١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ } عقوبة تغشاهم وتشملهم. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } فجأة من غير سابقة علامة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانها غير مستعدين لها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ } نقمة تغشاهم {مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بوقت إتيانها.
النسفي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ } عقوبة تغشاهم وتشملهم {مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ } القيامة {بَغْتَةً } حال أي فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانها. {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى } هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي، والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان. ثم فسر سبيله بقوله {ٱدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } أي أدعو إلى دينه مع حجة واضحة غير عمياء {أَنَاْ } تأكيد للمستتر في {أدعو} {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } عطف عليه أي أدعو إلى سبيل الله أنا ويدعو إليه من اتبعني، أو {أنا} مبتدأ و{على بصيرة} خبر مقدم و{من اتبعني} عطف على {أنا} يخبر ابتداء بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } وأنزهه عن الشركاء {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } مع الله غيره {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } لا ملائكة لأنهم كانوا يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة، أو ليست فيهم امرأة {نُوحِى } بالنون حفص {إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ } أي ولدار الساعة الآخرة {خَيْرٌ لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الشرك وآمنوا به {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } وبالياء: مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الخازن
تفسير : {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} يعني عقوبة مجللة تعمهم وقال مجاهد عذاب غشاهم، وقال قتادة: وقيعة وقال الضحاك يعني الصواعق والقوارع {أو تأتيهم الساعة بغتة} يعني فجأة {وهم لا يشعرون} يعني بقيامها قال ابن عباس: تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم {قل} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين {هذه سبيلي} يعني طريقي التي {أدعو} إليها وهي توحيد الله عز وجل ودين الإسلام وسمي الدين سبيلاً لأنه الطريق المؤدي إلى الله عز وجل وإلى الثواب والجنة {إلى الله} يعني إلى توحيد الله والإيمان به {على بصيرة} يعني على يقين ومعرفة والبصيرة هي المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل {أنا ومن اتبعني} يعني من آمن بي وصدق بما جئت به أيضاً يدعو إلى الله، وهذا قول الكلبي وابن زيد قال: حق على من اتبعه وآمن به أن يدعو إلى ما دعا إليه ويذكر بالقرآن وقيل تم الكلام عند قوله أدعو إلى الله ثم استأنف على بصيرة أنا ومن اتبعني بعدي أنا على بصيرة ومن اتبعني أيضاً على بصيرة قال ابن عباس إن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا على أحسن طريقة وأفضل هداية وهم معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن. وقال ابن مسعود: ومن كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة وأبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطريقهم فهؤلاء كانوا على الصراط المستقيم. وقوله {سبحان الله} أي وقل سبحان الله يعني تنزيهاً له عما لا يليق بجلاله من جميع العيوب والنقائص والشركاء الأضداد والأنداد {وما أنا من المشركين} يعني وقل يا محمد وما أنا من المشركين الذين أشركوا بالله غيره. قوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً} يعني وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالاً مثلك ولم يكونوا ملائكة {نوحي إليهم} هذا جواب لأهل مكة حيث قالوا هلا بعث الله ملكاً والمعنى كيف تعجبوا من إرسالنا إياك يا محمد وسائرالرسل الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم كحالك {ومن أهل القرى} يعني من أهل الأمصار والمدن لا من أهل البوادي لأن أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل عقلاً من أهل البوادي، قال الحسن: لم يبعث نبي من بدو ولا من الجن ولا من النساء، وقيل: إنما لم يبعث الله نبياً من البادية لغلظهم وجفائهم {أفلم يسيروا في الأرض} يعني هؤلاء المشركين المكذبين {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} يعني كانت عاقبتهم الهلاك لما كذبوا رسلنا فليعتبر هؤلاء بهم وما حل بهم من عذابنا {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا} يعني فعلنا هذا بأوليائنا وأهل طاعتنا إذ أنجيناهم عند نزول العذاب بالأمم المكذبة وما في الدار الآخرة خير لهم يعني الجنة لأنها خير من الدنيا وإنما أضاف الدار إلى الآخرة وإن كانت في الآخرة لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه كقولهم حق اليقين والحق هو اليقين نفسه {أفلا تعقلون} يعني يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنون.