٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
179
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص وكان القصاص من باب الإيلام توجه فيه سؤال وهو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته إيلام العبد الضعيف؟ فلأجل دفع هذا السؤال ذكر عقيبه حكمة شرع القصاص فقال: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجوه الأول: أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلاً، وفي حق من يراد جعله مقتولاً وفي حق غيرهما أيضاً، أما في حق من يريد أن يكون قاتلاً فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً، وأما في حق من يراد جعله مقتولاً فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعاً زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل. الوجه الثاني: في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة وذلك لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سبباً للحياة من هذا الوجه، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مخص بالقصاص الذي هو القتل، يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سبباً لبقائهما لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا اقتص منه وأيضاً فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس. الوجه الثالث: أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو قول السدي. والوجه الرابع: قرأ أبو الجوزاء {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل: {ٱلْقِصَاصِ } القرآن، أي لكم في القرآن حياة للقلوب كقوله: {أية : رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى:52] {أية : وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } تفسير : [الأنفال:42] والله أعلم. المسألة الثانية: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه: أحدها: أن قوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } أخصر من الكل، لأن قوله: {وَلَكُمْ } لا يدخل في هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: {فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } أشد اختصاراً من قولهم: القتل أنفى للقتل وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله: {فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سبباً لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة، بل جعله سبباً لنوع من أنواع الحياة وثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله: {فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } كذلك ورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل. لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله: {فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد وخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعاً من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى وسادسها: أن القتل ظلماً قتل، مع أنه لا يكون نافياً للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهراً وتقديراً، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب. المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت. فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلاً عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضياً إلى حصول الحياة. فإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟ فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي. أما قوله تعالى: { يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ } فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعاً لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سبباً للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب. وأما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: لفظة {لَعَلَّ } للترجي، وذلك إنما يصح في حق من لم يكن عالماً بجميع المعلومات، وجوابه ما سبق في قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 21]. المسألة الثانية: قال الجبائي: هذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل التقوى، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون بخلاف قول المجبرة، وقد سبق جوابه أيضاً في تلك الآية. المسألة الثالثة: في تفسير الآية قولان أحدهما: قول الحسن والأصم أن المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص والثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى، فحمله على الكل أولى: ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدّم. ومعناه: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ رواه سفيان عن السُّدّي عن أبي مالك. والمعنى: أن القصاص إذا أقيم وتحقّق الحكم فيه ٱزدجر من يريد قتل آخر، مخافةَ أن يقتص منه فحييا بذلك معاً. وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حَمِيَ قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى قتل العدد الكثير؛ فلما شرع الله القصاص قَنِع الكل به وتركوا الاقتتال؛ فلهم في ذلك حياة. الثانية: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض؛ وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك؛ ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض. الثالثة: وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدّى على أحدٍ من رعيّته، إذ هو واحد منهم؛ وإنما له مَزِيّة النظر لهم كالوصيّ والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامّة فرق في أحكام الله عز وجل؛ لقوله جل ذكره: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}، وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً قطع يده: لئن كنت صادقاً لأقيدنّك منه. وروى النّسائي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: «حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقسم شيئاً إذ أكبّ عليه رجل، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُرجون كان معه، فصاح الرجل؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعال فاستقد». قال: بل عفوت يا رسول الله»تفسير : . وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أَلاَ مَن ظلمه أميره فليرفع ذلك إليّ أقيده منه. فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدّب رجل منا رجلاً من أهل رعيّته لتقصنّه منه؟ قال: كيف لا أقصّه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصّ من نفسه!. ولفظ أبي داود السّجستانيّ عنه قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث عُمّالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم؛ فمن فعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصّه منه. وذكر الحديث بمعناه. الرابعة: قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تقدم معناه. والمراد هنا «تتقون» القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعيةً لأنواع التقوى في غير ذلك؛ فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة. وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد اللَّه الرَّبَعِي «ولكم في القَصَص حياة» قال النحاس: قراءة أبي الجوزاء شاذّة. قال غيره: يحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص. وقيل: أراد بالقَصَص القرآن؛ أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصص حياة؛ أي نجاة.
البيضاوي
تفسير : {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده، وعرف القصاص ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعاً من الحياة عظيماً، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين. ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم. فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سبباً لحياتهم. وعلى الأول فيه إضمار وعلى الثاني تخصيص. وقيل: المراد بها الحياة الأخروية، فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة. {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ } يحتمل أن يكونا خبرين لحياة وأن يكون أحدهما خبراً والآخر صلة له، أو حالاً من الضمير المستكن فيه. وقرىء في «القصص» أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة، أو في القرآن حياة للقلوب. {يأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} ذوي العقول الكاملة. ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} في المحافظة على القصاص والحكم به والإِذعان له، أو عن القصاص فتكفوا عن القتل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } أي بقاء عظيم { يَٰأُوْلِي ٱلأَلْبَٰبِ } ذوي العقول لأنّ القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله فشرع {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } القتل لمخافة القَوَد.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} إذا ذكره الظالم كف عن القتل، أو وجوب القصاص على القاتل وحده حياة له وللمعزوم على قتله فيحييان جميعاً وهذا أعم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أن تقتلوا فيقتص منكم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولكم في القصاص حياة} أي بقاء، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل قتل ترك القتل وامتنع عنه فيكون فيه بقاؤه وبقاء من هم بقتله. وقيل: إن نفس القصاص سبب للحياة وذلك أن القاتل إذا اقتص منه ارتدع غيره ممن كان يهم بالقتل. واعلم أن هذا الحكم ليس مختصاً بالقصاص الذي هو القتل بل يدخل فيه جميع الجراح والشجاج وغير ذلك لأن الجارح إذا علم أنه إذا جرح جرح لم يجرح، فيصير ذلك سبباً لبقاء الجارح والمجروح، وربما أفضت الجراحة إلى الموت فيقتص من الجارح. وقيل في معنى الآية إن الحياة سلامته من قصاص الآخرة فإنه إذا اقتص منه في الدنيا لم يقتص منه في الآخرة، وفي ذلك حياته وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة {يا أولي الألباب} أي يا ذوي العقول الذين يعرفون الصواب لأن العاقل لا يريد إتلاف نفسه بإتلاف غيره {لعلكم تتقون} يعني لعلكم تنتهون عن القتل خوف القصاص. قوله عز وجل: {كتب} أي فرض وأوجب {عليكم إذا حضر أحدكم الموت} أي قرب ودنا منه، وظهرت آثاره عليه من العلل والأمراض المخوفة وليس المراد منه معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء {إن ترك خيراً} يعني مالاً قيل يطلق على القليل والكثير وهو قول الزهري: فتجب الوصية في الكل وقيل: إن لفظة الخير لا تطلق إلاّ على المال الكثير وهو قول الأكثرين واختلفوا في مقدار الكثير الذي تقع فيه الوصية فقيل: ألف درهم فما زاد عليها. وقيل: سبعمائة فما فوقها. وقيل: ستون ديناراً فما فوقها. وقيل: إنه من خمسمائة إلى ألف وقيل: إنه المال الكثير الفاضل عن العيال، روي أن رجلاً قال لعائشة: إني أريد أن أوصي فقالت كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم قالت: كم عيالك؟ قال أربعة. قالت إنما قال الله: {إن ترك خيراً} وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. {الوصية} أي الإيصاء والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به وقيل: هي القول المبين لما يستأنف من العمل والقيام به بعد الموت {للوالدين والأقربين} كانت الوصية في ابتداء الإسلام فريضة للوالدين والأقربين على من مات وله مال. وسبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يوصون للأبعدين طلباً للفخر والشرف والرياء ويتركون الأقربين فقراء فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث، وبما روي عن عمرو بن خارجة قال: كنت آخذاً بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعته يقول: "حديث : إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" تفسير : أخرجه النسائي والترمذي، نحوه وذهب ابن عباس إلى أن وجوبها صار منسوخاً في حق من يرث، وبقي وجوبها في حق من لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو قول الحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار وحجة هؤلاء أن الآية دالة على وجوب الوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ ذلك الوجوب في حق من يرث بآية الميراث وبالحديث، المذكور فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يرث فعلى قول هؤلاء النسخ يتناول بعض أحكام الآية، وذهب الأكثرون من المفسرين والعلماء وفقهاء الحجاز والعراق إلى أن وجوبها صار منسوخاً في حق الكافة وهي مستحبة في حق من لا يرث ويدل على استحباب الوصية والحث عليها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه" تفسير : وفي رواية: "حديث : له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين" تفسير : وفي رواية: "حديث : ثلاث ليال إلاّ ووصيته مكتوبة عنده" تفسير : قال نافع سمعت عبدالله بن عمر يقول: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلاّ ووصيتي مكتوبة عندي أخرجه الجماعة. قوله: ما حق امرئ الحق يشتمل معناه على الوجوب والندب والحث، فيحمل هنا على الحث في الوصية لأنه لا يدري متى يأتيه الموت فربما أتاه بغتة فيمنعه عن الوصية. وقوله تعالى: {بالمعروف} أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط فلا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير (ق) حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال: "جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله إني قد بلغ بي الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلاّ ابنة لي أفأتصدق بثلثي ما لي قال لا قلت فالشطر يا رسول الله قال لا قلت فالثلث قال الثلث والثلث كثير أو قال والثلث كبير إنك إن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" تفسير : العالة الفقراء وقوله يتكففون الناس التكفف. المسألة: من الناس كأنه من الطلب بالأكف (ق) عن ابن عباس قال: في الوصية: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد والثلث كثير وقال علي بن أبي طالب لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك" وقيل يوصي بالسدس أو بالخمس أو الربع {حقاً} أي ثابتاً ثبوت ندب لا ثبوت فرض ووجوب {على المتقين} أي على المؤمنين الذين يتقون الشرك.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ...}. ابن عرفة: فيه دليل لأهل السنة القائلين بأن لا حسن ولا قبح لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بتعداد هذه النعم، فدلّ على أنها تفضل من الله تعالى، ولو كان القصاص واجبا في (العقل) لما حسن كونه نعمة، ولما صح الإتيان به لأن ذلك تحصيل الحاصل. قال الأصوليون والبيانيون: وهذه أبلغ من قول العرب القتل أنفى للقتل. وقدره ابن مالك في المصباح بأربعة أوجه: أحدها: أن حروفها عشرة، وأسقط منها الياء من في (وألف) الوصل من "القِصَاصِ" لسقوطها في النطق وفي التفعيل أعني الأوزان (الشعرية)، وحروف "القتل أنفى للقتل" أربعة عشر. الثاني: تنافر الحروف في المثل وتناسبها في الآية. الثالث: لفظ الحياة محبوب، فالتصريح باسمها أولى من الكناية عنه بنفي القتل. الرابع: صحة معناه لأن تنكير الحياة يفيد إما حياة عظيمة أو نوعا من الحياة إشارة لحسنه وغرابته، بخلاف المثل فإن معناه غير صحيح وحقيقته غير مرادة. قال ابن عرفة: ويظهر لي بيان الرّابع إما بأن القتل في المثل (مطلق) (يتناول) القتل عدوانا مع أنه غير مراد والآية صريحة في نفي ذلك. قال (ابن عرفة): والآية أصوب من وجه آخر وهو أنها تقتضي المساواة في جميع الوجوه بخلاف المثل فليس فيه تنصيص على المساواة. وذكر (الطبري) في تأليفه في البيان والجعبري في شرح الشاطبية الصغرى أنّ الآية تفضله من وجوه: أحدها: (إيهامه) التناقض لمنافاة الشيء لنفسه أو العموم فيكون القتل ظلما أنفى للقتل قصاصا والمراد العكس بخلاف الآية فإنّها صريحة في معناها من غير احتمال (شيء). الثاني: عدول الآية عن التكرار وعن الإضمار، بخلاف المثل لأن تقديره كراهية القتل أنفى للقتل. الثالث: سلامة ألفاظها عما يوحش السامع، وتخصيصها بالحياة المرغوب فيها وبعدها عن تكرار (قَلْقَلة) القَافِ للضَغط والشدة وتخصيصها بتكرار الصاد المستجلب (باستعلائها) وإطباقها مع الصفير للفصاحة. الرابع: فيها الطباق المعنوي بين القصاص والحياة. قلت: وزاد بعضهم عن القاضي ابن عبد السلام أن الآية أعجب لاقتضائها أنّ الموت سبب في الحياة ولأن دلالة القصاص على الحياة مطابقة ودلالة القتل عليها باللزوم.
