٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
180
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم الخامس اعلم أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } يقتضي الوجوب على ما بيناه، أما قوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } فليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزاً عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول: وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني: قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي: والقول الأول أولى لوجهين أحدهما: أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره. أما قوله {إِن تَرَكَ خَيْرًا } فلا خلاف أنه المال ههنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن / كقوله: {أية : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } تفسير : [البقرة: 272] {أية : وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ } تفسير : [العاديات: 8] {مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } وإذا عرفت هذا فنقول: ههنا قولان: أحدهما: أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو قول الزهري، فالوصية واجبة في الكل، واحتج عليه بوجهين: {ٱلاْوَّلِ } أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيراً، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7 ـ 8] وأيضاً قوله تعالى: {أية : لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } تفسير : [القصص:24] وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيراً. الحجة الثانية: أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى: {أية : لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } تفسير : [النساء: 7] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية. والقول الثاني: وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير، واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن من ترك درهماً لا يقال: إنه ترك خيراً، كما يقال: فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل: فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش. فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه، كما قد روي من قوله: «حديث : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»تفسير : وقوله: «حديث : ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره جائع»تفسير : ونحو هذا. الحجة الثالثة: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلاً، أو كثيراً، لما كان التقييد بقوله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا } كلاماً مفيداً، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئاً ما، قليلاً كان أو كثيراً، أما الذي يموت عرياناً ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان: القول الأول: أنه مقدر بمقدار معين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال أولا أوصي، قال: لا إنما قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا } وليس لك كثير مال، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال أربعة قالت: قال الله {إِن تَرَكَ خَيْرًا } وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي وعن قتادة ألف درهم، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم. والقول الثاني: أنه غير مقدر بمقدار معين. بل يختلف ذلك باختلاف حال الرجال، لأن / بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني، وبذلك القدر لا يوصف غيره بالغنى لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقاً بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها. أما قوله: {ٱلْوَصِيَّةِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: {كتب} لأنه أراد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكر الضمير في قوله: {أية : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ } تفسير : [البقرة: 181] وأيضاً إنما ذكر للفصل بين الفعل والوصية، لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل، كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول حضر القاضي امرأة، فيذكرون لأن القاضي بين الفعل وبين المرأة. المسألة الثانية: رفع الوصية من وجهين أحدهما: على ما لم يسم فاعله والثاني: على أن يكون مبتدأ وللوالدين الخبر، وتكون الجملة في موضع رفع بكتب، كما تقول قيل عبد الله قائم، فقولك عبد الله قائم جملة مركبة من مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع بقيل. أما قوله: {لِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما بين أن الوصية واجبة، بين بعد ذلك أنها واجبة لمن فقال: للوالدين والأقربين، وفيه وجهان: الأول: قال الأصم: إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة، فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعاً للقوم عما كانوا اعتادوه وهذا بين الثاني: قال آخرون إن إيجاب هذه الوصية لما كان قبل آية المواريث، جعل الله الخيار إلى الموصي في ماله وألزمه أن لا يتعدى في إخراجه ماله بعد موته عن الوالدان والأقربين فيكون واصلاً إليهم بتمليكه واختياره، ولذلك لما نزلت آية المواريث قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»تفسير : فبين أن ما تقدم كان واصلاً إليهم بعطية الموصي، فأما الآن فالله تعالى قدر لكل ذي حق حقه، وأن عطية الله أولى من عطية الموصي، وإذا كان كذلك فلا وصية لوارث ألبتة، فعلى هذا الوجه كانت الوصية من قبل واجبة للوالدين والأقربين. المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: {وَٱلأَقْرَبِينَ } من هم؟ فقال قائلون: هم الأولاد فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس ومجاهد أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين. والقول الثالث: أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة. والقول الرابع: هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ، أما قوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ } فيحتمل أن يكون المراد منه قدر ما يوصى به، ويحتمل أن يكون المراد منه تمييز من يوصى له من الأقربين ممن لا يوصى، لأن كلا الوجهين يدخل في المعروف، فكأنه تعالى أمره في الوصية أن يسلك الطريق الجميلة، فإذا فاضل بينهم، فبالمعروف وإذا سوى فكمثل، وإذا حرم البعض فكمثل لأنه لو حرم الفقير وأوصى للغني لم يكن ذلك معروفاً، ولو سوى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الأخوة لم يكن ما يأتيه معروفا فالله تعالى كلفه الوصية على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش وذلك من باب ما يعلم بالعادة فليس لأحد أن يقول: لو كانت الوصية واجبة لم يشترط تعالى فيه هذا الشرط، الذي لا يمكن الوقوف عليه لما بينا. أما قوله تعالى: {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } فزيادة في توكيد وجوبه، فقوله: {حَقّاً } مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقا، فإن قيل: ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم. فالجواب: من وجهين الأول: أن المراد بقوله: {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } أنه لازم لمن آثر التقوى، وتحراه وجعله طريقة له ومذهباً فيدخل الكل فيه الثاني: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين، وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الأية. واعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية، منهم من قال: كانت واجبة ومنهم من قال: كانت ندباً واحتج الأولون بقوله: {كتب } وبقوله: {عَلَيْكُمْ } وكلا اللفظين ينبىء عن الوجوب، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله: {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } وهؤلاء اختلفوا منهم من قال هذه الآية صارت منسوخة، ومنهم من قال إنها ما صارت منسوخة، وهذا اختيار أبـي مسلم الأصفهاني، وتقرير قوله من وجوه أحدها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] أو كتب على المختصر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصباتهم وثانيها:أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للاقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً تحت هذه الآية، وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ومنهم من يسقط / في حال ويثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم فكل من كان من هؤلاء وارثاً لم يجز الوصية له، ومن لم يكن وارثاً جازت الوصية له لأجل صلة الرحم، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } تفسير : [النساء: 1] وبقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [النحل: 90] فهذا تقرير مذهب أبـي مسلم في هذا الباب. أما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعاً على هذا المذهب أبحاث: البحث الأول: اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة؟ وذكروا وجوهاً أحدهما: أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل: إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقاً لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ وثانيها: أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام: «حديث : ألا لا وصية لوارث»تفسير : وهذا أقرب إلا أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به، وأجيب عن هذا السؤال بأن هذا الخبر وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر. ولقائل أن يقول: يدعى أن الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع، والأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعاً منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز. وثالثها: أنها صارت منسوخة بالإجماع والإجماع لا يجوز أن ينسخ به القرآن. لأن الإجماع يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجوداً إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، ولقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ فكيف يدعى انعقاد الإجماع على حصول النسخ؟ ورابعها: أنها صارت منسوخة بدليل قياسي وهو أن نقول: هذه الوصية لو كانت واجبة لكان عندما لم توجد هذه الوصية وجب أن لا يسقط حق هؤلاء الأقربين قياساً على الديون التي لا توجد الوصية بها لكن عندما لم توجد الوصية لهؤلاء الأقربين لا يستحقون شيئاً، بدليل قوله تعالى في آية المواريث: {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } تفسير : [النساء: 11] وظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم تكن وصية ولا دين، فالمال أجمع مصروف إلى أهل الميراث، ولقائل أن يقول: نسخ القرآن بالقياس غير جائز والله أعلم. البحث الثاني: القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة اختلفوا على قولين منهم من قال: إنها صارت منسوخة في حق من يرث وفي حق من لا يرث وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً، وحجة هؤلاء من وجهين: الحجة الأولى: أن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق الوارث القريب، إما بآية المواريث وإما بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا لا وصية لوارث»تفسير : أو بالإجماع على أنه لا وصية للوارث، وههنا الإجماع غير موجود مع ظهور الخلاف فيه قديماً وحديثاً، فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً. الحجة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما حق أمرىء مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»تفسير : وأجمعنا على أن الوصية لغير الأقارب غير واجبة، فوجب أن تكون هذه الوصية الواجبة مختصة بالأقارب، وصارت السنة مؤكدة للقرآن في وجوب هذه الوصية. وأما الجمهور القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً فأجود ما لهم التمسك بقوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وقد ذكرنا تقريره فيما قبل. البحث الثالث: القائلون بأن هذه الآية ما صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً، اختلفوا في موضعين الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء، وقال الحسن البصري: هم والأغنياء سواء. الثاني: روي عن الحسن وخالد بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة وثلث الثلث لمن أوصي له، وعن طاوس أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} هذه آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي «النساء»: {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} تفسير : [النساء: 11] وفي «المائدة»: {أية : حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ}تفسير : [المائدة: 106]. والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث؛ على ما يأتي بيانه. وفي الكلام تقدير واو العطف؛ أي وكتب عليكم، فلِما طال الكلام أسقطت الواو. ومثله في بعض الأقوال: {أية : لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [الليل:15] أي والذي؛ فحذف. وقيل: لمّا ذكر أن لوَليِّ الدم أن يقتصّ؛ فهذا الذي أشرف على أن يقتصّ منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت، فهذا أوان الوصية؛ فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف. و «كُتب» معناه فُرض وأُثبت؛ كما تقدّم. وحضور الموت: أسبابه، ومتى حضر السبب كَنّت به العرب عن المسبّب؛ قال شاعرهم:شعر : يأيها الراكبُ المُزْجِي مَطِيّتَه سائلْ بني أسَد ما هذه الصّوْتُ وقل لهم بادروا بالعُذْر والتمسوا قولاً يبرّئكم إني أنا الموت تفسير : وقال عنترة:شعر : وإن الموت طوعُ يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندوان تفسير : وقال جرير في مهاجاة الفرزدق:شعر : أنا الموت الذي حدّثت عنه فليس لهارِبٍ مِنّي نجاء تفسير : الثانية: إن قيل: لم قال «كُتب» ولم يقل كُتِبَتْ، والوصيةُ مؤنّثة؟ قيل له: إنما ذلك لأنه أراد بالوصية الإيصاء. وقيل: لأنه تخلّل فاصل؛ فكان الفاصل كالعَوض من تاء التأنيث؛ تقول العرب: حضر القاضي اليوم ٱمرأة. وقد حكى سيبويه: قام ٱمرأة. ولكن حُسْن ذلك إنما هو مع طول الحائل. الثالثة: قوله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً} «إن» شَرْط، وفي جوابه لأبي الحسن الأخفش قولان؛ قال الأخفش: التقدير فالوصية، ثم حذفت الفاء؛ كما قال الشاعر:شعر : مَن يفعل الحسناتِ اللَّهُ يشكرها والشِّرُّ بالشَّر عند الله مِثْلانِ تفسير : والجواب الآخر: أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده؛ فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيراً. فإن قدّرت الفاء فالوصية رفع بالابتداء، وإن لم تقدّر الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء، وأن ترفعها على ما لم يُسّم فاعله؛ أي كتب عليكم الوصية. ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل «الوصية» في «إذا» لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الوصية وقد تقدّمت، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدّمة. ويجوز أن يكون العامل في «إذا»: «كُتِب» والمعنى: توجّه إيجاب الله إليكم ومقتضى كتابه إذا حضر؛ فعبّر عن توجّه الإيجاب بكُتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل. ويجوز أن يكون العامل في «إذا» الإيصاء يكون مقدّراً دلّ على الوصية، المعنى: كُتب عليكم الإيصاء إذا. الرابعة: قوله تعالى: {خَيْراً} الخير هنا المال من غير خلاف، وٱختلفوا في مقداره؛ فقيل: المال الكثير؛ روي ذلك عن عليّ وعائشة وٱبن عباس وقالوا في سبعمائة دينار إنه قليل. قتادة عن الحسن: الخير ألف دينار فما فوقها. الشعبيّ: ما بين خمسمائة دينار إلى ألف. والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة وبعد الموت. وخصّصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت، والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصيُّ يكون الموصِي والموصى إليه؛ وأصله من وصى مخفَفّاً. وتواصى النَبت تواصياً إذا ٱتصل. وأرض واصية: متّصلة النبات. وأوصيت له بشيء وأوصيت إليه إذا جعلته وصيّك. والاسم الوِصاية والوَصاية (بالكسر والفتح). وأوصيته ووصَيته أيضاً توصية بمعنىً؛ والاسم الوصاة. وتواصى القوم أوْصى بعضهم بعضاً. وفي الحديث: «حديث : ٱستوصوا بالنساء خيراً فإنهنّ عَوَانٍ عندكم»تفسير : . ووصّيت الشيء بكذا إذا وصلته به. الخامسة: ٱختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلّف مالاً، بعد إجماعهم على أنها واجبة على من قِبله ودائع وعليه ديون. وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس قِبله شيء من ذلك، وهو قول مالك والشافعي والثوريّ، موسِراً كان الموصى أو فقيراً. وقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر القرآن: قاله الزهري وأبو مِجْلَز؛ قليلاً كان المال أو كثيراً. وقال أبو ثور: ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم؛ فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه. فأمّا مَن لا دَين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء. قال ٱبن المنذر: وهذا حسن؛ لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها؛ ومن لا حق عليه ولا أمانة قِبله فليس واجب عليه أن يوصي. احتج الأوّلون بما رواه الأئمة عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما حق ٱمرىء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصِيّته مكتوبة عنده""حديث : وفي رواية «يبيت ثلاث ليال»"تفسير : وفيها قال عبد اللَّه بن عمر: ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي. احتج من لم يوجبها بأن قال: لو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة الموصي، ولكان ذلك لازماً على كل حال، ثم لو سُلِّم أن ظاهره الوجوب فالقول بالموجب يردّه؛ وذلك فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم؛ كما قال أبو ثور. وكذلك إن كانت له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة؛ فهذا يجب عليه الوصية ولا يختلف فيه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} وكُتِب بمعنى فُرض؛ فدلّ على وجوب الوصية. قيل لهم: قد تقدّم الجواب عنه في الآية قبلُ، والمعنى: إذا أردتم الوصيّة؛ والله أعلم. وقال النَّخَعيّ: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُوص، وقد أوصى أبو بكر، فإن أوصى فَحَسن، وإن لم يوص فلا شيء عليه. السادسة: لم يبيّن الله تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، وإنما قال: {إِن تَرَكَ خَيْراً} والخير المال؛ كقوله: {أية : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ}تفسير : [البقرة: 272]، {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ} تفسير : [العاديات: 8]. فاختلف العلماء في مقدار ذلك؛ فرُوِيَ عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس. وقال عليّ رضي الله عنه من غنائم المسلمين بالخمس. وقال مَعْمَر عن قتادة: أوصى عمر بالربع. وذكره البخاري عن ٱبن عباس. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث. وٱختار جماعة لمن ماله قليل وله ورثة تَرْك الوصية؛ روي ذلك عن عليّ وٱبن عباس وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين. روى ٱبن أبي شيبة من حديث ٱبن أبي مليكة عن عائشة قال لها: إني أريد أن أوصي؛ قالت: وكم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قال أربعة. قالت: إن الله تعالى يقول: {إِن تَرَكَ خَيْراً} وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك. السابعة: ذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا: إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كلّه. وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء؛ لقوله عليه السلام: «حديث : إنك أنْ تَذَرَ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس»تفسير : الحديث، رواه الأئمة. ومن لا وارث له فليس ممن عُني بالحديث؛ رُوي هذا القول عن ٱبن عباس، وبه قال أبو عبيدة ومسروق، وإليه ذهب إسحٰق ومالك في أحد قوليه، وروي عن عليّ. وسبب الخلاف مع ما ذكرنا، الخلافُ في بيت المال هل هو وارث أو حافظ لما يُجعل فيه؟ قولان. الثامنة: أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله. وروي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة لابنه عبد اللَّه: إني قد أردت أن أوصي؛ فقال له: أوص ومالك في مالي؛ فدعا كاتباً فأملى؛ فقال عبد اللَّه: فقلت له ما أراك إلا وقد أتيت على مالي ومالك، ولو دعوت إخوتي فٱستحللتهم. التاسعة: وأجمعوا أن للإنسان أن يغيّر وصيته ويرجع فيما شاء منها؛ إلا أنهم ٱختلفوا من ذلك في المُدَبَّر؛ فقال مالك رحمه الله: الأمر المجمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه أو غير ذلك فإنه يغيّر من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحبّ أن يطرح تلك الوصية ويسقطها فعل، إلا أن يُدبِّر فإن دَبَّر مملوكاً فلا سبيل له إلى تغيير ما دبَّر؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما حقّ ٱمرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيّته مكتوبة عنده»تفسير : . قال أبو الفرج المالكي: المُدَبَّر في القياس كالمعتق إلى شهر؛ لأنه أجل آت لا محالة. وأجمعوا ألا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك المدَّبر؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ وأحمد وإسحٰق: هو وصية؛ لإجماعهم أنه في الثلث كسائر الوصايا. وفي إجازتهم وطء المُدَبَّرة ما ينقص قياسهم المدبَّر على العتق إلى أجل، وقد ثبت: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم باع مدَّبراً، وأن عائشة دبّرت جارية لها ثم باعتها؛ وهو قول جماعة من التابعين. وقالت طائفة: يغيّر الرجل من وصيته ما شاء إلا العتاقة. وكذلك قال الشعبيّ وٱبن سيرين وٱبن شُبْرُمة والنَّخعيّ، وهو قول سفيان الثوريّ. العاشرة: وٱختلفوا في الرجل يقول لعبده: أنت حُرٌّ بعد موتي، وأراد الوصية؛ فله الرجوع عند مالك في ذلك. وإن قال: فلان مُدَبَّرٌ بعد موتي؛ لم يكن له الرجوع فيه. وإن أراد التدبير بقوله الأوّل لم يرجع أيضاً عند أكثر أصحاب مالك. وأما الشافعيّ وأحمد وإسحٰق وأبو ثور فكل هذا عندهم وصية؛ لأنه في الثلث، وكل ما كان في الثلث فهو وصية؛ إلا أن الشافعيّ قال: لا يكون الرجوع في المدبَّر إلا بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هِبة. وليس قوله: «قد رجعت» رجوعاً؛ وإن لم يخرج المدّبر عن ملكه حتى يموت فإنه يعتق بموته. وقال في القديم: يرجع في المدبَّر كما يرجع في الوصية. وٱختاره المُزَنيّ قياساً على إجماعهم على الرجوع فيمن أوصى بعتقه. وقال أبو ثور: إذا قال قد رجعت في مدبَّري فقد بطل التدبير، فإن مات لم يعتق. وٱختلف ٱبن القاسم وأشهب فيمن قال: عبدي حُرٌّ بعد موتي؛ ولم يرد الوصية ولا التدبير؛ فقال ٱبن القاسم: هو وصية. وقال أشهب: هو مُدَبَّر وإن لم يُرد الوصية. الحادية عشرة: ٱختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو مُحْكَمة؛ فقيل: هي محكمة، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة؛ قاله الضحاك وطاوس والحسن، وٱختاره الطبري. وعن الزهري أن الوصية واجبة فيما قلّ أو كثر. وقال ٱبن المنذر: أجمع كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذَيّن لا يرثان والأقرباء الذِين لا يرثون جائزة. وقال ٱبن عباس والحسن أيضاً وقتادة: الآية عامة، وتقرّر الحكم بها بُرهة من الدهر، ونسخ منها كل من كان يرث بآية الفرائض. وقد قيل: إن آية الفرائض لم تستقلّ بنسخها بل بضميمة أخرى، وهي قوله عليه السلام: «حديث : إن الله قد أعطى لكلّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيّة لوارث»تفسير : رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذيّ وقال: هذا حديث حسن صحيح. فنسْخُ الآية إنما كان بالسُّنة الثابتة لا بالإرث، على الصحيح من أقوال العلماء. ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورّث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع. والشافعيّ وأبو الفرج وإن كانا منعا من نسخ الكتاب بالسنة فالصحيح جوازه بدليل أن الكل حُكم الله تبارك وتعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء، وقد تقدم هذا المعنى. ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا آحاداً لكن قد ٱنضم إليه إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث. فقد ظهر أن وجوب الوصية للأَقربين الوارثين منسوخ بالسُّنة وأنها مستند المجمعين. والله أعلم. وقال ابن عباس والحسن: نُسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة «النساء» وثبتت للأقربين الذين لا يرثون؛ وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم. وفي البخاري عن ٱبن عباس قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين؛ فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وجعل للأَبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشّطر والربع. وقال ٱبن عمر وٱبن عباس وٱبن زيد: الآية كلها منسوخة، وبقيت الوصية ندباً؛ ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وذكره النحاس عن الشَّعْبي والنَّخَعِيّ. وقال الربيع بن خُثَيْم: لا وصية. قال عروة بن ثابت: قلت للربيع بن خُثيم أوص لي بمصحفك؛ فنظر إلى ولده وقرأ {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال: 75]. ونحو هذا صنع ٱبن عمر رضي الله عنه. الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَٱلأَقْرَبِينَ} الأقربون جمع أقرب. قال قوم: الوصية للأَقربين أوْلى من الأجانب؛ لنصّ الله تعالى عليهم؛ حتى قال الضَّحاك: إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وروي عن ٱبن عمر أنه أوصى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف. وروي أن عائشة وصّت لمولاة لها بأثاث البيت. وروي عن سالم بن عبد اللَّه بمثل ذلك. وقال الحسن: إن أوصى لغير الأقربين ردّت الوصية للأَقربين؛ فإن كانت لأجنبي فمعهم، ولا تجوز لغيرهم مع تركهم. وقال الناس حين مات أبو العالية: عجباً له! أعتقته ٱمرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبيّ: لم يكن له ذلك ولا كرامة. وقال طاوس: إذا أوصى لغير قرابته ردّت الوصية إلى قرابته ونقض فعله؛ وقاله جابر بن زيد، وقد روي مثل هذا عن الحسن أيضاً، وبه قال إسحٰق بن رَاهْوَيْه. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد ابن حنبل: من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماضٍ لكل من أوصى له من غنيّ وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. وهو معنى ما روي عن ٱبن عمر وعائشة، وهو قول ٱبن عمر وٱبن عباس. قلت: القول الأول أحسن، وأما أبو العالية رضي الله عنه فلعله نظر إلى أن بني هاشم أوْلى من معتقته لصحبته ٱبن عباس وتعليمه إيّاه وإلحاقه بدرجة العلماء في الدنيا والأخرى. وهذه الأبوّة وإن كانت معنوية فهي الحقيقية، ومعتقته غايتها أن ألحقته بالأحرار في الدنيا؛ فحسبها ثواب عتقها؛ والله أعلم. الثالثة عشرة: ذهب الجمهور من العلماء إلى أن المريض يُحجر عليه في ماله؛ وشذّ أهل الظاهر فقالوا: لا يُحجر عليه وهو كالصحيح؛ والحديث والمعنى يرّد عليهم. "حديث : قال سعد: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أَشْفَيْت منه على الموت فقلت يا رسول الله، بلغ بي ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا بنت واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»؛ قلت: أفأتصدق بشَطْره؟ قال:«لا، الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس»»تفسير : الحديث. ومنع أهل الظاهر أيضاً الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة، وهو الصحيح؛ لأن المريض إنما مُنع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث؛ فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزاً صحيحاً، وكان كالهبة من عندهم. وروى الدّارَقُطْنِي عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة»تفسير : . وروي عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا وصية لوارث إلا أن تُجيز الورثة»تفسير : . الرابعة عشرة: وٱختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته؛ فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه. هذا قول عطاء بن أبي رَبَاح وطاوس والحسن وٱبن سيرين وٱبن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي. وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذلك إن أحبّوا. هذا قول ٱبن مسعود وشُريح والحكم وطاوس والثّوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور، وٱختاره ٱبن المنذر. وفرّق مالك فقال: إذا أذنوا في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه حين يُحجب عن ماله فذلك جائز عليهم؛ وهو قول إسحٰق. احتّج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما وقع من أجل الورثة؛ فإذا أجازوه جاز. وقد ٱتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم؛ فكذلك ها هنا. وٱحتّج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئاً لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما يُملك المال بعد وفاته، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثاً وقد يرثه غيره؛ فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء. وٱحتج مالك بأن قال: إن الرجل إذا كان صحيحاً فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء؛ فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئاً لم يجب لهم، وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق؛ فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات. الخامسة عشرة: فإن لم يُنفِذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت بالتنفيذ؛ قاله الأبهري. وذكر ٱبن المنذر عن إسحٰق بن راهْوَيْه أن قول مالك في هذه المسألة أشبه بالسُّنة من غيره. قال ٱبن المنذر: وٱتفق قول مالك والثوريّ والكوفيين والشافعيّ وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم. السادسة عشرة: وٱختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال، ويقول في وصيّته: إن أجازها الورثة فهي له، وإن لم يجيزوه فهو في سبيل الله؛ فلم يجيزوه. فقال مالك: إن لم تُجز الورثة ذلك رجع إليهم. وفي قول الشافعي وأبي حنيفة ومَعْمَر صاحب عبد الرزاق يمضي في سبيل الله. السابعة عشرة: لا خلاف في وصيّة البالغ العاقل غير المحجور عليه، وٱختلف في غيره؛ فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسّفيه والمصاب الذي يُفيق أحياناً تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به. وكذلك الصبيّ الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به ولم يأت بمنكر من القول فوصيّته جائزة ماضية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز وصيّة الصبيّ. وقال المُزَنيّ: وهو قياس قول الشافعيّ، ولم أجد للشافعيّ في ذلك شيئاً ذكره ونصّ عليه. وٱختلف أصحابه على قولين: أحدهما كقول مالك، والثاني كقول أبي حنيفة. وحجتهم أنه لا يجوز طلاقه ولا عتاقه ولا يقتصّ منه في جناية ولا يحدّ في قذف؛ فليس كالبالغ المحجور عليه، فكذلك وصيته. قال أبو عمر: قد ٱتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة. ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله؛ وعلّة الحجر تبذير المال وإتلافه، وتلك علّة مرتفعة عنه بالموت، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل؛ فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه عن عمر رضي الله عنه. وقال مالك: إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة؛ وبالله التوفيق. وقال محمد بن شريح: من أوصى من صغير أو كبير فأصاب الحق فالله قضاه على لسانه ليس للحق مدفع. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {بِٱلْمَعْرُوفِ} يعني بالعدل، لا وَكْس فيه ولا شَطَط؛ وكان هذا موكولاً إلى ٱجتهاد الميت ونظر الموصي، ثم تولّى الله سبحانه تقير ذلك على لسان نبيّه عليه السلام، فقال عليه السلام: «حديث : الثلث والثلث كثير»تفسير : ؛ وقد تقدّم ما للعلماء في هذا. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة»تفسير : . أخرجه الدّارقُطْنِي عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: لا تجوز وصيّة إلا في الثلث؛ وإليه ذهب البخاري وٱحتج بقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 49] وحُكم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله. فمن تجاوز ما حدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد على الثلث فقد أتى ما نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عنه؛ وكان بفعله ذلك عاصياً إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالماً. وقال الشافعي: وقوله «الثلث كثير» يريد أنه غير قليل. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {حَقّاً} يعني ثابتاً ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت فرض ووجوب؛ بدليل قوله: {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} وهذا يدلّ على كونه ندباً؛ لأنه لو كان فرضاً لكان على جميع المسلمين، فلما خصّ الله من يتقي، أي يخاف تقصيراً، دلّ على أنه غير لازم إلا فيما يتوقّع تلفه إن مات، فيلزمه فرضاً المبادرة بكتبه والوصية به؛ لأنه إن سكت عنه كان تضييعاً له وتقصيراً منه؛ وقد تقدّم هذا المعنى. وٱنتصب «حقًّا» على المصدر المؤكّد، ويجوز في غير القرآن «حقّ» بمعنى ذلك حق. الموفّية عشرين: قال العلماء: المبادرة بكَتْب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية وإنما هي من حديث ٱبن عمر. وفائدتها: المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهوداً بها وهي الوصية المتفق على العمل بها، فلو أشهد العدولَ وقاموا بتلك الشهادة لفظاً لعُمل بها وإن لم تكتب خطًّا؛ فلَوْ كتبها بيده ولم يُشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتّهم عليه فيلزمه تنفيذه. الحادية والعشرون: روى الدّارقُطنِيّ عن أنس ابن مالك قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم «هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا رَيْبَ فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصى مَن ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تُقاته وأن يُصلحوا ذات بيْنهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصّى به إبراهيم بنيه ويعقوب: «يا بنيّ إن الله ٱصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون».
