١٢ - يُوسُف
12 - Yusuf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
108
Tafseer
الرازي
تفسير : قال المفسرون: قل يا محمد لهم هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي وسنتي ومنهاجي، وسمي الدين سبيلاً لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الثواب، ومثله قوله تعالى: { أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 125]. واعلم أن السبيل في أصل اللغة الطريق، وشبهوا المعتقدات بها لما أن الإنسان يمر عليها إلى الجنة ادعو الله على بصيرة وحجة وبرهان أنا ومن اتبعني إلى سيرتي وطريقتي وسيرة أتباعي الدعوة إلى الله، لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدار وسعه إلى الله وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط وهو أن يكون على بصيرة مما يقول وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك فهو محض الغرور وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : العلماء أمناء الرسل على عباد الله من حيث يحفظون لما تدعونهم إليه » تفسير : وقيل أيضاً يجوز أن ينقطع الكلام عند قوله {ٱدْعُواْ إِلَى ٱللَّهِ } ثم ابتدأ وقال: {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } وقوله: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } عطف على قوله: {هَـٰذِهِ سَبِيلِى } أي قل هذه سبيلي وقل سبحان الله تنزيهاً لله عما يشركون وما أنا من المشركين الذين اتخذوا مع الله ضداً ونداً وكفؤاً وولداً، وهذه الآية تدل على أن حرفة الكلام وعلم الأصول حرفة الأنبياء عليهم السلام وأن الله ما بعثهم إلى الخلق إلا لأجلها.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى } يعني الدعوة إلى التوحيد والإِعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله: {ٱدْعُواْ إِلَى ٱللَّهِ } وقيل هو حال من الياء. {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } بيان وحجة واضحة غير عمياء. {أَنَاْ } تأكيد للمستتر في {أَدْعُو } أو {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } لأنه حال منه أو مبتدأ خبره {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ }. {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } عطف عليه. {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وأنزهه تنزيهاً من الشركاء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن، آمراً له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي: طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي: وأنزه الله، وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير، أو عديل أو نديد، أو ولد أو والد، أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه، وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً، {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} تفسير : [الإسراء: 44].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {هَٰذِهِ سَبِيلِى } وفسرها بقوله {ٱدْعُواْ إِلَىٰ } دين {ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } حجة واضحة {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } آمن بي عطف على «أنا» المبتدأ المخبر عنه بما قبله {وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ } تنزيهاً له عن الشركاء {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } من جملة سبيله أيضاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قل هذه سبيلي} فيها تأويلان: أحدهما: هذه دعوتي، قاله ابن عباس. الثاني: هذه سنتي، قاله عبد الرحمن بن زيد. والمراد بها تأويلان: أحدهما: الإخلاص لله تعالى بالتوحيد. الثاني: التسليم لأمره فيما قضاه. {أدْعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبَعَني} فيه تأويلان: أحدهما: على هدى، قاله قتادة. الثاني: على حق، وهو قول عبد الرحمن بن زيد. وذكر بعض أصحاب الخواطر تأويلاً (ثالثاً) أي أبلغ الرسالة ولا أملك الهداية.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَبِيلِى} دعوتي، أو سنتي {بَصِيرَةٍ} هدى، أو حق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَى ٱللَّهِ...} الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي والـــ {بَصِيرَةٍ}: ٱسْمٌ لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين. وقوله: {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنِّ في «أَدْعُوا» و«مَنْ» معطوفٌ عليه؛ وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة. قال * ص *: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و«على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و«مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك. وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم...} الآية: تتضمَّن الردَّ على من ٱستغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البَشَرِ، و{ٱلْقُرَىٰ}: المُدُن. قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية. قال * ع *: والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب؛ لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع؛ وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر؛ كما هي بناتُ الحَوَاضِر بَدْوٌ بالإِضافة إِلى الحواضر، ثم أحال سبحانه على ٱلاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، وٱلاستعداد لها بقوله: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ...} الآية. قال * ص *: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ}: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله: «ولَلدَّارُ الآخِرَةُ»، والبصريُّون على أنه من حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله: «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ». انتهى. ويتضمَّن قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }؛ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ }. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» - بتشديد الذال -، وقرأ الباقون: «كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و«الظَّنُّ»؛ هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية؛ على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ٱدعَوْهُ من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، وٱتصلَتِ العافيةُ، جاءهم نَصْرنا، وأسند الطبريُّ أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مبلغٍ: «حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ»؛ فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا - مخفَّفة -، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمٰنِ، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم؛ أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كَذَبَتْهُمْ، فقام مُسْلِم إِلى سعيدٍ، فٱعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك. قال * ع *: فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم. * ت *: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ }؛ على قراءة التخفيف؟ قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي اللَّه عنها مَعَاذَ اللَّهِ، أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم؛ وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل؛ وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ: «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا». وقوله سبحانه: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا }: أي: بتعذيب أممهم الكافرة. {فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ}: أي: من أتباع الرسلِ. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ }: أي: الكافرين، و«البَأْسُ»: العذاب. وقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ }: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ }، و{ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ. * ت *: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ }، وقد كانَ حَصَلَ في القَلْبِ عِبْرَةٌ في أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم وأفاضِل أصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصَحْبه وسلَّم تسليماً.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} الآية. قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها، سُنَّتيِ ومنهاجي، وسمِّي الدِّين سبيلاً، لأنه الطَّريق الذي يؤدِّي إلى الثَّواب، ومثله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ}تفسير : [النحل:125] والسَّبيل في أصل اللغة: الطريق، ثم شبهوا بها التعبُّدات؛ لأن الإنسان يمر عليها إلى الجنَّة. قوله: {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ} يجوز أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، وأن يكون حالاً من الياءِ، و{عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} حال من فاعل "أدْعُوا" أي: أدعوا كائناً على بصيرةٍ. وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ} ثم استأنف {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}. قوله {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} عطفٌ عليه، أي: على فاعل "أدْعُوا" ولذلك أكد بالضمير المنفصل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ومن اتَّبعني يدعو أيضاً، ويجوز أن يكون "عَلَى بَصِيرةٍ": خبراً مقدماً، و"أنَا": مبتدأ مؤخر، و"مَنِ اتَّبعَنِي" عطف عليه أيضاً، ومفعول "أدْعُوا" يجوز أن لا يراد، أي: أنا من أهل الدُّعاء إلى الله، ويجوز أن يقدَّر: أن أدعواالناس. وقرأ عبد الله: "هذَا سَبِيلِي" بالتَّذكير، وقد تقدَّم [الأنعام:55] أنه يذكَّر ويؤنَّث. فصل والمعنى: أدْعُوا إلى الله على بصيرةٍ على يقين، والبصيرةُ: هي المعرفة التي يميز بها بين الحقِّ والباطل، وهي الحجَّة والبرهان، "أنَا ومَنِ اتَّبعَنِي": آمَنَ بي، وسار في طريقي، وسيرهُ: اتِّباع الدَّعوة إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ. قال الكلبيُّ، وابنُ زيد: حقٌّ على من اتَّبعه أن يدعو إلى ما دعى إليه ويذكِّر بالقرآن. قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ: يعني: أصحاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقةٍ، وأقصد هداية معدن العلم، وكنز الإيمان وجند الرَّحمن. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : العُلمَاءُ أمَناءُ الرُّسلِ على عِبَادهِ، حيثُ يَحْفَظُونَ ما يدْعُونَ إليْهِ ". تفسير : ثم قال {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي: وقل: سبحان الله تنزيهاً عمَّا يشركون. {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الذين اتَّخذوا من الله ضدًّا وندًّا. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ علم الأصول حرفة الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وأن الله تعالى ـ ما بعثهم إلى الخلقِ إلا لأجلها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم, عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {قل هذه سبيلي} قال: دعوتي. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - مثله. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {قل هذه سبيلي} قال: صلاتي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {قل هذه سبيلي} قال: أمري وسنتي ومنهاجي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {على بصيرة} أي على هدى {أنا ومن اتبعني}.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى} وهي الدعوةُ إلى التوحيد والإيمان بالإخلاص وفسّرها بقوله: {أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} بـيانٍ وحجةٍ واضحةٍ غيرِ عمياءَ أو هي حالٌ من الضمير في سبـيلي والعاملُ فيها معنى الإشارة {أَنَاْ} تأكيدٌ للمستكن في أدعو أو على بصيرة لأنه حال منه، أو مبتدأ خبرُه على بصيرة {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى} عطف عليه {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} مؤكد لما سبق من الدعوة إلى الله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} رد لقولهم {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً }تفسير : [المؤمنون: 24] {نُّوحِى إِلَيْهِمْ} كما أوحينا إليك وقرىء بالياء {مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} لأنهم أعلمُ وأحلم، وأهلُ البوادي فيهم الجهلُ والجفاءُ والقسوة. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من المكذبـين بالرسل والآياتِ فيحذَروا تكذيبك {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ} أي الساعةُ أو الحياة الآخرة {خَيْرٌ لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الشركَ والمعاصيَ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتستعملوا عقولَكم لتعرِفوا خيريةَ دارِ الآخرة، وقرىء بالياء على أنه غيرُ داخل تحت قل. {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ} غايةٌ لمحذوف دل عليه السياقُ أي لا يغُرّنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء فإن مَنْ قبلهم قد أُمهلوا حتى أيِسَ الرسل عن النصر عليهم في الدنيا أو عن إيمانهم لانهماكم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} كذَّبتْهم أنفسُهم حين حدثتْهم بأنهم يُنْصرون عليهم أو كذّبهم رجاؤهم فإنه يوصف بالصدق والكذب والمعنى أن مدة التكذيبِ والعداوة من الكفار وانتظارَ النصر من الله تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القُنوطَ وتوهّموا أن لا نصر لهم في الدنيا {جَاءهُمْ نَصْرُنَا} فجأة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وظنوا أنهم قد أُخلِفوا ما وعدهم الله من النصر فإن صح ذلك عنه فلعله أراد بالظن ما يخطُر بالبال من شبه الوسوسة وحديثِ النفس، وإنما عبر عنه بالظن تهويلاً للخطب، وأما الظنُّ الذي هو ترجّحُ أحدِ الجانبـين على الآخر فلا يُتصوّر ذلك من آحاد الأمة فما ظنُّك بالأنبـياء عليهم الصلاة والسلام وهم هم ومنزلتُهم في معرفة شؤونِ الله سبحانه منزلتُهم، وقيل: الضميران للمُرسل إليهم. وقيل: الأول لهم، والثاني للرسل، وقرىء بالتشديد أي ظن الرسلُ أن القوم كذّبوهم فيما وعدوهم وقرىء بالتخفيف على بناء الفاعل على أن الضميرين للرسل أي ظنوا أنهم كذَبوا عند قومهم فيما حدّثوا به لِما تراخىٰ ولم يرَوا له أثراً أو على أن الأول لقومهم {فَنُجّىَ مَن نَّشَاء} هم الرسلُ والمؤمنون بهم وقرىء فننجّي على لفظ المستقبل بالتخفيف والتشديد وقرىء فنجا {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ}إذا نزل بهم وفيه بـيانٌ لمن تعلق بهم المشيئة.