ابن عادل
تفسير : اعْلَمْ أن كيفيَّة النَّظْم أَنَّهُ تعالى لما أوجب القِصَاص في الآية المتقدِّمة توجَّه أَنْ يُقالَ: كيفَ يليقُ برحمته إيلامُ العَبْد الضَّعيف، فذكرَ عقِيبَهُ حكْمة شَرع القِصاص؛ دفعاً لهذا السؤال. قوله "لَكُمْ": يجوز أن يكون الخَبَر، و "فِي القِصَاصِ" متعلِّق بالاستقرار الَّذي تضمَّنه "لَكُمْ" ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذُوفٍ على أنَّه حالٌ من حياة، لأَنَّه كان في الأَصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها نصب حالاً، ويجوزُ أن يكون "فِي القِصَاصِ" هو الخَبَر، و "لَكُمْ" متعلِّق بالاستقرار المتضمِّن له، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في قوله {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} تفسير : [البقرة: 36] وهناك أشياءُ لا تجيء هُنَا. فصل في معنى كون القصاص حياةً في معنى كَوْنِ القِصاصِ حياةً وجوه: أحدها: أَنَّهُ ليس المرادُ أَنَّ نَفْس القصاص حياةً؛ لأَنَّ القصاصَ إِزالةٌ للحياةِ، وإزالةُ الشيءِ يمتنع أَنَّ تكُون نفْسَ ذلك الشَّيءِ، بل المراد أَنَّ شَرْع القِصَاص يُفْضِي إلى الحياة. أَمَّا في حقِّ منَ يريدٌ القَتَلَ فإنَّهُ إذا عَلِمَ أَنَّه إذا قَتَلَ قُتِلَ تَرَكَ القَتْل؛ فلا يقتل، فيَبْقَى حَيًّا، وأمَّا في حقِّ المقتول: فإنَّ مَنْ أراد قتلَه، إذا خاف مِنَ القِصَاصِ؛ تَرَكَ قَتلهُ فيبقَى غير مقتول، وأمَّا في حقِّ غيرهما: فَلأَنَّ في شرع القِصَاص بقاءَ من هَمَّ بالقَتْل ومن يهمّ به، وفي بقائهما بَقَاءُ مَنْ يتعصَّبُ لهما؛ لأَنَّ الفِتْنَة تعظُمُ بسبَب القَتْل فتؤدِّي إلى المُحاربة الَّتي تنتهي إلى قتل عالَمٍ من النَّاس، وفي شَرْعِ القِصَاص زوالٌ لِكُلِّ ذلك، فيصير حياةً للكُلِّ. وثانيها: أَنَّ نفسَ القصاص سببُ الحياة؛ لأنَّ سَافِك الدَّم، إِذَا أُقِيدَ منْه، ارتدع مَنْ كان يهُمَّ بالقتل، فلم يقتل، فكان القصاص نفسُه سبباً للحياة مِنْ هذا الوجه. وثالثها: معنى الحياة سلامتُهُ مِنْ قِصَاصِ الآخِرة، فإِنَّهُ إذا اقتصَّ منه في الدُّنْيا، حيي في الآخرة، وإذا لم يقتصّ منه في الدُّنيا اقْتُصَّ منه في الآخرة وهذا الحُكْم غير مختصٍّ بالقِصَاصِ في النَّفْسِ، بل يدخل فيه القِصاص في الجِراح والشِّجَاج. ورابعها: قال السُّدَّيُّ: المرادُ من القِصَاصِ إيجابُ التَّوبَة. وقرأ أبو الجوزاء في القَصَصِ والمراد به القُرآن. قال ابنُ عطيَّة ويحتمل أن يكون مَصْدراً كالقِصاصِ، أي أَنَّهُ إذا قُصَّ أثَرُ القاتلِ قَصَصاً، قُتِل. ويحتمل أن يكون قوله: {فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} أي فيما أَقُصُّ عليكُمْ مِنْ حُكْم القَتْل والقِصَاصِ. فصل في الردِّ على احتجاج المعتزلة بالآية قالت المعتزلة: دلَّتْ هذه الآيةُ على أنَّ القِصَاصِ سببٌ للحياة؛ لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ}، فدَلَّ ذلك على أَنَّهُ لو لم يُشْرع القِصَاصُ، لكان ذلك سبباً للموت قبل حلول وَقْتِهِ، وكذلك كلُّ ما نتج من الحيوان، فإنَّ هلاكه قَبْلَ أجلِهِ؛ بدليل أنَّهُ يجب على القاتِلِ الضَّمانُ والدِّية. وأجيب بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}تفسير : [آل عمران: 145] وقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 34]{أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ}تفسير : [نوح: 4]{أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}تفسير : [الرعد: 38] فمتى قتل العبد علمنا أَنَّ ذلك أجلُهُ، ولا يصحُّ أن يقال: إِنَّه لو لم يُقْتَلُ، لعاش؛ لما ذكرنا من الآيات. أمَّا وجوب الضمان والدِّية، فللإقدام على القَتْل وللزجر عن الفِعْل. فصل في كون الآية في أعلى درجات البلاغة اتفق علماءُ البَيَانِ على أَنَّ هذه الآية في الإيجازِ مع جميع المعاني باللّغةِ بالغةٌ أعلى الدَّرجَاتِ؛ فإنَّه قولَ العَرَبِ في هذا المعنى "القَتْلُ أَوْقَى لِلْقَتْلِ"، ويروى "أَنْفَى لِلْقَتْل"، ويروَى "أَكَفُّ لِلْقَتْلِ"، ويروى "قَتْلُ البَعْضِ أَحْيَا الجَمِيع"، ويروى: "أَكْثِروا القَتْلَ ليقلَّ القَتْلُ" فهذا وإن كان بليغاً فقد أَبْدَتِ العُلماءُ بَيْنه وبيْنَ الآية الكريمةِ وجوهاً عديدةً في البلاغة، وُجدت في الآية الكريمة دونه: منْها: أَنَّ في قولِهِم تكرارَ الاسم في جُمْلةٍ واحدةٍ. ومنها: أَنَّهُ لا بدَّ مِنْ تقدير حَذْفٍ؛ لأنَّ "أَنْفَى" و "أَوقَى" و "أَكَفُّ" أفعل تفضيل فلا بدَّ من تقدير المفضَّل عليه، أي: أنفى لِلْقتلِ مِنْ تركِ القتل. ومنها: أنَّ القِصَاص أَعَمُّ؛ إِذ يوجد في النَّفْس وفي الطَّرف، والقتلُ لا يكون إلاَّ في النَّفسِ. ومنها: أَنَّ ظاهر قولهم كونُ وجود الشيء سَبَباً في انتفاءِ نفسه. ومنها: أَنَّ في الآية نَوعاً من البديع يُسمَّى الطبَاقَ، وهو مقابلةُ الشيءِ بضدِّه، فهو يُشبه قوله تعالى: {أية : أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : {النجم: 43]. قوله: {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} منادًى مضافٌ وعلامة نصبه الياءُ، واعلم أنَّ "أُولِي" اسمُ جَمع؛ لأَنَّ واحده، وهو "ذُو" من غَير لفظه، ويجري مَجرى جمع المذكَّر السَّالم في رفعه بالواو ونصبه وجرِّه بالياء المكسور ما قبلها، وحُكمه في لُزُوم الإضافة إلى اسم جنسٍ حكمُ مفردِهِ، وقد تقَدَّمَ في قوله تعالى: {أية : ذَوِي ٱلْقُرْبَى}تفسير : [البقرة: 177] ويقابلُهُ في المؤنث "أُولاَت" وكتبا في المُصْحف بواوٍ بعد الهمزة؛ قالوا: ليفرِّقوا بين "أُولِي كَذَا" في النَّصْب والجَرِّ، وبين "إِلَى" الَّتي هي حرفُ جرٍّ، ثم حمل باقي البَابِ علَيْه، وهذا كما تقدَّمَ في الفَرق بين "أُولَئِكَ" اسْمَ إشارةٍ، و"إِلَيْكَ" جاراً ومجروراً وقد تقدَّم، وإذا سَمَّيْتَ بـ"أولى"، من "أُولِي كَذَا" قلت: "جَاءَ أُلُونَ، وَرَأَيْتَ أُلِينَ" بردِّ النُّون؛ لأَنَّها كالمقدَّرة حالة الإضافة، فهو نظيرُ "ضَارِبُوا زَيْدٍ وَضَارِبي زَيْدٍ". والأَلبَابُ: جمع لُبٍّ، وهو العقلُ الخالي من الهوَى؛ سمِّي بذلك لأحَدِ وَجهين: إما لبنائِهِ مِنْ لَبَّ بالمَكَانٍ: أَقَامَ به وإِمَّا من اللُّبَابِ، وهو الخَالِص؛ يقال: لَبُبْتُ بالمكان، ولَببْتُ بضمِّ العين، وكسرها، ومجيء المضاعف على "فَعُلٍ" بضم العَين شاذٌّ، استغنَوْا عنه بـ"فَعَلَ" مفتوح العين؛ وذلك في أَلفاظ محصورةٍ؛ نحو عَزُزْتُ، وسَرُرْتُ، ولَبُبْبُ، ودَمُمْتُ، ومَلُلْتُ فهذه بالضمِّ وبالفَتْح، إلاَّ "لَبُبْتُ" فبالضمِّ والكَسْر؛ كما تقدَّم. قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: قال الحسن والأصمُّ: لعلَّكمْ تَتَّقُونَ نفْس القَتْل؛ بخَوف القِصَاصِ. وقيل: المرادُ هوالتقْوَى من كُلِّ الوُجُوه. قال الجُبَّائِيُّ: هذا يَدُلُّ على أنَّهُ تعالى أراد التَّقْوى مِنَ الكُلِّ، سواءٌ كان في المعْلُوم أنهم يَتَّقُونَ أَوْ لاَ يَتَّقُون بخلاف قول المُجْبِرَةِ، وقد سَبَق جوابُه. فإِن قيل "لَعلَّ" للتَّرَجِّي، وهو في حقِّ اللَّهِ تعالى محالٌ، فجوابهُ مَا سَبَقَ في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 21].