البيضاوي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته. {إِن تَرَكَ خَيْرًا} أي مالاً. وقيل مالاً كثيراً، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم، فمنعه وقال: قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} والخير هو المال الكثير. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلاً أراد أن يوصي فسألته كم مالك، فقال: ثلاثة آلاف فقالت: كم عيالك قال: أربعة قالت: إنما قال الله تعالى {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وأن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك. {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} مرفوع بكتب، وتذكير فعلها للفصل، أو على تأويل أن يوصي، أو الإِيصاء ولذلك ذكر الراجع في قوله: {فَمَن بَدَّلَهُ }. والعامل في إذا مدلول كتب لا الوصية لتقدمه عليها. وقيل مبتدأ خبره {لِلْوٰلِدَيْنِ }، والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء كقوله:شعر : مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ الله يشكُرَها وَالشَّرُّ بِالشَّرِ عِنْدَ الله مِثْلانِ تفسير : وَرُّدَّ بأنه إن صح فمن ضرورات الشعر. وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث».تفسير : وفيه نظر: لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقاً، والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر. ولعله احترز عنه من فسر الوصية بما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين بقوله {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ }. أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله عليهم {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالعدل فلا يفضل الغنى، ولا يتجاوز الثلث. {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً.
ابن كثير
تفسير : اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجباً على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتماً من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: «حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: {إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} فقال: نسخت هذه الآية. وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس به، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبين ميراث الوالدين، وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ}: نسختها هذه الآية: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}تفسير : [النساء: 7] ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذا الآية منسوخة، نسختها آية الميراث، والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي رحمه الله، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ}تفسير : [النساء: 11] قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء. قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم ابن يسار والعلاء بن زياد. (قلت): وبه قال أيضاً سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخاً في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية؛ لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندباً حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة، وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث؛ كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه؛ للحديث المتقدم: «حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث»تفسير : فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، يرفع بها حكم هذه بالكلية، بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناساً بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»تفسير : قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي، والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جداً، وقال عبد بن حميد في مسنده: أخبرنا عبد الله عن مبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى: يا بن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيباً في مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك»تفسير : وقوله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} أي: مالاً، قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم، ثم منهم من قال: الوصية مشروعة، سواء قل المال أو كثر، كالوراثة. ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالاً جليلاً، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قيل لعلي رضي الله عنه: إن رجلاً من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار، أو أربعمائة، ولم يوص؟ قال: ليس بشيء، إنما قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وقال أيضاً: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة، يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن علياً دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي؟ فقال له علي: إنما قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ} إنما تركت شيئاً يسيراً، فاتركه لولدك، وقال الحاكم: إن أبان حدثني عن عكرمة عن ابن عباس {إِن تَرَكَ خَيْرًا} قال ابن عباس: من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً، قال الحاكم: قال طاوس: لم يترك خيراً من لم يترك ثمانين ديناراً، وقال قتادة: كان يقال: ألفاً فما فوقها. وقوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} فقال: نعم، الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضر الموت بالمعروف غير المنكر، والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعداً قال: يا رسول الله إن لي مالاً، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: «حديث : لا»تفسير : قال: فبالشطر؟ قال: «حديث : لا»تفسير : قال: فالثلث؟ قال: «حديث : الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»تفسير : ، وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الثلث، والثلث كثير»تفسير : وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة سمعت حنظلة بن جذيم ابن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا لا لا، الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون»تفسير : وذكر الحديث بطوله. وقوله: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقول تعالى: فمن بدّل الوصية وحرفها، فغير حكمها، وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى {فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك وبما بدَّله الموصى إليهم، وقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا} قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي: الجنف: الخطأ، وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها؛ بأن زادوا وارثاً بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعة الشيء الفلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئاً غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمداً آثماً في ذلك، فللوصي والحالة هذه، أن يصلح القضية، ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه، وأشبه الأمور به، جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق، ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النهي عن ذلك؛ ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، أخبرني أبي عن الأوزاعي، قال الزهري: حدثني عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته»تفسير : وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث العباس بن الوليد به، قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد، وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، فلم يجاوز به عروة، وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الجنف في الوصية من الكبائر»تفسير : وهذا في رفعه أيضاً نظر، وأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أشعث ابن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى، حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله، فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة»تفسير : قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا}تفسير : [البقرة: 229] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كُتِبَ} فرض {عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } أي أسبابه {إِن تَرَكَ خَيْرًا } مالاً {ٱلْوَصِيَّةُ } مرفوع (بِكُتِبَ) ومتعلق (بإذا) إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب (إن) أي: فليوصِ {لِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغني {حَقّاً } مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } الله وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث « حديث : لا وصية لوارث »تفسير : رواه الترمذي.
الشوكاني
تفسير : قد تقدّم معنى: {كتب} قريباً، وحضور الموت: حضور أسبابه، وظهور علاماته، ومنه قول عنترة:شعر : وإنَّ الموْتَ طَوعُ يَدي إذَا مَا وَصِلْتُ بَنَانهـا بالهنِدوانِي تفسير : وقال جرير:شعر : أنَا المْوتَ الَّذي حُدِّثْتَ عَنْه فَلَيْس لِهَارب منِّي نَجَاةُ تفسير : وإنما لم يؤنث الفعل المسند إلى الوصية، وهو: {كتب} لوجود الفاصل بينهما، وقيل: لأنها بمعنى الإيصاء، وقد روي جواز إسناد ما لا تأنيث فيه إلى المؤنث مع عدم الفصل. وقد حكى سيبويه: قام امرأة، وهو خلاف ما أطبق عليه أئمة العربية، وشرط سبحانه ما كتبه من الوصية بأن يترك الموصي خيراً. واختلف في جواب هذا الشرط ما هو؟ فروي عن الأخفش، وجهان: أحدهما أن التقدير: إن ترك خيراً، فالوصية، ثم حذفت الفاء كما قال الشاعر:شعر : مَنْ يَفْعَل الحسَنَاتِ الله يَشْكُرها والشَّرّ بالشرّ عِنْد اللهِ مِثلانِ تفسير : والثاني: أن جوابه مقدّر قبله: أي: كتب الوصية للوالدين، والأقربين إن ترك خيراً. واختلف أهل العلم في مقدار الخير، فقيل: ما زاد على سبعمائة دينار، وقيل: ألف دينار، وقيل ما زاد على خمسمائة دينار. والوصية في الأصل: عبارة عن الأمر بالشيء، والعهد به في الحياة، وبعد الموت، وهي هنا: عبارة عن الأمر بالشيء لبعد الموت. وقد اتفق أهل العلم على وجوب الوصية على من عليه دين، أو عنده وديعة، أو نحوها. وأما من لم يكن كذلك، فذهب أكثرهم إلى أنها غير واجبة عليه سواء كان فقيراً، أو غنياً، وقالت طائفة: إنها واجبة، ولم يبين الله سبحانه ها هنا القدر الذي كتب الوصية به للوالدين، والأقربين، فقيل: الخمس. وقيل: الربع. وقيل: الثلث. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها محكمة، قالوا: وهي، وإن كانت عامة فمعناها الخصوص. والمراد بها من الوالدين مَنْ لا يرث كالأبوين الكافرين، ومَنْ هو في الرقّ، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين الذين لا يرثان، والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال كثير من أهل العلم: إنها منسوخة بآية المواريث مع قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا وصية لوارث»تفسير : وهو حديث صححه بعض أهل الحديث، وروي من غير وجه. وقال بعض أهل العلم: إنه نسخ الوجوب، وبقي الندب، وروي عن الشعبي، والنخعي، ومالك، قوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ }، أي: العدل لا وكس فيه، ولا شطط. وقد أذن الله للميت بالثلث دون ما زاد عليه. وقوله: {حَقّاً }، مصدر معناه الثبوت، والوجوب. قوله: {فَمَن بَدَّلَهُ } هذا الضمير عائد إلى الإيصاء المفهوم من الوصية، وكذلك الضمير في قوله: {سَمِعَهُ }، والتبديل: التغيير، والضمير في قوله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ } راجع إلى التبديل المفهوم من قوله: {بَدَّلَهُ } وهذا وعيد لمن غير الوصية المطابقة للحق، التي لا جَنَف فيها ولا مضارَّة، وأنه يبوء بالإثم، وليس على الموصي من ذلك شيء، فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به. قال القرطبي: ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر، أو خنزير، أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله، ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث. قاله أبو عمر. انتهى. والجنف: المجاوزة، من جنف يجنف: إذا جاوز، قاله النحاس، وقيل: الجنف: الميل، ومنه قول الأعشى:شعر : تَجَانَفُ عن حجر اليمامة ناقتى وَمَا قَصَدتْ من أهلها لسَوائكا تفسير : قال في الصحاح: الجنف الميل، وكذا في الكشاف. وقال لبيد:شعر : إني امرُؤٌ مَنعتْ أرُومة عَامر ضَيْمِي وَقَدْ جَنَفَتْ عليّ خُصَومِي تفسير : وقوله: {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } أي: أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق، والاضطراب بسبب الوصية بإبطال ما فيه ضرار، ومخالفة لما شرعه الله، وإثبات ما هو حق كالوصية في قربة لغير وارث، والضمير في قوله: {بَيْنَهُمْ } راجع إلى الورثة، وإن لم يتقدم لهم ذكر؛ لأنه قد عرف أنهم المرادون من السياق. وقيل: راجع إلى الموصي لهم، وهم الأبوان والقرابة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا } قال: مالاً. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد نحوه، وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال: من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في سننه عن عروة، أن عليّ بن أبي طالب دخل على مولى لهم في البيت، وله سبعمائة درهم، أو ستمائة درهم فقال: ألا أوصي؟ قال لا؟ إنما قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا } وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، عن عائشة، أن رجلاً قال لها: أريد أن أوصي قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْرًا } وإن هذا شيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن ابن عباس قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم، فلا يوصي. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن الزهري. قال: جعل الله الوصية حقاً مما قل منه، ومما كثر، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثاً، وفيه: «حديث : انظر قرابتك الذين يحتاجون، ولا يرثون، فأوص لهم من مالك بالمعروف» تفسير : وأخرجا أيضاً، عن طاوس قال: من أوصى لقوم، وسماهم، وترك ذوي قرابته. محتاجين انتزعت منهم، وردت على قرابته، وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود في الناسخ، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس قال: نسخت هذه الآية. وأخرج عنه من وجه آخر أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم؛ أن هذه الآية نسخها قوله تعالى: {أية : لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأقْرَبُونَ }تفسير : الآية [النساء: 7]. وأخرج عنه من وجه آخر ابن جرير وابن أبي حاتم؛ أنها منسوخة بآية الميراث. وأخرج عنه أبو داود في سننه، والبيهقي مثله. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: في الآية نسخ من يرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عمر؛ أنه قال: هذه الآية نسختها آية الميراث. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} الآية، قال: وقد وقع أجر الموصي على الله، وبرىء من إثمه، وقال في قوله: {جَنَفًا } يعني: إثماً {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } قال: إذا أخطأ الميت في وصيته، أو حاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه؛ لكنه فسر الجنف بالميل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {جَنَفًا أَوْ إِثْمًا } قال: خطأ، أو عمداً. وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي في سننه عنه قال: الجنف في الوصية، والإضرار فيها من الكبائر.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي فرض عليكم، وقوله: {إِذَا حَضَرَ} ليس يريد به ذكر الوصية عند حلول الموت، لأنه في شغل عنه، ولكن تكون العطية بما تقدم من الوصية عند حضور الموت، ثم قال تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}، والخير: المال في قول الجميع، قال مجاهد: الخير في القرآن كله المال. {أية : إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8] أي المال، {أية : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبَّي}، تفسير : [ص: 32] {أية : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهمِْ خَيْراً} تفسير : [النور: 33] وقال شعيب: {أية : إِنِّي أرَاكُم بِخَيْرٍ} تفسير : [هود: 84] يعني الغنى والمال. واختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية، فذهب الجمهور من التابعين والفقهاء إلى أن العمل بها كان واجباً قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في البُعَدَاء طلباً للسمعة والرياء، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين، وتقدير ما يستحقون، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة، وقال آخرون: كان حكمها ثابتاً في الوصية للوالدين، والأقربين حق واجب، فلما نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث، وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حالة، وهذا قول الحسن، وقتادة، وطاوس، وجابر بن زيد. فإن أوصى بثُلُثهِ لغير قرابته، فقد اختلف قائلو هذا القول في حكم وصيته على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن يرد ثلث الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول قتادة. والثاني: أن يرد ثلثا الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول جابر بن زيد. والثالث: أنه يريد الثلث كله على قرابته، وهذا قول طاوس. واختلف في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ألف درهم، تأويلاً لقوله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً} أن الخير ألف درهم وهذا قول عليّ. والثاني: من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، وهذا قول إبراهيم النخعي. والثالث: أنه غير مقدر وأن الوصية تجب في قليل المال وكثيره، وهذا قول الزهري. ثم قال تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} يحتمل قوله بالمعروف وجهين: أحدهما: بالعدل الوسط الذي لا بخس فيه ولا شطط. والثاني: يعني بالمعروف من ماله دون المجهول. وقوله تعالى: {حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} يعني بالتقوى من الورثة أن لا يسرف، والأقربين أن لا يبخل، قال ابن مسعود: الأجل فالأجل، يعني الأحوج فالأحوج. وغاية ما لا سرف فيه: الثلث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الثلث والثلث كثير ". تفسير : وروى الحسن أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وصّياً بالخمس وقالا يوصي بما رضي الله لنفسه،: بالخمس، وكان يقول: الخمس معروف، والربع جهد، والثلث غاية ما تجيزه القضاة. ثم قال تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} يعني فَمَنْ غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بعدما سمعها، وإنما جُعِلَ اللفظ مذكراً وإن كانت الوصية مؤنثة لأنه أراد قول المُوصِي، وقوله مذكر. {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} أي يسمعونه ويَعْدِلون به عن مستحقه، إما ميلاً أو خيانة، وللميت أجر قصده وثواب وصيته، وإن غُيّرت بعده. قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلَيمٌ} أي سميع لقول الموصِي، عليم بفعل الوصي. قوله عز وجل: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَينَهُم} اختلف المفسرون في تأويل ذلك، على خمسة أقاويل: أحدها: أن تأويله فمن حضر مريضاً، وهو يوصي عند إشرافه على الموت، فخاف أن يخطئ في وصيته، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْراً فيها، فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه، أن يصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته، وهذا قول مجاهد. والثاني: أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفاً في وصيته، فأصلح بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أُوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل، فلا إثم عليه، وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والثالث: أن تأويلها فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً في عطيته لورثته عند حضور أجله، فأعطى بعضاً دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في ذلك، وهذا قول عطاء. والرابع: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفاً، أو إثماً في وصيته لغير ورثته، بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه، وهذا قول طاووس. والخامس: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض، فأصلح بين الآباء والأقرباء، فلا إثم عليه، وهذا قول السدي. وفي قوله تعالى: {جَنَفاً أَوْ إِثْماً} تأويلان: أحدهما: أن الجنف الخطأ، والإثم العمد، وهذا قول السدي. والثاني: أن الجنف الميل، والإثم أن يكون قد أثم في أَثَرةِ بعضهم على بعض، وهذا قول عطاء وابن زيد. والجنف في كلام العرب هو الجَوْرُ والعُدُولِ عن الحق، ومنه قول الشاعر: شعر : هم المولى وهمْ جنفوا علينا وإنا من لقائهمُ لَزُورُ
ابن عبد السلام
