Verse. 1705 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

وَمَاۗ اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ اِلَّا رِجَالًا نُّوْحِيْۗ اِلَيْہِمْ مِّنْ اَہْلِ الْقُرٰى۝۰ۭ اَفَلَمْ يَسِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَيَنْظُرُوْا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ۝۰ۭ وَلَدَارُ الْاٰخِرَۃِ خَيْرٌ لِّـلَّذِيْنَ اتَّقَوْا۝۰ۭ اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ۝۱۰۹
Wama arsalna min qablika illa rijalan noohee ilayhim min ahli alqura afalam yaseeroo fee alardi fayanthuroo kayfa kana AAaqibatu allatheena min qablihim waladaru alakhirati khayrun lillatheena ittaqaw afala taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى» وفي قراءة بالنون وكسر الحاء «إليهم» لا ملائكة «من أهل القرى» الأمصار لأنهم أعلم وأحلم بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم «أفلم يسيروا» أهل مكة «في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم «ولدار الآخرة» أي الجنة «خير للذين اتقوا» الله «أفلا تعقلون» بالياء والتاء يا أهل مكة هذا فتؤمنون.

109

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم {نُوحِى } بالنون، والباقون بالياء {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ورواية حفص عن عاصم: {تَعْقِلُونَ } بالتاء على الخطاب، والباقون: بالياء على الغائب. واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن الله لو أراد إرسال رسول لبعث ملكاً، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } فلما كان الكل هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد والآية تدل على أن الله ما بعث رسولاً إلى الحق من النسوان وأيضاً لم يبعث رسولاً من أهل البادية. قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل » تفسير : . ثم قال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِ فَيَنظُرُواْ } إلى مصارع الأمم المكذبة وقوله: {وَلَدَارُ ٱلاْخِرَةِ خَيْرٌ } والمعنى دار الحالة الآخرة، لأن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة الأولى، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا دلائله مراراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} هذا ردّ على القائلين: {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} تفسير : [الأنعام: 8] أي أرسلنا رجالاً ليس فيهم ٱمرأة ولا جِنِّيٌّ ولا مَلَك؛ وهذا يردّ ما يُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن في النِّساء أربع نبيَّات حَوّاء وآسية وأمّ موسى ومريم». تفسير : وقد تقدّم في «آل عمران» شيء من هذا. «مِنْ أَهْلِ الْقُرَى» يريد المدائن؛ ولم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو؛ ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية قطّ، ولا من النِّساء، ولا من الجنّ. وقال قتادة: «مِنْ أَهْلِ الْقُرَى» أي من أهل الأمصار؛ لأنهم أعلم وأحلم. وقال العلماء: مِن شرط الرسول أن يكون رجلاً آدميّا مدنِياً؛ وإنما قالوا آدميّا تحرّزاً؛ من قوله: {أية : يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الجن: 6] والله أعلم. قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} إلى مصارع الأمم المكذِّبة لأنبيائهم فيعتبروا. {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} ٱبتداء وخبره. وزعم الفرّاء أن الدار هي الآخرة؛ وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ، كيوم الخميس، وبارحة الأولى؛ قال الشاعر:شعر : ولو أَقْوَتْ عليكَ دِيارُ عَبْسٍ عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ اليَقينِ تفسير : أي عِرْفَاناً يقيناً؛ وٱحتجّ الكسائيّ بقولهم: صلاة الأولى؛ واحتجّ الأخفش بمسجد الجامع. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال؛ لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليتعرّف به؛ والأجود الصلاة الأولى، ومن قال صلاة الأولى فمعناه: عند صلاة الفريضة الأولى؛ وإنما سمّيت الأولى لأنها أوّل ما صُلّي حين فُرضت الصّلاة، وأوّل ما أظهر؛ فلذلك قيل لها أيضاً الظهر. والتقدير: ولدار الحال الآخرة خير، وهذا قول البصريين؛ والمراد بهذه الدار الجنة؛ أي هي خير للمتقين. وقرىء: «وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ». وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} تقدّم القراءة فيه ومعناه. {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزِلّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. «حَتَّى إِذَا ٱسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» أي يئسوا من إيمان قومهم. «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» بالتشديد؛ أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أَنَّ الْقَوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنّوا وحسِبوا أنهم يُكَذِّبونهم؛ أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شكّ؛ فيكون «وَظَنُّوا» على بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عباس وٱبن مسعود وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ وأبو جعفر بن القَعْقَاع والحسن وقَتَادة وأبو رَجَاء العُطَارِديّ وعاصم وحمزة والكسائيّ ويحيـى بن وَثَّاب والأعمش وخَلَف «كُذِبُوا» بالتخفيف؛ أي ظنّ القوم أن الرسل كَذَبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يَصدقُوا. وقيل: المعنى ظنّ الأمم أن الرسل قد كَذَبوا فيما وعدوا به من نصرهم. وفي رواية عن ابن عباس؛ ظنّ الرسلُ أن الله أخلف ما وعدهم. وقيل: لم تصح هذه الرواية؛ لأنه لا يَظنّ بالرسل هذا الظنّ، ومن ظنّ هذا الظنّ لا يستحقّ النّصر؛ فكيف قال: {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا}؟ٰ قال القُشَيريّ أبو نصر: ولا يبعد إن صحّت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم؛ وفي الخبر: «حديث : إن الله تعالى تجاوز لأمّتي عما حدّثت به أنفسها ما لم ينطق به لسانٌ أو تَعمل به»تفسير : . ويجوز أن يقال: قربوا من ذلك الظنّ؛ كقولك: بلغت المنزل، أي قربت منه. وذكر الثعلبيّ والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشراً فضَعُفوا من طول البلاء، ونسوا وظنُّوا أَنَّهُمْ أخلِفوا؛ ثم تلا: {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة: 214]. وقال الترمذيّ الحكيم: وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعدما وعد الله النصر، لا من تهمة لوعد الله، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حَدَثاً يَنْقُض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم؛ فكانت إذا طالت (عليهم) المدّة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه. وقال المهدويّ عن ابن عباس: ظنّت الرُّسل أنهم قد أُخلِفُوا على ما يلحق البشر؛ واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة: 260] الآية. والقراءة الأولى أولى. وقرأ مجاهد وحميد ـ «قَدْ كَذَبوا» بفتح الكاف والذال مُخَفّفاً، على معنى: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوا، لما رأوا من تفضّل الله عزّ وجلّ في تأخير العذاب. ويجوز أن يكون المعنى: و(لما) أيقن الرسل أن قومهم قد كَذَبوا على الله بكفرهم جاء الرسلَ نصرُنا. وفي البخاريّ عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عزّ وجلّ: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} قال قلت: أكُذِبُوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا. قلت: فقد ٱستيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أَجَل لعمري! لقد ٱستيقنوا بذلك؛ فقلت لها: «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل (الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، وٱستأخر عنهم النصر حتى إذا ٱستيأس الرسل) ممن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرسل أن أتباعهم (قد) كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك. وقي قوله تعالى: {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} قولان: أحدهما: جاء الرسلَ نصُر الله؛ قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب الله؛ قاله ابن عباس. {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ} قيل: الأنبياء ومن آمن معهم. وروي عن عاصم «فَنجِّيَ مَنْ نَشَاءُ» بنون واحدة مفتوحة الياء، و«مَنْ» في موضع رفع، ٱسم ما لم يسم فاعله؛ وٱختار أبو عبيد هذه القراءة لأنها في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «فَنَجَا» فعل ماض، و«مَنْ» في موضع رفع لأنه الفاعل، وعلى قراءة الباقين نصباً على المفعول. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} أي عذابنا. {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي الكافرين المشركين.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } رد لقولهم {أية : لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } تفسير : [المؤمنون: 24] وقيل معناه نفي استنباء النساء {يُوحِي إِلَيْهِمُ} كما يوحي إليك ويميزون بذلك عن غيرهم. وقرأ حفص «نُوحِي» في كل القرآن ووافقه حمزة والكسائي في سورة «الأنبياء». {مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} لأن أهلها أعلم وأحلم من أهل البدو. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا تكذيبك، أومن المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا عن حبها. {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة. {خَيْرٌ لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الشرك والمعاصي. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء حملاً على قوله: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى} أي قل لهم أفلا تعقلون.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء؛ كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يوح إِلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع. وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى، نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} تفسير : [القصص: 7] الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم، فبشرها بعيسى عليه السلام، وبقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَٰكِعِينَ } تفسير : [آل عمران:42-43]، وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات؛ كما قال تعالى مخبراً عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: {أية : مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [المائدة: 75] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صدّيقة بنص القرآن. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} الآية، أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} تفسير : [الأنبياء:8-9]. وقوله تعالى: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [الأحقاف:9] الآية. وقوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} المراد بالقرى المدن، لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعاً وأخلاقاً، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعاً، وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالاً من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} الآية. وقال قتادة في قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود. وفي الحديث الآخر: أن رجلاً من الأعراب أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة، فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد هَمَمْتُ أن لا أَتَّهِبَ هِبَةً إِلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دَوْسِيّ»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» تفسير : . وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} يعني: هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها؛ كقوله: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} تفسير : [الحج: 46] الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك، رأوا أن الله قد أهلك الكافرين، ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي: وكما نجينا المؤمنين في الدنيا، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة، وهي خير لهم من الدنيا بكثير؛ كقوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} تفسير : [غافر:51-52] وأضاف الدار إلى الآخرة، فقال: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} كما يقال: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وعام أول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس. وقال الشاعر:شعر : أَتَمْدَحُ فَقْعَسَاً وتَذُمُّ عَبْسَاً أَلا لله أُمُّكَ مِنْ هَجينِ ولَوْ أَقْوَتْ عَليكَ دِيارُ عَبْسٍ عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفانَ اليقينِ

