Verse. 1701 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَكَاَيِّنْ مِّنْ اٰيَۃٍ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ يَمُرُّوْنَ عَلَيْہَا وَہُمْ عَنْہَا مُعْرِضُوْنَ۝۱۰۵
Wakaayyin min ayatin fee alssamawati waalardi yamurroona AAalayha wahum AAanha muAAridoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكأين» وكم «من آية» دالة على وحدانية الله «في السماوات والأرض يمرون عليها» يشاهدونها «وهم عنها معرضون» لا يتفكرون بها.

105

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال الخليل وسيبويه: هي «أيّ» دخل عليها كاف التشبيه وبُنيت معها، فصار في الكلام معنى كَمْ، وقد مضى في «آل عمران» القول فيها مستوفى. ومضى القول في آية «السَّمَوَاتِ والأرْضِ» في «البقرة». وقيل: الآيات آثار عقوبات الأمم السالفة؛ أي هم غافلون معرضون عن تأملها. وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد «وَالأَرْضُ» رفعاً ٱبتداء، وخبره. {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا}. وقرأ السّدي «وَالأَرْضَ» نصباً بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين على «السموات». وقرأ ٱبن مسعود: «يمشون عليها». قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} نزلت في قوم أقرّوا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان؛ قاله الحسن ومجاهد وعامر والشَّعبي وأكثر المفسرين. وقال عِكرمة هو قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أنداداً؛ وعن الحسن أيضاً: أنهم أهل كتاب معهم شِرْكٌ وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا يصح إيمانهم؛ حكاه ابن الأنباري. وقال ابن عباس: نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وعنه أيضاً أنهم النصارى. وعنه أيضاً أنهم المشبّهة، آمنوا مجملاً وأشركوا مُفَصَّلاً. وقيل: نزلت في المنافقين؛ المعنى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ} أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه؛ ذكره الماورديّ عن الحسن أيضاً. وقال عطاء: هذا في الدعاء؛ وذلك أن الكفار يَنْسَون ربهم في الرّخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء؛ بيانه: {أية : وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} تفسير : [يونس: 22] الآية. وقوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ} الآية. وفي آية أخرى: «وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ». وقيل: معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهَلَكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللّص، ونحو هذا؛ فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب. قلت: وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوامّ المسلمين؛ ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. وقيل: نزلت هذه الآية في قصة الدُّخَان؛ وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدُّخَان في سنيّ القَحْط قالوا: {أية : رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} تفسير : [الدخان: 12] فذلك إيمانهم، وشركهُم عودُهم إلى الكفر بعد كشف العذاب؛ بيانه قوله: {أية : إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} تفسير : [الدخان: 15] والعود لا يكون إلا بعد ٱبتداء؛ فيكون معنى: «إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ» أي إلا وهم عائدون (إلى الشرك)، والله أعلم. قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: مُجلّلة. وقال مجاهد: عذاب يغشاهم؛ نظيره. {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 55]. وقال قَتَادة: وقِيعة تقع لهم. وقال الضحّاك: يعني الصَّواعِق والقَوَارِع. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} يعني القيامة. {بَغْتَةً} نصب على الحال؛ وأصله المصدر. وقال المبرد: جاء عن العرب حال بعد نكرة؛ وهو قولهم: وقع أمر بغتة وفجأة؛ قال النحاس: ومعنى: «بَغْتَةً» إصابة من حيث لم يتوقّع. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} وهو توكيد. وقوله: «بَغْتَةً» قال ابن عباس: تَصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم ومواضعهم، كما قال: {أية : تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} تفسير : [يۤس: 49] على ما يأتي. قوله تعالى: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} ٱبتداء وخبر؛ أي قل يا محمد هذه طريقي وسُنَّتي ومِنْهَاجِي؛ قاله ابن زيد. وقال الرّبيع: دعوتي. مقاتل: ديني، والمعنى واحد؛ أي الذي أنا عليه وأدعو إليه يؤدّي إلى الجنة. {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} أي على يقين وحقّ؛ ومنه: فلان مستبصر بهذا. {أَنَاْ} توكيد. {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} عطف على المضمر. {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد: «وَسُبْحَانَ اللَّهِ». {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الذين يتخذون من دون الله أنداداً.