تفسير : {خَيْراً} مالاً اتفاقاً ها هنا، قال مجاهد: "الخير المال في جميع القرآن {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ}تفسير : [العاديات: 8] {أية : أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ}تفسير : [ص: 32] {أية : إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}تفسير : [النور: 33] أراد المال في ذلك {أية : إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}تفسير : [هود: 84] بغنى ومال". كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة قبل نزول المواريث، فلما نزلت المواريث نسخ وجوبها عند الجمهور، أو نسخ منها الوصية لكل وارث وبقي الوجوب فيمن لا يرث من الأقارب. والمال الذي يجب عليه أن يوصي منه ألف درهم، أو من ألف إلى خمسمائة، أو يجب في كل قليل وكثير، فلو أوصى بثلثه لغير قرابته رُد الثلث على قرابته، أو يُرد ثلث الثلث على القرابة وثلثا الثلث للمُوصى له، أو ثلثاه للقرابة وثلثه للمُوصى له. {عَلَى الْمُتَّقِينَ} التقوى في أن يقدم الأحوج فالأحوج من أقاربه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ...}. قال الزمخشري: الوصية للوارث كانت في ابتداء الإسلام فنسخت بآية المواريث ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله أعطى لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث ". تفسير : قال (ابن عرفة): (وهذا حديث تلقته الأيمة بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان أخبار آحاد. وحكى ابن عطية عن ابن عباس والحسن أنه نسخ منها الوصية للوالدين والقريب والوارث ثم قال: وهي في آية الفرائض في النساء) (ناسخة لهذا الحديث المتواتر: قوله: "حديث : إن الله أعطى كل ذي حق حقه"تفسير : ). وهذا خطأ كيف يجعله متواترا والمحدثون مطبقون على أنه لم يصح، وكلام الزمخشري فيه أصوب. ابن عطيّة: "الوَصِيَّةُ" مفعول لم يسم فاعله "لكُتِبَ" وجواب الشرطين "إِذَا" و "إن" مقدر يدل عليه ما تقدم. وتعقبه أبو حيان بامتناع تقدّم العامل في "إِذَا" عليها. ابن عطية: يجوز أن يكون العامل في "إذا" الإيصاء المقدر المدلول عليه بلفظ الوصية والوصية. مبتدأ وهو جوابه للشرطين معا. وتعقبه أبو حيان بأنه إذا قدر قبل "إذا" لزم تقدم العامل فيها عليها، وإن قدر بعدها فهو موصول، ومعمول الصلة لا يتقدم عليه وبأن المقدر هنا ضمير المصدر معناه كتب عليكم هو أي الإيصاء وضميره المنطوق به لا يعمل عند الكوفيين فأحرى (المنوي) بامتناع كون الشيء الواحد جوابا لشرطين معا. وأجاب ابن عرفة بأن المعنى يقتضي كون الجواب للشرطين معا لئلا يلزم عليه فيمن حضره الموت وله مال قليل أن يؤمر بالوصية، فالأمر فيها إنما هو لمن اجتمع فيه الوصفان، ورده بعض الطلبة بأن مراد أبي حيان أنّ الجواب للشرط الأول والشرط الثاني قيد في الجواب، وجوابه محذوف يدل عليه جواب الأول والمعنى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ..."الوصية" إِن تَرَكَ خَيْرا. قال ابن عرفة: يلزمك أن يكون الشرط الثاني وجوابه جوابا للأول، والبحث إنما هو على أنهما شرطان وجوابان أو شرطان وجواب واحد. قال أبو حيان: لا يجوز أن يكون جواب (إذا) مقدرا من معنى كتب (لمضيه) واستقبال الشرط. قال ابن عرفة: أراد ما ذكر ابن عصفور في باب القسم (من) أن جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا، وبهذا (ردوا) على حازم في قوله تعالى {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : قال: جواب الشرط مقدر، أي فإنك أنتَ الغَفُورُ الرّحِيمُ، لأنّ (العزّة) لا تناسب المحل، وكان المختار أن يوقف عند قوله "وَإِن تَغْفِرْ لَهُم" "فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ" فردوا عليه بأن جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا. قال ابن عرفة: واتفقوا على أن الوصية واجبة لكنّها تختلف فقد يكون/ مندوبا إليها إذا كان القريب فقيرا وإن كان غنيا فهي للبعيد أولى. قوله تعالى:{حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}. إن قلنا: إن المتقي مرادف للمؤمن، فالآية واضحة وإن قلنا إنه أخص من المؤمن كما هو مذهب المحققين من المتأخرين فتفهم الآية على أن الخطاب باعتبار ظاهر اللفظ للتكليف وفي المعنى الامتثال لأنّ ظاهرها تخصيص وجوب ذلك (بالمتقي) فلا بد أن يُرَادِفَهُ وجوب قبول وامتثال. فإن قلت: ما فائدة الإتيان بهذا المصدر (المؤكد)؟ وأجاب ابن عرفة: بأن قولك "أكرم زيدا" أبلغ من قولك أكرم زيد إذا جاء عمرو ولضعف الثاني بتعليقه على الشّرط، والأول مطلق فهو أقوى ولما أتي الأمر بالوصية مقيدا بالشرط وهو إن (تَرَك) خيرا ضعف فأكد بقوله {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}. قال أبو حيان: "حقا" مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حُقّ ذلك حقا، ورُدّ بأن "على المتقين" إما متعلق به والمصدر المؤكد لا يعمل، أو صفة له فيخرج عن التأكيد لتخصصه. قال ابن عرفة: تقرر أن معاني الحروف والأسماء الجوامد تعمل في الظروف والمجرورات. قلت كقول الشاعر: شعر : كأنه خارج من حيث صفحته سعود شرف نشده عند معتاد تفسير : أنشد ابن الصائغ في باب الاشتغال ورد به على ابن عصفور و قوله: شعر : أنا ابن ماوية (إذا جدّ النقر) تفسير : قال أبو حيان: وقيل: نعت لمصدر محذوف أي كتابا حقا أو (إيماء) وقيل منصوب بـ"المتقين" وهو بعيد لتقدمه على عامله الموصول وعدم تبادره إلى الذهن. قال ابن عرفة: العلوم النظرية كلها كذلك لأنها توصل إلى فهم المعاني الدقيقة التي لا تفهم بأول وهلة. قيل لابن عرفة: إنمّا (يراد) أن الظاهر خلافه؟ فقال: إن أراد أن ظاهر اللّفظ ينفيه فليس كذلك وإن أراد أن ظاهر اللّفظ لا يقتضيه ولا يدل عليه فكذلك المعاني الدقيقة كلها. أبو حيان: (والأولى) أنه مصدر من معنى "كتب" لأن معناه وجب وحق مثل قعدت جلوسا. قال ابن عرفة: الّذي فر منه وقع فيه لأنه ألزم غيره امتناع عمل المصدر المؤكد لغيره، وكذلك يلزمه هو. قيل لابن عرفة: هل يؤخذ من الآية عدم وجوب الوصية كما قالوا في {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : ويقال له: إن كنت محسنا أو متقيا (فمتّع)؟ فقال: إنه يتم لك هذا لو وقع الاتفاق على عدم وجوب المتعة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {خاف} بالإمالة حيث كان: حمزة. {موصٍ} بالتشديد: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة الباقون: بالتخفيف من الإيصاء. الوقوف: {خيراً} ج لأن قوله {الوصية} مفعول {كتب} وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه ولاعتراض ظرف وشرط بينهما، أو "الوصية" مبتدأ "وللوالدين" خبره، ومفعول "كتب" محذوف أي كتب عليكم أن توصوا. ثم بين لمن الوصية والوصل أولى لئلا يحتاج إلى الحذف. {بالمعروف} ح لأن التقدير حق ذلك حقاً أو كتب الوصية حقاً. {المتقين} ط وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر {يبدلونه} ط عليم كذلك {عليه} ط {رحيم} (ه). التفسير: وهذا حكم آخر. قوله {كتب عليكم} يقتضي الوجوب كما مر. والمراد من حضور الموت ليس معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يكونه عاجزاً عن الإيصاء والأكثرون قالوا: المراد ظهور أمارة الموت وهو المرض المخوف كما يقال لمن قارب البلد: إنه وصل. وعن الأصم: المراد فرض عليكم في حال الصحة الوصية بأن تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا، وزيف بأنه ترك للظاهر. ولا شك أن الخير قد ورد في القرآن بمعنى المال {أية : وما تنفقوا من خير} تفسير : [البقرة: 272] {أية : وإنه لحب الخير لشديد} تفسير : [العاديات: 8] {أية : من خير فقير} تفسير : [القصص: 24] لكن الأئمة اختلفوا في المراد بالخير ههنا بعد اتفاقهم على أنه المال. فعن الزهري: أنه المال مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً بدليل قوله {أية : من خير فقير} تفسير : [القصص: 24] {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} تفسير : [الزلزلة: 7] وأنه تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر قال تعالى {أية : وللنساء نصيبٌ مما ترك الولدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً} تفسير : [النساء: 7] فكذا الوصية، ولأن كل ما ينتفع به فهو خير. والأكثرون على أن لفظ الخير في الآية مختص بالمال الكثير كما لو قيل "فلان ذو مال" يفهم منه أن ماله قد جاوز حد أهل الحاجة وإن كان اسم المال يقع في الحقيقة على ما يتموله الإنسان من قليلٍ أو كثير. وكما إذا قيل "فلان في نعمة من الله تعالى" فإنه يراد تكثير النعمة وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله وهو باب من المجاز مشهور ينفون الاسم عن الشيء لنقصه ومن قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"تفسير : ولو كانت الوصية واجبة في كل ما يترك لم يكن لقوله {إن ترك خيراً} فائدة لندرة من يموت فاقداً أقل ما يتمول. ثم القائلون بهذا اختلفوا في أن المسمى بالخير في الآية مقدر بمقدار معين أم لا. فمنهم من قال: إنه غير مقدّر ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل. فقد يوصف المرء لمقدار من المال بأنه غنيّ ولا يوصف غيره بالغنى لذلك المقدار لأجل كثرة العيال وتوسع النفقة، فيكون التعيين في كل صورة موكولاً إلى الاجتهاد، وهذا لا ينافي أصل الإيجاب. ومنهم من قال: إنه مقدر. ثم اختلفوا فعن علي كرم الله وجهه: أنه دخل على مولى في مرض الموت وله سبعمائة درهم فقال: ألا أوصي؟ قال: لا قال الله تعالى {إن ترك خيراً} وليس لك كثير مال. وعن عائشة أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي. قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال أربعة. قالت: قال الله تعالى {إن ترك خيراً} وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل. وعن ابن عباس: أنه إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإذا بلغ ثمانمائة درهم أوصى. وعن قتادة: ألف درهم. وعن النخعي من ألف إلى خمسمائة درهم. قال أبو البقاء: جواب الشرط عند الأخفش الوصية بحذف الفاء أي فالوصية للوالدين على الابتداء والخبر واحتج بقول الشاعر: شعر : من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها تفسير : وقال غيره: جواب الشرط في المعنى ما تقدم من كتب الوصية كما تقول "لك كذا إن فعلت" ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب بناء على رفع الوصية بكتب وهو الوجه. وقيل: المرفوع بكتب الجار والمجرور وهو {عليكم} وليس بشيء وأما إذا فهو ظرف لمعنى الوصية ولا يحتاج إلى جواب. والأقربين قيل هم الأولاد عن ابن زيد. وقيل من عدا الولد عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: جميع القرابات. وقيل: غير الوارث. وقوله {بالمعروف} أمر بأن يسلك في الوصية الطريقة الجميلة. فلو حرم الفقير ووصى للغني لم يكن معروفاً، ولو سوّى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الإخوة لم يكن ما يأتيه معروفاً. {وحقاً} مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً على المتقين على الذين آثر والتقوى وجعلوها مذهباً لهم وسيرة. واعلم أن الأئمة القائلين بوجوب هذه الوصية اختلفوا في أنها منسوخة أم لا. أما أبو مسلم فإنه اختار عدم نسخها وقال: معناها كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله تعالى: {أية : يوصيكم الله في أولادكم} تفسير : [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصبائهم، أو لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية. فالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو قدرنا حصول المنافاة فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين. ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً في الآية. وذلك أن من الوالدين من لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب من يسقط في حال ويثبت في حال، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم. فآية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها. وأكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء على أن الآية منسوخة قالوا: نسخت بآية المواريث أو بالإجماع أو بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه ألا لا وصية لوارث"تفسير : وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول حتى التحق بالمتواتر فيجوز نسخ القرآن به عند الجمهور. ومن أئمة الأمة من قال: هي منسوخة في حق من يرث، ثابتة فيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية. وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب. قالوا: الآية دلت على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية المواريث أو بقوله "حديث : لا وصية لوارث"تفسير : أو بإجماع الأمة. فبقيت الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً. وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه"تفسير : وفي رواية "حديث : له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين"تفسير : وفي رواية "حديث : ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده"تفسير : لكن الوصية لغير الأقارب غير واجبة بالإجماع فوجب أن تختص بالأقارب. وهؤلاء القائلون بأن الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً اختلفوا في موضعين: الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء. وقال الحسن البصري والأغنياء سواء. الثاني: عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن معلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له. وعن طاوس: أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب {فمن بدله} فمن غير الإيصاء أو ما قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقاً للشرع {بعد ما سمعه} وتحققه فلا معنى للسماع لو لم يقع العلم به والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غيرهما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل: المنهي عن التغيير هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بيّن الله تعالى الوصية فيه. فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها. {فإنما إثمه} ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره. ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه {إن الله سميعٌ عليم} يسمع الوصية على حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ذلك وعيد للمبدّل وأيّ وعيد. ثم إنه سبحانه لما أطلق الإيعاد على التبديل أتبعه قوله {فمن خاف} ليعلم أن التغيير من الباطل إلى الحق على طريق الإصلاح مستحسن شرعاً كما هو حسن عقلاً، وللخوف ههنا تفسيران: أحدهما: الخشية فيسأل أنه إنما يصح في أمر منتظر مظنون والوصية وقعت وعلمت. وأجيب بأن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد فيه إثماً أي تعمداً بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق أو يعدل عن المستحق. فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقق الوصية يأخذ في الإصلاح بينهم أي بين أهل الوصية، لأن قوله {من موصٍ} يدل على سائر ملابساته. فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة: أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب، أو أن أزيد فلاناً مع أنه غير مستحق للزيادة، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من جنف أو إثم لا قاطعاً به، وأيضاً الجائز أن لا يستمر الموصي على وصيته فإن له الفسخ ما دام في حياته، فمن أين يحصل الثقة بما فعل وقد يعدل عن الحق في آخر الأمر؟ وبتقدير أن تستقر الوصية ومات الوصي على ذلك لم يبعد أن يقع بين الورثة والموصى لهم تنازع فيما نسب إلى الموصي، وقد يعزى حينئذٍ إلى الجنف أو الإثم فيحتاج إلى الإصلاح بينهم بإجرائهم على قانون الشرع. والتفسير الثاني إن {خاف} بمعنى علم. وقد يستعمل الخوف والخشية مقام العلم، لأن الخوف منشؤه ظن مخصوص، وبين العلم والظن مشابهة من وجوه كثيرة، فصح إطلاق أحدهما على الآخر استعمالاً شائعاً من ذلك قولهم "أخاف أن ترسل السماء" يريدون التوقع. والظن الغالب الجاري مجرى العلم. فمعنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع. وفي الآية دليل على جواز الإصلاح بين المتنازعين إذا خاف المصلح إفضاء المنازعة إلى محذور شرعاً. والغرض من قوله {فلا إثم عليه} رفع الحرج حتى لا ينافي الوجوب. وفيه مع ذلك نكتة هي أن الإصلاح بين القوم يحتاج إلى الإكثار من القول وذلك قد يفضي إلى الإسهاب والتكلم ببعض ما لا ينبغي فبين تعالى أنه لا مؤاخذة على المصلح من هذا الجنس إذا كان غرضه الأصلي صحيحاً ولهذا أتبعه قوله {أن الله غفورٌ رحيم} وأيضاً كأنه قيل: أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب، فلأن أوصل رحمتي إليك أيها المصلح مع تحمل أعباء الإصلاح أولى. أو المراد أن الموصي الذي أقدم على الجنف أو الإثم متى أصلح خلل وصيته فإن الله يغفر له ويرحمه بفضله. وبهذا التأويل يجوز أن يرجع الضمير في قوله {فلا إثم عليه} إلى الموصي. واعلم أن أكثر الأئمة وإن ذهبوا إلى أن وجوب الوصية منسوخ بآية المواريث إلا أنهم اتفقوا على أنها الآن جائزة في الثلث لما روي أنه صلى الله عليه وسلم عاد سعد ابن أبي وقاص فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فبشطره؟ قال: لا قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير. لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. فأفاد الحديث المنع من الزيادة واستحباب النقصان عن الثلث إن كانت الورثة فقراء. والوصية أوسع مجالاً من الإرث، فإذا أراد الوصية فالأفضل أن يقدم من لا يرث من أقاربه لأن الله أعطى الأقربين الميراث ويقدم منهم المحارم ثم يقدم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم بالولاء ثم بالجوار كما في الصدقات المنجزة. فإن أوصى للورثة بعضهم جاز لكن بالإجازة من سائر الورثة كما لو زاد على الثلث للأجنبي، فإن الزائد يحتاج إلى إجازة الورثة. التأويل: كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الولياء الوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل. والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه أن يوصي للوالدين. وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ازدواجهما، وللأقربين - وهم القلب - والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي غلى الإتلاف معرضاً عن الشهوات مجتنباً عن الرسوم والعادات كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"تفسير : ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً والمذاهب مذهباً واحداً. شعر : وكـل لـه سـؤل ودين ومذهب ووصلكم سـؤلي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمتي مناي مناكم واختياري رضاكم تفسير : {حقاً على المتقين} من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : التقوى ههنا"تفسير : وأشار إلى صدره. وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل النسخ. فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبداً {فمن بدله} فمن غير من الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة {فإنما إثمه} عليهم. وسبب هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً {فمن خاف} تفرس {من موصٍ جنفاً} في ترك المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات {أو إثماً} تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع {فأصلح} بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ...} الآية: {كُتِبَ}: معناه: فُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالَىٰ: {إِذَا حَضَرَ } مجازٌ؛ لأن المعنى: إِذا تخوَّف وحضرتْ علاماتُهُ. والخير في هذه الآية: المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن: الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض، وقال بعضُ العلماء: إِن الناسخ لهذه الآية هي السُّنَّة المتواترةُ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَىٰ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». تفسير : و {بِٱلْمَعْرُوفِ}: معناه بالقصد الَّذي تعرفه النفوسُ دون إِضرار بالورثة، ولا تَنْزِير للوصية و {حَقّاً }: مصدر مؤكِّد، وخُصَّ «المتقون» بالذكر؛ تشريفاً للرتبة؛ ليتبادر النَّاس إِليها. وقوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ...} الآية: الضمير في «بَدَّلَهُ» عائدٌ على الإيصاء، وأمر الميت، وكذلك في «سَمِعَهُ»، ويحتمل أن يعود الذي في «سَمِعَهُ» على أمر اللَّه تعالَىٰ في هذه الآية، والأول أسبق للناظر، و {سَمِيعٌ عَلِيمٌ }: صفتان لا يخفَىٰ معهما شيْءٌ من جَنَفِ الموصِينَ، وتبديلِ المتعدينَ، والجَنَفُ: الميل. ومعنى الآية علَىٰ ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصِي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمَّد الإِذاءة، فذلك هو الجَنَفُ في إِثم، وإِن لم يتعمَّد، فهو الجنف، دون إِثم، فالمعنى: مَنْ وعظه في ذلك وردَّه عنه، وأصلح ما بينه وبين ورثَتِهِ، وما بين الورثة في ذاتهم، فلا إِثم عليه؛ {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بالموصِي، إِذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الإذاءة. وقال ابن عبَّاس وغيره: معنى الآية: {مَنْ خَافَ }، أي: علِم، ورأَىٰ بعد موت الموصِي؛ أن الموصِيَ حَافَ، وجَنَف، وتعمَّد إذاءة بعض ورثته، {فَأَصْلَحَ } ما بين الورثة، {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ }، وإِن كان في فعله تبديلٌ مَّا؛ لأنه تبديلٌ لمصلحة، والتبديلُ الذي فيه الإِثم إِنما هو تبديلُ الهَوَىٰ.
ابن عادل
تفسير : قال القُرطبيُّ في الكلام تقدير واو العطف، أي: {وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ}، فلما طال الكلامُ، سقطَت الواو، ومثله في بعض الأَقوال: {أية : لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [الليل: 15، 16]، أي: والذي تَوَلَّى فحذف. وقوله: "كُتِبَ" مبنيٌّ للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وهو الله تعالى وللاختصار. وفي القائم مقام الفاعل ثلاثةُ أوجُه: أحدها: أن يكون الوصيَّة، أي: "كتِبَ عَلَيْكُمْ الوصِيَّة" وجاز تذكير الفعل لوجهين: أحدها: كونُ القائمِ مقامَ الفاعل مؤنَّثاً مجازياً. والثاني: الفصل بيْنه وبيْن مَرْفُوعه. والثاني: أنَّهُ الإيصاءُ المدلُول عليه بقوله: {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} أي: كُتِبَ هو أي: الإيصاءُ، وكذلك ذكرُ الضَّمير في قوله: {أية : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ}تفسير : [البقرة: 181] وأيضاً: أنَّه ذكر الفِعلْل، وفصل بيْن الفِعل والوصيَّة؛ لأَنَّ الكلام، لمَّا طال، كان الفَاصِلُ بين المؤنَّث والفعْل، كالمعوَّض من تاءِ التَّأنيث، والعَرَبُ تَقُولُ: حَضَرَ القاضِيَ امرأَةٌ فيذكرون؛ لأنَّ القَاضِي فصَل بيْن الفعل وبيْن المرأة. والثَّالِثُ: أنه الجارُّ والمجرُور، وهذا يتَّجِه على رأي الأخفش، والكوفيين، و"عَلَيْكُم" في محلِّ رفع على هذا القول، وفي محلِّ نَصبٍ على القولَين الأَوَّلين. قوله تعالى: "إذَا حَضَر" العامل في "إِذَا "كُتِبَ" على أَنَّها ظَرف مَحْض وليس متضمِّناً للشَّرط، كَأَنَّهُ قيل: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ الوَصِيَّةُ وَقْتَ حُضُورِ المَوْتِ" ولا يجوز أنْ يكُون العامل فيه لفظ "الوَصيَّة"؛ لأنَّها مصدرٌ، ومعمولُ المصدر لا يتقدَّم عليه لانحلاله لموصولٍ وصلةٍ، إلاَّ على مَذِهب منَ يَرَى التَّوسُّع في الظَّرف وعديله، وهو أبو الحسن؛ فإنَّه لا يَمْنعُ ذلك، فيكُون التَّقْديِرُ: "كُتِبَ عَلَيْكمْ أنْ توصوا وقت حضور الموت". وقال ابنُ عطيَّة ويتَّجِه في إعراب هذه الآية الكريمة: أن يكون "كُتِبَ" هو العامِلَ في "إِذَا"، والمعنى: "تَوَجَّه علَيْكم إيجابُ اللَّهِ، ومقتضى كتابِهِ، إذا حَضَر" فعبّر عن توجُّه الإيجاب بـ"كُتِبَ" لينتظم إلى هذا المعنى: أَنَّهُ مكتوبٌ في الأَزَلِ، و"الوَصِيَّة" مفعولٌ لم يسمَّ فاعلُه بـ"كُتِبَ" وجواب الشَّرطين "إِنْ" و "إِذَا" مقدَّر يدلُّ عليه ما تَقَدَّم مِنْ قوله "كُتِبَ". قال أبو حيان وفي هذا تناقصٌ؛ لأنَّهُ جعل العَامِل في "إِذَا" كُتِبَ"، وذلك يستلزمُ أن يكُون إذا ظرفاً محضاً غيرَ متضمِّن للشَّرطِ، وهذا يناقضُ قوله: "وجواب" إذا و "إن" محذوف؛ لأنَّ إذا الشَّرطية لا يعملُ فيها إلاّ جوابُها، أو فعلُها الشرطيُّ، و"كُتِبَ": ليْسَ أحدهُمَا، فإن قيل: قومٌ يُجِيزُون تقدِيم جوابِ الشَّرط، فيكُونُ "كُتِبَ" هو الجوابَ، ولكنَّهُ تَقَدَّم، وهو عاملٌ في "إِذَا"، فيكون ابنُ عطيَّة يقُول بهذا القَوْل. فالجواب: أَنَّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنَّه صرَّح بأَنَّ جوابها محذوفٌ مدلولٌ عليه بـ"كُتِبَ"، ولم يجعل "كُتِبَ" هو الجوابَ، ويجوزُ أن يكُونَ العَامِلُ في "إِذَا" الإيصاءَ المفهوم مِنْ لفظ "الوَصِيَّة"، وهو القائمُ مقام الفاعِل في "كُتِب"؛ كما تقدَّم. قال ابن عطيَّة في هذا الوجه: ويكُونُ هذا الإيصاءُ المُقدَّر الذي يَدُلُّ عليه ذكرُ الوصيَّة بعد هو العَاملَ في "إِذَا"، وترتفع "الوَصِيَّةُ" بالابتداء، وفيه جوابُ الشَّرطيْن؛ على نحو ما أنشَدَه سيبويه: [البسيط] شعر : 919 - مَنْ يَفْعَلِ الصَّالِحَاتِ اللَّهُ يَحْفَظُهُ .......................... تفسير : ويكونُ رفْعُها بالابتداءِ، أي: فعليه الوصيَّة؛ بتقدير الفَاءِ فقط؛ كأنَّهُ قال: "فالوصِيَّةُ للوالدَيْنِ"، وناقشه أَبو حيَّان مِنْ وجوه: أحدها: أَنَّهُ متناقض من حيثُ إنَّهُ إذا جعل "إِذَا" معمولةً للإيصاء المُقدر، تمحَّضت للظَّرْفية، فكيف يُقَدَّر لها جوابٌ؛ كما تقدَّم تحريره. والثاني: أنَّ هذا الإيصاءَ إما أن تقدِّر لفظه محذوفاً، أو تضمره، وعلى كلا التَّقديرين، فلا يعمل؛ لأَنَّ المصدر شرطُ إعماله ألاَّ يُحذَف، ولا يضمر عند البصريِّين، وأيضاً: فهو قائمٌ مقام الفاعل؛ فلا يحذف. الثَّالث: قوله "جَوَابُ الشَّرْطيْنِ" والشيء الواحد لا يكُون جواباً لاثَنَين، بل جواب كلِّ واحدٍ مستقلٌّ بقدره. الرابع: جعلهُ حذفَ الفاءِ جائزاً في القُرآن، وهذا نصُّ سيبويه على أَنَّهُ لا يجوزُ إلا ضرورةً، وأنشد: [البسيط] شعر : 920 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ تفسير : وإنشاده: "من يفعل الصالحات الله يحفظه" يجوز أَنْ يكون روايةً إلاَّ أنَّ سيبَويْه لم يُنْشِدْه كذا، بل كما تقدَّم، والمُبرِّد روى عنه: أنَّه لا يجيز حذف الفاء مطلقاً، لا في ضرورةٍ، ولا غيرها، ويرويه: "مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ، فالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ" وردَّ النَّاس عليه بأنَّ هذه ليست حجّةً على رواية سيبَويْهِ. ويجوز أنَّ تكون "إِذَا" شرطيَّةً؛ فيكون جوابُها وجوابُ "إِنْ" محذوفَيْن، وتحقيقُه أَنَّ جوابَ "إِنْ" مقدرٌ، تقديرُه: "كُتِبَ الوصيَّةُ على أحدِكُمْ إذا حضره الموتُ، إنْ ترك خَيْراً، فَلْيُوصِ"، فقوله: "فَلْيُوصِ" جواب لـ"إِنْ"؛ حُذِفَ لدلالة الكلام عليه، ويكون هذا الجوابُ المقدَّر دالاًّ على جواب "إِذَا" فيكون المحذُوف دالاًّ على محذوف مثله. وهذا أَوْلَى مِنْ قَوْل من يَقُولُ: إنَّ الشَّرط الثَّاني جواب الأَوَّل، وحُذِفَ جواب الثَّاني، وأولى أيضاً مِنْ تقدير مَنْ يقدِّره في معنى "كُتِبَ" ماضي المعنى، إلاَّ أن يؤوِّله بمعنَى: "يتوجَّه علَيْكُمْ الكَتْبُ، إن تَرَكَ خَيْراً". قوله" الوَصِيّة" فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أن يكُونَ مبتدأً، وخبره "لِلْوَالِدَيْنِ". والثاني: أنَّهُ مفعول "كُتِبَ"، وقد تقدَّم. والثالث: أنَّهُ مبتدأٌ، خبره محذوف، أي: "فعلَيْهِ الوصيَّةُ"، وهذا عند مَنْ يجيزُ حذف فاء الجَوابِ، وهو الأخفشُ؛ وهو محجوجٌ بنقل سيبَوَيْهِ. فصل في المراد من حضور الموت. قوله {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ..} ليْس المرادُ منْه معاينةَ الموْتِ؛ لأَنَّ ذلك الوقْت يكُون عاجزاً عن الإيصاء، ثم ذكر في ذلك وجهَين: أحدهما: وهو المَشهور أنَّ المرادَ حُضُور أمارةِ المَوت؛ كالمَرَض المَخُوف؛ كما يقال فيمن يخافُ علَيه المَوْت حَضَرهُ المَوْتُ ويقالُ لِمَنْ قارب البَلَد: "وَصَلَ"؛ قال عنترة: [الوافر] شعر : 921 - وَإِنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إِذَا ما وَصَلْتُ بَنَانَها بِالْهِنْدُوَانِي تفسير : وقال جَرِيرُ، يهْجُو الفَرَزدَق [الوافر] شعر : 922 - أَنَا الْمَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ فَلَيْسَ لِهَارِبٍ مِنِّي نَجَاءٌ تفسير : والثاني: قال الأصمُّ: إِنَّ المُرَادَ: فَرَضْنَا عَليْكُم الوصِيَّة في حَالِ الصِّحَّة بأن تقُولُوا: "إِذا حَضَرَنا المَوْتُ، فافْعَلُوا كذا". فصل في المراد بالخير في الآية المرادُ بالخَير هنا المالُ؛ كقوله: {أية : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ}تفسير : [البقرة: 272] {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}تفسير : [العاديات: 8]{أية : مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص: 24] قال أبو العبَّاس المُقرىءُ: وقد وَرَدَ لفظ "الخَيْر" في القرآن بإزاء ثمانية معان: الأَوَّل: الخَيْرُ: المالُ؛ كهذه الآية. الثاني: الإيمانُ، قال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 23] أي: إيماناً، وقوله {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} [الأنفال: 70]، يعني: إيماناً. الثالث: الخير الفضل؛ ومنه قوله: "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" "خَيْر الحَاكِمِينَ". الرابع: الخير: العافية؛ قال تعالى: {أية : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ}تفسير : [يونس: 107]، أي: بعافية. الخامس: الثَّواب قال تعالى: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}تفسير : [الحج: 36]، أي: ثواب وأجر. السادس: الخير: الطَّعام؛ قال: {أية : إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص: 24]. السابع: الخير: الظَّفر والغنيمة؛ قال تعالى: {أية : وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً}تفسير : [الأحزاب: 25]. الثامن: الخير: الخيل؛ قال تعالى: {أية : أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي}تفسير : [ص: 32]، يعني: الخيل. ثم اختلفوا هنا على قولين: فقال الزهريُّ: لا فرق بين القليل، والكثير، فالوصيَّة واجبة في الكلِّ، لأن المال القليل خير؛ لقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7 - 8] {أية : إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص: 24] والخير: ما ينتفع به، والمال القليل كذلك، وأيضاً: قوله تعالى في المواريث:{أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ}تفسير : [النساء: 7] فتكون الوصية كذلك. الثاني: أن الخير هو المال الكثير؛ لأن من ترك درهماً لا يقال ترك خيراً، ولا يقال: فلانٌ ذو مالٍ، إلاَّ أن يكون ماله مجاوزاً حدَّ الحاجة، ولو كان الوصيَّة واجبةً في كلِّ ما يترك، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لما كان التقييد بقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً} كلاماً مفيداً؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ لا بُدَّ وأن يترك شيئاً، وأمَّا من يموت عرياناً، ولا يبقى منه كسرة خبزٍ فذلك في غاية النُّدرة، وإذا ثبت أن المراد بالخير هنا المال الكثير، فهل هو مقدَّر، أم لا؟ فيه قولان: الأول: أنه مقدَّر، واختلفوا في مقداره؛ فروي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: أنه دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال أَوَلاَ أوصي؟ فقال: لا؛ إنَّما قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً} والخير: هو المال الكثير، وليس لك مالٌ. وعن عائشة: أنَّ رجلاً قال لها: إنِّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلافٍ، قالت: كم عيالك؟ قال أربعٌ، قالت: قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً} وإن هذا يسير، فاتركه لعائلتك، فهو أفضل. وعن ابن عبَّاس: "إذا ترك سبعمائة درهم، فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهمٍ، أوصى" وعن قتادة: ألف ردهمٍ، وعن النَّخعيِّ: من ألفٍ وخمسمائة درهم. وقال قوم: إنه غير مقدَّر بمقدار معيَّن بل يختلف باختلاف حال الرجال. فصل في تحرير معنى "الوصيَّة". قال القُرْطُبيُّ: و"الوصيَّة" عبارةٌ عن كلِّ شيءٍ يؤمر بفعله، ويعهد به في الحياة، وبعد الموت، وخصَّصها العرف بما يعهد بفعله، وتنفيذه بعد الموت، والجمع وصايا، كالقضايا جمع قضيَّة، والوصيُّ يكون الموصي، والموصى إليه؛ وأصله من وصى مخفَّفاً وتواصى النَّبت تواصياً، إذا اتصل، وأرض واصية: متَّصلة النّبات، وأوصيت له بشيءٍ، وأوصيت إليه، إذا جعلته وصيَّك، والاسم الوِصاية والوَصاية بالكسر والفتح، وأوصيته، ووصَّيته أيضاً توصيةً بمعنًى؛ والاسم الوصاة، وتواصى القومُ أوصى بعضهم بعضاً، وفي الحديث "حديث : استوصوا بالنِّساء خيراً؛ فإنهنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ"تفسير : ووصَّيتُ الشيء بكذا، إذا وصَّلته به. فصل في سبب كون الوصية للوالدين والأقربين اعلم: أن الله تعالى بيَّن أن الوصية الواجبة للوالدين والأقربين. قال الأصمُّ: وذلك أنَّهم كانوا يوصون للأبعدين طلباً للفخر والشَّرف، ويتركون الأقارب في الفقر، والمسكنة؛ فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصيَّة لهؤلاء. وقال ابن عبَّاس، وطاوسٌ، وقتادة، والحسن: إنَّ هذه الوصيَّة كانت واجبةٌ قبل آية المواريث للوالدين والأقربين من يرث منهم، ومن لا يرث، فلما نزلت آية المواريث، نسخت وجوبها في حقِّ الوارث، وبقي وجوبها في حقِّ من لم يرث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " تفسير : وقال طاوس: من أوصى لقومٍ، وترك ذوي قرابة محتاجين، انتزعت منهم، وردت في ذوي قرابته. وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب صار منسوخاً في حقِّ الكافَّة، وهي مستحبَّة في حقِّ الذين لا يرثون. روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما حَقُّ امرِىءِ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يريد أن يُوصِيَ فيه، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " تفسير : وقال بعضهم: إن الوصيَّة لم تكن واجبةً، وإنما كانت مندوبةً، وهي على حالها لم تنسخ، وسيأتي الكلام عليه قريبا - إن شاء الله تعالى -. قوله: "بِالمَعْرُوفِ": يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بنفس الوصيَّة. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الوصيَّة، أي: حال كونها ملتبسة بالمعروف، لا بالجور. فصل يحتمل أن يكون المراد منه قدر ما يوصى به، فيسوَّى بينهم في العطيَّة، ويحتمل ان يكون المراد من المعروف ألاَّ يعطي البعض، ويحرم البعض؛ كما إذا حرم الفقير، وأوصى للغنيِّ، لم يكن ذلك معروفاً، ولو سوَّى بين الوالدين مع عظم حقهما، وبين بني العمِّ، لم يكن معروفاً، فالله تعالى كلَّفه الوصيَّة؛ على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش، ونقل عن ابن مسعود: أنه جعل هذه الوصيَّة للأفقر فالأفقر من الأقرباء. وقال الحسن البصريُّ: هم والأغنياء سواء. وروي عن الحسن أيضاً، وجابر بن زيدٍ، وعبد الملك بن يعلى: أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته، وله قرابةٌ لا ترثه، قالوا: نجعل ثُلثي الثُّلث لذوي قرابته، وثلث الثُّلث للموصى له، وتقدَّم النَّقل عند طاوس أنَّ الوصيَّة تنزع من الأجنبيِّ، وتعطى لذوي القرابة. وقال بعضهم: قوله: "بِالمَعْرُوفِ": هو ألاَّ يزيد على الثُّلث، روي عن سعد بن مالك، قال:حديث : جاءني النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلاَّ ابنتي، فأوصي بثلثي مالي؟ وفي روايةٍ: "أُوصِي بِمَالِي كُلِّه" قال:لا، قُلْتُ: بالشَّطْر؛ قال: لا، قلت فالثُّلُث، قال: الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناس تفسير : وقال [عليٌّ: لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالثُّلث، فلم أوصي بالثُّلث، فلم يترك"]. وقال الحسن: نوصي بالسُّدس، أو الخمس، أو الرُّبع. وقال الفارسيُّ: إنما كانوا يوصون بالخمس والرُّبع. وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثُّلث، إلاَّ أصحاب الرأي، فإنهم قالوا: إن لم يترك الوصيُّ ورثةً، جاز له أن يوصي بماله كله. وقالوا: إنَّما جاز الاقتصارعلى الثُّلث في الوصيَّة؛ لأجل أن يدع ورثته أغنياء. قوله "حَقّاً" في نصبه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، ذلك المصدر المحذوف: إما مصدر "كُتِبَ"، أو مصدر "أَوْصَى"، أي: "كَتْباً حَقّاً" أو "إيصاءً حَقّاً". الثاني: أنه حالٌ من المصدر المعرَّف المحذوف، إما مصدر "كُتِبَ"، أو "أوصى"؛ كما تقدَّم. الثالث: ان ينتصب على أنَّه مؤكِّدٌ لمضمون الجملة؛ فيكون عاملة محذوفاً، أي: حُقَّ ذلك حَقّاً، قاله الزمَّخشرِيُّ، وابن عطيَّة، وأبو البَقَاء. قال أبو حَيَّان: وهذا تَأْبَاهُ القَوَاعِدُ النَّحْوِيَّة؛ لأن ظاهر قوله "على المُتَّقِينَ" أن يتعلَّق بـ"حَقّاً، أو يكون في موضع الصفة له، وكلا التقديرين لا يجوز. أما الأول؛ فلأنَّ المصدر المؤكِّد لا يعمل، وأما الثاني؛ فلأنَّ الوصف يخرجه عن التَّأكيد. قال شهاب الدِّين: وهذا لا يلزمهم؛ فإنهم، والحالة هذه، لا يقولون: إنَّ "عَلَى المُتَّقِينَ" متعلِّق به، وقد نصَّ على ذلك أبو البَقَاءِ - رحمه الله -؛ فإنه قال: وقيل: هو متعلِّق بنفس المصدر، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ المصدر المؤكِّد لا يعمل، وإنَّما يعمل المصدر المنتصب بالفعل المحذوف، إذا ناب عنه؛ كقولك "ضَرباً زيداً"، أي: "اضْرِبْ" إلاَّ أنه جعله صفة لـ"حقّ" فهذا يرد عليه، وقال بعض المعربين: إنه مؤكد لما تضمَّنه معنى المتقين: كأنَّه قيل "عَلَى المُتَّقِينَ حَقّاً؛ كقوله: {أية : أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}تفسير : [الأنفال: 74] وهذا ضعيف؛ لتقدمه على عامله الموصول، ولأنه لا يتبادر إلى الذِّهن. قال أبو حيَّان: والأولى عندي: أن يكون مصدراً من معنى "كُتِبَ"؛ لأن معنى "كُتِبَ الوَصِيَّةُ"، أي: حقَّت ووجبت، فهو مصدر على غير الصدر، نحو: "قَعَدت جُلُوساً". فإن قيل: ظاهر هذا التَّكليف يقتضي تخصيص هذا التَّكليف بالمتَّقين، دون غيرهم؟ فالجواب أن المراد بقوله تعالى: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أنَّه لاَزِمٌ لمن آثر التقوى، وتحرَّاه، وجعله طريقةٌ له ومذهباً، فيدخل الكل فيه. وأيضاً: فإن الآية الكريمة وإن دلَّت على وجوب هذا المعنى على المتقين، فالإجماع دلَّ على أنَّ الواجبات والتَّكاليف عامَّةٌ في حقِّ المتَّقين وغيرهم، فبهذا الطَّريق يدخل الكلُّ تحت هذا التَّكليف. فصل في اختلافهم في تغيير المدبر وصيته قال القُرْطُبيُّ: أجمعوا على أن للإنسان أن يغيِّر وصيَّته، ويرجع فيما شاء منها إلاَّ أنهم اختلفوا في المدبر. فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا: أن الموصي، إذا أوصى في صحَّته، أو مرضه بوصيَّةٍ، فيها عتق رقيق، فإنه يغيِّر من ذلك ما بدا له، ويصنع من ذلك ما يشاء حتى يموت، وإن أحبَّ أن يطرح تلك الوصيَّة، ويسقطها فَعَل، إلاَّ أن يدبِّر، فإن دبَّر مملوكاً، فلا سبيل له إلى تغيير ما دبَّر. قال أبو الفرج المالكيُّ: المدبِّر في القياس كالمعتق إلى شهر؛ لأنه أجلٌ آتٍ لا محالة، وأجمعوا على أنَّه لا يرجع في اليمين بالعتق، والعتق إلى أجلٍ؛ فكذلك المدبِّر، وبه قال أبو حنيفة، وقال الإمام الشافعيُّ وإسحاق وأحمد: هو وصيَّةٌ. فصل اختلفوا في الرَّجل، يقول لعبده: "أنْتَ حُرٌّ بَعْدَ موْتِي"، وأراد الوصيَّة، فله الرُّجوع عند مالك، وإن قال: "فُلاَنٌ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي" لم يكن له الرُّجُوع فيه، فإن أراد التدبير لقوله الأول، لم يرجع أيضاً عند أكثر أصحاب مالك، وأما الشَّافِعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، فهذا كلُّه عندهم وصيَّةٌ؛ لأنَّه في الثُّلث، وكلُّ ما كان في الثُّلث، فهو وصيَّة، إلا أن الشافعيَّ قال: لا يكون له الرُّجوع في المدبَّر إلاَّ بأن يخرجه عن ملكه ببيعٍ أو هبةٍ، وليس قوله: "فَقَدْ رَجَعْتُ" رجوعاً. فصل اختلفوا في رجوع المجيزين للوصيَّة للوارث في حياة الموصي، وبعد وفاته. فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم، وليس لهم الرجوع، وهو قول عطاء بن أبي رباحٍ، وطاوسٍ، والحسن، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، والزهريِّ، وربيعة، والأوزاعي، وقيل: لهم الرجوع، إن أحبُّوا، وهو قول ابن مسعود، وشريحٍ، والحكم، والثوريِّ، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وأبي ثورٍ وابن المنذر. وقال مالك: إن أذنوا في صحته، فلهم الرجوع، وإن أذنوا في مرضه، فذلك جائز عليهم، وهو قول إسحاق. فصل في الحجر على المريض في ماله وذهب الجمهور إلى أنَّه يحجر على المريض في ماله. وقال أهل الظاهر: لا يحجر عليه، وهو كالصَّحيح. فصل في توقُّف الوصيَّة على إجازة الورثة إذا أوصى لبعض ورثته بمالٍ، وقال في وصيَّته: إن أجازها الورثة، فهي لك، وإن لم يجيزوها، فهو في سبيل الله، فلم يجزها الورثة، فقال مالك: مرجع ذلك إليهم. وقال أبو حنيفة، ومعمر، والشافعي في أحد قوليه: يمضي في سبيل الله، والله أعلم. فصل من النَّاس من قال: إن الوصيَّة كانت واجبةً؛ واستدلَّ بقوله كتب وبقوله "عَلَيْكُمْ" وأكد الإيجاب بقوله: {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}، وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من قال صارت هذه الآية منسوخة. وقال أبو مسلم: إنها لم تنسخ من وجوه. أحدها: أن هذه الآية الكريمة ليست مخالفة لآية المواريث، ومعناه: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ ما وَصَّى به اللَّه؛ من توريث الوَالِدَيْن والأقْرَبِينَ، ومِنْ قوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}تفسير : [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين؛ بتوفير ما وصَّى به الله عليهم، وألاَّ ينقص من أنصبائهم". وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث بحكم الآيتين. وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة، لكان يمكن جعل آية المواريث لإخراج القريب الواريث، ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً تحت هذه الآية؛ وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث بسبب اختلاف الدِّين أو الرِّقِّ، أو القتل، ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة: من لا يرث بهذه الأسباب الخارجية ومنهم: من يسقط في حال، ويثبت في حال، ومنهم: من يسقط في كل حالٍ. فمن كان من هؤلاء وارثاً، لم تجز الوصيَّة له، ومن كان منهم غير وارث، صحَّت الوصيَّة له، وقد أكَّد الله تعالى ذلك بقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}تفسير : [النساء: 1]، وبقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [النحل: 90]، والقائلون بالنسخ: اختلفوا بأي دليل صارت منسوخة، فقال بعضهم: بإعطاء الله أهل المواريث كل ذي حقٍّ حقَّه. قال ابن الخطيب وهذا بعيد؛ لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوبُ قدر آخر بالوصيَّة، وأكثر ما يوجبه ذلك التَّخصيص، والنَّسخ. فإن قيل: لا بدَّ وأن تكون منسوخة في حقِّ من لم يخلف إلا الوالدين من حيث يصير كلُّ المال حقّاً لهم؛ بسبب الإرث، فلا يبقى للوصيَّة شيءٌ؟! فالجواب: أن هذا تخصيص، لا نسخ. وقال بعضهم أيضاً: إنها نسخت بقوله - عليه السَّلام -، "حديث : لا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ"تفسير : ، وفيه إشكالٌ؛ من حيث إنَّه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، فإن قيل: بأنه، وإن كان خبر واحد، إلاَّ أن الأمَّة تلقَّته بالقبول، فالتحق بالمتواتر. فالجواب: سلَّمنا أن الأمَّة تلقَّته بالقبول، لكن على وجه الظَّنِّ، أو على وجه القطع؟ فإن كان على وجه الظَّنِّ، فمسلَّم إلاَّ أن ذلك يكون إجماعاً منهم على انه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، وإن كان على وجه القطع فممنوع؛ لأنهم لو قطعوا بصحَّته، مع أنه من باب الآحاد، لكانوا قد أجمعوا على الخطأ، وإنه غير جائزٍ. وقال آخرون: إنها نسخت بالإجماع، والإجماع يجوز أن ينسخ به القرآن؛ لأن الإجماع يدلُّ على أن الدَّليل النَّاسخ كان موجوداً إلاَّ أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدَّليل، ولقائل أن يقول: لمَّا ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ؛ فحينئذٍ: لم يثبت الإجماع. وقال قوم: نسخت بدليلٍ قياسيٍّ، وهو أن نقول: هذه الوصية، لو كانت واجبةً، لكانت، إذا لم توجد هذه الوصيَّة، يجب ألاَّ يسقط حقُّ هؤلاء الأقربين، وقد رأيناهم سقطوا لقوله تعالى في آية المواريث {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}تفسير : [النساء: 12] فظاهره يقتضي أنه إذا لم يكن وصيَّةٌ أو دينٌ، فالمال أجمع للوارث. ولقائل أن يقول: نسخ القرآن بالقياس غير جائزٍ. قال القرطبيُّ: قوله تعالى "حَقًّا" أي: ثابتاً ثبوت نظرٍ، وتحصين، لا ثبوت فرضٍ ووجوبٍ؛ بدليل قوله: "عَلَى المُتَّقِينَ" وهذا يدل على كونه مندوباً؛ لأنه لوكان فرضاً، لكان على جميع المسلمين، فلما خصَّ الله تعالى المُتَّقِي، وهو من يخاف التَّقصير، دلَّ على أنه غير لازم لغيره. فصل "في حقِّ من نسخت الآية" قال أكثر المفسرين إنها نسخت في حقِّ من يرث ومن لا يرث. وقال بعض المفسِّرين من الفقهاء: إنَّها نسخت في حقِّ من يرث، وثابتة في حقِّ من لا يرث، وهو مذهب ابن عبَّاس والحسن، ومسروق، وطاوسٍ، والضَّحَّاك، ومسلم بن يسارٍ، والعلاء بن زياد. قال طاوس: إن من أوصى للأجانب، وترك الأقارب، نزع منهم، وردَّ إلى الأقارب؛ لوجوب الوصيَّة عند هؤلاء، والباقي للقريب الذي ليس بوارث. واستدلُّوا بأنَّ هذه الآية دالَّة على وجوب الوصيَّة للقريب، سواء كان وارثاً، أو غير وارث، ترك العمل به في حقِّ القريب الوارث، إما بآية المواريث، أو بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لاَ وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ"تفسير : ، وهاهنا الإجماع غير موجود، لأن الخلاف فيه قديم وحديث؛ فوجب أن تبقى الآية دالَّةً على وجوب الوصيَّة للقريب الذي ليس بوارث. واستدلوا أيضاً بقوله - عليه السلام -: "حديث : مَا حَقُّ امْرِىءٍ مُسْلِم لَهُ مُلْكٌ يَبِيتُ لَيْلَتَيْن، إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ"تفسير : وقد أجمعنا على أن الوصيَّة غير واجبةً لغير الأقارب؛ فوجب أن تكون هذه الوصيَّة واجبةً للأقارب، فأمَّا الجمهور، فأجود ما استدلُّوا به على أنها منسوخة في حقِّ الكلِّ قوله: {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}تفسير : [النساء: 12] وقد ذكرنا تقريره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن ترك خيراً} قال: مالاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إن ترك خيراً} قال: الخير المال. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الخير في القرآن كله المال {إن ترك خيراً} . {أية : لحب الخير}تفسير : [العاديات: 8]. {أية : أحببت حب الخير}تفسير : [ص: 32]. {أية : إن علمتم فيهم خيراً}تفسير : [النور: 33]. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله {إن ترك خيراً الوصية} قال: من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن عروة. أن علي بن أبي طالب دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال: ألا أوصي قال: لا إنما قال الله {إن ترك خيراً} وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عائشة. أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم ما لك...؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: قال الله {إن ترك خيراً} وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال: إن ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز قال: الوصية على من ترك خيراً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: جعل الله الوصية حقاً مما قل منه ومما كثر. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : ما حق امرىء مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا ووصيته عنده. قال ابن عمر: فما مرت عليّ ثلاث قط إلا ووصيتي عندي ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من ربكم، إلا أنه ليس لامرىء شيء إلا عرف أمراً بخل بحق الله فيه، حتى إذا حضر الموت أخذ يوزّع ماله ههنا وههنا"تفسير : ثم يقول قتادة: ويلك يا ابن آدم اتق الله ولا تجمع إساءتين، مالك إساءة في الحياة وإساءة عند الموت، انظر إلى قرابتك الذين يحتاجون ولا يرثون فأوص لهم من مالك بالمعروف. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبيد الله بن عبد الله بن معمر قاضي البصرة قال: من أوصى فسمى أعطينا من سمى، وإن قال: ضعها حيث أمر الله، أعطيناها قرابته. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال: من أوصى لقوم وسماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت على قرابته. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن قال: إذا أوصى في غير أقاربه بالثلث جاز لهم ثلث الثلث ويرد على أقاربه ثلثي الثلث. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود في الناسخ وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين قال: خطب ابن عباس فقرأ سورة البقرة، فبين ما فيها حتى مر على هذه الآية {إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين} فقال: نسخت هذه الآية. وأخرج أبو داود والنحاس معاً في الناسخ وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الوصية، {للوالدين والأقربين} قال: كان ولد الرجل يرثونه وللوالدين الوصية، فنسختها {أية : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} تفسير : [النساء: 7] الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية الأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبين ميراث الوالدين، وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت. وأخرج أبو داود في سننه وناسخه والبيهقي عن ابن عباس في قوله {إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين} قال: فكانت الوصية لذلك حين نسختها آية الميراث. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: نسخ من يرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر. أنه سئل عن هذه الآية {الوصية للوالدين والأقربين} قال: نسختها آية الميراث. وأخرج ابن جرير عن قتادة عن شريح في الآية قال: كان الرجل يوصي بماله كله حتى نزلت آيات الميراث. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين، فهي منسوخة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: الخير المال، كان يقال ألف فما فوق ذلك، فأمر أن يوصي للوالدين وقرابته، ثم نسخ الوالدين وألحق لكل ذي ميراث نصيبه منها وليست لهم منه وصية، فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن خارجة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال: إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبيهقي في سننه عن أبي أمامة الباهلي "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا وصية لوارث إلا أن تجيزه الورثة ".
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {إِن تَرَكَ خَيْراً}[180] ما هذا الخير عندك؟ قال: المال الحلال.
