Verse. 1706 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

حَتّٰۗي اِذَا اسْتَيْــــَٔـسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوْۗا اَنَّہُمْ قَدْ كُذِبُوْا جَاۗءَہُمْ نَصْرُنَا۝۰ۙ فَنُجِّيَ مَنْ نَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَلَا يُرَدُّ بَاْسُـنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِيْنَ۝۱۱۰
Hatta itha istayasa alrrusulu wathannoo annahum qad kuthiboo jaahum nasruna fanujjiya man nashao wala yuraddu basuna AAani alqawmi almujrimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حتى» غاية لما دل عليه (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) أي فتراخى نصرهم حتى «إذا استيئس» يئس «الرسل وظنوا» أيقن الرسل «أنهم قد كذِّبوا» بالتشديد تكذيبا لا إيمان بعده والتخفيف أي ظن الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر «جاءهم نصرنا فَنُنَجِّي» بنونين مشددا ومخففا وبنون مشددا ماض «من نشاء ولا يرد بأسنا» عذابنا «عن القوم المجرمين» المشركين.

110

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي {كَذَّبُواْ } بالتخفيف، وكسر الذال والباقون بالتشديد، ومعنى التخفيف من وجهين: أحدهما: أن الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر. فإن قيل: لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم. قلنا: ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله: { أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [يوسف: 109] فيكون الضمير عائداً إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا بمعنى التوهم والحسبان. والوجه الثاني: أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد، لأن المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان: الأول: أن الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] أي يتيقنون ذلك. والثاني: أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وظن الرسل أنهم كذبوا، لأنهم كانوا بشراً ألا ترى إلى قوله: { أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 214] قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت: ما وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة. وأما قوله: {جَاءهُمْ نَصْرُنَا } أي لما بلغ الحال إلى الحد المذكور {جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ مَن نَّشَاء } قرأ عاصم وابن عامر {فَنُجّىَ مَن نَّشَاء } بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله، واختاره أبو عبيدة لأنه في المصحف بنون واحدة. وروي عن الكسائي: إدغام إحدى النونين في الأخرى وقرأ بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء، قال بعضهم: هذا خطأ لأن النون متحركة فلا تدغم في الساكن، ولا يجوز إدغام النون في الجيم، والباقون بنونين، وتخفيف الجيم وسكون الياء على معنى: ونحن نفعل بهم ذلك. واعلم أن هذا حكاية حال، ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال كما أن قوله: { أية : هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } تفسير : [القصص: 15] إشارة إلى الحاضر والقصة ماضية.

البيضاوي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ} غاية محذوف دل عليه الكلام أي لا يغررهم تمادي أيامهم فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا، أو عن إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفهين متمادين فيه من غير وازع. {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} أي كذبتم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذبهم القوم بوعد الإِيمان. وقيل الضمير للمرسل إليهم أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم بالدعوة والوعيد. وقيل الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل أي وظنوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة. هذا وأن المراد به المبالغة في التراخي والإِمهال على سبيل التمثيل. وقرأ غير الكوفيين بالتشديد أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فيما أوعدوهم. وقرىء {كَذَّبُواْ} بالتخفيف وبناء الفاعل أي وظنوا أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يروا له أثراً. {جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَاء } النبي والمؤمنين وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم لايشاركهم فيه غيرهم وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب على لفظ الماضي المبني للمفعول. وقرىء فنجا. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } إذا نزل بهم وفيه بيانه للمشيئين{لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ} في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته. {عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} لذوي العقول ـ المبرأة من شوائب الإِلف والركون إلى الحس. {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ} ما كان القرآن حديثاً يفترى. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب الإِلهية. {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْء} يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط. {وَهَدَىٰ } من الضلال. {وَرَحْمَةً } ينال بها خير الدارين. {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقونه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلماً».