التستري
تفسير : قوله تعالى:{أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}[108] أي أبلغ الرسالة ولا أملك الهداية، وإنما الهداية إليك. وقد سئل سهل عن قوله عليه السلام: "حديث : ولا ينفع ذا الجد منك الجد"تفسير : ، فقال: أي من جد في الطلب، وكان منك المنع، لم ينفعه جده في الطلب. وقال: إن الخلق لم يكشف لهم سر، ولو كشف لهم لأبصروا، ولم يشاهدوا وإن شاهدوا تم الأمر، وهذا شيء عظيم. ثم قال: أهل لا إله إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
القشيري
تفسير : " البصيرة": اليقين الذي لا مِرْيَةَ فيه، والبيان الذي لا شكَّ فيه. البصيرةْ يكون صاحبُها مُلاَطَفاً بالتوفيق جَهْراً، ومكاشَفاً بالتحقيق سِرَّا. ويقال البصيرة أن تطلع شموسُ العرفانِ؛ فتندرِجُ فيها أنوارُ نجومِ العقل. قوله: {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} أي ذلك سبيلي، وسبيلُ مَنْ اقتدى بهديي فهو أيضاً على بصيرة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} اى معرفة الله ومحبته وبذل الروح فى طريقة وانقياد النفس بوصف خنوعها لامره طريقى ادعوا من سبقت له الحسنى بنعت العناية فى الازل الى مشاهدة الله ومحبته وبذل الوجود له وهذه الدعوة منى على بصيرة ويقين وصدق وذوق وكشف وبيان من الله الذى لا معارضة فيه للنفس والشيطان وهكذا من اتبعنى بوصف المحبة وطلب المشاهدة والرضوان فى الوصال وكشف الجمال على بيان من معرفتهم ويقين بلا شبهة ولا شك ولا تردد ثم وصف نفسه بلسان نبيه وامره انه منزهة من كل خيال وعلل بقوله {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} اى هو منزه عن ادراك الخليقة وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} اى ما انا من الملتفتين الى غير يوسف المحبة وطلب الربوبية منه تعالى الله عن كل خاطر لا يشوب فيه شوب احد ثان لان من كان فى حيز الحدثان فتوحيده يليق بقدر الحدثان لا بقدر قدم الرحمن قال ابن عطا ادعوكم الى من نعودتم منه الفضل والافضال والبر والنوال على دوام الاحوال وهو الله الذى لم يزل ولا يزال جل وتعالى قال القرشى من دعى الخلق الى الله يحتاج ان يكون له صولة وقبول ويكون هذه الالات مندرجة فى دعوته كما قال الله تعالى قل هذه سبيلى ادعوا الى الله على بصيرة انا ففرق بين من دعى الى الله وبين من دعى الى سبيل الله وقال بعضهم لداعى الى الله وبين من دعى الى سبيل الله وقال بعضهم الداعى الى الله يدعوا الخلق اليه به لا يكون لنفسه فيه حظ والداعى الى سبيل الله يدعوهم بنفسه اليه لذلك كثرت الاجابة الى سبيله لمشاكلة الطبع وقل من يجيب الداعى الى الحق لان فيه مفارقته الطبع والنفس وقال الواسطى فى قوله على بصيرة انا ومن اتبعنى من عمل الفوادح على بصيرة فلا سمّوا ولا === له فى حقيقته فان الناس كلهم مفاليس من صحة البصيرة والنخيرة ولو لقيت الانبياء بهاتين الخصلتين لافلستهم اجمعين وانى بالبصيرة والعالم كلهم مرتبطون تحت الجناح بها يقومون اليها يؤمون والاصل بصيرة قاطعة ونحيزة فائقة لضعف البصائر اطلق من اطلق الثناء من الملأ الاعلى كمن ابصر البحر اخرسه ذكره فكيف اذا تجاربت الامواج واخذته للحجج وحقيقة بصيرة الناس هو مشاهدة رؤية الشئ وهو قوله ادعوا الى الله على بصيرة اذ بالله صحت البصائر والبصيرة اعلى من النور لانه لا يصح البصيرة لاحد وهو تحت رق ملك وما دام للشواهد والاعراض عليه اثر كانت بصيرته واهية قال بعضهم الدعاء من البصيرة والنفاق من ضعف النخيرة وقال البصيرة من لباس الارواح ليس لها من الاجسام حظ وقال الواسطى على بصيرة ايقن انه ليس اليه من الهداية شئ وقوله انا ومن اتبعنى على ذلك وعلم وبالتفويض والتسليم امرتهم وسبحان الله وانزه الحق عن ان يروم احد السبيل اليه الابد وما انا من المشركين ادعى لنفسى مع الحق الكل لمن له الكل وقال ابن عطا البصيرة احراقت المعلوم والمواعظة المحجوبة بظلم الاطماع اما علمت انه لا يصح بصيرة لاحد وهو تحت اثر كانت بصيرته واهية والبصيرة اذا صحت سلم ما بها من كل افة وقال ابن عطا الفرق بين === ان البصيرة مكشوفة والسكينة مستورة ويقال البصيرة ان يطلع شموس العرفان فيندرج فيها ===العقول ولى ههنا دقيقة فيها مشابهة كلام الكبراء فى هذه الاية ادق مما ذكرت من الاول اى قل يا محمد هذه التى رايتم منى من سنن الالهية التى اختار فى الازل لى هى الشريعة ووراء الشريعة الطريقة ووراء الطريقة الحقيقة ووراء الحقيقة حقيقة الحقيقة وهى البصيرة وتلك البصيرة اشراق جمال القدم لبصر الروح المطمئنة الساكنة بالله الطايرة فى الله الهامة لله التى طارت العدم فى انوار القدم ولا يسكن من طيرانها فى انوار الكبرياء والبقاء الى الابد فموضع البصيرة ادراك نظر تلك الروح وموضع الادراك بصر الروح وتلك البصيرة نور كشف صفات الحق المتصل على السرمدية بذلك الادراك ويزيد ذلك النور حتى يضمحل فيه ذلك الادراك ويغلب سطوا ته حتى ينطمس تلك العين فى ذلك النور فلا يبقى هناك الا نور الحق وكيف يبقى الحدث فى القدم وعز السرمدية بسطواتها يذهب اثار الحدثان فى اوائل ظهور العرفان اى هذه حالتى وسبيلى مع الله وانا لا ادعوكم الى هذه فانها قاصرة مضمحلة من الحق فى الحق بل ادعوكم الى الله حتى تعرفونه انكم لا تعرفونه ولا تبصرونه بالحقيقة فانه اعز من ان يدرك بالابصار والبصيرة وهكذا من سلك سبيلى فانا يفنى فى حقيقى يعلم ان ادراكه بالحقيقة محال وسبحان الله هو منزه عن ادراك المدركين وان كان نبيا مرسلا وملكا مقربا وما انا مشركين انهم يظنون انه تعالى مددكهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل هذه سبيلى} اى هذه السبيل التى هى الدعوة الى الايمان والتوحيد اى