البيضاوي

تفسير : {وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ } وكم من آية. والمعنى وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} على الآيات ويشاهدونها. {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. وقرىء {وٱلأَرْضِ} بالرفع على أنه مبتدأ خبره {يَمُرُّونَ}، فيكون لها الضمير في {عَلَيْهَا} وبالنصب على ويطؤون الأرض. وقرىء و «الأرض يمشون عليها» أي يترددون فيها فيرون آثار الأمم الهالكة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات، وغير ذلك. وقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} قال ابن عباس: من إِيمانهم أنهم إِذا قيل لهم: من خلق السموات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به. وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وفي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم: أنهم كانوا إِذا قالوا: لبيك لا شريك لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد قد» تفسير : أي: حسب حسب، لا تزيدوا على هذا. وقال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] وهذا هو الشرك الأعظم، يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك»تفسير : وقال الحسن البصري في قوله: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} قال: ذلك المنافق يعمل إِذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك، يعني: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 142] وثمَّ شرك آخر خفي لا يشعر به غالباً فاعله؛ كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيراً، فقطعه - أو انتزعه - ثم قال: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}. وفي الحديث: «حديث : من حلف بغير الله، فقد أشرك» تفسير : رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر، وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرقى والتمائم والتولة شرك»تفسير : ، وفي لفظ لهما: «حديث : الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» تفسير : ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح، وعندي عجوز ترقيني من الحُمْرة، فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطاً، فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه ثم قال: إِن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إِن الرقى والتمائم والتولة شرك» تفسير : قالت: قلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت؟ فقال: إنما ذاك من الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أذهب الباس، رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً»تفسير : وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على عبد الله بن عُكيم، وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلقت شيئاً، فقال: أتعلق شيئاً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تعلق شيئاً وكل إِليه»تفسير : ؟ ورواه النسائي عن أبي هريرة، وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من علق تميمة فقد أشرك»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق وَدَعة، فلا وَدَعَ الله له»تفسير : ، وعن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» تفسير : رواه مسلم. وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» تفسير : رواه الإمام أحمد. وقال أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد، يعني: ابن الهاد، عن عمرو، عن محمود بن لبيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» تفسير : قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «حديث : الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟» تفسير : وقد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، أنبأنا ابن لهيعة، أنبأنا ابن هبيرة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك» تفسير : قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: «حديث : أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إِلا خيرك، ولا طير إِلا طيرك، ولا إِله غيرك»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي عن أبي علي - رجل من بني كاهل - قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام عبد الله بن حرب، وقيس بن المضارب، فقالا: والله لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذوناً لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «حديث : يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل»تفسير : فقال له من شاء الله أن يقول: فكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: «حديث : قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه»تفسير : . وقد روي من وجه آخر، وفيه: أن السائل في ذلك هو الصديق؛ كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال: حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل»تفسير : ، فقال أبو بكر: وهل الشرك إِلا من دعا مع الله إِلهاً آخر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» تفسير : ثم قال: «حديث : ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم»تفسير : وقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا» تفسير : قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ فقال: «حديث : ألا أخبرك بشيء إِذا قلته برئت من قليله وكثيره، وصغيره وكبيره؟» تفسير : قال: بلى يا رسول الله قال: «حديث : قل: اللهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»تفسير : . قال الدارقطني: يحيى بن كثير هذا، يقال له: أبو النضر، متروك الحديث، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي من حديث يعلى بن عطاء، سمعت عمرو بن عاصم، سمعت أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إِذا أصبحت وإِذا أمسيت، وإِذا أخذت مضجعي، قال: «حديث : قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إِلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه»تفسير : ، رواه أبو داود والنسائي وصححه، وزاد الإمام أحمد في رواية له من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد، عن أبي بكر الصديق، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول، فذكر هذا الدعاء، وزاد في آخره: «حديث : وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إِلى مسلم»تفسير : وقوله: {أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} الآية، أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون؟ كما قال تعالى: {أية : أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل:45-47]. وقوله: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تفسير : [الأعراف:97-99].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَأَيِّن } وكم {مِّنْ ءَايَةٍ } دالّة على وحدانية الله {فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } يشاهدونها {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } لا يتفكرون بها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه قول المشركين الله ربنا وآلهتنا ترزقنا، قاله مجاهد. الثاني: أنه في المنافقين يؤمنون في الظاهر رياء وهم في الباطن كافرون بالله تعالى، قاله الحسن. الثالث: هو أن يشبه الله تعالى بخلقه، قاله السدي. الرابع: أنه يشرك في طاعته كقول الرجل لولا الله وفلان لهلك فلان، وهذا قول أبي جعفر. الخامس: أنهم كانوا يؤمنون بالله تعالى ويكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصح إيمانهم حكاه ابن الأنباري.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: يعني بالـ {آيَةٍ}؛ هنا: المخلوقاتُ المنصوبةُ للاعتبار الدالَّة على توحيد خالقها سبحانه، وفي مُصْحَفِ عبد اللَّه: «يَمْشُونَ عَلَيْهَا». وقوله سبحانه: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }: قال ابنُ عبَّاس: هي في أهْل الكتاب، وقال مجاهد وغيره: هي في العَرَب، وقيل: نزلَتْ بسبب قَوْل قُرَيْشٍ في الطَّوَافَ، والتلبيةِ: «لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلاَّ شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»، وروي حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا سَمِعَ أَحدَهُمْ يَقُولُ: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، يَقُولُ له: قطْ قطْ تفسير : ،أي: قفْ هنا، ولا تَزِدْ: إِلا شريكاً هو لَكَ، والـــ {غَاشِيَةٌ }: ما يغشَى ويغطِّي ويغمُّ، و{بَغْتَةً}: أيْ: فجأة، وهذه الآية من قوله: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ }، وإِن كانَتْ في الكفَّار، فإِن العصاة يأخُذُونَ من ألفاظها بحظٍّ ويكون الإِيمانُ حقيقةً، والشِّرْكُ لغويًّا، كالرياء، فقد قال عليه السلام: « حديث : الرِّيَاءُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ ».

القشيري

تفسير : الآياتُ ظاهرة، والبراهين باهرة، وكلُّ جُزْءٍ من المخلوقات شاهِدٌ على أنَّه واحد، ولكن كما أَنَّ مَنْ أغْمَضَ عينه لم يستمتع بضوء نهاره فكذلك مَن قَصَّرَ في نَظَرِه واعتباره لم يحظَ بعرفانه واستبصاره.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكأين} قال المولى الجامى فى شرح الكافية من الكناية كاين وانما بنى لان كاف التشبيه دخلت على أى وأى كان معربا لكنه انمحى عن الجزءين معناهما الافرادى فصار المجموع كاسم مفرد بمعنى كم الخبرية فصار كأنه اسم مبنى على السكون آخره نون ساكنة كما فى من لا تنوين تمكن ولهذا يكتب بعد الياء نون مع ان نون التنوين لا صورة لها فى الخط اهـ {من آية} اى كثير من الآيات الدالة على وجود الصانع وتوحيده وصفاته من العلم والقدرة وغير ذلك {فى السموات والارض} صفة آية كالشمس والقمر والنجوم والمطر والشجر والدواب والبحار والانهار {يمرون عليها} خبر كأين اى يمرون على الايات ويشاهدونها {وهم عنها معرضون} لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها والقرآن هو المبين لتلك الآيات فمن لم يكن متصفا باخلاقه اذا قرأ القرآن ناداه الله مالك ولكلامى وانت معرض عنى دع عنك كلامى ان لم تتب الىّ ولما سمع المشركون قوله وكأين من آية الآية قالوا انا نؤمن بالله الذى خلق هذه الاشياء فانزل الله

الطوسي

تفسير : معنى (كأين) كم. والاصل فيها (أي) فدخلت عليها الكاف للتفخيم بالابهام، وتقديره كالعدد، فهو أبهم من نفس العدد، لما فيه من التكثير والتفخيم، وغلبت على (كأين) (من) دون (كم) لان (كأين) أشد إبهاماً، فاحتاجت الى (من) لتدل على ان ما يذكر بعدها تفسير لها. اخبر الله تعالى ان في خلق السموات والارض آيات، ودلالات كثيرة تدل على ان لها صانعاً صنعها، ومدبراً دبرها، وعلى صفاته، وعلمه، وحكمته، وأنه لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء، وهو ما فيها من تدبير الشمس والقمر والنجوم والجماد والحيوان، وما بينهما من الاشجار والنبات، وغير ذلك من الأمور الظاهرة للحواس المدركة بالعيان. وقال الحسن: من الآيات اهلاك من اهلك من الأمم الماضية، يعرضون عن الاستدلال بها عليه وعلى ما يدلهم عليه من توحيده وحكمته، مع مشاهدتهم لها ومرورهم عليها.