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنّ نَصْره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال، وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه؛ كقوله تعالى: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 214] الآية، وفي قوله: {كَذَّبُواْ} قراءتان، إحداهما بالتشديد: (قد كذبوا)، وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقرؤها، قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة: أنها قالت له، وهو يسألها عن قول الله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ} قال: قلت: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ} ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاء نصر الله عند ذلك، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعبة عن الزهري قال: أخبرنا عروة: فقلت لها: لعلها قد كُذِبوا، مخففة؟ قالت: معاذ الله. انتهى ما ذكره. وقال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} خفيفة. قال عبد الله، هو ابن أبي مليكة: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشراً، ثم تلا: {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاَۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 213] قال ابن جريج: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة: أنها خالفت ذلك، وأبته، وقالت: ما وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: {وظنوا أنهم قد كُذِّبوا} مثقلة، من التكذيب. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد، فقال: إن محمد بن كعب القرظي قرأ هذه الآية: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: {حتى إذا استيئسَ الرسلُ وظنوا أتهم قد كُذِّبوا} تقول: كذبهم أتباعهم. إسناد صحيح أيضاً. والقراءة الثانية بالتخفيف، واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس ما تقدم. وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: أنه قرأ {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره، وهذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس، فروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك {فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ} وكذا روي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثنا إبراهيم بن أبي حُرَّة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير، فقال له: يا أبا عبد الله كيف هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه، تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}، قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلاً يدعى إلى علم فيتلكأ، ولو رحلت إلى اليمن في هذه، كان قليلاً. ثم روى ابن جرير أيضاً من وجه آخر: أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني، وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك، وكذا فسرها مجاهد ابن جبر وغير واحد من السلف، حتى إن مجاهداً قرأها: (وظنوا أنهم قد كَذَبوا) بفتح الذال. رواه ابن جرير، إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم، أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا - مخففة - فيما وعدوا به من النصر. وأما ابن مسعود، فقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن فضيل عن جحش بن زياد الضبي عن تميم بن حَذْلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ} من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا - بالتخفيف - فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير، ووجه المشهور عن الجمهور، وزيف القول الآخر بالكلية، ورده وأباه، ولم يقبله ولا ارتضاه، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حَتَّىٰ } غاية لما دل عليه «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً» أي فتراخى نصرهم حتى { إِذَا ٱسْتَيْئَسَ } يئس {ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ } أيقن الرسل {أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } بالتشديد تكذيباً لا إيمان بعده، والتخفيف: أي ظنّ الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنجِّيَ } بنونين مشدّداً ومخففاً، وبنون مشدّداً ماض { مَن نَّشآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } عذابنا {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } المشركين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {حتى إذا استيأس الرسل} فيه وجهان: أحدهما: من قولهم أن يصدقوهم، قاله ابن عباس. الثاني: أن يعذب قومهم، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: استيأسوا من النصر. {وظنوا أنهم قد كذبوا} في {كذبوا} قراءتان: أحدهما: بضم الكاف وكسر الذال وتشديدها، قرأ بها الحرميّان وأبو عمرو وابن عامر، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: يعني أن قومهم ظنوا أن الرسل قد كذّبوهم، حكاه ابن عيسى. والقراءة الثانية{كُذِبوا}بضم الكاف وتخفيف الذال، قرأ بها الكوفيون، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: فظن اتباع الرسل أنهم قد كذبوا فيما ذكروه لهم. الثاني: فظن الرسل أن ابتاعهم قد كذبوا فيما أظهروه من الإيمان بهم. {جاءهم نصرنا}فيه وجهان: أحدهما: جاء الرسل نصر الله تعالى، قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب الله تعالى، وهو قول ابن عباس. {فنجي من نشاءُ} قيل الأنبياء ومَن آمن معهم. {ولا يُرَدُّ بأسُنا عن القومِ المجرمين} يعني عذابنا إذا نزل بهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَيْئَسَ} من تصديق قومهم "ع"، أو من تعذيبهم "م". {وَظَنُّواْ} ظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم "ع"، أو تيقن الرسل أن قومهم قد كَذَبوهم {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} جاء الرسل نصر الله، أو جاء قومهم عذاب الله "ع" {فَنُجِّىَ} الأنبياء ومن آمن معهم.