طريقى وهما يذكران ويؤنثان ثم فسرها بقوله {ادعو الى الله} الى دينه وطاعته وثوابه الموعود يوم البعث {على بصيرة} بيان وحجة بصيرة اى واضحة مرشدة الى المطلوب فان الدليل اذا كان بصيرا يتمكن من الارشاد والهداية بخلاف ما اذا كان اعمى {انا} تأكيد للمستتر فى ادعو {ومن اتبعنى} عطف عليه اى ادعو اليه انا ويدعو اليه من اتبعنى {وسبحان الله} اسم من التسبيح منصوب بفعل مضمر وهو اسبح اى اسبح الله تسبيحا او انزهه تنزيها من الشركاء {وما انا من المشركين} عطف على وسبحان الله عطف الجملة على الجملة. وفى نفائس المجالس قل هذه سبيلى اى الدعوة الى التوحيد الذاتى طريقى المخصوصة بى ثم فسر السبيل بقوله ادعو الى الله الى الذات الاحدية الموصوفة بجميع الصفات على بصيرة انا ومن اتبعنى فكل من يدعو الى ذلك السبيل فهو من اتباعى: قال فى المثنوى شعر : اين جنين فرمود آن شاه رسل كه منم كشتى درين درياى كل باكسى كودر بصير تهاى من شد خايفه راستى برجاى من كشتى نوحيم در درياكه نا رو نكردانى زكشتى اى فتا تفسير : وكان الانبياء قبله عليه السلام يدعون الىالمبدأ والمعاد والى الذات الواحدية الموصوفة ببعض الصفات الالهية الا ابراهيم عليه السلام فانه قطب التوحيد ولذا امر الله نبينا عليه السلام باتباعه بقوله {أية : ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا} تفسير : فهو من اتباع ابراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل اذ لا متمم لتفاصيل الصفات الا هو ولذا لم يكن غيره خاتما {وسبحان الله} انزهه عن اشتراك الغير بل هوالداعى الى ذاته {وما انا من المشركين} المثبتين للغير فى مقام التوحيد. قال بعضهم الداعى الى الله يدعو الخلق به والداعى الى سبيله يدعوهم بنفسه ولذلك كثرت الاجابة الى الثانى لمشاركته الطبع ثم للاتباع على الظاهر كما هو حال العامة والاتباع على الحقيقة كما هو حال الخاصة ولا سبيل الى الدعوة على بصيرة الا بعد الاتباع قولا وفعلا وحالا وهو النتيجة من الاتباع على الظاهر - حكى - ان فقيها قصد الى زيارة ابى مسلم المغربى فسمعه يلحن فى القرآن فقال فى نفسه قد ضاع سعيى ثم سلط اسدين على الفقيه حين خرج للوضوء وقت التهجد فهرب وصاح ودفعهما ابو مسلم ثم قال للفقيه ان كنت لحنت فى القرآن فقد لحنت فى الايمان فنحن نسعى فى تصحيح الباطن فيخاف منا المخلوق وانتم تسعون فى الظاهر فتخافون الخلق - وحكى - ان ابن الرشيد اختار البقاء على الفناء فعيره ابوه يوما وقال لحقنى لعار منك بين الملوك فدعا طيرا فاجابه ثم قال لابيه ادع انت فدعاه فلم يجب فقال لحقنى العار بين اولياء الله لانك كنت اسير الدنيا والبصيرة قوة للقلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الاشياء وبواطنها بمثابة البصر للنفس يرى به صور الاشياء وظواهرها وهى التى يسميها الحكماء العاقلة النظرية والقوة القدسية وجميع قلوب بنى آدم فى الاصل مائلة للبصيرة بحسب الفطرة لكنها لاشتغالها بالذات والشهوات والاعراض عن الطاعات والعبادات اظلمت وبنور البصيرة والتوفيق آمنت بلقيس وسحرة فرعون ونحوهم. واعلم ان اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم باب النجاة وطريق السعادة العظمى. قال سهل محب الله على الحقيقة يكون اقتداؤه فى احواله واقواله وافعاله بالنبى عليه السلام. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره سأل امام ابراهيم باشا منى يوما عن تأويلات السلمى لاجل الاذية فقلت له نخلى ذلك فاننا لسنا من اهله ولكن نفتح المثنوى بنيتك ففتحت فجاء شعر : رهرو راه طريقت اين بود كاو باحكام شريعت ميرود تفسير : فتعجب المرحوم وترك الانكار بعد ذلك على اولياء الله تعالى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (أدعوا): حال من الياء. و(على بصيرة): حال ثان، و(أنا ومن اتبعني): الضمير ـ تأكيد للمستكن في (أدعو)، أو في (على بصيرة)، أو مبتدأ خبره: (على بصيرة)، مقدم. يقول الحق جل جلاله: {قل} يا محمد: {هذه سبيلي}: طريقي الذي جئتُ به من عند ربي؛ وهي الدعوة إلى التوحيد، والتاهب ليوم المعاد. ثم فسرها بقوله: {أدعو إلى الله}، أول حال كوني داعياً إلى الله، أي: إلى توحيده ومعرفته والأدب معه، {على بصيرة}: حجة واضحة، وبينة من ربي، لا عن تقليد أو عمى. أدعو إلى الله {أنا ومن اتبعني}؛ فمن كان على قدمي فهو يدعو أيضاً إلى الله علي بصيرة وبينة من ربه، {وسبحان الله}: وأنزهه عن الشركاء والأنداد، {وما أنا من المشركين} به شركاً جلياً ولا خفياً، بل مخلصاً موحداً. الإشارة: لا يصلح العبد أن يكون داعياً إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت، ولا يختلجه شك ولا هم. والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب: فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام؛ وهم الدعاة إلى معرفة أحكام الله وشرائعه، ومنهم من يدعو على بصيرة الإيمان، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح. ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلية على نعت الشهود والعيان، من طريق الذوق والوجدان؛ وهم العارفون بالله، أهل النور المخرق، بحيث كل من واجههم خرق النور إلى باطنه. وهذه الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة، وأهل هذا المقام هم اهل التربية النبوية، فدعوة هؤلاء أكثر نفعاً، وأنجح تأثيراً؛ في زمن يسير؛ يهدي الله على أيديهم الجم الغفير. قال في نوادر الأصول: الداعي إلى الله على بصيرة ـ أي معاينة ـ هو الذي قلبه عند الله، وعلى بصيرة في الطريق، ومحل القلوب في تلك المراتب؛ ناطقاً بالله، عن الله، فلذلك يلج آذان المستمعين، مع الكسوة التي تخرق كل حجاب، وهو نورالله، لأنه خرج من قلب مشحون بالنور، فخرق كل حجاب قد تراكم على قلوب المخلطين، فخلصها إلى نور التوحيد فأنارها؛ بمنزلة جمرة وصلت النفخة إليها، فالتهبت ناراً، فاضاءت البيت. وهذا سبيل الناطق عن الله. ثم قال: وكيف يجوز الدعاء إلى الله لمن ليس عند الله، وهو لله، وإنما قلبه عند نفسه ولنفسه، مشغول بنهمته وشهواته وأحواله، وإنما هذا لمن تفرغ من نفسه، واشتغل بالله. هـ. ثم رد على من زعم من الكفار أن الرسول من البشر، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى ان يقول لهؤلاء الكفار {هذه سبيلي} يعني دينه الذي دعا إِليه من توحيد الله وعدله وتوجيه العبادة اليه والعمل بشرعه {أدعو} الناس {إلى} توحيد {الله} والى طاعته، واتباع سبيله على معرفة مني بذلك، وحجة معي اليه، ومن تابعني على ذلك، فهو يدعو الناس الى مثل ما أدعو اليه من التوحيد وخلع الانداد والعمل بشرع الاسلام {وسبحانه الله} اي تتزيهاً لله من ان يعبد معه إله غيره، وان يضاف اليه ما لا يليق به ولست أنا من المشركين الذين يشركون مع الله في عبادته سواه والسبيل هو الطريق، وهو يذكر ويؤنث قال الشاعر: شعر : ولا تبعد فكل فتى اناس سيصبح سالكاً تلك السبيلا تفسير : والدعاء طلب الفعل من الغير، وسمي الاسلام سبيلاً، لانه طريق الى الثواب لمن عمل به. و (البصيرة) المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل في الدين والدنيا، يقال: فلان على بصيرة من أمره اي كأنه يبصره بعينه.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ هَـٰذِهِ} الدّعوة الى التّوحيد والخلاص من الشّرك وتأسيس قانون المعاش بحيث يؤدّى الى حسن المعاد {سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ} تفسير لهذه سبيلى مع زيادة سواء جعلت بدلاً من هذه سبيلى او مستأنفة جواباً لسؤال مقدّر او حالاً عن سبيلى بتقدير عائد لها {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} بصحّة دعوتى لكون دعوتى عن اذنٍ صريح من الله بلا واسطة بخلاف طريقة غيرى من الدّاعين الى الباطل فانّهم لا بصيرة لهم بدعوتهم وصحّتها لعدم كونها باذنٍ صريحٍ من الله بلا واسطة او بواسطة او على بصيرةٍ بالمدعوّ اليه لكونه مشهوداً لى صحّته معايناً حقّيّته بخلاف غيرى من الدّاعين لعدم علمهم بصحّة المدعوّ اليه وحقّيّته فضلاً عن معاينتهم ايّاه او على بصيرة بالدّعوة والمدعوّ اليه كليهما {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} من الدّاعين باذنى بلا واسطة او بواسطة فانّهم ايضاً على شهود بصحّة الدّعوة والمدعوّ اليه او على يقين ان لم يكن شهود فمن لم يكن دعوته باذن من الله او ممّن اذن الله له ولم يكن على يقين بالدعوّ اليه لم يكن من اتباعه ولا على سبيله، ولمّا كان قوله {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} مشعراً بالاشراك فى الوجود لانّه اثبت انانيّة لنفسه وسبيلاً ودعوة واتّباعاً قال {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} اى اسّبح الله عن الاشراك فانّ اثبات الكثرة بحسب مراتب الوجود توسعة للوحدة وتأكيد لها لا انّها منافية لها ولذلك قال {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} فى الوجود فيما اثبّته.
فرات الكوفي
تفسير : {قل: هذه سبيلي أدعو إِلى الله على بصيرةٍ أنا وَمَنِ اتبعني108} [قال: حدثنا. أ، ب] فرات بن إبراهيم الكوفي [رحمة الله عليه. ر. قال: حدّثني الحسين بن سعيد. ر، ش. قال: حدّثنا محمد بن حماد بن عمرو الحناط قال: حدّثنا محمد بن الهيثم التميمي قال: حدّثنا حماد بن بن ثابت عن أبي داود عن أبان بن تغلب. ش]: عن جعفر بن محمد عليه [ر: عليهما] السلام في هذه الآية: {قل هذه سبيلي أدعو إِلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} قال: هي [ب: هو] والله ولايتنا أهل البيت لا ينكره أحدٌ إلاّ ضال ولا ينتقص علياً [عليه السلام. ر] إِلا ضال. فرات قال: حدّثني سعيد بن الحسن بن مالك [عن بكار عن إِسماعيل بن أميّة عن غورك عن عبد الحميد. ش]: عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا نالتني شفاعة جدي إِن لم تكن هذه الآية نزلت في علي خاصة: {قل هذه سبيلي أدعو إِلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}. فرات قال: حدّثنا إسماعيل بن إِبراهيم [قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن [أبي الـ] خطاب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ثعلبة بن ميمون عن نجم. ش]: عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} قال: علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدّثنا محمد بن تسنيم الحجال عن ثعلبة عن عمر بن حميد. ش]: عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله [تعالى. ر]: {قل هذه سبيلي أدعو إِلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} قال: من اتبعني علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدّثني الحسن بن علي بن بزيع معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا نالتني شفاعة جدي إن لم يكن نزلت هذه الآية في [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر]: {قل هذه سبيلي أدعو إِلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}. فرات قال: حدّثني أحمد بن القاسم [قال: حدّثنا محمد بن أبي عمر بن حرب بن الحسين ومحمد بن حفص بن راشد قالا: أخبرنا شاذان الطحان عن كهمس بن الحسن عن سليم الحذاء. ش]: عن زيد بن علي [عليه السلام. ر] قال: حديث : قال النبي [ش: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} من أهل بيتي لا يزال الرجل بعد الرجل يدعو إِلى ما أدعو إِليه .