القشيري
تفسير : مَنْ تَرَكَ مالاً فالوصية له مالِه مُسْتَحبةٌ، ومَنْ لم يترك شيئاً فأنَّى بالوصية!! في حالة الأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث، أمّا الأولياء فيخرجون في حياتهم عن الكُلِّ، فلا تبقى منهم إلا همةٌ انفصلت عنهم ولم تتصل بشيءٍ؛ لأن الحق لا سبيل للهمة إليه، والهمة لا تَعَلُّقَ لها بمخلوق، فبقيت وحيدة منفصلة غير متصلة، وأنشدوا: شعر : أحبكُم ما دمتُ حياً فإنْ أمُتْ يُحبكم عظمى في التراب رميم تفسير : هذه وصيتهم: وقال بعضهم: شعر : ........................ تفسير : لا بل كما قال قائلهم: شعر : وأتى الرسول فأخبر أنهم رحلوا قريبا رجعوا إلى أوطانهم فجرى له دمعي صبيبا
اسماعيل حقي
تفسير : {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} اى حضر اسبابه وظهر امارته وآثاره من العلل والامراض اذ لا اقتدار على الوصية عند حضور نفس الموت والعامل فى اذا مدلول كتب لان الكتب بمعنى الايجاب لا يحدث وقت حضور الموت بل الحادث تعلقه بالمكلف وقت حضور موته فكأنه قيل توجه عليكم ايجاب الله تعالى ومقتضى كتابه اذا حضر فعبر عن توجه الايجاب وتعلقه بكتب للدلالة على ان هذا المعنى مكتوب فى الازل {إن ترك خيرا} اى مالا قليلا او كثيرا او مالا كثيرا يقال فلان ذو مال ولا يطلق ذلك لمن له مال قليل. وعن عائشة رضى الله عنها ان رجلا اراد ان يوصى قالت كم مالك قال ثلاثة آلاف قالت كم عيالك قال اربعة قالت انما قال الله ان ترك خيرا وان هذا الشىء يسير فاتركه لعيالك واصل الخير ان يكون لكل ما يرغب فيه مما هو نافع لانه ضد الشر. قال فى اخوان الصفا الخير فعل ما ينبغى فى الوقت الذى ينبغى من اجل ما ينبغى {الوصية} نائب فاعل كتب اى فرض الايصاء {للوالدين والأقربين} ممن يرث وممن لا يرث {بالمعروف} نصب حالا اى بالعدل لا يزيد على الثلث ولا يوصى لغنى ويدع الفقير وكان السبب فى نزول هذه الآية ان اهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعدى رياء وسمعة وطلبا للفخر والشرف ويتركون الاقارب فى الفقر والمسكنة فصرف الله تعالى بهذه الآية فى بدء الاسلام ما كان يصرف الى الابعدين الى الوالدين والاقربين فعمل بها ما كان العمل بها صلاحا وحكمة ثم نسختها آية المواريث فى سورة النساء فالآن لا يجب على احد ان يوصى لاحد قريب ولا بعيد واذا اوصى فله ان يوصى لكل من الاقارب والاباعد الا للوارث {حقا} اى احق هذه الوصية حقا {على المتقين} المجتنبين عن ضياع المال وحرمان القريب يعنى ان كنتم متقين بالله لا تتركوا العمل بهذا. قال ابن الشيخ فى حواشيه فان قيل قوله على المتقين يقتضى ان يكون هذا التكليف مختصا بالمتقين وقد دل الاجماع على ان الواجبات والتكاليف عامة فى حق المتقين وغيره اجيب بان المراد بقوله حقا على المتقين انه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقا له ومذهبا فيدخل فيه الكل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذا حضر} ظرف، العامل فيه: {كتب}، أي: توجَّهَ إيجابُ الوصية عليكم إذا حضر الموت. أو مصدر محذوف يفهم من الوصية، أي: كتب عليكم الإيصاء إذا حضر الموت، و {الوصية} نائب فاعل {كتب}، ولا يصح أن تعمل في {إذا}؛ لتقدمه عليها؛ لأن المصدر لا يعمل في ما قبله، إلا على مذهب الأخفش. اللهم إلا أن يُتوسع في الظروف، وجواب الشرطين محذوف، أي: إذا حضر الموت، إن ترك خيراً، فقد كُتبت عليه الوصية. والجنَف: الميل عن الصواب، فإن كان خطأ فهو جَنَفٌ بلا إثم، وإن كان عمداً فهو جنَف إثم. يقول الحقّ جلّ جلاله: كتب الله {عليكم} أن تُوصوا للوالدين والأقربين {إذا حضر أحَدكم الموتُ إن ترك} المستحضر {خيراً} أي: مالاً: قال سيّدنا عليّ - كرّم الله وجهه -: (ألف درهم فصاعداً، فلا وصية في أقل). وقال النخعي: (خمسمائة درهم لا أقل). وقال الزُّهْرِي: (تجب فيما قلّ وكَثُر)، وعن عائشة - رضي الله عنها -: (أن رجلاً أراد أن يوصي، فسألته: كم مالُك؟ فقال: ثلاثة آلاف. فقالت: كم عِيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: لا، إنما قال الله تعالى {إن ترك خيراً} وإن هذا لَشيء يسير، فاتركْه لعيالك). وتكون تلك الوصية {بالمعروف}، أي: بالعدل، فلا يُفضل الذكور، ولا يتجاوز الثلث. فقد حَقَّ الله ذلك {حقّاً} واجباً {على المتقين} ، فمَن غيَّره من الأوصياء أو الشهود {بعدما سمعه} وعلمه، {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} من الأوصياء أو الشهود، لأنه هو الذي خالف الشرع وغيَّر دون الميت، {إن الله سميع عليم} فلا يخفى عليه مَنْ بدَّل أو غيَّر، فهو حسيبُه ومُعاقبه، {فمن خاف} أي: علِم {من مُوص جنفّا} أي: ميلاً بالخطأ في الوصية، {أو إثماً} تعمداً للجنف، {فأصلح} بين المُوصَى لهم وبين الورثة، بأن أجراهم على منهاج الشرع، أو نقص للموصَى لهم، أو زاد لمصلحة رآها {فلا إثم عليه}؛ لأنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى، {إن الله غفور رحيم} فيغفر للمبدِّل لمصلحةٍ ويرحمه. وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين: مُحْكَمة في الأقربين غير الوارثين، بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحيدث المشهور:"حديث : إنَّ اللّهَ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فلا وَصِيَّةَ لِوَارثٍ"تفسير : . فإذا كان الوالدان غيرَ وارثيْن كالكافرَيْن أو العبدَيْن فهي مُحْكَمة، والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطَرَات، وصان سرّه من الغَفَلات - وأعظمُ الشهوات حبُّ الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السُّفْليات حتى حَضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يُفيد تلك العلوم، أو يوصي مَنْ يقيدها لينتفع بها الوالدن وهما الأشياخ، والأقربن وهم الإخوان. فإن الحكمة تَرِدُ في حال التجلّي كالجبَل، فإن لم يقيدها وأهملها، رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبَيْضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له: (إنْ وَرَدَ عليكم واردٌ فقَيِّدْه وأعطني منه نسخة). وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فَمنْ قَيَّدَ وارداً أو سمعه من غيره، فلا يُغيرْه بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصاً أو ميلاً عن منهاج الطريقة والحقيقة، فأصلحه، فلا إثم عليه، {إن الله غفور رحيم} ولما ذكر في الآية المتقدمة قاعدتين من قواعد الإسلام في قوله: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة}، بعد أن ذكر قواعد الإيمان، ذكر القاعدة الثالثة، وهي الصيام
الطوسي
تفسير : المعنى: هذا ابتداء قصة، ولا بد فيه من واو العطف، بان يقال: وكتب، لأنه حذف اختصاراً وقد بينا فيما مضى: أن معنى كتب فرض. وها هنا معناه الحث والترغيب دون الفرض، والايجاب. وفي الآية دلالة على أن الوصية جائزة للوارث، لأنه قال الوالدين، والاقربين. والوالدان وارثان بلا خلاف إذا كانا مسلمين حرّين غير قاتلين. ومن خص الآية بالكافرين، فقد قال: قولا بلا دليل، ومن ادعى نسخ الآية فهو مدع لذلك، ولا يسلم له نسخها. وبمثل ما قلناه قال محمد بن جرير الطبري سواء، فان ادعوا الاجماع على نسخها، كان ذلك دعوى باطلة ونحن نخالف في ذلك. وقد خالف في نسخ الآية طاووس، فانه خصها بالكافرين، لمكان الخبر ولم يحملها على النسخ. وقد قال أبو مسلم محمد بن بحر: إن هذه الآية مجملة، وآية المواريث مفصلة، وليست نسخاً، فمع هذا الخلاف كيف يدعى الاجماع على نسخها. ومن ادعى نسخها، لقوله (ع): لا وصية لوارث، فقد أبعد، لأن هذا اولا خبر واحد لا يجوز نسخ القرآن به إجماعاً. وعندنا لا يجوز العمل به في تخصيص عموم القرآن. وادعاؤهم أن الأمة أجمعت على الخبر دعوى عارية من برهان. ولو سلمنا الخبر جاز أن نحمله على أنه لا وصية لوارث فيما زاد على الثلث، لأنا لو خلينا وظاهر الآية لأجزنا الوصية بجميع ما يملك للوالدين والاقربين، لكن خص ما زاد على الثلث لمكان الاجماع. فأما من قال: إن الآية منسوخة بآية الميراث فقوله بعيد عن الصواب. لأن الشيء إنما ينسخ غيره: إذا لم يمكن الجمع بينهما، فأما اذا لم يكن بينهما تناف ولا تضاد بل أمكن الجمع بينهما، فلا يجب حمل الآية على النسخ، ولا تنافي بين ذكر ما فرض الله للوالدين وغيرهم من الميراث، وبين الامر بالوصية لهم على جهة الخصوص، فلم يجب حمل الآية على النسخ. وقول من قال: حصول الاجماع على أن الوصية ليست فرضاً يدل على أنها منسوخة باطل، لأن إجماعهم على أنها لا تفيد الفرض، لا يمتنع من كونها مندوباً إليها ومرغبّاً فيها، ولأجل ذلك كانت الوصية للوالدين، والاقربين الذين ليسوا بوارث ثابتة بالآية ولم يقل أحد أنها منسوخة في خبرهم. ومن قال: إن النسخ من الآية ما يتعلق بالوالدين، وهو قول الحسن والضحاك، فقد قال قولا ينافي ما قاله مدعي نسخ الآية - على كل حال - ومع ذلك فليس الأمر على ما قال، لأنه لا دليل على دعواه. وقال طاووس: إذا وصى لغير ذي قرابة لم تجز وصيته. وقال الحسن: ليست الوصية إلا للأقربين وهذا الذي قالاه عندنا وإن كان غير صحيح، فهو مبطل قول من يدعي نسخ الآية. وإنما قلنا أنه ليس بصحيح، لأن الوصية لغير الوالدين، والأقربين عندنا جائزة. ولا خلاف بين الفقهاء في جوازها. والوصية لا تجوز بأكثر من الثلث إجماعاً، والأفضل أن يكون بأقل من الثلث، لقوله (ع) والثلث كثير، وأحق من وصي له من كان أقرب الى الميت إذا كانوا فقراء - بلا خلاف - وإن كانوا أغنياء، فقال الحسن وعمرو بن عبيد: هم أحق بها. وقال ابن مسعود، وواصل ألأحقّ بها الأجوع، فالأجوع من القرابة. وقوله تعالى: {إن ترك خيراً} يعنى مالا. واختلفوا في مقداره الذي يجب الوصية عنده، فقال الزهري: كلما وقع عليه اسم مال من قليل أو كثير. وقال ابراهيم النخعي: الف درهم الى خمسمائة. وروي عن علي (ع) أنه دخل على مولى لهم في مرضه، وله سبع مائه درهم أو ستمائة، فقال: ألا أوصي، فقال: لا إنما قال الله تعالى: {إن ترك خيراً} وليس لك كبير مال. وبهذا نأخذ، لأن قوله حجة عندنا. الاعراب: والوصية في الآية مرفوعة بأحد أمرين: أحدهما - بـ (كتب)، لأنه لم يسم فاعله الثاني - أن يكون العامل فيه الابتداء. وخبره للوالدين، والجملة في موضع رفع على الحكاية بمنزلة قيل لكم: الوصية للوالدين. وقيل في إعراب (إذا) والعامل فيه قولان: أحدهما - كتب على معنى اذا حضر أحدكم الموت أي عند المرض. والوجه الآخر قال الزجاج، لأنه رغب في حال صحته أن يوصي، فتقديره كتب عليكم الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف في حال الصحة قائلين: اذا حضرنا الموت فلفلان كذا. المعنى: المعروف هو العدل الذي لا يجوز أن ينكر ولا حيف فيه ولا جور والحضور وجود الشيء بحيث يمكن أن يدرك. وليس معناه في الآية اذا حضره الموت أي إذا عاين الموت، لأنه في تلك الحال في شغل عن الوصية. لكن المعنى كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الانسان: إذا حضرني الموت أي اذا أنامت، فلفلان كذا. والحق هو الفعل الذي لا يجوز إنكاره وقيل ما علم صحته سواء كان قولا أو فعلا أو اعتقاداً وهو مصدر حقّ يحق حقاً وانتصب في الآية على المصدر وتقديره أحق حقاً وقد استعمل على وجه الصفة،, بمعنى ذي الحق، كما وصف بالعدل {على المتقين} معناه على الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أوامره.
الجنابذي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} استئناف لاظهار حكم آخر غير مرتبطٍ بسابقه ولذا قطعه عن سابقه، وعامل اذا فعل الشّرط كما هو قول المحقّقين فى جميع موارد اذا لا كتب كما قيل؛ لأنّه للماضى واذا للمستقبل، ولا الوصيّة لعدم جواز تقدّم معمول المصدر المعرّف بالّلام وان كان ظرفاً عليه، وجوابه محذوف وهو جملة معترضة بين الفعل ومرفوعه اى {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} فليوص، او جوابه قوله تعالى {إِن تَرَكَ خَيْراً} على القول بعدم لزوم الفاء فى جواب اذا، او جوابه قوله تعالى {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} على هذا القول، وعلى هذا فجملة {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} نائب فاعل كتب لانّ فيه معنى القول وجملة ان ترك خيراً معترضة كما كانت معترضة على تقدير حذف جواب اذا؛ والمراد بالخير امّا مطلق المال او المال الكثير كما نسب الى امير المؤمنين (ع) انّه دخل على مولىً له فى مرضه وله سبعمائة درهم او ستّمائة فقال: الا اوصى؟ - قال: لا انّما قال الله تعالى ان ترك خيراً وليس لك كثير مالٍ وروى هذا الخبر وغيره بهذا المضمون عن طريق العامّة أيضاً، والوصيّة نائب فاعل لكتب وتذكير الفعل لكون الوصيّة مؤنّثاً مجازيّاً، ويجوز ان يكون الوصيّة مبتدأً وللوالدين خبره والجملة نائب فاعل كتب {وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ} بوصيّة يعرفها العقل والعرف حسناً فانّ المعروف صار اسماً لما استحسنه العرف يعنى بوصيّةٍ لا يكون فيها حيفٌ واضرار بالوارث مثل ان كان له كثير مالٍ يستغنى وارثه ببعضه ويكون الوالدان والاقربون محتاجين ويوصى لهم بما لا يحوج الوارث {حَقّاً} حقّ حقّاً مفعول مطلق مؤكّد لنفسه ان جعل مؤكّداً لمضمون كتب، ومؤكّد لغيره ان جعل مؤكّداً لمضمون الوصيّة للوالدين {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} بدل من عليكم او متعلّق بحقّاً وعلى اىّ تقدير فهو تنبيه على انّ المنظور فى تشريع الاحكام اولو الالباب وهم المؤمنون المبائعون بالبيعة الخاصّة وأمّا غيرهم فلا نظر اليهم فى شيءٍ من أحكام البشر ومنافعه وايجاد الاشياء لاجله الاّ تبعاً، وما ورد فى الاخبار من نسخ هذه الآية بآية المواريث يدلّ على أنّه كان المقصود من الكتب الفرض وأنّ المنسوخ هو الوجوب لا الجواز والاّ ففى آية المواريث ذكر من بعد وصيّةٍ وهو يؤكّد ثبوت الوصيّة لا أنّها تنسخها، ونسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قال: من لم يوص عند موته لذوى قرابته ممّن لا يرث فقد ختم عمله بمعصيةٍ، ونسب الى الصّادق (ع) انّه شيءٌ جعله الله تعالى لصاحب هذا الامر قيل: هل لذلك حدّ؟ - قال: ادنى ما يكون ثلث الثّلث، وعنه (ع) انّه حقّ جعله الله تعالى فى أموال النّاس لصاحب هذا الامر قيل: لذلك حدّ محدودٌ؟ - قال: نعم، قيل: كم؟ - قال: أدناه السّدس وأكثره الثّلث.
اطفيش
تفسير : {كُتِبَ}: فرض. {عليكم إذا حضر أحدَكُم الموتُ}: أى حضرته أسباب الموت ودلائله من الأمراض المخوفة والعلل المهلكة، وليس المراد معانيه الموت لأنهُ يعجز فى ذلك الوقت عن الإيصاء، وإنما قال كتب ولم يقل كتبت بتاء التأنيث مع أن نائب الفاعل مؤنث، وهو قوله: {الوصية} لأنهُ ظاهر مجازى التأنيث، فجاز تذكير فعله كما تقول طلع الشمس وطلعت الشمس، وحسن ذلك أن الوصية مؤولة بالإيصاء، كما يدل عليه رد الضمير إليها مذكراً فى قوله: {فمن بدله} على أحد أوجه تأتى إن شاء الله، وحسنه أيضا الفصل بين كتب والوصية، والفصل يسيغ التذكير ولو كان التأنيث حقيقاً، وجواب إذا محذوف دل عليهِ كتب ولا يشكل على ذلك أن الكتابة أزلية لا متقيدة بزمان حضور الموت، لأنا نقول كما فرض الله جل وعلا ذلك فى الأزل فرضه وقت حضوره، فهذا إيجاب آخر مطابق للأزلى، وإن شئت فقل عبر بالفرض الأزلى وأراد لازمه ومسببه وهما الوجوب، ولكن هذا يشكل عليه أن الوجوب أزلى أيضاً، يحتاج إلى الجواب بأنه إيجاب آخر مطابق للأزلى، فالوجه الأول أولى، وأما جواب أن فمحذوف أيضاً مدلول عليهِ بإذا وشرطها وجوابها المقدر، أى إن ترك خيراً فإذا حضره الموت كتبت عليهِ أعنى الوصية، لأنها فى نية التقديم على إذا وإن. وإن قلت: كيف تقول ذلك وترك الخير بعد حضور الموت وبعد الموت؟ قلت: المعنى أنه قرب ترك الخير وشارفه وهو وقت أوسع من وقت حضور الموت شامل له، ويجوز أن يكون نائب الفاعل هو قوله عليكم فوجب ألا يقرن الفعل بالفاء، فحينئذ يكون الكلام فى جواب إذا وإن كما مر. والوصية نائب لمحذوف جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ما المكتوب أو ما كتب على أحدنا إذا حضره الموت؟ فقال: كتبت الوصية أو خبر لمحذوف كذلك كأنه قيل ما المكتوب عليه؟ فقيل: الوصية، أى المكتوب الوصية، ويضعف أن يقال الوصية متبدأ و للوالدين خبر، والجملة جواب إن حذفت منه الفاء، لأن حذفها قليل مع غير القول، وإنما يكثر فى الضرورة كقول حسان: شعر : من يفعل الحسنات لله يشكرها تفسير : مع أنهُ روى من يفعل الخير فالرحمن يشكره، وجعل جواب إن كما مر، والوصية للوالدين مبتدأ وخبر استئناف للبيان أولى من ادعاء حذف الفاء، والأولى غير هذين الوجهين، فيعلق للوالدين بالوصية أو بكتب وإن خرجت إذا عن الشرط تعلقت بكتب ولم يقدر لها جواب، وكان دليل جواب إن هو قوله {كتب}.. إلخ. {إن تَركَ خيراً}: أى مالاً كثيراً، روى أن علياً كان له بعد أعتقه وأرد أن يوصى وله سبعمائة درهم فمنعه وقال: قال الله تعالى: {إن ترك خيراً}، والخير هو المال الكثير، وأراد رجل أن يوصى فسألته عائشة: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف يعنى ثلاثة آلاف درهم. فقالت رضى الله عنها كم عيالك؟ فقال: أربعة. فقالت: رضى الله عنها: إنما قال الله تعالى: {إن ترك خيراً}، وإن هذا لشئ يسير فاتركه لعيالك. وأراد آخر الوصية وله عيال وأربعمائة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلا. وفى النيل قال ثلاثون ألف درهم. فقالت: كم عيالك؟ قال أربعة. قالت: يسير فاتركه لعيالك، وقيل الخير هنا ألف درهم فصاعدا، وقيل سبعمائة درهم فصاعدا، وقيل ستون دينار فصاعدا، وقيل خمسمائة دينار فصاعدا، وقيل الكثير الفاضل عن العيال كما يفيده كلام عائشة، وتلك أقوال الجمهور، ومنهم على كما مر قوله. وروى عنه أيضا أنه دخل على رجل من قومه يعوده فى مرضه، فأراد أن يوصى فقال له على: إنما قال تبارك وتعالى: {إن ترك خيراً} وأنت مقل لا مال لك. وقال أصحابنا: الخير المال القليل والكثير، وهو قول الزهرى، وتجب الوصية بحسب تلك الأقوال. فعندنا الآية منسوخة بآية الإرث إلا وصية الأقرب الذى ليس بوارث فغير منسوخة، فتجب عندنا وصية الأقرب على من له مال قليل أو كثير، وقال بعض قومنا نجب إن ترك كثيراً على الخلاف المذكور فى الكثير، وقال جمهورهم نسخ وجوب وصية الأقرب، وبقى ندبها على من ترك خيراً كثيرا. {الوَصيَّةُ للْوالِدينِ والأقْربينَ}: ولكن يقول أوصيت لأقربى أو لأقاربى، أو للأقرب إلى أو منى أو للأقارب منى وإلى نحو ذلك مما هو نص فى أن القرابة منتسبة إليه، وإن قال للأقرب أو للأقارب جاز عندى للعلم بأن مراده قرابته، قال فى الإيضاح وفى الأثر: وقد اتفق علماؤنا رحمهم الله أن من قال: قد أوصيت لقرابتى أنها وصية صحيحة، وإذا قال للأقربين فعند بعض أنها ضعيفة انتهى. والآية أوجبت الوصية للأقربين، فيتعمد الموصى اللفظ التى هو أقرب فى امتثال الآية. قال فى الإيضاح: ولما بين الله عز وجل فى سورة النساء ميراث الولديْن كانت وصيتهما منسوخة، وثبتت وصية الأقربين على حالها، ومن مات ولم يوص بها فقد روى عن ابن عباس أى والضحاك بن مزاحم أنهُ قال: من مات ولم يوص فقد ختم عمله بمعصية. وفى الأثر: لا يقال ختم بمعصية إلا فيمن مات على كبيرة، فالمنسوخ من الآية وصية الوالديْن ووصية الأقربين الذين يرثون، وبقيت وصية الأقربين الذين لا يرثون، وذلك قول ابن عباس والحسن البصرى وقتادة، وزعم بعض عن ابن عباس والضحاك أنهما قالا: إن الوصية للأقربين غير الوالدين واجبة ولو كانوا ورثة وهو خطأ فى الرواية، وقال جمهور الصحابة والامة: إن وصية الأقربين الذين لا يرثون منسوخة أيضا من حيث الوجوب، فكانت مندوباً إليها وذلك قول الحجازيين والبصريين والكوفيين، وعن ابن عباس رضى الله عنهما والحسن ومسروق وطاووس وقتادة والضحاك ومسلم بن يسار أن وصية من لا يرث من الوالدين والأقربين باقية الوجوب، ووصية من يرث منهم منسوخة الوجوب، لأن النسخ بآية الإرث، فمن لا يرث وحيث له فمن ترك والداً مشركاً أو أماً مشركة أو أقرب مشركا أوصى له، لأن المشرك لا يرث الموحد، وقيل لا تثبت الوصية لمشرك، وكذا اختلف فى القتل هل يبطل الوصية إن كانت ويبطل وجوبها على من كان محتضراً به؟ فقيل نعم كالإرث، وقيل لا وكذا الوالد العبد والأم الأمة والأقرب الرق، وقيل كانت الجاهلية يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف والرياء، ويتركون الأقربين فقراء، فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث، وبما روى عن عمرو بن خارجة أنه قال: حديث : كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فسمعته يقول: "إن الله أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث" تفسير : أخرجه النسائى والترمذى بنحوه، قال الترمذى حديث حسن، ورواه الربيع على شرطه حسنا صحيحا عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رحمهم الله بلفظ: "حديث : لا وصية لوارث" تفسير : وتقدم الخلاف فى نسخ القرآن بالحديث صحح بعض أنه ينسخ به وإن لم يتواتر، واختار الزمخشرى والقاضى أنه لا ينسخ بالحديث إلا إن تواتر إلا أن الزمخشرى قال نسخت الآية بالمواريث وبالحديث المذكور، لأنه وإن كان للآحاد لكن تلقى الأمة له بالقبول يلحقه بالمتواتر، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذى صحت روايته، وقال القاضى تلقيه بالقبول لا يحلقه بالمتواتر فلا تنسخ الآية به، وقال إن آية المواريث لا تعارض هذه الآية، بل تؤكدها لدلالتها على تقديم الوصية مطلقا. وقال الشافعى: هذا الحديث متواتر، قال وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازى من قريش وغيرهم لا يختلفون عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال عام الفتح: "حديث : لا وصية لوارث" تفسير : ويؤثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم، وكان نقل كافة عن كافة هو أقوى من نقل واحد، والمشهور أن هذا الحديث غير متواتر وعليهِ الفخر الرازى، ومشهور الشافعى أن القرآن لا ينسخ بالسنة وقال ابن حجر: الحجة فى ذلك هى الإجماع على مقتضى هذا الحديث كما صرح به الشافعى وغيره، فقد تقرر أن هذه الآية منسوخة بآية الإرث، عند بعض وبها مع الحديث المذكور عن بعض، وبما دل عليهِ الإجماع عند بعض، وإن لم يتعين دليله، وقيل إن هذه الآية غير منسوخة، وإنهم كانوا مكلفين بالوصية فى هذه الآية لمن ذكر فى آية المواريث بمقدار الفريقضة التى علم الله قبل أن ينزل أية المواريث، وبهذا قال ابن شريح: وهو قول غريب، وأنكر عليهِ إمام الحرمين إنكارا شديداً، وقيل هذه الآية هى نفس آية الإرث لا نسخ فيها، والمعنى كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين من قوله: {أية : يوصيكم الله فى أولادكم} تفسير : أو كتب على المحتضر أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم وألا ينقص من أنصبائهم، وزعم بعضهم أيضاً أنها لم تنسخ وأن الوارث يجمع له بين الوصية والإرث بحكم الآيتين، ويرده حديث "حديث : لا وصية لوارث " تفسير : {بالمعْروفِ}: بالعدل وهو ألا يزيد على الثلث، ولا يفضل الغنى، وكان من عادة الجاهلية تفضيل الغنى فى وصاياهم، لأنهم يوصون للفخر فكانوا أيضا يجاوزون الثلث، وكانوا يتركون الفقراء. {حقًّا على المتَّقِين}: الله أى الخائفين، أو المتقى الشرك أو على كاسبى الوقاية من النار، ونصب حقاً على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، أى حق ذلك حقاً، وهذا على توجيه الخطاب فى قوله: {كتب عليكم} للمتقين فلا يزيد قوله: {على المتَّقين} على قوله {عليكم} وحكم غير المتقين حكمهم لكن خصوا لمزيتهم بالتأثر بكلام الله وامتثالهم، وإن كان الخطاب على العموم كما يتبادر، فلا يكون حقا مصدراً لمؤكدا، لأنه قدر راد بمتعلقه الذى هو على المتقين إن علق به، وبنعته إن علق بمحذوف نعت له وأما ما قيل هنا من أن المصدر الذى لا ينحل إلى فعل وحرف مصدر لا يعمل فلا يصح، لأن عمله فى المجرور والظرف جائز لأنه تكفيهما رائحة الفعل، ويجوز أن يكون حقاً وصفاً لا مصدراً، فهو نعت لمصدر محذوف، أى كتب عليكم كتبا حقا أو الوصية للوالدين والأقربين أيصاء حقا، لأن الوصية بمعنى الإيصاء، وأجاز بعض أن يكون حالا من مصدر محذوف معرف، أى كتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين الكتب حقا، أو الوصية للوالدين والأقربين الإيصاء حقا، ويجوز أن يكون حقا حالا من المعروف، أى بالمعروف حال كونه حقا على المتقين، وذلك المعروف الذى هو حق ما تقدم من العدل للفقير والغنى، وعدم مجاوزة الثلث. روى البخارى ومسلم عن سعد ابن أبى وقاص قال: حديث : جاءنى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعودنى عام حجدة ا لوداع من وجع اشتد بى، فقلت يا رسول الله إنه قد بلغ بى من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثنى إلا ابنة لى فأتصدق بثلثى مالى؟ قال: لا. قلت: فالشطر يا رسول الله، لا. قلت: فالثلث. قال: "الثلث والثلث كثير، وقال: "الثلث خير كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" تفسير : أى يطلبونهم بأكفتهم والعالة الفقراء، وكذا رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد، عن سعد بن أبى وقاص بلاغا، وزاد: حديث : وإنك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل فى إمرأتك، فقال: يا رسول الله أتخلف بعد أصحابى. فقال: "إنك إن تخلفت فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك إن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم امض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم"،تفسير : ولكن اليائس الفقير سعد بن خلوة يربى لهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مات بمكة، قال الربيع معنى ينتفع بك إلى آخره، أنهُ لما أمر سعد على العراق قتل قوما على الردة فصبرهم، واستتاب آخرين فتابوا وانتفعوا، وكانوا مع مسيلمة يسجعون سجعه، والصبر القتل بعد القبض عليه. ومعنى قولُ فى سعد بن خولة أنهُ لما هاجر الناس من مكة إلى المدينة أبى أن يهاجر فمات فترك فرض الله فى الهجرة، ومن ترك الفرض فهو فاسق ضال. وروى البخارى ومسلم عن أبن عباس فى الوصية: لو أن الناس أعطوا من الثلث إلى الربع فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال لسعد: "والثلث كثير " وقال على، لأن أوصى بالخمس أحب إلى من أن أوصى بالربع، وأن أوصى بالربع خير من أو أوصى بالثلث، فمن أوصى بالثلث فلم يترك، وقيل يوصى بالسدس والخمس أو الربع، الجواز بالثلث لحديث: "حديث : إن الله جل جلاله تفضل على هذه الأمة بثلث أموالهم بعد موتهم، وبالصلاة على موتاهم"، تفسير : وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران فى الوصية فتجب لهما النار"، تفسير : ثم قال أبو هريرة: {من بعد وصية يوصى بها أو دين}، إلى قوله: {ذلك الفوز العظيم} أخرجه أبو داود والترمذى والمضارة فى الوصية ألا يعدل فيها وأن يحيف أو يركن أو يكذب فيها، بأن يقول مثلا أقررت لهُ بكذا من أجل ماله أو دمه، ولبس كذلك ليثبت الوصية للوارث، أو ليثبت لغيره أكثر من الثلث، وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما حق امرئ له شئ يوصى فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"،تفسير : وفى رواية: "حديث : له شئ يريد أن يوصى فيه" تفسير : وفى رواية "حديث : ثلاث ليال" تفسير : وفى رواية "حديث : عند رأسه". تفسير : قال أبو عبيدة عن جابر عن أبى سعيد الخدرى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحل لامرئ مسلم له شئ يوصى أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" تفسير : وأكثر الروايات ليلتين، وفى رواية ليلة أو ليلتين، واختلاف الرواية دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى لا يمضى عليه ولو ساعة، قيل فى ذكر الثلاث تلويح بأنه قد سومح إلى الثلاث، فلا ينبغى أن يتجاوزها. قال نافع: سمعت عبدالله بن عمر يقول: ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتى مكتوبة عندى، وذلك حث على الوجوب والعجلة إذ لا يدرى متى يأتيه الأجل.