البقاعي
تفسير : ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة مقابله تتميماً لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النص وعماهم عن الحكمة فقال: {ولكم} أي يا أيها الذين آمنوا {في القصاص} أي هذا الجنس وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان {حياة} أي عظيمة بديعة لأن من علم أنه يُقتل لا يَقْتُل. وقال الحرالي: فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا، والحياة للجاني بما اقتص منه في الأخرى، لأن من يكفّر ذنبه حيي في الآخرة، ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى. وأما مطلق القتل كما كان أهل الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل وليس كذلك، لأن من علموا أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل بهما إلاّ واحد رُبما كان ذلك مجرياً لهم على القتل ويدخل فيه القتل ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له، وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها، ومن المعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه فإنها زائدة على عبارة القرآن في الحروف وناقصة في المعنى، فإذا أريد تصحيحها قبل القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً فكثرت الزيادة ولم تصل إلى رشاقة ما في القرآن وعذوبته - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة إشارته وغزير مفهوماته قال سبحانه وتعالى مرغباً في علو الهمم {يا أولي الألباب} أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. قال الحرالي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربّهم في آياته - انتهى. ثم علل ذلك بقوله: {لعلكم تتقون *} أي الله بالانقياد لما شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي: وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. ولما حث سبحانه وتعالى على بذل المال ندباً وإيجاباً في حال الصحة والشح وتأميل الغنى وخشية الفقر تصديقاً للإيمان وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها بالقتل الذي هو أحد أسباب الموت أتبع ذلك بذله في حال الإشراف على النقلة والأمن من فقر الدنيا والرجاء لغنى الآخرة استدراكاً لما فات من بذله على حبه فقال - وقال الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ألزمه من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون وصفاً ثابتاً أو استجداداً معالجاً حسب ما ختم به آية {ليس البر} من قوله {هم المتقون} وما ختم به آية القصاص في قوله: {لعلكم تتقون} رفع رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين حين كان الأول مكتوباً على المترجين لأن يتقوا تربية وتزكية بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في التزكية لينتهي في الخطاب من رتبة إلى رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها كما تقدمت الإشارة إليه، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية لأنه حال من حضره الموت، انتهى - فقال: {كتب عليكم} أي فرض كما استفاض في الشرع وأكد هنا بعلى، ثم نسخ بآية المواريث وجوبه فبقي جوازه، وبينت السنة أن الإرث والوصية لا يجتمعان، فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث لا مطلقاً فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" تفسير : رواه أحمد والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهما {إذا حضر أحدكم الموت} أي بحضور أسبابه وعلاماته {إن ترك خيراً} أي ما لا ينبغي أن يوصى فيه قليلاً كان أو كثيراً، أما إطلاقه على الكثير فكثير، وأطلق على القليل في {أية : إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} تفسير : [القصص: 24] ثم ذكر القائم مقام فاعل كتب بعد أن اشتد التشوف إليه فقال: {الوصية} وذكر الفعل الرافع لها لوجود الفاصل إفهاماً لقوة طلبه {للوالدين} بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما {والأقربين بالمعروف} أي العدل الذي يتعارفه الناس في التسوية والتفضيل. قال الحرالي: وكل ذلك في المحتضر، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرهاً - انتهى. وأكد الوجوب بقوله: {حقاً} وكذا قوله: {على المتقين *} فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير. ولما تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال: {فمن بدله} أي الإيصاء الواقع على الوجه المشروع أو الموصى به بأن غير عينه إن كان عينياً أو نقصه إن كان مثلياً. وقال الحرالي: لما ولي المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى عنهم التهديد لمن بدل عليهم، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل المال حظاً للمتوفى، فلما فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول، وبين أن الفرض عين الوصية فلا وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى. {بعد ما سمعه} أي علمه علماً لا شك فيه، أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا إثم، وأكد التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله: {فإنمآ إثمه} أي التبديل {على الذين يبدلونه} بالفعل أو التقدير لا يلحق الموصى منه شيء. ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال ونيات حذر بقوله: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {سميع} أي لما يقوله كل منهما {عليم *} بسره وعلنه في ذلك، فليحذر من عمل السوء وإن أظهر غيره ومن دعاء المظلوم فإن الله يجيبه. ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما جار في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله: {فمن خاف} أي علم وتوقع وظن، أطلقه عليه لأنه من أسبابه، ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن {من موص جنفاً} أي ميلاً في الوصية خطأ {أو إثماً} أي ميلاً فيها عمداً. قال الحرالي: وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى. {فأصلح بينهم} أي بين الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر، أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه. وقال الحرالي: وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف بعد الموت، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة "بين" إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح بينه وبينهم - انتهى. {فلا إثم عليه} أي بهذا التبديل. ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع الإثم بقوله إعلاماً بتعميم الحكم في كل مجتهد: {إن الله} أي المختص بإحاطة العلم {غفور} أي لمن قصد خيراً فأخطأ {رحيم *} أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم. ولما أباح سبحانه الأكل مما خلقه دليلاً على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة وكان من طبع الإنسان الاستئثار وكان الاستئثار جارّاً إلى الفتن، وأتبعه حكم المضطر وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم، ثم الإيجاب بالزكاة تزهيداً في زهرة الحياة الدنيا ليجتث العدوان من أصله، وقفي ذلك بحكم من قد يعدو، ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت النفس في الزهد بما هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به أتبعه الأمر بالتخلي عنه لا لمحتاج إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها لتهيئها لما يقتضيه عليها صفة الصمدية من الحكمة، هذا مع ما للقصاص والوصية من المناسبة للصوم من حيث إن في القصاص قتل النفس حساً وفي الصوم قتل الشهوة السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حساً وفيه حياة الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكر وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى التقوى وإماتة الشهوة وشهره شهر الصبر المستعان به على الشكر، وفيه تذكير بالضّرّ الحاثّ على الإحسان إلى المضرور وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي بأوصاف الملائكة ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى من الملك، فهو أنسب شيء لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة، وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة إلى الصائم من أقرب الناس إليهما فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فخاطب بما يتوجه بادىء بدء إلى أدنى الطبقات التي التزمت أمر الدين لأنه لم يكن لهم باعث حب وشوق يبعثهم على فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله الحرالي، وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعدٍ ولا ذكروا إلا ممدوحين، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين عن البدار، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا ما توجه للإنسان بوصف ذم في قليل من الآي - انتهى. {كتب} أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء {عليكم الصيام} وهو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية وقال الحرالي: فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي هي من شأنها، وصامت الخيل - إذا لم تكن مركوضة ولا مركوبة، فتماسك المرء عما شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه، وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل كتباً حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى. {كما كتب} أي فرض، فالتشبيه في مطلق الفرض {على الذين} وكأنه أريد أهل الكتابين فقط وأثبت الحال فقال: {من قبلكم} فيه إشعار بأنه مما نقضوا فيه العهد فكتموه حرصاً على ضلال العرب، ولما كان في التأسي إعلاء للهمة القاصرة وإسعار وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل تحمله قال: {لعلكم تتقون *} أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفاً ممن سبق من قبلكم، لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى، ومن لا يثمر له ذلك. ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادىء أحكامها على حكم الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء كذلك صوّموا صوم أهل الكتاب {أياماً معدودات} أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر انتهاء، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة، وفي إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزماً على الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظاً من منال أوائل الأمم ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه تصرف. ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال، قالوا: يا رسول الله! إنك تواصل! قال: "حديث : إني لست كهيئتكم" تفسير : وقال: "حديث : من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر"تفسير : قال الحرالي: فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. وفي مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياماً ما يشهد لمن أباح ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال كما سيأتي التصريح به، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى: {فمن كان منكم مريضاً} أي مرضاً يضره عاجلاً أو يزيد في علته آجلاً. قال الحرالي: فبقي على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن ويسقيه من غيب بركة الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه. ولما كان المرض وصفاً جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في مدار يومه وليلته نسبة بين جسمانيين جاء بحرف الإضافة مفصولاً فقال: {أو على سفر} لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء لوفور نهضته في عمله في سفره وأن وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب الاختيار إذ المسافر ومتاعه على قلب إلا ما وقى الله "حديث : السفر قطعة من العذاب" تفسير : وذلك لئلا يجتمع على العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة ديناً ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني {فعدة} نظمه يشعر أن المكتوب عدة {من أيام} أي متتابعة أو متفرقة {أخر} لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوساً وأطرافاً، ففي إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير: فأفطر، لأن المقصد معنى الكتب ويبقى ما دون الكتب على حكم تحمله، فكأنه يقال للمريض والمسافر: مكتوبك أياماً أخر لا هذه الأيام، فتبقى هذه الأيام خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع الصوم. ولما كانوا قوماً لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم تشريفاً لرسولهم صلى الله عليه وسلم قال مخيراً في أول الأمر: {وعلى الذين يطيقونه} أي الصوم، من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية، فيكون ما يستطيعه من الأفعال طوقاً له في المعنى {فدية طعام} بالإضافة أو الفصل {مسكين} بالإفراد إرجاعاً إلى اليوم الواحد، وبالجمع إرجاعاً إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد، وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء وعشاء كفافاً لا إقتاراً ولا إسرافاً، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر فهو ممراض بالنهمة كأنها حال مرض جبل عليه الطبع، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقاً وذينك غير مطيق أو غير متمكن، و في إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه فحقه أن يغذو غيره ليقوم بذل الطعام عوضاً عن التماسك عن الطعام لمناسبة ما بين المعنيين لذلك؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم {فمن تطوع خيراً} أي فزاد في الفدية {فهو خير له} لأنه فعل ما يدل على حبه لربه. ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها مساق الغيبة وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته تنفيراً عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذاناً بما له من الشرف على ذلك كله ترغيباً فيه وحضاً عليه فقال: {وأن تصوموا} أيها المطيقون {خير لكم} من الفدية وإن زادت، قال الحرالي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: "حديث : وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي" تفسير : وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالاً وإنفاقاً وسيراً وأحوالاً مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له، ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلاً أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدي عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته إذبال جسمه وإضعاف نفسه وإماتته، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم فلذلك قال تعالى: "فإنه لي" حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال سبحانه وتعالى: "وأنا أجزي به" ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون قوله {إن كنتم تعلمون *} انتهى. وجوابه والله سبحانه وتعالى أعلم: صمتم وتطوعتم، فإنهم إن لم يعلموا أنه خير لهم لم يفعلوا فلم يكن خيراً لهم. قال الحرالي: كان خيراً حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت {وعلى الذين يطيقونه} الآية كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وفي رواية: حتى نزلت هذه الآية {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم قالوا: أنزل {شهر رمضان} فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها {وأن تصوموا خير لكم} فأمروا بالصوم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {ولكم في القصاص حياة} يعني نكالاً وعظة إذا ذكره الظالم المعتدي كف عن القتل. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لأولي الألباب، وفيه عظة لأهل الجهل والسفه، كم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حجز عباده بها بعضهم عن بعض، وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، وما نهى الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد، والله أعلم بالذي يصلح خلقه. وأخرج ابن جرير عن السدي {في القصاص حياة} قال: بقاء لا يقتل القاتل إلا بجناية. وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد في قوله {ولكم في القصاص حياة} قال: يناهي بعضهم عن بعض. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} يعني من كان له لب أو عقل يذكر القصاص فيحجزه خوف القصاص عن القتل {لعلكم تتقون} لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء. أنه قرأ {ولكم في القصاص حياة} قال: قصص القرآن. وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن أبي العالية {فمن اعتدى} قتل بعد أخذه الدية {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} يقول: حين أعطيتم الدية ولم تحل لأهل التوراة إنما هو قصاص أو عفو، وكان أهل الإِنجيل إنما هو عفو وليس غيره، فجعل الله لهذه الأمة القود والدية والعفو {ولكم في القصاص حياة} يقول: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فيمنعه منه مخافة أن يقتل.