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد {هَذهِ} أى هذه السبيل التى هى ملة الإسلام، أو هذه الشريعة {سَبِيلى} والسبيل يؤنث كما هنا إذا جعلنا الإشارة إليه بذكر شبه الإسلام بطريق يمشى فيه، ويوصل إلى المقصود، لأنه يوصل إلى رضا الله وثوابه. {أدْعُوا إلى اللّهِ} كل أحد، أى إلى دين الله، فمن هلك فإنما التفريط من قبله، إذ لم يجبنى، والجملة مستأنفة لا تفسير لما قبله كما قيل: لأن السبيل المشار إليه جميع ملة الإسلام لا الدعاء إليها فقط، نعم يجوز أن يكون تفسيرا من حيث إن الدعاء إليها مستلزم لوجودها، وإلا لم يتصور الدعاء إليها فى الجملة، لأن الإنسان إنما يدعو إلى ما يرتضيه فى الجملة، أو من حيث تحميل الإشارة، والسبيل بمعنى الدعاء إلى الدين، ولا حال من الياء إلا على القول الفارسى من جواز مجئ الحال من المضاف إليه مطلقا، وقد يقال إن هنا مسوغا هو أن المضاف مثل جزاء المضاف إليه، ويجوز كون الجملة حالا من سبيلى، أو من هذه والربط ظاهر محذوف قائم مقام الضمير، أى إلى دين الله، ودينه هو السبيل المذكورة. {عَلى بَصيرةٍ} حجة باصرة لا عمياء، وسميت بصيرة لأنها آلة لإبصار الحق، أو للمبالغة فى وضوحها، حتى كأنها باصرة، أو هى بمعنى المبصرة بفتح الصاد أى يراه الإنسان حقا، ويعتقده ويعلق بمحذوف حال من المستتر فى أدعو. {أنا} توكيد لضمير الاستقرار فى على بصيرة، أو للضمير المستتر فى أدعو، ولو وجد الفاصل لأنه وارد، ولأن الفاصل هنا متضمن لمثل ذلك المستتر، وأنا فاعل لقوله: {على بصيرة} لاعتمادها للظرف على ذى حال. {ومَنِ اتَّبعِنى} عطف على المستتر فى أدعو أو فى على بصيرة، لا على أنا إلا إذا جعل فاعلا للظرف، ويجوز كون أنا مبتدأ، ومَن معطوفا عليه وعلى بصيرة خبرا {وسُبْحان الله} أى وتنزهه عن الشرك تنزيها، فالعطف على أدعو، وقيل: مفعول لمحذوف، والمحذوف معطوف على قل، أى وقل سبحان الله، وذلك بحسب الأصل، وإلا فالمراد قل لهم هذه الألفاظ. {ومَا أنا مِنَ المشْركينَ} وكذا من اتبعنى، وظاهر هذا أن يقدر فى سبحان الله أنزه الله بهمزة المتكلم، وظاهر قوله: {ومن اتبعنى} أن يقدر بالنون كما مر، والوجهان جائزان، لأنه متبوع فى تنزيهه الله، وعدم الإشراك، ويجب على من آمن به أن يدعو إلى ما دعى إليه، ويذكر بالقرآن، والمراد بمن اتبعه أصحابه، وهم على أحسن طريقة، وأفضل هداية، وهم معدن العلم، وكنز الإيمان، وجند الرحمن، أبرَّ الأمة قلوبا، واعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ونقل دينه، ومن كان مستنا فليستن بهم، فليتشبه بأخلاقهم، أعنى من مات منهم قبل الفتنة، أو كان على الحق بعدها.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى} أَى الدعوة إِلى توحيد الله عز وجل، يدل لهذه الإِشارة قوله: "أية : وما أَكثر الناس ولو حرصت بمؤْمنين"تفسير : [يوسف: 103] فإِنه حريص على توحيدهم بإِجهاد نفسه فى الدعاءِ إِليه، ومن قوله: "أية : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"تفسير : [يوسف: 104] فإِنه دعاء للتوحيد وزجر عن الإِشراك، إِذ عاب عليهم الإِشراك، وفسر الإِشارة بقوله: {أَدْعُو إِلَى اللهِ} إِلى توحيده، من شأنى ذلك الدعاءُ، أَو يقدر الناس إليه؛ والعلم بالله خلاصة الدين، والعمل متفرع على العلم بوحدة الله، أَو أَدعو إلى عبادته، وعبادته تستلزم العلم به {عَلَى بَصيرةٍ} تمييز بين الحق والباطل أَو حجة واضحة {أَنا ومَنِ اتَّبعَنِى} فى الإيمان، العطف على ضمير أَدعوا وعلى بصيرة خبر لأَنا {ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ ومَا أَرْسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِى إِلَيْهِمْ} رد لقولهم أن الرسول لا يكون بشرا بل ملكاً"أية : لو شاءَ ربنا لأَنزل ملائكة "تفسير : [فصلت: 14] {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} لا من أَهل البدو لجهلهم وجفائِهم كما لم يرسل من النساءِ لنقصهن {أَفَلَمْ يَسْيرُوا} أَى أَهل مكة {فى الأَرض فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِِمْ} من إِهلاكهم لتكذيبهم بالرسل والآيات {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} دار المنزلة الآخرة أَو الحياة الآخرة ودارهما الجنة، أَو لدار هى الدار الآخرة {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} تركوا الشرك، والخير ضد الشر أَو أَفضل، وخرج عن التفضيل إِذ لا فضل كأَنه قيل حسنة وغيرها قبيح، أَو أَحسن من الدنيا على اعتبارها ما فى الدنيا من الحسن {أَفَلاَ تعْقِلُونَ} أَن هذا خير خطاب بعد غيبة.
الالوسي
تفسير : {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى} أي هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي كذا قالوا، والظاهر أنهم أخذوا الدعوة إلى الإيمان من قوله تعالى: {أية : وَمَا أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } تفسير : [يوسف: 103] لإفادة أنه يدعوهم إلى الإيمان بجد وحرص وإِن لم ينفع فيهم، والدعوة إلى التوحيد من قوله سبحانه: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ } تفسير : [يوسف: 106] لدلالته على أن كونه ذكراً لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم لا يرفعون له رأساً كسائر آيات الآفاق والانفس الدالة على توحده تعالى ذاتاً وصفات، وفسر ذلك بقوله تعالى: {ٱدْعُواْ إِلَى ٱللَّهِ} أي أدعو الناس إلى معرفته سبحانه بصفات كماله ونعوت جلاله ومن جملتها التوحيد فالجملة لا محل لها من الإعراب، وقيل: إن الجملة في موضع الحال من الياء والعامل فيها معنى الإشارة. وتعقب بأن الحال في مثله من المضاف إليه مخالفة للقواعد ظاهراً وليس ذلك مثل {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [النحل: 123] واعترض أيضاً بأن فيه تقييد الشيء بنفسه وليس ذاك {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } أي بيان وحجة واضحة غير عمياء، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير {أَدْعُو } وزعم أبو حيان أن الظاهر تعلقه ـ بأدعو ـ وقوله تعالى: {أَنَاْ } تأكيد لذلك الضمير أو للضمير الذي في الحال، وقوله تعالى: {وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى} عطف على ذي الحال، ونسبة {أَدْعُو } إليه من باب التغليب كما قرر في قوله تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [البقرة: 35] ومنهم من قدر في مثله فعلاً عاملاً في المعطوف ولم يعول عليه المحققون، ومنع عطفه على {أَنَاْ } لكونه تأكيداً ولا يصح في المعطوف كونه تأكيداً كالمعطوف عليه. واعترض بأن ذلك غير لازم كما يقتضيه كلام المحققين، وجوز