اطفيش
تفسير : {كُتِبَ} نائب فاعله الوصية، وذكر للفصل، ولمعنى لإيصاء، كما قال السعد: الأصل التأنيث، ولو كان غير حقيقى، ويختار إلا لداع، كالفصل فى غير الحقيقى هنا، قال الرضى، زاعماً أن ذلك لإظهار فضل الحقيقى على غيره، وهو تعليل لا يرضى، كيف يقال اختار الله عز وجل التذكير ليعلمنا بفضل الحقيقى على المجازى {عَليْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أى أسبابه بحسب الظن، وإلا فلا يدرى أحد أنه يموت فى ذلك الوقت ولو اشتد ضره {إِنْ تَرَكَ خَيْراً} مالا قليلاً أو كثيراً، بأن يكون له ربع دينار زيادة على ديون الخالق، والمخلوق، والأنسب أنه إن قل ماله عن ذلك أوصى ولو بأقل من ربع دينا، وذكره بلفظ خير تلويحا بأن الوصية من طيب المال حلالا وجودة، ويجزى ما دون الجيد إلا أنه لا يحسن، وقد استعمل الخير فى المال مطلقا، كقوله تعالى:{أية : وَإِنه لحب الخير لشديد} تفسير : [العاديات: 8] وفى المال الحلال كقوله تعالى: {أية : وَمَا تُنْفِقُوا مِن خير} تفسير : [البقرة: 272، 273]، وقالت عائشة وعلى: الخير المال الكثير، والكثرة والقلة بالنسبة إلى الموصى وحاله، رجلاً أو امرأة، ككثرة حاجاته، وكثرة الوارثين، أراد رجل أن يوصى فسألته كم مالك؟ فقال ثلاثة آلاف درهم؟ فقالت: كم عيالك؟ فقال أربعة فقالت إنما قال الله إن ترك خيراً، وأن هذا يسير فأتركه لعيالك، ولا شك أنه كثير فى نفسه، لكن قلته بالنسبة لعياله، وكذا سأل عليا مولى له الوصية عند احتضاره، وله سبعمائة درهم، قيل أو ستمائه فمنعه لكونه ذا عيال، وقال إن الله تعالى قال، {إن ترك خيراً}، والخير هو المال الكثير، ولا شك أن سبعمائة درهم كثير فى ذاتها إلا أنها قليل بالنسبة، وعن ابن عباس من لم يترك ستمائة دينار لم يترك خيراً، أو الخير فى العرف العام المال الكثير، كما لا يقال ذو مال إلا إن كان كثيراً، وإن أوصى من قبل وعند حضور الموت نقص عما تجب الوصية معه فله إسقاط ما أوصى به للأقرب، والتقييد بالقلة والكثرة إنما هو بالنظر إلى وصية الأقرب الباقية بلا نسخ {الْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} كالإخوة والأخوات، والأعمام، والأجداد والجدات، والأخوال ثم نسخ بآية الإرث، وحديث لا وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة، قال فى حجة الوداع إذ خطب فيها، إن الله تعال قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث، وروى أنه خطب على راحلته وقال: إن الله تعالى قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية، ولا عبرة بإجازة الورثة إذا كان ما أوصى به لوارث لا يرجع إليهم إن ردوه كالوصية لوارث بالكفارة أو بشاة الأعضاء أو نحو ذلك، وإن كان فيه عمل كالحج والقراءة فى موضع فقد يجوز، ومن وقف مع الحديث عموما منعه، وإن أوصى لوارث بحق له عليه جاز إجماعا مع انتفاء الريبة، مثل أن يوصى بأرش ضربة ضربه إياها، أو بمال له أكله منه بلا رضى، وخرج من الكل على أنه متواتر، وإلا فالناسخ آيات الإرث، والحديث مبين للنسخ بهن، وبقيت الوصية للأقارب الذين لا يرثون من جهة الأب ومن جهة الأم على ترتيب فذكره فى الفقه، قيل المراد بالأقارب ما يشتمل المشركين، تأليفا للناس ورعاية لحق القرابة أول الإسلام، ولما كثير الإسلام شرع الإرث ونسخ الوصية للوارث، وثبت أن الكافر لا يرث الموحد أو هذه الآية هى الميراث بحسب ما يريد الموصى، ثم نسخ رد التفصيل إليه بالتفصيل فى آيات الإرث {بِالْمَعْرُوفِ} بأن ينوى إنقاذ حكم الله والتقرب إلى الله، لا الحمية، أو الفخر أو الرياء، أو غرضا من أغرضا الدنيا، وبأن يكون من الثلث، ولا يفضل الغنى لغناه، وله تفضيل الفقير، وأن لا يكون فوق الثلث، هذا الأخير، على أن هذه الآية لم تنسخ بالإرث، بل بينتها آية الإرث، وبقيت وصية الأقرب غير الوارث، وأن يكون جزاء على معصية {حَقّاً} حق ذلك حقا، ولا شك أن ما كتبه الله على العباد حق، فهو مصدر مؤكد للجملة {عَلَى المُتَّقِينَ}.
الالوسي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} بيان حكم آخر من الأحكام المذكورة، وفصله عما سبق للدلالة على كونه حكماً مستقلاً ـ كما فصل اللاحق لذلك ـ ولم يصدره بيا أيها الذين آمنوا لقرب العهد بالتنبيه مع ملابسته بالسابق في كون كل منهما متعلقاً بالأموات، أو لأنه لما لم يكن شاقاً لم يصدره كما صدر الشاق تنشيطاً لفعله، والمراد من ـ حضور الموت ـ حضور أسبابه، وظهور أماراته من العلل والأمراض المخوفة، أو حضوره نفسه ودنوه، وتقديم المفعول لإفادة كمال تمكن الفعل عند النفس وقت وروده عليها. {إِن تَرَكَ خَيْرًا} أي مالاً ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه ومجاهد ـ وقيده بعضهم بكونه كثيراً إذ لا يقال في العرف للمال خيراً إلا إذا كان كثيراً، كما لا يقال: فلان ذو مال إلا إذا كان له مال كثير، ويؤيده ما أخرجه البيهقي وجماعة ـ عن عروة ـ أن علياً كرم الله تعالى وجهه دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم، فقال: ألا أوصي؟ قال: لا إنما قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك. وما أخرجه ابن أبـي شيبة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلاً قال لها: أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل، والظاهر من هذا أن الكثرة غير مقدرة بمقدار، بل تختلف باختلاف حال الرجل فإنه بمقدار من المال يوصف رجل بالغنى ولا يوصف به غيره لكثرة العيال. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تقديرها، فقد أخرج عبد بن حميد عنه: «من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً» ومذهب الزهري أن الوصية مشروعة مما قل أو كثر، ـ فالخير ـ عنده المال مطلقاً ـ وهو أحد إطلاقاته ـ ولعل اختياره إيذاناً بأنه ينبغي أن يكون الموصي به حلالاً طيباً لا خبيثاً لأن الخبيث يجب رده إلى أربابه ويأثم بالوصية فيه. {ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} مرفوع بكتب وفي الرضي إذا كان الظاهر غير حقيقي التأنيث منفصلاً فترك/ العلامة أحسن إظهار الفضل الحقيقي على غيره ـ ولهذا اختير هنا تذكير الفعل ـ والوصية اسم من أوصى يوصي، وفي «القاموس» ((أوصاه وصاه توصية عهد إليه والاسم [الوصاية و] الوصاية والوصية وهي الموصى به أيضاً)) والجار متعلق بها فلا بد من تأويلها بأن مع الفعل عند الجمهور، أو بالمصدر بناءاً على تحقيق الرضي من أن عمل المصدر لا يتوقف على تأويله، وهو الراجح ولذلك ذكر الراجع في بدله، وجوز أن يكون النائب عليكم و (الوصية) خبر مبتدأ كأنه قيل: ما المكتوب؟ فقيل: هو الوصية، وجواب الشرط محذوف دل عليه {كُتِبَ عَلَيْكُمْ}، وقيل: مبتدأ خبره {لِلْوٰلِدَيْنِ} والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء لأن الاسمية إذا كانت جزاء لا بد فيها منها، والجملة الشرطية مرفوعة بكتب أو (عليكم) وحده، والجملة استئنافية ورد بأن إضمار الفاء غير صحيح لا يجترىء عليه إلا في ضرورة الشعر كما قال الخليل، والعامل في (إذا) معنى (كتب) والظرف قيد للإيجاب من حيث الحدوث والوقوع، والمعنى توجه خطاب الله تعالى (عليكم) ومقتضى كتابته (إذا حضر) وغير إلى ما ترى لينظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل، وجوز أن يكون العامل الوصية، وهي وإن كانت اسماً إلا أنها مؤولة بالمصدر أو بأن والفعل، والظرف مما يكفيه رائحة الفعل لأن له شأناً ليس لغيره لتنزيله من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيه، وعدم انفكاكه عنه، ولهذا توسع في الظروف ما لم يتوسع في غيرها، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أوّل به، وقد كثر تقديم معمول المصدر عليه في الكلام، والتقدير تكلف، ولا يرد على التقديرين أن الوصية واجبة على ـ من حضره الموت ـ لا على جميع المؤمنين عند حضور أحدهم الموت لأن {أَحَدَكُمُ} يفيد العموم على سبيل البدل فمعنى {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ} إذا حضر واحداً بعد واحد، وإنما زيد لفظ ـ أحد ـ للتنصيص على كونها فرض عين لا كفاية كما في {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى }تفسير : [البقرة: 178] والقول بأن الوصية لم تفرض على من ـ حضره الموت ـ فقط بل عليه بأن يوصي، وعلى الغير بأن يحفظ ولا يبدل، ولهذا قال: {عَلَيْكُمْ} وقال: {أَحَدَكُمُ} لأن الموت يحضر أحد المخاطبين بالافتراض عليهم ليس بشيء لأن حفظ الوصية إنما يفرض على البعض بعد الوصية لا وقت الاحتضار فكيف يصح أن يقال: فرض عليكم حفظ الوصية إذا حضر أحدكم الموت ولأن إرادة الإيصاء، وحفظه من الوصية تعسف لا يخفى، واختار بعض المحققين أن {إِذَا} شرطية وجواب كل من الشرطين محذوف، والتقدير: إذا حضر أحدكم الموت ـ فليوص إن ترك خيراً ـ فليوص فحذف جواب الشرط الأول لدلالة السياق عليه، وحذف جواب الشرط الثاني لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، والشرط الثاني عند صاحب «التسهيل» مقيد للأول كأنه قيل: إذا حضر أحدكم الموت تاركاً للخير فليوص، ومجموع الشرطين معترض بين {كُتِـٰبَ} وفاعله لبيان كيفية الإيصاء قبل، ولا يخفى أن هذا الوجه مع غنائه عن تكلف تصحيح الظرفية وزيادة لفظ ـ أحد ـ أنسب بالبلاغة القرآنية حيث ورد الحكم أولاً مجملاً ثم مفصلاً ووقع الاعتراض بين الفعل وفاعله للاهتمام ببيان كيفية الوصية الواجبة انتهى، وأنت تعلم ما في ذلك من كثرة الحذف المهونة لما تقدم. ثم إن هذا الحكم كان في بدء الإسلام ثم نسخ بآية المواريث كما قاله ابن عباس وابن عمر وقتادة وشريح ومجاهد وغيرهم وقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن خارجة رضي الله تعالى عنهم أن النبـي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال: «حديث : إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية»تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في «سننه» عن أبـي أمامة الباهلي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يقول: «حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحو ذلك. وهذه الأحاديث لتلقي الأمة لها بالقبول انتظمت في سلك المتواتر/ في صحة النسخ بها عند أئمتنا قدس الله أسرارهم بل قال البعض: إنها من المتواتر وأن التواتر قد يكون بنقل من لا يتصور تواطؤهم على الكذب وقد يكون بفعلهم بأن يكونوا عملوا به من غير نكير منهم على أن النسخ في الحقيقة بآية المواريث والأحاديث مبينة لجهة نسخها، وبين فخر الإسلام ذلك بوجهين: الأول: أنها نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق وقد قال تعالى: {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } تفسير : [النساء: 11] فرتب الميراث على ـ وصية ـ منكرة ـ والوصية ـ الأولى كانت معهودة فلو كانت تلك ـ الوصية ـ باقية لوجب ترتيبه على المعهود فلما لم يترتب عليه ورتب على المطلق دل على نسخ الوصية المقيدة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق كذلك لتغاير المعنيين. والثاني: أن النسخ نوعان، أحدهما: ابتداء بعد انتهاء محض، والثاني: بطريق الحوالة من محل إلى آخر كما في نسخ القبلة، وهذا من قبيل الثاني لأن الله تعالى فرض الإيصاء في الأقربين إلى العباد بشرط أن يراعوا الحدود، ويبينوا حق كل قريب بحسب قرابته، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بالعدل، ثم لما كان الموصي قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي لكل واحد منهم وربما كان يقصد المضارة تولى بنفسه بيان ذلك الحق على وجه تيقن به بأنه الصواب وأن فيه الحكمة البالغة، وقصره على حدود لازمة من السدس والثلث والنصف والثمن لا يمكن تغيرها فتحول من جهة الإيصاء إلى الميراث فقال: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] أي الذي فوض إليكم تولى شأنه بنفسه إذ عجزتم عن مقاديره لجهلكم، ولما بين بنفسه ذلك الحق بعينه انتهى حكم تلك الوصية لحصول المقصود بأقوى الطرق كمن أمره غيره بإعتاق عبده ثم أعتقه بنفسه فإنه بذلك انتهى حكم الوكالة، وإلى ذلك تشير الأحاديث لما أن ـ الفاء ـ تدل على سببية ما قبلها لما بعدها فما قيل: إن من أن آية المواريث لا تعارض هذا الحكم بل تحققه من حيث تدل على تقديم الوصية مطلقاً، والأحاديث من الآحاد وتلقي الأمة لها بالقبول لا تلحقها بالمتواتر، ولعله احترز عن النسخ من فسر الوصية بما أوصى به الله عز وجل رجل من توريث الوالدين والأقربين بقوله سبحانه: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 11] أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله تعالى عليهم على ما فيه بمعزل عن التحقيق وكذا ما قيل: من أن الوصية للوارث كانت واجبة بهذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم فلما نزلت آية المواريث بياناً للأنصباء بلفظ الإيصاء فهم منها بتنبيه النبـي صلى الله عليه وسلم أن المراد منه هذه الوصية التي كانت واجبة كأنه قيل: إن الله تعالى أوصى بنفسه تلك الوصية ولم يفوضها إليكم فقام الميراث مقام الوصية فكان هذا معنى النسخ لا أن فيها دلالة على رفع ذلك الحكم لأن كون آية المواريث رافعة لذلك الحكم مبينة لانتهائه مما لا ينبغي أن يشتبه على أحد، ثم إن القائلين بالنسخ اختلفوا، فمنهم من قال: إن وجوبها صار منسوخاً في حق الأقارب الذين يرثون وبقي في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقربين كأن يكونوا كافرين، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية، ومنهم من قال: إن الوجوب صار منسوخاً في حق الكافة وهي مستحبة في حق الذين لا يرثون وإليه ذهب الأكثرون، واستدل محمد بن الحسن بالآية على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين لعطفه عليه. {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} مصدر مؤكد للحدث الذي دل عليه {كُتِبَ} وعامله إما {كُتِبَ} أو (حق) محذوفاً أي حق ذلك حقاً فهو على طرز قعدت جلوساً، ويحتمل أن يكون مؤكداً لمضمون جملة {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } وإن اعتبر إنشاء فيكون على طرز ـ له عليّ ألف ـ عرفاً، وجعله صفة/ لمصدر محذوف أي إيصاءاً حقاً ليس بشيء وعلى التقديرين {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} صفة له أو متعلق بالفعل المحذوف على المختار، ويجوز أن يتعلق بالمصدر لأن المفعول المطلق يعمل نيابة عن الفعل، والمراد ـ بالمتقين ـ المؤمنون ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن المحافظة على الوصية والقيام بها من شعائر المتقين الخائفين من الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لبيان حكم المال بعد موت صاحبه، فإنه لم يسبق له تشريع ولم يفتتح بــــ {يا أيها الذين آمنوا} لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم، ومناسبة ذكره أنه تغيير لما كانوا عليه في أول الإسلام من بقايا عوائد الجاهلية في أموال الأموات فإنهم كانوا كثيراً ما يمنعون القريب من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض، ولما كان هذا مما يفضي بهم إلى الإحن وبها تختل الحالة الاجتماعية بإلقاء العداوة بين الأقارب كما قال طَرَفة: شعر : وظُلْم ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً على المَرْءِ من وَقْع الحُسَامِ المُهَنَّدِ تفسير : كان تغييرها إلى حال العَدل فيها من أهم مقاصد الإسلام كما بيَّنا تفصيله فيما تقدم في آية: { أية : كتب عليكم القصاص في القتلى } تفسير : [البقرة: 178]. أما مناسبة ذكره عقب حكم القصاص فهو جريان ذكر موت القتيل وموت القاتل قصاصاً. والقول في {كتب} تقدم في الآية السابقة وهو ظاهر في الوجوب قريب من النص فيه. وتجريدُه من علامة التأنيث مع كون مرفوعه مؤنثاً لفظاً لاجتماع مسوغين للتجريد وهما كون التأنيث غير حقيقي وللفصل بينه وبين الفعل بفاصل، وقد زعم الشيخ الرضي أن اجتماع هذين المسوغين يرجح تجريد الفعل عن علامة التأنيث والدرك عليه. ومعنى حضور الموت حضورُ أسبابه وعلاماتِه الدالة على أن الموت المتخيل للناس قد حضر عند المريض ونحوه ليصيره ميتاً قال تأبط شراً: شعر : والمَوْت خَزْيَانُ يَنْظُرُ تفسير : فإن حضور الشيء حلوله ونزوله وهو ضد الغيبة، فليس إطلاق حضر هنا من قبيل إطلاق الفعل على مقاربة الفعل نحو قد قامت الصلاة ولا على معنى إرادة الفعل كما في { أية : إذا قمتم إلى الصلوٰة } تفسير : [المائدة: 6]، { أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } تفسير : [المائدة: 98]، ولكنه إسناد مجازي إلى الموت لأنه حضور أسبابه، وأما الحضور فمستعار للعرو والظهور، ثم إن إطلاق الموت على أسبابه شائع قال رُويشد بن كثير الطائي: شعر : وقُلْ لَهُمْ بادروا بالعَفْو والتَمِسُوا قَوْلاً يُبَرِّؤُكُم إنِّي أَنا المَوْت تفسير : والخير المالُ وقيل الكثير منه، والجمهور على أن الوصية مشروعة في المال قليله وكثيره، وروي عن عليّ وعائشة وابن عباس (أن الوصية لا تجب إلاّ في المال الكثير). كانت عادة العرب في الجاهلية أن الميت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور استأثروا بماله كله، وإن لم يكن له ولد ذكَر استأثَر بماله أقربُ الذكور له من أب أو عم أو ابن عم الأدنَيْنَ فالأَدْنَين، وكان صاحب المال ربما أوصى ببعض ماله أو بجميعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه، فلما استقر المسلمون بدار الهجرة واختصوا بجماعتهم شرع الله لهم تشريك بعض القرابة في أموالهم ممن كانوا قد يهملون توريثه من البنات والأخوات والوالدين في حال وجود البنين ولذلك لم يُذكَر الأبناء في هذه الآية. وعُبر بفعل (ترك) وهو ماض عن معنى المستقبل أي إن يترك، للتنبيه على اقتراب المستقبل من المضي إذا أوشك أن يصير ماضياً، والمعنى: إن أَوشَك أن يَتْرُك خيراً أو شارف أن يترك خيراً، كما قدّروه في قوله تعالى: { أية : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } تفسير : [النساء: 9] في سورة النساء وقوله تعالى: { أية : إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } تفسير : [يونس: 96] في سورة