اطفيش

تفسير : {وكأيِّن} بمعنى كم الخبرية {مِنْ آيةٍ فى السَّماوات والأرضِ} دالة على وجود الله ووحدانيته {يمرُّونَ عَليها} ويشاهدونها {وهُم عنها معْرضُون} لا يتعظون ولا يستدلون كالشمس والقمر وخسوفهما، والنجوم وانقضاضها، والليل والنهار، وآثار الأمم الهالكة والجبال، وقرئ برفع الأرض على الابتداء، ويمرون خبر والضمير فى عليها للأرض، أو بالعطف على كأين، وقرأ السدى بالنصب على الاشتغال، أو ويطئون الأرض يمرون عليها لقولك: زبيد أمررت به، أى جاوزت زيدا مررت به، وفى مصحف ابن مسعود والأرض يمشون عليها برفع الأرض، أى يترددون فيها فيرون آثار الأمم المهلكة والجبال، وغير ذلك، وليس إعراضهم عن ذلك بأعجب من إعراضهم عنك.

اطفيش

تفسير : {وَكَأَيِّنْ} كم {مِنْ آيةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ علَيْهَا وَهُمْ عنْهَا مُعْرِضُونَ} كم دليل على وحدانية الله تعالى فى السماوات من نجوم منازل وغير منازل للقمرين ثوابت ودرار ونجوم وذوات أّذناب وغيرها وتغير أَحوالها، والقطب الشمالى ودوران النجوم عليه والقطب الجنوبى ودوران مارد سهيل عليه معه، والمجرة وفيها نجوم كبار تدور معها وسط السماءِ ومطلعها ومغربها، وإِذا استقبلت جهة تقوست إِليها، وبنات النعش الصغرى والكبرى، وإِضاءَة ما قابل الشمس من القمر، وخلو ما لم يقابلها منه وغير ذلك، وما فى الأَرض من جبال وأَشجار وبحور، وآثار الأُمم السابقة وغير ذلك، يمرون على تلك الايات بعيونهم يشاهدونها مشاهدة تشبه المرور بالأَقدام على الأَرض لا يتفكرون فيها، ومن ذلك أَن بدوياً نام فى بعض صحارى مغربنا هذا فجاءَت حية كعروض الخيمة فأَحس بشىءٍ يلمسه من تحته فى وسطه فإِِذا هو حية التوت عليه وأَسرعت به فافتتح القرآن من الفاتحة وسورة البقرة وقبل الفراغ منها خرجت عليه أَخرى مثلها تقاتلها فأَطلقته فانطلق إلى جبل فرآها إِلى موضعها الأَول تضطرب فيه، وانسلخت جلدة وسطه مع أنها لم تمسه إلا من فوق الثوب، ومن ذلك ما رأَى من سفينة أَو جبل عال فى المشرق من خروج الأُسود والنمور والأَفيال من غابة شجر فى سرعة لتواجه حية كالصومعة لو صادفت الفيل لكان لها القمة.