النسفي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ } يئسوا من إيمان القوم{وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } ــ كذَّبوا ــ وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم. وبالتخفيف: كوفي أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا أي أخلفوا، أو وظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرفون عليهم ولم يصدقوهم فيه {جَاءهُمْ نَصْرُنَا } للأنبياء والمؤمنين بهم فجأة من غير احتساب {فَنُجّىَ } بنونٍ واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء: شامي وعاصم على لفظ الماضي المبني للمفعول والقائم مقام الفاعل من. الباقون {فننجي} بنونين ثانيتهما ساكنة مخفاة للجيم بعدها وإسكان الياء {مَّن نَّشَاء } أي النبي ومن آمن به {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } عذابنا {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } الكافرين. {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته {عِبْرَةٌ لأَوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } حيث نقل من غاية الحب، إلى غيابة الجب، ومن الحصير، إلى السرير، فصارت عاقبة الصبر سلامة وكرامة، ونهاية المكر وخامة وندامة {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } ما كان القرآن حديثاً مفترى كما زعم الكفار {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } ولكن تصديق الكتب التي تقدمته {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } يحتاج إليه في الدين لأنه القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس {وَهَدَىٰ } من الضلال {وَرَحْمَةً } من العذاب {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالله وأنبيائه وما نصب بعد «لكن» معطوف على خبر «كان» * عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : علموا أرقاءكم سورة يوسف فأيما عبد تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلماً» تفسير : قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: في ذكر قصة يوسف عليه السلام وإخوته تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أذى قريش كأنه يقول: إن إخوة يوسف مع موافقتهم إياه في الدين ومع الأخوّة عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر وصبر على ذلك، فأنت مع مخالفتهم إياك في الدين أحرى أن تصبر على أذاهم. وقال وهب: إن الله تعالى لم ينزل كتاباً إلا وفيه سورة يوسف عليه السلام تامة كما هي في القرآن العظيم، والله أعلم..