ابو السعود
تفسير : {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ} بـيانٌ لمحاسِنِ الحُكم المذكور على وجهٍ بديعٍ لا تُنال غايتُه حيث جُعل الشيءُ محلاً لضِدِّه، وعُرِّف القصاص ونُكِّر الحياةُ ليدل على أن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلُغه الوصفُ وذلك لأن العلمَ به يردَعُ القاتلَ عن القتل فيتسبَّب لحياةِ نفسَيْن، ولأنهم كانوا يقتُلون غيرَ القاتل والجماعةَ بالواحد فتثورُ الفتنةُ بـينهم، فإذا اقتُصَّ من القاتل سلِم الباقون فيكون ذلك سبباً لحياتهم، وعلى الأول فيه إضمارٌ وعلى الثاني تخصيصٌ وقيل: المرادُ بالحياة هي الأُخروية فإن القاتلَ إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يؤخَذْ به في الآخرة، والظَّرْفان إما خبرانِ (لحياةٌ) أو أحدُهما خبرٌ والآخَرُ صِلةٌ له أو حالٌ من المستكنِّ فيه وقرىء في القَصَصِ أي فيما قُصَّ عليكم من حُكم القتل حياةٌ أو في القرآن حياة أو في القرآنِ حياةٌ للقلوب {يأُوْلِي ٱلألْبَـٰبِ} أي ذوي العقولِ الخالصةِ عن شَوْب الأوهام، خوطبوا بذلك بعد ما خُوطبوا بعنوان الإيمان تنشيطاً لهم إلى التأمل في حِكمة القصاص {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي تتقون أنفسَكم من المساهلة في أمره والإهمالِ في المحافظة عليه والحُكمِ به والإذعانِ له، أو في القصاص فتكُفّوا عن القتل المؤدِّي إليه {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} بـيانٌ لحكمٍ آخَرَ من الأحكام المذكورة {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي حضر أسبابُه وظهرَ أماراتُه أو دنا نفسُه من الحضور، وتقديمُ المفعول لإفادة كمال تمكنِ الفاعلِ عند النفسِ وقت ورودِه عليها {إِن تَرَكَ خَيْرًا} أي مالاً وقيل: مالاً كثيراً لما رُوي عن علي رضي الله عنه أن مولىً له أراد أن يوصِيَ وله سبعُمائة درهمٍ فمنعه وقال: قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة، الآية 180] وإن هذا لشيء يسيرٌ فاترُكْه لعيالك. وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً أراد الوصيةَ وله عيالٌ وأربعُمائة دينارٍ فقالت: ما أرى فيه فضلاً. وأراد آخرُ أن يوصِيَ فسألته كم مالُك؟ فقال: ثلاثةُ آلافِ درهم قالت: كم عيالُك؟ قال: أربعة قالت: إنما قال الله تعالى: إنْ ترك خيراً وإن هذا لشيءٌ يسيرٌ فاترُكْه لعيالك {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأقْرَبِينَ} مرفوعٌ بكُتِبَ، أُخِّر عما بـينهما لما مر مراراً، وإيثارُ تذكيرِ الفعلِ مع جواز تأنيثِه أيضاً للفصل أو على تأويل أن يوصِيَ، أو الإيصاءُ، ولذلك ذُكّر الضميرُ في قوله تعالى: {أية : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} تفسير : [البقرة، الآية 181] وإذا ظرفٌ محضٌ والعاملُ فيه كُتب لكن لا من حيث صدورُ الكتْب عنه تعالى بل من حيث تعلُّقُه بهم تعلقاً فِعلياً مستتبِعاً لوجوب الأداءِ كما يُنبىء عنه البناءُ للمفعول وكلمةُ الإيجاب، ولا مساغَ لجعل العامل هو الوصيةُ لتقدّمه عليها، وقيل: هو مبتدأ خبرُه للوالدين، والجملةُ جوابُ الشرط بإضمار الفاءِ كما في قوله: [البسيط] شعر : مَنْ يفعلِ الحسناتِ الله يشكُرُها [لا يذهبُ العُرفُ عِندَ اللهِ والناسِ] تفسير : ورد بأنه صحّ فمن ضرورةِ الشعر ومعنى كُتب فُرض، وكان هذا الحكمُ في بدء الإسلام ثم نسخ عند نزول آيةِ المواريثِ، بقوله عليه السلام: «حديث : إنّ الله قد أعطى كلَّ ذي حق حقَّه ألا لا وصيةَ لوارثٍ» تفسير : فإنه وإن كان من أخبار الآحادِ لكن حيثُ تلقته الأمةُ بالقَبول انتظم في سلك المتواتِر في صلاحيته للنسخ عند الحنفيةِ على أن التحقيقَ أن الناسخَ حقيقةً هي آيةُ المواريث، وإنما الحديثُ مُبـيّنٌ لجهة نسخِها ببـيانِ أنه تعالى كان قد كتب عليكم أن تؤدوا إلى الوالدين والأقربـين حقوقَهم بحسب استحقاقهم من غير تبـيـين لمراتب استحقاقِهم ولا تعيـين لمقادير أنصبائِهم بل فوض ذلك إلى آرائكم حيث قال: {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بالعدْل، فالآن قد رَفَعَ ذلك الحُكمَ عنكم لتبـيـين طبقاتِ استحقاقِ كلِّ واحدٍ منهم وتعيـينِ مقاديرِ حقوقِهم بالذات وأعطى كلَّ ذي حق منهم حقه الذي يستحقه بحكم القرابة من غير نقصٍ ولا زيادة ولم يدَعْ ثمةَ شيئاً فيه مدخلٌ لرأيكم أصلاً حسبما تُعرِب عنه الجملةُ المنفيَّةُ بلا النافية للجنس وتصديرُها بكلمة التنبـيه، إذا تحققتَ هذا ظهر لك أن ما قيل مِنْ أن آيةَ المواريثِ لا تعارضُه بل تحقِّقه وتؤكّدُه من حيث إنها تدلُ على تقديمِ الوصيةِ مطلقاً والحديثُ من الآحاد، وتلقّي الأمةِ إياه بالقَبول لا يُلحِقُه بالمتواتر ولعله احترَز عنه مَنْ فسَّر الوصيةَ بما أوصى به الله عز وجل من توريثِ الوالدَيْن والأقرَبـين بقوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء، الآية 11] أو بإيصاءِ المُحتَضَرِ لهم بتوفير ما أوصىٰ به الله تعالى عليهم - بمعزلٍ من التحقيق وكذا ما قيل من أن الوصيةَ للوارث كانت واجبةً بهذه الآية من غير تعيـينٍ لأنصبائهم فلما نزلت آيةُ المواريثِ بـياناً للأنصباء بلفظ الإيصاءِ فُهم منها بتنبـيه النبـي صلى الله عليه وسلم أن المرادَ منه هذه الوصيةُ التي كانت واجبة، كأنه قيل: إن الله تعالى أوصىٰ بنفسه تلك الوصيةَ ولم يُفَوِّضْها إليكم فقام الميراثُ مقامَ الوصيةِ فكان هذا معنى النسخِ لا أن فيها دلالةً على رفع ذلك الحُكمِ، فإن مدلولَ آيةِ الوصيةِ حيث كان تفويضاً للأمر إلى آراء المكلَّفين على الإطلاق وتسنّي الخروجِ عن عُهدة التكليف بأداءِ ما أدَّى إليه آراؤُهم بالمعروف، فتكون آيةُ المواريثِ الناطقةِ بمراتب الاستحقاقِ وتفاصيل مقاديرِ الحقوقِ القاطعةِ بامتناعِ الزيادةِ والنقصِ بقوله تعالى: {أية : فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء، الآية 11. وسورة التوبة، الآية 60] ناسخةً لها رافعةً لحُكمها مما لا يَشتبهُ على أحد، وقولُه تعالى: {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} مصدرٌ مؤكد أي حَقَّ ذلك حقاً.
القشيري
تفسير : في استيفاءِ القصاص حياة لأنه إذا عَلِمَ أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ أمْسَكَ عن القتل وفي ذلك حياة القاتل والمقتول. ولكن ترك القصاص - على بيان الإشارة - فيه أعظم الحياة لأنه إذا تَلِفَ فيه (سبحانه) فهو الخَلَفُ عنه، وحياته عنه أتم له من بقائه بنفسه. وإذا كان الوارثَ عنهم الله والخَلَفَ عنهم اللهُ فبقاءُ الخلفِ أعزُّ مِنْ حياةِ مَنْ ورد عليه التلف.
