان حدّ لله، فالقتل يأتي عليه. وإن كان حق لآدمي كحدّ القذف، أقيم عليه الحد ثم يقتل. وقال أهل المدينة: القتل يأتي على الكل. ويقتل الرجل بالمرأة اذا ردّ أولياؤها نصف الدية. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. وما قلنا، قول علي (ع) وقول الحسن البصري. وشرح مسائل الديات ذكرناها في النهاية، والمبسوط، لا يقتضي ذكرها ها هنا.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ وقبول الدّعوة الظّاهرة والبيعة العامّة النّبويّة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} فى اللّوح المحفوظ او فى صدر النّبىّ (ع) والمعنى فرض ولذلك وللاشعار بتضرّرهم عدّاه بعلى {ٱلْقِصَاصُ} ان يفعل بالجانى مثل ما فعل بالمجنىّ عليه، وكونه فرضاً على الحكّام بعد مطالبة ولىّ المجنىّ عليه لا ينافى كون الولىّ مخيّراً بين القصاص والدّية والعفو {فِي ٱلْقَتْلَى} متعلّق بكتب {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} اى يقتل الحرّ بالحرّ او الحرّ مقتول بالحرّ اى اذا كان القتل عمداً لا خطاءً ولا شبهاً للخطاء والآية مثل سائر الآيات مجملة محتاجة الى البيان فلا يرد انّ المسألة بخلاف مفهوم مخالفة القيد فان مفهوم القيد غير معتبرٍ قطعاً هاهنا وتفصيل المسألة موكول الى الفقه {وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} نقل انّه كان حيّان من العرب وكان لاحدهما طولٌ على الآخر وكان بالمواضعة بينهما ان يقتل ذو الطّول الحرّ بالعبد، والذّكر بالانثى، والرّجلين بالرّجل فلمّا جاء الاسلام تحاكموا الى رسول الله (ص) فنزلت فأمرهم بالتكافؤ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} اى الجانى الّذى عفى له {مِنْ} قبل {أَخِيهِ} الّذى هو ولىّ الدّم او من دم اخيه المقتول وأدّاه بلفظ الاخوّة للاشعار بانّ العفو يقتضى ويقتضيه التّعاطف فالمناسب فى المقام اللّفظ الّذى يقتضى ويقتضيه التعاطف {شَيْءٌ} من العفو وهو العفو من القصاص دون الدّية او شيءٌ من العفو بان عفى وارث واحد {فَٱتِّبَاعٌ} اى فليكن من العافى اتّباع او فحكمه اتّباع او فعليه اتّباع للعفو فى مطالبة الدّية {بِٱلْمَعْرُوفِ} بطريق يستحسنه العقلاء ويعرفونه بالحسن يعنى لا يكون فى مطالبة الدّية تعنّف ولا اضرار ولا زيادة على القدر المقرّر وليكن من الجانى {وَأَدَآءٌ} للدّية {إِلَيْهِ} الى العافى {بِإِحْسَانٍ} متلبّساً بنحو من الاحسان وصيّة للعافى بالمداراة وعدم التعنّف وعدم التعدّى وللجانى بعدم المماطلة وعدم الخدعة والبخس والاكراه {ذٰلِكَ} اى الاذن فى العفو مع الانتقال الى الدّية او بدونه يعنى التّخيير بين الثلاثة فانّ العفو عن الدّية يستفاد بطريقٍ اولى من العفو عن القصاص المستفاد من قوله {فمن عفى له من اخيه} إلى آخرها {تَخْفِيفٌ} فيما فرضنا عليكم من المؤاخذة بالجناية {مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} منه عليكم بتجويز العفو المستلزم لبقاء النّفوس وعدم تكليف ولىّ المقتول بالعفو بلا عوضٍ، نقل انّه كان لاهل التّوراة القصاص او العفو، ولاهل الانجيل العفو او الدّية، ولهذه الامّة التخيير بين الثّلاثة ونسب الى الرّواية انّ القصاص كان فى شرع موسى (ع) والدّية كانت فى شرع عيسى (ع) فجاءت الحنيفيّة السمحة بتشريع الامرين {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} تجاوز عمّا حدّ له من اولياء الدّم ومن الجانى {بَعْدَ ذٰلِكَ} المذكور من القصاص او العفو او الدّية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قد مضى وجه توصيف العذاب بالالم، ولمّا جاز ان يتوهّم من تشريع القصاص انّ فيه افناء للنّفوس البشريّة وافناءُ النّفوس البشريّة خلاف الحكمة الالهيّة كما عليه الملل الباطلة رفع ذلك لتّوهّم بأنّ فى القصاص ابقاءً للنّفوس لا افناءً لها؛ لانّ فى تشريع القصاص ردعاً لجملة النّفوس عن التّجرّى على القتل ففيه افناء نفوسٍ قليلةٍ وابقاء نفوسٍ كثيرةٍ بخلاف تركه فقال: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ}.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص} روي عن ابن عباس ان الآية نزلت في حيَّين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام وكان بينهم قتلاً وجراحات ولأحدهما على الآخر طولا في الكبر والشرف فكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور واقسموا لنقتلن بالعبد حراً وبالمرأة منّا الرجل منهم وبالولد اثنين وجعلوا جراحاتهم ضعفين على جراحات أولئك فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام فرفعوا امرهم الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وظنوا ذلك فانزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: نزلت في حيَّين من الانصار قوله تعالى: {كتب عليكُم} اي فرض عليكم وهذا يقتضي الوجوب فيجب على القاتل تسليم النفس وليس له الامتناع {الحر بالحر} قيل: الحر لا يقتل بالعبد والذكر لا يقتل بالانثى يأخذ بهذه الآية مالك والشافعي وقالوا هي مفسرة لما أبهم في قوله: {النفس بالنفس} وعند أبي حنيفة واصحابه انها منسوخةٌ بقوله تعالى: {النفس بالنفس} والقصاص ثابت بين الحر والعبد والذكر والانثى فاستدلوا بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : المؤمنون تتكافأ دماؤهم" تفسير : {واداء اليه باحسان}، قيل: على العافي الاتباع باحسان وعلى المعفوّ عنه الأداء إليه بإحسان {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} قيل: كان اهل التوراة يقتلون ولا يأخذون الديَّة فجعل الله تعالى لهذه الأمَّة التخفيف ان شاء قتل وان شاء اخذ الديَّة وان شاء عفى {فمن اعتدى بعد ذلك} بأن قتل بعد الدية والعفو، وقيل: قتل غير قاتله، قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب} يأيها المخاطبون {حياة} لأن من همّ بالقتل فذكر القصاص ارتدع ففيه حياة اي بقاء {والألباب} العقول {لعلكم تتقون} قيل: تتقوا القتل خوف القصاص، قال جار الله: وهي الحاصلة بالارتداع من القتل من وقوع العلم بالقصاص من القاتل لأنه اذا همّ بالقتل فعلم انه يقتص منه فارتدع سلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود فكان القصاص هو سبب الحياة، وقيل: تتقون ربكم باجتناب معاصيه،قوله تعالى: {كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت} الآية، قيل: كانوا يوصون للأبعد طلباً للفخر ويعدلون عن الأقربين فلما نزلت آية المواريث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ان الله قد اعطى كل ذي حق حقه ولا وصيَّة لوارث" تفسير : ذكر ذلك في نزول الآية، وقوله {اذا حضر احدكم الموت} يعني اسباب الموت من مرض وغيره، وقيل: فرض عليكم الوصيَّة في حال الصحَّة {ان ترك خيراً} يعني مالاً قيل: تجب {الوصيَّة} في الكثير والقليل، وقيل: الف درهم، وقيل: خمسمائة درهم، وعن علي (عليه السلام): "اربعة آلاف درهم" {للوالدين والاقربين} قيل: كانت الوصيَّة لهم واجباً ثم نسخ، وقيل: هي محكمة، وقيل: منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وقيل: نسخت بآية المواريث وأولو الارحام بعضهم اولى ببعض الآية، وقيل: بالسنة وهي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ألا لا وصيَّة لوارث" تفسير : {بالمعروف} بالعدل وهو ان لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يجاوز الثلث، وقوله: {حقا} مصدر مؤكد اي ذلك حق {فمن بدله بعد ما سمعه} من الوصي والشهود {فمن خاف من موص جنفاً} اي خشي، وقيل: علم يعني الذي اوصى له هو الميت ويحتمل اذا اوصَى ومال عن الحق، قيل: حيث يوصي بأكثر من الثلث، وقيل: ان يعدل عن الطريق المشروعة {فأصلح بينهم}، قيل: الوصي، وقيل: الولاة، بينهم: بين أهل الوصايا وأهل الميراث، والإصلاح ان يرد الأمر الى حقه.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} أي: فرض عليكم القصاص {فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى}. قال الحسن: كان أهل الجاهلية قوم فيهم عز ومنعة؛ فكان الحي منهم إذا قُتِلت امرأة منهم، قتلتها امرأة من حي آخر، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلاً. وإذا قتل منهم عبد قتله عبد حي آخر، قالوا: لا نقتل به إلا حراً، فأنزل الله هذه الآية. [ونهاهم عن البغي]. قال: ثم أنزل بعد ذلك في سورة المائدة: (أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)تفسير : [المائدة:45]. قال الحسن: النفس التي قَتَلت بالنفس التي قُتِلت. قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أََخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بَالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}. قال: من وجبت له الدية فليتبع بالمعروف، ومن وجبت الدية عليه فليؤد بإحسان. قال: وتؤخذ الدية في ثلاثة أعوام. والنصف في عامين، والثلث في عام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الدية مائة بعير، يعني دية الخطأ، فمن ازداد بعيراً فهو من أمر الجاهلية . تفسير : ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : العقل على العصبة والدية على الميراث تفسير : . ذكر بعض السلف قال: لا تعقل العاقلة عبداً ولا عمداً ولا اعترافاً قال: ويقولون: إذا اعترف اعترافاً كان عليه في خاصة ماله. ذكر بعضهم قال: ما فرض رسول الله فعلى العاقلة، يعني بذلك الموضحة فما فوقها؛ يقولون: لم يفرض رسول الله فيما دون الموضحة شيئاً. قوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ} ذكر جابر بن زيد عن ابن عباس قال: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبَِّكُمْ} مما كان فرض على بني إسرائيل في العمد، إذ لم يحل لهم الدية. ذكر بعض المفسرين أن أهل التوراة كانوا أمروا بالقَوَد، وأن أهل الإِنجيل أمروا بالعفو، وجُعل لهذه الأمة إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفواً، وإن شاءوا أخذوا الدية، يعني إذا تراضوا عليها. قوله: {وَرَحْمَةٌ} أي رحيم بهذه الأمة إذ أحل لهم الدية في القتل عمداً. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني من قتل بعد أخذ الدية فله عذاب أليم، يعني القتل؛ يقتله الوالي ولا ينظر في ذلك إلى عفو الولي. ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذه الدية تفسير : . ذكر ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري.