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحِي } وفي قراءة بالنون وكسر الحاء {إِلَيْهِمْ } لا ملائكة {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } الأمصار، لأنهم أعلم وأحلم بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } أي أهل مكة {فِى ٱلاْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم؟{وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ } أي الجنة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } اللَّهَ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالياء، والتاء: أي يا أهل مكة هذا فتُؤمنون؟.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } هذا رد على من قال: {أية : لَوْلا أُنزِلَ عليه مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام: 8] أي: لم نبعث من الأنبياء إلى من قبلهم إلا رجالاً لا ملائكة. فكيف ينكرون إرسالنا إياك؟ وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبياً من النساء ولا من الجنّ، وهذا يردّ على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم. وقد كان بعثة الأنبياء من الرجال دون النساء أمراً معروفاً عند العرب، حتى قال قيس بن عاصم في سجاح المتنبئة:شعر : أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله والأقوام كلهم على سجاح ومن باللوم أغرانا تفسير : {نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما نوحي إليك {مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } أي: المدائن دون أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على البدو، ولكون أهل الأمصار أتم عقلاً وأكمل حلماً وأجلّ فضلاً {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني: المشركين المنكرين لنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أي: أفلم يسر المشركون هؤلاء فينظروا إلى مصارع الأمم الماضية فيعتبروا بهم حتى ينزعوا عما هم فيه من التكذيب {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أي: لدار الساعة الآخرة، أو لحالة الآخرة على حذف الموصوف. وقال الفراء: إن الدار هي الآخرة، وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ كيوم الجمعة، وصلاة الأولى، ومسجد الجامع، والكلام في ذلك مبين في كتب الإعراب، والمراد بهذه الدار: الجنة، أي: هي خير للمتقين من دار الدنيا. وقرىء "وللدار الآخرة". وقرأ نافع وعاصم ويعقوب {أفلا تعقلون} بالتاء الفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية. {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ } هذه الغاية المحذوف دلّ عليه الكلام، وتقديره: {وما أرسلنا من قبلك} يا محمد إلاّ رجالاً، ولم نعاجل أممهم الذين لم يؤمنوا بما جاءوا بالعقوبة {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ} من النصر بعقوبة قومهم، أو {حتى إذ استيأس الرسل} من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ }. قرأ ابن عباس، وابن مسعود، وأبو عبد الرحمٰن السلمي، وأبو جعفر بن القعقاع، والحسن، وقتادة، وأبو رجاء العطاردي، وعاصم وحمزة والكسائي، ويحيـى بن وثاب، والأعمش وخلف {كذبوا} بالتخفيف أي: ظنّ القوم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ولم يصدقوا. وقيل: المعنى ظنّ القوم أن الرسل قد كذبوا فيما ادعوا من نصرهم، وقيل: المعنى وظنّ الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون عليهم، أو كذبهم رجاؤهم للنصر، وقرأ الباقون "كذبوا" بالتشديد، والمعنى عليها واضح أي: ظنّ الرسل بأن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العذاب، ويجوز في هذا أن يكون فاعل ظنّ القوم المرسل إليهم على معنى أنهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد. وقرأ مجاهد وحميد {قد كذبوا} بفتح الكاف والذال مخففتين على معنى: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا؛ وقد قيل: إن الظنّ في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأن الرسل قد تيقنوا أن قومهم كذبوهم، وليس ذلك مجرد ظنّ منهم. والذي ينبغي أن يفسر الظنّ باليقين في مثل هذه الصورة يفسر بمعناه الأصلي فيما يحصل فيه مجرد ظنّ فقط من الصور السابقة. {جَاءهُمْ نَصْرُنَا } أي: فجاء الرسل نصر الله سبحانه فجأة، أو جاء قوم الرسل الذين كذبوهم نصر الله لرسله بإيقاع العذاب على المكذبين {فنجي مَّن نَّشَاء }. قرأ عاصم: {فنجي} بنون واحدة. وقرأ الباقون "فننجي" بنونين. واختار أبو عبيدة القراءة الأولى؛ لأنها في مصحف عثمان كذلك. وقرأ ابن محيصن "فنجا" على البناء للفاعل، فتكون من على القراءة الأولى في محل رفع على أنها فاعل، والذين نجاهم الله هم الرسل ومن آمن معهم، وهلك المكذبون {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } عند نزوله بهم، وفيه بيان من يشاء الله نجاته من العذاب وهم من عدا هؤلاء المجرمين. {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي: قصص الرسل ومن بعثوا إليه من الأمم، أو في قصص يوسف وإخوته وأبيه {عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } والعبرة: الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة، وقيل: هي نوع من الاعتبار، وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول. وأولوا الألباب: هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم، وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدّة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الرسل الذين قص حديثهم، ومنهم يوسف وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } أي: ما كان هذا المقصوص الذي يدلّ عليه ذكر القصص وهو القرآن المشتمل على ذلك حديثاً يفترى {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ } أي: ما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور. وقرىء برفع "تصديق" على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو تصديق وتفصيل كل شيء من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها؛ لأن الله سبحانه لم يفرّط في الكتاب من شيء. وقيل: تفصيل كل شيء من قصة يوسف مع إخوته وأبيه. قيل: وليس المراد به ما يقتضيه من العموم، بل المراد به الأصول والقوانين وما يئول إليها {وَهَدَىٰ } في الدنيا يهتدي به كل من أراد الله هدايته {وَرَحْمَةً } في الآخرة يرحم الله بها عباده العاملين بما فيه شرط الإيمان الصحيح، ولهذا قال: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: يصدّقون به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه وقدره، وأما من عداهم فلا ينتفع به ولا يهتدي بما اشتمل عليه من الهدى، فلا يستحق ما يستحقونه. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } قال: أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط إلاّ من أهل القرى، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } قال: كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله؟ وأخرج البخاري وغيره من طريق عروة؛ أنه سأل عائشة عن قول الله سبحانه {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } قال: قلت أكذبوا أم كذبوا؟ يعني: على هذه الكلمة مخففة أم مشددة، فقالت: بل كذبوا تعني بالتشديد. قلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت: لعلها، وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عليهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأها عليه {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } مخففة، يقول: أخلفوا. وقال ابن عباس: كانوا بشراً، وتلا {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 214] قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله رسوله من شيء إلاّ علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، وكانت تقرؤها مثقلة. وأخرج ابن مردويه من طريق عروة عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } مخففة. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ {قد كذبوا} مخففة. قال: يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذبوهم بما جاءوا به {جَاءهُمْ نَصْرُنَا } قال: جاء الرسل نصرنا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ عن تميم بن حذلهم قال: قرأت على ابن مسعود القرآن فلم يأخذ عليّ إلاّ حرفين {أية : كُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ } تفسير : [النمل: 87] فقال: أتوه مخففة، وقرأت عليه {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } فقال: {كذبوا} مخففة. قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظنّ قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الأحوص عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة يوسف {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } خفيفة. وللسلف في هذا كلام يرجع إلى ما ذكرناه من الخلاف عن الصحابة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } قال: فننجي الرسل ومن نشاء {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } وذلك أن الله بعث الرسل يدعون قومهم، فأخبروهم أن من أطاع الله نجا ومن عصاه عذب وغوى. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: {جَاءهُمْ نَصْرُنَا } العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن السدّي {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } قال: عذابه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } قال: يوسف وإخوته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ {عِبْرَةٌ لأَوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } قال: معروفة لذوي العقول. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } قال: الفرية: الكذب. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } قال: القرآن يصدّق الكتب التي كانت قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والزبور، ويصدّق ذلك كله، ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } فصل الله بين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} قال قتادة: من أهل الأمصار دون البوادي لأنهم أعلم وأحلم. وقال الحسن: لم يبعث الله تعالى نبياً من أهل البادية قط، ولا من النساء، ولا من الجن. {ولدار الآخرة خير} يعني بالدار الجنة، وبالآخرة القيامة، فسمى الجنة داراً وإن كانت النار داراً لأن الجنة وطن اختيار، والنار مسكن اضطرار.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر كالطائفة التي قالت: أبعث الله بشراً رسولاً، وكالطائفة التي اقترحت ملكاً وغيرهما. وقرأ الجمهور: "يوحَى إليهم" بالياء وفتح الحاء، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وقرأ في رواية حفص: "نوحِي" بالنون وكسر الحاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن وطلحة. و {القرى}: المدن، وخصصها دون القوم المنتوين - أهل العمود - فإنهم في كل أمة أهل جفاء وجهالة مفرطة، قال ابن زيد: {أهل القرى} أعلم وأحلم من أهل العمود. قال القاضي أبو محمد: فإنهم قليل نبلهم ولم ينشىء الله فيهم رسولاً قط. وقال الحسن: لم يبعث الله رسولاً قط من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن. قال القاضي أبو محمد: والتبدي مكروه إلا في الفتن وحين يفر بالدين، كقوله عليه السلام "حديث : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً" تفسير : الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعرب في الإسلام" تفسير : وقال: من "حديث : بدا جفا"تفسير : . وروى عنه معاذ بن جبل أنه قال: "حديث : الشيطان ذيب الإنسان كذيب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب وعليكم بالمساجد والجماعات والعامة ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود بل هو بتقر في منازل وربوع. والثاني: أنه إنما جعله بدواً بالإضافة إلى مصر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر. ثم أحالهم على الاعتبار في الأمم السالفة في أقطار الأرض التي كذبت رسلها فحاق بها عذاب الله، ثم حض على الآخرة والاستعداد لها والاتقاء من الموبقات فيها، ثم وقفهم موبخاً بقوله: {أفلا تعقلون}. وقوله: {ولدار الآخرة} زيادة في وصف إنعامه على المؤمنين، أي عذب الكفار ونجى المؤمنين، ولدار الآخرة أحسن لهم. وأما إضافة "الدار" إلى {الآخرة} فقال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : فإنك لو حللت ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقين تفسير : وفي رواية: فلو أقوت عليك ديار إلخ. وكما يقال: مسجد الجامع، ونحو هذا، وقال البصريون: هذه على حذف مضاف تقديره: ولدار الحياة الآخرة أو المدة الآخرة. قال القاضي أبو محمد: وهذه الأسماء التي هي للأجناس كمسجد وثوب وحق وجبل ونحو ذلك - إذا نطق بها الناطق لم يدر ما يريد بها، فتضاف إلى معرف مخصص للمعنى المقصود فقد تضاف إلى جنس آخر كقولك: جبل أحد، وقد تضاف إلى صفة كقولك: مسجد الجامع وحق اليقين، وقد تضاف إلى اسم خاص كقولك جبل أحد ونحوه. وقرأ الحسن والأعمش والأعرج وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وعلقمة "يعقلون" بالياء، واختلف عن الأعمش. قال أبو حاتم: قراءة العامة: "أفلا تعقلون" بالتاء من فوق. ويتضمن قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا أممهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات، صاروا في حيز من يعتبر بعاقبته، فلهذا المضمن حسن أن تدخل {حتى} في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل}. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن وعائشة - بخلاف - وعيسى وقتادة ومحمد بن كعب والأعرج وأبو رجاء وابن أبي مليكة "كُذّبوا" بتشديد الذال وضم الكاف، وقرأ الباقون "كُذِبوا" بضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها - وهي قراءة علي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والأعمش وابن جبير ومسروق والضحاك وإبراهيم وأبي جعفر، ورواها شيبة بن نصاح عن القاسم عن عائشة - وقرأ مجاهد والضحاك وابن عباس وعبد الله بن الحارث - بخلاف عنهم - "كَذَبوا" بفتح الكاف والذال، فأما الأولى فتحتمل أن يكون الظن بمعنى اليقين، ويكون الضمير في {ظنوا} وفي {كذبوا} للرسل، ويكون المكذبون مشركي من أرسل إليه؛ المعنى: وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم وهموا على ذلك، وأن الانحراف عنه ويحتمل أن يكون الظن على بابه، والضميران للرسل، والمكذبون مؤمنو من أرسل إليه، أي مما طالت المواعيد حسب الرسل أن المؤمنين أولاً قد كذبوهم وارتابوا بقولهم. وأما القراءة الثانية - وهي ضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها - فيحتمل أن يكون المعنى - حتى إذا استيأس الرسل من النصر أو من إيمان قومهم - على اختلاف تأويل المفسرين في ذلك - وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوءة، أو فيما توعدوهم به من العذاب - لما طال الإمهال واتصلت العافية - فلما كان المرسل إليهم - على هذا التأويل - مكذبين - بني الفعل للمفعول في قوله: "كُذِبوا" - هذا مشهور قول ابن عباس وابن جبير - وأسند الطبري: أن مسلم بن يسار قال لسعيد بن جبير: يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} فهذا هو أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا مخففة. فقال له ابن جبير: يا أبا عبد الرحمن؛ إنما يئس الرسل من قومهم أن يجيبوهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم، فحينئذ جاء النصر. فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرجت عني فرج الله عنك. قال القاضي أبو محمد: فرضي الله عنهم كيف كان خلقهم في العلم. وقال بهذا التأويل - في هذه القراءة - ابن مسعود ومجاهد، ورجح أبو علي الفارسي هذا التأويل، وقال: إن رد الضمير في {ظنوا} وفي "كذبوا" على المرسل إليهم - وإن كان لم يتقدم لهم ذكر صريح - جائز لوجهين. أحدهما: أن ذكر الرسل يقتضي ذكر مرسل إليه. والآخر: أن ذكرهم قد أشير إليه في قوله: {عاقبة الذين} ، وتحتمل هذه القراءة أيضاً أن يكون الضمير في {ظنوا} وفي {كذبوا} عائد على الرسل، والمعنى: كذبهم من أخبرهم عن الله، والظن على بابه - وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم - والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم - قاله ابن عباس وابن مسعود أيضاً وابن جبير - وقال: ألم يكونوا بشراً؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا هو الذي نكره. وردت هذا التأويل عائشة أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا. وقال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز على الرسل. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟ وأما القراءة الثالثة - وهي فتح الكاف والذال - فالضمير في {ظنوا} للمرسل إليهم، والضمير في "كذبوا" للرسل، ويحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي ظن الرسل أنهم قد كذبوا من حيث نقلوا الكذب وإن كانوا لم يتعمدوه، فيرجع هذا التأويل إلى المعنى المردود الذي تقدم ذكره. وقوله: {جاءهم نصرنا} أي بتعذيب أممهم الكافرة، ثم وصف حال مجيء العذاب في أنه ينجي الرسل وأتباعهم، وهم الذين شاء رحمتهم، ويحل بأسه بالمجرمين الكفرة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي "فنُنْجي" - بنونين - من أنجى. وقرأ الحسن: "فننَجي" - النون الثانية مفتوحة، وهو من نجى ينجّي. وقرأ أبو عمرو أيضاً وقتادة "فنجّي" - بنون واحدة وشد الجيم وسكون الياء - فقالت فرقة: إنها كالأولى أدغمت النون الثانية في الجيم؛ ومنع بعضهم أن يكون هذا موضع إدغام لتنافر النون والجيم في الصفات لا في المخارج، وقال: إنما حذفت النون في الكتاب لا في اللفظ وقد حكيت هذه القراءة عن الكسائي ونافع. وقرأ عاصم وابن عامر "فنجيَ" بفتح الياء على وزن فعل. وقرأت فرقة "فننجيَ" - بنونين وفتح الياء - رواها هبيرة عن حفص عن عاصم - وهي غلط من هبيرة. وقرأ ابن محيصن ومجاهد "فنجى" - فعل ماض بتخفيف الجيم وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن بن أبي الحسن وابن السميفع وأبي حيوة، قال أبو عمرو الداني: وقرأت لابن محيصن "فنجّى" - بشد الجيم - على معنى فنجى النصر. و"البأس": العذاب. وقرأ أبو حيوة "من يشاء" - بالياء - وجاء الإخبار عن هلاك الكافرين، بقوله: {ولا يرد بأسنا...} الآية - إذ في هذه الألفاظ وعيد بين، وتهديد لمعاصري محمد عليه السلام. وقرأ الحسن "بأسه"، بالهاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} الأمصار دون البوادي لأنهم أعلم وأحكم. ولم يبعث الله ـ تعالى ـ نبياً من البادية قط ولا من النساء ولا من الجن"ح".

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} الآية: وهذا يدلُّ على أنَّه ما بعث رسولاً إلى الخلق من النِّسوان، ولا من أهل البادية، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "مَنْ بَدَا جَفَا". قول: "نُوحِي" العامة على "يُوحَى" بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول. وقرأ حفص: "نُوحِي" بالنون، وكسر الحاء مبنيًّا للفاعل، اعتباراً بقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا}تفسير : [النحل:43] وكذلك قرأ ما في النحل، وأوَّل الأنبياء، ووافقه الأخوان على قوله: {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} في الأنبياء على ما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ والجملة صفة لـ"رِجَالاً" و{مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} صفة ثانيةٌ، وكان تقديم هذه الصِّفة على ما قبلها أكثر استعمالاً، لأنَّها أقرب إلى المفرد، وقد تقدَّم تحريره في المائدة. فصل قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم. قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية ولا من الجن ولا من الملائكة وقيل إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفاهم كا تقدَّم. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يعني: [هؤلاء] المشركين المكذبين، {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ}: آخر أمر، {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعنى: الأمم المكذِّبين فيعتبروا، {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} يقول ـ سبحانه وتعالى ـ: هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا أن نُنجِّهم عند نزول العذاب، وما في الدرار الآخرة لهم خير، فترك ذلك اكتفاء به لدلالة الكلام عليه، والمعنى: ولدار الحالِ الآخرة. وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [الواقعة:95]، وكقولهم: يومُ الخَميِسِ، وربيعُ الآخر، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتؤمنون، قرأ نافع، وابن عامرٍ، ورواية عن عاصم: "تَعْقِلُون" بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} الآية. ليس في الكلام شيء يكون، "حتَى" غاية له؛ فلذلك اختلفوا في تقدير شيءٍ يصحُّ جعله مغيًّا بـ"حتَّى". فقدره الزمخشري: ما أرسلنا من قبلكَ رجالاً، فتراخى نصرهم حتَّى. وقدره القرطبيُّ: ما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً، ثم لم نعاقب أممهم بالعقاب حتَّى إذا. وقدره ابن الجوزي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً، فدعوا قومهم فكذَّبوهم، فطال دعاؤهم، وتكذيب قومهم حتَّى إذا، وأحسنها المقدم. وذكر ابن عطيَّة شيئاً من معنى قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} فقال: ويتضمن قوله "أفَلمْ يَسِيرُوا" إلى من قبلهم، أنَّ الرُّسل الذين بعثهم الله ـ تعالى ـ من أهل القرى دعوهم، فلم يؤمنوا حتى نزلت به المُثُلاث، فصبروا في حيِّز من يعتبر بعاقبته؛ فلهذا المضمَّن حسن أن تدخل "حتَّى" في قوله: "حتَّى إذَا". قال أبو حيان: ولم يتلخَّص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد "حتَّى" غاية لهُ؛ لأنَّه علَّق الغاية بما ادَّعى أنَّه فهم ذلك من قوله: "أفَلمْ يَسِيرُوا"، قال شهاب الدِّين: قوله: "دَعوهُمْ فَلم يُؤمِنُوا" هو المُغَيَّا. قوله {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قرأ الكوفيُّون: "كُذِبُوا" بالتخفيف، والباقون بالتثقيل. فأما قراءة التَّثقيل، فاضطربت فيه الأقوال: فرُوِي إنكارها عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "مَعاذَ اللهِ؛ لمْ تَكُنِ الرسُل لتظُنَّ ذلِكَ بِربِّهَا" وينبغي ألاَّ يصحَّ لك عنها؛ لتواتر هذه القراءة، وقد وجَّهت بأربعة [أوجه]: أحدها: أن الضمير في "وظَنُّوا" عائدٌ على المرسل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ولأنَّ الرسل تستدعي مرسلاً إليهم، والضمير في "أنَّهُمْ" و"كُُذِبُوا" عائد على الرسل والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، أي: كذَّبهم من أرسلوا إليه بالوحي، وينصرهم عليهم. الثاني: أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل. قال الزمخشري في تقديره هذا الوجه: "حتَّى إذا اسْتَيئَسُوا من النَّصر، وظنوا أنهم قد كذبوا، أي كذَّبتهم أنفسهم حين حدَّثتهم أنهم ينصرون، أو رجاؤهم؛ لقولهم: رَجاءٌ صادقٌ، ورجاءٌ كاذبٌ، والمعنى: أن مدَّة التَّكذيب والعداوة من الكفَّار، وانتظار النصر من الله ـ تعالى ـ، وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت؛ حتى استشعروا القنوط، وتوهَّموا أن لا نصر لهم في الدنيا؛ فجاءهم نصرنا" انتهى. فقد جعل الفاعل المقدر: إما "أنْفُسُهم"، وإما "رَجَاؤهم"، وجعل الظَّنَّ بمعنى: التَّوهُّم، فأخرجه عن معناه الأصليِّ، وهو يرجِّحُ أحد الطرفين، وعن مجازه، وهو استعماله في المتيقن. الثالث: أن الضمائر كلَّها عائدة على الرسل، والظنُّ على بابه من التَّرجيح، وإلى هذا نحا ابنُ عبَّاسٍ، وابن مسعود، وابن جبير، وقالوا: والرُّسُل بشر؛ فضعفوا، وساء ظنُّهُم. وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عن هؤلاء: فإنها عبارة غليظة على الأنبياء، وحاشا الأنبياء من ذلك، ولذلك ردَّت عائشة، وجماعة كثيرة هذا التأويل، وأعظموا أن ينسبوا الأنبياء إلى شيء من ذلك. قال الزمخشريُّ: "إن صحَّ هذه عن ابن عبَّاس، فقد أراد بالظَّنِّ؛ ما يخطر بالبالِ، ويهجُس في القلب من شبه الوسوسة، وحديث النَّفس على ما عليه البشريِّة، وأما الظنُّ الذي هو ترجيح أحد الجائزين عل الآخر؛ فغير جائزٍ على رجلٍ من المسلمين، فما بالُ رُسل الله الذين هم أعرف بربِّهم". قال شهاب الدِّين: "ولا يجوز أيضاً أن يقال: خطر ببالهم شبه الوسوسة، فإن الوسوسة من الشيطان، وهم معصومون منه". وقال الفارسي أيضاً: "إن ذهب ذاهبٌ إلى أن المعنى: ظن الرُّسل الذين وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا؛ فقد أتى عظيماً لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء، ولا إلى صالح عباد الله، وكذلك من زعم: أنَّ ابن عبَّاس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا، [فظنوا] أنهم قد أخلفوا؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، ولا مبدِّل لكلماته". وقد روي عن ابن عباس أيضاً، أنه قال: معناه: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا؛ أنهم قد أخفلوا ما وعدهم الله به من النصر،وقال: وكانوا بشراً؛ وتلا قوله تعالى: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ}تفسير : [البقرة:214]. الرابع: أن الضمائر كلَّها ترجع إلى المرسل إليهم أي: وظنَّ المرسل إليهم أنَّ الرسل قد كذبوهم فيما ادَّعوه من النبوة، وفيما يوعدون به من لم يؤمن بهم من العقاب قبل، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس، وابن مسعود، وابن جبير، ومجاهد، قالوا: "و لايجوز عود الضمائر على الرسل؛ لأنَّهم معصومون". ويحكى: أنَّ ابن جبير حين سئل عنها، فقال: نعم، حتَّى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم، وظنَّ المرسل إليهم أن الرُّسل قد كذبوهم؛ فقال الضحاك بن مزاحم ـ وكان حاضراً ـ: "لَوْ رحَلْتُ فِي هَذه إلى اليَمنِ كَانَ قَلِيلاً". وأمَّا قراءة التشديد فواضحة، وهو أن تعود الضمائر كلها على الرسل، أي: وظنَّ الرُّسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاءوا به؛ لطول البلاءِ عليهم. وفي صحيح البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّها قالت: "حديث : إنَّهُم أتْبَاعُ الأنْبيَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِربهم وصدَّقُوا، طَالَ عَليهِمُ البَلاءُ واسْتأخَرَ عَنْهُم النَّصْر، حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسلُ ممَّن كذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وظنَّتِ الرُّسلُ أنَّهُمْ قَد كذَّبُوهُم، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ عِندَ ذلِكَ ". تفسير : وبهذا يتَّحد معنى القراءتين، والظَّن هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن يكون بمعنى: اليقين، وأن يكن بمعنى: التوهُّم كما تقدَّم. وقرأ ابن عبَّاس، ومجاهد، والضحاك ـ رضي الله عنهم ـ: "كَذبُوا" بالتخفيف مبنيًّا للفاعل، والضمير على هذه القراءة في "وظنُّوا" عائدٌ على الأمم، في أنَّهُم قد كذبوا، عائد على الرسل، أي: ظنَّ المرسلُ إليهم أنَّ الرسل قد كذبوهم فيما وعدوهم به من النَّصر، أو من العقاب. ويجوز أن يعود الضمير في "ظَنُّوا" على الرسل، وفي "أنَّهُمْ قَدْ كذِبُوا" على المرسل إليهم، أي: وظنَّ الرسل أنَّ الأمم كذبتهم فميا وعدهم به من أنَّهم لا يؤمنون به، والظنُّ هنا بمعنى: اليقين واضح. ونقل أبو البقاء: "أنه قرىء مشدّداً مبنيّاً للفاعل، وأوله: بأن الرسل ظنّوا أن الأمم قد كذبوهم". وقال الزمخشري بعد ما حكى قراءة المبني للفاعل: "ولو قرىء بها مشددة لكان معناه: وظن الرسل أن قومهم قد كذَّبُوهم فيما وعدوهم" فلم يحفظها قراة، وهي غريبة، وكان قد جوَّز في القراءة المتقدمة: أن الضَّمائر كلَّها تعود على الرُّسل، وأن يعود الأول على المرسل إليهم وما بعده على الرسل، فقال: "وقرأ مجاهد: "كَذبُوا" بالتخفيف على البناء للفاعل، على: وظنَّ الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدَّثوا به قومهم من النُّصرة: إمَّا على تأويل ابن عبَّاس، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثراً، قالوا لهم: قد كذبتمونا، فيكونون كاذبين عند قومهم، أي: وظنَّ المرسل إليهم أنَّ الرسل قد كذبوا". وقوله "جَاءَهُمْ": جواب الشِّرط، وتقدَّم الكلام في "حتَّى" هذه ما هِي؟. أي: لمَّا بلغ الحال إلى الحدِّ المذكور؛ جاءهم نصرنا. فإن قيل: لم يجر ذكر المرسل إليهم فيما سبق، فكيف يحسن عود الضَّمير إليهم؟. فالجواب: ذكر الرسل يدلُّ على ذكر المرسل إليهم، أو يقول: إن ذكرهم جرى في قولهم: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ويكون الضمير عائداً على الذين من قبلهم، من مكذِّبي الرسل. قوله: {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ} قرأ عاصمٌ، وابن عامر بنون واحدة، وجيم مشددة، وياء مفتوحة؛ على أنَّه فعلٌ ماض مبنيٌّ للمفعول، و"مَنْ": قائمة مقام الفاعل، والباقون بنونين ثانيتهما ساكنة والجيم خفيفة، والياء الساكنة على أنه مضارع أنْجَى، و"مَنْ" مفعولة، والفاعل ضمير المتكلم المعظم نفسه على الاستقبال، على معنى: فنفعل بهم ذلك، وهذه حكاية حالٍ، ألا ترى أنَّ القصَّة فيما مضى، وإنَّما حكى الحال؛ كقوله تعالى {أية : هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ}تفسير : [القصص:15] إشارة إلى الحاضر، والقصَّة ماضية. وقرأ الحسن، والجحدريُّ، ومجاهد في آخرين كقراءة عاصم، إلا أنَّهم سكَّنوا الياء، والأجود في تخريجها ما تقدَّم، وسكِّنت الياء تخفيفاً، كقراءة: {أية : تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}تفسير : [المائدة:89] وقد سكِّن الماضي الصَّحيح، فكيف بالمعتلِّ؟ كقوله: [مجزوء الرمل] شعر : 3157ـ................ قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلانْ تفسير : وتقدم من أمثاله. وقيل: الأصل "نُنْجِي" بنونين؛ فأدغم النون في الجيم، وليس بشيء؛ إذا النون لا تدغم في الجيم على أنَّه قد قيل بذلك في قوله: {أية : نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنبياء:88] كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله تعالى ـ. وقرأ جماعة كقراءة الباقين إلا أنَّهم فتحوا الياء، قال ابن عطيَّة: "رواها ابن هبيرة، عن حفص، عن عاصم، وهي غلط من ابن هبيرة". قال شهابُ الدِّين: توهَّم ابن عطيِّة أنه مضارع باقٍ على رفعه، فأنكر فتح لامه وغلَّط راويها، وليس بغلط؛ وذلك أنه إذا وقع بعد الشرط والجزاء معاً مضارع مقرون بالفاء، جاز فيه أوجه: أحدها: نصبه بإضمار "أن" بعد الفاء، وقد تقدَّم عند قوله: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ}تفسير : [البقرة:284] إلى أن قال: "فَيَغْفِر" قرىء بنصبه، وقد تقدم توجيهه، ولا فرق بين أن تكون أداة الشرط جازمة كآية البقرة، أو غير جازمة كهذه الآية. وقرأ الحسن أيضاً "فنُنَجِّي" بنونين، والجيم مشددة، والياء ساكنة مضارع "نَجَّى" مشددة للتكثير، وقرأ هو أيضاً، ونصر بن عاصم، وأبو حيوة: "فَنَجَا" فِعْلا ماضياً مخففاً، و"مَنْ" فاعله. ونقل الدَّاني: أنه قرأ لابن محيصن كذلك، إلا أنه شدَّد الجيم، والفاعل ضمير النَّصر، و"مَنْ" مفعوله، ورجح بعضهم قراءة عاصم؛ بأن المصاحف اتفقت على كتبها "فَنُجِّيَ" بنون واحدة، نقله الداني، ونقل مكي: أن أكثر المصاحف عليها، فأشعر هذا بوقوع الخلاف في الرَّسم، ورجَّح أيضاً: بأنَّ فيها مناسبة لما قبلها من الأفعال الماضية، وهي جارية على طريقة كلام الملوك والعظماء، منحيث بناء الفعل [للمفعول]. وقرأ أبو حيوة: "يَشَاءُ" بالياء، وتقدَّم أنه قرأ "فَنَجَا"، أي: فنجا من يشاء الله نجاته، وهم المؤمنون المطيعون. قوله: {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا}: عذابنا، وقرأ الحسن "بَأسهُ" والضمير لله، وفيها مخالفة للشواذَّ، "عَنِ القومِ المُجْرمينَ" أي: المشركين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} قال: إنهم قالوا {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء} تفسير : [الأنعام: 91] وقوله {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {وما تسألهم عليه من أجر} وقوله {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها} وقوله {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} وقوله {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} قال: كل ذلك قال لقريش أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} قال: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى، لأنهم كانوا أعلم وأحكم من أهل العمود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} قال: فينظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذب.

القشيري