البقلي
تفسير : {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} اى لكم فى قتل النفوس بعد خروجها على القلوب اقتصاصا حيوة ارواح المقدساة فاذا شرعتم في اخذ ديات جنايات النفوس تفوزون من مهلكات القهر قال الجنيد للصابرين ثلث علامات عرف فى نفسه الاول ضبط نفسه عند وجود النفس حظها والثاني الدخول في الطاعات عند مطالبة النفس بالتخلف ولاكسل والثالث سكون القلب عند نزول الحكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولكم فى القصاص حياة} اى فى هذا الجنس من الحكم الذى هو القصاص حياة عظيمة لانهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة كما قتل مهلهل بن ربيعة باخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع فيما بينهم التشاجر والهرج والمرج وارتفاع الامن فلما جاء الاسلام بشرع القصاص كانت فيه أى حياة لانه اذا علم القاتل انه يقتل اذا قتل لا يقدم على القتل واذا قتل فقتل ارتدع غيره فكان القصاص سبب حياة نفسين او اكثر وهو كلام فى غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشىء محل ضده فان ضدية شىء لآخر تستلزم ان يكون تحقق احدهما رافعا للاخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفا لها تشبيها له بالظرف الحقيقى من حيث ان المظروف اذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه كذلك القصاص يحمى الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف لها ولا شك فيه اذ جعل الضد حاميا لضده اعتبار لطيف فى غاية الحسن والغرابه التى هى من نكات البلاغة وطرقها {يا أولى الألباب} اى ذى العقول الخالصة من شوب الاوهام ناداهم للتأمل فى حكمة القصاص من استبقاء الارواح وحفظ النفوس {لعلكم تتقون} تعملون عمل اهل التقوى فى المحافظة على القصاص والحكم به والاذعان او تتقون عن القتل مخافة القود وفيه تحذير عن القتل فان من اعظم حقوق العباد الدماء وهى اول ما يحاسب به العبد بالنسبة الى حقوق العباد كما ان الصلاة اول ما يحاسب به بالنسبة الى حقوق الله تعالى وفى الحديث "حديث : يأتى المقتول معلقا رأسه باحدى يديه ملببا قاتله بيده الاخرى تشخب اوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه هذا قتلنى فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به الى النار ". تفسير : واعلم ان الذنوب على ثلاثة اوجه. الاول فيما بين العبد وبين الله تعالى كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ الى من بهته واغتابه فاذا بلغه وجعله فى حل وتاب المذنب فنرجوا ان الله يغفر له وكذلك اذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل فى حل لا يغفر له لان خصمه الآدمى فاذا تاب وجعله فى حل فانه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بان قال كل حق لى عليك فقد جعلتك فى حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الامم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم. والثانى ذنب فيما بينه وبين اعمال الله وهو ان يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فان التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لان شرط التوبة ان يؤدى ما ترك فاذا لم يؤد فكأنه لم يتب. والثالث فيما بينه وبين عباد الله وهو ان يغصب اموالهم او يضربهم او يشتمهم او يقتلهم فان التوبة لا تكفيه الا ان يرضى عنه خصمه او يجتهد فى الاعمال الصالحة حتى يوفق الله بينهما يوم القيامة فانه اذا تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه ان يردها الى اربابها وان عجز عن ايصالها واراد الله مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة ارفع رأسك فيرفع فيرى قصورا عالية فيقول يا رب لمن هذه فيقول الله تعالى أنت قادر عليها فإن ثمنها عفوك عن اخيك فيقول: قد عفوت فيقول الله تعالى خذ يد اخيك واذهبا الى الجنة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى كتب عليكم القصاص فى قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة فى قتلاه كما قال "حديث : من احبنى قتلته ومن قتلته فانا ديته"تفسير : وفى المثنوى شعر : كريكى سررا ببرد ازبدن صد هزاران سربر آرد در زمن اقتلونى يا ثقاتى لائما ان فى قتلى حياتى دائما ان فى موتى حياتى يا فتى كم افارق موطنى حتى متى شير دنيا جويد اشكارى وبرك شير مولى جويدآ زادى ومرك جونكه اندر مرك بيند صدو جود همجو بروانه بسوزاند وجود تفسير : فعلى العاقل ان يقتل نفسه بالرياضات الشديدة ويحيى قلبه بالحياة الطيبة الباقية اللهم وفقنا لمداواة هذه القلوب المرضى آمين.
الطوسي
تفسير : المعنى: أكثر المفسرين على أن قوله: {ولكم في القصاص حياة} المراد به القصاص في القتل. وإنما كان فيه حياة من وجهين: أحدهما - ما عليه أكثر المفسرين كمجاهد، وقتادة، والربيع، وابن زيد: أنه إذا هم الانسان بالقتل فذكر القصاص، ارتدع، فكان ذلك سبباً للحياة. الثاني - قال السدي: من جهة أنه لا يقتل إلا القاتل دون غيره. خلاف فعل الجاهلية الذين كانوا يتفانون بالطوائل، والمعنيان جميعاً حسنان. وقال أبو الجوزاء: معناه أن القران حياة بالقصاص، أراد به القران. وهذا ضعيف، لأنه تأويل خلاف الاجماع، ولأنه لا يليق بما تقدم، ولا يشاكله، وهو قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى}، فكأنه قال بعده ولكم فيه حياة. ونظير هذه الآية قولهم: القتل أنفى للقتل. وبينهما من التفاوت في الفصاحة، والبلاغة ما بين السماء والأرض وقيل: الفرق بينهما من أربعة أوجه: أحدها - أنه أكثر فائدة. وثانيها - أنه أوجز في العبارة. وثالثها - أنه أبعد عن الكلمة بتكرير الجملة. ورابعها - أنه أحسن تأليفاً بالحروف المتلائمة. أما كثرة الفائدة، ففيه ما في قولهم: (القتل أنفى للقتل) وزيادة معان حسنة: منها إبانة العدل، لذكره القصاص. ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه، لذكر الحياة. ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به. وأما الايجاز في العبارة، فان الذي هو نظير (القتل أنفى للقتل) قوله تعالى: {في القصاص حياة} وهو عشرة أحرف. والأول أربعة عشر حرفاً. وأما بعد التكلف، فهو أن في قولهم: (القتل أنفى للقتل) تكرير غيره أبلغ منه. ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصر في باب البلاغة. وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة، فهو مدرك بالحس، وموجود باللفظ، فان الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام الى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام. وكذلك الخروج من الصاد الى الحاء أعدل من الخروج من الألف الى اللام. فباجماع هذه الأمور التي ذكرناها كان أبلغ منه وأحسن. وإن كان الأول حسناً بليغاً وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء، فقال: شعر : أبلغ أبا مالك عني مغلغلة وفي العتاب حياة بين أقوام تفسير : وهذا وإن كان حسناً، فبينه وبين لفظ القرآن: ما بين أعلى الطبقة وأدناها. وأول ما فيه أنه استدعاء الى العتاب. وذلك استدعاء الى العدل. وفي هذا إبهام. وفي الآية بيان عجيب. اللغة: وقوله: {يا أولى الألباب} فالألباب: العقول وهو مأخوذ من النخلة على وجه التشبيه به. واللب: العقل. لب الرجل يلبّ: إذا صار لبيباً. ولبّ بالمكان، وألبّ به لباً، وإلباباً: اذا أفام به. ولُب كل شيء خالصه. قال صاحب العين: اللبّ: البال. تقول: الأمر منه في لبب رخيّ أي في بال رخي. واللبب من الرمل: شبيه حقف بين معظم الرمل، وجلد الأرض. وتلبب بالثياب إذا جمعها. ويشبه به المتسلح بالسلاح. واللبة من الصدر: موضع القلادة. والتلبيب: مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل. تقول: أخذ فلان بتلابيب فلان. وأصل الباب لب الشيء: داخله: الذي تركبه القشرة، وتلزمه. ومنه لبيك وسعديك أي ملازمة لأمرك وإسعاداً لك. المعنى: وقوله تعالى: {لعلكم تتقون} قد بينا فيما مضى أن لعل معناه لكي وقيل في معناه ها هنا قولان: [الأول] لكي تتقوا القتل بالخوف من القصاص. ذكره ابن زيد. الثاني - قال الجبائي، وغيره: لتتقوا ربكم باجتناب معاصيه. وهذا أعم فائدة، لأنه يدخل فيه اتقاء القتل، وغيره. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: لأن فيها دلالة على أنه أنعم على جميع العقلاء، ليتقوا ربهم، وفي ذلك دلالة على أنه أراد منهم التقوى وإن عصوا، وإنما خص الله تعالى بالخطاب أولي الالباب، لانهم المكلفون المأمورون، ومن ليس بعاقل لا يصح تكليفه، ولا يحسن، فلذلك خصهم بالذكر.
الجنابذي
تفسير : {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} وذكروا وجوهاً من التّرجيح لهذا الكلام على مقابله الّذى هو قول القائل القتل انفى للقتل {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} خصّ اولى الالباب بالنّداء تشريفاً لهم، ولأنّهم يعرفون وجه كون الحياة فى القتل، ولأنّهم المخصوصون بتشريع الاحكام والمنظور اليهم فى خلق الاشياء المعتنى بهم للبقاء دون غيرهم {لَعَلَّكُمْ} يا اولى الالباب {تَتَّقُونَ} ترجّى ناشئٍ من ذكر القصاص او من ايداع الحياة فى القصاص، او من ذكر الحياة؛ فان كان الاوّلان فالمعنى شرع الله لكم القصاص او جعل الحياة فى القصاص {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} القتل او تتّقون المعاصى او تتّصفون بالتّقوى، وان كان الثّالث كان المعنى استبقاءكم لعلّكم تتّقون المعاصى او تتّصفون بالتّقوى والتّرجّى من الله ليس على حقيقته لانّ التّرجّى لا يكون الاّ من جاهل مترقّب لحصول مرغوب خارج عن اختياره والحقّ ليس كذلك فهو منه تعالى بمعنى التّعليل او لجريه تعالى شأنه على شاكلة الملوك والاكابر من الخلق حيث يعدون مواعيدهم الّتى ينجّزونها بليت ولعلّ وعسى حتّى لا يتّكل من يعدونه على الوعد ويكونوا بين الخوف والرّجاء، او لملاحظة حال العباد وانّ شأنهم شأن الرّجاء والاطماع فالتّرجّى باعتبار حال المخاطب.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا وليتناهى الناس عن القتل؛ يخاف الرجل القصاص؛ وفي ذلك حياة لهم، أي بقاء. تفسير الحياة هاهنا البقاء. يقول: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} أي: بقاء. {يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، يعني يا ذوي العقول، يعني بذلك المؤمنين. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لكي تتقوا القتل الذي فيه القصاص بينكم. قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ}. يعني بالخير المال؛ أي: إن ترك مالاً. وكان بعضهم يقول: الخير ألف فما فوق ذلك. فأمر الله في هذه الآية أن يوصي لوالديه وأقربيه، ثم نسخ ذلك في سورة النساء بقوله: (أية : وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ) تفسير : [النساء:11] وجعل لكل ذي ميراث نصيبَه من الميراث وصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب. قال الحسن: نسخ منها الوالدان ومن كانت له قرابة ممن يرث، وصارت الوصية لأقربيه الذين لا يرثون؛ ولم تكن عنده منسوخة. قال [بعضهم]: والعامة من الفقهاء على أنها منسوخة. ذكروا أن علياً دخل على رجل من قومه يعوده في مرضه، فأراد أن يوصي، فقال له علي: إنما قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْراً} وأنت مقلٌّ لا مال لك. ذكروا عن ابن عمر أنه قال: ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.