اطفيش

تفسير : {يَأيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا كُتبَ عَليْكُم القِصاصُ فى القَتلَى}: فرض عليكم القصاص، وقرأ بعضهم فى جمع القرآن كتب بالبناء للفاعل وهو الله سبحانه وتعالى، ونصب معا بعده فيقرأ بفتح الكاف والتاء، ونصب القصاص، ويقرأ كتب عليكم الصيام كما كتب بفتحهما، أى كما كتبه وهكذا والقصاص المماثلة، يقال: فلان يقص الأثر أى يتبعه، فكأنه برؤيته يحدث آخر مثله، وأيضا قد ماثله بخطواته إذا كانت إلى جهة الأثر الأول، وقص الحديث ذكره مثل ما ذكر أولا، فالمقتول يحجر يقتل بحجر، والمقتول بعصى يقتل يعصى، وهكذا. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : المرء مقتول بما قتلِ به، إن سيفا فسيف وإن خنجراً فخنجر،تفسير : فقيل على عمومه وقيل إلا النار والسم فلا يقتل بهما قاتل بهما، بل بالسيف وقتله بما قتل بهِ على العموم، أو التخصيص، قولنا وقول الشافعى ومالك ورواية عن أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: من قتل بغير السيف قتل بالسيف، وهو رواية عن أحمد، والأول أوضح وأكمل فى الإنصاف والمماثلة التى هى القصاص، ووجه القول الثانى أن أصل القتل بالسيف، لأنهُ المعد للقتل وقطع الأعناق التى لا حياة بعدها، وأنهُ مأخوذ من ساقه بمعنى أهلكه، وإن القاتل سلك طريق القتل فسلكها كما سلكها القاتل، والحديث المذكور خص فى الأول فهو راجح به قطعا، والآية نص فى أن الواجب على القاتل القصاص، وأما الدية فهى بدل عنهُ، وبهِ قال أبو حنيفة والشافعى فى أوضح قوليه، ولو عفا ولم يسمها فلا شئ، وقيل كلاهما واجب على التخيير والواجب على التخيير يصدق عليه أنه واجب، ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره وليس نسخا لوجوبه، ومعنى الوجوب أنه إذا أراد الولى القتل لم يمنع منه ولزم القاتل الانقياد له، وإن أراد الدية لم يمنع منها بل لزم القتال أداءها، وإن شاء الولى ترك القتل والدية معا، والقول بوجوبهما قول آخر للشافعى، واحتج أبو حنيفة بالآية إذا قال كتب ثم ترتب الدية على العفو فدل الترتيب على أنها إنما نحب بالعفو عن القتل فى القتل العمد، فعلم أن القتل العمد يوجب القصاص فقط، فبطل الاستدلال بأن الواجب على التخيير يصدق عليه أنه واجب، فالقتل على قول أبى حنيفة مقتضى العمد وعلى القول الآخر هو أحد مقتضيه ومقتضاه الثانى هو الدية، وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو، وتقدم آنفا بطلان استدلاله والقتلى جمع قتيل وألفه للتأنيث. {الحُرّ بالحرِّ والعبْدُ بالعبْدِ والأنثَى بالأُنثَى}: أى الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد، والأنثى تقتل بالأنثى، فالخبر محذوف جواز ألأنه كون خاص. قال ابن هشام: ومما يخرج على التعليق بالكون الخاص قوله تعالى: {الحر بالحرّ والعبدُ بالعبدِ والأنثَى بالأنثَى} التقدير مقتول أو يقتل لا كائن اللهم إلا أن يقدر مع ذلك مضافان، أى قتل الحر كائن بقتل الحر، وفيه تكليف تقدير ثلاثة الكون، والمضافان بل تقدير خمسة لأن كلا من المصدرين لا بد له من فاعل، ومما يبعد ذلك أيضاً أنك لا تقدم معنى المضاف الذى تقدره مع المبتدأ إلا بعد تمام الكلام، وإنما حسن الحذف أن يعلم عند موضع تقديره نحو {أية : واسأل القرية} تفسير : انتهى. وكانت دماء فى الجاهلية بين حيين من أحياء العرب، وكان أحدهما يتطاول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فأمرهم ألا يقتل الحر بالحر، ولا الذكر إلا بالذكر، وقيل نزلت فى الأوس والخزرج، وكان لأحدهما تطاول على الآخر فى الكثرة والشرف، وكانوا ينكحون نساءهم بلا مهر، وأقسموا ليقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلان منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعف جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. وقيل نزلت فى حيين من أحياء العرب اقتتلوا فى الجاهلية بسبب قتيل، وكان بينهم قتلى أو حروب وجراحات كثيرة، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام فوجبت المماثلة، إذ تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو الأحرار من المعاهدين، أو العبيد من المسلمين أو من المعاهدين، فلا يقتل مؤمن ولو عبد بمشرك ولو حرا، ولا حر ولو مشركا بعبد ولو مؤمنا ولا المرأة المؤمنة بالرجل المشرك، ولا أب بابن، ويقتل المشرك بمؤمن، والعبد بالحر، والذكر بالأنثى، ويؤدى أولياؤهما لأوليائه نصف ديته قبل أن يقتل، وقيل بعد أن يقتل، وذلك مذهبنا ومذهب مالك والشافعى وأحمد وقيل لا يرد أولياؤهما لأوليائه نصف ديته، والأنثى بالذكر، ويرد أولياؤهما لأوليائه نصف ديته قبل القتل أو بعده قولان، وقيل لا رد، وذهب أصحاب الرأى إلى أن المسلم يقتل بالذمى، والحر بالعبد، والصحيح الأول، وروى البخارى فى صحيحه عن أبى جحيقة سألت علياً هل عندكم من النبى صلى الله عليه وسلم شئ سوى القرآن وما فى هذه الصحيفة؟ قال الراوى: قلت لأبى جحيفة وما فى الصحيفة؟ قال: العقل وفك الأسير وألا يقتل مؤمن بكافر. وأخرج مسلم عن على نحو هذا من غير رواية أبى جحيفة، والعقل إعطاء أولياء المقتول الدية، وروى عن على أيضاً أنه قال من السنة ألا يقتل مسلم بذى عهد، ولا حر بعبد، وروى الربيع، عن أبى عبيدة، عن جابر ابن زيد، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم وأموالهم بينهم حرام وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم ولا يقتل ذو عهد في عهده ولا يقتل مسلم بكافر ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر"، تفسير : قال الربيع: تتكافأ دماؤهم أى هم سواء فى الدية والقتل، وهم يد على من سواهم، أى هم أقوى وأفضل من غيرهم، يسعى بذمتهم أدناهم، أى إذا أعطى أدنى رجل من المسلمين العهد يلزمهم ويرد عليهم أقصاهم، أى من رد العهد من المسلمين كان رداً، قال جابر إلا باتفاق الإمام وجماعة أهل الفضل فى الإسلام. وأخرج الترمذى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليهِ وسلم يقول: "لا تقوم الحدود فى المساجد ولا يقتل الوالد بالولد"، تفسير : وهذه الآية والأحاديث مفسرة لما أبهم فى قوله: {أية : أنَّ النَّفسَ بالنَّفس} تفسير : وإن هذه خطاب للمؤمنين، وقوله: {أية : أن النَّفْس بالنَّفْس} تفسير : حكاية ما كتب على بنى إسرائيل فى التوراة كذا يقول الشافعى، فأما قوله إن هذا خطاب للمؤمنين وآية المائدة حكاية ما كتب على بنى إسرائيل فصحيح. وأما قوله: إن هذه بيان لآية المائدة، فلا يتعين لاختلاف الشريعتين فيمكن اتفاقهما فى تفصيل هذه الآية، ويمكن اختصاص المسلمين به، وزعم أصحاب الرأى أن هذه منسوخة بحكاية ما كتب على بنى إسرائيل فى التوراة فقالوا إن النفس تقتل بالنفس، ولو اختلفتا مطلقاً فقالوا يقتل المؤمن بالذمى، والحر بالعبد، والوالد بالولد، ويرده الأحاديث المذكورة، وحديث على إن رجلا قتل عبده فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده به، وما روى أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير، وسواء فى ذلك كان العبد لقاتله أو لغيره، وأيضا نسخ ما فى القرآن بما فى التوراة بعيد، ولو ذكر فى القرآن، وأيضا كما أنه لا تستوى دية أعضاء العبد وأعضاء الحر، لا تستوى دية ذاتهما، وأيضا آية المائدة فى اليهود ولا عبيد فيهم، لأن الاسترقاق من الغنائم وهى مخصوصة بهذه الأمة، كذا قيل والمشهور أن لهم عبيداً، وقال بنسخ هذه بآية المائدة الحسن البصرى وعطية العوفى والبصريون والكوفيون، ووجهه أن آخر الآية وهو قوله تعالى: {أية : ومَنْ لَمْ يحْكُم بما أنزَلَ الله} تفسير : الآية ألزمنا الحكم بها، ولو كانت مكتوبة على بنى إسرائيل. قال الحسن: كان أهل الجاهلية قوماً فيهم عز ومنعة، فكان الحى منهم إذا قتلت منهم امرأة قتلتها امرأة من حى آخر، قالوا لا نقتل بها إلا رجلا، وإذا قتل منهم عبد قتله عبد حى آخر، قالوا لا نقلت به إلا حرا، فأنزل الله الآية، ثم أنزل بعد ذلك فى سورة المائدة: {أية : وكَتبْنا عَليهِم فِيها أنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ} تفسير : قال: النفس التى قتلت بالنفس التى قُتِلت، وآية البقرة هذه لا تدل على ألا يقتل الحر بالعبد ولا الذكر بالأنثى، بل الأحاديث دلت على أن الحر لا يقتل بالعبد، بل عليه القيمة، وأن الذكر يقتل بالأنثى، قيل ولا تدل أيضا على أن العبد يقتل بالحر وأن الأنثى بالذكر، بل الأحاديث دلت عليه، قلت بل تدل الآية أيضا عليه فإنهُ إذا كان الحر يقتل بالحر فلأن يقتل به العبد أولى، فقيل ليس لأوليائه غير ذلك، وقيل لهم بقية الدية، وإن أمره سيده فلهم البقية، فإذا كان الذكر يقتل بالذكر فلأن يقتل به الأنثى أولى، ولعل القائل بعدم تلك الدلالة يقول إن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وهنا ظهر الغرض وهو أن الآية نزلت بسبب القوم المتطاولين على الآخر، قلت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وثبتت الأخبار أنه لو اجتمع اثنان على قتل واحد أو ثلاثة فصاعداً على قتله قتلوا جميعا، سواء باشروا القتل كلهم أو بعضهم، وقيل يقتل من باشر فقط، وروى البخارى عن ابن عمر، أن غلاما قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم، وقيل قال ذلك فى امرأة قتلت، قال البخارى: قال مغيرة بن حكم: إن أربعة قتلوا صبيا، فقال عمر ذلك. وروى مالك فى الموطأ عن ابن المسيب أن عمر قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليهِ أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً، والغيلة أن يقتله من غير أن يعلم ما يريد به، ونمالأ اجتمع إن قتل عبدان أو أعبد عبداً فلمالكه القيمة، وله قيل قتلهم جميعاً على أن يضمن على الرءوس ما زاد على قيمة عبده وقيل لا ضمان لهم. {فمَنْ عُفِى لهُ مِنْ أخيهِ شَئٌ}: من واقعة على القاتل وعُفى ترك والأخ ولى المقتول، ويجوز أن يكون هو المقتول على حذف مضاف فى الوجهين، أى من دم أخيهِ، وسمى ولى المقتول أخا للقاتل، لأن فرض الكلام على أنه عفى والعفو يكون من أخ لأخيه للرقة عليهِ، ولكل من له حب فكأنه أخ القاتل، ولما بينهما من الجنسية الآدمية والحرية، أو الآدمية والعبودية ومن الإسلام ونكتة التعبير بالأخ أن يستعطف أحدهما على الآخر، ويشير إلى أن القتل لا يخرج القاتل من اسم الإسلام إلى الشرك، وأيضا سماه أخا لما بينهما من الملابسة، إذ الولى يطالب القاتل بالدية ويأخذ هامنه، فالقاتل يعطيه، وإذا الأخ هو المقتول ففى تسميته أخا، الأوجه المذكورة كلها غير الأخير، ويجرى الولى على مقتضى الأخوة بين القاتل والمقتول، وشئ واقع على بعض دم المقتول والدم يطلق بمعنى الدية وبمعنى القتل، وكما ينسب الدم للمقتول كذلك ينسب لوليه، أى القتل الذى يستحقه فى ذمة القاتل وكذا الدية تنسب إليهما، أى فمن ترك له شئ من دم أخيه، أى ترك بعض الورثة القتل أو ترك بعض سهمه من القتل أو كان الوارث واحداً، أو ترك بعض ماله من القتل لا القتل كله. {فاتِّباعٌ}: فى إعطاء الدية وأخذها. {بالمعْروفِ}: أو من ترك له شئ من دم أخيه، أى من ديته فاتباع فى أخذ الباقى وإعطائه بمعروف، وعلمت من كلامى أن من للتبعيض متعلقة بمحذوف حال من شئ، ويجوز أن تكون للابتداء متعلقة بعفى، وعلى هذا الوجه تكون داخلة على ما هو فاعل فى المعنى، لأن الأخ هو العافى فلا يقدر مضاف على هذا الوجه، والأخذ عليه هو الولى لا غيرن وعلمت أن شئ نائب فاعل عفى بمعنى ترك، وأن الهاء عائدة إلى من، وإذا قلنا إن المعنى شئ من دم أخيه الذى هو القتل، فالآيتان بلفظ شئ إشارة إلى أنه إذا ترك بعض القتل أو أقل قليل لم يجيز له القتل ولا لباقى الورثة إن كانوا، لأن شيئا من الدم قد بطل، والروح لا تتجزأ حياة وموتا، وإن قلنا شئ من دية أخيه فالإتيان بشئ إشارة إلى وجوب المعروف فى الاتباع بالباقى، ولو كان المتروك قليلا جداً، وإنما عدى عفى بنفسه إلى المفعول به ليضمنه معنى ترك، والتضمين شائع فى القرآن وغيره من كلام العرب وهو مرجوح بالنسبة إلى عدم التضمين وهو الأصل، وأنهُ إذا لم يكن على التضمين فالمعروف أن يتعدا إلى المفعول به الذى هو ذنب أو مذنب يعن كقوله تعالى: {أية : عفى الله عنها} تفسير : وقوله تعالى:{أية : عفى الله عنك}، تفسير : ويجوز أن يكون شئ مفعولا مطلقا ناب عن الفاعل فيكون واقعا على المفعول، أى شئ من العفو ومن للابتداء أو شئ من عفو أخيه، فتكون من للتبعيض. وإذا جمع بين الذنب والمذنب عدى إليه بعن، وإلى المذنب باللام تقول عفوت له عن ذنبه وضعف عفوت له ذنبه والقوى أعفوت الشئ بالهمزة أى تركته. قال صلى الله عليه وسلم: "اعفوا" بإثبات الهمزة المفتوحة، وإن قلت هلا قيل فمن عفى لهُ من أخيه شئ على أن شيئا مفعول به نائبا الفاعل من قولك عفى أثره أى محاه وأزاله بتعديه بنفسه، قلت لا يراد هنا هذا لأنه خلاف الأصل، ولأن المستعمل فى القرآن والسنة أن يكون مفعوله بعن إذا كان ذنبا، وعن ابن عباس ما حاصله أن من يراد بها القاتل وعفى يتضمن عافيا وهو ولى الدم، والأخ هو المقتول، وشئ هو الدم الذى يعفى عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، فالعفو على بابه وبذلك قال جماعة من العلماء، وقال مالك: من يراد به الولى وعفى بمعنى يسر لا على بابه فى العفو، والأخ يراد به القاتل، وشئ هو الدية والأخوة أخوة الإسلام، وقيل إن الآية لفظها فيمن نزلت فيهم وعفى بمعنى فضل، على أن قوما تقاتلوا فى الجاهلية، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم ويقاصص على استواء الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن فضل لهُ قتيل أو قتيلان أو قتلى من الفريق الآخر الذى هو كالأخ فاتباع بمعروف واتباع خبر لمحذوف، أى فالحكم ابتاع بالمعروف يتبع ولى المقتول القاتل فى شأن الدية بالمعروف من الرفق واللين وترك العنف والتهديد، والاقتصار على الدية، بل من البر أن يترك لهُ بعضها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدية مائة بعير فمن ازداد بعيراً فمن أمر الجاهلية" تفسير : ولم يفرض رسول الله صلى الله عليهِ وسلم فيما دون الموضحة شيئاً. قال الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدية مائة من الإبل"، تفسير : وبهذا السند عنه صلى الله عليه وسلم حديث : دية المرأة نصف دية الرجل،تفسير : وبه عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : دية الخطأ فى ثلاثة أعوام فى كل سنة ثلث، ودية العمد فى عام واحد، تفسير : وفى رواية حديث : تؤخذ دية العمد فى ثلاثة أعوام والنصف فى عامين، والثلث فى عام،تفسير : يعنى أنهُ إذا كملت الدية أعطيت فى ثلاثة أعوام ثلث فى كل عام، وإن لزم نصف الدية فقط ففى عامين، وإن لزم ثلثها فقط ففى عام وهذا ما ظهر لى بعد إفراغ الوسع، ثم رأيت ما يناسبه فى نوازل نفوسه ما نصه: وفى دية الخطأ أنها تعطى أثلاثا الثلث فى عام والنصف فى عامين، وتأويل ذلك إذا جنى أحد بالخطأ ما يبلغ ثلث الدية فإن عاقلته يعطون ذلك فى عام واحد، وإن جنى ما يبلغ أرشه نصف الدية فإن عاقلته يعطون فى العام الأول الثلث، ثم يعطون فى العام الثانى السدس فهذا معنى قولهم: الثلث فى عام والنصف فى عامين والحمد لله، ويجوز أن يكون اتباع خيراً لمحذوف، أى فالواجب اتباع بالمعروف أو فاعلا لمحذوف أى فليكن اتباع بالمعروف. {وأداءٌ إليهِ بإحْسانٍ}: عطف على اتباع فى أوجه إعرابه، فالاتباع عائد إلى الولى، والأداء إلى القاتل، ويجوز أن يقدر فعلى الولى اتباع بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليهِ بإحسان، أو فعلى الولى اتباع بالمعروف، وله أداء إليه بإحسان، وهاء إليه عائدة إلى الأخ الذى هو الولى بالمعروف من المقام، على أن الأخ غيره وإحسان القاتل ألا يمطل الولى بالدية ولا يدافعه ولا يعيره ولا يعطيه ببخس، ويجوز أن يكون الاتباع والأداء كلاهم على القاتل الذى عفى له فعليه اتباع عفو الولى بالمعروف، وأداء إليهِ بإحسان {أية : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } تفسير : {ذلكَ}: المذكور من جواز القتل والعفو عن القتل بأخذ الدية. {تخْفيفٌ مِنْ ربِّكُم}: تسهيل من ربكم عليكم. {ورحْمةٌ}: إنعام ونفع لكم بالتوسيع إذ لم يضيق عليكم كما ضيق على اليهود بإيجاب القصاص، ولم يجز لهم الدية، وكما ضيق على النصارى بإيجاب الدية ولم يجز لهم القتل، والمسلمون مخيرون بين القتل والدية، وقيل كان على النصارى العفو لا دية ولا قتل، ولا شك أن المسلمين مخيرون بين الثلاثة، وقيل نزلت الآية لإزالة الأحكام التى قبل مبعثه، صلى الله عليه وسلم وهى أن اليهود توجب القتل، والنصارى توجب الدية، والعرب تارة توجب القتل وتارة توجب الدية، وكانوا يعتدون فى الحكمين، فإن وقع القتل على شريف قتلوا به عدداً، ويأخذون ديه الشريف أضعاف دية الخسيس. {فَمنِ اعْتَدَى بعدَ ذَلكَ}: جاوز حكم الله المذكور من التخيير بأن ابتدع حكما آخر أو زاد عليهِ أو أبدل بعضهُ، بأن قتل إنسانان أو أكثر فى واحد أو ثلاثة أو أكثر فى اثنين.. وهكذا أو حراً بعبد، أو جمع الدية والقتل أو رجع لى أحدهما وإليهما بعد العفو عنهما، أو فعل ما خالف الحق. {فلهُ عذابٌ أليمٌ}: فى الآخرة كانوا فى الجاهلية يؤمنون القاتل بأخذ الدية أو بقبولها، ثم إذا ظفروا به وتمكنوا منه قتلوه وله مع ذلك عذاب آخر فى الدنيا هو أن يقتل حقاً من حقوق الله يقتله الإمام، ولو عفى ولى المقتول الثانى إذا قتل بعد العفو مطلقا أو بعد العفو عن القتل أو بعد أخذ الدية، وهذا الحكم معلوم من السنة، ويحتمل أن يراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة وهذا القتل الواجب. وقال مالك: ولى المقتول الثانى مخير بين القتل والدية والعفو المطلق، كولى المقتول ابتداءاً وعذابه فى الآخرة، وقال قتادة: يقتل ولو عفى الولى وإن قتله هو العذاب المذكور فى الآية، وإن الاعتداء هو القتل بعد العفو عن القتل أو عنه وعن لادية، وأن عذاب الآخرة يفيده الآى الأخر والأحاديث الأخر، ومذهبنا وجوب قتله، وأنهُ حق لله لا يزيله عفو الولى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أعافى أحداً قتل بعد أخذ الدية" تفسير : رواه الشيخ هود رحمه الله عن جابر بن عبدالله مرفيعا إليه صلى الله عليهِ وسلم.

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ} أى فرض، وأصله خط، ولما كان الخط لإنفاذ ما خط كان بمعنى فرض مجازاً ثم صار حقيقة عرفية فى معنى الإلزام، وتقرى ذلك بعلى فى قوله {عَلَيْكُمُ} أيها المؤمنون والقاتلون وولاة الأمر، فالخطاب بالكاف للذين آمنوا والقاتلين وولاة الأمر كقوله تعالى: {أية : يَٰأيُهَا النبى إذَا طَلقْتُم النساءَ} تفسير : [الطلاق: 1] فالخطاب للنبى وسائر المطلقين، يقال لرئيس القوم يا فلان إذا جئتم أكرمتكم {الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} المماثلة فيهم أى فى قتل القتلى، أى فى شأنه أو بسببه، ومنه المقص لتساوى أطرافه، والقصة لأنها تساوى المحكى، والقاص لأنه يذكر بلا تغيير، وإلا عد محرفا، وذلك بأن يقتل القاتل فقط، كما قتل القاتل إنساناً فقط ويقتل العبد إذا قتل عبداً كما قتل العبد، ولا يقتل به الحر وهكذا، ومعنى كتب عليكم القصاص أنه حق واجب على القاتل لمن له لدم، ووجوبه لا ينافى أنه يجوز العفو مطلقاً والعفو عن القتل مع أخذ الدية، كما تقول يجب على المدين أن يقضى الغريم، فإنه لو ترك الغريم الدين جاز، فلا عطاء على المدين. نزلت الآية فى الأوس والخزرج، كان لأحدهما، ولعلهم الأوس، على الآخرين قرة وشرف، وكانوا ينكحون نساءهم بلا مهر، وأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد منا، وبالمرأة منا الرجل منهم، بلا ردٍّ لنصف دية الرجل، وبالرجل الرجلين، وجعلوا جراحاتهم ضعف جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبى صلى الله عليه وسم فأمرهم الله بالمساواة، فرضوا وسلموا، ويقال ذلك بين قريظة والنضير من اليهود، ويقولون لنبى قريظة: إذ قتلتم عبداً قتلنا منكم حراً، وإذا قتلتم منا حرّاً قتلنا منكم حرين، ونقتل رجلكم بأنثانا، قيل ويرده قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} وهؤلاء كفرة، ويجاب بأنه وقع ذلك بين الأوس والخزرج، ووقع أيضاً بين قريظة والنضير، كما مر، أنهم تحالفوا، إحداهما مع الأوس، والأخرى مع الخزرج، فغلب المؤمنون وهم الأوس والخزرج، وبأن المؤمنين هم الحكام على قاتل من اليهود ومن المسلمين {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} يقتل الحر الواحد بالحر، لا بالعبد، ولا حران بحر واحد، أو الحر يقتل بالحر وكذا ما بعده {وَالْعَبْدُ} الواحد لا اثنان ولا الحر {بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى} لا الأنثيان ولا الذكر بلا رد لنصف دية الذكر {بِالأُنْثَى} والخنثى بالخنثى، لا الذكر به بلا رد زائد، ولا الخنثى بالمرأة بلا رد، وقيل بينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى بلا رد، وأنه تعتبر المماثلة فى الدين، وأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر ولو حرّاً، ويقتل كافر بمسلم، وعن على: مضت السنة أن لا يقتل مسلم بذى عهد، ولا حر بعبد، والمشرك غير ذى العهد أولى بأن لا يقتل به مؤمن، وكان أبو بكر عمد كلما قتل عبداً لا يقتلانه به، سواء أكان له أم لغيره، وهما عمدة بين الصحابة ولم يخالفهما أحد، وقتل رجل عبده فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة، ولم يصح عن مالك والشافعى أنه لا يقتل الذكر بالأنثى، وقيل عن أبى حنيفة أنه يقتل الحر فى العبد المؤمن، لقوله صلى الله عليه وسلم حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهمتفسير : ، ورد بأنه استثنى منه العبد، إذ قال لا يقتل حر بعبد، وعن مالك والحنفية أنه ليس للولى إلا القتل، إلا إن رضى القاتل بالدية، ويرده تخييره صلى الله عليه وسلم الولى بين القتل والدية وتركهما {فَمَنْ عُفِيَ} سومح {لَهُ} فالقاتل الذى ترك له {مِنْ أَخِيهِ} المقتول أى من دم أخيه والتارك ورثة المقتول، وقيل الأخ ولى الدم، والمراد الأخوة فى التوحيد، وفيه رد على الصفرية القائلين بأن فاعل الكبيرة والمعصية مشرك، وبعد التأويل بالأحوة فى الآدمية، وذكره بلفظ أخيه ليرق له والقتل لا يقطع الأخوة {شَيْءٌ} من القتل ولو جزءا من ألف جزء، أو شيئاً من الدية تركه الورثة كلهم أو بعضهم {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍ} أى فالواجب، أو فعلى المعفو له، أو فالأمر أن يتبعه العافى وسائر الورثة بالدية أو ببعضها إن ترك البعض منها، بلا عنف وبلا ملازمة إن أعسر، وأن يؤدى القاتل الدية، أو ما بقى منها بلا مطل ولا بخس، وإن ترك القتل والدية فلا اتباع، والواجب القتل، والدية بدله، فلو قال عفوت عنه لم يكن له قتل، لأنه الأصل وقد عفا، ولا دية لأنها بدله وقد سقط فلا دية، وقيل الواجب أحدهما على الإيهام، فلو عفا لم يحمل عليه بل لتبقى له، بأن يحمل العفو على العفو عن القتل، فيعطى الدية وإن صرح بما عفا فيه عمل به {ذَٰلِكَ} التخيير لولى الدم بين القتل وأخذ الدية والعفو {تَخْفِيفٌ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} إذ لم يحتم القتل كاليهود، ولا الدية كالنصارى، وفى تحتيم أحدهما تضييق على الوارث والقاتل {فَمَنِ اعْتَدَى} بالقتل {بَعْدَ ذَٰلِكَ} أى بعد تركه، أو بعد أخذ الدية أو بعد العفو الكلى {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الدنيا بالقتل، فإنه لا يعفى عنه ولو عفا عنه ولى القاتل، كما جاء به الحديث، وفى الآخرة بالنار إلا إن تاب فلا عذاب فى الآخرة عليه فى ذلك، وعليه القتل ولو تاب، وروى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أعفى أحداً بعد أخذ الدية ".