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم، وأنهم يتعامون عن الأدلة في الدنيا، وكان الأكثر المبهم القطع بعدم إيمانهم من توجيه الأمر والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم في غمارهم، وكان بعض الناس كالحمار لا ينقاد إلا بالعذاب، قال سبحانه وتعالى: {أفأمنوا} إنكاراً فيه معنى التوبيخ والتهديد {أن تأتيهم غاشية} أي شيء يغطيهم ويبرك عليهم ويحيط بهم {من عذاب الله} أي الذي له الأمر كله في الدنيا كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم. ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن كان لا يقربه، قال تعالى: {أو تأتيهم الساعة} وأشار إلى أشد ما يكون من ذلك على القلوب بقوله: {بغتة} أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها أصلاً؛ قال الرماني: قال يزيد بن مقسم الثقفي: شعر : ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة وأفظع شيء حين يفجؤك البغت تفسير : ولما كان هذا المعنى مهولاً، أكده الله بقوله: {وهم لا يشعرون *} أي نوعاً من الشعور ولو أنه كالشعرة، إعلاماً بشدة جهلهم في أن حالهم حال من هو في غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن، لأن الشعور إدراك الشيء بما يلطف كدقة الشعر، وإنما قلت: إنه تأكيد، لأنه معنى البغتة؛ قال الإمام أبو بكر الزبيدي في مختصر العين: البغتة: المفاجأة، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: فاجأت الرجل مفاجأة - إذا جئته على غفلة مغافصة، ثم قال: وفاجأته مفاجأة - إذا لقيته ولم يشعر بك، وفي ترتيب المحكم: فجئه الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عليه من غير أن يشعر به، ويلزم ذلك الإسراع وهو مدار هذه المادة، لأنه يلزم أيضاً التغب - بتقديم المثناة محركاً وهو الهلاك، لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ هو الأصل في حال الحدث، والسلامة فيه هي العجب، والتغب أيضاً: الوسخ والدرن، وتغب - بكسر الغين: صار فيه عيب، ويقال للقحط: تغبة - بالتحريك، والتغب - ساكناً: القبيح والريبة، وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده إلا من عصم الله، وما ذاك إلا لأن هذه الدار مبينة عليه. ولما وصف الله سبحانه له صلى الله عليه وسلم أكثر الناس بما وصف من سوء الطريقة للتقليد الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة للعلم، أمر أن يذكر طريق الخلّص فقال: {قل} أي يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحاً وإخلاصاً: {هذه} أي الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله وسننه صلى الله عليه وسلم {سبيلي} القريبة المأخذ، الجلية الأمر، الجليلة الشأن، الواسعة الواضحة جداً، فكأنه قيل: ما هي؟ فقال: {أدعوا} كل من يصح دعاؤه {إلى الله} الحائز لجميع الكمال حال كوني {على بصيرة} أي حجة واضحة من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على الغباوة والجمود، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل ديناً ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين. ولما كان الموضع في غاية الشرف، أكد الضمير المستتر تعييناً وتنبيهاً على التأهل لظهور الإمامة، فقال: {أنا ومن} أي ويدعو كذلك من {اتبعني} لا كمن هو على عمى جائر عن القصد، حائر في ضلال التقليد، فهو لا يزال في غفلة هدفاً للحتوف؛ والاتباع: طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في مكانه أو في أمره الذي دعا إليه، ومما دخل تحت { قل} عطفاً على {أدعوا} قوله: منبهاً على أن شرط كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل شائبة نقص - {وسبحان الله} أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحاناً، أي أقدره حق قدره فأثبت له من صفات الكمال ما يليق بجلاله، وأنزهه عما هو متعال عنه تنزيهاً يعلم هم أنه يليق بجلالة ويرضى به، وفي تخصيص الله بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح بنسبة النقص إليهم تواضعاً، اعتذاراً عما يلحقهم من الوهن وطلباً للعفو عنه {وما أنا} وعدل عن "مشركاً" إلى أبلغ منه فقال: {من المشركين *} أي في عداد من يشرك به شيئاً بوجه من الوجوه، لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه منعوت بنعوت الكمال، منزه عن سمات النقص، متعال عنها، وأن ذلك أول واجب لأنه الواحد الذي جل عن المجانسة، القهار الذي كل شيء تحت مشيئته، وفسرت {سبحان} بما تقدم لأن مادة "سبح" بكل ترتيب تدور على القدر والشدة والاتساع؛ وتارة يقتصر فيه على الكفاية ومنه الحسب: مقدار الشيء. وتارة يقتصر فيه على الكفاية فيلزمه الحصر ومنه: أحسبني الشيء: كفاني، واحتساب الأجر: الاكتفاء به، والحساب: معرفة المقدار، والحسب بمعنى الظن راجع إلى ذلك أيضاً، والأحسب: الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت شعرته، بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه داء، والتحسيب: التكفين بما يسع الميت، وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى شيء، ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة الكفاية؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع مداه فلا ينحصر ومنه: الحسب - بالتحريك، وهو الشرف؛ ومنه السحب وبه سمي السحاب لانسياحه في الهواء؛ ومنه السبح في الماء، ومد الفرس يديه في الجري، والسبحة: صلاة التطوع - لأنه لا حد لها يحصرها، ولأنها تجاوزت الفرض، والسبح: الفراغ - للتمكن معه من الانبساط، والتسبيح: التنزيه - لأنه الإبعاد عن النقص، قال الرماني: وأصله البراءة من الشيء، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم: سبحان الله معناه تنزيهاً لله من الصحابة والولد، وتبرئة من السوء - هذا معناه في اللغة وبذلك جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن "سبحان الله" كقولك براءة الله من السوء، كأنه يقول: أبرىء براءة الله من السوء، وزعم أن مثل ذلك قول الأعشى: شعر : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمه الفاخر تفسير : أي براءة منه، وبهذا استدل على أن سبحان معرفة إذ لو كان نكرة لانصرف، قال: وقد جاء في الشعر منوناً نكرة، قال أمية: شعر : سبحانه ثم سبحاناً يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد تفسير : وقال ابن جني: سبحان اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة عثمان وحمران، اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون، وكلاهما علة تمنع من الصرف - انتهى. وقال الزجاج: جاء حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله " سبحان الله" تبرئة لله من السوءتفسير : ، وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة بما فيه من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولكن تفسيره يجمعون عليه، وقد سبح الرجل: قال سبحان الله، وفي التنزيل{ أية : كل قد علم صلاته وتسبيحه}تفسير : [ النور:41] وسبح لغة في سبّح، وحكى ثعلب: سبح تسبيحاً وسبحاناً، قال ابن سيده: وعندي أنا سبحاناً ليس مصدراً لسبّح، إنما هو مصدر سبح، وقال النصر: سبحان الله معناه السرعة إليه والخفة في طاعته، وسبوحة - بفتح السين: البلد الحرام، وسباح علم الأرض الملساء عند معدن بني سليم، وسبحات وجه الله: أنواره، والسبحة: الدعاء، وأيضاً صلاة التطوع - انتهى. وكله راجع إلى الإبعاد عن السوء، والسبحان: النفس، وكل أحد يبرىء نفسه ويرفعها عن السوء. ولما أوضح أبطال ما تعنتوا به من قولهم " لو أنزل عليه كنز" أتبعه ما يوضح تعنتهم في قولهم { أو جاء معه ملك} بذكر المرسلين، وأهل السبيل المستقيم، الداعين إلى الله على بصيرة، فقال: {وما أرسلنا} أي بما من العظمة. ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله { أو جاء معه ملك} كالذي في النحل، لا لإنكار رسالة البشر، أدخل الجار تنبيهاً على ذلك فقال: {من قبلك} أي إلى المكلفين {إلا رجالاً} أي مثل ما أنك رجل، لا ملائكة ولا إناثاً - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل {نوحي إليهم} أي بواسطة الملائكة مثل ما يوحى إليك {من أهل القرى} مثل ما أنك من أهل القرى، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت، وكان العرب كلهم يأتونها؛ قال الرماني: وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء - انتهى. وذلك لأن المدن مواضع الحكمة، والبوادي مواطن لظهور الكلمة، ولما كانت مكة أو القرى مدينة، وهي مع ذلك في بلاد البادية، جمعت الأمرين وفازت بالأثرين، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين، وخاتم لجميع النبيين - صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. ومادة " قرى" - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر - تدور على الجمع، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه الانتشار، فالقرية - بالفتح ويكسر: المصر الجامع، وأقرى: لزم القرية، والقاري: ساكنها، والقارية: الحاضرة الجامعة، وطير أخضر، إما للزومها، وإما لجمع لونه للبصر، والقريتين - مثنى وأكثر ما يتلفظ به بالياء: مكة والطائف، وقرية النمل: مجتمع ترابها، وقريت الماء في الحوض: جمعته، والمقراة: شبه حوض، وكل ما اجتمع فيه ماء، والقريّ: ماء مستجمع، والمدة تقرى في الجرح - أي تجتمع، والقواري: الشهود - لجمعهم الأمور، والقواري: الناس الصالحون - كأنه مخفف من المهموز، وقريت الضيف قرى بالكسر والقصر، وبالفتح والمد: أضفته كاقتريته، والمقراة: الجفنة يقرى فيها الضيف، والمقاري: القدور، وقرى البعير وكل ما اجتر: جمع جرته في شدقه، وقرت الناقة: ورم شدقاها من وجع الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة، فيكون من السلب، وقرى البلاد: تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها واستقرها - لجمعه بينها، وقريّ الماء كغني: مسيله من التلاع، أو موقعه من الربو إلى الروضة - لأنه مكان اجتماعه، وقرى الخيل: واد - كأنها اجتمعت فيه، والقرية - كغنية: العصا ـ لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه. وبها يجمع كل ما يراد جمعه، وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود البيت، لأنه بها يقام فيجمع من يراد، وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه، لأنه يجمع الشراع ملفوفاً ومنشوراً، وقريت الصحيفة لغة في قرأتها - إذا تلوتها فجمعت علمها وكلامها، والقارية: أسفل الرمح، لأنه يجمع زجه، أو أعلاه، لأنه يجمع عاليته، وحد الرمح، لأنه يجمع مراد صاحبه، وكذا حد السيف، والقارية - بالتشديد: طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر - كأنه رسول الغيث أو مقدمة السحاب، جمعه قواري، كأنه سمي بذلك لأنه سبب جمع الهم للمطر؛ والقير والقار: شيء أسود تطلى به السفن، والإبل، والحباب، والزقاق، أو هما الزفت، وعلى كل تقدير هو ساد للشقوق والمسام فكان الجامع بين أجزاء السفينة وغيرها، وهذا أقير من هذا أشد مرارة - تشبيه بالقير الطعم، والمر أيضاً يجمع الفم نحوه بالقبض، والقيّور - كتنور: الخامل النسب، شبه به أيضاً لأن القير لما قل احتياج أكثر الناس إليه في كثير من الأوقات صار قليل الذكر - وهذا معنى الخمول، والقيار كشداد: صاحب القير، وبئر لبني عجل قرب واسط، وكأنها سميت لجمعها إياهم، وقيار اسم فرس، كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما يريد، والقارة: الدّبة كذلك، والقارة: حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم: شعر : دعونا قارة لا تجفلونا فنجفل مثل إجفال الظليم تفسير : ذكره مختصر العين هنا وغيره في الواو، واقتار الحديث اقتياراً: بحث عنه - لأن ذلك سبب لجمعه، والقيِّر - كهيّن: الأسوار من الرماة الحاذق، لأنه يجمع بذلك ما يريد؛ ورقيت الرجل بالفتح رقية: عوذته، ونفثت في عوذته - لأن الراقي يجمع ريقه وينفث، ورقيت في الشيء رقياً - إذا صعدت عليه - كأنك جمعت بين درجه، والمرقاة بالفتح ويكسر: الدرجة، لأن العلو من آثار الجمع، ورقى عليه كلاماً ترقية: رفع، لأنه جمعه عليه، ومرقيا الأنف: حرفاه لأنهما الجامعان له؛ والرائق من الماء: الخالص، لأنه إذا خلص اشتد تلاصق أجزائه لزوال ما كان يتخللها من الغبر، وراق الماء يريق - إذا انصب، إما لأنه اجتمع إلى المحل الذي انصب إليه، أو يكون من السلب كأراقه بمعنى صبه، وراق السراب يريق وتريق يتريق - إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد، إما من السلب، وإما تشبيه بالمجتمع، والريق: تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح أي ليسير ونحوه، لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع، والريق: أول كل شيء وأفضله من الرائق بمعنى الخالص، ولأن الأول يجتمع إليه غيره، والأفضل يجمع ما يراد، والريق أيضاً: الباطل، كالريوق كتنور - تشبيهاً بالسراب، وريق الفم معروف، لاجتماعه، والريق: القوة، لجمعها المراد، والريق الرائق: الخالص وكل ما أكل أو شرب على الريق، ومن ليس في يده شيء، كأنه خلص عن العلائق فاجتمع همه، ومن هو على الريق كريقي ككيس، وهو يريق بنفسه: يجود بها عند الموت، من راق الماء: انصب، والمريق - كمعظم: من لا يزال يعجبه شيء، ولعله من راقه يروقه - إذا أعجبه، فجمع همه إليه؛ واليارق: ضرب من الأسورة، لأنه يجمع المعصم، واليرقان - ويسكن: الاستقامة والطريقة وآفة للزرع. ومرض معروف، وسيذكر في "أرق" في أول سورة الحجر إن شاء الله تعالى. ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال: {أفلم يسيروا} أي يوقع السير هؤلاء المكذبون {في الأرض} أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله {فينظروا} أي عقب سيرهم وبسببه، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل بهم من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه، أتى بالجار فقال: {من قبلهم} في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين، والاعتراض بين ذلك بقوله { قل انتظروا إني معكم من المنتظرين} وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته؛ والسير: المرور الممتد في جهة، ومنه أخذ السير، وأخذ السيور من الجلد؛ والنظر: طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب، وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه. ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير، قال على طريقة إرخاء العنان: {ولدار} أي الساعة أو الحالة {الآخرة} أي التي وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا بقصيا {خير للذين اتقوا} أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام، وكان عيشها كله رغداً من غير آلام. ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل، قال مسبباً عنه منكراً عليهم مبكتاً لهم: {أفلا تعقلون *} أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {غاشية من عذاب الله} قال: تغشاهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {غاشية من عذاب الله} قال: واقعة تغشاهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {غاشية} قال: عقوبة من عذاب الله.