الالوسي

تفسير : {وَكَأَيّن مِن آيَةٍ} أي وكم من آية قال الجلال السيوطي: إن {كأي} اسم ككم التكثيرية الخبرية في المعنى مركب من كاف التشبيه وأي الاستفهامية المنونة وحكيت، ولهذا جاز الوقف عليها بالنون لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية ولذا رسم في المصحف نوناً، ومن وقف عليها بحذفه اعتبر حكمه في الأصل، وقيل: الكاف فيها هي الزائدة قال ابن عصفور: ألا ترى أنك لا تريد بها معنى التشبيه وهي مع ذا لازمة وغير متعلقة بشيء وأي مجرورها، وقيل: هي اسم بسيط واختاره أبو حيان قال: ويدل على ذلك تلاعب العرب بها في اللغات، وإفادتها للاستفهام نادر حتى أنكره الجمهور، ومنه قول أبـي لابن مسعود: كأين تقرأ سورة الأحزاب آية؟ فقال: ثلاثاً وسبعين، والغالب وقوعها خبرية ويلزمها الصدر فلا تجر خلافاً لابن قتيبة. وابن عصفور ولا يحتاج إلى سماع، والقياس على كم يقتضي أن يضاف إليها ولا يحفظ ولا يخبر عنها إلا بجملة فعلية مصدرة بماض أو مضارع كما هنا، قال أبو حيان: والقياس أن تكون في موضع نصب على المصدر أو الظرف أو خبر كان كما كان ذلك في كم. وفي "البسيط" أنها تكون مبتدأ وخبراً ومفعولاً ويقال فيها: كائن بالمدّ بوزن اسم الفاعل من كان ساكنة النون وبذلك، قرأ ابن كثير {وكأ} بالقصر بوزن {عَمَّ} {وكأي} / بوزن رمي، وبه قرأ ابن محيصن {وكيىء} بتقديم الياء على الهمزة. وذكر صاحب "اللوامح" أن الحسن قرأ {وكي} بياء مكسورة من غير همز ولا ألف ولا تشديد و {آيَةً} في موضع التمييز و {مِنْ } زائدة، وجر تمييز كأين بها دائمي أو أكثري، وقيل: هي مبينة للتمييز المقدر، والمراد من الآية الدليل الدال على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته، وهي وإن كانت مفردة لفظاً لكنها في معنى الجمع أي آيات لمكان كائن، والمعنى وكأي عدد شئت من الآيات الدالة على صدق ما جئت به غير هذه الآية. {فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي كائنة فيهما من الأَجرام الفلكية وما فيها من النجوم وتغير أحوالها ومن الجبال والبحار وسائر ما في الأرض من العجائب الفائتة للحصر:شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } يشاهدونها {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } غير متفكرين فيها ولا معتبرين بها، وفي هذا من تأكيد تعزيه صلى الله عليه وسلم وذم القوم ما فيه، والظاهر أن {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ } في موضع الصفة ـ لآية ـ وجملة {يَمُرُّونَ} خبر {كأين} كما أشرنا إليه سابقاً وجوز العكس، وقرأ عكرمة وعمرو بن قائد {والأرض} بالرفع على أن في السمٰوات هو الخبر ـ لكأين ـ {وٱلأَرْضِ} مبتدأ خبره الجملة بعده ويكون ضمير {عَلَيْهَا} للأرض لا للآيات كما في القراءة المشهورة، وقرأ السدى {والأرض} بالنصب على أنه مفعول بفعل محذوف يفسره {يَمُرُّونَ} وهو من الاشتغال المفسر بما يوافقه في المعنى وضمير {عَلَيْهَا} كما هو فيما قبل أي ويطؤون الأرض يمرون عليها، وجوز أن يقدر يطؤن ناصباً للأرض وجملة {يَمُرُّونَ} حال منها أو من ضمير عاملها. وقرأ عبد الله {والأرض} بالرفع و {ويمشون} بدل ـ يمرون ـ والمعنى على القراآت الثلاث أنهم يجيئون ويذهبون في الأرض ويرون آثار الأمم الهالكة وما فيها من الآيات والعبر ولا يتفكرون في ذلك.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } تفسير : [يوسف: 103]، أي ليس إعراضهم عن آية حصول العلم للأمّي بما في الكتب السالفة فحسب بل هم معرضون عن آيات كثيرة في السماوات والأرض. و{كأين} اسم يدل على كثرة العدد المبهم يبينه تمييز مجرور بــــ {من}. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير } تفسير : في سورة آل عمران (146). والآية: العلامة، والمراد هنا الدالةُ على وحدانية الله تعالى بقرينة ذكر الإشراك بعدها. ومعنى {يمرون عليها} يرونها، والمرور مجاز مكنّى به عن التحقق والمشاهدة إذ لا يصح حمل المرور على المعنى الحقيقي بالنسبة لآيات السماوات، فالمرور هنا كالذي في قوله تعالى: { أية : وإذا مروا باللغو مروُّا كراماً } تفسير : [الفرقان: 72]. وضمير {يمرون} عائد إلى الناس من قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}. وجملة {وما يؤمن أكثرهم بالله} في موضع الحال من ضمير {يمرون} أي وما يؤمن أكثر الناس إلا وهم مشركون، والمراد بـــــ {أكثر الناس} أهل الشرك من العرب. وهذا إبطال لما يزعمونه من الاعتراف بأن الله خالقهم كما في قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}، وبأن إيمانهم بالله كالعدم لأنهم لا يؤمنون بوجود الله إلا في تشريكهم معه غيره في الإلٰهية. والاستثناء من عموم الأحوال، فجملة {وهم مشركون} حال من {أكثرهم}. والمقصود من هذا تشنيع حالهم. والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده على وجه التهكم. وإسناد هذا الحكم إلى {أكثرهم} باعتبار أكثر أحْوالهم وأقوالهم لأنهم قد تصدر عنهم أقوال خلية عن ذكر الشريك. وليس المراد أن بعضاً منهم يؤمن بالله غير مشرك معه إلٰهاً آخر.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَكَأَيِّن} {آيَةٍ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (105) - وَمَا أَكْثَرُ الدَّلاَئِلِ التِي بَثَّهَا اللهُ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ التِي تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَلَكِنَّ قَوْمَكَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهَا، وَعَنِ التَّكْفِيرِ فِيهَا، وَفِيمَنْ خَلَقَهَا وَأَبْدَعَ نِظَامَهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذا سمعتَ "كأين" افهم أن معناها كثير كثير كثير؛ بما يفوق الحَصْر، ومثل "كأين" كلمة "كم"، والعَدُّ هو مظنة الحصر، والشيء الذي فوق الحصر؛ تنصرف عن عَدِّه، ولا أحد يحصر رمال الصحراء مثلاً، لكن كلاً منا يعُدُّ النقود التي يردُّها لنا البائع، بعد أن يأخذ ثمن ما اشتريناه. إذن: فالانصراف عن العَدِّ معناه أن الأمر الذي نريد أن نتوجه لِعدِّه فوق الحصر، ولا أحد يعُدُّ النجوم أو يحصيها. ولذلك نجد الحق سبحانه يُنبِّهنا إلى هذه القضية، لإسباغ نعمه على خلقه، ويقول: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 34]. و "إنْ" هي للأمر المشكوك فيه، وأنتم لن تعدُّوا نعمة الله؛ لأنها فوق الحصر، والمعدود دائماً يكون مُكَرراً، وذَكَر الحق هنا نعمة واحدة، ولم يحددها؛ لأن أيَّ نعمة تستقبلها من الله لو استقصيتها لوجدتَ فيها نِعَماً لا تُحصَر ولا تُعَدُّ. إذن: فكلمة "كأين" تعني "كم"، وأنت تقول للولد الذي لم يستذكر دروسه: كم نصحتك؟ وأنت لا تقولها إلا بعد أن يفيض بك الكيل. وتأتي "كم" ويُراد بها تضخيم العدد، لا منك أنت المتكلم، ولكن ممَّنْ تُوجِّه إليه الكلام، وكأنك تستأمنه على أنه لن ينطق إلا صِدْقاً، أو كأنك استحضرتَ النصائح، فوجدتها كثيرة جداً. والسؤال عن الكمية إما أنْ يُلْقَى من المتكلم، وإما أن يُطلب من المخاطب؛ وطلبُه من المخاطب دليل على أنه سَيِقُرّ على نفسه، والإقرار سيد الأدلة. وحين يقول سبحانه: {وَكَأَيِّن} [يوسف: 105]. فمعناها أن ما يأتي بعدها كثير. وسبحان القائل: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 146]. وهكذا نفهم أن (كأين) تعني الكثير جداً؛ الذي بلغ من الكثرة مبلغاً يُبرر لنا العذر أمام الغير إنْ لم نُحْصِه. والآيات هي جمع "آية"؛ وهي الشيء العجيب، المُلْفِت للنظر ويُقال: فلان آية في الذكاء. أي: أن ذكاءه مضرب المثل، كأمر عجيب يفوق ذكاء الآخرين. ويُقال: فلان آية في الشجاعة؛ وهكذا. ومعنى الشيء العجيب أنه هو الخارج عن المألوف، ولا يُنسَى. وقد نثر الحق سبحانه في الكون آياتٍ عجيبة، ولكل منثور في الكون حكمة. وتنقسم معنى الآيات إلى ثلاث: الأول: هو الآيات الكونية التي تحدثنا عنها، وهي عجائب؛ وهي حُجَّة للمتأمل أن يؤمن بالله الذي أوجدها؛ وهي تلفِتُك إلى أن مَنْ خلقها لا بُدَّ أن تكون له منتهى الحكمة ومنتهى الدِّقة، وهذه الآيات تلفتنا إلى صدق توحيد الله والعقيدة فيه. وقد نثر الحق سبحانه هذه الآيات في الكون. وحينما أعلن الله بواسطة رسله أنه سبحانه الذي خلقها، ولم يَقُلْ أحد غيره: "أنا الذي خلقت" فهذه المسألة - مسألة الخلق - تثبُت له سبحانه، فهو الخالق وما سواه مخلوق، وهذه الآيات قد خُلِقت من أجل هدف وغاية. وفي سورة الروم نجد آيات تجمع أغلب آيات الكون؛ فيقول الحق سبحانه: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} تفسير : [الروم: 17-25]. كل هذه آيات تنبه الإنسان الموجود في الكون أنه يتمتع فيه طبقاً لنواميس عليا؛ فيها سِرُّ بقاء حياته؛ فيجب أن ينتبه إلى مَنْ أوجدها. وبعد أن ينتبه إلى وجود واحد أعلى؛ كان عليه أن يسأل: ماذا يريد منه هذا الخالق الأعلى؟ هذه الآيات تفرض علينا عقلياً أن يوجد مَنْ يبلغنا مطلوبَ الواجد الأعلى، وحينما يأتي رسول يقول لنا: إن مَنْ تبحثون عنه اسمه الله؛ وهو قد بعثني لأبلغكم بمطلوبه منكم أن تعبدوه؛ فتتبعوا أوامره وتتجنبوا نواهيه. والنوع الثاني من الآيات هي آيات إعجازية، والمراد منها تثبيت دعوة الرسل، فكان ولا بُدَّ أن يأتي كل رسول ومعه آية؛ لتثبت صِدْق بلاغه عن الله؛ لأن كل رسول هو من البشر، ولا بد له من آية تخرق النواميس، وهي المعجزات التي جاءت مع الرسل. وهناك آيات حُكْمية، وهي النوع الثالث، وهي الفواصل التي تحمل جُملاً، فيها أحكام القرآن الكريم؛ وهو المنهج الخاتم. وهي آياتٌ عجيبة أيضاً؛ لأنك لا تجد حُكْماً من أحكام الدين إلا ويمسُّ منطقياً حاجة من حاجات النفس الإنسانية، والبشر وإنْ كفروا سيُضطرون إلى كثير من القضايا التي كانوا ينكرونها، ولكن لا حَلَّ للمشكلات التي يواجهونها، ولا تُحَلّ إلا بها. والمثل الواضح هو الطلاق، وهم قد عَابُوا مجيء الإسلام به؛ وقالوا: إن مثل هذا الحل للعلاقة بين الرجل والمرأة قد يحمل الكثير من القسوة على الأسرة، لكنهم لجأوا إليه بعد أن عضَّتهم أحداث الحياة، وهكذا اهتدى العقل البشري إلى حكم كان يناقضه. وكذلك أمر الربا الذي يحاولون الآن وَضْع نظام ليتحللوا من الربا كله، ويقولون: لا شيء يمنع العقل البشري من التوصُّل إلى ما يفيد. وهكذا نجد الآيات الكونية هي عجائب بكل المقاييس، والآيات المصاحبة للرسل هي معجزات خَرَقتْ النواميس، وآياتُ القرآن بما فيها من أحكام تَقِي الإنسان من الداء قبل أن يقع، وتُجبرهم معضلات الحياة أن يعودوا إلى أحكام القرآن ليأخذوا بها. وهم يُعرضون عن كل الآيات، يُعرضون عن آيات الكون التي إنْ دَقَّقوا فيها لَثبتَ لهم وجود إله خالق؛ ولأخذوا عطاءً من عطاءات الله ليسري تربية وتنمية، وكل الاكتشافات الحديثة إنما جاءت نتيجةً لملاحظاتِ ظاهرةٍ ما في الكون. وسبق أن ضربتُ المثل بالرجل الذي جلس ليطهو في قِدرْ؛ ثم رأى غطاء القِدْر يعلو؛ ففكَّر وتساءل: لماذا يعلو غطاء القدر؟ ولم يُعرِض الرجل عن تأمُّل ذلك، واستنباط حقيقة تحوُّل الماء إلى بخار؛ واستطاع عن طريق ذلك أن يكتشف أن الماء حين يتبخر يتمدد؛ ويحتاج إلى حَيِّزٍ اكبر من الحَيِّز الذي كان فيه قبل التمدد. وكان هذا التأمُّل وراء اكتشاف طاقة البخار التي عملتْ بها البواخر والقطارات، وبدأ عصر سُمِّى "عصر البخار". وهذا الذي رأى طَفْوَ طبقٍ على سطح الماء وتأمّل تلك الظاهرة، ووضع قاعدة باسمه، وهي "قاعدة أرشميدس". وهكذا نجد أن أي إنسان يتأمل الكون بِدِقَّة سيجد في ظواهره ما يفيد في الدنيا؛ كما استفاد العالم من تأملات أرشميدس وغيره؛ ممَّنْ قدَّموا تأملاتهم كملاحظات، تتبعها العلماء ليصلوا إلى اختراعات تفيد البشرية. وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يضِنُّ على الكافر بما يفيد العالم ما دام يتأمل ظواهر الكون، ويستنبط منها ما يفيد البشرية. إذن فقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ..} [يوسف: 105]. إنْ أردتها وسيلة للإيمان بإله؛ فهي تقودك إلى الإيمان؛ وإنْ أردتها لفائدة الدنيا فالحقُّ لم يبخل على كافر بأن يُعطِيه نتيجة ما يبذل من جهد. فكل المطلوب ألاّ تمُرَّ على آيات الله وأنت مُعرِض عنها؛ بل على الإنسان أن يُقبِل إقبال الدارس، إما لتنتهي إلى قضية إيمانية تُثرِي حياتك؛ وتعطيك حياة لا نهايةَ لها، وهي حياة الآخرة، أو تُسعِد حياتك وحياة غيرك، بأن تبتكر أشياء تفيدك، وتفيد البشرية. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَكَأَيِّن} أي: كثير {مِّن آيَةٍ} دالة على وجود الصانع وتوحيده واستقلا له في التصرف في الآثار كائنة {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسفليات، أو عالم الأسماء والصفات وعالم الطبيعة المنعكسة منها {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} مرور غفلة وذهول {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] لا يعتبرون منها ولا يتأملون فيها وفي رموزها وإشاراتها، وذلك من كمال توغلهم في الكثافة والحجب الظلمانية، ونهاية تدنسهم بأدناس الطبيعة الهيولانية. {وَ} لذلك {مَا يُؤْمِنُ} ويوقن {أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ} المستغني في ذته عن جميع المظاهر، المستقل بوجوده بحيث لا وجود لغيره أصلاً {إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] مشتركون من مصنوعاته في استحقاق العبادة ما لا وجود له في نفسه أصلاً. أيغفلون أولئك المسرفون عن مكر الله؟! {أَفَأَمِنُوۤاْ} عن كمال قدرته على الانتقام ولم يخافوا {أَن تَأْتِيَهُمْ} وترسل عليهم {غَاشِيَةٌ} أي: عقوبة هائلة نازلة {مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} في هذه النشأة تغشيهم وتحيط بهم {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} الموعودة {بَغْتَةً} فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [يوسف: 107] أماراتها وعلاماتها؟!. وإن أصروا على كفرهم وإشراكهم باللهو، عدم الالتفات بك وبقولك {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل مجاراة عليهم: {هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} أي: الدعوة إلى التوحيد وإعداد الزاد ليوم المعاد طريقي، وأنا بُعثت لأجلها {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ} أي: إلى توحيد كافة عباده {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} تامة فائضة عليَّ من عنده سبحانه {أَنَاْ} أي: أدعو أنا لمقتضى الوحي والإلهام {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} من خيار أمني بوسيلة إرشادي وإهدائي إليهم {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي: أنزهه تنزيهاً تاماً عن معتقدات أهل الزيغ والضلال في حقه سبحانه {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] أي: أبرئ نفسي عما هم عليه من الشرك المنافي للتوحيد.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 429 : 49 : 41 - سفين في قراءة أصحاب عبد الله {وكأيِّن من آية في السماوات والأرض يمشون عليها (وهم معرضون) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} كقوله {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} [الزخرف: 87]. [الآية 105].