تفسير : تعجبوا أن يبعثَ اللَّهُ إلى الخْلق بشراً رسولاً، فبيَّن أنه أجرى سُنَّتَه - فيمن تقدَّمَ من الأمم - ألا يكونَ الرسولُ إليهم بَشَراً، فإما أن جحدوا جوازَ بعثةِ الرسولِ أصلاً، أو أنهم استنكروا أن يبعث بشراً رسولاً. ثم أَمَرهُم بالاستدلال والتفكر والاعتبار والنَّظَر فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...}.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما ارسلنا من قبلك الا رجالا} لا ملائكة فهو رد لقولهم لو شاء ربنا لا نزل ملائكة قالوا ذلك تعجبا وانكارا لنبوته فقال تعالى كيف يتعجبون من ارسلناك اياك والحال ان من قبلك من الرسل كانوا على مثل حالك لان الاستفاضة منوطة بالجنسية وبين البشر والملك مباينة من جهة اللطافة والكثافة ولو ارسل ملك لكان فى صورة البشر كما قال تعالى {أية : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} تفسير : وقس عليه الجن فلا يكون من الجن رسول الى البشر وفى عبارة الرجال دلالة على ان الله تعالى ما بعث رسولا الى الخلق من النسوان لان مبنى حالهن على التستر ومنهتى كمالهن هى الصديقية لا النبوة فمنها آسية ومريم وخديجة وفاطمة وعائشة رضى الله عنهن اجمعين. قال الكاشفى [ودر باب سجاج كاهنه كه دعوئ نبوت مى كرده كفته اند] شعر : اصحت نبيتنا انثى نطوف بها ولم تزل انبياء الله ذكرانا تفسير : {نوحى اليهم} على لسان الملك كما نوحى اليك {من اهل القرى} من اهل الامصار دون اهل البوادى لغلبة الجهل والقسوة والجفاء عليهم. والمراد بالقرية الحضر خلاف البادية فتشمل المصر الجامع وغيره اى ما يسمى بالفارسية [ده وشهر] لكنه فرق كثير بين المصر الجامع وغيره ولذا قال عليه السلام "حديث : لا تسكنوا الكفور فان ساكنى الكفور ساكنوا القبور" تفسير : والكفور القرى واحدها كفر يريديها القرى النائية البعيدة عن الامصار ومجتمع اهل العلم لكون الجهل عليهم اغلب وهم الى التبدع اسرع: وفى المثنوى شعر : ده مرو ده مر درا احمق كند عقل را بى نور وبى رونق كند قول بيغمبر شنو اى مجتبى كور عقل آمد وطن درروستا هركه درر ستابود روزى وشام تا بماهى عقل او نبود تمام تامباهى احمق با او بود از حشيش ده جزاينها جه درود وانكه ماهى باشد اندر روستا روز كارى باشدش جهل وعمى تفسير : فان قيل فما تقول فى قوله تعالى {أية : وجاء بكم من البدو } تفسير : قلنا لم يكن يعقوب وبنوه من اهل البادية بل خرجوا اليها لمواشيهم. وفى التأويلات النجمية ان الرسالة لا تستحقها الا الرجال البالغون المستعدون للوحى من اهل قرى الملكوت والارواح لا من اهل المدائن الملك والاجساد ولذا قيل الرجال من القرى انتهى: وفى المثنوى شعر : ده جه باشد شيخ واصل ناشده دست در تقليد درحجت زده بيش شهر عقل كلى اين حواس جون خران جشم بسته در خراس تفسير : {أفلم يسيروا فى الارض} آياسير نمى كنند كافران درزمين شام ويمن وبرديار عاد وثمود نميكذرند يعنى بايدكه بكذرند] {فينظروا} [بس به بينند بنظر عبرت] {كيف كان} [جه كونه بود] {عاقبة الذين من قبلهم} من المشركين المكذبين الذين اهلكوا بشؤم اشراكهم وتكذيبهم فيحذروهم وينتهوا عنهم والا يحيق بهم مثل ما حاق بهم لان التماثل فى الاسباب يوجب التماثل فى المسببات {ولدار الآخرة} [وهر آيينه سراى آخرت يعنى بهشت ونعمت او] وهو من اضافة الموصوف الى صفته واصله وللدار الاخرة كما فى قوله تعالى {تلك الدار الآخرة} {خير} بهتراست ازلذات فانيه دنيا] {للذين اتقوا} الشرك والمعاصى {أفلا تعقلون} تستعملون عقولكم لتعرفوا انها خير شعر : جه نسبت جاه سفلى را بنزهتكا روحانى جه ماند كلخن تيره بكاشنهاى سلطانى تفسير : -روى- ان عيسى عليه السلام قال لاصحابه لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم قالوا ومن الموتى قال الراغبون فى الدنيا والمحبون لها. وقال بعض الصحابة رضى الله عنهم لصدر التابعين انكم اكثر اعمالا واجتهادا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قيل ولم ذاك قال كانوا ازهد منكم فى الدنيا وارغب فى الآخرة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (نوحى): نعت لرجال، وكذا (من أهل القرى): نعت ثان، و(حتى): غاية لمحذوف، أي: وما أرسلنا إلا رجلاً يوحى إليهم فأوذوا مثلك، ودام عليهم، حتى إذا استيأسوا جاءهم نصرنا. يقول الحق جل جلاله: {وما أرسلنا من قبلك} يا محمد {إلا رجالاً} بشراً لا ملائكة، وهو رد لقولهم: {أية : لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً}تفسير : [فصلت: 14]، وقيل: معناه: نفي استنباء النساء. وصفة أولئك الرجال: {يوحَى إليهم} كما أوحي إليك، فتميزوا بالوحي عن غيرهم، وهم {من أهل القُرى}. وهم المدن والأمصار، والمداشر الكبار؛ لأنهم أحلم وأعلم، بخلاف أهل العمود فإنهم أهل جفاء وجهالة. قال الحسن: (لم يبعث الله نبياً من أهل البادية، ولا من النساء ولا من الجن). قال ابن عطية: والتَّبَدِّي مكروه إلا في الفتن، وحين يُفَرُّ بالدين، لحديث: "حديث : يُوشِكُ أن يَكونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِم غَنما يَتْبَعُ بها سَعَفَ الجِبَالِ..." تفسير : الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع. هـ. قلت: والفتنة تتنوع بتنوع المقامات؛ ففتنة أهل الظاهر: تعذر إقامة الشريعة لكثرة الهرج والفتن، وفتنة أهل الباطن: تعذر جمع القلب بالله؛ لكثرة الحس، وتعرض الشواغل والعلائق. فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى البوادي، إن وجد من يعينه على الدين. والغالب أن الحواضر في هذا الزمان يغلب فيها العوائد والشهوات، وتعتري فيها الشواغل والشواغب، بخلاف البادية. فإذا كان عليه الصلاة والسلام أذن لسَلَمة: خوف فتنة الظاهر، فأولى خوف فتنة الباطن؛ لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله. ثم قال ابن عطية: وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعرب في الإسلام " تفسير : .وقال:"حديث : مَن بَدَا جَفَا"تفسير : . وعن معاذ بن جبل أنه قال: (الشَّيْطَانُ ذِئْبُ الإِنْسَانِ، كذِئبِ الغَنَمِ؛ يَأخُذُ الشَّاةَ القَاصية؛ فإِيَّاكُمْ والشِّعاب، وَعَليكم بالمَسَاجِدِ، والجَمَاعَاتِ، والعَامةَ). ثم قال: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود، بل بَتَقَرِّ في منازل وربوع، والثاني: إنما جعله بدواً بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر الصغار بَدْوٌ بالإضافة إلى الحواضر الكبار.هـ. قلت: فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شِعْبٍ، وإما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين، ويجتمعون عليه، فليس بتعرب ولا بدو. ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السلام. والحاصل: أن أهل القلوب بفتشون على مصالح قلوبهم، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {أفلم يسيروا} أي: كفار مكة، {في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم} من المكذبين لرسلهم: كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خراباً دارسة، فيحذروا تكذيبك، ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة؛ {ولَدَار الآخِرَةِ} أي: ولدار الحياة الآخرة {خير للذين اتقوا} الشرك والمعاصي، {أفلا تعقلون}، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير. أو: أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا فانية، والدار الآخرة خير؛ لأنها باقية. فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم، وآذوهم، وتأخر نصرهم، {حتى إذا استيأس الرسل} من النصر، أو من إيمان قومهم؛ لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، {وظنوا} أي: تيقنوا {أنهم قد كذبوا} أي: أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو: ظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم؛ لطول البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة (كُذِبُوا)؛ بالتخفيف؛ فمعناه: وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ هذه الرواية، وقالت: معاذ الله؛ لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري. وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظناً؛ مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله: {ولقد همت به وهم بها}. وقال ابن جزي، على هذه القراءة: الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي: ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر. فلما يئسوا {جاءهم نصرنا فنُجَّي من نشاء} نجاته: وهو: النبي والمؤمنون. وإنما لم يعينهم؛ للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم، {ولا يُردُّ بأسُنا عن القوم المجرمين} إذا نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال: ولا نشاء نجاة المجرمين. الإشارة: قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر، وكثير منهم في القرى والمداشر. وفضل الله يؤتيه من يشاء، لا يختص بمكان ولا زمان، غير أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي، يعني: جمعوا بين شريعة المدن وحقيقة البوادي؛ لأن أهل المدن شريعتهم قوية، وحقيقتهم ضعيفة. والبوادي بالعكس؛ لكثرة العلائق في المدن وخفتها في البوادي، والحقيقة تحتاج إلى تفرغ كبير وتفكر كثير، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وظنوا أنهم قد كذبوا} بالتخفيف، معناه: أنهم لم يقفوا مع ظاهر الوعد؛ لسعة علمهم؛ لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفاً على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم الحقيقي، والقهرية الغالبة. فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم. وقال الورتجبي: إنهم استغرقوا في قلْزُوم الأزلية، وغابوا تحت بحار الديمومية، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق. فلما لم يروه ناداهم لسان غيْره قهر القدم: أين أنتم؟ غبتم عنه وعن الحقيقة، فتطُلع أنوار الحقيقة عليهم، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر. وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم. هـ. قال المحشي الفاسي: وحاصل ما أشار إليه: أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد، والسكون إليه، غيبةً في الحق عن مقتضى وعده، لا تكذيباً لوعده، بل ذلك احوالٌ غالبة آخذة عن الصفة، غيبةً في الموصوف. وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية؛ فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد، وإن كان غائباً عنه. وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم: من أن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدَم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم. وقد قال في الحِكم: "لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه". يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط؛ كما في قضية الجرْو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت؛ لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. هـ. والحاصل: أن الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد؛ خوفاً أن يكون متوقفاً على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتاً فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو الذي أشار إليهم: فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال: "حديث : إنما تَخلَّفْنَا عن الوقت؛ لأَنَّ الملائكة لا تَدخلُ بَيْتاً فيه كَلْبٌ"تفسير : . كما في الصحيح. ثم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو بكر {يوحى} بالياء وفتح الحاء. وقرأ حفص بالنون وكسر الحاء. قال ابو