٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
181
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أمر الوصية ووجوبها، وعظم أمرها، أتبعه بما يجري مجرى الوعيد في تغييرها. أما قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا المبدل من هو؟ فيه قولان أحدهما: وهو المشهور أنه هو الوصي أو الشاهد أو سائر الناس، أما الوصي فبأن يغير الوصي الوصية إما في الكتابة وإما في قسمة الحقوق وأما الشاهد فبأن يغير شهادة أو يكتمها، وأما غير الوصي والشاهد فبأن يمنعوا من وصل ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلوا تحت قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ }. والقول الثاني: أن المنهى عن التغيير هو الموصي نهى عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها وذلك لأنا بينا أنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأجانب ويتركون الأقارب في الجوع والضر، فالله تعالى أمرهم بالوصية للأقربين، ثم زجر بقوله: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ } من أعرض عن هذا التكليف. المسألة الثانية: الكناية في قوله: {فَمَن بَدَّلَهُ } عائد إلى الوصية، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة، وذكروا فيه وجوها أحدها: أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه، كقوله تعالى: {أية : فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } تفسير : [البقرة: 275] أي وعظ، والتقدير: فمن بدل ما قاله الميت، أو ما أوصى به أو سمعه عنه وثانيها: قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض والتقدير فمن بدل الأمر المقدم ذكره وثالثها: أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره، وإن كانت الوصية مؤنثة ورابعها: أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل وخامسها: أن تأنيث الوصية ليس بالحقيقي فيجوز أن يكنى عنها بكناية المذكر. أما قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ } فهو يدل على أن الإثم إنما يثبت أو يعظم بشرط أن يكون المبدل قد علم ذلك، لأنه لا معنى للسماع لو لم يقع العلم به، فصار إثبات سماعه كإثبات علمه. أما قوله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ } فاعلم أن كلمة {إِنَّمَا } للحصر والضمير في قوله: {إِثْمُهُ } عائد إلى التبديل، والمعنى: أن إثم ذلك التبديل لا يعود إلا إلى المبدل، وقد تقدم بيان أن المبدل من هو. واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أحكام أحدها: أن الطفل لا يعذب على كفر أبيه وثانيها: أن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه، ثم إن الوارث قصر فيه بأن لا يقضي دينه فإن الإنسان الميت لا يعذب بسبب تقصير ذلك الوارث خلافاً لبعض الجهال وثالثها: أن الميت لا يعذب ببكاء غيره عليه، وذلك لأن هذه الآية دالة على أن إثم التبديل لا يعود إلا إلى المبدل، فإن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره وتتأكد دلالة هذه الآية بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164] {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا }تفسير : [ الجاثية: 15، فصلت: 46] {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286]. المسألة الثالثة: إذا أوصى للأجانب، وفي الأقارب من تشتد حاجته هل يجوز للوصي تغيير الوصية أما من يقول بوجوب الوصية لمن لا يرث من الوالدين والأقربين اختلفوا فيه، فمنهم من قال: كانت الوصية للأقارب واجبة عليه، فإذا لم يفعل وصرف الوصية إلى الأجانب كان ذلك الأجنبـي أحق به، ومنهم من قال: ينقض ذلك ويرد إلى الأقربين وقد ذكرنا تفصيل قول هؤلاء، أما من لا يوجب الوصية للقريب الذي لا يرث، فإما أن يكون ذلك بالثلث أو بأكثر من الثلث، فإن كان بالثلث فهو جائز ولا يجوز تغييره، ثم اختلفوا في المستحب، فكان الحسن يقول: المستحب هو النقصان من الثلث، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : الثلث والثلث كثير»تفسير : فندب إلى النقصان، ومنهم من قال: بل الثلث مستحب، لأنه حقه والثواب فيه أكثر، ومنهم من يعتبر حال الميت وحال الورثة وقدر التركة، وهذا هو الأولى، فأما إن كانت الوصية بأكثر من الثلث فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز ذلك إلا بأمر الورثة، والتماس الرضا منهم، وقال آخرون: لا تأثير لقول الورثة إلا بعد الموت، ثم إذا أوصى بأكثر من الثلث اختلفوا فمنهم من قال: يجوز إن أجازه الوارث ويكون عطية من الميت، ومنهم من يقول: بل يكون كابتداء عطية من الوارث. أما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فمعناه أنه تعالى سميع للوصية على حدها، ويعلمها على صفتها، فلا يخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ} شَرْطٌ، وجوابه {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} و «ما» كافة لـ «إنّ» عن العمل. و «إثْمُهُ» رفع بالابتداء، {عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} موضع الخبر. والضمير في «بدّله» يرجع إلى الإيصاء؛ لأن الوصية في معنى الإيصاء، وكذلك الضمير في «سَمعه»، وهو كقوله: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ}تفسير : [البقرة: 275] أي وعْظ، وقوله: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} أي المال؛ بدليل قوله «منه». ومثله قول الشاعر:شعر : ما هذه الصَّوْتُ تفسير : أي الصيحة. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصة كخرعوبة البانة المُنْفَطِر تفسير : والمنفطر المنتفخ بالورق، وهو أنعم ما يكون؛ ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة. و «سَمِعه» يحتمل أن يكون سمعه من الوصيّ نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان. والضمير في «إثمه» عائد على التبديل، أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت؛ فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجّهت على الوارث أو الوليّ. وقيل: إن هذا الموصي إذا غيّر فترك الوصية أو لم يُجِزها على ما رُسم له في الشّرع فعليه الإثم. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الدَّين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمّته وحصل الوليّ مطلوباً به، له الأجر في قضائه، وعليه الوِزْر في تأخيره. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: «وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرّط في أدائه، وأمّا إذا قدر عليه وتركه ثم وصّى به فإنه لا يزيله عن ذمّته تفريط الوليّ فيه». الثالثة: ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز؛ مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث؛ قاله أبو عمر. الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جَنَف المُوصِين وتبديل المعتدين.