يونس أي حتى يقاربوا رؤية العذاب. والوصية فَعِيلةٌ من وصَّى فهو المُوصَّى بها فوقع الحذف والإيصال ليتأتى بناء فَعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن زنة فعيلة لا تبنى من القاصر. والوصية الأمر بفعل شيءٍ أو تركه مما فيه نفع للمأمور أو للآمر في مغيب الآمر في حياته أو فيما بعد موته، وشاع إطلاقها على أمر بشيء يصلح بعد موت الموصي وفي حديث حديث : العرباض بن سارية قال:وعَظَنا رسولُ الله موعظةً وَجِلَتْ منها القلوبُ وذَرَفَتْ منها العيون فقلْنا يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأَوْصِنا إلخ تفسير : . والتعريف في الوصية تعريفُ الجنس أي كتب عليكم ما هو معروف عندكم بالوصية للوالدين والأقربين، فقوله: {للوالدين} متعلق بالوصية معمول له؛ لأن اسم المصدر يعمل عمل المصدر ولا يحتاج إلى تأويله بأَنْ والفعلِ، والوصيةُ مرفوع نائب عن الفاعل لفعل {كتب}، و{إذا} ظرف. و{المعروف} الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس فهو الشيء المحبوب المرضي سمي معروفاً لأنه لكثرة تداوله والتأنُّس به صار معروفاً بين الناس، وضِدّه يسمى المنكر وسيأتي عند قوله تعالى: { أية : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } تفسير : [آل عمران: 110] في سورة آل عمران. والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة، فإنه إن توخي ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه، ومن المعروف في الوصية ألا تكون للأضرار يوارث أو زوج أو قريب وسيجيء عند قوله تعالى: { أية : فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً } تفسير : [البقرة: 182]. والباء في (بالمعروف) للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من الوصية. وقد شمل قوله {بالمعروف} تقدير ما يوصي به وتمييز من يوصي له ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى: {على المتقين}. وقوله {حقاً} مصدر مؤكد لــــ {كتب} لأنه بمعناه و{على المتقين} صفة أي حقاً كائناً على المتقين، ولك أن تجعله معمول {حقاً} ولا مانع من أن يعمل المصدر المؤكد في شيء ولا يخرجه ذلك عن كونه مؤكداً بما زاده على معنى فعله؛ لأن التأكيد حاصل بإعادة مدلول الفعل، نعم إذا أوجب ذلك المعمول له تقييداً يجعله نوعاً أو عدداً فحينئذٍ يخرج عن التأكيد. وخص هذا الحق بالمتقين ترغيباً في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وقال ابن عطية: خص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبارى الناس إليها. وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة. وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم، ومن أشهر الوصايا في ذلك وصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصى لابنه مضر بالحمراء، ولابنه ربيعة بالفرس، ولابنه أنمار بالحمار، ولابنه إياد بالخادم، وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجُرهمي، وقد قيل إن العرب كانوا يوصون للأباعد طلباً للفخر ويتركون الأقربين في الفقر وقد يكون ذلك لأجل العداوة والشنآن. وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية، لأن قوله: {كتب عليكم} صريح في ذلك وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين، وقد وُقت الوجوب بوقت حضور الموت ويلحق به وقت توقع الموت، ولم يعين المقدار الموصى به وقد حرضت السنة على إعداد الوصية من وقت الصحة بقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ما حق امرىء له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده » تفسير : أي لأنه قد يفجأه الموت. والآية تشعر بتفويض تعيين المقدار الموصى به إلى ما يراه الموصي، وأمره بالعدل بقوله {بالمعروف} فتقرر حكم الإيصاء في صدر الإسلام لغير الأبناء من القرابة زيادة على ما يأخذه الأبناء، ثم إن آية المواريث التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخاً مجملاً فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه موقوفاً على إيصَاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رَضي الميت أم كره، فيكون تقرر حكم الوصية في أول الأمر استئناساً لمشروعية فرائض الميراث، ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله: { أية : يوصيكم الله في أولادكم } تفسير : [النساء: 11] فجعلها وصية نفسه سبحانه إبطالاً للمنة التي كانت للموصي. وبالفرائض نسخ وجوب الوصية الذي اقتضته هذه الآية وبقيت الوصية مندوبة بناء على أن الوجوب إذا نسخ بقي الندب وإلى هذا ذهب جمهور أهل النظر من العلماء، الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد، ففي البخاري في تفسير سورة النساء حديث : عن جابر بن عبد الله قال: عادني النبي وأبو بكر في بني سَلِمَة ماشِيْين فوجدني النبي لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أَصنع في مالي يا رسول الله فنزلت: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]تفسير : الآية اهــــ. فدل على أن آخر عهد بمشْروعية الوصايا سؤال جابر بن عبد الله، وفي البخاري عن ابن عباس كان المال وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب الخ. وقيل نسخت مشروعية الوصية فصارت ممنوعة قاله إبراهيم بن خُثَيْم وهو شذوذ وخلاف لما اشتهر في السنة إلاّ أن يريد بأَنها صارت ممنوعة للوارث. وقيل: الآية مُحكَمَة لم تُنسخ والمقصود بها من أول الأمر الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين مثل الأبوين الكافرين والعبْدين والأقارِب الذين لا ميراث لهم وبهذا قال الضحاك والحسن في رواية وطاووس واختاره الطبري، والأصح هو الأول. ثم القائلون ببقاء حكم الوصية بعد النسخ منهم من قال: إنها بقيت مفروضة للأقربين الذين لا يرثون وهذا قول الحسن وطاووس والضحاك والطبري لأنهم قالوا: هي غير منسوخة، وقال به ممن قال إنها منسوخة ابنُ عباس ومسروق ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد، ومنهم من قال: بقيت مندوبة للأقربين وغيرهم وهذا قول الجمهور إلاّ أنه إذا كان أقاربه في حاجة ولم يوص لهم فبئس ما صنع ولا تبطل الوصية، وقيل تختص بالقرابة فلو أوصى لغيرهم بطلت وترد على أقاربه قاله جابر بن زيد والشعبي وإسحاقُ بن راهويه والحسن البصري، والذي عليه قول من تعتمد أقوالهم أن الوصية لغير الوارث إذا لم يخش بتركها ضياع حق أحد عند الموصِي مطلوبة، وأنها مترددة بين الوجوب والسنة المؤكدة لحديث «حديث : لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عند رأسه»تفسير : ، إذا كان هذا الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد مشروعية الفرائض فإن كان قبلَ ذلك كان بياناً لآية الوصية وتحريضاً عليها، ولم يزل المسلمون يرون الوصية في المال حقاً شرعياً، وفي «صحيح البخاري» عن طلحة بن مصَرِّف قال: سألت عبدَ الله بن أبي أَوْفَى هل كان النبي أوصى فقال: لا، فقلت: كيف كُتبتْ على الناس الوصيةُ ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله اهــــ، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لا يورث فكذلك لا يوصي بماله ولكنه أوصى بما يعود على المسلمين بالتمسك بكتاب الإسلام، وقد كان من عادة المسلمين أن يقولوا للمريض إذا خيف عليه الموت أن يقولوا له أَوْصِ. وقد اتفق علماء الإسلام على أن الوصية لا تكون لوارث لما رواه أصحاب «السنن» عن عمر بن خارجة وما رواه أبو داود والترمذي عن أبي أُمَامَة كلاهما يقول سمعت النبي قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه أَلاَ لا وصية لوارث» وذلك في حجة الوداع، فخُص بذلك عمومُ الوالدين وعمومُ الأقربين وهذا التخصيص نسخ، لأنه وقع بعد العمل بالعام وهو وإن كان خبر آحاد فقد اعتُبر من قبيل المتواتر، لأنه سمعه الكافة وتلقاه علماء الأمة بالقبول. والجمهور على أن الوصية بأكثر من الثلث باطلة للحديث المشهور حديث : عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فعاده النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في أن يوصي بجميع ماله فمنعه إلى أن قال له "الثلثُ والثلثُ كثير إِنَّك أَنْ تَدَعَ ورثَتك أَغنياءَ خيرٌ من أَنْ تَدَعَهم عالةً يَتكفَّفُون الناسَ" تفسير : ، وقال أبو حنيفة: إن لم يكن للموصي ورثة ولو عصبة دون بيت المال جاز للموصي أن يوصي بجميع ماله ومضَى ذلك أخذاً بالإيماء إلى العلة في قوله « حديث : إِنك أن تدع ورثَتك أغنياء خير » تفسير : الخ. وقال: إن بيت المال جامعٌ لا عاصب وَرُوي أيضاً عن علي وابن عباس ومسروق وإسحاق بن راهويه، واختُلف في إمضائها للوارث إذا أجازها بقية الورثة ومذهب العلماء من أهل الأمصار أنها إذا أجازها الوارث مضت. هذا وقد اتفق المسلمون على أن الله تعالى عين كيفية قسمة تركة الميت بآية المواريث، وأن آية الوصية المذكورة هنا صارت بعد ذلك غيرَ مراد منها ظاهرها، فالقائلون بأنها محكمة قالوا: بقيت الوصية لغير الوارث والوصيةُ للوارث بما زاد على نصيبه من الميراث فلا نسخ بين الآيتين. والقائلون بالنسخ يقول منهم مَنْ يرون الوصية لم تزل مفروضة لغير الوارث: إِن آية المواريث نسَخَت الاختيار في الموصَى له والإطلاق في المقدار الموصَى به، ومَن يرى منهم الوصية قد نسخ وجوبها وصارت مندوبة يقولون: إن آية المواريث نَسَخت هذه الآية كلها فأصبحت الوصية المشروعة بهذه الآية منسوخة بآية المواريث للإِجماع على أن آية المواريث نَسخت عموم الوَالدين والأقربين الوَارثين، ونسخت الإطلاق الذي في لفظ (الوصية) والتخصيصُ بعد العمل بالعام، والتقييدُ بعدَ العمل بالمطلق كلاهما نَسْخٌ، وإن كان لفظ آية المواريث لا يدل على ما يناقض آية الوصية، لاحتمالها أن يكون الميراث بعد إعطاء الوصايا أو عند عدم الوصية بل ظاهرها ذلك لقوله: { أية : من بعد وصية } تفسير : [النساء: 11]، وإن كان الحديثان الواردان في ذلك آحاداً لا يصلحان لنسخ القرآن عند من لا يرون نسخ القرآن بخبر الآحاد، فقد ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة، ولمَّا ثبت حكم جديد للوصية فهو حكم غير مأخوذ من الآية المنسوخة بل هو حكم مستند للإِجماع، هذا تقرير أصل استنباط العلماء في هذه المسألة وفيه ما يدفع عن الناظر إشكالات كثيرة للمفسرين والفقهاء في تقرير كيفية النسخ.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 180- وكما شرع الله القصاص لصلاح الأمة وحفظ المجتمع، كذلك شرع الله شريعة فيها صلاح الأسرة وحفظ كيانها وهى شريعة الوصية، فعلى من ظهرت أمامه إمارات الموت وعلم أنه ميت لا محالة، وكان ذا مال يعتد به أن يجعل من ماله نصيباً لمن يدرك من والديه وأقاربه - الأقربين غير الوارثين - وليراع فى ذلك ما يحسن ويقبل فى عرف العقلاء فلا يعطى الغنى ويدع الفقير، بل يؤثر ذوى الحاجة ولا يسوى إلا بين المتساوين فى الفاقة، وكان ذلك الفرض حقاً واجباً على من آثر التقوى واتبع أوامر الدين. 181- وإذا صدرت الوصية عن الموصى كانت حقاً واجباً لا يجوز تغييره ولا تبديله، إلا إذا كانت الوصية مجافية للعدل، فمن بدّل هذا الحق فغيَّر الوصية العادلة القويمة بعد ما علم هذا الحكم وثبت عنده فقد ارتكب ذنباً عظيماً ينال عقابه، وقد برئ الموصى من تبعته، ولا يظن أحد أن يفعل ذلك ولا يجازى عليه، فإن الله سميع عليم لا تخفى عليه خافية. 182- أما إذا كانت الوصية زائغة عن العدل وعن الصراط القويم الذى بَيَّنَّاه بأن حَرَم الموصِى الفقيرَ وأعطى الغنى، أو ترك الأقربين وراعى الفقراء غير الوارثين الأجانب، فسعى ساع فى سبيل الخير وأصلح بين الموصى إليهم ليرد الوصية إلى الصواب، فلا إثم عليه فيما يحدثه من تغيير الوصية وتبديلها على هذا الوجه، ولا يؤاخذه الله على ذلك، فإن الله غفور رحيم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كُتِبَ: فرض وأُثبِتَ. خيراً: مالاً نقداً أو عرضاً أو عقاراً. الوصية: الوصية ما يوصى به من مال وغيره. المعروف: ما تعارف عليه الناس كثيرا أو قليلاً بحيث لا يزيد على الثلث. التبديل: التغيير للشيء بآخر. جنفاً أو إثماً: الجنف: الميل عن الحق خطأً، والإِثم تعمد الخروج عن الحق والعدل. معنى الآيات: بمناسبة ذكر آية القصاص وفيها أن القاتل عرضة للقتل والمفروض فيه أن يوصي في ماله قبل قتله، ذكر تعالى آية الوصية فقال تعالى: كتب عليكم أيها المسلمون إذا حضر أحدكم الموت إن ترك مالاً الوصية أي الإِيصاء للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بآية المواريث، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فلا وصية لوارث" تفسير : ونسخ الوجوب وبقي الاستحباب ولكن لغير الوالدين والأقربين الوارثين إلا أن يجيز ذلك الورثة وأن تكون الوصية ثلثاً فأقل فإن زادت وأجازها الورثة جازت لحديث ابن عباس عند الدارقطني لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة، ودليل استحباب الوصية حديث سعد في الصحيح حيث أذن له الرسول في الوصية بالثلث، وقد تكون الوصية واجبة على المسلم وذلك إن ترك ديوناً لازمة، وحقوقا واجبة في ذمته فيجب أن يوصي بقضائها واقتضائها بعد موته لحديث ابن عمر في الصحيح "ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، هذا ما تضمنته الآية الأولى [180] وأما الآية الثانية [181] فيقول تعالى لعباده المؤمنين فمن بدل إيصاء مؤمن أوصى به بأن زاد فيه هذا الحكم غيره أو بدل نوعاً بآخر فلا إثم على الموصي ولكن الإِثم على من بدل وغيّر، وختم هذا الحكم بقوله أن الله سميع عليم تهديداً ووعيداً لمن يقدم على تغيير الوصايا لغرض فاسد وهوى سيء وفي الآية الأخيرة [182] أخبر تعالى أن من خاف من موصٍ جنفاً أو ميلاً عن الحق والعدل بأن جار في وصيته بدون تعمد الجور ولكن خطأ أو خاف إثماً على الموصى حيث جار وتعدى على علم في وصيته فأصلح بينهم أي بين الموصي والموصى لهم فلا إثم عليه في إصلاح الخطأ وتصويب الخطأ والغلط، وختم هذا الحكم بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وعداً بالمغفرة والرحمة لمن أخطأ غير عامد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- نسخ الوصية للوارثين مطلقاً إلا بإجازة الورثة. 2- استحباب الوصية بالمال لمن ترك مالاً كثيراً يوصي به في وجوه البر والخير. 3- تأكد الوصيّة حضر الموت أو لم يحضر لمن له أو عليه حقوق خشية أن يموت فتضيع الحقوق فيأثم بإضاعتها. 4- حرمة تبديل الوصية وتغييرها إلى غير الصالح.
القطان
تفسير : كتب: فرض. خيرا: الخير كل ما يحقق نفعا أو سعادة، ويطلق على المال الكثير الطيب، وهو المقصود هنا. الوصية: ما يكتبه الرجل ليُعمل به من بعده. المعروف: الخير المتعارف به بين الناس. الجنف: الجور، والميل عن الصواب. كان الكلام في الآية السابقة عن القصاص في القتل، وفي هذه الآيات جاء تشريع آخر هو الوصية عند الموت، والمناسبة بين هذه الآيات واضحة والخطاب موجه الى الناس كلهم بأن يوصوا بشيء من الخير. فيقول سبحانه: فرض عليكم أذا حضرت أسبابُ الموت وعلله أحداً من الناس وكان عنده مال كثير ـ ان يوصي من هذا المال للوالدين وذوي القربى بشيء منه، على ان لا تزيد الوصية على ثلث مال الموصي. فأما اذا كان ماله قليلاً وله ورثة فلا تجب عليه الوصية. لأن الله تعالى يقول: {إِن تَرَكَ خَيْراً} والخير: هو المال الكثير. ونص الآية ان الوصية تجب للوالدين، والأقربين, وهناك آية الميراث في سورة النساء التي تورّث الوالدين. وهناك حديث صحيح: "حديث : لا وصية لوارث"تفسير : ، رواه أصحاب السنن. ولذلك قال معظم العلماء: ان الوصية لا تجوز للوارث بما في ذلك الأب والأم؟ وقال بعضهم يجوز أن يوصي لبعض الورثة عملاً بهذه الآية. اما الأقربون الذين لا يرثون فالوصية لهم جائزة بنص هذه الآية وحكمها باق. وحكمة الوصية للأقارب عظيمة، فهي لون من الوان التكافل الاجتماعي. ولذلك قال تعالى {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} اي أوجب ذلك حقا على المتقين. واذا صدرت الوصية عن الموصي كانت حقاً واجبا لا يجوز تغييره ولا تبديله، فمن بدّل هذا الحق بعد هذا الحكم، فقد ارتكب ذنبا عظيماً. ان الله سميع لأقوال المبدّلين والموصين ويعلم نياتهم ويجازيهم على أفعالهم. وحكم الوصية عند جمهور العلماء انها مندوبة. وقال بعض العلماء انها واجبة. {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ...} الآية فاذا خرج الموصي في وصيته عن نهج الشرع فتنازع الموصى لهم في المال، أو مع الورثة، فتوسط بينهم من يعلم بذلك وأصلح ـ فلا اثم عليه في هذا التبديل، لأنه تبديل باطلٍ بحق، وازالة مفسدة بمصلحة، ان الله غفور رحيم. القراءات: قرأ حمزة ويعقوب والكسائي وأبو بكر "موصّ" بتشديد الصاد من وصّى.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْوَالِدَيْنِ} (180) - فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيكُمْ يَا مَعْشَرَ المُؤْمِنينَ أَنَّهُ إذا حَضَرَتْ أَسْبَابُ المَوْتِ وَعِلَلُهُ، وَتَرَكْتُمْ مَالاً كَثِيراً لِوَرَثَتِكُمْ أَنْ تُوصُوا لِلوَالِدَينِ وَذَوي القُرْبَى بِشَيءٍ مِنْ هذا المَالِ (لا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ إِذا لَمْ يَكُنِ المُوصَى لَهُمْ مِنَ الوَارِثِينَ فِي بَعْضِ المَذَاهِبِ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ الوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بِأَنْ يَخُصَّ بِها بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ مِنَ الوَرَثَةِ). وَإِذا أَسْلَمَ الكَافِرُ وَحَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، ووالدَاهُ كَافِرانِ، فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ لَهُمَا بِشَيءٍ يَتَأَلَّفُ بِهِ قُلُوبَهُما. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ ذلِكَ الإِيصَاءَ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ. (وَقِيلَ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيةِ المَوَارِيثِ). تَرَكَ خَيراً - مَالاً كَثيراً. الوَصِيَّةُ - نُسِخَ وُجُوبُها بِآيةِ المَوارِيثِ.