علي الفارسي: وجه القراءة بالنون قوله {أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح}تفسير : ومن قرأ بالياء، فلقوله {أية : وأوحي إلى نوح}تفسير : وقوله {أية : قل أوحي إلي} تفسير : فأما في {أية : حم عسق كذلك يوحي إليك}تفسير : ، فلان الفعل مسند الى اسم الله تعالى، فارتفع الاسم بأنه فاعل يوحي، ولو قرىء يوحى اليك، والى الذين واسند الفعل الى الجار والمجرور، لكان جائزاً، وكان يكون قوله {الله العزيز الحكيم} مبتدءاً وخبراً، والاول احسن، لان قوله {العزيز الحكيم} ان يكون صفة احسن من ان يكون خبر المبتدأ. معنى الآية الاخبار من الله أني ما أرسلت قبلك من الانبياء والمرسلين الى عبادي إلا رجالاً يوحى اليهم بكتبي واحكامي، {من أهل القرى} أي لم أرسل عليهم ملكاً ولا جنيّاً، بل رجالاً أمثالك، لقول جهال قريش ان الله لو شاء ان يرسل الينا أحداً، لأرسل إلينا ملكاً، فبين ها هنا انه لم يرسل فيما مضى الا رجالاً، مثل محمد، من البشر، {أفلم يسيروا في الأرض} معناه أفليس قد ساروا في الارض وسمعوا اخبار من ارسله الله من الانبياء المبعوثين الى خلقه مثل ابراهيم وموسى وعيسى، فيعرفوا بذلك كيف كان عاقبة من كذب هؤلاء الرسل من قبلهم، وما نزل بهم من العذاب لكفرهم ثم أخبر ان دار الاخرة خير للذين اتقوا واجتنوا معاصيه خير لهم من الدنيا، أفلا يعقلون ان الامر على ما أخبرنا به، وان ذلك خير من دار الدنيا التي فيها تنغيص وتكدير، وفنون الآلام. وقال قتادة معنى {من أهل القرى} يريد به الامصار دون البوادي، لانهم اعلم وأحكم. وقال الحسن ما بعث الله نبياً من اهل البادية قط، ولا من الجن ولا من النساء. وقوله {ولدار الآخرة} على الاضافة وفي موضع آخر وللدار الآخرة على الصفة. فمن اضافه قال تقديره ولدار الحال الآخرة، لان للناس حالين حال لدنيا وحال الآخرة. ومثله صلاة الاولى والصلاة الاولى، فمن اضافه قدر صلاة الفريضة الاولى، ومن لم يضف جعله صفة، ومثله ساعة الاولى، والساعة لاولى، ذكره الزجاج. وقال الفراء قد يضاف الشيء الى نفسه إذا اختلف لفظهما مثل {حق اليقين}. ومثل بارحة الاولى والبارحة الاولى ومسجد الجامع، والمسجد الجامع.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} ردّ لانكارهم الرّسالة من البشر {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} ونميّزهم عن غيرهم بمحض الوحى وانت مثل سائر الرّسل (ع) اتى بالمستقبل احضاراً للحال الماضية واشعاراً بتكرير الوحى وتجدّده على الرّسل (ع) {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} يعنى من الاناسىّ المتوطّنين فى الارض لا من الاملاك المتنزّلة من السّماء المتمثّلة بصور الرّجال اولا من اهل البدو فانّ البدوىّ لا يستعدّ للرّسالة وقبول الوحى {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} ارض العالم الكبير او الصّغير او ارض القرآن او ارض احكام الشّريعة او ارض السّير والاخبار الماضية {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الرّسل والمرسل اليهم المؤمنين والمكذّبين فيعتبروا بحالهم وينصرفوا عن تكذيبك ويقبلوا على تصديقك {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} من حسن العاقبة فى الدّنيا الّذى عرفتموه من اخبارهم {لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الشّرك وتكذيب الرّسل (ع) {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} من حسن العاقبة وسوئها فى الدّنيا حسن العاقبة وسوئها فى الآخرة؛ وقد قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : سحر رفت ومعجزه موسى كذشت هردو را ازبام بود افتاد طشت بانك طشت سحر جز لعنت نماند بانك طشت دين بجز رفعت نماند

اطفيش

تفسير : {وما أرسَلْنا مِن قَبلكَ إلا رجَالاً} رد على من قال:{أية : لو شاء ربنا لأنزل ملائكة}تفسير : وقال ابن عباس: ذلك نفى لاستنباء النساء، ويقال لمن ادعت النبوة: لم تزل أنبياء الله ذكرانا، والمراد بالإرسال الجعل أنبياء، سواء مع رسالة أو عدمها، وما ذكرته أولا أولى من قول ابن عباس، لأنهم لم يدعوا بنبوءة امرأة، ويرد عليهم بذلك، اللهم إلا أن يراد مجرد الإخبار بأن المرأة لا ترسل، وأراد ابن عباس أن الآية تنفى نبوتها، ولو كان المقصود بالذات فيها نفى رسالة الملك، ويجوز أن يراد بيان خطئهم فى استهزائهم وتهكمهم فى أخت العباس، لما رأت فى المنام ما يدل على هلاكهم فى بدر، إذ قال بعضهم للعباس: متى حدثت هذه النبية فيكم؟ وقد مر بيان ذلك، ولو كان بين نزول هذه السورة وقولهم ذلك مدة. {نُوحى إليْهم} قال أبو عمرو الدانى: قرأ حفص نوحى إليهم، هنا، وفى النحل، والأول من الأنبياء بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء، وحمزة والكسائى يميلان على أصلهم انتهى. {مِنْ أهلِ القُرى} المراد ما يشمل الأمصار، وذلك لأنهم أعلم وأحلم من أهل البدو، ولم يبعث الله نبيا من أهل البدو لجهلهم وجفائهم وقسوتهم، ولا يعترض ذلك ببدو يعقوب، لأن بدوه لم يكن فى أهل عمود، بل باستقرار ومنازل وربوع، بل قد بنى بيتا سكنه، ومر كلام فى ذلك أو جعله بدوا بالإضافة إلى مصر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : فضيلة أهل المدائن، أى الأمصار، على أهل القرى كفضيلة الرجال على النساء وفضيلة أهل القرى على أهل العمود كفضيلة الرجال على النساء، وأهل الكفور كأهل القبور" فقيل: ما الكفور؟ فقال: "البيت بعد البيت" تفسير : وقال:"حديث : ما من ثلاثة يكونون فى قرية البدو ولا يُجمعون للصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، وإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية"تفسير : وقال:"حديث : الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأتى الشاة القاصية، عليكم بالمساجد والجماعة والعامة، وإياكم والشعاب ". حديث : وكان معاذ على بعض أهل الشام فجاءه ناس من أهل البادية فقالوا له: قد شقت الإقامة، فقد بدأت بنا، فقال لعمرى لابداء لكم قبل الحاضرة أهل العبادة وأهل المساجد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عليهم تنزل السكينة، وإليهم يأتى الخير، وبهم يبدأ يوم القيامة"تفسير : قال والخير الوحى، ولا نبى من الجن بعد خلق آدم، وأما قبله فقيل: كانت الجن تعمر الأرض وأنبياءهم منهم لا من النساء، وفى نبوءة بعض النساء خلاف أذكره فى سورة القصص إن شاء الله، والتبدى مكروه إلا فى الفتن والهروب بالدين، فلا يكره بل يستحب، وإن تحقق فساد الدين بعدمه وجب، وهذا كله مع إبقاء وطنه فى الحضر. {أفلمَ يسيرُوا فى الأرضِ فينْظُروا كَيفَ كانَ عاقبةُ الذينَ من قَبْلهم} من المكذبين وهى هلاكهم وخراب دورهم، فإنما آخر أمرهم وآخر الشئ يسمى عاقبة، فهلا تركوا التكذيب مخافة أن يكون ذلك عاقبتهم، أو أراد بالذين من قبلهم المبالغون فى حب الدنيا، كانت عاقبتهم ذلك، فهلا انقلعوا عن حب الدنيا لئلا يكون عاقبتهم ذلك، ولما صدق واحد فإن التكذيب مترتب على حب الدنيا. {ولدارُ الآخرةِ} أى ولدار المدة الأخيرة، أو لدار النشأة الأخيرة، أو لدار الحالة الأخيرة، أو لدار الساعة الأخيرة، ولدار الحياة الأخيرة، أو نحو ذلك، فحذف الموصوف وأضيف الدار للصفة، وأراد بالدار الجنة، وبالأخرة ما ذكر من زمان أو نشأة أو حياة أو حالة، وقال الكوفيون ذلك ذلك إضافة موصوف لصفة، والأصل الدار الآخرة، حذفت أل وأضيفت دار للآخرة، ولزم إضافة الشئ إلى نفسه وهو غير متصور، وما وأهم صورة التأويل هنا ما ذكرته أولا، أو يجعل ذلك من إضافة العام للخاص كشجر. {خيرٌ للذِينَ اتقَوْا} خافوا الله وحذروا معصيته والإشراك به {أفلا تعقلُونَ}أنها خير فتؤمنوا، استعمل تعقل بمعنى تعلم، لأن العلم بالعقل، والمعنى، أفلا تستعملون عقولكم فتعملوا أنها خير فتؤمنوا، والخطاب مجرى على ما يقتضيه قوله سبحانه وتعالى:{أية : قُلْ هذه سَبيلِى}تفسير : فإنه إذا قال لهم خاطبهم فكأنه قال: قل لهم أفلا تعقلون، وذلك قراءة نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب، وقرأ غيرهم أفلا يعقلون بالمثناة التحتية جريا على ما يقتضيه قوله عز وجل: {أفلم يسيروا}.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } رد لقولهم: {أية : لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } تفسير : [فصلت: 14] نفي له، وقيل: المراد نفي استنباء النساء ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وزعم/ بعضهم أن الآية نزلت في سجاح بنت المنذر المنبئة التي يقول فيها الشاعر:شعر : أمست نبيتنا أنثى نطوف بها ولم تزل أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله والاقوام كلهم على سجاح ومن بالافك أغرانا أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت اصداؤه ماء مزن أينما كانا تفسير : وهو مما لا صحة له لأن ادعاءها النبوة كان بعد النبـي صلى الله عليه وسلم وكونه اخباراً بالغيب لا قرينة عليه {نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما أوحينا إليك. وقرأ أكثر السبعة {يوحى} بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول، وقراءة النون وهي قراءة حفص وطلحة وأبـي عبد الرحمن موافقة لأرسلنا {مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} لأن أهلها كما قال ابن زيد وغيره: وهو مما لا شبهة فيه أعلم وأحلم من أهل البادية ولذا يقال لأهل البادية أهل الجفاء، وذكروا ان التبدي مكروه إلا في الفتن، وفي الحديث «حديث : من بدا جفا»تفسير : قال قتادة: ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى، ونقل عن الحسن أنه قال: لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن، وقوله تعالى: {أية : وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } تفسير : [يوسف: 100] قد مر الكلام فيه آنفاً. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من المكذبين بالرسل والآيات من قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح وسائر من عذبه الله تعالى فيحذروا تكذيبك وروي هذا عن الحسن، وجوز أن يكون المراد عاقبة الذين من قبلهم من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا ويكفوا عن حبها وكأنه لاحظ المجوز ما سيذكر، والاستفهام على ما في "البحر" للتقريع والتوبيخ {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} من إضافة الصفة إلى الموصوف عند الكوفية أي ولا الدار الآخرة وقدر البصري موصوفاً أي ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة وهو المختار عند الكثير في مثل ذلك {خَيْرٌ لّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الشرك والمعاصي: {أفَلا تَعْقِلُونَ } فتستعملوا عقولكم لتعرفوا خيرية دار الآخرة فتتوسلوا إليها بالاتقاء، قيل: إن هذا من مقول {أية : قُلْ } تفسير : [يوسف: 108] أي قل لهم مخاطباً أفلا تعقلون فالخطاب على ظاهره، وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } إلى {مِن قَبْلِهِمُ } أو {ٱتَّقَوْاْ } اعتراض بين مقول القول، واستظهر بعضهم كون هذا التفاتاً. وقرأ جماعة {يَعْقِلُونَ } بالياء رعياً لقوله سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وما أكثر الناس } تفسير : [سورة يوسف: 103] الخ. هاتان الآيتان متّصل معناهما بما تضمنه قوله تعالى: { أية : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } تفسير : [سورة يوسف: 102] إلى قوله: { أية : إن هو إلاّ ذكر للعالمين } تفسير : [سورة يوسف: 104] وقوله: { أية : قل هذه سبيلي } تفسير : الآية [سورة يوسف: 108]، فإن تلك الآي تضمنت الحجة على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما جاءهم به، وتضمنت