القشيري
تفسير : أَفَأَمِنَ الذي اغتَرَّ بطول الإمهال ألا يُبْتلى بالاستئصال، أَفَأَمِنَ مَنْ اغترَّ بطول السلامة ألا يقوم البلاءُ عليه يومَ القيامة. ويقال الغاشيةُ حجابٌ من القسوة يحصل في القلب، لا يزول بالتضرع ولا ينقشِع بالتخشع. ويقال الغاشيةُ من العذاب أن تزولَ من القلب سرعةُ الانقلاب إلى الله تعالى، حتى إذا تمادى صاحب الغفلة استقبله في الطريق ما يوجب قنوطه من زواله، وفي معناه أنشدوا: شعر : قلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قَبْلَ أَنْ يُسَدَّ الطريقُ
اسماعيل حقي
تفسير : {أفأمنوا} يعنى المشركون {ان تأتيهم غاشية من عذاب الله} عقوبة تغشاهم وتشملهم {او تأتيهم وتشملهم {او تأتيهم الساعة بغتة} مصدر فى موضع الحال بالفارسية [ناكاه] اى فجأة من غير سابقة علامة {وهم لا يشعرون} باتيانها غير مستعدين لها. فان قيل اما يؤدّى قوله بغتة مؤدّى قوله وهم لا يشعرون فيستغنى عنه. قيل لا فان معنى قوله وهم لا يشعرون وهو غافلون لاشتغالهم بامور دنياهم كقوله تأخذهم وهم يخصمون وفى الحديث "حديث : موت الفجأ اخذة اسيف" تفسير : بكسر السين اى غضبان يعنى موت الفجأة اثر غضب الله على العبد والفجاءة بالمد مع الضم وبالقصر مع فتح الفاء هى البغتة دون تقدم مرض ولا سبب وفى الحديث "حديث : اكره موتا كموت الحمار" قيل وما موت الحمار قال "موت الفجأة" تفسير : وانما كره لئلا يلقى المؤمن ربه على غفلة من غير ان يقدم لنفسه عذرا ويجدد توبة ويرد مظالمه - وروى - ان ابراهيم وداود وسليمان عليهم السلام ماتوا فجأة ويقال انه موت الصالحين وحمل الجمهور الاول على من له تعلقات يحتاج الى الايصاء اما المنقطعون المستعدون فانه تخفيف ورفق بهم كذا فى شرح الترغيب المسمى بالفتح القريب. ذكر بعض السلف ان الخضر عليه السلام هو الذى يقتل الذين يموتون فجأة كما فى انسان العيون. قال فى التأويلات النجمية فى الحقيقة يشير بالساعة الى عشق ومحبة من الله بلا سبب من الاسباب وقيل العشق عذاب الله والعشق اخص من المحبة لانه محبة مفرطة والعشق عبارة عن هيجان القلب عند ذكر المحبوب والشوق عبارة عن انزعاج القلب الى لقاء المحبوب. وقال حكيم الشوق نور شجرة المحبة والعشق ثمرتها. وقال بعض اهل الرياضة الشوق فى قلب المحب كالفتيل فى المصباح والعشق كالدهن: قال المولى الجامى شعر : اسير شوق كىزاد باشى غمش برسينه نه تاشاد باشى نى عشقت دهد كرمى وهستى دكر افسر دكى وخود برستى
الطوسي
تفسير : هذا خطاب لهؤلاء الكفار الذين ذكرهم بأنهم لا يؤمنون إلا وهم مشركون، وتوبيخ لهم وتعنيف، وان كان متوجهاً الى غيرهم، فهم المعنون به، يقول: أفامن هؤلاء الكفار ان تجيأهم غاشية من عذاب، وهو ما يتغشاهم من عذابه. والغاشية ما يتجلل الشيء بانبساطها عليه، يقال: غشيه يغشاه، فهو غاش، وهي غاشية أو: تجيأهم القيامة بغتة أي فجأة. والبغتة والفجأة والغفلة نظائر، وهي مجيء الشيء من غير تقدمة. قال يزيد بن مقسم الثقفي: شعر : ولكنهم باتوا ولم ادر بغتة وافظع شيء حين يفجؤك البغت تفسير : والساعة مقدار من الزمان معروف، وسمي به القيامة لتعجيل أمرها، كتعجيل الساعة. وقوله {وهم لا يشعرون} معناه لا يعلمون بمجيئه، فلذلك كان بغتة. والشعور إِدراك الشيء بما يلطف، كدقة الشعر يقال: شعر به يشعر شعوراً واشعره بالامر اشعاراً، ومنه اشتقاق الشاعر لدقة فكره.
الجنابذي
تفسير : {أَفَأَمِنُوۤاْ} اى الّذين انكروا رسالتك او الّذين آمنوا مع الاشراك تهديد لهم حتّى يخلصوا التّوحيد ويستوجبوا المزيد {أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} عقوبة تغشاهم {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} ساعة القيامة الصّغرى او الكبرى او ظهور القائم عجّل الله فرجه {بَغْتَةً} من غير ظهور علامة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} حتّى يستعدّوا ويتهيّؤا لها.
اطفيش
تفسير : {أفأمنُوا أن تأتيهم غاشيةٌ} عقوبة أو نقمة تغيظهم وتغمهم كالصاعقة {مِنْ عَذاب اللّهِ} من التبعيض أو البيان أو للابتداء {أو تأتيهِم السَّاعة بغتةً} فجأة من غير تقدم إعلام بها، قال ابن عباس: تهيج الناس فى أسواقهم {وهُم لا يشْعرُون} بإتيانها غير مستعدين لها.
اطفيش
تفسير : {أَفَأَمِنُوا} أَتركوا التفكر فأَمنوا {أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنَ عَذَابِ اللهِ} عقوبة تعمهم فى الدينا أَو صاعقة لا يفلت منها أَحد {أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بغْتَةً} فجأَة بلا تقدم علامة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بوقت إتيانها فلا يستعدون لدفعها على سبيل الفرض بأَن لهم دفعاً، ولا للتخلص منها بالتوبة وإِصلاح الفساد.