الالوسي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} شروع في بيان بعض الأحكام الشرعية على وجه التلافي لما فرط من المخلين بما تقدم من قواعد الدين التي يبنى عليها أمر المعاش والمعاد {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } أي فرض وألزم عند مطالبة صاحب الحق فلا يضر فيه قدرة الولي على العفو فإن الوجوب إنما اعتبر بالنسبة إلى الحكام أو القاتلين، وأصل الكتابة الخط ثم كني به عن الإلزام،/ وكلمة ـ على ـ صريحة في ذلك {ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} أي بسببهم على حد «إن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها» وقيل: عدى القصاص بفي لتضمنه معنى المساواة إذ معناه أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، ومنه سمي المقص مقصاً لتعادل جانبيه، والقصة قصة لأن الحكاية تساوي المحكي، والقصاص قصاصاً لأنه يذكر مثل أخبار الناس، والقتلى جمع قتيل كجريح وجرحى، وقرىء كتب على البناء للفاعل، والقصاص بالنصب وليس في إضمار المتعين المتقرر قبل ذكره إضمار قبل الذكر. {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلاُْنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} جملة مبينة لما قبلها أي الحر يقتص بالحر، وقيل: مأخوذ به، روي أنه كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد والذكر بالأنثى فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فأمرهم أن يتباوؤا، فالآية كما تدل على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا لم يعلم نفيه بمفهوم الموافقة وقد علم من قتل العبد بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر بطريق الأولى كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى لأن مفهوم المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط مشروط بأن لا يكون للتخصيص فائدة أخرى، والحديث بين الفائدة وهو المنع من التعدي وإثبات المساواة بين حر وحر وعبد وعبد فمنع الشافعي ومالك قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره ليس للآية بل للسنة والإجماع والقياس، أما الأول: فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه: «أن رجلاً قتل عبده فجلده الرسول صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده به» وأخرج أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد»تفسير : وأما الثاني: فقد روى أن أبا بكر. وعمر رضي الله تعالى عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة ولم ينكر عليهما أحد منهم وهم الذين لم تأخذهم في الله تعالى لومة لائم. وأما الثالث: فلأنه لا قصاص في الأطراف بين الحر والعبد بالاتفاق فيقاس القتل عليه. وعند إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه يقتل الحر بالعبد لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم» تفسير : ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما، والتفاضل في الأنفس غير معتبر بدليل أن الجماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به ولقوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } تفسير : [المائدة: 45] وشريعة من قبلنا إذا قصت علينا من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا، ومن الناس من قال: إن الآية دالة على ما ذهب إليه المخالف لأن {ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ} بيان وتفسير لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} فدل على أن رعاية التسوية في ـ الحرية والعبدية ـ معتبرة، وإيجاب القصاص على ـ الحر ـ بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في ذلك المعنى ومقتضى هذا أن لا يقتل العبد إلا بالعبد ولا تقتل الأنثى إلا بالأنثى إلا أن المخالف لم يذهب إليه، وخالف الظاهر للقياس والإجماع، ومن سلم هذا منا ادعى نسخ الآية بقوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] لأنه لعمومه نسخ اشتراط المساواة في الحرية والذكورة المستفادة منها، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن المسيب والشعبـي والنخعي والثوري/ وأورد عليه أن الآية حكاية ما في التوراة وحجية حكاية شرع من قبلنا مشروطة بأن لا يظهر ناسخه كما صرحوا به، وهو يتوقف على أن لا يوجد في القرآن ما يخالف المحكي إذ لو وجد ذلك كان ناسخاً له لتأخره عنه فتكون الحكاية حكاية المنسوخ، ولا تكون حجة فضلاً عن أن تكون ناسخاً، وبعد تسليم الدلالة يوجد الناسخ كما لا يخفى هذا، وذهب ساداتنا الحنفية والمالكية وجماعة إلى أنه ليس للولي إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضا القاتل لأن الله تعالى ذكر في الخطأ الدية فتعين أن يكون القصاص فيما هو ضد الخطأ وهو العمد ولما تعين بالعمد لا يعدل عنه لئلا يلزم الزيادة على النص بالرأي، واعترض بأن منطوق النص وجوب رعاية المساواة في القود وهو لا يقتضي وجوب أصل القود، وأجيب بأن القصاص وهو القود بطريق المساواة يقتضي وجوبهما. {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ} أي ما يسمى شيئاً من العفو والتجاوز ولو أقل قليل فالمصدر المبهم في حكم الموصوف فيجوز نيابته عن الفاعل وله مفعول به، و {مِنْ أَخِيهِ} يجوز أن يتعلق بالفعل ويجوز أن يكون حالاً من {شيء}، وفي إقامة {شيء} مقام الفاعل على إشعار بأن بعض العفو كأن يعفى عن بعض الدم أو يعفو عنه بعض الورثة كالعفو التام في إسقاط القصاص لأنه لا يتجزأ، والمراد بالأخ وليّ الدم سماه أخاً استعطافاً بتذكير إخوة البشرية والدين، وقيل: المراد به المقتول، والكلام على حذف مضاف أي من دم أخيه، وسماه أخا القاتل للإشارة إلى أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع بالقتل، و {عُفِىَ} تعدى إلى الجاني وإلى الجناية بعن يقال: ـ عفوت عن زيد وعن ذنبه ـ وإذا عديت إلى الذنب مراداً سواء كان مذكوراً أو لا كما في الآية عدي إلى الجاني باللام لأن التجاوز عن الأول والنفع للثاني فالقصد هنا إلى التجاوز عن الجناية إلا أنه ترك ذكرها لأن الاهتمام بشأن الجاني، وقدر بعضهم ـ عن ـ هذه داخلة على شيء لكن لما حذفت ارتفع لوقوعه موقع الفاعل، وهو من باب الحذف والايصال المقصور على السماع، ومن الناس من فسر (عفي) بترك فهو حينئذ متعد أقيم مفعوله مقام فاعله، واعترض بأنه لم يثبت ـ عفا ـ الشيء بمعنى تركه، وإنما الثابت أعفاه، ورد بأنه ورد، ونقله أئمة اللغة المعول عليهم في هذا الشأن وهو وإن لم يشتهر إلا أن إسناد المبني للمجهول إلى المفعول الذي هو الأصل يرجح اعتباره ويجعله أولى من المشهور لما أن فيه إسناد المجهول للمصدر وهو خلاف الأصل، والقول بأن {شَىْءٌ} مرفوع ـ بترك ـ محذوفاً يدل عليه {عُفِىَ} ليس بشي لأنه بعد اعتبار معنى العفو لا حاجة إلى معنى الترك بل هو ركيك كما لا يخفى. {فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ} أي فليكن ـ اتباع ـ أو فالأمر ـ اتباع ـ والمراد وصية العافي بأن لا يشدد في طلب الدية على المعفو له وينظره إن كان معسراً ولا يطالبه بالزيادة عليها والمعفو بأن لا يمطل العافي فيها ولا يبخس منها ويدفعها عند الإمكان، وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن وقتادة ومجاهد، وقيل: المراد فعلى المعفو له الاتباع والاداء، والجملة خبر (من) على تقدير موصوليتها، وجواب الشرط على تقدير شرطيتها، وربما يستدل بالآية على أن مقتضى العمد القصاص وحده حيث رتب الأمر بأداء الدية على العفو المرتب على وجوب القصاص، واستدل بها بعضهم على أن الدية أحد مقتضى العمد وإلا لما رتب الأمر بأداء الدية على مطلق العفو الشامل للعفو عن كل الدم وبعضه بل يشترط رضا القاتل وتقييده بالبعض، واعترض بأنه إنما يتم لو كان التنوين في (شيء) للإبهام أي شيء من العفو أي شيء كان ككله أو بعضه أما لو كان للتقليل فلا إذ يكون الأمر بالأداء مرتياً على بعض العفو ولا شك أنه إذا تحقق عن الدم يصير/ الباقي مالاً وإن لم يرض القاتل، وأيضاً الآية نزلت في الصلح وهو الموافق "للأم" فإن عفا إذا استعملت بها كان معناها البدل أي فمن أعطي له من جهة أخيه المقتول شيء من المال بطريق الصلح فلمن أعطى وهو الولي مطالبة البدل عن مجاملة وحسن معاملة إلا أن يقال: إنها نزلت في ـ العفو ـ كما هو ظاهر اللفظ، وبه قال أكثر المفسرين. {ذٰلِكَ} أي الحكم المذكور في ضمن بيان العفو والدية {تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} لما في شرعية العفو تسهيل على القاتل، وفي شرعية ـ الدية ـ نفع لأولياء المقتول، وعن مقاتل أنه كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى ـ العفو ـ مطلقاً، وخيَّـر هذه الأمة بين الثلاث تيسيراً عليهم وتنزيلاً للحكم على حسب المنازل، وعلى هذا يكون {أية : فَمَن تَصَدَّقَ } تفسير : [المائدة: 45] بياناً لحكم هذه الشريعة بعد حكاية حكم كان في التوراة، ليس داخلاً تحت الحكاية {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي تجاوز ما شرع بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم؛ أو قتل القاتل بعد ـ العفو ـ وأخذ الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي نوع من العذاب مؤلم، والمتبادر أنه في الآخرة، والمروي عن الحسن وابن جبير أنه في الدنيا بأن يقتل لا محالة ولا يقبل منه ديه لما أخرجه أبو داود من حديث سمرة مرفوعاً «حديث : لا أعافي أحداً قتل بعد أخذ الدية».