البيضاوي
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ} غيره من الأوصياء والشهود. {بَعْدمَا سَمِعَهُ} أي وصل إليه وتحقق عنده، {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ} فما إثم الإِيصاء المغير أو التبديل، إلا على مبدليه لأنهم الذين حافوا وخالفوا الشرع. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وعيد للمبدل بغير حق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ } أي الإيصاء من شاهد ووصي {بَعْدَمَا سَمِعَهُ } علمه {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ } أي الإيصاء المبدل {عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ } فيه إقامة الظاهر مقام المضمر {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لقول الموصي {عَلِيمٌ } بفعل الوصي فمجاز عليه.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {بدله} عائد على الإيصاء وأمر الميت وكذلك في {سمعه}، ويحتمل أن يعود الذي في {سمعه} على أمر الله تعالى في هذه الآية، والقول الأول أسبق للناظر، لكن في ضمنه أن يكون المبدل عالماً بالنهي عامداً لخلافه، والضمير في {إثمه} عائد على التبديل، و {سميع عليم} صفتان لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المتعدين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم "من موَصّ" بفتح الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون بسكون الواو، والجنف الميل، وقال الأعشى: [الطويل] شعر : تجانِفُ عَنْ حِجْرِ الْيَمَامَةِ نَاقَتي وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسِوَائِكَا تفسير : وقال عامر الرامي الحضرمي المحاربي: [الوافر] شعر : هُمُ الْمَوْلَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنَا وإِنَّا مِنْ عَدَواتِهِمْ لَزُورُ تفسير : ومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الإذاية أو يأتيها دون تعمد وذلك هو الجنف دون إثم وإذا تعمد فهو الجنف في إثم، فالمعنى: من وعظه في ذلك ورده عنه فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وما بين الورثة في ذاتهم {فلا إثم،عليه، إن الله غفور} عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الإذاية {رحيم} به. وقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والربيع: معنى الآية، من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي خلف وجنف وتعمد إذاية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق فلا إثم عليه، أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد، لكنه تبديل لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "فلإثم عليه" بحذف الألف، و {كتب}: معناه فرض. والصيام في اللغة الإمساك وترك التنقل من حالٍ إلى حال، ومنه قول النابغة: [البسيط] شعر : خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَخَيْلٌ تَعْلِكُ اللُّجُمَا تفسير : أي خيل ثابتة ممسكة، ومنه قول الله تعالى: {أية : إني نذرت للرحمن صوماً} تفسير : [مريم: 26] أي إمساكاً عن الكلام، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : كأَنَّ الثُّريَّا عُلِّقَتْ في مَصَامها تفسير : أي في موضع ثبوتها وامتساكها، ومنه قوله: [الطويل] شعر : فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الْهَمِّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا تفسير : أي وقفت الشمس عن الانتقال وثبتت، والصيام في الشرع إمساك عن الطعام والشراب مقترنة به قرائن من مراعاة أوقات وغير ذلك، فهو من مجمل القرآن في قول الحذاق، والكاف من قوله {كما} في موضع نصب على النعت، تقديره كتباً كما، أو صوماً كما، أو على الحال كأن الكلام: كتب عليكم الصيام مشبهاً ما كتب على الذين من قبلكم. وقال بعض النحاة: الكاف في موضع رفع على النعت للصيام إذ ليس تعريفه بمحض لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة فلذلك جاز نعته بــ {كما} إذ لا تنعت بها إلا النكرات فهو بمنزلة كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول. واختلف المتأولون في موضع التشبيه، فقال الشعبي وغيره: المعنى كتب عليكم رمضان كما كتب على النصارى، قال: "فإنه كتب عليهم رمضان فبدلوه لأنهم احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره، قرناً بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي". قال النقاش: "وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي"، وقيل: بل مرض ملك من ملوكهم فنذر إن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم آخر سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله. وقال السدي والربيع: التشبيه هو أن من الإفطار إلى مثله لا يأكل ولا يشرب ولا يطأ، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان في النصارى أولاً،وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله بسبب عمر وقيس بن صرمة بما يأتي من الآيات في ذلك. وقال عطاء: "التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر - قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي بعض الطرق: ويوم عاشوراء - كما كتب على الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان". وقالت فرقة: التشبيه كتب عليكم كصيام بالإطلاق، أي قد تقدم في شرع غيركم، فـ {الذين} عام في النصارى وغيرهم، و {لعلكم} ترجّ في حقهم، و {تتقون} قال السدي: معناه تتقون الأكل والشرب والوطء بعد النوم على قول من تأول ذلك، وقيل: تتقون على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام: "جنة" ووجاء وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات. و {أياماً} مفعول ثان بــ {كتبَ}، قاله الفراء، وقيل: هي نصب على الظرف، وقيل: نصبها بـ {الصيام}، وهذا لا يحسن إلا على أن يعمل الصيام في الكاف من {كما} على قول من قدر: صوما كما، وإذا لم يعمل في الكاف قبح الفصل بين المصدر وبين ما عمل فيه بما عمل فيه غيره، وذلك إذا كان العامل في الكاف {كتب}، وجوز بعضهم أن يكون {أياماً} ظرفاً يعمل فيه {الصيام}، و {معدودات}، قيل: رمضان: وقيل: الثلاثة الأيام. وقوله تعالى {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر}، التقدير: فأفطر {فعدة من أيام أخر}، وهذا يسمونه فحوى الخطاب. واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر: فقال قوم: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المريض صح الفطر قياساً على المسافر أنه يفطر لعلة السفر وإن لم تدعه إلى الفطر ضرورة، وقاله ابن سيرين. وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف من الصوم تزيده صح له الفطر، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك رحمه الله، وبه يناظرون، وأما لفظ مالك فهو: المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. وقال الحسن: "إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائماً أفطر". وقالت فرقة: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر، وهذا قول الشافعي رحمه الله. واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال قوم والشافعي ومالك في بعض ما روي عنه: الصوم أفضل لمن قوي، وجل مذهب مالك التخيير. وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: الفطر أفضل. وقال مجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: أيسرهما أفضلهما، وكره ابن حنبل وغيره الصوم في السفر. وقال ابن عمر: من صام في السفر قضى في الحضر، وهو مذهب عمر رضي الله عنه، ومذهب مالك في استحبابه الصوم لمن قدر عليه. وتقصير الصلاة حسن، لأن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة في أمر الصيام، والصواب المبادرة بالأعمال. وقال ابن عباس رضي الله عنه: "الفطر في السفر عزمة"، وذهب أنس بن مالك إلى الصوم، وقال: إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع، ونغدو إلى جوع، والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح، ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة، واختلف في قدر ذلك، فقال مالك: يوم وليلة ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلاً، وروي عنه: يومان، وروي عنه في العتبية: خمسة وأربعون ميلاً، وفي المبسوط: أربعون ميلاً، وفي المذهب: ستة وثلاثون ميلاً، وفيه: ثلاثون. وقال ابن عمر وابن عباس والثوري: الفطر في سفر ثلاثة أيام، وفي غير المذهب: يقصر في ثلاثة أميال فصاعداً. وقوله تعالى: {فعدة} مرفوع على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح أن يرتفع على ابتداء والخبر بعده والتقدير فعدة أمثل له، ويصح فعليه عدة، واختلف في وجوب تتابعها على قولين، و {أخر} لا ينصرف عند سيبويه لأنه معدول عن الألف واللام لأن هذا البناء إنما يأتي بالألف واللام كما تقول الفضل والكبر فاجتمع فيه العدل والصفة، وجاء في الآية {أخر} ولم يجىء أخرى لئلا تشكل بأنها صفة للعدة، والباب أن جمع ما لا يعقل يجري في مثل هذا مجرى الواحدة المؤنثة ومنه قوله تعالى {أية : يا جبال أوبي معه} تفسير : [سبأ: 10]، إلى غير ذلك. وقرأ جمهور الناس "يطيقونه" بكسر الطاء وسكون الياء والأصل "يطوقونه" نقلت حركة الواو إلى الطاء وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ حميد "يطوقونه" وذلك على الأصل، والقياس الإعلال. وقرأ ابن عباس "يطوقونه" بمعنى يكلفونه. وقرأت عائشة وطاوس وعمرو ابن دينار "يَطَّوقونه" بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة. وقرأت فرقة "يُطَيَّقونه" بضم الياء وشد الطاء المفتوحة. وقرأ ابن عباس "يَطيَّقونه" بفتح الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة بمعنى يتكلفونه، وحكاها النقاش عن عكرمة، وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف. وقرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان "فديةُ طعام مساكين" بإضافة الفدية. وقرأ هاشم عن ابن عامر "فديةٌ طعام مساكين" بتنوين الفدية. وقرأ الباقون "فديةٌ" بالتنوين "طعام مسكين" بالإفراد، وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم، وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية. قال أبو علي: "فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون؟، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكيناً، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} تفسير : [النور: 4] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون. واختلف المتأولون في المراد بالآية فقال معاذ بن جبل وعلقمة والنخعي والحسن البصري وابن عمر والشعبي وسلمة بن الأكوع وابن شهاب: كان فرض الصيام هكذا على الناس من أراد صام ومن أراد أطعم مسكيناً وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185]. وقالت فرقة: و {على الذين يطيقونه} أي على الشيوخ والعجّز، الذين يطيقون، لكن بتكلف شديد فأباح الله لهم الفدية والفطر، وهي محكمة عند قائلي هذا القول. وعلى هذا التأويل تجيء قراءة {يطوقونه} و"يطوقونه". وقال ابن عباس: "نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجّز خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ثم نسخت بقوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185]، فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم". وقال السدي: {وعلى الذين يطيقونه} أي على الذين كانوا يطيقونه وهم بحالة الشباب ثم استحالوا بالشَّيَخ فلا يستطيعون الصوم"، وهي عنده محكمة، ويلزم الشيوخ عنده الفدية إذا أفطروا، ونحوه عن ابن عباس. وقال مالك: "لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة، وتستحب لمن قدر عليها"، والآية عنده إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية. وقال الشافعي وأبو حنيفة: على الشيخ العاجز الإطعام. وحكى الطبري عن عكرمة أنه كان يقرؤها "وعلى الذين يَطَّيَّقونه" فأفطر، ومذهب مالك رحمه الله وجماعة من العلماء أن قدر الدية مد لكل مسكين. وقال قوم: قوت يوم: وقال قوم: عشاء وسحور. وقال سفيان الثوري: نصف صاع من قمح أو صاع من تمر أو زبيب، والضمير في {يطيقونه} عائد على {الصيام}، وقيل على الطعام وهو قول ضعيف. واختلف في الحامل فقال ابن عمر وابن عباس: تفدي وتفطر ولا قضاء عليها. وقال الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة ومالك: تقضي الحامل إذا أفطرت ولا فدية عليها. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل ومجاهد: تقضي وتفدي إذا أفطرت، وكذلك قال مالك في المرضع إنها إذا أفطرت تقضي وتفدي، هذا هو المشهور عنه، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا إطعام على المرضع. وقوله تعالى: {فمن تطوع خيراً فهو خير له} الآية، قال ابن عباس وطاوس عطاء والسدي: المراد من أطعم مسكينين فصاعداً. وقال ابن شهاب: "من زاد الإطعام على الصوم" وقال مجاهد: "من زاد في الإطعام على المد"، و {خير} الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث، و {خير} الأول قد نزل منزلة مالاً أو نفعاً، وقرأ أبيّ بن كعب "والصوم خير لكم" بدل {وأن تصوموا}. وقوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ} غَيَّرَ الوصية بعد ما سمعها. إنما ذكِّر، لأن الوصية قول.