اطفيش
تفسير : {ولكُم فى القِصَاصِ حَياةٌ}: قيل المراد بالقصاص قتل القاتل والحياة بالحياة العظيمة الهنية، وهى حياة الجنة، فإن القاتل إذا أذعن للقتل تائباً كانت له الجنة، وإن لم يذعن ولم يتب كانت لهُ النار لا يموت فيها ولا يحيا، وقيل المراد بالقصاص قتل القاتل والحياة حياة الدينيا وهى عظيمة أيضا من حيث إن قتا ردع عن القتل، وذلك أنه إذا قتل القاتل ارتدع من يريد القتل عن القتل لئلا يقتل، وقيل المراد بالقصاص شرع القصاص لا نفسه، والحياة دنيوية عظيمة أيضاً من حيث إن الإنسان إذا علم أنه إن قتل أحداً قتل به امتنع من القتل لئلا يقتل فيحيا هو ومن أراد قتله، وأيضا كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد متهيج الفتنة، فإذا علم أنه يقتل واحد بواحد وأنه لا يجوز غير ذلك شرعا، وقتل القاتل سلم الباقون من القتل، والمراد بالقصاص القصاص المعهود المذكور فى الآية قبل فى قوله: {أية : كتب عليكم القصاص فى القتلى} تفسير : فالمراد الجنس المعهود، وهو قتل النفس شرعاً أو إنجازاً، ويستفاد حكم القصاص فى الجرح والشجة والعضو وإزالة منفعة من حكمه فى قتل النفس، ويجوز ألا يكون المراد المعهود بل الجنس الذى يعم ذلك كله، فإن الجرح قد يفضى إلى الموت وكذا ما بعده، ففى تركه حياة دنيوية، وكذا فى الإذعان للاقتصاص مع التوبة حياة الجنة، والآية على القول الثانى والثالث أفصح منها وأبلغ على القول الأول، وعلى الثالث أبلغ وأفصح منها على الثانى وأوجز، وهى عليهما فى غاية بلاغة وفصاحة ووجازة وإيجازها إيجاز قصر وهو الذى يحصل بلا واسطة حذف، فإنه ولو كان فيها حذف الاستقرار المتعلق به لكم لكن الإنجاز ليس متحصلا به، وأيضا قد وجب حذفه وسد لكم مسده، وأفاد مفاده، وبيان إيجازه أن لفظهُ قليل ومعناه كثير كما مر أن المعنى أنه إذا علم أنه إن قتل أحداً قتل به ارتدع وسلم الناس من قتل بعضهم بعضا. ومن قتل جماعة بواحد، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، ولو قال كما تقول العرب القتل أنفى للقتل، لم يفد ما أفاده قوله، ولكن فى القصاص حياة، ولم يكن فى وجازته، لأن مقابل هذا الكلام هو قوله فى القصاص حياة، فإنه لا نظير لقوله تعالى: {لكم} فى قولهم القتل أنفى للقتل، فلو عد فى التنظير لكان كعديا أولى الألباب فيهِ، لأنه أتى به لمعنى لم يقصده فى ذلك الكلام ففى قوله عز وجل: {فى القصاص حياة} أحد عشر حرفا إن اعتبرنا التنوين وعشرة إن لم نعتبره، وفى قولهم: القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا، وإن ما لم تعتبر ياء فى، وهمزة أل لأنهما لا يلفظ بهما ولو كتبتا، والإنجاز يعتبر فيه اللفظ ولو بمد الصوت كألفى قصاص وحياة، أو بما لم يكتب لا الخط والمطلوب هو الحياة، وهى مذكورة تصريحا فى الآية دون قولهم: القتل أنفى للقتل، وفيها الدلالة على نوعية الحياة أو تعظيمها، فإن تنوين حياة وتنكيره للدلالة على أحدهما أى نوع من الحياة، وهو الحياة المتحصلة للذى أريد قتله، والذى أراد القتل لعلمه أنه إن قتل قتل فكيف عنهُ أو حياة عظيمة، وهى حياتهما وحياة الجماعة التى يراد قتلهما بالواحد، ولا دلالة على نوعية الحياة، ولا على تعظيمها فى قولهم القتل أنفى للقتل، وأيضاً قولهُ {فى القصاص حياة}، مطرد فى كل قتل قصاص، إذ فيهِ التصريح بالقصاص، وقولهم: القتل أنفى للقتل غير مطرد بالنظر للفظه لعدم التصريح فيه بالقصاص، فإنهُ يشمل القتل ظلما وهو أدعى للقتل لا أنفى له، وأيضا قوله: {فى القصاص حياة} لا تكرار فيه بخلاف قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن فيه ذكر القتل مرتين، وما يخلو من التكرار أفضل مما فيه التكرار، ولو لم يكن كل تكرار مخلاً بالفصاحة، وفيه رد العجز على الصدر إذ كرر لفظ القتل بمعنيين، لأن أحد القتلين غير الآخر، ورد العجز على الصدر فيه حسن لكن لا من جهة التكرار إذا كان فيه تكرار، بل من حيث إنهُ رد العجز على الصدر، وهذا لا ينافى رجحان الخالى عن التكرار، وأيضا قوله: {فى القصاص حياة}، مستغنى عن تقدير محذوف يحتاج إليه الكلام، فإن لكم تائب عن الاستقرار ومفيد مفاده كما مر، وقولهم: القتل أنفى للقتل، محتاج إلى تقدير، أى آنفى للقتل من تركه، وفى قوله: {فى القصاص حياة} المطابقة وهى من المحسنات البديعية وهى الجمع بين متضادين، فإن القصاص قتل وهو يتضمن موتا، والموت ضد الحياة وليس ذلك فى قولهم القتل أنفى للقتل وفى قوله جل وعلا: {فى القصاص حياة} غرابة مستحسنة معنوية لا مردودة، لفظية إذ جعل الشئ محل ضده، لأن القصاص بالقتل تفويت للحاة، وقد جعل ظرفا للحياة وأيضا قوله: {فى القصاص حياة} سببان خفيفان فقط غير متواليين أحدهما الفاء واللام، والآخر التاء والتنوين، وقولهم: القتل أنفى للقتل توالى أوله إثنان وفى آخره أربعة من همزة أنفى إلى تاء القتل الآخر، وتوالى الأسباب الخفيفة يقتضى ثقل الكلام، وهب أن حسبنا صاد قصاص مع ألفه الذى بعده سببا وحسبنا ألف حياة أيضا مع يائه، لكن لم تتوال ثلاثة بل اثنان ومن الفاء إلى التاء ثلاثة توالت، بل إذا نظرت وجدت اجتماع حرفين متحركين فى قوله: {قصاص} قوله ص ح بل ثلاثا بالتاء، وليس فى قولهم جمعهما إلا فى موضع واحد، وهما لام القتل وهمزة أنفى بعده، وفى الآية تقديم الظرف للاختصاص والمبالغة، وليس ذلك فى قولهم ولا يقال إن التقديم لتسويغ الابتداء بالنكرة لا للتخصيص، لأنا نقول تنوين حياة للتنويع أو للتعظيم، وذلك وصف سوغ ابتداؤه وأيضا لكم قد تقدم وهو خبر ظرفى، فهو كاف فى التسويغ ولا سيما جعلنا فى القصاص حالا من ضمير الاستقرار فى لكم أو متعلق بلكم لسده مسد ما يصح التعليق به، ولم نجعله خبراً ثانيا، وإن جعلناه خبراً ثانيا صح ولا خلل. وإن قلت هل يصح جعل فى القصاص خبرا ولكم متعلق به أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فيه؟ قلت: وجهان مرجوحان، لأن فى القصاص ضمن معنى الفعل، وليس فيه حروفه فلا يتقدم معموله، ولو كان قد يرد من كلام العرب. وقرأ أبو الجواز ولكم فى القصص بفتح القاف والصاد الأولى بدون الألف بعدها كقوله تعالى: {أية : لقد كان فى قصصهم عبرة} تفسير : بمعنى مقصوص، أى لكم فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص، أو من القرآن مائة حياة للقلب عز وعلا: {أية : روحاً من أمرنا}تفسير : و {أية : يحيى من حى عن بينة } تفسير : {يا أولى الألباب}: يا ذوى العقول السالمة المتأهلة للتأمل فى حكمة القصاص المقتضى لبقاء الحياة، والعاقل لا يريد إتلاف نفسه لإتلاف غيره وخصهم بالنداء، لأنهم المتأهلون للتأمل فى حكمة القصاص، المنتفعون بالأمر والنهى. {لعلكم تتقون}: تخافون الله وتراعون حقه فى المحافظة على القصاص والحكم به، ولا سيما وإلى الأمر والإذعان لهُ مع التوبة، أو لعلكم تحذرون الموت فتكفون عن القتل، لأنه يؤدى إلى موتكم به، ومن اتق الله بالمحافظة عليه والحكم به دعاه إلى سائر التقوى، لأن الطاعة يثاب عليها بأخرى وتدعو أخرى بأخرى وهكذا، وكذا من أذعن له، فإنه يكون أطوع لله فيما بقى من حياته قتل أو لم يقتل، ولعلكم تعليل للاستقرار فى قوله: {ولكم فى القصاص} أو ترجية مع محذوف أى شرعنا لكم القصاص لعلكم تتقون، أو أريناكم حكمة القصاص لعلكم تتقون.