سيد قطب

تفسير : يتضمن هذا الدرس جانباً من التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المسلم الذي كان ينشأ في المدينة نشأته الأولى، كما يتضمن جانباً من العبادات المفروضة.. هذه وتلك مجموعة متجاورة في قطاع واحد من قطاعات السورة. وهذه وتلك مشدودة برباط واحد إلى تقوى الله وخشيته، حيث يتكرر ذكر التقوى في التعقيب على التنظيمات الاجتماعية والتكاليف التعبدية سواء بسواء.. وحيث تجيء كلها عقب آية البر التي استوعبت قواعد التصور الإيماني وقواعد السلوك العملي في نهاية الدرس السابق. في هذا الدرس حديث عن القصاص في القتلى وتشريعاته. وفيه حديث عن الوصية عند الموت.. ثم حديث عن فريضة الصوم وشعيرة الدعاء وشعيرة الاعتكاف.. وفي النهاية حديث عن التقاضي في الأموال. وفي التعقيب على القصاص ترد إشارة إلى التقوى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}.. وفي التعقيب على الوصية ترد الإشارة إلى التقوى كذلك: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - أن ترك خيراً - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين}.. وفي التعقيب على الصيام ترد الإشارة إلى التقوى أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.. ثم ترد نفس الإشارة بعد الحديث عن الاعتكاف في نهاية الحديث عن أحكام الصوم: {تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.. ولا تبعد التعقيبات القليلة الباقية في الدرس عن معنى التقوى، واستجاشة الحساسية والشعور بالله في القلوب. فتجيء هذه التعقيبات: {ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}.. {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.. {إن الله سميع عليم}.. {إن الله غفور رحيم}.. وهو اطراد يوجه النظر إلى حقيقة هذا الدين.. إنه وحدة لا تتجزأ.. تنظيماته الاجتماعية، وقواعده التشريعية وشعائره التعبدية.. كلها منبثقة من العقيدة فيه؛ وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة؛وكلها مشدودة برباط واحد إلى الله؛ وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة: عبادة الله الواحد. الله الذي خلق، ورزق، واستخلف الناس في هذا الملك، خلافة مشروطة بشرط: أن يؤمنوا به وحده؛ وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده؛ وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده. وهذا الدرس بمجموعة الموضوعات التي يحتويها، والتعقيبات التي يتضمنها، نموذج واضح لهذا الترابط المطلق في هذا الدين.. {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. ذلك تخفيف من ربكم ورحمة. فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}.. النداء للذين آمنوا.. بهذه الصفة التي تقتضي التلقي من الله، الذي آمنوا به، في تشريع القصاص. وهو يناديهم لينبئهم أن الله فرض عليهم شريعة القصاص في القتلى، بالتفصيل الذي جاء في الآية الأولى. وفي الآية الثانية يبين حكمة هذه الشريعة، ويوقظ فيهم التعقل والتدبر لهذه الحكمة، كما يستجيش في قلوبهم شعور التقوى؛ وهو صمام الأمن في مجال القتلى والقصاص. وهذه الشريعة التي تبينها الآية: أنه عند القصاص للقتلى - في حالة العمد - بقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان}.. وهذا العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلاً من قتل الجاني. ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه، فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة. ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال. تحقيقاً لصفاء القلوب، وشفاء لجراح النفوس، وتقوية لأواصر الأخوة بين البقية الأحياء. وقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الدية هذه بما فيها من تخفيف ورحمة: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة}.. ولم يكن هذا التشريع مباحاً لبني إسرائيل في التوراة. إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التراضي والصفاء. {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.. وفوق العذاب الذي يتوعده به في الآخرة.. يتعين قتله، ولا تقبل منه الدية. لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول، نكث للعهد، وإهدار للتراضي، وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب، ومتى قبل ولي الدم الدية، فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويعتدي. ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام؛ وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها؛ ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع.. إن الغضب للدم فطرة وطبيعة. فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص. فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس، ويفثأ حنق الصدور، ويردع الجاني كذلك عن التمادي، ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو، ويفتح له الطريق، ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع، لا فرضاً يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق. وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة. نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقاً: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس.. الآية}.. قال ابن كثير في التفسير: وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم. حدثنا أبو زرعة. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير. حدثني عبد الله بن لهيعة. حدثني عطاء بن دينار. عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} - يعني إذا كان عمداً - الحر بالحر... وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية - قبل الإسلام بقليل. فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا. فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم.. فنزل فيهم: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}.. منسوخة نسختها: {النفس بالنفس} وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: {النفس بالنفس}. والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس.. وأن لكل منهما مجالاً غير مجال الأخرى. وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين، على فرد معين أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك. فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمداً.. فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيين من العرب - حيث تعتدي أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة. فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء.. فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك، والعبد من هذه بالعبد من تلك، والأنثى من هذه بالأنثى من تلك. وإلا فكيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة؟ وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية، ولا تعارض في آيات القصاص. ثم يكمل السياق الحديث عن فريضة القصاص بما يكشف عن حكمتها العميقة وأهدافها الأخيرة: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}.. إنه ليس الانتقام، وليس إرواء الأحقاد. إنما هو أجل من ذلك وأعلى. إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة.. ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة، ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله.. والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء. فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمناً لحياة من يقتل.. جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد. كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل. شفائها من الحقد والرغبة في الثأر. الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم. وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل، ولا تكف عن المسيل.. وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم. فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل في سمة الحياة. فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة، فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها. وكان في هذا الكف حياة. حياة مطلقة. لا حياة فرد ولا حياة أسرة، ولا حياة جماعة.. بل حياة.. ثم - وهو الأهم والعامل المؤثر الأول في حفظ الحياة - استجاشة شعور التدبر لحكمة الله، ولتقواه: {لعلكم تتقون}.. هذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء. الاعتداء بالقتل ابتداء، والاعتداء في الثأر أخيراً.. التقوى.. حساسية القلب وشعروه بالخوف من الله؛ وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه. إنه بغير هذا الرباط لا تقوم شريعة، ولا يفلح قانون، ولا يتحرج متحرج، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح والحساسية والخوف والطمع في قوة أكبر من قوة الإنسان! وهذا ما يفسر لنا ندرة عدد الجرائم التي أقيمت فيها الحدود على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الخلفاء، ومعظمها كان مصحوباً باعتراف الجاني نفسه طائعاً مختاراً.. لقد كانت هنالك التقوى.. كانت هي الحارس اليقظ في داخل الضمائر، وفي حنايا القلوب، تكفها عن مواضع الحدود.. إلى جانب الشريعة النيرة البصيرة بخفايا الفطر ومكنونات القلوب.. وكان هناك ذلك التكامل بين التنظيمات والشرائع من ناحية والتوجيهات والعبادات من ناحية أخرى، تتعاون جميعها على إنشاء مجتمع سليم التصور سليم الشعور. نظيف الحركة نظيف السلوك. لأنها تقيم محكمتها الأولى في داخل الضمير! "حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان، وسقط الإنسان سقطة، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون تحول هذا الإيمان نفساً لوامة عنيفة ووخزاً لاذعاً للضمير وخيالاً مروعاً، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة، ويتحملها مطمئناً مرتاحاً، تفادياً من سخط الله، وعقوبة الآخرة". إنها التقوى.. إنها التقوى.. ثم يجيء تشريع الوصية عند الموت.. والمناسبة في جوها وجو آيات القصاص حاضرة: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - إن ترك خيراً - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين. فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. إن الله سميع عليم. فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه. إن الله غفور رحيم}.. وهذه كذلك كانت فريضة. الوصية للوالدين والأقربين. إن كان سيترك وراءه خيراً. وفسر الخير بأنه الثروة. واختلف في المقدار الذي تجب عنده الوصية. والأرجح أنها مسألة اعتبارية بحسب العرف. فقال بعضهم لا يترك خيراً من يترك أقل من ستين ديناراً، وقيل ثمانين وقيل أربعمائة. وقيل ألف.. والمقدار الذي يعتبر ثروة تستحق الوصية لا شك يختلف من زمان إلى زمان، ومن بيئة إلى بيئة. وقد نزلت آيات المواريث بعد نزول آيات الوصية هذه. وحددت فيها أنصبة معينة للورثة، وجعل الوالدان وارثين في جميع الحالات. ومن ثم لم تعد لهما وصية لأنه لا وصية لوارث. لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث". تفسير : أما الأقربون فقد بقي النص بالقياس إليهم على عمومه. فمن ورثته آيات الميراث فلا وصية له؛ ومن لم يرث بقي نص الوصية هنا يشمله.. وهذا هو رأي بعض الصحابة والتابعين نأخذ به. وحكمة الوصية لغير الورثة تتضح في الحالات التي توجب فيها صلة القرابة البر ببعض الأقارب، على حين لا تورثهم آيات الميراث لأن غيرهم يحجبهم. وهي لون من الوان التكافل العائلي العام في خارج حدود الوراثة. ومن ثم ذكر المعروف وذكر التقوى: {بالمعروف حقاً على المتقين}.. فلا يظلم فيها الورثة، ولا يهمل فيها غير الورثة؛ ويتحرى التقوى في قصد واعتدال، وفي بر وإفضال.. ومع هذا فقد حددت السنة نسبة الوصية، فحصرتها في الثلث لا تتعداه والربع أفضل. كي لا يضار الوارث بغير الوارث. وقام الأمر على التشريع وعلى التقوى، كما هي طبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يحققها الإسلام في تناسق وسلام. فمن سمع الوصية فهو آثم إن بدلها بعد وفاة المورث، وهذا من التبديل بريء: {فمن بدله بعدما سمعه، فإنما إثمه على الذين يبدلونه. إن الله سميع عليم}.. وهو - سبحانه - الشهيد بما سمع وعلم. الشهيد للمورث فلا يؤاخذ بما فعل من وراءه. والشهيد على من بدل فيؤاخذه بإثم التبديل والتغيير. إلا حالة واحدة يجوز فيها للوصي أن يبدل من وصية الموصي. ذلك إذا عرف أن الموصي إنما يقصد بوصيته محاباة أحد، أو النكاية بالوريث. فعندئذ لا حرج على من يتولى تنفيذ الوصية أن يعدل فيها بما يتلافى به ذلك الجنف، وهو الحيف، ويرد الأمر إلى العدل والنصف: {فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه. إن الله غفور رحيم}.. والأمر موكول إلى مغفرة الله ورحمته لهذا ولذاك. ومشدود إلى مراعاة الله في كل حال، فهي الضمان الأخير للعدل والإنصاف. وهكذا نجد الأمر في الوصية مشدوداً إلى تلك العروة التي شد إليها من قبل أمر القصاص في القتلى. والتي يشد إليها كل أمر في التصور الإيماني وفي المجتمع الإسلامي على السواء. ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليه الجهاد في سبيل الله، لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية، وللشهادة على الناس. فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة؛ ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد؛ كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها، إيثاراً لما عند الله من الرضى والمتاع. وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك؛ والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات؛ والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات! وذلك كله إلى جانب ما يتكشف على مدار الزمان من آثار نافعة للصوم في وظائف الأبدان. ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات - بصفة خاصة - بما يظهر للعين من فوائد حسية، إذ الحكمة الأصيلة فيها هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض، وتهيئته للكمال المقدر له في حياة الآخرة.. مع هذا فإنني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض والتوجيهات وذلك ارتكاناً إلى الملحوظ والمفهوم من مراعاة التدبير الإلهي لكيان هذا الإنسان جملة في كل ما يُفرض عليه وما يوجه إليه. ولكن في غير تعليق لحكمة التكليف الإلهي بهذا الذي يكشف عنه العلم البشري. فمجال هذا العلم محدود لا يتسع ولا يرتقي إلى استيعاب حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري. أو كل ما يروض به هذا الكون بطبيعة الحال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون، أياماً معدودات، فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر؛ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين؛ فمن تطوع خيراً فهو خير له؛ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}.. إن الله - سبحانه - يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له؛ مهما يكن فيه من حكمة ونفع، حتى تقتنع به وتراض عليه. ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين، المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة؛ ثم يقرر لهم - بعد ندائهم ذلك النداء - أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.. وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم.. إنها التقوى.. فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه. والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه. فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً وضيئاً يتجهون إليه عن طريق الصيام.. {لعلكم تتقون}.. ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر. ومع هذا فقد أعفي من أدائه المرضى حتى يصحوا، والمسافرون حتى يقيموا، تحقيقاً وتيسيراً: {أياماً معدودات. فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر}.. وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد. فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر، على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم. وهذا هو الأولى في فهم هذا النص القرآني المطلق، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومنع الضرر. فليست شدة المرض ولا مشقة السفر هي التي يتعلق بها الحكم إنما هي المرض والسفر إطلاقاً، لإرادة اليسر بالناس لا العسر. ونحن لا ندري حكمة الله كلها في تعليقه بمطلق المرض ومطلق السفر؛ فقد تكون هناك اعتبارات أخرى يعلمها الله ويجهلها البشر في المرض والسفر؛ وقد تكون هناك مشقات أخرى لا تظهر للحظتها، أو لا تظهر للتقدير البشري.. وما دام الله لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها؛ ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها. فوراءها قطعاً حكمة. وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها. يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص، وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب. مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون. ولكن هذا - في اعتقادي - لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص. فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى. وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى. والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق. وهذا الدين دين الله لا دين الناس. والله أعلم بتكامل هذا الدين، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد؛ وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها. بل لا بد أن يكون الأمر كذلك. ومن ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم. وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام؛ ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم. وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع، وسد للذرائع، فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف، إذ هي حساب بين العبد والرب، لا تتعلق به مصالح العباد تعلقاً مباشراً كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر. والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب. وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه، ويراها هي الأولى، ويحس أن طاعة الله في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها، أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص، فقد ينشيء حرجاً لبعض المتحرجين. في الوقت الذي لا يجدي كثيراً في تقويم المتفلتين.. والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله في هذا الدين. فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة.. وهذا هو جماع القول في هذا المجال. بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر، في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام.. وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر، قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين. وصورة سلوك أولئك السلف - رضوان الله عليهم - أملأ بالحيوية، وألصق بروح هذا الدين وطبيعته، من البحوث الفقهية؛ ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقاً حياً لهذه العقيدة وخصائصها: 1- عن جابر - رضي الله عنه - قال: "حديث : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ "كراع الغميم" فصام الناس. ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس، ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة. أولئك العصاة"تفسير : . (أخرجه مسلم والترمذي). 2- وعن أنس رضي الله عنه - قال "حديث : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر. فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. فسقط الصوام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب المفطرون اليوم بالأجر"تفسير : .(أخرجه الشيخان والنسائي). 3- وعن جابر - رضي الله عنه - قال "حديث : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فرأى رجلاً قد اجتمع عليه الناس، وقد ظلل عليه. فقال: ما له؟ فقالوا: رجل صائم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس من البر الصوم في السفر"تفسير : . (أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي). 4- وعن عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه - "حديث : قال قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفر، فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية. قلت: يا رسول الله إني صائم. قال: إذاً أخبرك عن المسافر. إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة"تفسير : . (أخرجه النسائي).. 5- وعن رجل من بني عبد الله بن كعب بن مالك اسمه أنس بن مالك. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر وأرخص له في الإفطار وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما". تفسير : (أخرجه أصحاب السنن). 6- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت "حديث : سأل حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم في السفر. (وكان كثير الصيام) فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر"تفسير : . (أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي) وفي رواية أخرى وكان جلداً على الصوم. 7- وعن أنس - رضي الله عنه - قال كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فمنا الصائم ومنا المفطر. فلا الصائم يعيب على المفطر ولا المفطر يعيب على الصائم"..(أخرجه مالك والشيخان وأبو داود). 8- وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر؛ وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن رواحة رضي الله عنه..(أخرجه الشيخان وأبو داود). 9- وعن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك - رضي الله عنه في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنة؟ قال: نعم. ثم ركب..(أخرجه الترمذي). 10- وعن عبيد بن جبير قال كنت مع أبي بصرة الغفاري - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه في سفينة من الفسطاط في رمضان. فدفع فقِّرب غداؤه، فقال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فأكل وأكلت..(أخرجه أبو داود) 11- وعن منصور الكلبي: أن دحية بن خليفة - رضي الله عنه - خرج من قرية من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفساط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان. فأفطر وأفطر معه ناس كثير. وكره آخرون أن يفطروا. فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أن أراه. إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. اللهم أقبضني إليك..(أخرجه أبو داود).. فهذه الأحاديث في جملتها تشير إلى تقبل رخصة الإفطار في السفر في سماحة ويسر. وترجح الأخذ بها. ولا تشترط وقوع المشقة للأخذ بها كما يشير إلى ذلك الحديثان الأخيران بوجه خاص، وإذا كان الحديث الثامن منها يشير إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده ظل مرة صائماً مع المشقة هو وعبد الله بن رواحة، فقد كانت له - صلى الله عليه وسلم - خصوصيات في العبادة يعفي منها أصحابه. كنهيه لهم عن مواصلة الصوم وهو كان يواصل أحياناً. أي يصل اليوم باليوم بلا فطر. فلما قالوا له في هذا، قال: "حديث : إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" تفسير : ..(أخرجه الشيخان) وثابت من الحديث الأول أنه أفطر وقال عن الذين لم يفطروا: أولئك العصاة. أولئك العصاة. وهذا الحديث متأخر - في سنة الفتح - فهو أحدث من الأحاديث الأخرى. وأكثر دلالة على الاتجاه المختار.. والصورة التي تنشأ في الحس من مجموع هذه الحالات.. أنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية، تقتضي توجيهاً معيناً كما هو الشأن في الأحاديث التي تروى في الموضوع العام الواحد، ونجد فيها توجيهات متنوعة - فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يربي وكان يواجه حالات حية. ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة! ولكن الانطباع الأخير في الحس في أمر الصوم في السفر هو استحباب الفطر، دون تقيد بحصول المشقة بالفعل.. أما المرض فلم أجد فيه شيئاً إلا أقوال الفقهاء، والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض، بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته، على وجوب القضاء يوماً بيوم في المرض والسفر، من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح. وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية؛ ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية، وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها. وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد؛ وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره، وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة.. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده الله - بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملاً متناسقاً في طمأنينة إلى الله، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه. ثم نعود إلى استكمال السياق: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيراً فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.. وفي أول الأمر كان تكليف الصوم شاقاً على المسلمين - وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة قبيل فرض الجهاد - فجعل الله فيه رخصة لمن يستطيع الصوم بجهد - وهو مدلول يطيقونه - فالإطاقة الاحتمال بأقصى جهد - جعل الله هذه الرخصة، وهي الفطر مع إطعام مسكين.. ثم حببهم في التطوع بإطعام المساكين إطلاقاً، إما تطوعاً بغير الفدية، وإما بالإكثار عن حد الفدية، كأن يطعم اثنين أو ثلاثة أو أكثر بكل يوم من أيام الفطر في رمضان: {فمن تطوع خيراً فهو خير له}.. ثم حببهم في اختيار الصوم مع المشقة - في غير سفر ولا مرض -: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.. لما في الصوم من خير في هذه الحالة. يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة، وتقوية الاحتمال، وإيثار عبادة الله على الراحة. وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية. كما يبدو لنا منه ما في الصوم من مزايا صحية - لغير المريض - حتى ولو أحس الصائم بالجهد. وعلى أية حال فقد كان هذا التوجيه تمهيداً لرفع هذه الرخصة عن الصحيح المقيم وإيجاب الصيام إطلاقاً. كما جاء فيما بعد. وقد بقيت للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم، ولا ترجى له حالة يكون فيها قادراً على القضاء.. فأخرج الإمام مالك أنه بلغه أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي.. وقال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.. وعن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس نزلت هذه الآية فنسخت الأولى إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر. فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بالآية الآتية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه...}. وتحبيب آخر في أداء هذه الفريضة للصحيح المقيم.. إنها صوم رمضان: الشهر الذي أنزل فيه القرآن - إما بمعنى أن بدء نزوله كان في رمضان، أو أن معظمه نزل في أشهر رمضان - والقرآن هو كتاب هذه الأمة الخالد، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، فأنشأها هذه النشأة، وبدلها من خوفها أمناً، ومكن لها في الأرض، ووهبها مقوماتها التي صارت بها أمة، ولم تكن من قبل شيئاً. وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض ولا ذكر في السماء. فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل فيه القرآن: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.. فمن شهد منكم الشهر فليصمه. ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر}.. وهذه هي الآية الموجبة الناسخة لرخصة الإفطار والفدية بالنسبة للصحيح المقيم - فيما عدا الشيخ والشيخة كما أسلفنا: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.. أي من حضر منكم الشهر غير مسافر. أو من رأى منكم هلال الشهر. والمستيقن من مشاهدة الهلال بأية وسيلة أخرى كالذي يشهده في إيجاب الصوم عليه عدة أيام رمضان. ولما كان هذا نصاً عاماً فقد عاد ليستثني منه من كان مريضاً أو على سفر: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر}.. وتحبيب ثالث في أداء الفريضة، وبيان لرحمة الله في التكليف وفي الرخصة سواء: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.. وهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها. فهي ميسرة لا عسر فيها. وهي توحي للقلب الذي يتذوقها، بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها؛ وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد. سماحة تؤدى معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي مسيل الماء الجاري، ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء. مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين. وقد جعل الصوم للمسافر والمريض في أيام أخر، لكي يتمكن المضطر من إكمال عدة أيام الشهر، فلا يضيع عليه أجرها: {ولتكملوا العدة}. والصوم على هذا نعمة تستحق التكبير والشكر: {ولتكبروا الله على ما هداكم. ولعلكم تشكرون}.. فهذه غاية من غايات الفريضة.. أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم. وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة. وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها. وهم شاعرون بالهدى ملموساً محسوساً ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة. ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة. كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام: {لعلكم تتقون}.. وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقّاً على الأبدان والنفوس. وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه، أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير. وقبل أن يمضي السياق في بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك.. نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة. نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم، والجزاء المعجل على الاستجابة لله.. نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله، وفي استجابته للدعاء.. تصوره ألفاظ رفافة شفافة تكاد تنير: {وإذا سألك عبادي عني، فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.. فإني قريب.. أجيب دعوة الداع إذا دعان.. أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود، وظل هذا القرب، وظل هذا الإيناس؟ وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب. أجيب دعوة الداع إذا دعان}.. إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. لم يقل: فقل لهم: إني قريب.. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال.. قريب.. ولم يقل أسمع الدعاء.. إنما عجل بإجابة الدعاء: {أجيب دعوة الداع إذا دعان}.. إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين. وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية.. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.. فالثمرة الأخيرة من الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك.. وهي الرشد والهدى والصلاح. فالله غني عن العالمين. والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد. فالمنهج الإلهي الذي اختاره الله للبشر هو المنهج الوحيد الراشد القاصد؛ وما عداه جاهلية وسفه لا يرضاه راشد، ولا ينتهي إلى رشاد. واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له هم ويرشدون. وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه. فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم. أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن ميمون - بإسناده - عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبين ". تفسير : وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - بإسناده - عن ابن ثوبان: ورواه عبد الله بن الإمام أحمد - بإسناده - عن عبادة بن الصامت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ". تفسير : وفي الصحيحين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول دعوت فلم يستجب لي! ".. تفسير : وفي صحيح مسلم: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله وما الاستعجال. قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ". تفسير : والصائم أقرب الدعاة استجابة، كما روى الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده - بإسناده - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "حديث : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة.."تفسير : فكان عبد الله ابن عمر إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا. وروى ابن ماجه في سننه - بإسناده - عن عبد الله بن عمر كذلك قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" تفسير : وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ".. تفسير : ومن ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام. ثم يمضي السياق يبين للذين آمنوا بعض أحكام الصيام. فيقرر لهم حل المباشرة للنساء في ليلة الصوم ما بين المغرب والفجر. وحل الطعام والشراب كذلك، كما يبين لهم مواعيد الصوم من الفجر إلى الغروب، وحكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هن لباس لكم وأنتم لباس لهن؛ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم؛ فالأن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد. تلك حدود الله فلا تقربوها. كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}. وفي أول فرض الصوم كانت المباشرة والطعام والشراب تمتنع لو نام الصائم بعد إفطاره. فإذا صحا بعد نومه من الليل - ولو كان قبل الفجر - لم تحل له المباشرة ولم يحل له الطعام والشراب. وقد وقع أن بعضهم لم يجد طعاماً عند أهله وقت الإفطار، فغلبه النوم، ثم صحا فلم يحل له الطعام والشراب فواصل. ثم جهد في النهار التالي وبلغ أمره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما وقع أن بعضهم نام بعد الإفطار أو نامت امرأته، ثم وجد في نفسه دفعة للمباشرة ففعل وبلغ أمره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبدت المشقة في أخذ المسلمين بهذا التكليف، فردهم الله إلى اليسر وتجربتهم حاضرة في نفوسهم، ليحسوا بقيمة اليسر وبمدى الرحمة والاستجابة.. ونزلت هذه الآية نزلت. تحل لهم المباشرة ما بين المغرب والفجر: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}.. والرفث مقدمات المباشرة، أو المباشرة ذاتها، وكلاهما مقصود هنا ومباح.. ولكن القرآن لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة، تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقاً ونداوة، وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته، وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}.. واللباس ساتر وواق.. وكذلك هذه الصلة بين الزوجين. تستر كلاًّ منهما وتقيه. والإسلام الذي يأخذ هذا الكائن الإنساني بواقعه كله، ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي، ويأخذ بيده إلى معارج الارتفاع بكليته.. الإسلام وهذه نظرته يلبي دفعة اللحم والدم. وينسم عليها هذه النسمة اللطيفة، ويدثرها بهذا الدثار اللطيف.. في آن.. ويكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم، وهو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم. فتاب عليكم وعفا عنكم}.. وهذه الخيانة لأنفسهم التي يحدثهم عنها، تتمثل في الهواتف الحبيسة، والرغبات المكبوتة؛ أو تتمثل في الفعل ذاته، وقد ورد أن بعضهم أتاه.. وفي كلتا الحالتين لقد تاب عليهم وعفا عنهم، مذ ظهر ضعفهم وعلمه الله منهم.. فأباح لهم ما كانوا يختانون فيه أنفسهم: {فالأن باشروهن}.. ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تربط بالله، ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله أيضاً: {وابتغوا ما كتب الله لكم}.. ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء، ومن المتعة بالذرية، ثمرة المباشرة. فكلتاهما من أمر الله، ومن المتاع الذي أعطاكم إياه، ومن إباحتها وإتاحتها يباح لكم طلبها وابتغاؤها. وهي موصولة بالله فهي من عطاياه. ومن ورائها حكمة، ولها في حسابه غاية. فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد، منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط. بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما، وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما. وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى.. ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها، في حدود فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها. وهذا هو المنهج الإسلامي للتربية والاستعلاء والنماء. المنهج الخارج من يد الخالق. وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. وكما أباح المباشرة أباح الطعام والشراب في الفترة ذاتها: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.. أي حتى ينتشر النور في الأفق وعلى قمم الجبال. وليس هو ظهور الخيط الأبيض في السماء وهو ما يسمى بالفجر الكاذب. وحسب الروايات التي وردت في تحديد وقت الإمساك نستطيع أن نقول: إنه قبل طلوع الشمس بقليل. وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت.. ربما زيادة في الاحتياط.. قال ابن جرير - بإسناده - عن سمرة بن جندب: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض، حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر" تفسير : ..ثم رواه من حديث شعبة وغيره عن سواد بن حنظلة عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكنه الفجر المستطير في الأفق" تفسير : ..والفجر المستطير في الأفق يسبق طلوع الشمس بوقت قليل.. وكان بلال - رضي الله عنه - يبكر في الأذان لتنبيه النائم، وكان ابن أم مكتوم يؤذن متأخراً للإمساك وإلى هذا كانت الإشارة إلى أذان بلال.. ثم يذكر حكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد. والاعتكاف - بمعنى الخلوة إلى الله في المساجد. وعدم دخول البيوت إلا لضرورة قضاء الحاجة، أو ضرورة الطعام والشراب - يستحب في رمضان في الأيام الأخيرة. وكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر منه.. وهي فترة تجرد لله. ومن ثم امتنعت فيها المباشرة تحقيقاً لهذا التجرد الكامل، الذي تنسلخ فيه النفس من كل شيء، ويخلص فيه القلب من كل شاغل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}.. سواء في ذلك فترة الإمساك وفترة الإفطار. وفي النهاية يربط الأمر كله بالله على طريقة القرآن في توجيه كل نشاط وكل امتناع. كل أمر وكل نهي. كل حركة وكل سكون: {تلك حدود الله فلا تقربوها}.. والنهي هنا عن القرب.. لتكون هناك منطقة أمان. فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. والإنسان لا يملك نفسه في كل وقت ; فأحرى به ألا يعرض إرادته للامتحان بالقرب من المحظورات المشتهاة، اعتماداً على أنه يمنع نفسه حين يريد. ولأن المجال هنا مجال حدود للملاذ والشهوات كان الأمر: {فلا تقربوها}.. والمقصود هو المواقعة لا القرب. ولكن هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه في التحرج والتقوى: {كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.. وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها، وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا، المخاطبون بهذا القرآن في كل حين. وفي ظل الصوم، والامتناع عن المأكل والمشرب، يرد تحذير من نوع آخر من الأكل: أكل أموال الناس بالباطل: عن طريق التقاضي بشأنها أمام الحكام اعتماداً على المغالطة في القرائن والأسانيد، واللحن بالقول والحجة. حيث يقضي الحاكم بما يظهر له، وتكون الحقيقة غير ما بدا له. ويجيء هذا التحذير عقب ذكر حدود الله، والدعوة إلى تقواه، ليظللها جو الخوف الرادع عن حرمات الله: {ولا تأكلو أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}. ذكر ابن كثير في تفسير الآية: "قال علي بن أبي طلحة وعن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام. وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار. فليحملها أو ليذرها ".. تفسير : وهكذا يتركهم لما يعلمونه من حقيقة دعواهم. فحكم الحاكم لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً. إنما هو ملزم في الظاهر. وإثمه على المحتال فيه. وهكذا يربط الأمر في التقاضي وفي المال بتقوى الله. كما ربط في القصاص، وفي الوصية وفي الصيام. فكلها قطاعات متناسقة في جسم المنهج الإلهي المتكامل. وكلها مشدودة إلى تلك العروة التي تربط قطاعات المنهج كله.. ومن ثم يصبح المنهج الإلهي وحدة واحدة. لا تتجزأ ولا تتفرق. ويصبح ترك جانب منه وإعمال جانب، إيماناً ببعض الكتاب وكفراً ببعض.. فهو الكفر في النهاية. والعياذ بالله..