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {حتى إذا استيأس الرسل} قال صاحب الكشاف: حتى متعلقة بمحذوف دلَّ عليه الكلام كأنه قيل وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فتراخى نصرهم حتى إذا استيأس الرسل عن النصر، وقال الواحدي: حتى هنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها والمعنى حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم {وظنوا أنهم قد كذبوا} قرأ أهل الكوفة وهم عاصم وحمزة والكسائي كذبوا بالتخفيف ووجه هذه القراءة على ما قاله الواحدي أن معناه ظن الأمم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم وهذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد، وقال أهل المعاني كذبوا من قولهم كذبتك الحديث أي لم أصدقك ومنه قوله تعالى وقعد الذين كذبوا الله ورسوله قال أبو علي والضمير في قوله وظنوا على هذه القراءة للمرسل إليهم والتقدير وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم إهلاك أعدائهم وهذا معنى قول ابن عباس إنهم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوا من إمهال الله إياهم ولا يمتنع حمل الضمير في ظنوا على المرسل إليهم وإن لم يتقدم لهم ذكر لأن ذكر الرسل يدل على ذكر المرسل إليهم وإن شئت قلت إن ذكرهم جرى في قوله أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أي مكذبي الرسل والظن هنا على معنى التوهم والحسبان وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم الإجابة وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من نصرهم وإهلاك من كذبهم وقيل معناه وتيقن الرسل أنهم قد كذبوا في وعد قومهم إياهم الإيمان أي وعدوا أن يؤمنوا ثم لم يؤمنوا وقال صاحب الكشاف وظنوا أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حتى حدثتهم بأنهم لا ينصرون أو رجاؤهم كقولهم رجاء صادق ورجاء كاذب والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة وانتظار النصر من الله تعالى وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب، وعن ابن عباس: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله به من النصر قال وكانوا بشراً وتلا قوله وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله. قال صاحب الكشاف: فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه الطبيعة البشرية وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم وأنه متعال عن خلف الميعاد وحكى الواحدي عن ابن الأنباري أنه قال هذا غير معول عليه من جهتين إحداهما أن التفسير ليس عن ابن عباس لكنه من متأول تأول عليه والأخرى أن قوله جاءهم نصرنا دال على أن أهل الكفر ظنوا ما لا يجوز مثله واستضعفوا رسل الله ونصر الله للرسل ولو كان الظن للرسل كان ذلك منهم خطأ عظيماً ولا يستحقون ظفراً ولا نصراً وتبرئة الأنبياء وتطهيرهم واجب علينا إذا وجدنا إلى ذلك سبيلاً وقرأ الباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وظنوا أنهم قد كذبو بالتشديد ووجه ظاهر وهو أن معناه حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا يعني وأيقنوا يعني الرسل أن الأمم قد كذبوهم تكذيباً لا يرجى بعده إيمانهم فالظن بمعنى اليقين وهذا معنى قول قتادة وقال بعضهم معناه حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنوا أن من قد آمن بهم من قومهم قد فارقوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة والبلاء واستبطؤوا النصر أتاهم النصر وعلى هذا القول الظن بمعنى الحسبان والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم يعني وظنوا بالرسل ظن حسبان أن ربهم قد كذبهم في وعد الظفر والنصر لإبطائه وتأخره عنهم ولطول البلاء بهم لا أنهم كذبوهم في كونهم رسلاً وقيل إن هذا التكذيب لم يحصل من أتباعهم المؤمنين لأنه لو حصل لكان نوع كفر ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبطء النصر وعلى هذا القول الظن بمعنى اليقين والتكذيب المتيقن هو من جهة الكفار وعلى القولين جميعاً فالكناية في وظنوا للرسل (خ) عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة عن قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أو كذبوا، قالت: بل كذبهم قومهم فقلت والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن فقالت يا عروة أجل لقد استيقنوا بذلك فقلت لعلها قد كذبوا فقالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك من ربهم قلت فما هذه الآية قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. وفي رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: قال ابن عباس حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا خفيفة قال ذهب لها هنالك وتلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب قال فلقيت عروة بن الزبير وذكرت ذلك له فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما وعد الله ورسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون معهم من قومهم من يكذبوهم فكانت تقرؤها وظنوا أنهم قد كذبوا مثقلة. وقوله تعالى: {جاءهم نصرنا} يعني جاء نصر الله النبيين {فنجي من نشاء} من عبادنا يعني عند نزول العذاب بالكافرين فننجي المؤمنين المطيعين {ولا يرد بأسنا} يعني عذابنا {عن القوم المجرمين} يعني المشركين قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم} يعني في خبر يوسف وإخوته {عبرة} أي موعظة {لأولي الألباب} يعني يتعظ بها أولو الألباب والعقول الصحيحة ومعناه الاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد والمراد من التأمل والتفكر ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه وإخراجه من السجن وتمليكه مصر بعد العبودية وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة واليأس من الاجتماع لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته وإظهار دينه وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى الإخبار عن الغيوب فكانت معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن الله تعالى قال في أول هذه السورة نحن نقص عليك أحسن القصص وقال في آخرها لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب فدل على هذه القصة من أحسن القصص وإن فيها عبرة لمن اعتبرها {ما كان حديثاً يفترى} يعني ما كان هذا القرآن حديثاً يفتري ويختلق لأن الذي جاء به من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتريه أو يختلقه لأنه لم يقرأ الكتب ولم يخلط العلماء ثم إنه جاء بهذا القرآن المعجز فدل ذلك على صدقه وأنه ليس بمفتر {ولكن تصديق الذي بين يديه} يعني ولكن كان تصديق الذي بين يديه من الكتب الإلهية المنزلة من السماء من التوراة والإنجيل وفيه إشارة إلى أن هذه القصة وردت على وجه الموافق لما في التوراة من ذكر قصة يوسف {وتفصيل كل شيء} يعني أن هذا القرآن المنزل عليك يا محمد تفصيل كل شيء تحتاج إليه من الحلال والحرام والحدود والأحكام والقصص والمواعظ والأمثال وغير ذلك مما يحتاج إليه العباد في أمر دينهم ودنياهم {وهدى} يعني إلى كل خير {ورحمة} يعني أنزلناه رحمة {لقوم يؤمنون} لأنهم هم الذين ينتفعون به والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