أن الذين أشركوا غير مصدقينه عناداً وإعراضاً عن آيات الصدق. فالمعنى أن إرسال الرسل عليهم السلام سنّة إلٰهية قديمة فلماذا يَجعل المشركون نبوءتك أمراً مستحيلاً فلا يصدّقون بها مع ما قارنها من آيات الصدق فيقولون: {أبعث الله بشراً رسولاً}. وهل كان الرسل ــــ عليهم السلام ــــ السابقون إلا رجالاً من أهل القرى أوحى الله إليهم فبماذا امتازوا عليك، فسلم المشركون ببعثتهم وتحدّثوا بقصصهم وأنكروا نبوءتك. وراء هذا معنى آخر من التذكير باستواء أحوال الرسل ــــ عليهم السلام ــــ وما لقوه من أقوامهم فهو وعيد باستواء العاقبة للفريقين. و{من قبلك} يتعلق بــــ {أرسلنا} فــــ {من} لابتداء الأزمنة فصار ما صدق القبل الأزمنة السابقة، أي من أول أزمنة الإرسال. ولولا وجود {من} لكان {قبلك} في معنى الصفة للمرسَلين المدلول عليهم بفعل الإرسال. والرجال: اسم جنس جامد لا مفهوم له. وأطلق هنا مراداً به أناساً كقوله ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ « حديث : ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه »تفسير : ، أي إنسان أو شخص، فليس المراد الاحتراز عن المرأة. واختير هنا دون غيره لِمطابقته الواقع فإن الله لم يرسل رسلاً من النساء لحكمة قبول قيادتهم في نفوس الأقوام إذ المرأة مستضعفة عند الرجال دون العكس؛ ألا ترى إلى قول قيس بن عاصم حين تنبأت سَجَاحِ: شعر : أضحت نبيئتُنا أنثى نُطِيف بها وأصبحت أنبياءُ الناس ذكرانا تفسير : وليس تخصيص الرجال وأنهم من أهل القرى لقصد الاحتراز عن النساء ومن أهل البادية ولكنه لبيان المماثلة بين مَن سلّموا برسالتهم وبين محمد ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ حين قالوا: { أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } تفسير : [الأنبياء: 5] و { أية : قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى } تفسير : [القصص: 48]، أي فما كان محمد ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ بِدعاً من الرسل حتى تبادروا بإنكار رسالته وتُعرضوا عن النظر في آياته. فالقصر إضافي، أي لم يكن الرسل ــــ عليهم السلام ــــ قبلك ملائكةً أو ملوكاً من ملوك المدن الكبيرة فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية مثل خالد بن سنان العبسي، ويعقوب ــــ عليه السلام ــــ حين كان ساكناً في البَدْو كما تقدم. وقرأ الجمهور، {يُوحَى} ــــ بتحتية وبفتح الحاء ــــ مبنياً للنائب، وقرأه حفص بنون على أنه مبني للفاعل والنون نون العظمة. وتفريع قوله: {أفلم يسيروا في الأرض} على ما دلت عليه جملة {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً} من الأسوة، أي فكذّبهم أقوامهم من قبل قومك مثل ما كذّبك قومك وكانت عاقبتهم العقاب. أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الأقوام السابقين، أي فينظروا آثار آخر أحوالهم من الهلاك والعذاب فيعلم قومك أن عاقبتهم على قياس عاقبة الذين كذّبوا الرسل قبلهم، فضمير {يسيروا} عائد على معلوم من المقام الدال عليه { أية : وما أنا من المشركين } تفسير : [سورة يوسف: 108]. والاستفهام إنكاري. فإن مجموع المتحدّث عنهم ساروا في الأرض فرأوا عاقبة المكذبين مثل عاد وثمود. وهذا التفريع اعتراض بالوعيد والتهديد. و{كيف} استفهام معلّق لفعل النظر عن مفعوله. وجملة {ولدار الآخرة} خبر. معطوفة على الاعتراض فلها حكمه، وهو اعتراض بالتبشير وحسن العاقبة للرسل ــــ عليهم السلام ــــ ومن آمن بهم وهم الذين اتقوا. وهو تعريض بسلامة عاقبة المتقين في الدنيا. وتعريض أيضاً بأن دار الآخرة أشد أيضاً على الذين من قبلهم من العاقبة التي كانت في الدنيا فحصل إيجاز بحذف جملتين. وإضافة {دار} إلى {آخرة} من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل « حديث : يا نساء المسلمات » تفسير : في الحديث. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: {أفلا تعقلون} بتاء الخطاب على الالتفات، لأن المعاندين لما جرى ذكرهم وتكرر صاروا كالحاضرين فالتفت إليهم بالخطاب. وقرأه الباقون بياء الغيبة على نسق ما قبله. و{حتى} من قوله: {حتى إذا استيأس الرسل} ابتدائية، وهي عاطفة جملة {إذا استيأس الرسل} على جملة {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} باعتبار أنها حجة على المكذبين، فتقدير المعنى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيئس الرسل إلى آخره، فإن {إذا} اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة إلى جملة تبين الزمان، وجملة {استيأس} مضاف إليها {إذا}، وجملة {جاءهم نصرنا} جواب {إذا} لأن هذا الترتيب في المعنى هو المقصود من جلب {إذا} في مثل هذا التركيب. والمراد بالرسل ــــ عليهم السلام ــــ غير المراد بــــ {رجالا}، فالتعريف في الرسل ــــ عليهم السلام ــــ تعريف العهد الذَكريّ وهو من الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالاً بالدلالة اهتماماً بالجملة. وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا} بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل ــــ عليهم السلام ــــ. والمعنى: فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذرُوهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل ــــ عليهم السلام ــــ من إيمان قَومهم. و{استيأس} مبالغة في يئس، كما تقدم آنفاً في قوله: { أية : ولا تيأسوا من روح الله } تفسير : [سورة يوسف: 87]. وتقدم أيضاً قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء. فهذه أربع كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه. وفي صحيح البخاري عن عروة أنه سأل عائشة ــــ رضي الله عنها ــــ: «أكُذِبوا أم كُذّبوا ــــ أي بالخفيف أم بالشدّ ــــ؛ قالت: كذّبوا ــــ أي بالشد ــــ قال: فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن فهي {قد كذبوا} ــــ أي بالتخفيف ــــ، قالت: معاذ الله لم يكن الرسل ــــ عليهم السلام ــــ تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل ــــ عليهم السلام ــــ من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل ــــ عليهم السلام ــــ أن أتباعهم مُكذّبوهم». وهذا الكلام من عائشة ــــ رضي الله عنها ــــ رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون {كذبوا} مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل، وذلك ليس بمتعيّن، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية {كذبوا} بالتخفيف. وتفريع {فننجي من نشاء} على {جاءهم نصرنا} لأن نصر الرسل ــــ عليهم السلام ــــ هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس، فينجي الله الذين آمنوا ولا يردّ البأس عن القوم المجرمين. والبأس: هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل ــــ عليهم السلام ــــ.. والقوم المجرمون: الذين كذبوا الرسل. وقرأ الجمهور {فنُنْجِي} بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى. و{من نشاء} مفعول {ننجي}. وقرأه ابن عامر وعاصم {فنجّي} ــــ بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية ــــ على أنه ماضي {نجّى} المضاعف بني للنائب، وعليه فـ {من نشاء} هو نائب الفاعل، والجمع بين الماضي في (نجّي) والمضارع في {نشاء} احتباك تقديره فنُجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين.

الواحدي

تفسير : {وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} يريد: لم نبعث قبلك نبيَّاً إلاَّ رجالاً غير امرأةٍ، وكانوا من أهل الأمصار، ولم نبعث نبيَّاً من باديةٍ، وهذا ردٌّ لإِنكارهم نبوَّته. يريد: إنَّ الرُّسل من قبلك كانوا على مثل حالك، ومَنْ قبلهم من الأمم كانوا على مثل حالهم، فأهلكناهم، فذلك قوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا} إلى مصارع الأمم المُكذِّبة فيعتبروا بهم {ولدار الآخرة} يعني: الجنَّة {خير للذين اتقوا} الشِّرك في الدُّنيا {أفلا تعقلون} هذا حتى تُؤمنوا؟! {حتى إذا استيأس الرسل} يئسوا من قومهم أن يؤمنوا {وظنوا أنهم قد كذبوا}. أيقنوا أنَّ قومهم قد كذَّبوهم {جاءهم نصرنا فنجِّي مَنْ نشاء} وهم المؤمنون أتباع الأنبياء {ولا يردُّ بأسنا} عذابنا. {لقد كان في قصصهم} يعني: إخوة يوسف {عبرة} فكرةٌ وتدبُّرٌ {لأولي الألباب} وذلك أنَّ مَنْ قدر على إعزاز يوسف، وتمليكه مصر بعد ما كان عبداً لبعض أهلها قادرٌ على أن يعزَّ محمداً عليه السَّلام وينصره {ما كان} القرآن {حديثاً يفترى} يتقولَّه بشر {ولكن تصديق الذي بين يديه} [ولكن كان تصديق] ما قبله من الكتب {وتفصيل كل شيء} يحتاج إليه من أمور الدِّين {وهدىً} وبياناً {ورحمةً لقوم يؤمنون} يصدِّقون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 109- وما تحولنا عن سنتنا فى اختبار الرسل حين اخترناك - أيها النبى - ولا خرجت حال قومك عن أحوال الأمم السابقة فما بعثنا من قبلك ملائكة، وإنما اخترنا رجالا من أهل الأمصار ننزل عليهم الوحى، ونرسلهم مبشرين ومنذرين، فيستجيب لهم المهتدون، ويعاندهم الضالون! فهل غفل قومك عن هذه الحقيقة، وهل قعد بهم العجز عن السعى فأهلكناهم فى الدنيا ومصيرهم إلى النار، وآمن من آمن فنجيناهم ونصرناهم فى الدنيا، ولثواب الآخرة أفضل لمن خافوا اللَّه فلم يشركوا به ولم يعصوه، أسلبت عقولكم - أيها المعاندون - فلا تفكروا ولا تتدبروا؟!. 110- ولا تستبطئ يا محمد نصرى، فإن نصرى قريب أكيد، وقد أرسلنا من قبلك رسلا فاقتضت حكمتنا أن يتراخى عنهم نصرنا، ويتطاول عليهم التكذيب من قومهم، حتى إذا زلزلت نفوس واستشعرت القنوط أدركهم نصرنا، فأنعمنا بالنجاة والسلامة على الذين يستأهلون منا إرادة النجاة وهم المؤمنون، وأدرنا دائرة السوء على الذين أجرموا بالعناد وأصروا على الشرك، ولا يدفع عذابنا وبطشنا دافع عن القوم المجرمين. 111- وقد أوحينا إليك ما أوحينا من قصص الأنبياء، تثبيتا لفؤادك، وهداية لقومك، وأودعناه من العبر والعظات ما يستنير به أصحاب العقول والفطن ويدركون أن القرآن حق وصدق، فما كان حديثاً مختلقاً ولا أساطير مفتراة، وإنما هو حق ووحى، ويؤكد صدق ما سبق من كتب السماء ومن جاء بها من الرسل، ويبين كل ما يحتاج إلى تفصيله من أمور الدين، ويهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ويفتح أبواب رحمة اللَّه لمن اهتدى بهديه وكان من المؤمنين الصادقين.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} {ٱلآخِرَةِ} (109) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ جَمِيعاً مِنَ البَشَرِ، فَكَيْفَ عَجِبُوا مِنْكَ، وَلَمْ يَعْجَبُوا مِمَّنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ؟ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَهُمْ رِجَالاً - لاَ نِسَاءً - مِنْ أَهْلِ المُدُنِ - لاَ القُرَى - لأَِنَّ أَهْلَ البَادِيَةِ أَجْفَى النَّاسِ طِبَاعاً وَأَخْلاَقاً، وَلأَِنَّ أَهْلَ المُدُنِ إِذَا آمَنُوا تَبِعَهُمْ أَهْلُ البَوَادِي فِي الإِيمَانِ، أَفَلَمْ يَسِرْ هؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ لَكَ، يَا مُحَمَّدُ، فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ الذِينَ كَذَّبُوا الأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَبِرُسُلِهِ وَبِالمَعَادِ، وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعاً، وَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ؟ وَكَمَا نَجَّيْنا المُؤْمِنينَ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ حِينَمَا أَهْلَكْنَا المُكَذِّبِينَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، وَهذِهِ هِيَ سُنَّتُنَا فِي الدُّنْيا، كَذَلِكَ نُنجيهِمْ فِي الآخِرَةِ، وَهِيَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَأَفْضَلُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وينتقل الحق سبحانه هنا إلى الرسل الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فالحق سبحانه يقول: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. أي: أنهم كانوا يطلبون رسولاً من غير البشر، وتلك مسألة لم تحدث من قبل، ولو كانت قد حدثتْ من قَبْل؛ لقالوا: "ولماذا فعلها الله مع غيرنا؟". ولذلك أراد سبحانه أن يَرُدُّ لهم عقولهم؛ فقال تعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. والملائكة بطبيعتها لا تستطيع أن تحيا على الأرض، كما أنها لا تصلح لأنْ تكون قُدْوة أو أُسْوة سلوكية للبشر. فالحق سبحانه يقول عن الملائكة: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. والملاك لا يصلح أن يكون أُسْوة للإنسان؛ لأن المَلَك مخلوق غيبيّ غير مُحَسٍّ من البشر؛ ولو أراده الله رسولاً لَجسَّده بشراً؛ ولو جعله بشراً لبقيتْ الشبهةُ قائمةً كما هي. أو: أن الآية جاءت لِتسُدَّ على الناس ذرائع انفتحت بعد ذلك على الناس في حروب الرِّدة حين ادَّعَتْ سجاح أنها نبية مُرْسَلة. لذلك جاء الحق سبحانه من البداية بالقول: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ..} [يوسف: 109]. ليوضح لنا أن المرأة لا تكون رسولاً منه سبحانه؛ لأن مهمة الرسول أن يلتحم بالعالم التحامَ بلاغٍ، والمرأة مطلوب منها أن تكون سَكناً. كما أن الرسول يُفترض فيه ألاّّ يسقط عنه تكليف تعبديّ في أي وقت من الأوقات؛ والمرأة يسقط عنها التكليف التعبدي أثناء الطمث، ومهمة الرسول تقتضي أن يكون مُسْتوفي الأداء التكليفي في أيِّ وقتٍ. ثم كيف يطلبون ذلك ولَمْ تَأْتِ في مهام الرسل من قبل ذلك إلا رجالاً، ولم يسأل الحق أيّاً منهم، ولم يستأذن من أيِّ واحد من الرسل السابقين ليتولى مهمته؛ بل تلقَّى التكليف من الله دون اختيار منه، ويتلقى ما يُؤمر أن يبلِّغه للناس، ويكون الأمر بواسطة الوحي. والوحي كما نعلم إعلام بخفاء، ولا ينصرف على إطلاقه إلا للبلاغ عن الله. ولم يوجد رسول مُفوَّض ليبلغ ما يحب أو يُشرِّع؛ لكن كل رسول مُكلَّف بأن ينقل ما يُبلِّغ به، إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد فوَّضه الحق سبحانه في أن يُشرِّع، ونزل في القرآن: {أية : مَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. ويقول الحق سبحانه عن هؤلاء الرسل السابقين أنهم: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ..} [يوسف: 109]. والقرية كانت تأخذ نفس مكانة المدينة في عالمنا المعاصر. وأنت حين تزور أهل المدينة تجد عندهم الخير عكس أهل البادية، فالبدويّ من هؤلاء قد لا يجد ما يُقدِّمه لك، فقد يكون ضرع الماشية قد جَفَّ؛ أو لا يجد ما يذبحه لك من الأغنام. والفارق بين أهل القرية وأهل البادية أن أهل القرية لهم توطُّن؛ ويملكون قدرة التعايش مع الغير، وترتبط مصالحهم ببعضهم البعض، وترِقُّ حاشية كل منهم للآخر، وتتسع مداركهم بمعارف متعددة، وليس فيهم غِلْظة أهل البادية. فالبدويُّ من هؤلاء لا يملك إلا الرَّحْل على ظهر جَمله؛ ويطلب مساقط المياه، وأماكن الكلأ لما يرعاه من أغنام. وهكذا تكون في أهل القرى رِقَّة وعِلْم وأدبُ تناولٍ وتعاملٍ؛ ولذلك لم يَأْتِ رسول من البدو كي لا تكون معلوماته قاصرة، ويكون جافاً، به غِلْظة قوْلٍ وسلوك. والرسول يُفترض فيه أن يستقبل كل مَنْ يلتقي به بالرِّفق واللِّين وحُسْن المعاشرة؛ لذلك يكون من أهل القرى غالباً؛ لأنهم ليسوا قُسَاة؛ وليسوا على جهل بأمور التعايش الاجتماعي. ويتابع الحق سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [يوسف: 109]. أي: أنهم إنْ كانوا غير مؤمنين بآخرة يعودون إليها؛ ولا يعلمون متى يعودون؛ فليأخذوا الدنيا مِقْياساً؛ وَلْينظروا في رُقْعة الأرض؛ وينظروا ماذا حدث للمُكذِّبين بالرسل، إنهم سيجدون أن الهلاك والعذاب قد حاقا بكل مُكذِّب. ولو أنهم ساروا في الأرض ونظروا نظرة اعتبار، لرأوا قُرَى مَنْ نحتوا بيوتهم في الجبال وقد عصف بها الحق سبحانه، ولَرأوْا أن الحق قد صَبَّ سَوْط العذاب على قوم عاد وآل فرعون، فإن لم تَخَفْ من الآخرة؛ فعليك بالخوف من عذاب الدنيا. وقول الحق سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [يوسف: 109]. وهذا القول هو من لَفتاتِ الكَونيّات في القرآن، فقديماً كنا لا نعرف أن هناك غلافاً جوياً يحيط بالأرض، ولم نَكُنْ نعرف أن هذا الغلاف الجوي به الأكسوجين الذي نحتاجه للتنفس. ولم نَكُنْ نعرف أن هذا الغلاف الجوي من ضمن تمام الأرض، وأنك حين تسير على اليابسة، فالغلاف الجوي يكون فوقك؛ وبذلك فأنت تسير في الأرض؛ لأن ما فوقك من غلاف جوي هو من مُلْحقات الأرض. والسَّيْر في الأرض هو للسياحة فيها، والسياحة في الأرض نوعان: سياحة اعتبار، وسياحة استثمار. ويُعبِّر الحق سبحانه عن سياحة الاعتبار بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} تفسير : [الروم: 9]. ويعبر سبحانه عن سياحة الاستثمار بقوله: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ ..} تفسير : [العنكبوت: 20]. إذن: فسياحة الاعتبار هي التي تَلْفتك لقدرة الله سبحانه، وسياحة الاستثمار هي من عمارة الأرض، يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ..} تفسير : [النساء: 100]. وأنت مُكَّلف بهذه المهمة، بل إن ضاق عليك مكان في الأرض فابحث عن مكان آخر، بحسب قول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. ولك أن تستثمر كما تريد، شرطَ ألاَّ يُلهِيك الاستثمار عن الاعتبار. ويتابع الحق سبحانه: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [يوسف: 109]. ويا لَيْتَ الأمر قد اقتصر على النكال الذي حدث لهم في الدنيا؛ بل هناك نَكَالٌ أشدُّ وَطْأة في انتظارهم في الآخرة. يقول الحق سبحانه: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 109]. وحديث الحق سبحانه عن مصير الذين كَذَّبوا؛ يَظهر لنا كمقابل لما ينتظر المؤمنين، ولم تذكر الآية مصير هؤلاء المُكذِّبين بالتعبير المباشر، ويُسمُّون ذلك في اللغة بالاحتباك. مثل ذلك قوله الحق: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} تفسير : [الرعد: 41]. وكل يوم تنقص أرض الكفر، وتزيد رقعة الإيمان. وهكذا يأتي العقاب من جانب الله، ونأخذ المقابل له في الدنيا؛ ومرة يأتي بالثواب المقيم للمؤمنين، ونأخذ المقابل في الآخرة. ولقائل أن يقول: ولماذا لم يَقُلِ الحق سبحانه أنه سوف يأتي لهم بما هو أشد شراً من عذاب الدنيا في اليوم الآخر؟ وأقول: إن السياق العقلي السطحي الذي ليس من الله؛ هو الذي يمكن أن يُذكِّرهم بأن عذاب الآخرة هو أشدُّ شراً من عذاب الدنيا. ولكن الحق سبحانه لا يقول ذلك؛ بل عَدل عن هذا إلى المقابل في المؤمنين؛ فقال: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 109]. فإذا جاء في الدنيا بالعذاب للكافرين؛ ثم جاء في الآخرة بالثواب لِلمُتقين؛ أخذ من هذا المقابل أن غير المؤمنين سيكون لهم حسابٌ عسير، وقد حذف من هنا ما يدل عليه هناك؛ كي نعرف كيف يُحْبَك النظم القرآني. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} أيها المبعوث للكل {إِلاَّ رِجَالاً} مثلك من جنس البشر {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} أي: نخصهم بالوحي والإلهام؛ لنجابة طينتهم في أصل خلقتهم مع أنهم {مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي: من جملة ما يسكنون فيها {أَ} يصرون هؤلاء المعاندون على تكذيبك، معللين بقولهم الباطل: ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {فَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ} كذبوا الرسل المبعوثين لهم مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} مثل تكذيبهم إياك حتى يعتبروا منها {وَ} الله {لَدَارُ ٱلآخِرَةِ} المعدة للفوز والفلاح {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي: للمؤمنين الذين يحفظون نفوسهم عما حذرهم الله منها {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 109] أيها المسرفون المكابرون. وإن تمادوا في الغفلة والإصرار على التكذيب مدة مديدة {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ} وقنط {ٱلرُّسُلُ} المبعوثون إليهم بل {وَظَنُّوۤاْ} من طول الإمهال وعدم الأخذ والبطش {أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} يقيناً، وصاروا كأنهم قد أخلف عنهم الوعد الذي وُعدوا به من جانب الحق، وبعدما أزداد بأسهم وقنوطهم، وقد جاءهم نصرنا الذي وعدناهم وعذابنا الذي قد أوعدنا به أممهم، وبعدما جاء أخذنا إياهم {فَنُجِّيَ} ونخلص {مَن نَّشَآءُ} إيمانه بنا وبرسلنا وانقياده إياهم {وَ} بالجملة: {لاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} الذي قد وعدنا به {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110] الذين أجرموا علينا بتكذيب رسلنا وكتبنا، وإن طالت مدة الإمهال. بثم قال سبحانه تنبيهاً وحثاً لعباده على ما في كتابه من الإشارات {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} أي: قصص الأنبياء المذكورين في القرآن سيما قصة يوسف عليه السلام {عِبْرَةٌ} اعتبار واستبصار {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} الذين يتأملون ويتعمقون في لب الكلام، ويعرضون عن قشوره؛ {مَا كَانَ} القرآن ما ذكر فيه من القصص والأحكام {حَدِيثاً} مختلفاً {يُفْتَرَىٰ} به إلى الله افتراءً ومراءً {وَلَـٰكِن} وحي نزل من عند الله ليكون {تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الإلهية، أي: مصدقاً أحكامها وآثارها {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} احتيج إليه في الدين من الأمور المتعلقة؛ لتهذيب الظاهر والباطن {وَهُدًى} من تمسك به وعمل بما فيه أمن من اضلال {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] أي: يعلمونه ويصدقون بمقتضاه. خاتمة السورة عليك أيها المستبصر، الخبير المسترشد، البصير - بصَّرك الله بعيوب نفسك، وجنبك عن غوائلها - أن تعتبر من القصة التي ذكرت في هذه السورة، وتحترز عن المكائد المذكورة فيها والمخادعات المصرحة بها والمرموزة إليها، وتصفي أمارة نفسك عن مبادئها وتبرئها حسب طاقتك وقدر وسعد وطاقتك وقوتك عما يؤول إليها ويؤدي نحوها، وتشمر ذيل همتك لتهذيب ظاهرك وباطنك عما يعوقك عن سلوك طريق التوحيد المفضي إلى اضمحلال الرسوم وانقهار التعينات العدمية الأظلال الهالكة، المؤدية إلى الكثرة والتنويه، الحاجبة عن صرافة الوحدة الذاتية بالنسبة إلى ذوي الحجب الكثيفة والغشاوة الغليظة. وعليك أن تتوجه بوجه قلبك إلى إفناء لوازم تعيناتك الباطلة، وهوياتك العاطلة التي هي شياطين طريقك نحو الحق المنزه عن التغيير والتبديل، المقدس عن الانقلاب والتحويل؛ إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولا يفتره كر الدهور ومر الزمان، بل {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29]، و{أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}تفسير : [الرحمن: 26]. وبالجملة: بعدما فنيت عن وجوه تعيناتك رأساً ، يبقى وجه ربك الذي لا انقلاب له أصلاً ذو الجلال الذاتي والأزلي، والإكرامم الأبدي السرمدي. جعلنا الله ممن أيده الحق لسلوك طريق الفناء، ووفقهم لإفناء ما يعقوهم عن شرف اللقاء، إنه سميع مجيب.