الخازن
تفسير : {فمن بدله} أي غير الوصية من الأولياء والأوصياء وذلك التغيير يكون إما في الكتابة أو في قسمة الحقوق، أو الشهود بأن يكتموا الشهادة أو يغيروها. وإنما ذكر الكناية في بدله مع أن الوصية مؤنثة لأن الوصية بمعنى الإيصاء كقوله: {أية : فمن جاءه موعظة} تفسير : [البقرة: 275] أي وعظ والتقدير فمن بدل قول الميت، أو ما أوصي به {بعد ما سمعه} أي من الموصي وتحققه {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} أي إن إثم ذلك التبديل لا يعود إلاّ على المبدل، والموصي والموصى له بريئان منه {إن الله سميع} يعني لما أوصى به الموصي {عليم} يعني بتبديل المبدل.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ...}. ابن عرفة: إن أريد به الموصى فالمعنى: فمن لم يمتثله، لأن تبديل حكم الله تعالى غير معقول. وإن أريد به الوارث الأجنبي فالتبديل حقيقة بَاقِ على ظاهره. قوله تعالى: {فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال ابن عرفة: كان بعضهم يفهم فيقول فائدة الحصر أنّ الموصي للفقراء بوصية ثم منعهم منها سلطان ظالم فالأجر ثابت للموصي والإثم خاص بالظالم. قال: (وكذلك) أخذ منه بعضهم، أنّ الموصي إذا اعترف بدين عليه وحبسه الوارث عن ربّه فقد برىء الموصي من عهدته وإثمه على المانع. ففي الآية ثلاثة أسئلة: - الأول: لم خص الحصر بإنَّما ولم يقل: فإثمه إلا على الذين يبدلونه مع أنه أصرح؟ والجواب أنهم قالوا: إنّ "إنما" تقتضي ثبوت ما بعدها بخلاف (إلاّ) فتقتضي وجود الإثم وثبوته. - السؤال الثاني: قال "يبدلونه" بلفظ المضارع "ومن بدله" بلفظ الماضي؟ والجواب عنه ما أجاب الزمخشري في قوله الله تعالى {أية : وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ}تفسير : وهو أنه لما كان القتل عمدا ممنوعا شرعا عبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل إشعارا بكراهيته (والتنفير) عنه حتى كأنه غير واقع، وكذلك يقال هنا. قلت: لأنه ذكر لفظ الإثم في الثاني مقرونا بأداة الحصر أتي بالفعل مستقبلا زيادة في (التنفير) عن موجب الإثم. - السؤال الثالث: هلا استغنى على إعادة الظاهر فيقال: فإنما إثمه عليه؟ والجواب عن ذلك! أنه تنبيه على العلة التي لأجلها كان مأثوما وهي التبديل.
ابن عادل
تفسير : يجوز في "مَنْ" أن تكون شرطيَّةً وموصولةً، والفاء: إمَّا واجبةٌ، إن كانت شرطاً، وإمَّا جائزةٌ، إن كانت موصولةً، والهاء في "بَدَّلَهُ" يجوز أن تعود على الوصيَّة، وإن كان بلفظ المؤنَّث؛ لأنَّها في معنى المذكَّر، وهو الإيصاء؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةً}تفسير : [البقرة: 275] أي وعظٌ، أو تعود على نفس الإيصاء المدلول عليه بالوصيَّة، إلاَّ أنَّ اعتبار المذكَّر في المؤنَّث قليلٌ، وإن كان مجازيًّا؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: "هْنْدٌ خَرَجَتْ، والشَّمْسُ طَلَعَتْ"، ولا يجوز: "الشّمْسُ طَلَعَ" كما لا يجوز: "هِنْدٌ خَرَجَ" إلا في ضرورة. وقيل: تعود على الأمر، والفرض الذي أمر الله به وفرضه. وقيل: تعود إلى معنى الوصيَّة، وهو قولٌ، أو فعلٌ، وكذلك الضَّمير في "سَمِعَهُ" والضَّمير في "إثْمُهُ" يعود على الإيصاء المبدَّل، أو التَّبديل المفهوم من قوله: "بَدَّلَهُ"، وقد راعى المعنى في قوله: {عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}؛ إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول، لقال {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عليه، أو على الذي يُبَدِّلُهُ}، وقيل: الضَّمير في "بَدَّلَهُ" يعود على الكتب، أو الحَقِّ، أو المعروفِ، فهذه ستَّة أقوال، و"مَا" في قوله: "بَعْدَمَا سَمِعَهُ" يجوز أن تكون مصدريَّةً، أي: بعد سماعه، وأن تكون موصولةً بمعنى "الذي"، فالهاء في "سَمِعَهُ" على الأول تعود على ما عاد عليه الهاء في "بَدَّلَهُ"؛ وعلى الثاني: تعود على الموصول، أي "بَعْدَ الَّذي سَمِعَهُ مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ". فصل في بيان المبدِّل في المبدِّل قولان: أحدهما: انه الوصيُّ، أو الشاهد، أو سائر النَّاس أما الوصيُّ: فبأن يغيِّر الموصى به: إمَّا في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وأمَّا الشاهد: فبأن يغيِّر شهادته، أو يكتمها، وأما غير الوصي والشاهد؛ فبأن يمنعوا من وصول ذلك المال إلى مستحقِّه، فهؤلاء كلُّهم داخلون تحت قوله: "فَمَنْ بَدَّلَهُ". الثاني: أن المبدِّل هو الموصي، نهي عن تغيير الوصيَّة عن موضعها التي بيَّن الله تعالى الوصية إليها؛ وذلك أنا بيَّنَّا أنهم كانوا في الجاهليَّة يوصون للأجانب، ويتركون الأقارب في الجوع والضَّر، فأمرهم الله تعالى بالوصيَّة إلى الأقربين، ثم زجر بقوله: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} أي: من أعرض عن هذا التَّكليف، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، أي سَمِيعٌ لما أوصى به الموصي، عليمٌ بنيَّته، لا تخفى عليه خافيةٌ من التَّغيير الواقع فيها. فصل في تبديل الوصيَّة بما لا يجوز قال القرطبيُّ: لا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز؛ مثل: أن يوصي بخمرٍ، أو خنزير، أو شيءٍ من المعاصي، فإنه لا يجوز إمضاؤه، ويجوز تبديله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} وقد وقع أجر الموصي على الله وبرىء من اثمه في وصيته، أو حاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب. وأخرج ابن جرير عن قتاده في قوله {فمن بدله} قال: من بدل الوصيه بعدما سمعها، فإثم ما بدل عليه. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {فمن بدله} يقول: للأوصياء من بدل وصية الميت {من بعد ما سمعه} يعني من بعد ما سمع من الميت فلم يمض وصيته إذا كان عدلاً {فإنما إثمه} يعني إثم ذلك {على الذين يبدلونه} يعني الوصي وبرىء منه الميت {إن الله سميع} يعني للوصية {عليم} بها {فمن خاف} يقول: فمن علم {من موص} يعني من الميت {جنفاً} ميلاً {أو إثماً} يعني أو خطأ فلم يعدل {فأصلح بينهم} رد خطأه إلى الصواب {إن الله غفور} للوصي حيث أصلح بين الورثة {رحيم} به رخص له في خلاف جور وصية الميت. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {جنفاً} قال: الجور والميل في الوصية قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد وهو يقول: شعر : وأمك يا نعمان في اخواتها يأتين ما يأنينه جنفا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {جنفاً أو إثماً} قال: الجنف الخطأ، والإثم العمد. وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله {جنفاً أو إثماً} قال: خطأ أو عمداً. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله {جنفاً} قال: حيفاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {فمن خاف من موص...} الآية. قال: هذا حين يحضر الرجل وهو يموت، فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصر عن حق قالوا له: افعل كذا وكذا، واعط فلاناً كذا وكذا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {خاف من موص...} الآية. قال: من أوصى بحيف أو جار في وصية فيردها ولي الميت أو إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه كان له ذلك. وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الجنف في الوصية، والإِضرار فيها من الكبائر. وأخرج أبو داود في مراسيله وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن الثوري في قوله {فمن بدله بعدما سمعه} قال: بلغنا أن الرجل إذا أوصى لم تغير وصيته حتى نزلت {فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم} فرده إلى الحق.
ابو السعود
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ} أي غيَّره من الأوصياء والشهود {بَعْدِ مَا سَمِعَهُ} أي بعد ما وصل إليه وتحقّق لديه {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي إثمُ الإيصاءِ المُغيِّر أو إثمُ التبديل {عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ} لأنهم خانوا وخالفوا حكمَ الشرعِ، ووضعُ الموصولِ في موضع الضميرِ الراجعِ إلى (مَنْ) لتأكيد الإيذان بعِلّية ما في حيز الصلة الأولى، وإيثارُ الجمعِ للإشعار بتعدُّد المبدّلين أنواعاً أو كثرتِهم أفراداً والإيذانِ بشمول الإثمِ لجميع الأفراد {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وعيدٌ شديد للمبدلين.
القشيري
تفسير : من حرّف نُطْقَاً جرى بِحقِّهِ لِحَقَه شؤمُ ذلك ووباله. وعقوبته أن يُحرَم رائحة الصدق أن يشمه. فمن أعان الدينَ أعانه الله، ومن أعان على الدين خذله الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن بدله} الضمير راجع الى الوصية لكونها فى تأويل الايصاء اى غير الايصاء عن وجهه الشرعى والمشهور ان من غير ايصاء المحتضر هو الوصى او الشاهد فالوصى يغير الوصية اما فى الكتابة او فى قسمة الحقوق والشاهد يغيرها اما بتغيير وجه الشهادة او بكتمها ويمكن ان يكون التبديل من سائر الناس بان منعوا من وصول المال الموصى به الى مستحقه فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله فمن بدله {بعد ما سمعه} اى بعد ما وصل اليه وتحقق لديه {فانما اثمه} اى ما اثم الايصاء المغير او اثم التبديل الا {على الذين يبدلونه} لانهم خانوا وخالفوا الشرع لا على الموصى وهو الميت فانه بريء من الاثم {ان الله سميع} بالايصاء وتغييره {عليم} بثوابه وجزاء من غيره وهو يجازى كل واحد منهما بما يستحقه.
الطوسي
تفسير : الهاء في قوله: {فمن بدله} عائدة على الوصية: وانما ذكرّ حملا على المعنى، لأن الايصاء والوصية واحد. والهاء في قوله: {فإنما إثمه} عائدة على التبديل الذي دلّ عليه قوله: {فمن بدله}. وقال الطبري: الهاء تعود على محذوف، لأن عودها على الوصية المذكورة لا يجوز، لأن التبديل إنما يكون لوصية الموصي. فأما أمر الله عز وجل بالوصية، فلا يقدر هو، ولا غيره أن يبدله قال الرماني: وهذا باطل، لأن ذكر الله الوصية إنما هو لوصية الموصي، فكأنه قيل: كتب عليكم وصية مفروضة عليكم، فالهاء تعود إلى الوصية المفروضة التي يفعلها الموصي. وقوله تعالى: "فمن بدله" فالتبديل: هو تغيير الشيء عن الحق فيه. فأما البدل، فهو وضع شيء مكان آخر. ومن أوصى بوصية في ضرار فبدلها الوصي، لا يأثم. وقال ابن عباس: من وصى في ضرار لم تجز وصيته لقوله {أية : غير مضار}.تفسير : والوصي إذا بدّل الوصية لم ينقص من أجر الموصي شيء، كما لو لم تبدّل، لأنه لا يجازى أحد على عمل غيره، لكن يجوز أن يلحقه منافع الدعاء، والاحسان الواصل الى الموصى له، على غير وجه الأجر له، لكن على وجه الجزاء لغيره ممن وصل إليه ذلك الاحسان، فيكون ما يلحق المحسن إليه من ذلك أجراً له، يصح بما يصل الى المحسن إليه من المنفعة. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب من قال: إن الطفل يعذب بكفر أبويه، لأن الله تعالى بين وجه العدل في هذه. وقياس العدل في الطفل ذلك القياس، فمن هناك دل على الحكم فيه. وفيها ايضاً دلالة على بطلان قول من يقول: إن الوارث اذا لم يقبض دين الميت أنه يؤخذ به في قبره أو فى الآخرة، لما قلنا من أنه دلّ على أن العبد لا يؤآخذ بجرم غيره وأن لا إثم عليه بتبديل غيره. وكذلك لو قضى عنه الوارث من غير أن يوصي به الميت لم يزل عقابه بقضاء الوارث عنه إلا أن يتفضل باسقاطه عنه. وقوله تعالى: {إن الله سميع عليم} معناه سميع لما قاله الموصى من العدل؛ أو الجنف، عليم بما يفعله الوصي من التبديل أو التصحيح، فيكون ذكر ذلك داعياً الى طاعته.