كون {مَنْ} مبتدأ خبره محذوف أي ومن اتبعني كذلك أي داع وأن يكون {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } خبراً مقدماً {وَأَنَا } مبتدأ {وَمَنْ } عطف عليه، وقوله تعالى: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } أي وأنزهه سبحانه وتعالى تنزيهاً من الشركاء، وهو داخل تحت القول وكذا {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في وقت من الأوقات، والكلام مؤكد لما سبق من الدعوة إلى الله تعالى. وقرأ عبد الله {قُلْ هَـٰذَا سَبِيلِى} على التذكير والسبيل تؤنث وقد تذكر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال من الاعتبار بدلالة نزول هذه القصة للنبيء صلى الله عليه وسلم الأمّيّ على صدق نبُوءته وصدقه فيما جاء به من التوحيد إلى الاعتبار بجميع ما جاء به من هذه الشريعة عن الله تعالى، وهو المعبّر عنه بالسبيل على وجه الاستعارة لإبلاغها إلى المطلوب وهو الفوز الخالد كإبلاغ الطريق إلى المكان المقصود للسائر، وهي استعارة متكررة في القرآن وفي كلام العرب. والسبيل يؤنث كما في هذه الآية، ويذكّر أيضاً كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } تفسير : في سورة الأعراف (146). والجملة استئناف ابتدائي معترضة بين الجمل المتعاطفة. والإشارة إلى الشريعة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس لبلوغه من الوضوح للعقول حداً لا يخفى فيه إلا عمّن لا يُعدّ مُدْركاً. وما في جملة {هذه سبيلي} من الإبهام قد فسرته جملة {ادعوا إلى الله على بصيرة}. و{على} فيه للاستعلاء المجازي المراد به التمكن، مثل «على هدىً من ربهم». والبصيرة: فعيلة بمعنى فاعلة، وهي الحجة الواضحة، والمعنى: أدعو إلى الله ببصيرة متمكناً منها، ووصف الحجة ببصيرة مجاز عقلي، والبصير: صاحب الحجة لأنه بها صار بصيراً بالحقيقة. ومثله وصف الآية بمبصرة في قوله: { أية : فلما جاءتهم آياتنا مبصرة } تفسير : [سورة النمل: 13]. وبعكسه يوصف الخفاء بالعمى كقوله: { أية : وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم } تفسير : [سورة هود: 28]. وضمير {أنا} تأكيد للضمير المستتر في {أدعوا}، أتي به لتحسين العطف بقوله: {ومن اتبعني}، وهو تحسين واجب في اللغة. وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون. وقد قاموا بذلك بوسائل بث القرآن وأركان الإسلام والجهاد في سبيل الله. وقد كانت الدعوة إلى الإسلام في صدر زمان البعثة المحمدية واجباً على الأعيان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : بلّغوا عنّي ولو آيةً » تفسير : أي بقدر الاستطاعة. ثم لمّا ظهر الإسلام وبلغت دعوته الأسماع صارت الدعوة إليه واجباً على الكفاية كما دل عليه قوله تعالى: { أية : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير الآية } تفسير : في سورة آل عمران (104). وعُطفت جملة {وسبحان الله} على جملة {أدعوا إلى الله}، أي أدعو إلى الله وأنزهه. وسبحان: مصدر التسبيح جاء بدلاً عن الفعل للمبالغة. والتقدير: وأسبح الله سبحاناً، أي أدعو الناس إلى توحيده وطاعته وأنزّهه عن النقائص التي يشرك بها المشركون من دعاء الشركاء، والولد، والصاحبة. وجملة {وما أنا من المشركين} بمنزلة التذييل لما قبلها لأنها تعمّ ما تضمنته.
القطان
تفسير : هذا سبيلي: السبيل يذكر ويؤنث، هذا طريقي. على بصيرة: على حجة واضحة بأسنا: عقابنا عبرة: موعظة. بعد ان بين الله تعالى ان اكثر الناس لايفكرون فيما في السماوات والارض من آيات، تدل على ان الله هو الخالق المدبر - امر رسوله ان يخبر الناس ان طريقه هي الدعوة إلى اخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، يدعو بها هو ومن ابتعه على بصيرة واضحة وبرهان. {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. قل ايها الرسول: ان هذه الدعوة التي أدعو اليها هي سنتي ومنهاجي، وهي الطريق الى الله، وانا على يقين مما أدعو اليه ولديّ الحجّةُ والبرهان، وكذلك يفعل كل من تبعني وآمن بشريعتي، ونزه الله وعظمه عما لا يليق به، {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وأبرأ من أهل الشِرك لست منهم. وكان المشركون في مكةَ يقولون: لو أراد الله بإرسال رسول لبعث مَلَكا، كما حكى عنهم سبحانه بقوله: {أية : لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} تفسير : [فصلت: 14] فرد عليهم بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. نحن لم نرسل الى الأمم السابقة إلا رجالاً نُنزل عليهم الوحي ونرسلهم مبشّرين ومنذِرين، فلم يكونوا ملائكة ولا خلقا آخر، بل بشرا مثلك. ثم أتبعَ ذلك بتأنيبهم على تكذيب الرسول بتوجيه نظرهم الى آثار الغابرين كيف تركوا ديارهم خاوية على عروشها، فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...} الخ. افلم يسِرْ هؤلاء المشرِكون المكذّبون في الارض فينظروا كيف أهلكْنا الّذين كفروا قبلَهم كقومِ لوطٍ وصالحٍ وسائرِ من عذبهم الله من الأمم!! {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. ان ثواب الآخرة أفضلُ، لأن نعيمها دائم، أفلا تفكرون في هذا الفرق أيّها المكذبون بالآخرة!! ثم ذكر سبحانه، تثبيتاً لفؤاد رسوله عليه الصلاة والسلام، أن العاقبةَ دائما لرسُله، وان نصرهُ تعالى ينزل عليهم حين يضيق الحال فقال: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ}. لا تبتئس ايها الرسول، فان نصري قريبٌ اكيد، لكنه لا بدّ من الشدائد، حتى إذا يئس الرسلُ من إيمان من يدعونهم، وتيقنوا انهم جاءَهم نصرُنا، أنعمنا بالنجاةِ والسلامة على المؤمنين، ونَزَلَ عقابُنا بالمجرِمين المكذِّبين. قراءات: قرأ أهل الكوفة: "كُذِبوا" بضم الكاف وكسر الذال بدون تشديد. وقرأ الباقون "كذّبوا" بتشديد الذال. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: "فَنُنْجِي" بضم النون وكسر الجيم وتشديدها. وقرأ الباقون: "فنُجْى" بنونين على صغية الاستقبال. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. إن في أخبار الانبياء واقوامهم عبرة وموعظة يستنير بها أصحاب العقول، وليس هذا القرآن حديثا مختلقا ولا أساطير مفتراة، وانما هو وحي يؤكد صدق ما سبق من كتب السماء ومن جاء بها من الرسل، ويبين كل ما يُحتاج الى تفصيله من أمور الدين، انه هدى لمن تدبّره وامعنَ النظرَ فيه ورحمةٌ عامة للمؤمنين الصادقين. وهكذا تختتم سورة يوسف بمثل ما بدئت، وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها وبين ثناياها متناسقةً مع موضوع القصة، وطريقة أدائها. وكما قدمنا، بدأت القصةُ وانتهت في سورة واحدة، فيها مشاهدُ وألوان من الشدائد، ثم كانت العقابة خيراً للذين اتقَوا ربهم، وهذا هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب. ولقد بدأت السورة بقوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} وخُتمت بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَدْعُو} {سُبْحَانَ} (108) - يَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِلى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ هِيَ سَبيلُهُ وَمَسْلَكُهُ وَسُنَّتُهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيها وَهُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ وَيقِينٍ، هُوَ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، مِنْ حَقِيقَةِ مَا يَدْعُونَ إِلَيهِ، وَمَا يَقُولُونَ بِهِ، وَأَنَّهُ يُنْزِّهُ اسْمَ اللهِ، وَيُقَدِّسُهُ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: قُلْ يا محمد هذا هو منهجي. والسبيل كما نعلم هو الطريق، وقوله الحق: {هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ ..} [يوسف: 108]. يدلُّ على أن كلمة السبيل تأتي مرة مُؤنَّثة، كما في هذه الآية، وتأتي مرة مُذكَّرة؛ كما في قوله الحق: {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ..} تفسير : [الأعراف: 146]. وأعْلِنْ يا محمد أن هذه الدعوة التي جِئْتَ بها هي للإيمان بالله الواحد؛ وسبحانه لا ينتفع بالمنهج الذي نزل عليك لِيُطبِّقه العباد، بل فيه صلاح حياتهم، وسبحانه هو الله؛ فهو الأول قبل كل شيء بلا بداية، والباقي بعد كل موجود بلا نهاية؛ ومع خَلْق الخَلْق الذين آمنوا هو الله؛ وإن كفروا جميعاً هو الله، والمسألة التكليفية بالمنهج عائدة إليكم أنتم، فمَنْ شاء فَلْيؤمن، ومَنْ شاء فَلْيكفر. ولنقرأ قوله الحق: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1-2]. فهي تنشقُّ فَوْرَ سماعها لأمر الله، وتأتي لحظة الحساب. وقوله الحق: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ..} [يوسف: 108]. أي: أدعو بالطريق المُوصِّل إلى الله إيماناً به وتَقبُّلاً لمنهجه، وطلباً لما عنده من جزاء الآخرة؛ وأنا على بصيرة مما أدعو إليه. والبصر - كما نعلم - للمُحسَّات، والبصيرة للمعنويات. والبصر الحسيُّ لا يُؤدِّي نفس عمل البصيرة؛ لأن البصيرة هي يقينٌ مصحوبٌ بنور يُقنِع النفس البشرية، وإنْ لم تَكُنْ الأمور الظاهرة مُلجئة إلى الإقناع. ومثال هذا: أم موسى حين أوحى الله لها أن تقذف ابنها في اليَمِّ، ولو قاسَتْ هي هذا الأمر بعقلها لما قَبِلَتْه، لكنها بالبصيرة قَبِلَتْه؛ لأنه وارد من الله لا مُعانِدَ له من النفس البشرية. فالبصيرة إذن: هي يقين ونور مبني على برهان من القلب؛ فيطيعه العبد طاعة بتفويض، ويُقال: إن الإيمان طاعة بصيرة. ويمكن أن نقرأ قوله الحق: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ..} [يوسف: 108]. وهنا جملة كاملة؛ ونقرأ بعدها: {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي ..} [يوسف: 108]. أو نقرأها كاملة: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]. وقول الحق: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ ..} [يوسف: 108]. أي: أنه سبحانه مُنزَّه تنزيهاً مطلقاً في الذات، فلا ذاتَ تُشبِهه؛ فذاته ليست محصورة في القالب المادي مثلك، والمنفوخة فيه الروح، وسبحانه مُنزَّه تنزيهاً مُطْلقاً في الأفعال، فلا فعلَ يشبه فِعله؛ وكذلك صفاته ليست كصفات البشر، فحين تعلم أن الله يسمع ويرى، فخُذْ ذلك في نطاق: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. وكذلك وجوده سبحانه ليس كوجودك؛ لأن وجوده وجود واجد أزليّ، وأنت حَدَثٌ طارئ على الكون الذي خلقه سبحانه. ولذلك قاس بعض الناس رحلة الإسراء والمعراج على قدرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولم ينتبهوا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقد أُسري بي ". تفسير : ونزل قول الحق سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء: 1]. وهكذا تعلم أن الفعل لم يكن بقوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولكن بقوة من خلق الكون كله، القادر على كل شيء، والذي لا يُمكِن لمؤمن حقٍّ أن يشرك به، أمام هذا البرهان. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} معناه دَعْوَتِي. تفسير : وقوله تعالى: {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} معناه عَلَى يَقينٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } للناس { هَذِهِ سَبِيلِي } أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلم بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ } أي: أحثُّ الخلق والعباد إلى الوصول إلى ربهم، وأرغِّبهم في ذلك وأرهِّبهم مما يبعدهم عنه. ومع هذا فأنا { عَلَى بَصِيرَةٍ } من ديني، أي: على علم ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية. { وَ } كذلك { مَنِ اتَّبَعَنِي } يدعو إلى الله كما أدعو على بصيرة من أمره. { وَسُبْحَانَ اللَّهِ } عما نسب إليه مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله. { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } في جميع أموري، بل أعبد الله مخلصا له الدين. ثم قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا } أي: لم نرسل ملائكة ولا غيرهم من أصناف الخلق، فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك، ويزعمون أنه ليس لك عليهم فضل، فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة { نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } أي: لا من البادية، بل من أهل القرى الذين هم أكمل عقولا وأصح آراء، وليتبين أمرهم ويتضح شأنهم. { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ } إذا لم يصدقوا لقولك، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } كيف أهلكهم الله بتكذيبهم، فاحذروا أن تقيموا على ما أقاموا عليه، فيصيبكم ما أصابهم، { وَلَدَارُ الآخِرَةِ } أي: الجنة وما فيها من النعيم المقيم، { خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } الله في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن نعيم الدنيا منغص منكد، منقطع، ونعيم الآخرة تام كامل، لا يفنى أبدا، بل هو على الدوام في تزايد وتواصل، {أية : عطاء غير مجذوذ } تفسير : { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا تكون لكم عقول تؤثر الذي هو خير على الأدنى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):