ابن عاشور

تفسير : أعيد الخطاب بيأيُّها الذين آمنوا لأن هذا صنف من التشريع لأحكام ذات بال في صلاح المجتمع الإسلامي واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد الهجرة جماعةً ذات استقلال بنفسها ومديِنتها، فإن هاته الآيات كانت من أول ما أنزل بالمدينة عام الهجرة كما ذكره المفسرون في سبب نزولها في تفسير قوله تعالى بعدَ هذا: { أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] الآية. تلك أحكام متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال المجتمع، وابتُدىء بأحكام القصاص، لأن أعظم شيء من اختلال الأحوال اختلالُ حفظ نفوس الأمة، وقد أفرط العرب في إضاعة هذا الأصل، يَعلم ذلك مَنْ له إلمام بتاريخهم وآدابهم وأحوالهم، فقد بلغ بهم تطرفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال ذلك فلم يتداركهم الله فيه بنعمة الإسلام، فكانوا يغير بعضهم على بعض لغنيمة أنعامه وعبيده ونسائه فيدافع المُغَار عليه وتتلف نفوس بين الفريقين ثم ينشأ عن ذلك طلب الثارات فيسعى كل من قتل له قتيل في قَتْل قاتِل وليِّه وإن أعوزه ذلك قتل به غيره من واحدٍ كفءٍ له، أو عدد يراهم لا يوازونه ويسمون ذلك بالتكايل في الدم أي كأنَّ دم الشريف يُكال بدماء كثيرة فربما قدروه باثنين أو بعشرة أو بمائة، وهكذا يدور الأمر ويتزايد تزايداً فاحشاً حتى يصير تفانياً قال زهير: شعر : تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وذُبْيَانَ بعدَما تَفانَوْا ودَقُّوا بينهم عِطْرَ مَنْشِم تفسير : وينتقل الأمر من قبيلة إلى قبيلة بالولاء والنسب والحلف والنصرة، حتى صارت الإحن فاشية فتخاذلوا بينهم واستنصر بعض القبائل على بعض فوجد الفرس والروم مدخلاً إلى التفرقة بينهم فحكموهم وأرْهبوهم، وإلى هذا الإشارة والله أعلم بقوله تعالى: { أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } تفسير : [آل عمران: 103] أي كنتم أعداء بأسباب الغارات والحروب فألف بينكم بكلمة الإسلام، وكنتم على وَشْك الهلاك فأنقذكم منه فضَرب مثلاً للهلاك العاجل الذي لا يُبقي شيئاً بحفرة النار فالقائم على حافتها ليس بينه وبين الهلاك إلاّ أقلُّ حركة. فمعنى {كتب عليكم} أنه حق لازم للأمة لا محيد عن الأخذ به فضمير {عليكم} لمجموع الأمة على الجملة لمن توجه له حق القصاص وليس المراد على كل فرد فرد القصاص، لأن ولي الدم له العفو عن دم وليه كما قال تعالى: {فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} وأصل الكتابة نقش الحروف في حَجَر أَوْ رَقِّ أو ثوب ولما كان ذلك النقش يراد به التوثق بما نقش به دوام تذكره أطلق كُتِب على معنى حَقَّ وثبت أي حق لأهل القتيل. والقصاص اسم لتعويض حق جنايةٍ أو حق غُرْم على أحد بمثل ذلك من عند المحقوق إنصافاً وعدلاً، فالقصاص يطلق على عقوبة الجاني بمثل ما جنَى، وعلى محاسبة رب الدين بما عليه للمدين من دين يفي بدينه، فإطلاقاته كلها تدل على التعادل والتناصف في الحقوق والتبعات المعروضة للغمص. وهو بوزن فِعال وهو وزن مصدر فَاعَلَ من القص وهو القطع ومنه قولهم: طائر مقصوص الجناح ومنه سمي المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما يقص منه لأنه يجري في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاصّ فلان فلاناً إذا طرح من دين في ذمته مقداراً بدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله، فلذلك سمي القَود وهو تمكينُ ولي المقتول من قَتل قاتِل مولاه قصاصاً قال تعالى: { أية : ولكم في القصاص حياة } تفسير : [البقرة: 179]، وسميت عقوبة من يجرح أحداً جُرحاً عمداً عدواناً بأن يُجْرح ذلك الجارح مثل ما جَرح غيره قصَاصاً قال تعالى: { أية : والجروح قصاص } تفسير : [المائدة: 45] وسموا معاملة المعتدي بمثل جرمه قصاصاً { أية : والحُرمٰت قصاص } تفسير : [البقرة: 194]، فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل. فقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} يتحمّل معنى الجزاء على القتل بالقتل للقاتل وتتحمل معنى التعادل والتماثل في ذلك الجزاء بما هو كالعوض له والمِثل، وتتحمل معنى أنه لا يقتل غير القاتل ممن لا شركة له في قتل القتيل فأفاد قوله: {كتب عليكم} حق المؤاخذة بين المؤمنين في قتل القتلى فلا يذهب حق قتيل باطلاً ولا يُقتل غير القاتل باطلاً، وذلك إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إهمال دم الوضيع إذا قتله الشريف وإهمال حق الضعيف إذا قتله القَوي الذي يُخشى قومه، ومن تَحَكُّمهم بطلب قتل غير القاتل إذا قَتَل أحد رجُلاً شريفاً يطلبون قتل رجل شريف مثله بحيث لا يقتلون القاتل إلاّ إذا كان بواء للمقتول أي كفءا له في الشرف والمجد ويعتبرون قيمة الدماء متفاوتة بحسب تفاوت السودد والشرف ويُسمون ذلك التفاوت تكَايُلاً من الكيل، قالت ابنة بهدل بن قرقة الطائي تستثير رهطها على قتل رجل قتل أباها وتَذكر أنها ما كانت تقنع بقتله به لولا أن الإسلام أبطل تكايل الدماء: شعر : أَمَا فِي بَنِي حِصْنٍ من ابنِ كريهة مِنَ القوْم طَلاَّبِ الترَّاتِ غَشَمْشَمِ فيَقتُلَ جَبْراً بامرىءٍ لم يكن له بَوَاءً ولكن لا تَكايُلَ بالدَّم تفسير : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - « حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم » تفسير : . وقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد، وحكمة ذلك ردع أهل العدوان عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل، فإن الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة فلا تعادل عقوبةٌ القتلَ في الردع والانزجار، ومن حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممَّن اعتدى على قتيلهم قال تعالى: { أية : ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً } تفسير : [الإسراء: 33] أي لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس كما تقدم في الكلام على صدر الآية، ويأتي عند قوله تعالى: { أية : ولكم في القصاص حيٰوة } تفسير : [البقرة: 179]. وأول دم أقيد به في الإسلام دم رجل من هذيل قتله رجل من بني ليث فأقاد منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو سائر إلى فتح الطائف بموضع يقال له: بَحْرَةُ الرُّغَاء في طريق الطائف وذلك سنة ثمان من الهجرة. و{في} من قوله: {في القتلى}، للظرفية المجازية والقصاص لا يكون في ذوات القتلى، فتعين تقدير مضاف وحذفُه هنا ليشمل القصاص سائر شؤون القتلى وسائر معاني القصاص فهو إيجاز وتعميم. وجمع {القتلى} باعتبار جمع المخاطبين أي في قتلاكم، والتعريف في القتلى تعريف الجنس، والقتيل هو من يقتله غيره من الناس والقتل فعل الإنسان إماتة إنسان آخر فليس الميت بدون فعل فاعل قتيلاً. وجملة {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} بيان وتفصيل لجملة {كُتبَ عليكم القصاص في القتلى} فالباء في قوله: {بالحر} وما بعده، متعلقة بمحذوف دل عليه معنى القصاص والتقدير الحر يقتصُّ أو يقتل بالحر الخ ومفهوم القيد مع ما في الحر والعبد والأنثى من معنى الوصفية يقتضي أن الحر يقتل بالحر لا بغيره والعبد يقتل بالعبد لا بغيره، والأنثى تقتل بالأنثى لا بغيرها. وقد اتفق علماء الإسلام على أن هذا المفهوم غير معمول به باطراد، لكنهم اختلفوا في المقدار المعمول به منه بحسب اختلاف الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة وفي المراد من هذه الآية ومحمل معناها، ففي «الموطأ» «قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية أن قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} فهؤلاء الذكور وقوله: {والأنثى بالأنثى} أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما يكون يبن الرجال. والقصاص أيضاً يكون بين الرجال والنساء». أي وخُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله: {الحر} وقوله: {العبد} مراد بها خصوص الذكور. قال القرطبي عن طائفة أن الآية جاءت مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبيّنت حكم الحر إذا قتل حراً والعبد إذا قتل عبداً والأنثى إذا قتلت أنثى ولم يتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبيّنه قوله تعالى: { أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس } تفسير : [المائدة: 45] الآية اهــــ. وعلى هذا الوجه فالتقييد لبيان عدم التفاضل في أفراد النوع، ولا مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتاً ولا نفياً، وقال الشعبي: نزلت في قوم قالوا: لنقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى، وذلك وقع في قتال بين حيين من الأنصار، ولم يثبت هذا الذي رواه وهو لا يغني في إقامة محمل الآية. وعلى هذين التأويلين لا اعتبار بعموم مفهوم القيد؛ لأن شرط اعتباره ألا يظهر لذكر القيد سبب إلاّ الاحتراز عن نقيضه، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم، وحينئذٍ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك، وأن دليل المساواة بين الأنثى والذكر وعدم المساواة بين العبد والحر عند من نفى المساواة مستنبط من أدلة أخرى. الثالث: نقل عن ابن عباس أن هذا كان حكماً في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المائدة { أية : أن النفس بالنفس } تفسير : [المائدة: 45] ونقله في «الكشاف» عن سعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبي حنيفة، ورده ابن عطية والقرطبي بأن آية المائدة حكاية عن بني إسرائيل فكيف تصلح نسخاً لحكم ثبت في شريعة الإسلام، أي حتى على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فمحله ما لم يأتي في شرعنا خلافه. وقال ابن العربي في «الأحكام» عن الحنفية: إن قوله تعالى: {في القتلى} هو نهاية الكلام وقوله: {الحر بالحر} جاء بعد ذلك وقد ثبت عموم المساواة بقوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} لأن القتلى عام وخصوص آخر الآية لا يبطل عموم أولها، ولذلك قالوا يقتل الحر بالعبد، قلت: يرد على هذا أنه لا فائدة في التفصيل لو لم يكن مقصوداً وإن الكلام بأواخره فالخاص يخصص العام لا محالة، وإنه لا محيص من اعتبار كونه تفصيلاً إلاّ أن يقولوا إن ذلك كالتمثيل، والمنقول عن الحنفية في «الكشاف» هو ما ذكرناه آنفاً. ويبقى بعد هاته التأويلات سؤال قائم عن وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها للاحتراز عن النساء منهم؛ فإن (ال) لمّا صيرته اسم جنس صار الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن كانت فيه. ولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمه الله عن وجه مجيء هذه المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلاّ لقتل مماثله في الصفة فترك لي ورقة بخطه فيها ما يأتي: الظاهر والله تعالى أعلم أن الآية (يعني آية سورة المائدة) نزلت إعلاماً بالحكم في بني إسرائيل تأنيساً وتمهيداً لحكم الشريعة الإسلامية، ولذلك تضمنت إناطة الحكم بلفظ النفس المتناول للذكر والأنثى الحر والعبد الصغير والكبير، ولم تتضمن حكماً للعبيد ولا للإناث، وصدرت بقوله { أية : وكتبنا عليهم فيها } تفسير : [المائدة: 45]، والآية الثانية (يعني آية سورة البقرة) صدرت بقوله: {كتب عليكم} وناط الحكم فيها بالحرية المتناولة للأصناف كلها ثم ذكر حكم العبيد والإناث رداً على من يزعم أنه لا يقتص لهم، وخصص الأنثى بالأنثى للدلالة على أن عدمها معصوم، وذلك لأنه إذا اقتص لها من الأنثى ولم يقتص لها من الذكر صار الدم معصوماً تارة لذاته غير معصوم أخرى وهذا من لطف التبليغ حيث كان الحكم متضمناً لدليله، فقوله: شعر : كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول تفسير : حكم جاهلي اهــــ. يعني أن الآية لم يقصد منها إلاّ إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من ترك القصاص لشرف أو لقلة اكتراث، فقصدت التسوية بقوله {الحر بالحر والعبد بالعبد} أي لا فضل لحر شريف على حر ضعيف ولا لعبيد السادة على عبيد العامة وقصدت من ذكر الأنثى إبطال ما كان عليه الجاهلية من عدم الاعتداد بجناية الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجناياتها، وأراد بقوله: حكم جاهلي أنه ليس جارياً على أحكام الإسلام؛ لأن البيت لعمر ابن أبي ربيعة وهو شاعر إسلامي من صدر الدولة الأموية. فإن قلت: كان الوجه ألا يقول: {بالأنثى} المشعر بأن الأنثى لا تقتل بالرجل مع إجماع المسلمين على أن المرأة يقتص منها للرجل. قلت: الظاهر أن القيد خرج مخرج الغالب، فإن الجاري في العرف أن الأنثى لا تقتل إلاّ أنثى، إذ لا يتثاور الرجال والنساء فذكر {بالأنثى} خارج على اعتبار الغالب كمخرج وصف السائمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : في الغنم السائمة الزكاة » تفسير : والخلاصة أن الآية لا يلتئم منها معنى سليم من الإشكال إلاّ معنى إرادة التسوية بين الأصناف لقصد إبطال عوائد الجاهلية. وإذا تقرر أن الآية لا دلالة لها على نفي القصاص بين الأصناف المختلفة ولا على إثباته من جهة ما ورد على كل تأويل غير ذلك من انتقاض بجهة أخرى، فتعين أن قوله: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} محمله الذي لا شك فيه هو مساواة أفراد كل صنف بعضها مع بعض دون تفاضل بين الأفراد، ثم أدلة العلماء في تسوية القصاص بين بعض الأصناف مع بعض الذكور بالإناث وفي عدمها كعدم تسوية الأحرار بالعبيد عند الذين لا يسوون بين صنفيهما خلافاً لأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وداود أدلة أخرى غير هذا القيد الذي في ظاهر الآية، فأما أبو حنيفة فأخذ بعموم قوله: {القتلى} ولم يثبت له مخصصاً ولم يستثن منه إلاّ القصاص بين المسلم والكافر الحربي واستثناؤه لا خلاف فيه، ووجهه أن الحربي غير معصوم الدم، وأما المعاهد ففي حكم قتل المسلم إياه مذاهب، وأما الشافعي وأحمد فنفيا القصاص من المسلم للذمي والمعاهد وأخذاً بحديث « حديث : لا يقتل مسلم بكافر » تفسير : ، ومالك والليث قالا لا قصاص من المسلم إذا قتل الذمي والمعاهد قتل عدوان وأثبتا القصاص منه إذا قتل غيلة. وأما القصاص بين الحر والعبد في قطع الأطراف فليس من متعلقات هذه الآية وسيأتي عند قوله تعالى: { أية : والجروح قصاص } تفسير : [المائدة: 45] في سورة العقود. ونفى مالك والشافعي وأحمد القصاص من الحر للعبد استناداً لعمل الخلفاء الراشدين وسكوت الصحابة، واستناداً لآثار مروية، وقياساً على انتفاء القصاص من الحر في إصابة أطراف العبد فالنفس أولى بالحفظ. والقصاص من العبد لقتله الحر ثابت عندهما بالفحوى، والقصاص من الذكر لقتل الأنثى ثابت بلحن الخطاب. الفاء لتفريع الإخبار أي لمجرد الترتيب اللفظي لا لتفريع حصول ما تضمنته الجملة المعطوفة بها على حصول ما تضمنته ما قبلها، والمقصود بيان أن أخذ الولي بالقصاص المستفاد من صور {كتب عليكم القصاص في القتلى} ليس واجباً عليه ولكنه حق له فقط لئلا يتوهم من قوله: {كتب عليكم} أن الأخذ به واجب على ولي القتيل، والتصدي لتفريع ذكر هذا بعد ذكر حق القصاص للإيماء إلى أن الأولى بالناس قبول الصلح استبقاء لأواصر أخوة الإسلام. قال الأزهري: «هذه آية مشكلة وقد فسروها تفسيراً قربوه على قدر أفهام أهل عصرهم» ثم أخذ الأزهري في تفسيرها بما لم يكشف معنى وما أزال إشكالاً، وللمفسرين مناح كثيرة في تفسير ألفاظها ذكر القرطبي خمسة منها، وذكر في «الكشاف» تأويلاً آخر، وذكر الطيبي تأويلين راجعين إلى تأويل «الكشاف»، واتفق جميعهم على أن المقصد منها الترغيب في المصالحة عن الدماء، وينبغي ألا نذهب بأفهام الناظر طرائق قدداً، فالقول الفصل أن نقول: إن ما صدق من في قوله: {فمن عُفِى له} هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفاً بأنه أخ تذكيراً بأخوة الإسلام وترقيقاً لنفس ولي المقتول؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخاً له كان من المروءة ألا يرضى بالقَوَد منه؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه، ولقد قال بعض العرب: قتل أخوه ابناً له عمداً فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال: شعر : أَقول للنفس تَأْسَاءً وتَعْزيَة إِحدى يَدَيَّ أصابتْني ولم تُرِدِ كِلاَهُما خَلَفٌ من فَقْدِ صاحبه هَذَا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذَا ولَدِي تفسير : وما صدق {شيء} هو عرض الصلح، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام، وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى: { أية : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } تفسير : [البقرة: 155]. ومعنى {عُفى له من أخيه} أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح. ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر به العفو من قوله تعالى: { أية : خذ العفو } تفسير : [الأعراف: 199]، وإيثار هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد للترغيب الذي دل عليه قوله: {من أخيه}، والتعبير عن عوض الدم بشيء لأن العوض يختلف فقد يُعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو عروض أو مقاصة دماء بين الحيين؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معيناً كما هو في دية قتل الخطأ. (واتّباع) و(أداء) مصدران وقعا عوضاً عن فعلين والتقدير: فليتبع اتباعاً وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله تعالى: { أية : قال سلام } تفسير : [هود: 69] بعد قوله: { أية : قالوا سلاماً } تفسير : [هود: 69]، وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعاً عند قوله تعالى: { أية : الحمد لله } تفسير : [الفاتحة: 2]، فنظم الكلام: فاتباعٌ حاصلٌ ممن عفي له من أخيه شيء وأداءٌ حاصل من أخيه إليه، وفي هذا تحريض لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان. والاتباع مستعمل في القبول والرضا، أي فليرض بما عفي له كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - « حديث : وإذا أتبع أحدكم على مَلِيء فليتبع » تفسير : . والضمير المقدر في (اتباع) عائد إلى {من عفي له} والضمير المقدر في أدَاء عائد إلى (أخيه)، والمعنى: فليرضى بما بذل له من الصلح المتيسر، وليؤد باذلُ الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص، والضمير المجرور باللام والضمير المجرور بإلى عائدانِ على {فمن عفى له}. ومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلاً من القصاص لتغيير ما كان أهل الجاهلية يتَعيرون به من أخذ الصلح في قتل العمد ويعدونه بيعاً لدم مولاهم كما قال مُرَّةُ الفَقْعَسِي: شعر : فلا تَأْخذوا عَقْلاً من القَوْم إِنَّنِي أَرى العَارَ يبقَى والمَعَاقِلَ تَذْهَبُ تفسير : وقال غيره يَذْكر قوماً لم يَقْبَلوا منه صلحاً عن قتيل: شعر : فلَوْ أَنَّ حيّاً يقبَلُ المالَ فِدْيَةً لسُقْنَا لهم سَيْباً من المال مُفْعَمَا ولكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصيبَ أخُوهُمُ رِضَا العَار فاختاروا على اللَّبَن الدَّمَا تفسير : وهذا كله في العفو على قتل العمد وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة القاتل وسيأتي في سورة النساء. وإطلاقُ وصف الأخ على المماثل في دين الإسلام تأسيسُ أصل جاء به القرآن جعل به التوافق في العقيدة كالتوافق في نسب الإِخوة، وحَقّاً فإن التوافق في الدين آصرة نفسانية والتوافق في النسب آصرة جسدية والروح أشرف من الجسد. واحتج ابن عباس بهذه الآية على الخوارج في أن المعصية لا تُزيل الإيمان، لأن الله سمى القاتل أخاً لولي الدم وتلك أخوة الإِسلام مع كون القَاتل عَاصياً. وقوله: {بالمعروف} المعروف هو الذي تألفه النفوس وتستحسنه فهو مما تُسَر به النفوس ولا تشمئز منه ولا تنكره، ويقال لضده مُنْكَر وسيأتي عند قوله تعالى: { أية : كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } تفسير : [آل عمران: 110] في سورة آل عمران. والباء في قوله: {بالمعروف} للملابسة أي فاتباع مُصاحب للمعروف أي رِضا وقبول، وحسنُ اقتضاء إن وقع مطل، وقبول التنجيم إن سأله القاتل. والأداء: الدفع وإبلاغ الحق والمراد به إعطاء مال الصلح، وذُكر متعلقه وهو قوله {إليه} المؤذن بالوصول إليه والانتهاء إليه للإشارة إلى إبلاغ مال الصلح إلى ولي المقتول بأن يذهب به إليه ولا يكلفه الحضور بنفسه لقبضه أو إرسال من يقبضه، وفيه إشارة إلى أنه لا يمطله، وزاد ذلك تقريراً بقوله: {بإحسان} أي دون غضب ولا كلام كريه أو جَفاء معاملة. وقوله: {ذلك تخفيف من ربكم} إشارة إلى الحكم المذكور وهو قبول العفو وإحسان الأداء والعدولُ عن القصاص، تخفيف من الله على الناس فهو رحمة منه أي أَثَر رحمته، إذ التخفيف في الحكم أثر الرحمة، فالأخذ بالقصاص عَدْل والأخذ بالعفو رحمة. ولما كانت مشروعية القصاص كافية في تحقيق مقصد الشريعة في شرع القصاص من ازدجار الناس عن قتل النفوس وتحقيق حفظ حق المقتول بكون الخيرة للولي كان الإذن في العفو إن تراضيا عليه رحمةً من الله بالجانبين، فالعدل مقدم والرحمة تأتي بعده. قيل: إن الآية أشارت إلى ما كان في الشريعة الإسرائيلية من تعيين القصاص من قاتل العمد دون العفو ودون الديَة كما ذكره كثير من المفسرين وهو في «صحيح البخاري» عن ابن عباس، وهو ظاهر ما في سفر الخروج الإصحاح الثالث: «من ضَرب إنساناً فمات يقتل قتلاً ولكن الذي لم يتعمد بل أوقع الله في يده فأنا أجعلُ لك مكاناً يُهرَب إليه وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر فمن عندِ مذبحي تأخذُه للموت»، وقال القرطبي: إن حكم الإنجيل العفو مطلقاً والظاهر أن هذا غير ثابت في شريعة عيسى، لأنه ما حكَى الله عنه إلاّ أنه قال: { أية : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } تفسير : [آل عمران: 50]، فلعله مما أخذه علماء المسيحية من أمره بالعفو والتسامح لكنه حكم تنزه شرائع الله عنه لإفضائه إلى انخرام نظام العالم، وشتان بين حال الجاني بالقتل في الإسلام يَتوقع القصاص ويضع حياته في يد ولي دم المقتول فلا يدري أيقبل الصلح أم لا يقبل، وبين ما لو كان واثقاً بأنه لا قصاص عليه فإن ذلك يجرئه على قتل عدوه وخصمه. تفريع عن حكم العفو لأن العفو يقتضي شكر الله على أن أنجاهُ بشرع جواز العفو وبأن سخر الولي للعفو، ومن الشكر ألاّ يعود إلى الجناية مرة أخرى، فإن عاد فله عذاب أليم، وقد فسر الجمهور العذاب الأليم بعذاب الآخرة والمراد تشديد العذاب عليه كقوله تعالى: { أية : ومن عاد فينتقم الله منه } تفسير : [المائدة: 95]، ثم له من حكم العفو والدية ما للقاتل ابتداء عندهم، وفسره بعضهم بعذاب الدنيا أعني القتل فقالوا: إن عاد المعفو عنه إلى القتل مرة أخرى فلا بد من قتله ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ونقلوا ذلك عن قتادة وعكرمة والسدي ورواه أبو داود عن سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه موكول إلى اجتهاد الإمام. والذي يستخلص من أقوالهم هنا سواء كان العذاب عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا أن تكرر الجناية يوجب التغليظ وهو ظاهر من مقاصد الشارع؛ لأن الجناية قد تصير له دُربة فعَوْده إلى قتل النفس يؤذن باستخفافه بالأنفس فيجب أن يُراح منه الناس، وإلى هذا نظر قتادة ومن معه، غير أن هذا لا يمنع حكم العفو إن رضي به الولي؛ لأن الحق حقه، وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز بتفويضه إلى الإمام لينظر هل صار هذا القاتل مِزْهَقَ أَنْفُس، وينبغي إن عُفي عنه أن تشدد عليه العقوبة أكثر من ضرب مائة وحَبس عام وإن لم يقولوه؛ لأن ذكر الله هذا الحكمَ بعد ذكر الرحمة دليلٌ على أن هذا الجاني غير جدير في هاته المرة بمزيد الرحمة، وهذا موضع نظر من الفقه دقيق، قد كان الرجل في الجاهلية يقتل ثم يدفع الدية ثم يغدره ولي الدم فيقتله وقريب من هذا قصة حُصين بن ضَمْضَم التي أشار إليها زهير بقوله: شعر : لَعَمْرِي لَنِعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهِمُ بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم

الواحدي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} نزلت في حَيَّينِ من العرب أحدهما أشرف من الآخر، فقتل الأوضع من الأشرف قتلى، فقال الأشرف: لنقتلنَّ الحرَّ بالعبد، والذَّكر بالأنثى، ولَنُضاعِفَنَّ الجراح، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله: {كُتب} : أُوجب وفُرض {عليكم القصاص} اعتبار المماثلة والتَّساوي بين القتلى، حتى لا يجوز أن يقتل حرٌّ بعبدٍ، أو مسلمٌ بكافرٍ، فاعتبارُ المماثلةِ واجبٌ، وهو قوله: {الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى} ودلَّ قوله في سورة المائدة: {أية : أنَّ النَّفس بالنَّفس} تفسير : على أنَّ الذَّكر يُقتل بالأنثى فيقتل الحرُّ بالحرَّة {فمن عفي له} أَيْ: تُرك له {من} دم {أخيه} المقتول {شيءٌ} وهو أن يعفو بعض الأولياء فيسقط القود {فاتباع بالمعروف} أَيْ: فعلى العافي الذي هو ولي الدَّم أن يتبع القاتل بالمعروف، وهو أن يطالبه بالمال من غير تشدُّد وأذىً، وعلى المطلوب منه المال {أداءٌ} تأدية المال إلى العافي {بإحسانٍ} وهو ترك المطل والتَّسويف. {ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة} هو أنَّ الله تعالى خَيَّرَ هذه الأمَّة بين القصاص والدية والعفو، ولم يكن ذلك إلاَّ لهذه الأُمَّة {فمن اعتدى} أَيْ: ظلم بقتل القاتل بعد أخذ الدية {فله عذابٌ أليم}. {ولكم في القصاص حياة} أَيْ: في إثباته حياةٌ، وذلك أنَّ القاتل إذا قُتل ارتدع عن القتل كلُّ مَنْ يهمُّ بالقتل، فكان القصاص سبباً لحياة الذي يُهَمُّ بقتله، ولحياة الهامِّ أيضاً؛ لأنه إنْ قَتلَ قُتل {يا أولي الألباب} يا ذوي العقول {لعلكم تتقون} [إراقة] الدِّماء مخافة القصاص. {كتب عليكم...} الآية. كان أهل الجاهليَّة يُوصون بمالهم للبعداء رياءً وسُمعةً، ويتركون أقاربهم [فقراء]، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {كتب عليكم} فُرض عليكم وأُوجب {إذا حضر أحدكم الموت} أَيْ: أسبابه ومُقدِّماته {إنْ ترك خيراً} مالاً {الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} يعني: لا يزيد على الثلث {حقاً} أي: حقَّ ذلك حقَّاً {على المتقين} الذين يتَّقون الشِّرك، وهذه الآية مسنوخةٌ بآية المواريث، ولا تجب الوصية على أحدٍ، [ولا تجوز الوصية للوارث]. {فَمَنْ بدَّله بعد ما سمعه} أَيْ: بدَّل الإِيصاء وغيَّره من وصيٍّ ووليٍّ وشاهدٍ بعد ما سمعه عن الميت {فإنما إثمه} إثم التَّبديل {على الذين يبدلونه} وبَرِىءَ الميِّت {إن الله سميع} سمع ما قاله المُوصي {عليم} بنيَّته وما أراد، فكانت الأولياء والأوصياء يمضون وصيه الميت بعد نزول هذه الآية وإن استغرقت المال، فأنزل الله تعالى: {فمن خاف} أَيْ:علم {من موصٍ جنفاً} خطأً في الوصية من غير عمدٍ، وهو أن يُوصي لبعض ورثته، أو يوصي بماله كلِّه خطأً {أو إثماً} أَيْ: قصداً للميل، فَخافَ في الوصية وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً {فأصلح} بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم {فلا إثم عليه} أَيْ: إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم، بل هو متوسطٌ للإِصلاح، وليس عليه إثمٌ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 178- ومن الشرائع التى فرضناها على المؤمنين أحكام القتل العمد، فقد فرضنا عليكم القصاصَ بسبب القتل، ولا تأخذوا بظلم أهل الجاهلية الذين كانوا يقتلون الحر غير القاتل بالعبد، والذكر الذى لم يقتل بالأنثى، والرئيس غير القاتل بالمرءوس القاتل دون مجازاة القاتل نفسه، فالحر القاتل يقتل بالحر المقتول، وكذلك العبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فأساس القصاص هو دفع الاعتداء فى القتل بقتل القاتل للتشفى ومنع البغى، فإن سَمَت نفوس أهل الدم ودفعوا بالتى هى أحسن فآثروا العفو عن إخوانهم وجب لهم دية قتيلهم، وعلى أولياء الدم اتباع هذا الحكم بالتسامح دون إجهاد للقاتل أو تعنيف، وعلى القاتل أداء الدين دون مماطلة أو بخس، وفى حكم القتل الذى فرضناه على هذا الوجه تخفيف على المؤمنين بالنسبة إلى حكم التوراة الذى يوجب فى القتل القصاص، كما فيه رحمة بهم بالنسبة إلى الذين يدعون إلى العفو من غير تعرض للقاتل، فمن جاوز هذا الحكم بعد ذلك فله عذاب أليم فى الدنيا والآخرة. 179- وإن رحمة الله بكم لعظيمة فى فرض القصاص عليكم، فبفضل القصاص عليكم تتحقق للمجتمع حياة آمنة سليمة. وذلك أن من يهم بالقتل إذا علم أن فى ذلك هلاك نفسه لم ينفذ ما هَمَّ به، وفى ذلك حياته وحياة من هَمَّ بقتله، وإذا قتل الرئيس بالمرءوس وغير المذنب بالمذنب - كما هو شأن الجاهلية - كان ذلك مثاراً للفتن واختلال النظام والأمن. فلْيتدبر أولو العقول مزية القصاص فإن ذلك يحملهم على إدراك لطف الله بهم إلى سبيل التقوى وامتثال أوامر الله سبحانه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كتب عليكم القصاص: كتب فرض والقصاص: إذا لم يرض ولي الدم بالدية ولم يعف. في القتلى: الفاء سببية أي بسبب القتل والقتلى جمع قتيل وهو الذي أزهقت روحه فمات بأي آلة. الحر: الحر خلاف العبد والعبد هو الرقيق المملوك. فمن عفي له من أخيه شيء: فمن تنازل له ولي الدم عن القود إلى الدية أو العفو. فاتباع بمعروف: فالواجب أن تكون مطالبة الدية بالمعروف بالرفق واللين. وأداء إليه بإحسان: وأن يكون أداء الدية بإحسان خالياً من المماطلة والنقص. ذلك تخفيف من ربكم: أي ذلك الحكم العادل الرحيم وهو جواز أخذ الدية بدلاً من القصاص تخفيف عنكم من ربكم إذ كان في شرع من قبلكم القصاص فقط أو الدية فقط، وأنتم مخيرون بين العفو والدية والقصاص. فمن اعتدى بعد ذلك: يريد من أخذ الدية ثم قَتَل فإنه يتعين قتله لا غير. القصاص: المساواة في القتل والجراحات وفي آلة القتل أيضاً. حياة: إبقاء شامل عميم، إذ من يريد أن يقتل يذكر أنه سيقتل فيترك القتل فيحيا، ويحيا من أراد قتله، ويحيا بحياتهما خلق كثير، وعدد كبير. أولي الألباب: أصحاب العقول الراجحة، واحد الألباب: لبٌّ وهو في الإنسان العقل. لعلكم تتقون: ليعدكم بهذا التشريع الحكيم لاتقاء ما يضر ولا يسر في الدنيا والآخرة. معنى الآية الكريمة: هذه الآية نزلت في حيين من العرب كان أحد الحيين يرى أنه أشرف من الآخر فلذا يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة تطاولا وكبرياء فحدث بين الحيين قتل وهم في الإسلام فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية تبطل ذحْل الجاهلية وتقرر مبدأ العدل والمساواة في الإسلام فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}، فلا يقتل بالرجل رجلان، ولا بالمرأة رجل ولا امرأتان ولا بالعبد حر ولا عبدان. فمن تنازل له أخوه وهو ولي الدم عن القصاص إلى الدية أو العفو مطلقاً فليتبع ذلك ولا يقل لا أقبل إلا القصاص بل عليه أن يقبل ما عفا عنه أخوه له من قصاص أو دية أو عفو، وليطلب ولي الدم الدية بالرفق والأدب، وليؤد القاتل الدية بإحسان بحيث لا يماطل ولا ينقص منها شيئاً. ثم ذكر تعالى منّته على المسلمين حيث وسع عليهم في هذه المسألة فجعل ولي الدم مخيراً بين ثلاثة العفو أو الدية أو القود (القصاص) في حين أن اليهود كان مفروضا عليهم القصاص فقط، والنصارى الدية فقط وأخبر تعالى بحكم أخير في هذه القضية وهو أن من أخذ الدية وعفا عن القتل ثم تراجع وقتل فقال: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. واختلف في هذا العذاب الأليم هل هو عذاب الدنيا بالقتل، أو هو عذاب الآخرة، ومن هنا قال مالك والشافعي حكم هذا المعتدي كحكم القاتل ابتداء إن عفي عنه قبل، وإن طولب بالقود أو الدية أعطى، وقال آخرون ترد منه الدية ويترك لأمر الله، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله يرد أمره إلى الإِمام يحكم فيه بما يحقق المصلحة العامة ثم أخبر تعالى: أن في القصاص الذي شرع لنا وكتبه علينا مع التخفيف حياةٌ عظيمةً لما فيه من الكف عن إزهاق الأرواح وسفك الدماء فقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- حكم القصاص في الإِسلام وهو المساواة والمماثلة فيقتل الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة والمرأة بالرجل والرجل بالمرأة ويقتل القاتل بما قَتَل به مماثلة لحديث: "حديث : المرء مقتول بما قتل به ". تفسير : ولما كان العبد مقوماً بالمال فإنه لا يقتل به الحر بل يدفع إلى سيده مال. وبهذا حكم الصحابة والتابعون وعليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وخالف أبو حنيفة فرأى القود فيقتل الحر بالعبد أخذاً بظاهر هذه الآية. 2- محاسن الشرع الإِسلامي وما فيه من اليسر والرحمة حيث أجاز العفو والدية بدل القصاص. 3- بلاغة القرآن الكريم، إذ كان حكماء العرب في الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل، فقال: القرآن: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ}. فلم يذكر لفظ القتل بالمرة فنفاه لفظاً وواقعاً.

القطان

تفسير : كتب: فرض. القصاص: ان يُقتل القاتل. الألباب: جمع لب وهو العقل. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا نهج الآيات المدنية فانها تصدر بهذا النداء، والحكم لجميع الناس. فُرض عليكم القصاص في القتلى... وهو قتْل من قَتل نفسا عامداً متعمداً، ففي ذلك العدل والمساواة. لقد كان القصاص في الجاهلية خاضعاً لقوة القبائل وضعفها، فبعضهم كان لا يكتفي بقتل القاتل الفرد بل يطلبون قتل رئيس القبيلة، وبعضهم كان يطلب قتل عدد من الأشخاص بدل المقتول. وهذا ظلم كبير. فجاء الاسلام بالعدل والمساواة وفرض قتل القاتل فقط. ثم خصّصت الآية فنصّت على بعض الجزئيات {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} تأكيداً لإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من فرض عدم التساوي في الدماء. اما الحكم في الاسلام فهو ان يُقتَل القاتل سواء كان حراً قتل عبدا أو بالعكس. وذلك لأن هذا جاء واضحاً في قوله تعالى: {ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} كما جاء في سورة المائدة. ولكن، إذا قتل رجل ولده، اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من رأى يُقتل الوالد كالإمام مالك، وذلك في حالة ما اذا أضجعه وذبحه بالسكين. ومنهم من قال لا يُقتل به، وهم الأغلب. وكذلك اذا قتل جماعة رجلاً واحداً.. فجمهور العلماء انهم يقتلون به. كذلك فعل عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما. واختلفوا في قتل المسلم ذميا، فبعضهم قال لا يقتل به وهم الاغلب، وقال البعض يقتل به. وبعد ان بين سبحانه وتعالى وجوب القصاص، وهو أساس العدل، ذكر تشريع العفو ليوجّه النفوس اليه، ويثير في سبيله عاطفة الاخوة الانسانية فقال تعالى ما معناه: فمن عفى له من اخيه شيء فأتباع بالمعروف وأداء اليه باحسان. وذلك ان القاتل اذا حصل له تجاوز عن جنايته من ولي الدم، فيجب ان يكون تعاملهما بما يشرح الصدور، ويذهب بالأحقاد: على أخيه ان يُتْبع عفوه بالمعروف فلا يثقل عليه في البذل، ولا يحرجه في الطلب. اما القاتل المعفوّ له عن جنايته فعليه ان يقدر ذلك العفو، فلا يبخس صاحبه حقه، ولا يمطله في الأداء. وهنا تظهر عظمة الاسلام في القصاص، فقد نظر الى أمرٍ لم ينظر اليه القانونيون، وهو ان جعل القصاص هو رفع الاعتداء في القتل بقتل القاتل، فان سمت نفوس اهل الدم فآثروا العفو وجب لهم دية قتيلهم. وعلى أولياء الدم إتباع هذا الحكم بالتسامح، وعلى القاتل أداء الدية دون مماطلة أو بخس. ذلك هو الحكم الذي شرعناه لكم من العفو عن القاتل والاكتفاء بقدر من المال ـ وهو تخفيف ورخصة من ربكم ورحمة لكم. فمن اعتدى وانتقم من القاتل بعد العفو والرضى بالدية فله عذاب أليم من ربه يوم القيامة. {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} من عظمة القرآن في تشريعه "المدني والجنائي" انه يلهب النفوس الى الامتثال ببيان ما في التشريع من حِكم وفوائد تعود عليها بخيري الدنيا والآخرة، وهنا جاءت هذه الآية الكريمة تشير الى ما في القصاص، تشريعاً وتنفيذا، من نفع للحياة ذاتها، فهو يحفظ الأرواح وإليه تطمئن النفوس. ولا ريب ان من علم انه اذا قتَلَ قُتِل، وان القصاص له بالمرصاد ـ كفّ نفسه عن قتل صاحبه، فسلم ذاك من القتل وهذا من القصاص. وكذلك في تنفيذ القصاص على الوجه الذي شرع الله، وهو قتل القاتل وحده دون اسراف بقتل غيره. وفي قوله تعالى: {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} اشارة لطيفة الى أن القصاص بجانبيه، من شأن أولي العقول الذين يقدّرون وسائل الحياة الصحيحة. وما اهمال الأمة في تشريع القصاص وإسرافها في الأخذ بالثأر ـ الا نقيض للعقل والايمان. ثم اشار سبحانه بعد ذلك الى أن هذا التشريع من شأنه ان يعد النفوس للصلاح بدل الفساد، وللتقوى بدل العصيان، فقال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فليتدبر أولو العقول مزية القصاص هذه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {بِإِحْسَانٍ} (178) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمنينَ إِنَّهُ قَدْ فَرَضَ (كَتَبَ) عَلَيْهِمُ العَدْلَ وَالمُسَاوَاةَ فِي القِصَاصِ، فَالحُرُّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، إِذا كَانَ القَتْلُ عَمْداً، وَالعَبْدُ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، وَالأُنْثَى تُقْتَلُ بِالأُنْثَى (وَقَدْ جَرَى العَمَلُ مِنْ لَدُنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ، وَالحُرِّ بِالعَبْدِ إِنْ لَمْ يَكُنِ القَاتِلُ سَيِّدَ العَبْدِ، فَإِذا كَانَ سَيِّدَهُ عُزِّرَ بِشِدَّةٍ)، وَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَلاَّ يَعْتَدُوا وَلا يَتَجَاوَزُوا، كَمَا اعْتَدَى اليَهُودُ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللهِ، فَكَانَتْ قَبِيلَةُ بَنِي قُرَيْظَة ضَعِيفةً، وَقَبِيلةَ بَنِي النَّضِيرِ قَوِيَّةً، فَكَانُوا إِذَا قَتَلَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَحَداً مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَكُنْ يُقْتَلُ بِهِ بَلْ يُفَادَى، وَإِذَا قَتَلَ القُرَظِيُّ نَضِيرِيّاً كَانَ يُقْتَلُ بِهِ، وَإِذَا فَادَوْهُ كَانَ يُفَادَى بِمِثْلَيْ مَا يُفَادَى بِهِ النَّضِيْرِيُّ. وَكَانَ حَيَّانِ مِنَ العَرَبِ قَدِ اقْتَتَلا فِي الجَاهِليَّةِ قُبَيْلَ الإِسْلامِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى وَجِرَاحَاتٌ حَتَّى قَتَلُوا العَبيدَ والنِّسَاءَ، فَكَانَ أَحَدُ الحَيَّينِ لاَ يَرْضَى حَتَّى يَقْتُلَ بِالعَبْدِ مِنهُ الحُرَّ مِنْ خُصُومِهِ، وَبِالمَرْأَةِ مِنْهُ الرَّجلَ. وَكَانَ هؤُلاءِ لاَ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ الذِي يَقْتُلُ المَرْأَةَ عَمْداً، وَلكِنْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالمَرْأَةَ بِالمَرْأَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنُ بِالعَيْنِ مُبْطِلاً ذلِكَ التَّعَامُلَ، فَإِذا قَبِلَ وَلِيُّ الدَّمِ أَنْ يَأَخُذَ الدِّيَةَ، وَيَعْفُو عَنِ القَاتِلِ، فَعَليهِ أَنْ يَتَّبعَ ذلِكَ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ بِرِفْقٍ، وَأَنْ لاَ يُرْهِقَ القَاتِلَ مِنْ أَمْرِهِ عُسْراً. وَعَلَى القَاتِلِ أَنْ يُؤَدِّيَ المَطْلُوبَ مِنْهُ بإِحسَانٍ، وَأَنْ لاَ يَمْطُلَ وَلاَ يَنْقُصَ، وَلا يُسيء فِي كَيْفيَّةِ الأَدَاءِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ شَرَعَ للناَّسِ أَخْذَ الدِّيَةِ فِي حَالَةِ القَتْلِ العَمْدِ تَخْفِيفاً مِنْهُ، وَرَحْمَةً بِالمُسْلِمِينَ، إِذْ كَانَ يَتَوَجَّبُ عَلَى الأُمَمِ السَّالِفَةِ القَتْلُ أَوِ العَفْوُ. وَإِذَا تَعَدَّدَ أَوْلِياءُ الدَّمِ وَعَفَا أَحَدُهُمْ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَسَقَطَ القِصَاصُ .. وَيَجُوزُ العَفْوُ فِي الدِّيَةِ أَيْضاً. (وَقِيلَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ مَفْرُوضاً عَلَيهِمُ القَتْلُ لاَ غَيْرَ، وَأَهْلَ الإِنْجِيلِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ، وَلَيسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مُقَابِلَ العَفْوِ دِيَةً). وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يَعْتَدِي بِالقَتْلِ عَلَى القَاتِلِ - بَعْدَ العَفْوِ وَالرِّضَا بِالدِّيَةِ - بِالعَذَابِ الشَّدِيدِ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. كُتِبَ عَلَيكُمُ - فُرِضَ عَلَيْكُمُ. عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ - تُرِكَ لَهُ مِنْ وَلِيِّ المَقْتُولِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة ينادي الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 178] فهذا النداء هو حيثية الحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول: أنا لم أكلفكم اقتحاماً على إرادتكم؛ أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من باب الإيمان بي، وما دمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف. فالله لم يكلف من لم يؤمن به، وما دام الله لا يكلف إلا مَنْ آمن به فإيمانك به جعلك شريكاً في العقد، فإن كتب عليك شيئاً فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت، وما دامت الصفقة قد انعقدت فأنت شريك في التكليف، ولذلك يقول الله: "كُتب" بضم الكاف. ولم يقل "كَتب" بفتح الكاف. وتلحظ الفرق جلياً في الأشياء التي للإنسان دخل فيها، فهو سبحانه يقول: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ..}تفسير : [المجادلة: 21]. إنه سبحانه هنا الذي كتب، لأنه لا شريك له. عندما تقرأ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} فافهم أن فيها إلزاماً ومشقة، وهي على عكس "كتب لكم" مثل قوله تعالى: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا ..}تفسير : [التوبة: 51]. إن "كَتب لنا" تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا. وفي ظاهر الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل فيكون ولي المقتول مكتوباً له القصاص، إذن كل "عليك" مقابلها "لك"، وأنت عرضة أن تكون قاتلاً أو مقتولاً. فإن كنت مقتولاً فالله كتب لك. وإن كنت قاتلاً فقد كتب الله عليك. لأن الذي "لي" لابد أن يكون "على" غيري، والذي "عليّ" لابد أن يكون "لغيري". فالتشريعُ لا يُشرع لفرد واحد وإنما يشرع للناس أجمعين. عندما يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} [البقرة: 178]، ثم يقول في الآية التي بعدها: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} تفسير : [البقرة: 179]، فهو سبحانه قد جاء بـ "لكم"، و"عليكم". "عليكم" للقاتل، و"لكم" لولي المقتول. فالتشريع عادل لأنه لم يأت لأحد على حساب أحد، والعقود دائماً تراعي مصلحة الطرفين. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178]. من هو الحر؟ الحر ضد العبد وهو غير مملوك الرقبة، والحر من كل شيء هو أكرم ما فيه، ويقال: حر المال يعني أكرم ما في المال. و"الحر" في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد. و"الحر" من البقول هو ما يؤكل غير ناضج، أي غير مطبوخ على النار، كالفستق واللوز. والحق سبحانه يقول: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178]، وظاهر النص أن الحر لا يُقتل بالعبد، لأنه سبحانه يقول: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} [البقرة: 178]، لكن ماذا يحدث لو أن عبداً قتل حراً، أو قتلت امرأة رجلاً؛ هل نقتلهما أم لا؟ إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يُشَرِّعْ أن الحر لا يُقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يُقتل إن قتل حراً، والعبد يُقتل إن قتل عبداً، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه. إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر. ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تُصَعِّد الثأر فتأخذ به حراً، وكذلك إذا قُتلت في تلك الحرب أنثى، فإن قبيلتها تُصعد الثأر فتأخذ بها ذكراً. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسماً تدريجياً، لذلك جاء بهذا الأمر {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} [البقرة: 178]. إذن، فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجاً يحسم هذه المغالاة في الثأر. وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يُقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلِّغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبداً. لذلك، فالحق يرد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تُصَعِّد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً. إذن، فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تُصَعِّد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية. فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [المائدة: 45]. وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس. وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤمنين. إن الحق جل وعلا يعطي لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ. وبعد ذلك يرقق الله قلب ولي الدم فيقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]. وإذا تأملنا قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178] فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو. ثم المبالغة في التحنن، كأنه يقول: لا تنس الأخوة الإيمانية {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]. وساعة يقول الحق كلمة "أخ" فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب؟ مثل قوله تعالى: {أية : وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 58]. ثم يرتقي بالنسب الإيماني إلى مرتبة الأخوة الإيمانية، فيقول: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10] يعني إياكم أن تجعلوا التقاء النسب المادي دون التقائكم في القيم العقائدية. والأصل في الأخ أن يشترك في الأب مثل: {أية : وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 58]، فإن كانوا إخوة من غير الأب يسمهم إخواناً، فإن ارتقوا في الإيمان يسمهم إخوة. وعندما وصفهم بأنهم إخوان قال: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} تفسير : [آل عمران: 103]. لقد كانت بينهم حروب وبغضاء وشقاق، لم يصفهم بأنهم إخوة؛ لأنهم لا زالوا في الشحناء، فوصفهم بأنهم إخوان، وبعد أن يختمر الإيمان في نفوسهم يصبحون إخوة. ولننظر في غزوة بدر، هاهو ذا مصعب بن عمير، كان فتى قريش المدلل والمنعَّم الذي كانت تفوح منه رائحة العطر وملابسه من حرير؛ كان ذلك قبل إسلامه، وتغير كل ذلك عندما دخل في الإسلام، فقد أخرجه الإيمان من هذا النَّعيم إلى بؤس المؤمنين الأولين لدرجة أنه كان يلبس جلد حيوان ويراه رسول الله في هذا الضنك فيقول: "حديث : انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم ". تفسير : وعندما جاءت معركة بدر التقى مع أخيه "أبي عزيز" الذي ظل على دين قريش، والتقى الاثنان في المعركة، مصعب في معسكر المؤمنين، وأبو عزيز في جيش المشركين. وأثناء المعركة رأى أخاه أبا عزيز أسيراً مع أبي اليسر وهو من الأنصار؛ فالتفت مصعب إلى أبي اليسر، وقال: يا أبا اليسر اشدد على أسيرك فإن أمه غنية وستفديه بمال كثير. فالتفت إليه أبو عزيز وقال: يا أخي أهذه وصاتك بأخيك؟ قال مصعب: لا لست أخي وإنما أخي هذا. وأشار إلى أبي اليسر. لقد انتهى نسب الدم وأصبح نسب الإيمان هو الأصل، وأصبح مصعب أخاً لأبي اليسر في الإيمان، وانقطعت صلته بشقيقه في النسب لأنه ظل مشركاً. وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] كأنه يحث ولي الدم على أن يعفو ولا ينسى أخوة الإيمان. صحيح أنه ولي للمقتول؛ لأنه من لحمته ونسبه، ولكن الله أراد أن يجعل أخوة الإيمان فوق أخوة الدم. {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]. وقد أورد الحق الأخوة هنا لترقيق المشاعر، لينبه أهل القاتل والقتيل معاً أن القتل لا يعني أن الأخوة الإيمانية انتهت، لا. إن على المؤمنين أن يضعوا في اعتبارهم أن أخوة الإيمان قد تفتر رابطتها. وحين يتذكر أولياء الدم أخوة الإيمان، فإن العفو يصبح قريباً من نفوسهم. ولنا أن نلاحظ أن الحق يرفعنا إلى مراتب التسامي، فيذكرنا أن عفو واحد من أولياء الدم يقتضي أن تسود قضية العفو، فلا يقتل القاتل. وبعد ذلك لننظر إلى دقة الحق في تصفية غضب القلوب حين يضع الدية مكان القصاص بالقتل. إن الدية التي سيأخذها أولياء الدم من القاتل قد تكون مؤجلة الأداء، فقد يقدر القاتل أو أهله على الأداء العاجل، لذلك فعلى الذي يتحمل الدية أن يؤديها، وعلى أهل القتيل أن يتقبلوا ذلك بالمعروف، وأن تؤدي الدية من أهل القاتل أو من القاتل نفسه بإحسان. وقوله الحق: {عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، "شيء"، تدل على أن أولياء المقتول إن عفا واحد منهم فهو عفو بشيء واحد، وليس له أن يقتص بعد ذلك، وتنتهي المسألة ويحقن الدم، ولم يرد الله أن يضع نصاً بتحريم القصاص، ولكن أراد أن يعطي ولي الدم الحق في أن يَقْتُل، وحين يصبح له الحق في أن يَقْتُل؛ فقد أصبحت المسألة في يده، فإن عفا، تصبح حياة القاتل ثمرة من ثمرات إحسانه، وإن عاش القاتل، لا يترك هذا في نفس صاحب الدم بغضاء، بل إن القاتل سيتحبب إليه لأنه أحسن إليه ووهبه حياته. لكن لو ظل النص على قصاص أهل القتيل من القاتل فقط ولم يتعده إلى العفو لظلت العقدة في القلب. والثارات الموجودة في المجتمعات المعاصرة سببها أننا لم نُمكن ولي الدم من القاتل، بدليل أنه إذا ما قدر قاتل على نفسه وذهب إلى أهل القتيل ودخل عليهم بيتهم، وبالغ في طلب العفو منهم، وأخذ كفنه معه وقال لهم: جئتكم لتقتصوا مني، وهذا كفني معي فاصنعوا بي ما شئتم، لم يحدث قط أن أهل قتيل غدروا بقاتل، بل المألوف والمعتاد أن يعفوا عنه، لماذا؟ لأنهم تمكنوا منه وأصبحت حياته بين أيديهم، وفي العادة تنقلب العداوة إلى مودة. فيظل القاتل مديناً بحياته للذين عفوا عنه. والذين يعرفون ذلك من أبناء القاتل يرون أن حياة أبيهم هبة وهبها لهم أولياء القتيل وأقرباؤه، يرون أن عفو أهل القتيل هو الذي نَجّا حياة قريبهم، وهكذا تتسع الدائرة، وتنقلب المسألة من عداوة إلى ود. {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}تفسير : [فصلت: 34]. ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى. لكنه يشرعه، ثم يتلطف ليجعل أمر إنهاء القصاص فضلاً من ولي الدم ويحببه لنا ويقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]. وهل من المعقول أن تكون الدية إحساناً؟ لتتذكر أن القائل هنا هو الله، وكلامه قرآن، والدقة في القرآن بلا حدود. إن الحق ينبه إلى أن أولياء الدم إذا ما قبلوا الدية؛ فمعنى ذلك أن أهل القتيل قد أسقطوا القصاص عن القاتل؛ وأنهم وهبوه حق الحياة، لذلك فإن هذا الأمر يجب أن يُرد بتحية أو مكرمة أحسن منه. كأن الحق لا يريد من أولياء الدم أن يرهقوا القاتل أو أهله في الاقتضاء، كما يريد أن يؤدي القاتل أو أهله الدية بأسلوب يرتفع إلى مرتبة العفو الذي ناله القاتل. وفي ذلك الأمر تخفيف عما جاء بالتوراة؛ ففي التوراة لم تكن هناك دية يفتدي القاتل بها نفسه، بل كان القصاص في التوراة بأسلوب واحد هو قتل إنسان مقابل إنسان آخر. وفي الإنجيل لا دية ولا قتل: لأن هناك مبدأ أراد أن يتسامى به أتباع عيسى عليه السلام على اليهود الذين انغمسوا في المادية. لقد جاء عيسى عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل لعله يستل من قلوبهم المادية، فجاء بمبدأ: "من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر". ولكن الإسلام قد جاء ديناً عاماً جامعاً شاملاً، فيثير في النفس التسامي، ويضع الحقوق في نصابها، فأبقى القصاص، وترك للفضل مجالاً. لذلك يقول الحق عن الدية: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]. وما وجه الاعتداء بعد تقرير الدية والعفو؟ كان بعض من أهل القبائل إذا قُتل منهم واحد يشيعون أنهم عفوا وصفحوا وقبلوا الدية حتى إذا خرج القاتل من مخبئه مطمئناً، عندئذ يقتلونه. والحق يقرر أن هذا الأمر هو اعتداء، ومن يعتدي بعد أن يُسقط حق القتل ويأخذ الدية فله عذاب أليم. وحكم الله هنا في العذاب الأليم، نفهمه على أن المعتدي بقتل من أعلن العفو عنه لا يُقبل منه دية ويستحق القتل عقاباً، ولا يرفع الله عنه عذاب الدنيا أو الآخرة. إن الحق يرفع العقاب والعذاب عن القاتل إذا قبل القصاص ونفذ فيه، أو إذا عفي عنه إلى الدية وأداها. ولكن الحق لا يقبل سوى استخدام الفرص التي أعطاها الحق للخلق ليرتفعوا في علاقاتهم. إن الحق لا يقبل أن يتستر أهل قتيل وراء العفو، ليقتلوا القاتل بعد أن أعلنوا العفو عنه فذلك عبث بما أراده الحق منهجاً بين العباد. ولذلك يقول الحق: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}. وهو العفو عن الدم وأَخذ الدية. ثم قال: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} يقول: بعد أَخذه الدية {بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الآية: 178]. أنبا عبد الرحمن، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [الآية: 179]. يعني نكالا، تناهيا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ: عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كان الميراث للولد و {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} {فَمَن / 5و / بَدَّلَهُ} [الآية: 181]. يعني من بدل الوصية.