اطفيش
تفسير : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} نوع من الحياة، عظيم فى شأنه، كثير بأفراده، لأنه إذا علم مريد القتل ظلماً أنه يُقتل إذا قَتل كف عن القتل، فلا يقتله الولى، وإن قتله قتل وحده فذلك القصاص، وقبل ذلك كانوا يقتلون جماعة فيهم القاتل، ويقتلون غير القاتل واحداً أو جماعة، وذلك غير قصاص، فينتشر القتل فى ذلك، وفى الآية القتل سبباً للحياة، وكالقتل الجروح وأنواع الجنايات فى البدن، فقد يجنى على غير الجانى من واحد أو متعدد أو عليه وعلى غيره، وتنتشر الفتنة، فقد يفضى ذلك إلى الموت بقتل أو جرح فقد تحتمله الآية أيضا مع القتل، وإذا اقتص من الجانى أو أخذ الأرض توقفت الفتنة، والآية زجر عن القتل الأول، وعن القتل الثانى، بزيادة قتل غير القاتل أو بقتل غيره، وإن جعلنا الحياة أخروية فالآية إغراء إلى الإذعان للقصاص، لأنه إذا أذعن إليه القاتل كانت له الحياة الطيبة الأبدية {يَٰأُوْلِي الأَلْبَٰبِ} العقول الخالصة عن الكدورات وكل المكلفين يجب عليهم تعاطى خلوص العقل {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أن تتلوا غيركم، أو تزيدوا على القاتل، أو تقتلوا غيره، وتتقون الله بالمحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له، وتتقون القتل خوف أن تقتلوا، وختم آية القصاص هذه وآية الصوم بعدها بالتقوى، لأن القصاص والصوم من أشق التكاليف.
الالوسي
تفسير : {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} عطف على قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ }تفسير : [البقرة: 178] والمقصود منه توطين النفس على الانقياد لحكم القصاص لكونه شاقاً للنفس ـ وهو كلام في غاية البلاغة ـ وكان أوجز كلام عندهم في هذا المعنى ـ القتل أنفى للقتل ـ وفضل هذا الكلام عليه من وجوه، الأول: قلة الحروف، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف ـ إذا لم يعتبر التنوين حرفاً على حدة ـ وهناك أربعة عشر حرفاً، الثاني: الاطراد، إذ في كل ـ قصاص حياة ـ وليس كل قتل أنفى للقتل ـ فإن القتل ظلماً أدعى للقتل. الثالث: ما في تنوين (حياة) من النوعية أو التعظيم. الرابع: صنعة الطباق بين ـ القصاص والحياة ـ فإن القصاص تفويت ـ الحياة ـ فهو مقابلها. الخامس: النص على ما هو المطلوب بالذات ـ أعني الحياة ـ فإن نفي ـ القتل ـ إنما يطلب لها لا لذاته. السادس: الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلاً في ضده، ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق، فكان القصاص فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات. السابع: الخلوّ عن التكرار مع التقارب، فإنه لا يخلو عن استبشاع، ولا يعد ردع العجز على الصدر حتى يكون محسناً. الثامن: عذوبة اللفظ وسلاسته حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة إذ ليس في قولهم: حرفان متحركان على التوالي إلا في موضع واحد، ولا شك أنه ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان، وأيضاً الخروج من ـ الفاء إلى اللام ـ أعدل من الخروج من ـ اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام ـ وكذلك الخروج من ـ الصاد إلى الحاء ـ أعدل من الخروج من ـ الألف إلى اللام ـ التاسع: عدم الاحتياج إلى الحيثية، وقولهم: يحتاج إليها. العاشر: تعريف القصاص بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على ـ الضرب والجرح والقتل ـ وغير ذلك، وقولهم: لا يشمله الحادي عشر: خلوه من أفعل الموهم أن في الترك نفياً للقتل أيضاً. الثاني عشر: اشتماله على ما يصلح للقتال وهو ـ الحياة ـ بخلاف قولهم، فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان، وإنه لمما يليق بهم. الثالث عشر: خلوّه عما يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه ـ وهو محال إلى غير ذلك ـ فسبحان من علت كلمته، وبهرت آيته، ثم المراد بالحياة إما الدنيوية ـ وهو الظاهر ـ لأن في/ شرع القصاص والعلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين في هذه النشأة، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، وتقوم حرب البسوس على ساق، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون ـ ويصير ذلك سبباً لحياتهم ـ ويلزم على الأول: الإضمار، وعلى الثاني: التخصيص، وأما الحياة الأخروية بناءاً على أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ بحق المقتول في الآخرة، وعلى هذا يكون الخطاب خاصاً بالقاتلين، والظاهر أنه عام والظرفان إما خبران لحياة أو أحدهما خبر والآخر صلة له، أو حال من المستكن فيه. وقرأ أبو الجوزاء {فِى ٱلْقَصَصُ} وهو مصدر بمعنى المفعول، والمراد من المقصوص هذا الحكم بخصوصه ـ أو القرآن مطلقاً ـ وحينئذ يراد ـ بالحياة ـ حياة القلوب لا حياة الأجساد، وجوز كون القصص مصدراً بمعنى القصاص فتبقى ـ الحياة ـ على حالها. {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} يا ذوي العقول الخالصة عن شوب الهوى، وإنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، وقيل: للإشارة إلى أن الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ربكم باجتناب معاصيه المفضية إلى العذاب أو القتل بالخوف من القصاص وهو المروي عن ابن عباس والحسن وزيد رضي الله تعالى عنهم، والجملة متعلقة بأول الكلام.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لهاته الأحكام الكبرى طمأن به نفوس الفريقين أولياءَ الدم والقاتلين في قبول أحكام القصاص فبين أن في القصاص حياة، والتنكير في {حَيَوٰة} للتعظيم بقرينة المقام، أي في القصاص حياة لكم أي لنفوسكم؛ فإن فيه ارتداع الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشدَّ ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت، فلو علم القاتل أنه يَسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفاً بالعقوبات كما قال سعد بن ناشب لما أصاب دَماً وهرب فعاقبه أمير البصرة بهدم داره بها: شعر : سَأَغْسِلُ عني العار بالسيف جالبا عليَّ قضاءُ الله ما كان جالبا وأَذْهَل عَن داري وأَجْعَلُ هَدْمَها لِعِرْضِيَ من باقي المذمَّة حاجبا ويَصْغُر في عينِي تلادي إذا انْثَنَتْ يَميني بإدراكِ الذي كنتُ طالبا تفسير : ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر كما كان عليه في الجاهلية لأفرطوا في القتل وتسلسل الأمر كما تقدم، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة من الجانبين، وليس الترغيب في أخذ مال الصلح والعفو بناقض لحكمة القصاص؛ لأن الازدجار يحصل بتخيير الولي في قبول الدية فلا يطمئن مضمر القتل إلى عفو الولي إلاّ نادراً وكفى بهذا في الازدجار. وفي قوله تعالى: {يا أولي الألباب} تنبيه بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص ولذلك جيء في التعريف بطريق الإضافة الدالة على أنهم من أهل العقول الكاملة؛ لأن حكمة القصاص لا يدركها إلاّ أهل النظر الصحيح؛ إذ هو في بادىء الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية؛ لأن في القصاص رزية ثانية لكنه عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمَيْن. وقال: {لعلكم تتقون} إكمالاً للعلة أي تقريباً لأن تتقوا فلا تتجاوزوا في أخذ الثأر حدَّ العدل والإنصاف. ولعل للرجاء وهي هنا تمثيل أو استعارة تبعية كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : [البقرة: 21] إلى قوله {أية : لعلكم تتقون } تفسير : [البقرة: 21] في أول السورة. وقوله: {في القصاص حيوٰة} من جوامع الكلم فاق ما كان سائراً مسرى المثل عند العرب وهو قولهم (القتل أَنْفَى لِلْقَتْل) وقد بينه السكاكي في «مفتاح العلوم» و«ذيله» من جاء بعده من علماء المعاني، ونزيد عليهم: أن لفظ القصاص قد دل على إبطال التكايل بالدماء وعلى إبطال قتل واحد من قبيلة القاتل إذا لم يظفروا بالقاتل وهذا لا تفيده كلمتهم الجامعة.