الجنابذي
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ} اى كتب الوصيّة بان لا يعمل به ويترك الايصاء للوالدين والاقربين او من بدّل الوصيّة الثّابتة من المحتضر سواء كان المبدّل الوصىّ او الوارث او الشّهود او الحاكم، وتذكير الضّمير باعتبار الايصاء {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} اى فرض الله وحكمه على الاوّل والايصاء على الثّانى والتّقييد به اشارة الى انّه مثل سائر التّكاليف لا مؤاخذة عليه قبل العلم به {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم وزيادة زجرٍ منه بتكريره والحصر هاهنا حصر قلب ادّعائىّ فرضىّ فانّه تعالى جرى على طريقة المخاطبات العرفيّة واهل العرف اذا ارادوا المبالغة فى المنع عن شيءٍ او التّرغيب فى شيءٍ يقولون: لا تفعله فليس وباله الاّ عليك، او افعله فليس أجره الاّ لك كأنّ المتكلّم يدّعى انّ فاعل هذا القبيح يعلم انّ على هذا الفعل عقوبة لكن يحسب أنّ عقوبته على غير الفاعل فيفعله فيقول: ليس كما زعمت ليس وباله الاّ عليك وهكذا الحال فى التّرغيب {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لما قاله الموصى حين الايصاء او المبدّلون حين التّبديل {عَلِيمٌ} بأغراضهم فيجازى كلاّ بحسب قوله وغرضه وهو تهديد للمبدّلين.
الهواري
تفسير : قوله: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال الحسن: هي الوصية، من بدّلها بعد ما سمعها فإنما إثمها على الذي يبدلها. تفسيره: من بدّل ما في الوصية، يعني الولي أو الشهود، فإنما إثمه على الذين يبدلونه. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قوله: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} قوله: {فَمَنْ خَافَ} أي: فمن علم، من موص، يعني الذي يوصي، {جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} يعني بين من أوصى له وبين الورثة {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}. قال بعضهم: من أوصى في وصيته بجور أو جنف، فردها الولي أو إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه، فذلك له. قوله: {جَنَفاً أَوْ إِثْماً}: الجنف: أن يوصي بجور وهو لا يتعمد الجور، كقوله: (أية : غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِِّثْمٍ) تفسير : [المائدة:3] أي غير متعمد لإِثم. والإِثم أن يوصي بجور وهو يعلم أنه جور. {إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {فَمنْ بدَّلهُ}: أى بدل الإيصاء المعبر عنه بالوصية، أو الإيصاء المفهوم من الوصية، أو بدل ما ذكر من الوصية، أو يدل الموصى له المدلول عليه بالوصية، وبدل الحق المذكور فى قوله: {حقا على المتقين}. أو بدل المعروف: والتبديل التغيير، ويكون من الكاتب فى كتابه، ومن الأولياء والأوصياء بمحو ما فى الوصية والزيادة والنقص، ويكون فى القسمة، ويكون فى شهادة الشهود، ويكون من الموصى فى الوصية بلا عدل. {بَعْد ما سَمِعه}: عن الله أو عن الموصى أو عن الشهود، أو عن الكتابة، فالسمع التحقق أو العلم، ليشمل ذلك كله، وذلك مجاز لاستلزام السمع وتحقق الشئ والعلم به بحسب ما وصل سمعه وأدركه. {فإنَّما إثْمهُ}: أى إثم التبديل، أو إثم ذلك المبدل (بفتح الدال) أى الإثم المترتب على تبديله، والمبدل (بفتح الدال) هو ما عاد إليه الضمير فى بدله بأوجهه. {عَلى الَّذينَ يُبَدِّلونَهُ}: هم من بدله، فمقتضى الظاهر: فإنما إثمه عليه، فوضع الظاهر موضع المضمر، ليصرح بعلة الإثم وهى التبديل، والإثم المذكور كبيرة، والحصر فى الذين يبدلونه، لأنهم المباشرون للتبديل لكنه إضافى، أى لا يكون إثم التبديل إلا على الذى بدل، وأما إثم الأخذ فثابت أيضاً على من أخذ إذا لم يجز له الأخذ، مثل أن يوصى لعاص على معصيته، أو يربو، أو بأكثر من الثلث فيأخذ الأكثر بلا رضاً من الورثة ونحو ذلك مما لا يجوز، فإن الإثم فيه على من أخذ أيضاً، وعلى راض وشاهد ومنفذ وساع فى تسويغ ذلك، ولو بأقل القليل، والمشهور أنه لا إثم على من أوصى لوارث أو بأكثر من الثلث لغير وارث، إذا علم أن الأمر بعد إلى تجويز الورثة أو منعهم. {إنَّ اللَّهَ سَميعٌ}: لقول الموصى فى إيصائه، وبكل ما قال مبدل فى تبديله، وبكل شئ. {عَليمٌ} بكل فعل. وذلك وعيد للذين يبدلون، الموصين وغيرهم، بالعقاب على التبديل.