الصابوني

تفسير : [7] في القصاص حياة النفوس التحليل اللفظي {كُتِبَ}: قال الفراء {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} معناه في كل القرآن: فرض عليكم قال الشاعر: شعر : كُتب القتلُ والقتال علينا وعلى الغانياتِ جرّ الذيول تفسير : قال الطبري: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} بمعنى فُرض عليكم القصاصُ، وهو في أشعارهم مستفيض، وفي كلامهم موجود، وهو أكثر من أن يحصى. {ٱلْقِصَاصُ}: أن يفعل به مثل فعله من قولهم: اقتصّ أثر فلان إذا فعل مثل فعله. قال الراغب: القصاص مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر قال تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} تفسير : [الكهف: 64] والقصاصُ: تتبعُ الدم بالقَوَد قال تعالى: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} تفسير : [المائدة: 45]. قال في اللسان: قصصتُ الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} تفسير : [القصص: 11] أي اتبعي أثره، والقصاصُ: القَوَد وهو القتل بالقتل قال الشاعر: شعر : فرمنا القصاصَ وكان القصا صُ حكماً وعدلاً على المسلمينا تفسير : {ٱلْقَتْلَى}: جمع قتيل ويستوي فيه المذكر والمؤنث، كصرعى جمع صريع، وجرحى جمع جريح. قال في "اللسان": ورجلٌ قتيل أي مقتول، وامرأة قتيل أي مقتولة، فإذا قلت: (قتيلة بني فلان) قلت بالهاء. وقال الطبري: وإنما يجمع (فعيل) على (فَعْلى) إذا كان وصفاً دالاً على الزمانة بحيث لا يقدر معه صاحبه على البُراح من موضعه وأصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، ولكن إذا اعتبر بفعل الشخص يقال: قتلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ، قال تعالى: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144]. {عُفِيَ}: العفو معناه الصفح، والإسقاط، تقول: عفوت عنه أي صفحتُ عنه ومنه قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} تفسير : [المائدة: 95] وقوله: {أية : وَٱعْفُ عَنَّا} تفسير : [البقرة: 286] وعفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق أي اسقطتها عنكم. والمعنى: فمن تُرِك له من جهة أخيه شيءٌ أي ترك له القتل، ورُضي منه بالدية. {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}: مطالبته بالمعروف، أي يطالبه وليّ القتيل بالرفق والمعروف، ويؤدي إليه القاتل الدية بإحسان، بدون مماطلة أو بخس أو إساءة في الأداء. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ}: أي ظلم فقتل القاتل بعد أخذ الدية فله عند الله عذاب أليم. {ٱلأَلْبَابِ}: العقول جمع لب، مأخوذ من لب النخلة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله، ولا يبغيّن بعضكم على بعض، فإذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوا فقط، وإذا قتل العبدُ العبدَ فاقتلوه به، وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها مثلاً بمثل بالعدل والمساواة، ودعوا الظلم الذي كان بينكم فلا تقتلوا بالحر أحراراً، ولا بالعبد حراً، ولا بالأنثى رجلاً، فإن ذلك ظلم وعدوان، واستعلاء وطغيان، فمن تُرك له شيء من القصاص إلى الدية، وعفا عنه وليّ القتيل فلم يقتص منه وقبل منه الدية، فليحسن الطالب في الطلب من غير إرهاقٍ ولا تعنيف، ولْيحسن الدافع في الأداء من غير مماطلة ولا تسويف، ذلك الذي شرعته لكم - أيها المؤمنون - من العفو إلى الدية، تخفيف من ربكم ورحمة، خفَّف به عنكم ليظهر فضله عليكم، على عكس من سبقكم من اليهود حيث لم يكن في شرعهم إلا القصاص، فمن تجاوز منكم بعد أخذ الدية وقتل القاتل، فله عذاب أليم عند الله، لأنه ارتكب جريمة بنقضه العهد وغدره بالقاتل بعد أن أعطاه الأمان، وأخذ منه المال. ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت لكم من القصاص حياة وأي حياة، لأنه من علم أن من قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله، وبذلك تصان الدماء، وتحفظ النفوس، ويأمن الناس على أرواحهم، ذلك هو شرع الله الحكيم، ودينه القويم، الذي به حياة الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. سبب النزول أ - روي في سبب نزول هذه الآية عن قتادة أنَّ أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعة للشيطان، وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبدُهم عبدَ آخرين، قالوا: لن نقتل به إلا حراً، تعزّزاً لفضلهم على غيرهم، وإذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا: لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}. ب - وروي عن (سعيد بن جبير) أن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتلٌ وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى...}. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أكرم الله هذه الأمة المحمدية فشرع لهم قبول الدية في القصاص، ولم يكن هذا في شريعة التوراة، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فالعفو أن تقبل الدية في العمد {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يتبع الطالب بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} ممّا كتب على من كان قبلكم {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} قتل بعد قبول الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} الآية. قال الزجاج: "إذا علم الرجل أنه إن قَتَل، قُتِل، أمسك عن القتل، فكان في ذلك حياة للذي همّ بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: شعر : أبلغ أبا مالك عني مغلغلةً وفي العتاب حياةٌ بين أقوام تفسير : يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح العتاب ما بينهم". اللطيفة الثالثة: بيّنت هذه الآية على وجازتها حكمة القصاص، بأسلوب لا يُسامى، وعبارةٍ لا تُحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن. ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمناً لضده، وهو (الحياة) في (الإماتة) التي هي القصاص، وعرّف القصاص ونكّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلغه الوصف، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيتسبب في حياة البشرية. ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وقد اشتهر عن بعض بلغاء العرب كلمة في معناها، كانوا يعجبون من إيجازها وبلاغتها، ويظنون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها وهي قولهم: (القتل أنفى للقتل) وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، لأنها قيلت قبلها أقوال لمشاهير البلغاء كقولهم: (قتل البعض إحياء للجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقلّ القتل) وأجمعوا على أن كلمة (القتل أنفى للقتل) أبلغ هذه العبارات على الإطلاق. قال الإمام الفخر: "وبيان التفاوت بين النظم الكريم وبين كلام العرب من وجوه عدة: الأول: أن النظم الكريم (في القصاص حياة) أشد اختصاراً من قولهم (القتلُ أنفى للقتل) لأن حروفها أقل. الثاني: أن قولهم (القتل أنفى للقتل) ظاهره يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال. الثالث: أنّ كلامهم فيه تكرار للفظ القتل، وليس في الآية الكريمة هذا التكرار. الرابع: أن قولهم لا يفيد إلا الردع عن القتل، والآية أجمع لأنها تفيد الردع عن القتل والجراح. الخامس: أن القتل ظلماً قتلٌ وليس نافياً للقتل، بل هو سبب لزيادة القتل، فظاهر قولهم باطل، وبذلك يظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي؟ اختلف الفقهاء في الحر إذا قتل عبداً، والمسلم إذا قتل ذمياً هل يقتلان بهما أم لا؟ فذهب الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولا المسلم بالذمي. وذهب الحنفية: إلى أن الحر يقتل بالعبد، وكذلك المسلم يقتل بالذمي. أدلة الجمهور: استدل الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، والمعقول. أ - أما الكتاب فقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} فقد أوجب الله المساواة، ثمّ بيّن هذه المساواة بقوله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}. فالحرّ يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، فكأنه تعالى يقول: اقتلوا القاتل إذا كان مساوياً للمقتول، قالوا: ولا مساواة بين الحر والعبد فلا يقتل به، وكذلك لا مساواة بين المسلم والكافر فلا يقتل به. ب - وأما السنة: فما رواه البخاري عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يُقتل مسلم بكافر ". تفسير : جـ - وأما المعقول: فقالوا: إن العبد كالسِّلعة والمتاع بسبب الرق الذي هو من آثار الكفر، والكافر كالدابة بسبب الكفر الذي طغى عليه، وقد قال تعالى: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنفال: 55] فكيف يُساوى المؤمن بالكافر، وكيف يقتل به؟. أدلة الحنفية: واستدل الحنفية على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي: أولاً: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى...} قالوا: إنّ الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية، وهي عامة تعم كل قاتل سواءً كان حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، وأما قوله تعالى: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...} إلخ فإنما هو لإبطال الظلم الذي كان عليه أهل الجاهلية، حيث كانوا يقتلون بالحر أحراراً، وبالعبد حراً، وبالأنثى يقتلون الرجل تعدياً وطغياناً، فأبطل الله ما كان من الظلم، وأكد القصاص على القاتل دون غيره كما فهم ذلك من سبب النزول وقد تقدم. ثانياً: واستدلوا بقوله تعالى في سورة [المائدة: 45]: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...} تفسير : قالوا: وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، ولم نجد ناسخاً. ثالثاً: واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} تفسير : [الإسراء: 33] فإن هذه الآية انتظمت جميع المقتولين ظلماً، عبيداً كانوا أو أحراراً، مسلمين أو ذمّيين، وجُعل لوليهم سلطان وهو (القود) أي القصاص. رابعاً: واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم" تفسير : فيكون العبد مساوياً للحر. خامساً: واستدلوا بحديث: "حديث : من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن خصاه خصيناه ". تفسير : قالوا: فهذا نص على أن الحر يقتل بالعبد، لأن الإسلام لم يفرّق بين حر وعبد. سادساً: واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث عبد الرحمٰن البيلماني حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بمعاهد وقال: "أنا أكرم مَن وفّى بذمته" . تفسير : سابعاً: قالوا: ومما يدل على قتل المسلم بالذمي اتفاق الجميع على أنه يقطع إذا سرقه، فوجب أن يقاد منه، لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله. هذه هي خلاصة أدلة الفريقين: عرضناها باختصار، وسبب الخلاف في الحقيقة يرجع إلى اختلاف العلماء في فهم الآية، فالحنفية يقولون: إن صدر الآية مكتف بنفسه، وقد تم الكلام عند قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} وسائر الأئمة يقولون: لا يتم الكلام هٰهنا، وإنما يتم عند قوله: {وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} فهو تفسير له وتتميم لمعناه، والآية وردت لبيان التنويع والتقسيم. وقد اعترض الحنفية على الجمهور بأنه ينبغي ألا يُقتل الرجل إذا قتل أنثى؟ وكذلك العبد إذا قتل حراً؟ مع أنهم يقولون أنه يقتل العبد بالحر، والرجل بالمرأة!! أجاب الجمهور: بأن ظاهر الآية يفيد ألا يقتل العبد بالحر، ولكننا نظرنا إلى المعنى فرأينا أن العبد يُقتل بالعبد، فأولى أن يقتل بالحر، وأما قتل الرجل بالمرأة فذلك ثابت بالإجماع، وهو دليل آخر خصّص الآية الكريمة ولولا الإجماع لقلنا لا يقتل الذكر بالأنثى. يقول فضيلة الشيخ السايس في كتابه "تفسير آيات الأحكام" ما نصه: "والعقل يميل إلى تأييد قول أبي حنيفة في هذه المسألة، لأن هذا التنويع والتقسيم الذي جعله الشافعية والمالكية بمثابة بيان (المساواة) المعتبرة، قد أخرجوا منه طردا وعكساً الأنثى بالرجل، فذهبوا إلى أن الرجلُ يقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالرجل، وذهبوا إلى أنّ الحر لا يقتل بالعبد، ولكنهم أجازوا قتل العبد بالحر، فهذا كله يُضعف مسلكهم في الآية. أما مسلك أبي حنيفة فيها فليس فيه هذا الضعف، وحينئذٍ يكون العبد مساوياً للحر، ويكون المسلم مساوياً للذمي في الحرمة، محقون الدم على التأييد". الترجيح: أقول: مذهب أبي حنيفة في قتل الحر بالعبد معقول المعنى، مؤيد "من قتل عبده قتلناه..." فالإسلام قد ساوى بين الأحرار والعبيد في الدماء، فحرمة العبد كحرمة الحر، ونفس العبد كنفس الحر، ولهذا يقتل به. أما قتل المؤمن بالكافر: ففي النفس من قول أبي حنيفة شيء، والراجح فيه رأي الجمهور لا سيّما بعد أن تأكد بالدليل الثابت "حديث : لا يُقتل مسلم بكافر" تفسير : أخرجه البخاري. وكما يقول ابن كثير رحمه الله: لا يصح حديث ولا تأويلٌ يخالف هذا. ثمّ كيف يتساوى المؤمن مع الكافر، مع أن الكافر شرّ عند الله من الدابة؟ والمؤمن طيّب طاهر والله تعالى يقول: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28] ويقول: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} تفسير : [المائدة: 100]، فكيف نقتل مؤمناً طاهراً بمشرك نجس؟! فالراجح إن شاء الله في هذه المسألة قول الجمهور. وقد رأيت في بعض مراجعاتي قصة لطيفة وهي أن (أبا يوسف) القاضي من تلامذة الإمام أبي حنيفة، رفعت إليه قضية، تتلخص في أن مسلماً قتل ذمياً كافراً، فحكم عليه أبو يوسف بالقصاص، فبينما هو جالس ذات يوم، إذ جاءه رجل برقعةٍ فألقاها إليه ثم خرج، فإذا فيها هذه الأبيات: شعر : يا قاتلَ المسلم بالكافرِ جرتَ وما العادلُ كالجائر يا مَنْ ببغدادَ وأطرافِها من علماء الناسِ أو شاعرِ استرجُعوا وابكُوا على دينكم واصطبروا فالأجرُ للصابر جار على الدين أبو يوسف بقتله المؤمن بالكافر تفسير : فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر لئلا تكون فتنة.. فدعا أبو يوسف أولياء القتيل وطالبهم بالبينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يستطيعوا أن يثبتوا فأسقط القود وأمر بدفع الدية. مناظرة لطيفة ذكر العلامة أبو بكر ابن العربي في تفسيره "أحكام القرآن" هذه المناظرة اللطيفة فقال: "ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فقيهٌ من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بـ (الزوزني) زائراً للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة - طهّرها الله - معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر فقال: يُقتل به قصاصاً، فطولب بالدليل فقال: الدليل عليه قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} وهذا عامٌ في كل قتيل. فانتدب معه في الكلام فقيه الشافعية وإمامهم بها (عطاء المقدسي) وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله سبحانه قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإنّ الكفر حطّ منزلته، ووضع مرتبته. الثاني: أنّ الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} فإذا نقص العبد عن الحر بالرق - وهو من آثار الكفر - فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر. الثالث: أن الله سبحانه وتعالى قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول. فقال الزوزني: دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء. أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول، وأمّا دعواك أنّ المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص معدومة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإنّ الذمي محقون الدم، والمسلم محقون الدم، وكلاهما في دار الإسلام، والذي يحقّق ذلك أن المسلم يُقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدلّ على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. وأما قولك: إنّ الله ربط آخر الآية بأولها فغير مسلّم، فإنّ أول الآية عامٌ، وآخرها خاصٌ، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كلٌ حكمه من عموم أو خصوص. وأما قولك: إن الحر لا يقتل بالعبد فلا أسلّم، بل يقتل به قصاصاً، فتعلقت بدعوى لا تصح لك. وأما قولك: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} يعني المسلم فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو فلا يمنع من عموم القصاص.. الخ. قال ابن العربي: وجرت مناظرة عظيمة، حصلنا منها فوائد جمة، أثبتناها في "نزهة الناظر". الحكم الثاني: هل يقتل الوالد إذا قتل ولده؟ قال الجمهور: لا يقتل الوالد إذا قتل ولده، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يُقتل وِالدٌ بولده ". تفسير : قال الجصاص: "وهذا خبرٌ مستفيض مشهور، وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم عليه، فكان في حيّز المتواتر". وقال مالك: يُقتل إذا تعمّد قتله بأن أضجعه وذبحه. قال القرطبي: "لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمداً، مثل أن يضجعه ويذبحه، أو يصبره، أنه يُقتل به قولاً واحداً، فأمّا إن رماه بالسلاح أدباً وحنقاً لم يقتل به وتغلّظ الدية". الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح للنصّ الوارد الذي أسلفناه، ولأنّ الشفقة تمنعه من الإقدام على قتل ولده متعمداً، بخلاف الابن إذا قتل أباه فإنه يقتل به من غير خلاف، قال فخر الإسلام الشاشي: إن الأب كان سبب وجود الابن، فكيف يكون هو سبب عدمه؟! الحكم الثالث: هل يقتل الجماعة بالواحد؟ اختلف الفقهاء في الجماعة إذا اشتركوا في قتل إنسان هل يقتلون به؟ على مذهبين: مذهب الجمهور والأئمة الأربعة: أن الجماعة يقتلون بالواحد. مذهب الظاهرية: ورواية عن الإمام أحمد: أن الجماعة لا تقتل بالواحد. دليل الظاهرية: أ - استدل أهل الظاهر بآية القصاص {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} فقد شرطت المساواة والمماثلة، قالوا: ولا مساواة بين الواحد والجماعة. ب - واستدلوا بقوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] فالنفس تقابلها النفس، ولا تقتل الأنفس بالنفس الواحدة لأنه مخالف لنص الآية. دليل الجمهور: أولاً ما روي أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة في غلام قتل بصنعاء وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. قال ابن كثير: ولا يُعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع. ثانياً: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبّهم الله في النار" تفسير : قالوا: فإذا اشتركوا في العقوبة الأخروية، فإنهم يشتركون في العقوبة الدنيوية أيضاً. ثالثاً: قالوا إن الشارع شرع القصاص لحفظ الأنفس {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} ولو علم الناس أن الجماعة لا تقتل بالواحد، لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم، ثم لم يقتلوا فتضيع دماء الناس، وينتشر البغي والفساد في الأرض. قال ابن العربي: "احتج علماؤنا بهذه الآية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} على أحمد بن حنبل في قوله: لا تُقتل الجماعة بالواحد، لأن الله شرط في القصاص المساواة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة. والجواب: أن مراعاة القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ، ولو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا واحداً لم يقتلوا به، لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم، وبلغوا الأمل من التشفي منهم. وجواب آخر: أن المراد بالقصاص قَتْلُ من قَتَل، كائناً من كان، رداً على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قُتل من لم يَقْتُل في مقابله الواحد بمائة افتخاراً واستظهاراً بالجاه والمقدرة، فأمر الله بالمساواة والعدل، وذلك بقتل من قتل". الحكم الرابع: كيف يُقتل الجاني عند القصاص؟ اختلف الفقهاء في كيفية القتل على مذهبين: فذهب مالك والشافعي: ورواية عن أحمد، أن القصاص يكون على الصفة التي قَتَل بها، فمن قتل تغريقاً قُتل تغريقاً، ومن رضخ رأس إنسان بحجر، قُتل برضخ رأسه بالحجر، واحتجوا بالآية الكريمة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} حيث أوجبت المماثلة فيقتص منه كما فعل. واحتجوا بحديث أنس: "أن يهودياً رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بحجر". وذهب أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه: إلى أن القتل لا يكون إلا بالسيف، لأن المطلوب بالقصاص إتلاف نفسٍ بنفس، واستدلوا بحديث: "لا قود إلاَّ بالسيف" وحديث "النهي عن المُثْلة" وحديث "حديث : إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" تفسير : وقالوا: إذا ثبت حديث أنس كان منسوخاً بالنهي عن المُثْلة. وقالوا: إن القتل بغير السيف من التحريق، والتفريق، والرضخ بالحجارة، والحبس حتى الموت ربما زاد على المثل فكان اعتداءً والله تعالى يقول: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقد حكي أن (القاسم بن معن) حضر مع (شريك بن عبد الله) عند بعض السلاطين، فسأله ما تقول: فيمن رمى رجلاً بسهمٍ فقتله؟ قال: يُرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟ قال: يُرمى ثانياً، قال: أفتتخذونه غرضاً وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتخذ شيء من الحيوان غرضاً؟ ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة يكون أرجح والله أعلم. الحكم الخامس: من الذي يتولى أمر القصاص؟ قال القرطبي: "اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصَ من أحدٍ حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقيض أيدي الناس بعضهم عن بعض". ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - تشريع القصاص فريضة من الله على عباده المؤمنين لصلاحهم وسعادتهم. 2 - القصاص يقلّل الجرائم، ويقضي على الضغائن ويربي الجناة. 3 - في القصاص حياة النفوس، وحماية الأفراد والمجتمعات البشرية. 4 - الاعتداء على غير القاتل من العصبية الجاهلية التي حاربها الإسلام. 5 - تجب المماثلة في القصاص حتى لا ينتشر البغي والظلم والعدوان. 6 - إذا عفا أولياء القتيل وقبلوا الدية فيجب دفعها لهم بدون مماطلة ولا تسويف. 7 - تخفيف العقوبة رحمة من الله على عباده المؤمنين يجب عليهم شكرها. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع المولى الحكيم العليم القصاص، وأوجب تنفيذه على الحكام، صيانة لدماء الناس، ومحافظة على أرواح الأبرياء، وقضاء على الفتنة في مهدها، ذلك لأن أخذ الجاني بجنايته يكون زاجراً له ولغيره، ورادعاً لأهل البغي والعدوان، فإذا همّ أحدٌ بقتل أخيه، أو تهيب خيفةً من القصاص، فكفّ عن القتل، فكان في ذلك حياةً له، وحياة لمن أراد قتله، وحياة لأفراد المجتمع، وإذا بقي المعتدي يرتع، دون جزاءٍ أو عقاب، أدّى ذلك إلى إثارة الفتن، واضطراب الأمن، وتعريض المجتمع إلى سفك الدماء البريئة أخذاً بالثأر، فإنّ الغضب للدم المراق فطرة في الإنسان، والإسلام راعى ذلك فقرّر شريعة القصاص، حتى يستلّ لأحقاد من القلوب، ويقضي على أسباب البغي والخصام، والعدوان. ولكن الإسلام في الوقت الذي يفرض فيه القصاص، يحبّب في العفو، ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص العدل، دعوة إلى التسامي في حدود التطوع، لا إلزاماً يكبت فطرة الإنسان، ويحملها مالا تطيق {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}. وقد نقل المولى - جل وعلا - بهذا التشريع الحكيم العقوبات، من معنى انتقامي إلى معنى سام جليل، فقد كانت العقوبات السالفة، انتقاماً ينتقم بها المجتمع من المجرمين، أو ينتقم بها أهل القتيل من أهل المقتول، فلا يقبلون حتى يسفكوا مقابل الدم الواحد الدماء البريئة ويزهقوا الأرواح. وربما قتلوا بالرجل مائة رجل، فجعل الله الغرض منها الاستصلاح {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} ولم يقل لكم فيه انتقام. ولقد رقت قلوب قوم من رجال (التشريع الوضعي) فاستفظعوا قتل القاتل، ورحموه من القتل، ولقد كان (المقتول ظلماً) أولى بالرحمة والشفقة والعطف، وإذا رحموا القاتل فمن يرحم المجتمع من سطوة المجرمين من أهل الفساد!! وماذا نصنع مع العصابات التي كثرت في هذه الأيام واتخذت لها طريقاً إلى ترويع المجتمع بالسلب والنهب وسفك الدماء؟ لقد نظروا نظرة ضيقة بفكر غير سليم، ولو نظروا عامة شاملة بفكر وعقل مستنير لرحموا الأمة من المجرمين، بالأخذ بشدة على أيدي العابثين، فإن من يرحم الناس يسعى لتقليل الشر عنهم، وكف عادية المعتدين.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} معناهُ مَنْ تُركَ لَهُ. ويقالُ العَفو أَخْذُ الدِّيةِ. وقال ابن عباس: كانَ القِصَاصُ فِي بني إِسرائيل، ولمْ يكنْ لَهُمْ دِيةٌ. فقالَ الله تعالى لِهَذِهِ الأُمةِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فالعَفو: أَنْ يَقْبلَ الدِيةَ فِي العَمدِ اتّباعاً بالمَعْروفِ. قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ فيتَّّبعُ الطَالبُ بالمَعروفِ ويُؤدي المطْلوبُ إِليهِ بإِحْسَانٍ {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} مما كُتِبَ على مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} معناهُ مَنْ قَتَلَ بَعدَ أَخْذِ الدّية؛ فإنه يقتل، ولا تقبل منه الدّية.

الأندلسي

تفسير : وكان في بني إسرائيل القصاص دون الدية فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} وأصل الكتابة الخط وكني به عن الإِلزام. وفي القتلى يظهر أنها للسبب كهي: في دخلت امرأة النار في هرة، أي: بسبب القتلى وبسبب هرة. والقتلى: جمع قتيل. {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} الآية {وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} الآية ظاهر هذا التفضيل اعتبار المماثلة بالحرية والعبودية والأنوثة. وظاهر عموم الحر بالحر أن الوالد يقتل إذا قتل ابنه وهو قول عثمان البتي. وقال مالك: إذا أضجعه وذبحه قتل به. وقد أجمعوا على قتل الحر بالمرأة والمرأة بالرجل. والظاهر من الآية مشروعية القصاص في القتلى بأي شيء حصل به القتل. {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ} الواجب من ظاهر الآية اما القصاص واما الدية ومن عفى له هو القاتل، والضمير في له ومن أخيه: عائد عليه وعفا لا يتعدى ضمن معنى ما يتعدى، أي فمن ترك له شيء من أخيه أي من دية دم أخيه، أو كني بأخيه عن ولي الأم أو أبقى عفى على أصل وضعه، وشيء عبارة عن المصدر أي شيء من العفو والعفو لا يتأتى إلا من الولي والمعنى فإِذا عفا الولي عن شيء يتعلق بالقاتل فيلتبع القاتل ذلك. {بِٱلْمَعْرُوفِ} ولا يعنفه ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة. {وَأَدَآءٌ} من القاتل. {إِلَيْهِ} أي إلى الولي. {بِإِحْسَانٍ} أي لا يمطله ولا يبخسه شيئاً. وإن كان المعنى بأخيه المقتول فالضمير في إليه عائد على العافي وهو الولي. ويدل عليه قوله: فمن عفى، لأنه يستدعي عافياً والظاهر أنه لا يتحتم للولي أن يقتص إذا عفى للقاتل شيء إذ يكون التقدير فالواجب اتباع. {ذٰلِكَ} أي العفو والدية. {تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} حيث يسلم القاتل من أن يقتل إذ كان أهل التوراة مشروعية القتل عندهم تحتم القصاص ومشروعية أهل الانجيل تحتم العفو. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي بعد العفو والدية فقتل من قتله. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أما في الدنيا وهو قتله قصاصاً، واما في الآخرة حيث تعدى ما حد الله له. {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ} أي في شرع القصاص. {حَيَٰوةٌ} وذلك أنه إذا علم أنه من قَتل قُتل كان في ذلك ارتداد عن القتل وإمساك، فكان ذلك حياة له ولمن يريد قتله. وكانت العرب إذا قتل رجل رجلاً حمي قبيلة راموا ان يقتصوا منه فيقتتلون فيقضي ذلك إلى قتل عدد كثير من الفريقين، فلما شرع القصاص رضوا به وسلموا القاتل للقود أو صالحوا الرجل على الدية وتركوا القتال، فكان لهم في ذلك حياة وكم قتل مهلهل بأخيه كليب، حتى كاد يفنى بكر بن وايل. {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} هم الذين عرفوا مشروعية القصاص وما فيها من المصلحة العامة. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} القصاص فيكفون عن القتل. ولما تقدم ذكر القصاص أتبع ذلك بالتنبيه على الوصية ليتنبه كل أحد على مفاجأة الموت فيوصي لئلا يموت على غير وصية. وهو تعالى قد كتبها على المؤمنين والخطاب في "عليكم" للموصيين مقيداً بالامكان على تقدير التجوز في حضور الموت ولو جرى الكلام على خطابهم لكان التركيب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم { الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد. وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين. ثم بيَّن تفصيل ذلك فقال: { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } يدخل بمنطوقها، الذكر بالذكر، { وَالأنْثَى بِالأنْثَى } والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله: "الأنثى بالأنثى "مع دلالة السنة، على أن الذكر يقتل بالأنثى، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله: { الْقِصَاصُ } ما يدل على أنه ليس من العدل، أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية شديدة جدا من الولد له. وخرج من العموم أيضا، الكافر بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة. وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك. وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي. فإذا عفا عنه وجب على الولي، [أي: ولي المقتول] أن يتبع القاتل { بِالْمَعْرُوفِ } من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه. وعلى القاتل { أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان. وفي قوله: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ } ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا. وفي قوله: { أَخِيهِ } دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه. وإذا عفا أولياء المقتول، أو عفا بعضهم، احتقن دم القاتل، وصار معصوما منهم ومن غيرهم، ولهذا قال: { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } أي: بعد العفو { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: في الآخرة، وأما قتله وعدمه، فيؤخذ مما تقدم، لأنه قتل مكافئا له، فيجب قتله بذلك. وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل، فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله، ولا يجوز العفو عنه، وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول، لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره. ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكَّر "الحياة "لإفادة التعظيم والتكثير. ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون. وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة، أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويعظم معاصيه فيتركها، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} [178] 34- أنا عبد الجبَّار بن العلاء بن عبد الجبَّار، عن سفيان، عن عمرو، عن مُجاهد، عن ابن عباس قال: كان القِصاص في بني إسرائيل، ولم يكن فيهم الدِّية، فقال الله تبارك وتعالى لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فالعفو أن تُقبل الدِّية في العَمْد، واتباع المعروف: أن تَتْبع هذا بمعروف وتؤدي هذا بإحسان، فخُفِّف عن هذه الأمة. ذيل التفسير قوله تعالى: [{كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} [178]] 3/ 738- أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن حفص، قال: حدثنا ورقاء، عن عمرو، عن مجاهد، قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} قال: كان بنو إسرائيل عليهم القِصاص وليس عليهم الدِّية فأنزل الله عز وجل عليهم الديَّة فجعلها على هذه الأمة تخفيفا على ما كان على بني إسرائيل.

همام الصنعاني

تفسير : 163- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}: [الآية: 178]، قال: لم يكُن لِمَنْ قتل دِيةٌ، إنما كانَ القَتْلُ والعفو، فنزلت هذه الآية في قوم كانُوا اكثَر من غيرِهم، فكانوا إذَا قتل من الحيِّ الكثير عَبْدٌ، قالوا: لا نَقْتُلْ به إلا حر، وإذا قتل منهم امرأة، قالوا: لا نَقْتلُ بها إلاَّ رجُلاً، فأنزل الله: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}: [الآية: 178]. 164- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبن نجيح، عن مجاهد، وابن عُيَينة، عن عَمْرو بن دينارٍ، عَنْ مجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: كانَ القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}: [الآية: 178]، قال: فالْعَفُو أن يَقْبَل الدية في العمد، {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}: [الآية: 178]، قال: يتبع المطالب بمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان. {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}، فما كُتِبَ على من كان قبلكم. 165- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}، قال: يتْبَعُ الطالبُ بالمعروف، ويُؤدِّي إليْه المطلوب بإحسان. 166- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}: [الآية: 178]، قال: إذا قتل الرجل عمداً ثم أُخذت من الدية، فقد عُفي له من القتل. 167- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ}: [الآية: 178]، قال: هو القتل بعد أخذ الدية. يقول: مَنْ قتل بعد أن يأخذ الدية، فعليه أن القتل لا تقبل منه الدية. 168- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أعافي أحداً قتل بعد أخذ الدية ".