الالوسي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} أي عقوبة تغشاهم وتشملهم، والاستفهام إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد كما في "البحر"، والكلام في العطف ومحل الاستفهام في الحقيقة مشهور وقد مر غير مرة، والمراد بهذه العقوبة ما يعم الدنيوية والأخروية على ما قيل. وفي "البحر" ما هو صريح في الدنيوية للمقابلة بقوله سبحانه: {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً } فجأة من غير سابقة علامة وهو الظاهر {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانها غير مستعدين لها.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بالتفريع على ما دلت عليه الجملتان قبله من تفظيع حالهم وجرأتهم على خالقهم والاستمرار على ذلك دون إقلاع، فكأنهم في إعراضهم عن توقع حصول غضب الله بهم آمنون أن تأتيهم غاشية من عذابه في الدنيا أو تأتيهم الساعة بغتة فتحول بينهم وبين التوبة ويصيرون إلى العذاب الخالد. والاستفهام مستعمل في التوبيخ. والغشْي والغشيان: الإحاطة من كل جانب { أية : وإذا غشيهم موج كالظلل } تفسير : [سورة لقمان: 32]. وتقدم في قوله تعالى يغشي الليل النهار في [سورة الأعراف: 54]. والغاشية الحادثة التي تحيط بالناس. والعرب يؤنثون هذه الحوادث مثل الطّامة والصاخة والداهية والمصيبة والكارثة والحادثة والواقعة والحاقة. والبغتة: الفجأة. وتقدمت عند قوله تعالى: { أية : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } تفسير : في آخر سورة الأنعام (31).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: غاشية من عذاب الله: أي نقمة من نقمه تعالى تغشاهم أي تحوط بهم. بغتة: فجأة وهم مقيمون على شركهم وكفرهم. هذه سبيلي: أي دعوتي وطريقتي التي أنا عليها. على بصيرة: أي على علم يقين مني. وسبحان الله: أي تنزيهاً لله وتقديساً أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه. من أهل القرى: من أهل المدن والأمصار لا من أهل البوادي. للذين اتقوا: أي الله تعالى بأداء فرائضه وترك نواهيه. أفلا تعقلون: أي أفلا يعقل هؤلاء المشركون هذا الذي يتلى عليهم ويبين لهم فيؤمنوا ويوحدوا. معنى الآيات: ما زال السياق في الدعوة إلى الإِيمان بالوحي الإِلهي والتوحيد والبعث والجزاء وهي أركان الدين العظمى، فقال تعالى: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}تفسير : [يوسف: 106] والذين يمرون بالكثير من آيات الله وهم معرضون. أفأمن هؤلاء {أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} أي عقوبة من عذاب تغشاهم وتجللهم بالعذاب الذي لا يطاق {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} أي القيامة {بَغْتَةً} أي فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بوقت مجيئها فتعظم البلية وتشتد عليهم الرزية، وكيف يأمنون وهل يوجد من يؤمنهم غير الله تعالى فما لهم إذاً لا يؤمنون ولا يتقون حتى ينجوا مما يتوقع لهم؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى [107] أما الثانية فقد أمر الله تعالى رسوله أن يواصل دعوته دعوة الخير هو والمؤمنون معه فقال: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} أي قل أيها الرسول للناس هذه طريقتي في دعوتي إلى ربي بأن يؤمن به ويعبد وحده دون سواه. {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} أي على علم يقين بمن أدعو إليه وبما أدعو به وبالنتائج المترتبة على هذه الدعوة، {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} من المؤمنين كلنا ندعو إلى الله على بصيرة. وقوله تعالى: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي وقل سبحان الله أي تنزيهاً له عن أن يكون له شريك أو ولد، وقل كذلك معلناً براءتك من الشرك والمشركين {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. هذا ما دلت عليه الآية الثانية. أما الآية الثالثة فإن الله تعالى يخبر رسوله بأنه ما أرسل من قبله من الرسل وهم كثر إلا رجالاً أي لا نساء ولا ملائكة {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي الأمصار والمدن، وهذا إبطال لإِنكارهم أن يكون الرسول رجلاً من الناس، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} أي هؤلاء المكذبون من قريش وغيرهم {فِي ٱلأَرْضِ} للاعتبار {فَيَنظُرُواْ} كيف كان عاقبة من سبقهم من الأمم كعاد وثمود فإنا أهلكناهم ونجينا أهل الإِيمان والتوحيد من بينهم مع رسلهم هذه النجاة ثمرة من ثمرات الإيمان والتقوى، {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} فإنها دار النعيم المقيم والسلامة من الآهات والعاهات والكبر والهرم والموت والفناء. وقوله تعالى في نهاية الآية {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يوبخ أولئك المشركين المصرين على التكذيب والشرك على عدم تعقلهم وتفهمهم لما يتلى عليهم وما يسمعون من الآيات القرآنية وما يشاهدون من الآيات الكونية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التحذير من العقوبات المترتبة على الشرك والمعاصي. 2- تقرير عقيدة البعث الآخر. 3- تعين الدعوة إلى الله تعالى على كل مؤمن تابع للرسول صلى الله عليه وسلم. 4- تعين العلم اليقيني للداعي إلى الله إذ هو البصيرة المذكورة في الآية. 5- وجوب توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. 6- الرسالة من خصوصيات الرجال وليس في النساء رسولة. 7- بيان ثمرات التوحيد والتقوى في الدنيا والآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {غَاشِيَةٌ} (107) - هَلِ اتَّخَذَ هَؤُلاَءِ - الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ رَبُّهُمْ، وَهُمْ يُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ غَيْرَهُ - عَهْدَاً عِنْدَ اللهِ بِأَنَّهُ لاَ يُعَذِّبُهُمْ فَضَمِنُوا السَّلاَمَةَ وَالأَمْنَ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ اللهُ بِعَذَابٍ يَغْمُرُهُمْ وَيَغْشَاهُمْ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ؟ أَوْ ضَمِنُوا أَنْ لاَ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ فَجْأَةً (بَغْتَةً) وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، فَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ إِلى النَّارِ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً؟. غَاشِيَةٌ - عُقُوبَةٌ تَغْشَاهُمْ وَتُجَلِّلُهُمْ. بَغْتَةً - فَجْأَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ألم يحسب هؤلاء حساب انتقام الله منهم بعذاب الدنيا الذي يَعُمُّ؛ لأن الغاشية هي العقاب الذي يَعُمُّ ويُغطِّي الجميع؛ أم أنهم استبطئوا الموت، واستبطئوا القيامة وعذابها؛ رغم أن الموت مُعلَّق على رقاب الجميع، ولا أحد يعلم ميعاد موته. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من مات قامت قيامته ". تفسير : فما الذي يُبطئهم عن الإيمان بالله والإخلاص التوحيدي لله، بدون أنْ يمسَّهم شرك؛ قبل أن تقوم قيامتهم بغتةً؛ أي: بدون جرس تمهيدي. ونعلم أن مَنْ سبقونا إلى الموت لا يطول عليهم الإحساس بالزمن إلى أن تقومَ قيامة كُلِّ الخَلْق؛ لأن الزمن لا يطول إلا على مُتتبع أحداثه. والنائم مثلاً لا يعرف كَمْ ساعةً قد نام؛ لأن وَعْيَه مفقود فلا يعرف الزمن، والذي يوضح لنا أن الذين سبقونا لا يشعرون بمرور الزمن هو قوله الحق: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]. ويأتي قول الحق سبحانه من بعد ذلك: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} معناهُ مُجَلَّلةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {بَغْتَةً} معناه فُجأَةٌ.
الأندلسي
تفسير : {أَفَأَمِنُوۤاْ} استفهام إنكار في معنى التوبيخ والتهديد. {غَاشِيَةٌ} نقمة تغشاهم أي تغطيهم كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 55] وقال الضحاك يعني الصواعق والقوارع "انتهى" وإتيان الغاشية يعني من الدنيا وذلك لمقابلته بقوله: {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ} أي يوم القيامة. {بَغْتَةً} فجأة في الزمان ومن حيث لا يتوقع. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تأكيد لقوله بغتة، قال الكرماني: لا يشعرون بإِتيانها، أي وهم غير مستعدين لها قال ابن عباس: تأخذهم الصيحة وهم على أسواقهم ومواصفهم. {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو} الآية لما تقدم من قول يوسف صلى الله عليه وسلم توفني مسلماً وكان قوله وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين دالاً على أنه حارص على إيمانهم مجتهد في ذلك داع إليه مثابر عليه وذكر وما تسألهم عليه من أجر إشارة إلى ما فهم من ذلك وهو شريعة الإِسلام والإِيمان وتوحيد الله تعالى فقال: قل يا محمد هذه الطريقة والدعوة طريقتي التي سلكتها وأنا عليها ثم فسر تلك السبيل، فقال: ادعوا إلى الله تعالى يعني لا إلى غيره من ملك أو إنسان أو كوكب أو صنم إنما دعاتي إلى الله وحده قال الجمهور: سبيلي ديني ومفعول أدعوا هو محذوف تقديره أدعو الناس والظاهر تعلق على بصيرة بأدعوا وأنا توكيد للضمير المستكن في أدعو ومن معطوف على ذلك الضمير والمعنى أدعو أنا إليها أو يدعو إليها من اتبعني ويجوز أن يكون على بصيرة خبرا مقدماً وأنا مبتدأ ومن معطوف عليه ويجوز أن يكون على بصيرة حالاً من ضمير أدعو فيتعلق بمحذوف ويكون انا فاعلاً بالجار والمجرور النائب على ذلك المحذوف. {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} معطوف على أنا وأجاز أبو البقاء أن يكون ومن اتبعني مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك أي داع إلى الله على بصيرة ومعنى بصيرة حجة واضحة وبرهان متيقن من قوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الأنعام: 104]. {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} داخل تحت قوله: قل أي قل وتنزيه الله من الشركاء أي براءة الله من أن يكون له شريك ولما أمر بأن يخبر عن نفسه صلى الله عليه وسلم أنه يدعو وهو ومن اتبعه إلى الله وأمر أن يخبر أنه تنزه الله تعالى عن الشركاء أمر أيضاً أن يخبر أنه في خاصة نفسه منتف عن الشرك وأنه ليس ممن أشرك وهو نفي عام في الأزمان لم يكن منه ولا في وقت من الأوقات. {إِلاَّ رِجَالاً} حصر في المرسل دعاة إلى الله فلا يكون ملكاً قال ابن عباس: رجالاً يعني لا نساء فلا رسول إمرأة والقرى المدن. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} الضمير في أفلم يسيروا عائد على من أنكر إرسال الرسل من البشر ومن عاند الرسول وأنكر رسالته وكفر أي هلا يسيرون في الأرض فيعلمون بالتواتر اخبار الرسل السابقة ويرون مصارع الأمم المكذبة فيعتبرون بذلك. {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} هذه حض على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها واتقاء المهلكات ومن هذه الاضافة تخريجان أحدهما أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وأصله وللدار الآخرة خير وهو تخريج كوفي والثاني أن يكون من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وأصله ولدار المدة الأخيرة أو النشأة الأخيرة خير وهو تخريج بصري وحتى غاية لما قبلها وليس في اللفظ ما يكون له غاية فاحتيج إلى تقدير فقدره الزمخشري وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فتراخى نصرهم حتى إذا استيئسوا عن النصر، وقال ابن عطية: ويتضمن قوله: أفلم يسيروا، إلى من قبلهم أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم الثلاث فصاروا من حيز من يعتبر بعاقبته فلهذا المضمر حسن أن يدخل حتى في قوله: حتى إذا استيأس الرسل، "انتهى". ولم يتلخص لنا من كلامه شىء يكون ما بعد حتى غاية له لأنه علق الغاية بما ادعى أنه فهم ذلك من قوله: أفلم يسيروا الآية، وقال أبو الفرج بن الجوزي: المعنى متعلق بالآية الأولى فتقديره وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فدعوا قومهم فكذبوهم وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الرسل وهو نوع من كلام الزمخشري، وقال القرطبي في تفسيره: المعنى وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم بالعقاب حتى إذا استيأس الرسل وقرىء: كذبوا بالتشديد مبنياً للمفعول والضمير في وظنوا أو في أنهم عائد على الرسل والظن بمعنى اليقين والمعنى وأيقنت الرسل أنهم قد كذبهم قومهم وقرىء: كذبوا بالتخفيف في الذال مبنياً للمفعول أيضاً والضمائر في ظنوا وفي أنهم عائدة على المرسل إليهم والمعنى وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبهم من جاءهم بالوحي، وقرىء: فنحن بنونين مضارع أنجى، وقرىء: فنجى بنون واحدة وشد الجيم وفتح الباء مبنياً للمفعول وقرأت فرقة فننجي بنونين مضارع أنجى وفتح الباء قال ابن عطية: رواها هبيرة عن حفص عن عاصم وهي غلط من هبيرة انتهى وليست غلطاً ولها وجه في العربية وهو أن الشرط والجزاء يجوز أن يأتي بعدهما المضارع منصوباً بإضمار أن بعد الفاء كقراءة من قرأ {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ} تفسير : [البقرة: 284] بإِضمار أن بعد الفاء ولا فرق في ذلك بين أن تكون أداة الشرط جازمة أو غير جازمة ومفعول نشاء محذوف تقديره ننجيه. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} والبأس هنا الهلاك وهذه الجملة فيها وعيد وتهديد لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} الآية، الضمير في قصصهم عائد على الرسل والمرسل إليهم واندرجت فيه قصة يوسف وغيره وقرأ في قصصهم بكسر القاف أحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي والقصي عن عبد الوارث عن أبي عمرو جمع قصة والعبرة الدلالة التي يعبر بها إلى العلم والعبرة الاتعاظ والظاهر أن اسم كان مضمر يعود على القصص أي ما كان القصص حديثاً مختلقاً بل هو حديث صدق ناطق بالحق جاء به من لم يقرأ الكتب ولا تتلمذ لأحد ولا خالط العلماء وانتصب تصديق على أنه خبر كان المحذوفة تقديره ولكن كان أي الحديث المشتمل على قصص الأنبياء تصديق الذي بين يديه أي بين يدي الحديث ومعنى بين يديه أي الكتب المنزلة الإِلهية وتفصيل كل شىء مما يحتاج إليه في الشريعة وقرأ حمدان بن أعين وعيسى الكوفي تصديق وتفصيل وهدى ورحمة برفع الأربعة أي ولكن هو تصديق والجمهور بنصب الأربعة وقال ذو الرمة: شعر : وما كان لي من تراث ورثته ولا دية كانت ولا كسب مأثم ولكن عطاء الله من كل رحلة إلى كل محجوب السرادق خضرم تفسير : برفع إعطاء على إضمار هو ونصبه على إضمار كان وهدى ورحمة أي سبب هداية في الدنيا وسبب حصول الرحمة في الآخرة وحض المؤمنون بذلك لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك كما قال تعالى: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2] وتقدم أول السورة قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}تفسير : [يوسف: 2] وقوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}تفسير : [يوسف: 3] وفي آخرها ما كان حديثاً يفترى فلذلك احتمل أن يعود الضمير على القرآن وأن يعود على القصص والله تعالى أعلم.
همام الصنعاني
تفسير : 1344- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ}: [الآية: 107]، قال: غاشية وقيعة تغشاهم من عذاب الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):