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ بَدَّلَهُ} بدل الإيصاء، أو بدل الوصية، فذكر الضمير لأنها بمعنى الإيصاء، أو بدل المعروف، فالمبدل إما حكم الله، وتبديله تغييره بعدم الحكم به، أو كتمه فينفذ غيره، أو تأويله بباطل، أو ترك الإيصاء المأمور به، وأما شأن الوصية بأن لا ينفذ الورثة أو الوصى الوصية أو ينقصوا منها أو يغيروا صفتها مثل أن يوصى بثوب جديد فينفقوا خلقا، أو بعتق عبدين فيعتقوا واحدا أو بغير ما شهد به، أو يدخل الحاكم فيه بجوار، أو ينكر الورثة الوصية {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} من كتاب الله أو من الموصى أو الشهود {فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ} إثم التبديل {عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} لا على الموصى، أو على من بدل حكم الله لا على غيره، فإنه لا تزل وازرة وزر أخرى، والذين هم من بدله بعد ما سمعه، فمقتضى الظاهر الإضمار، هكذا فإنما إثمه عليه، والهاء عائدة إلى ما عادت إليه هاء بدله، ويجوز كونها مفعولا مطلقا عائدة إلى ما عادت إليه هاء إثمه، وعليه فالمفعول محذوف، هو ضمير عائد إلى ما عادت إليه هاء بدله، كقولك الإكرام الشديد أكرمه الله زيدا {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} بالأقوال والأصوات أى عليم بها كلها {عَلِيمٌ} بالأفعال والأوصاف والاعتقادات وكل شىء، ومن ذلك علمه بقول الموصى وغيره وفعل الموصى وغيره، فيجازى على ذلك، وأنت خبير بأن وصية الأقرب واجبة، فمن لم يوص بها وقد ترك خيراً هلك، كما قال على: ختم عمله بالمعصية، وقيل: نسخ الوجوب نهى مستحبة، وقيل: نسخ فى حق من ترث وتجب لمن لا يرث ولو كافراً.
الالوسي
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ} أي غير الإيصاء من شاهد ووصي، وتغيير كل منهما إما بإنكار الوصية من أصلها أو بالنقص فيها أو بتبديل صفتها أو غير ذلك، وجعل الشافعية من التبديل عموم وصيته من أوصي إليه بشيء خاص، فالموصى بشيء خاص لا يكون وصياً في غيره عندهم ويكون عندنا وليس ذلك من التبديل في شيء {بَعْدِ مَا سَمِعَهُ} أي علمه وتحقق لديه، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله. {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ} أي فما إثم الإيصاء المبدل أو التبديل، والأول: رعاية لجانب اللفظ، والثاني: رعاية لجانب المعنى إلا على مبدليه لا على الموصي لأنهم الذين خالفوا الشرع وخانوا، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على علية التبديل للإثم، وإيثار صيغة الجمع مراعاة لمعنى من، وفيه إشعار بشمول الإثم لجميع الأفراد. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيسمع أقوال المبدلين والموصين ويعلم بنياتهم فيجازيهم على وفقها، وفي هذا وعيد للمبدلين ووعد للموصين، واستدل بالآية على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية ولا يلحقه ضرر إن لم يعمل بها، وعلى أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة وإن ترك الوصي والوارث قضاءه ـ وإلى ذلك ذهب إلكيا ـ والذي يميل القلب إليه أن المديون لا تبعة عليه بعد الموت مطلقاً ولا يحبس في قبره ـ كما يقوله الناس ـ أما إذا لم يترك شيئاً ومات معسراً فظاهر لأنه لو بقي حياً لا شيء عليه بعد تحقق إعساره سوى نظرة إلى ميسرة، فمؤاخذته وحبسه في قبره بعد ذهابه إلى اللطيف الخبير مما لا يكاد يعقل، وأما إذا ترك شيئاً وعلم الوارث بالدين أوبرهن عليه به كان هو المطالب بأدائه والملزم بوفائه فإذا لم يؤد ولم يف أوخذ هو لا من مات وترك ما يوفي منه دينه كلاً أو بعضاً فإن مؤاخذة من يقول يا رب تركت ما يفي ولم يف عني من أوجبت عليه الوفاء بعدي ولو أمهلتني لوفيت مما ينافي الحكمة ولا تقتضيه الرحمة، نعم المؤاخذة معقولة فيمن استدان لحرام وصرف المال في غير رضا الملك العلام، وما ورد في الأحاديث محمول على هذا أو نحوه وأخذ ذلك مطلقاً مما لا يقبله العقل السليم والذهن المستقيم.