الثعلبي
تفسير : {كُتِبَ} فُرض ووجب. {عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ} جاء. {أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يُرد المعاينة. {إِن تَرَكَ خَيْراً} مالاً، نظيره قوله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} {ٱلْوَصِيَّةُ} في رفعها وجهان: أحدهما: اسم مالم يسم فاعله وهو قوله "كتب"، والثاني: خبر حرف الصفة، وهو اللام في قوله {لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ} يعني لايزيد على الثلث ولايُوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج. {حَقّاً} واجباً، وهو نصب على المصدر أي حق ذلك حقاً وقيل: على المفعول أي جعل الوصيّة حقاً، وقيل: على القطع من الوصيّة. {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} المؤمنين، واختلف العلماء في معنى هذه الآية: فقال قوم: كانت الوصيّة للوالدين والأقربين، فرضاً واجباً على من مات، وله مال حتى نزلت آية المواريث في سورة النّساء فنسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الذين يرثون، وبقى فرض الوصيّة للأقرباء الذين لايرثون والوالدين الذين لايرثان بكفر أو رق على من كان له مال. فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية فقال: "حديث : الآن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيّة لوارث فبيّن إنّ الميراث والوصيّة لايجتمعان ". تفسير : فآية المواريث هي لنّا حجة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبيّن هذا قول ابن عبّاس وطاووس وقتادة والحسن ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد والربيع وابن زيد. قال الضحاك: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاووس: من أوصى لقوم وسمّاهم، وترك ذوي قرابته محتاجين [أُنتزعت] منهم وردّت إلى ذوي قرابته. وقال آخرون: بل نُسخ ذلك كلّه بالميراث فهذه الآية منسوخة. ولا يجب لأحد وصيّة على أحد قريب ولا بعيد. فإن أوصى فحسن، وأن لم يوص فلا شيء عليه، وهذا قول عليّ وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسّدي. قال شُريح في هذه الآية. كان الرّجل يوصي بماله كلّه حتّى نزلت آية المواريث. وقال عروة بن الزّبير: دخل علي (رضي الله عنه) على مريض يعوده فقال: إنّي أُريد أن أوصي. فقال علي عليه السلام: إنّ الله تعالى يقول {إِن تَرَكَ خَيْراً} وإنّما يدع شيئاً يسير فدعه لعيالك إنّه أفضل. وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر: إنّه لم يوص فقال: أمّا مالي والله أعلم ما كنت أصنع به في الخلوة وأما رباعي لن يشرك ولدي فيها أحد. وروى ابن أبي مليكة: إنّ رجلاً قال لعائشة: إنّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالُك؟ قال: ثلاثة الآف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة: قالت: إنّما قال: الله تعالى {إِن تَرَكَ خَيْراً} وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. وروى سفيان بن بشير بن دحلوق قال: قال عروة بن ثابت للربيع بن خيثم: اوصِ لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: {أية : وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} تفسير : [الأحزاب: 6]. وروى سفيان عن الحسين بن عبد الله عن إبراهيم قال: ذكر لنّا إنّ زبيراً وطلحة كانا يُشددان في الوصيّة. فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا. مات النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يوصِّ وأوصى أبو بكر، أي ذلك فعلت فحسن. {فَمَن بَدَّلَهُ} أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود. {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} من الميت فإنّما ذكر الكناية عن الوصيّة وهي مؤنثة لأنّها في معنى الأيصاء لقوله {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} ردّه إلى الوعظ ونحوها كثيرة. وقال المفضل: لأنّ الوصيّة قول فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. كقول امرىء القيس: شعر : برهرهة رودة رخصة كخرعوبة اليانة المنقطر تفسير : المنقطر: المنتفخ بالورق وهو أَنعم ما يكون فذهب إلى القضيب فترك لفظ الخرعوبة. {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} وصي الميت. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لوصاياكم. {عَلِيمٌ} بنيّاتكم. {فَمَنْ خَافَ} أي خشي، وقيل: علم وهو الأجود كقوله {أية : إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ} تفسير : [البقرة: 229]. وقال ابو محجن الثقفي: شعر : فلا تدعني بالفلاة فانّني أخاف إذا مامتّ أن لا أذوقها تفسير : أراد: أعلم. {مِن مُّوصٍ} قرأ مجاهد وعطاء وحميد وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ونافع: بالتخفيف واختاره أبو حاتم. لقول النّاس: أوصيكم بتقوى الله. قال أبو حاتم: قرأتها بمكّة بالتشديد أوّل ليلة أقمت فعابوها عليّ. وقرأ الباقون: موصَ بالتشديد واختاره ابو عبيد كقوله: {أية : مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} تفسير : [الشورى: 13]. {جَنَفاً} جوراً وعدولاً من الحقّ والجنف: الميل في الكلام والأخذ كلّها يقال: جنف وأجنف وتجانف إذا مال. قال لبيد: شعر : إنّي أمرؤ منعت أرومة عامر ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم تفسير : وقال آخر: شعر : هم أقول وقد جنفوا علينا وانّا من لقاءهم أزور تفسير : وقال علي عليه السلام: حيفاً بالحاء والياء أي ظلماً. قال الفراء: الفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف عدول عن الشيء والحيف: حمل الشّيء حتّى ينتقصه وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه. يقال: فلان يتحوف ماله أي ينتقصه منّي حافاته. وقال المفسّرون: الجنف: الخطأ، والأثمّ: العمد، واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال قوم: تأويلها من حضر مريضاً وهو يوصّي فخاف أن (يحيف) في وصيته فيفعل ماليس له أو تعمد جوراً فيها فيأمر بماليس له، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته بأن يأمره بالعدل في وصيّته، وينهاه عن الجنف فينظر للموصي وللورثة، وهذا قول مجاهد: هذا ممّن يحضر الرّجل وهو يموت. فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصرّ قال: أفعل كذا أعطِ فلاناً كذلك. وقال آخرون: هو إنّه إذا أخطأ الميت وصيّته أو خاف فيها متعمداً فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمر المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصي لهم، ويردّ الوصيّة إلى العدل والحق، وهذا معنى قول ابن عبّاس وقتادة وإبراهيم والرّبيع. وروى ابن جريج عن عطاء قال: هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض مما سيرثونه بعد موته. فلا إثمّ على من أصلح بين الورثة. طاوس: [الحيف] وهو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه أو ولد أبنته يريد ابنته، ويوصي لزوج ابنته ويريد بذلك ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة. السّدي وابن زيد: هو في الوصيّة للأباء والأقربين بالأثرة يميل إلى بعضهم ويحيف لبعضهم على بعض في الوصيّة. فإنّ أعظم الأجر أن لاينفذها، ولكن يصلح مابينهم على مايرى إنّه الحق فينقص بعضاً ويزيد بعضاً. قال ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمره الله، وعجز الوصي أن يصلح فيوزع الله ذلك منه بفرض الفرائض لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله تعالى لم يوص بملك مقرب ولا نبي مرسل حتّى تولّى قسم مواريثكم ". تفسير : وقال {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} ولم يجر للورثة ولا للمختلفين في الوصيّة ذكر لأنّ سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصيّة يدلّ عليه. قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصيّة الميت بعد نزول الآية {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} الآية وإن استغرق المال كلّه ويبقى الورثة بغير شيء، ثمَّ نسختها هذه الآية {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} الآية. وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه:"حديث : قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فمرضت مرضاً أشرفت على الموت. فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يارسول الله إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ بنت لي أُفأُوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلتُ: فبشطر مالي؟ قال: لا. قلت: بثلث مالي؟ قال: نعم الثلث والثلث كثير إنك ياسعد أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون النّاس ". تفسير : وقال مسلم بن صبيح: أوصى جار لمسروق فدعا مسروقاً ليشهده فوجده قد بذر وأكثر. فقال: لا أشهد إنّ الله عزّ وجلّ قسم بينكم فأحسن القسمة فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوصِ لقرابتك الذين لا يرثون ودع المال على قسم الله. وعن أبي أُمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حاف في وصيّته أُلقي في اللوى واللوى واد في جهنّم ". تفسير : شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيّته فيختم له بشر عمله فيدخل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّر سبعين سنة. فإذا أوصى لم يحف في وصيته فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنّة"تفسير : . ثمّ قال أبو هريرة: أقرأوا إن شئتم {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق كما أوضحت من قبل لا يقتحم على العباد أمورهم ولكنه يعرض عليهم أمر الإيمان به، فإن آمنوا فهذا الإيمان يقتضي الموافقة على منهجه، ولذلك فالمؤمن يشترك بعقيدته في الإيمان بما كتب الله عليه. إن المؤمن هو من ارتضى الله إلهاً ومشرعاً، فحين يكتب الله على المؤمن أمراً، فالمؤمن قد اشترك في كتابة هذا الأمر بمجرد إعلانه للإيمان. أما الكافر بالحق فلم يقتحم الله عليه اختياره للكفر، ولذلك لم يكتب عليه الحق إلا أمراً واحداً هو العذاب في الآخرة. فالله لا يكلف إلا مَنْ آمن به وأحبه وآمن بكل صفات الجلال والكمال فيه. ولذلك فالتكليف الإيماني شرف خص به الله المحبين المؤمنين به، ولو فطن الكفار إلى أن الله أهملهم لأنهم لم يؤمنوا به لسارعوا إلى الإيمان، ولرأوا اعتزاز كل مؤمن بتكليف الله له. إن المؤمن يرى التكليف خضوعاً لمشيئة الله. والخضوع لمشيئة الله يعني الحب. وما دام الحب قد قام بين العبد والرب فإن الحق يريد أن يديم هذا الحب، لذلك كانت التكاليف هي مواصلة للحب بين العبد والرب. إن العبد يحب الرب بالإيمان، والرب يحب العبد بالتكليف، والتكليف مرتبة أعلى من إيمان العبد، فإيمان العبد بالله لا ينفع الله، ولكن تكاليف الله للعبد ينتفع بها العبد. إن المؤمن عليه أن يفطن إلى عزة التكليف من الله، فليس التكليف ذلاً ينزله الحق بعباده المؤمنين، إنما هو عزة يريدها الله لعباده المؤمنين، هكذا قول الحق: "كتب عليكم" إنها أمر مشترك بين العبد والرب. إن الكتابة هنا أمر مشترك بين الحق الذي أنزل التكليف وبين العبد الذي آمن بالتكليف. والحق يورد هنا أمراً يخص الوصية فيقول سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. وهنا نجد شرطين: الشرط الأول: يبدأ بـ "إذا" وهي للأمر المتحقق وهو حدوث الفعل. والموت أمر حتمي بالنسبة لكل عبد، لذلك جاء الحق بهذا الأمر بشرط هو "إذا"، فهي أداة لشرط وظرف لحدث. والموت هو أمر محقق إلا أن أحداً لا يعرف ميعاده. والشرط الثاني يبدأ بـ "إن" وهي أداة شرط نقولها في الأمر الذي يحتمل الشك؛ فقد يترك الإنسان بعد الموت ثروة وقد لا يترك شيئاً، ولذلك فإن الحق يأمر العبد بالوصية خيراً له لماذا؟ لأن الحق يريد أن يشرع للاستطراق الجماعي، فبعد أن يوصي الحق عباده بأن يضربوا في الحياة ضرباً يوسع رزقهم ليتسع لهم، ويفيض عن حاجتهم، فهذا الفائض هو الخير، والخير في هذا المجال يختلف من إنسان لآخر ومن زمن لآخر. فعندما كان يترك العبد عشرة جنيهات في الزمن القديم كان لهذا المبلغ قيمة، أما عندما يترك عبد آخر ألف جنيه في هذه الأيام فقد تكون محسوبة عند البعض بأنها قليل من الخير، إذن فالخير يُقدر في كل أمر بزمانه، ولذلك لم يربطه الله برقم. إننا في مصر - مثلاً - كنا نصرف الجنيه الورقي بجنيه من الذهب ويفيض منه قرشان ونصف قرش؛ أما الآن فالجنيه الذهبي يساوي أكثر من مائتين وخمسين جنيهاً؛ لأن رصيد الجنيه المصري في الزمن القديم كان عالياً. أما الآن فالنقد المتداول قد فاق الرصيد الذهبي، لذلك صار الجنيه الذهبي أغلى بكثير جداً من الجنيه الورقي. ولأن الإله الحق يريد بالناس الخير لم يحدد قدر الخير أو قيمته، وعندما يحضر الموت الإنسان الذي عنده فائض من الخير لابد أن يوصي من هذا الخير. ولنا أن نلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن انتظار لحظة الموت ليقول الإنسان وصيته، أو ليبلغ أسرته بالديون التي عليه، لأن الإنسان لحظة الموت قد لا يفكر في مثل هذه الأمور. ولذلك فعلينا أن نفهم أن الحق ينبهنا إلى أن يكتب الإنسان ما له وما عليه في أثناء حياته. فيقول ويكتب وصيته التي تنفذ من بعد حياته. يقول المؤمن: إذا حضرني الموت فلوالدي كذا وللأقربين كذا. أي أن المؤمن مأمور بأن يكتب وصيته وهو صحيح، ولا ينتظر وقت حدوث الموت ليقول هذه الوصية. والحق يوصي بالخير لمن؟ {لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. والحق يعلم عن عباده أنهم يلتفتون إلى أبنائهم وقد يهملون الوالدين، لأن الناس تنظر إلى الآباء والأمهات كمودعين للحياة، على الرغم من أن الوالدين هما سبب إيجاد الأبناء في الحياة، لذلك يوصي الحق عباده المؤمنين بأن يخصصوا نصيباً من الخير للآباء والأمهات وأيضاً للأقارب. وهو سبحانه يريد أن يحمي ضعيفين هما: الوالدان والأقرباء. وقد جاء هذا الحكم قبل تشريع الميراث، فالناس قبل تشريع الميراث كانوا يعطون كل ما يملكون لأولادهم، فأراد الله أن يخرجهم من إعطاء أولادهم كل شيء وحرمان الوالدين والأقربين. وقد حدد الله من بعد ذلك نصيب الوالدين في الميراث، أما الأقربون فقد ترك الحق لعباده تقرير أمرهم في الوصية. وقد يكون الوالدان من الكفار، لذلك لا يرثان من الابن، ولكن الحق يقول: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [لقمان: 14-15]. إن الحق يذكر عباده بفضله عليهم، وأيضاً بفضل الوالدين، ولكن إن كان الوالدان مشركين بالله فلا طاعة لهما في هذا الشرك، ولكن هناك الأمر بمصاحبتهما في الحياة بالمعروف واتباع طريق المؤمنين الحاملين للمنهج الحق. لذلك فالإنسان المؤمن يستطيع أن يوصي بشيء من الخير في وصيته للأبوين حتى ولو كانا من الكافرين، ونحن نعرف أن حدود الوصية هي ثلث ما يملكه الإنسان والباقي للميراث الشرعي. أما إذا كان من المؤمنين فنحن نتبع الحديث النبوي الكريم: "حديث : لا وصية لوارث ". تفسير : وفي الوصية يدخل إذن الأقرباء الضعفاء غير الوارثين، هذا هو المقصود من الاستطراق الاجتماعي. والحق حين ينبه عباده إلى الوصية في أثناء الحياة بالأقربين الضعفاء، يريد أن يدرك العباد أن عليهم مسئولية تجاه هؤلاء. ومن الخير أن يعمل الإنسان في الحياة ويضرب في الأرض ويسعى للرزق الحلال ويترك ورثته أغنياء بدلاً من أن يكونوا عالة على أحد. حديث : عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:"جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، وأنا بمكة، قال: يرحم الله ابن عفراء، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت الثلث؟ قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"تفسير : . وإذا رزق الله الإنسان بالعمل خيراً كثيراً فإياك أيها الإنسان أن تقصر هذا الخير على من يرثك. لماذا؟ لأنك إن قصرت شيئاً على من يرثك فقد تُصادف في حياتك من لا يرث وله شبهة القربى منك، وهو في حاجة إلى من يساعده على أمر معاشه فإذا لم تساعده يحقد عليك وعلى كل نعمة وهبها الله لك، ولكن حين يعلم هذا القريب أن النعمة التي وهبها الله لك قد يناله منها شيء ولو بالوصية وليس بالتقنين الإرثي هذا القريب يملأه الفرح بالنعمة التي وهبها الله لك. ولذلك قال الحق: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. إن الحق يريد أن يلفت العباد إلى الأقرباء غير الوارثين بعد أن أدخل الآباء والأمهات في الميراث. إن الإنسان حين يكون قريباً لميت ترك خيراً، وخص الميت هذا القريب ببعض من الخير في الوصية، هذا القريب تمتلئ بالخير نفسه فيتعلم ألا يحبس الخير عن الضعفاء، وهكذا يستطرق الحب وتقوم وشائج المودة. والحق يفترض - وهو الأعلم بنفوس عباده - أن الموصي قد لا يكون على حق والوارث قد يكون على حق، لذلك احتاط التشريع لهذه الحالة؛ لأن الموصىَ له حين يأخذ حظه من الوصية سينقص من نصيب الوارث، ولذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعصم الأطراف كلها، إنه يحمي الذي وصى، والمُوصَى له، والوارث ومن هنا يقول الحق: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} لكن روعي العموم من حيث المعنى، إذ المعنى: كتب على كل واحد منكم، ثم أظهر ذلك المضمر إذا كان يكون إذا حضره الموت فقيل إذا حضر أحدكم. {إِن تَرَكَ خَيْراً} أي مالاً. والظاهر مطلق المال أن الوصية تكون واجبة، ويجمع للوارث بين الوصية والميراث بحكم الاثنين. وقال به قوم وعن ابن عباس وغيره أنه تقرر الحكم بهذا بُرهة ثم نسخ منها كل من يرث بآية الفرائض. وجواب كل من الشرطين إذا وإن محذوف تقديره فليوص، ودل عليه سياق المعنى. والمقدر للأول بالمعروف أي بالذي حده الشارع من كونه لا يزيد على الثلث ولا يوصي لغني دون فقير. وقال ابن عطية: ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون كتب هو العامل في إذا، والمعنى توجه إيجاب الله عليكم، ومقتضى كتابة إذا حضر فعبر عن توجه الإِيجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل، والوصية: مفعول ما لم يسم فاعله بكتب، وجواب الشرطين إذا، وإن مقدر يدل عليه ما تقدم من قوله: كتب عليكم، كما تقول: شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا. انتهى كلامه. وفيه تناقض لأنه قال العامل في إذا كتب، وإذا كان العامل فيها كتب، تمحضت للظرفية ولم تكن شرطاً. ثم قال: وجواب الشرطين إذا، وإن مقدر يدل عليه ما تقدم إلى آخر كلامه، وإذا كانت إذا شرطاً فالعامل فيها اما الجواب واما الفعل بعدها على الخلاف الذي في العامل فيها. ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما قبلها إلا على مذهب من يجيز تقديم جواب الشرط عليه ويفرع على أن الجواب هو العامل في إذا. ولا يجوز تأويل ابن عطية على هذا المذهب لأنه قال: وجواب الشرطين إذا وإن مقدر يدل عليه ما تقدم وما كان مقدراً يدل عليه ما تقدم يستحيل أن يكون هو الملفوظ به المتقدم. وهذا الاعراب هو على ما يقتضيه الظاهر من أن الوصية مفعول لم يسم فاعله مرفوع بكتب. وأجاز بعض المعربين أن ترتفع الوصية على الابتداء على تقدير الفاء، والخبر إما محذوف أي فعليه الوصية، وإما منطوق به وهو قوله: {لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} أي فالوصية للوالدين وتكون هذه الجملة الابتدائية جواباً لما تقدم والمفعول الذي لم يسم فاعله بكتب مضمر أي الايصا يفسره ما بعده. قال أبو محمد ابن عطية في هذا الوجه: ويكون هذا الايصاء المقدر الذي يدل عليه ذكر الوصية بعد هو العامل في إذا وترتفع الوصية بالابتداء وفيه جواب الشرطين على نحو ما أنشد سيبويه: شعر : من يفعل الصالحات الله يحفظه تفسير : ، ويكون رفعها بالابتداء بتقدير فعليه الوصية أو بتقدير الفاء فقط كأنه قال: فالوصية للوالدين. "انتهى". كلامه وفيه أن إذا معمولة للإِيصاء المقدر. ثم قال: ان الوصية فيه جواب الشرطين وقد تقدم ما يناقض ذلك، لأن إذا من حيث انها معمولة للإيصال لا تكون شرطاً ومن حيث ان الوصية فيه جواب إذا تكون شرطاً متناقضاً لأن الشيء الواحد لا يكون شرطاً غير شرط في حالة واحدة، ولا يجوز أن يكون الإِيصاء المقدر عاملاً في إذا أيضاً لأنك إما أن تقدر هذا العامل في إذا لفظة الايصاء فحذف أو ضمير الايصاء لا جائزان تقدره لفظة الايصاء ولا جائز لأن المفعول الذي لم يسم فاعله لا يجوز حذفه وابن عطية قدر لفظ الايصاء أن يقدره ضمير الايصاء لأنه لو صرح بضمير المصدر لم يجز له أن يعمل لأن المصدر من شرط عمله عند البصريين أن يكون مظهراً، وإذا كان لا يجوز اعمال لفظ مضمر المصدر فمنويُّه أحرى أن لا يعمل. وأما قوله: وفيه جواب الشرطين فليس بصحيح فانا قد قررنا أن كل شرط يقتضي جواباً على حدته، والشيء الواحد لا يكون جواباً لشرطين. وأما قوله على نحو ما أنشد سيبويه، وذكر البيت فهو تخريف عليه. وإنما أنشد سيبويه: شعر : * من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان * تفسير : وأما قوله بتقدير فعليه الوصية أو بتقدير الفاء فقط، كأنه قال: فالوصية للوالدين. فكلام من لم يتصفح كلام سيبويه فإِن سيبويه نص على أن مثل هذا لا يكون إلا في ضرورة الشعر فينبغي أن ينزه كتاب الله عنه. قال سيبويه: وسألته يعني الخليل عن قوله: أن تأتني أنا كريم، قال: لا يكون هذا إلا أن يضطر الشاعر من قبل أن كريم يكون كلا ما مبتدأ والفاء وإذا لا يكونان إلا معلّقين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء. وقاله الشاعر عن مضطر وأنشد البيت السابق: من يفعل الحسنات. وذكر عن الأخفش أن ذلك على إضمار الفاء وهو محجوج بنقل سيبويه إن ذلك لا يكون إلا في الاضطرار وأجاز بعضهم أن يقام مقام المفعول الذي لم يسم فاعله الجار والمجرور الذي هو عليكم وهو قول لا بأس به على ما نقرره، فتقول لما أخبر أنه كتب على أحدهم إذا حضره الموت ان ترك خيراً تشوف السامع لذكر المكتوب ما هو فتكون الوصية مبتدأ أو خبر المبتدأ على هذا التقدير، وتكون جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: ما المكتوب على أحدنا إذا حضره الموت وترك خيراً؟ فقيل: الوصية للوالدين والأقربين هي المكتوبة أو المكتوب الوصية للوالدين والأقربين. ونظيره: ضرب بسوط يوم الجمعة، زيد المضروب أو المضروب زيد. فيكون هذا جواباً لسؤال مقدر. كأنه قيل: من المضروب؟ وهذا الوجه أحسن وأقل تكلفاً من الوجه الذي قبله وهو أن يكون المفعول الذي لم يسم فاعله الايصاء أو ضمير الايصاء ويجوز أن يكون على حذف مضاف تقديره كتب على أحدكم. ثم أبرزه في قوله: إذا حضر أحدكم، دلالة على المحذوف، والمعنى: كتب على أحدكم إذا حضره الموت فتكون الوصية مكتوبة على ذلك الأحد لا على الذين آمنوا. ويجوز أن يكون ثم معطوف محذوف تقديره إذا حضر أحدكم الموت وترك خيراً ووصى، وتكون الوصية معمولة الكتب على حذف مضاف تقديره كتب عليكم إنفاذ الوصية. {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} فيه وفي كتب دلالة على الوجوب وانتصب حقاً على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة قاله الزمخشري وابن عطية وكون على متعلقاً به أو في موضع الصفة يخرجه عن التوكيد والأولى عندي أن يكون مصدراً على غير الصدر لأن معنى كتب وجب وحق.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فرض الله عليكم، يا معشر المؤمنين { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أي: أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك، وكان قد { تَرَكَ خَيْرًا } [أي: مالا] وهو المال الكثير عرفا، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد، دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل. وقوله: { حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } دل على وجوب ذلك، لأن الحق هو: الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى. واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري. ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث، بعد أن كان مجملا وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين، لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا، واختلف المورد. فبهذا الجمع، يحصل الاتفاق، والجمع بين الآيات، لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح. ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية، لما يتوهمه أن من بعده، قد يبدل ما وصى به قال تعالى: { فَمَنْ بَدَّلَهُ } أي: الإيصاء للمذكورين أو غيرهم { بَعْدَمَا سَمِعَهُ } [أي:] بعدما عقله، وعرف طرقه وتنفيذه، { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } وإلا فالموصي وقع أجره على الله، وإنما الإثم على المبدل المغير. { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع سائر الأصوات، ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته، { عَلِيمٌ } بنيته، وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي، وعلم الله من نيته ذلك، أثابه ولو أخطأ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به، مطلع على ما فعله، فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة. وأما الوصية التي فيها حيف وجنف، وإثم، فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها، أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل، وأن ينهاه عن الجور والجنف، وهو: الميل بها عن خطأ، من غير تعمد، والإثم: وهو التعمد لذلك. فإن لم يفعل ذلك، فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم، ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة، ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم فهذا قد فعل معروفا عظيما، وليس عليهم إثم، كما على مبدل الوصية الجائزة، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } أي: يغفر جميع الزلات، ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه، ومنه مغفرته لمن غض من نفسه، وترك بعض حقه لأخيه، لأن من سامح، سامحه الله، غفور لميتهم الجائر في وصيته، إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته، رحيم بعباده، حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون، فدلت هذه الآيات على الحث على الوصية، وعلى بيان من هي له، وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة، والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 57 : 76 - سفين عن هشام بن عروة عن أبيه ان عليا دخل على رجل من بني هاشم، وهو يريد أن يوصي وكان قليل المال وكان له ولد، فقال علي، إنما قال الله تبارك وتعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ}، وليس في مالك فضل عن ولدك. فنهاه عن الوصية. [الآية 180].
همام الصنعاني
تفسير : 170- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله تعالى: {أية : حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ}تفسير : : [المائدة: 106]، قال: دخل عليُّ بن أبي طالب على مَوْلَى لُهْم وهو في الموت فقال له: ألا أوصي، فقال له: قال الله تبارك وتعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ}: [الآية: 180]، وليس له كثير شيء. 171- عبد الرزاق: قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: جع الله الوصية حقاً مما قل منه أ و كثر. 172- قال: نَسَخ الوالدان منها وترك الأقربون ممن لا يرث. 173- عبد الرزاق، قال: قال الثوري، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، قال: ذُكِرَ عنده طلحة والزبير فقيل: كانا يشددان في الوصية فقال: ومَا عَلَيْهما أن لا يَفْعلا، توفي النبي [فما أوصى]، وأوصى أبو بكر، فإن أَوْصَى فحسن، وإنم لم يُوصِ فلا بأس. 177- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبان، عن النخعي، في قوله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ}: [الآية: 180]، قال: ألف درهم إلى خمسمائة درهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):