د. أسعد حومد
تفسير : {حَيَاةٌ} {يٰأُولِي} {ٱلأَلْبَابِ} (179) - فِي القِصَاصِ رَاحَةُ البَالِ، وَصِيَانَةُ النَّاسِ مِنِ اعتِدَاءِ بَعْضِهمْ عَلَى بَعْضِهِم الآخَرِ، لأَنَّ مَعْرِفَةَ النَّاسِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ يُعَاقَبُ بِالقَتْلِ، تَحْمِلُهُمْ عَلَى الارتِداع عَنِ القَتْلِ، فَتُصَانُ حَيَاةُ النَّاسِ، وَحَيَاةُ مَنْ يُفَكِّرُ بِالقَتْلِ. وَخَصَّ اللهُ تَعَالَى بِالنِّداءِ أَرْبَابَ العُقُولِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى أَنَّ الذِينَ يَفْهَمُونَ قِيمَةَ الحَيَاةِ، وَيُحَافِظُونَ عَلَيهَا هُمُ العُقَلاَءُ. وَإِذا تَدَبَّرَ أُولُو الأَلبَابِ الحِكْمَةَ مِنْ شَرْعِ القِصَاصِ حَمَلَهُمْ ذلِكَ عَلَى اتِّقَاءِ الاعتِدَاءِ، وَالكَفِّ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا نلاحظ أن النسق القرآني يأتي مرة فيقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ} تفسير : [البقرة: 178]. ويأتي هنا ليقول النسق القرآني: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ} [البقرة: 179]. التشريع الدقيق المحكم يأتي بواجبات وبحقوق؛ فلا واجب بغير حق، ولا حق بغير واجب، وحتى نعرف سمو التشريع مطلوب من كل مؤمن أن ينظر إلى ما يجب عليه من تكاليف، ويقرنه بما له من حقوق، ولسوف يكتشف المؤمن أنه في ضوء منهج الله قد نال مطلق العدالة. إن المشرع هو الله، وهو رب الناس جميعاً، ولذلك فلا يوجد واحد من المؤمنين أولى بالله من المؤمنين الآخرين. إن التكليف الإيماني يمنع الظلم، ويعيد الحق، ويحمي ويصون للإنسان المال والعرض. ومن عادة الإنسان أن يجادل في حقوقه ويريدها كاملة، ويحاول أن يقلل من واجباته، ولكن الإنسان المؤمن هو الذي يعطي الواجب تماماً فينال حقوقه تامة، ولذلك يقول الحق: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]. إن القصاص مكتوب على القاتل والمقتول وولي الدم. فإذا علم القاتل أن الله قد قرر القصاص فإن هذا يفرض عليه أن يسلم نفسه، وعلى أهله ألا يخفوه بعيداً عن أعين الناس؛ لأن القاتل عليه أن يتحمل مسئولية ما فعل، وحين يجد القاتل نفسه محوطاً بمجتمع مؤمن يرفض القتل فإنه يرتدع ولا يقتل، إذن ففي القصاص حياة؛ لأن الذي يرغب في أن يقتل يمكنه أن يرتدع عندما يعرف أن هناك مَنْ سيقتص منه، وأن هناك مَنْ لا يقبل المداراة عليه. ونأتي بعد ذلك للذين يتشدقون ويقولون: إن القصاص وحشية وإهدار لآدمية الإنسان، ونسألهم: لماذا أخذتكم الغيرة لأن إنساناً يُقتص منه بحق وقد قتل غيره بالباطل؟ ما الذي يحزنك عليه. إن العقوبة حين شرعها الله لم يشرعها لتقع، وإنما شرعها لتمنع. ونحن حين نقتص من القاتل نحمي سائر أفراد المجتمع من أن يوجد بينهم قاتل لا يحترم حياة الآخرين، وفي الوقت نفسه نحمي هذا الفوضوي من نفسه؛ لأنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكب جريمة. إذن فالقصاص من القاتل عبرة لغيره، وحماية لسائر أفراد المجتمع ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]. إن الحق يريد أن يحذرنا أن تأخذنا الأريحية الكاذبة، والإنسانية الرعناء، والعطف الأحمق، فنقول: نمنع القصاص. كيف نغضب لمعاقبة قاتل بحق، ولا نتحرك لمقتل بريء؟ إن الحق حين يشرع القصاص كأنه يقول: إياك أن تقتل أحداً لأنك ستُقتل إن قتلته، وفي ذلك عصمة لنفوس الناس من القتل. إن في تشريع القصاص استبقاء لحياتكم؛ لأنكم حين تعرفون أنكم عندما تقتلون بريئاً وستقتلون بفعلكم فسوف تمنعون عن القتل، فكأنكم حقنتم دماءكم. وذلك هو التشريع العالي العادل. وفي القصاص حياة؛ لأن كل واحد عليه القصاص، وكل واحد له القصاص، إنه التشريع الذي يخاطب أصحاب العقول وأولي الألباب الذين يعرفون الجوهر المراد من الأشياء والأحكام، أما غير أولي الألباب فهم الذين يجادلون في الأمور دون أن يعرفوا الجوهر منها، فلولا القصاص لما ارتدع أحد، ولولا القصاص لغرقت البشرية في الوحشية. إن الحكمة من تقنين العقوبة ألا تقع الجريمة وبذلك يمكن أن تتوارى الجريمة مع العقوبة ويتوازن الحق مع الواجب. إن المتدبر لأمر الكون يجد أن التوازن في هذه الدنيا على سبيل المثال في السنوات الماضية يأتي من وجود قوتين عظميين كلتاهما تخشى الأخرى وكلتاهما تختلف مع الأخرى، وفي هذا الاختلاف حياة لغيرهما من الشعوب، لأنهما لو اتفقتا على الباطل لتهدمت أركان دولتيهما، وكان في ذلك دمار العالم، واستعباد لبقية الشعوب. وإذا كان كل نظام من نظم العالم يحمل للآخر الحقد والكراهية والبغضاء ويريد أن يسيطر بنظامه لكنه يخشى قوة النظام الآخر، لهذا نجد في ذلك الخوف المتبادل حماية لحياة الآخرين، وفرصة للمؤمنين أن يأخذوا بأسباب الرقي العلمي ليقدموا للدنيا أسلوباً لائقاً بحياة الإنسان على الأرض في ضوء منهج الله. وعندما حدث اندثار لقوة من القوتين هي الاتحاد السوفيتي، فإن الولايات المتحدة تبحث الآن عن نقيض لها؛ لأنها تعلم أن الحياة دون نقيض في مستوى قوتها، قد يجرىء الصغار عليها. إن الخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن بين معسكرات العالم، والخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن في الأفراد أيضاً. إن عدل الرحمن هو الذي فرض علينا أن نتعامل مع الجريمة بالعقاب عليها وأن يشاهد هذا العقاب آخرون ليرتدعوا. فها هو ذا الحق في جريمة الزنى على سبيل المثال يؤكد ضرورة أن يشاهد العقاب طائفة من الناس ليرتدعوا. إن التشديد مطلوب في التحري الدقيق في أمر حدوث الزنى؛ لأن عدم دقة التحري يصيب الناس بالقلق ويسبب ارتباكاً وشكاً في الأنساب، والتشديد جاء أيضاً في العقوبة في قول الحق: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. إن الذي يجترئ على حقوق الناس يجترئ أيضاً على حقوق الله، ولذلك فمقتضى إيثار الإيمان هو إرضاء الله لا إرضاء الناس. وفي إنزال العقاب بالمعتدي خضوع لمنهج الله، وفي رؤية هذا العقاب من قبل الآخرين هو نشر لفكرة أن المعتدي ينال عقاباً، ولذلك شرع الحق العقاب والعلانية فيه ليستقر التوازن في النفس البشرية. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعالج قضية اجتماعية أخرى. إن الحق بعد أن عالج قضية إزهاق الحياة ينتقل بنا إلى قضية أخرى من أقضية الحياة، إنها قضية الموت الطبيعي. كأن الحق بعد أن أوضح لنا علاج قضية الموت بالجريمة يريد أن يوضح لنا بعضاً من متعلقات الموت حتفاً من غير سبب مزهق للروح. إن الحق يعالج في الآية القادمة بعضاً من الأمور المتعلقة بالموت ليحقق التوازن الاقتصادي في المجتمع كما حقق بالآية السابقة التوازن العقابي والجنائي في المجتمع. يقول الحق: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} معناه بقاءٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَلَكُمْ} أيها الموحدون المكاشفون بسرائر الشرائع والنواميس الإلهية الموضوعة بين المؤمنين في هذه النشأة خصوصاً {فِي ٱلْقِصَاصِ} المسقط للجرائم الصادرة من جوارحكم البادية عليها {حَيَٰوةٌ} عظيمة حقيقية لكم في النشأة الأخرى؛ إذ لا يؤاخذون عليه بعد مؤاخذتكم في النشأة الأولى {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} الناظرين بنور الحق في لب الأمور المعرضين عن قشوره {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] رجاء أن تتحفظوا عن مقتضى القوى البهمية، المنافية لطريق التوحيد المبني على الاعتدال والوفاق، المؤدية إلى أمثال هذه الخبائث. ثم قال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} أيضاً في دينكم أيها المؤمنون {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي: أسبابه وأماراته {إِن تَرَكَ خَيْراً} مالاً كثيراً يقبل التجزئة والانقسام المعتد بها بلا تحريم الورثة {ٱلْوَصِيَّةُ} أي: الحصة المستخرجة منها لرضاء الله، للفقراء المستحقين لها، وأفضل الوصية وأولاها الوصية {لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} إن كانوا مستحقين لها، وأيضاً أفضلها الاستخراج {بِٱلْمَعْرُوفِ} المعتدل المستحسن بين الناس، بحيث لا يتجاوز عن ثلث المال؛ لئلا يؤدي إلى تحريم الورثة، وما فرض في الوصية في دينكم إلا {حَقّاً} لازماً {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] الذين يحفظون إيمانهم وتوحيدهم بمحبة الفقراء ومودة ذوي القربى عما يضاده ويخالفه. {فَمَن بَدَّلَهُ} غيره من الأوصياء والحضار الشاهدين عليها {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} من الموضي صريحاً {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي: إثم التبديل والتغيير {عَلَى} المبدلين المغيرين {ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} ظلماً وزوراً {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} بأقولهم الموصي {عَلِيمٌ} [البقرة: 181] بما صدر من المبدلين المغيرين، فيجازي كلاً منهم على مقتضى علمه. {فَمَنْ خَافَ} من الأوصياء والوكلاء {مِن مُّوصٍ} حين الوصية {جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} ميلاً بعض المستحقين، سألهم على مقتضى علمه بأحوالهم {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي: على الوصي في هذا التبديل والتغيير، بل يرجى من الله بإصلاحه الثواب له ولمن أوصى إليه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بحالمها {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 182] لكل منهما.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقة؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: {أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}تفسير : [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثمأ خبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : موتوا قبل أن تموتوا"تفسير : أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180]، وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، {وَٱلأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشروب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانينة، {بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنباً من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بعثت لرفع العادات وترك الشهوات"، تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"،تفسير : ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً، والمذاهب مذهباً واحداً، كما قيل: شعر : وكلٌّ لهُ سؤالٌ ودينٌ ومذهبُ ووصلكم مسئولي وديني هواكمُ وأنتمُ من الدنيا مرادي وهممي مناي مناكم واختيار رضاكمُ تفسير : وقوله تعالى: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الصوية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". تفسير : واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبداً؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبداً معمولاً بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبداً كقول بعضهم: شعر : ما دمُ حياً فإن أمت يحبك عظمٌ في الترابِ رميمُ تفسير : وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريباً، وعاد الإسلام غريباً كما بدأ غريباً، {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، {عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 181] لهذا الوصية المرضية، {عَلِيمٌ} [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}تفسير : [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لمَّا انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسه الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيراً عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفى بالموت واعظاً"؛ تفسير : لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً. وقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، {جَنَفاً} في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع، {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدّاً. {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، {رَّحِيمٌ} [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". تفسير : ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} شهود أنواع الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته"،تفسير : عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهراً وباطناً لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: شعر : لقد صامَ طرفي عن شهودِ سواكم وحق له لما اعتراهُ نواكم يعيد قوم حين يبدوا هلالهم ويبدو هلالُ الصب حين يراكمُ تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: على النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعاً من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من المفردات، { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". تفسير : ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: {أية : وَٱلْفُرْقَانِ}تفسير : [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}تفسير : [الحج: 78]. ثم قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوط لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} بالبقرة: 184]؛ أي: على كل من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسيهلات الشريعة عن شارب الحقيقة، {طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون {طَعَامُ مِسْكِينٍ} فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: "حديث : إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"،تفسير : {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضاً، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 184]؛ يعني: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استوى يوماه فهو مغبون"تفسير : وفيه إشارة أخرى وهي: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ} [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ما اختص به، {أية : أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدّاً. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "حديث : كان خلقه القرآن"تفسير : فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآ، فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: {أية : وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 184] إن تدومون على أمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} كما مر ذكره، قال تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ} [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، {فَلْيَصُمْهُ}؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه "حديث : أصبت فالزم"،تفسير : وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق ورسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهداً الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، {وَمَن كَانَ مَرِيضاً} [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة: 185]، {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ} [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}تفسير : [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}تفسير : [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالباً لليسر هارباً من العسر، قال قائلهم: شعر : لو لم ترد نيلَ ما أرجو وأطلبهُ من فيضِ جودك ما علمتني الطَّلبا تفسير : حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة: 185]، قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}، {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}تفسير : [الأنعام: 91] أهل الكمال.
همام الصنعاني
تفسير : 169- عبد الرزاق: قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ}: [الآية: 179]، قال: جَعَلَ الله في القصاص حياة، إذا ذكره الظالم المعتدي كفَّ عن القتل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):