ابن عاشور
تفسير : الضمائر البارزة في (بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه) عائدة إلى القول أو الكلام الذي يقوله الموصي ودل عليه لفظ { أية : الوصية } تفسير : [البقرة: 180]، وقد أكد ذلك بما دل عليه قوله {سَمِعَهُ} إذ إنما تسمع الأقوال وقيل هي عائدة إلى الإيصاء المفهوم من قوله: {الوصية} أي كما يعود الضمير على المصدر المأخوذ من الفعل نحو قوله تعالى: { أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى } تفسير : [المائدة: 8]، ولك أن تجعل الضمير عائداً إلى { أية : المعروف } تفسير : [البقرة: 180]، والمعنى فمن بدل الوصية الواقعة بالمعروف، لأن الإثم في تبديل المعروف، بدليل قوله الآتي: { أية : فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه } تفسير : [البقرة: 182]. والمراد من التبديل هنا الإبطال أو النقص؛ وما صْدَقُ (مَنْ بدَّله) هو الذي بيده تنفيذ الوصية من خاصة الورثة كالأبناء ومن الشهود عليها بإشهاد من الموصي أو بحضور موطن الوصية كما في الوصية في السفر المذكورة في سورة المائدة: { أية : لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الأثمين } تفسير : [المائدة: 106] فالتبديل مستعمل في معناه المجازي لأن حقيقة التبديل جعل شيء في مكان شيء آخر والنقض يستلزم الإتيان بضد المنقوض وتقييد التبديل بظرف {بعدما سمعه} تعليل للوعيد أي لأنه بدل ما سمعه وتحققه وإلاّ فإن التبديل لا يتصور إلاّ في معلوم مسموع؛ إذ لا تتوجه النفوس إلى المجهول. والقصر في قوله: {فإنما إثمه} إضافي، لنفي الإثم عن الموصي وإلاّ فإن إثمه أيضاً يكون على الذي يأخذ ما لم يجعله له الموصي مع علمه إذا حاباه منفذ الوصية أو الحاكم فإن الحُكم لا يحل حراماً، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار»تفسير : ، وإنما انتفى الإثم عن الموصي لأنه استبرأ لنفسه حين أوصى بالمعروف فلا وزر عليه في مخالفة الناس بعده لما أوصى به، إذ { أية : ألا تزر وٰزرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } تفسير : [النجم: 38 ــــ 39]. والمقصود من هذا القصر إبطال تعلل بعض الناس بترك الوصية بعلة خيفة ألاّ ينفذها الموكول إليهم تنفيذُها، أي فعليكم بالإيصاء ووجوب التنفيذ متعين على ناظر الوصية فإن بدله فعليه إثمه، وقد دل قوله: {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} أن هذا التبديل يمنعه الشرع ويضرب ولاةُ الأمور على يد من يحاول هذا التبديل؛ لأن الإثم لا يقرر شرعاً. وقوله: {إن الله سميع عليم} وعيد للمبدل، لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل وجارُوا بأنواع الجور فالله سميع وصية الموصي ويعلم فعل المبدل، وإذا كان سميعاً عليماً وهو قادر فلا حائل بينه وبين مجازاة المبدل. والتأكيد بإن ناظر إلى حالة المبدل الحكمية في قوله: {فمن بدله} لأنه في إقدامه على التبديل يكون كمن ينكر أنَّ الله عالم فلذلك أَكِّد له الحكم تنزيلاً له منزلة المنكر.
د. أسعد حومد
تفسير : (181) - وَإِذا صَدَرَتِ الوَصِيَّةُ عَنِ المُوصِي كَانَتْ حَقّاً وَاجِباً لاَ يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَلاَ تَبْدِيلُهُ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الوَصِيَّةُ مُجَافِيةً لِلعَدْلِ، فَمَنْ بَدَّلَ الوَصِيَّةَ - سَواءٌ أَكَانَ وَصِيّاً أَوْ شَاهِداً - أَوْ حَرَّفَها فَغَيَّرَ فِي حُكْمِها، وَزَادَ فِيها أوْ أَنْقَصَ أَوْ كَتَمَها، فَإِثْمُ التَّبدِيلِ يَقَعُ عَلَى الذِينَ يَقُومُونَ بِهِ، وَيَقَعُ أَجْرُ المَيِّتِ عَلَى اللهِ، لأَِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ المَيِّتُ، وَعَلِمَ بِهِ وَبِمَا بَدَّلَهُ المُوصَى إِلَيهِمْ. وَاللهُ سَمِيعٌ لأَِقْوالِ المُبَدِّلِينَ وَالمُوصِينَ، وَيَعْلَمُ نِيَّاتِهِمْ، وَيُجَازِيهِمْ عَلَيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن نعرف أنه في زمن نزول القرآن كانت الوصية شفاهة، ولم تكن الكتابة منتشرة، ولذلك أتى الحق بالجانب المشترك في الموصي والمُوصَى له والوارث وهو جانب القول؛ فقد كان القول هو الأداة الواضحة في ذلك الزمن القديم، ولم تكن هناك وسائل معاصرة كالشهر العقاري لتوثيق الوصية، لذلك كان تبديل وصية الميت إثما على الذي يُبدل فيها. إن الموصي قد برئت ذمته، أما ذمة الموصى له والوارث فهي التي تستحق أن تنتبه إلى أن الله يعلم خفايا الصدور وهو السميع العليم. ويريد الحق أن يصلح العلاقة بين الوارث والموصي له، لذلك يقول الحق: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ ...}.
الأندلسي
تفسير : {فَمَن بَدَّلَهُ} أي الايصاء. {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} كني بالسماع عن العلم لأنه طريق لحصوله وتبديله في تغيير بعض ألفاظه ووضعه غير مواضعه وقسمته ووصوله إلى مستحقه. {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي اثم تبديله. {عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} أقام الظاهر مقام المضمر وأتى بالجمع على معنى من لا على اللفظ. ودل بقوله: على الذين يبدلونه على العليّة الحاصلة بالتبديل. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لقول الموصي. {عَلِيمٌ} بفعل الوصي وفيه تهديد ووعيد. {فَمَنْ خَافَ} أي خشي. {مِن مُّوصٍ جَنَفاً} أي مطمعا الميراث من يرثه وإن لم يتعمد ذلك. {أَوْ إِثْماً} إذا تعمد ذلك. {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} أي بينه وبين وارثه بردّه عن ذلك، أو بين الورثة والموصى لهم. {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي على الساعي في الاصلاح ولما كان الاصلاح يحتاج إلى الإِكثار من القول قد يتخلله بعض ما لا ينبغي من قول أو فعل بين ان ذلك لا إثم فيه إذا كان يقصد الاصلاح ودلت الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف من يريد الصلح لإِفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} للموصي إذا وافق على الاصلاح. {رَّحِيمٌ} به أو بين الورثة والموصى له. {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} إن كان قد سبق التعبد به قال للعهد وإلا فللجنس. {كَمَا} أي كتباً كما فهو نعت لمصدر محذوف. أو في موضع الحال على مذهب سيبويه. والتشبيه في مطلق الكتب وإن كان المتعلق مختلفاً بالعدد أو بغيره وما مصدرية. {عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} هم الأنبياء وأممهم. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ظاهره التعلق بكتب. والمعنى أن فيه ردع النفس عن الشهوات فتحصل التقوى.
همام الصنعاني
تفسير : 174- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}: [الآية: 181]، قال: مَنْ بدَّل الوصِيَّة بعدما سَمِعها فإنَّ إثم ما بدَّل عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):