البقاعي

تفسير : ولما كان المعنى معلوماً من هذا السياق تقديره: فدعا الرجال المرسلون إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم لخلاصهم من الشقاء، وتوعدهم عن الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات ويبكتونهم ويستهزئون بهم، واستمر ذلك من حالهم وحالهم، قال مشيراً إلى ذلك: {حتى إذا استيئس الرسل} أي يئسوا من النصر يأساً عظيماً كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم {وظنوا أنهم قد كذبوا} أي فعلوا فعل اليأس العظيم اليأس الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال: ما يحبس ما وعدتمونا به - بإن ذلك أمره إلى الله، إن شاء أنجزه، وإن شاء أخره، ليس علينا من أمره شيء؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء، واستبطاء الأولياء { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه} كما يقول الآئس { متى نصر الله} مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، هذا على قراءة التخفيف، وأما على قراءة التشديد فالتقدير: وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف، روى البخاري في التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة: أهي بالتشديد أم بالتخفيف؟ فقالت: إنها بالتشديد، قال قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك! فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أنهم أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. {جاءهم نصرنا} لهم بخذلان أعدائهم {فنجي من نشاء} منهم ومن أعدائهم {ولا يرد بأسنا} أي عذابنا لما له من العظمة {عن القوم} أي وإن كانوا في غاية القوة {المجرمين *} الذين حتمنا دوامهم على القطيعة كما قلنا {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم، وكل ذلك إعلام بأن سنته جرت بأنه يطيل الامتحان، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار، حثاً للأتباع على الصبر وزجراً للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء. ومادة "كذب" تدور على ما لا حقيقة له، وأكثر تصاريفها واضح في ذلك، ويستعمل في غير الإنسان، قالوا: كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن، وكذبت العين: خانها حسها، وكذب الرأي: تبين الأمر بخلاف ما هو به، وكذبته نفسه: منته غير الحق، والكذوب: النفس، لذلك، وأكذبت الناقة وكذبت - إذا ضربها الفحل فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلاً، لأنها أخلفت ظن حملها، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم: قد أكذب، أي عد ذلك الصياح عدماً، والمكذوبة من النساء: الضعيفة، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدماً، والمكذوبة على القلب: المرأة الصالحة - كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت عدماً، وكذب الوحشي - إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه، كأنه لم يصدق بالذي أنفره، ومنه كذب عن كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده، أو لأنه كذب ما ظنه عند الحملة من قتل الأقران، وكذبك الحج أي أمكنك وكذبك الصيد مثله، وهو يؤول إلى الحث لأن المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه، فيكاد أن لا يوجد، وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له، فقد تبين حينئذ وجه كون "كذب" بمعنى الإغراء ولاح أن قوله "ثلاثة أسفار كذبن عليكم: الحج والعمرة والجهاد" معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها، مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر - يكون كالظافر بها، ويؤيده ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش: الحج مرفوع ومعناه نصب، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال: أمكنك الصيد، يريد: ارمه، وقال أبو علي الفارسي في الحجة في قول عنترة: شعر : كذب العتيق وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي تفسير : وإن شئت قلت:إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على طلبه وإيجاده صار كأنه قال بقوله لها: عليك العتيق، أي الزميه، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها عما عداه، فيكون العتيق في المعنى مفعولاً به إن كان لفظه مرفوعاً، مثل "سلام عليكم" ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع، وحكى محمد بن السري رحمه الله عن بعض أهل اللغة في "كذب العتيق" أن مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى. وأقرب من ذلك جداً وأسهل تناولاً وأخذاً أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون الحجاب ما كان لازماً للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره، فمعنى "ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم من أنفسها، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه، والعمرة كل السنة بزوال المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل، والجهاد كل السنة أيضاً لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها، وتخريج مثل: كذبتك الظهائر، وغيره على هذا بين الظهور ولا وقفة فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير ويحاول التخلص كان التعبير بهذا من باب الإغراء، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر هذا الإمكان. ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت، وحث على الاعتبار بها بقوله:{أفلم يسيروا} وأشار إلى أنه بذلك أجرى سنته وإن طال المدى، أتبعه الجزم بأن في أحاديثهم أعظم عبرة، فقال حثاً على تأملها والاستبصار بها: {لقد كان} أي كوناً هو في غاية المكنة {في قصصهم} أي الخبر العظيم الذي تلي عليك تتبعاً لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى استيأسوا من نوح إلى يوسف ومن بعده - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام {عبرة} أي عظة عظيمة وذكرى شريفة {لأولي الألباب} أي لأهل العقول الخالصة من شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم أن من قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام وغيره قادر على أن يعز محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائناً من كان كما فعل بيوسف وغيره - إلى غير مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود إليه من نفائس العبر؛ والقصص: الخبر بما يتلو بعضه بعضاً، من قص الأثر، والألباب: العقول، لأن العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف. ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة، نبه على ذلك بتقدير سؤال فقال: {ما كان} أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره {حديثاً يفترى} كما قال المعاندون - على ما أشير إليه بقوله: { أم يقولون افتراه}، والافتراء: القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه، من: فريت الأديم {ولكن} كان {تصديق الذي} كان من الكتب وغيرها {بين يديه} أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه {و} زاد على ذلك بكونه {تفصيل كل شيء} أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا والآخرة؛ والتفصيل: تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه {وهدى ورحمة} وبياناً وإكراماً. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه، قال: {لقوم يؤمنون} أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى: يمكن إيمانهم، فهو عام، وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أنه الكتاب المبين، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة بحقية القرآن، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون للناس، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجراً - على سبب ما تبعته هذه القصص، وهو مضمون قوله تعالى: {أية : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك}تفسير : [ هود: 12] الآية من قولهم {أية : لولا أُنزِلَ عليه كنز أو جاء معه ملك}تفسير : [ هود: 12] وقولهم: إنه افتراه، على ترتيب ذلك، مع اعتناق هذا الآخر لأول التي تليه، فسبحان من أنزله معجزاً باهراً، وقاضياً بالحق لا يزال ظاهراً، وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله سبحانه وتعالى أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو عبيد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عروة، أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: قلت: أكذبوا، أم كذبوا؟ قالت عائشة - رضي الله عنها بل {كذّبوا} يعني بالتشديد، قلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لعلها {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة. قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن عبد الله بن أبي مليكة - رضي الله عنه - أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأها عليه {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة. يقولوا اخلفوا، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وكانوا بشراً، وتلا {أية : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} تفسير : [البقرة: 214] قال ابن أبي مليكة: فذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى أنهم يئسوا وضعفوا، فظنوا أنهم قد أخلفوا، قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت: ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، وكانت تقرؤها {وظنوا أنهم قد كذبوا} مثقلة للتكذيب. وأخرج ابن مردويه من طريق عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وظنوا أنهم قد كذبوا} بالتشديد. وأخرج ابن مردويه من طريق عمرة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة. قال: يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم فيما جاؤوهم به {جاءهم نصرنا} قال: جاء الرسل نصرنا. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، عن تميم بن حرام قالت: قرأ على ابن مسعود - رضي الله عنه - القرآن فلم يأخذ علي إلا حرفين {كل أتوه داخرين} فقال: أتوه، مخففة. وقرأت عليه {وظنوا أنهم قد كذبوا} فقال: {كذبوا} مخففة قال: {استيأس الرسل} من أيمان قومهم أن يؤمنوا لهم، وظن قومهم حين ابطأ الأمر {أنهم قد كذبوا}. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الأحوص، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة يوسف {وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ربيعة بن كلثوم قال: حدثني أبي أن مسلم بن يسار - رضي الله عنه - سأل سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فقال: يا أبا عبد الله، آية قد بلغت مني كل مبلغ {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} فهذا الموت إن نظن الرسل أنهم قد كذبوا أو نظن أنهم قد كذبوا مخففة. فقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - {حتى إذا استيأس الرسل} من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم {جاءهم نصرنا} فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم، عن أبي حمزة الجزري قال: صنعت طعاماً فدعوت ناساً من أصحابنا، منهم سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم، فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فقال: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: نعم {حتى إذا استيأس الرسل} من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل {قد كذبوا} فقال الضحاك - رضي الله عنه - لو رحلت في هذه إلى اليمن، لكان قليلاً. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد - رضي الله عنه - أنه قرأها {كذبوا} بفتح الكاف والتخفيف. قال: استيأس الرسل أن يعذب قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا {جاءهم نصرنا} قال: جاء الرسل نصرنا. قال مجاهد: قال في المؤمن {أية : فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} تفسير : [غافر: 83] قال قولهم: نحن أعلم منهم ولن نعذب، وقوله {أية : وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} تفسير : [الزمر: 48] قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما {فننجي من نشاء} قال: فننجي الرسل ومن نشاء {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} وذلك أن الله تعالى بعث الرسل يدعون قومهم، فأخبروهم أنه من أطاع الله نجا، ومن عصاه عذب وغوى. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {جاءهم نصرنا} قال: العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن نصر بن عاصم - أنه قرأ [فنجا من نشاء]. وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر - أنه قرأ {فننجي من نشاء} . وأخرج أبو الشيخ، عن السدي - {ولا يرد بأسنا} قال عذابه.

القشيري

تفسير : حتى إذا استيأس الرسلُ مِنْ إيمانِ قومهم، وتَيَقَّنُوا أنهم كذبوهم - والظن ها هنا بمعنى اليقين - فعند ذلك جاءهم نصرُنا؛ للرسل بالنجاةِ ولأقوامهم بالهلاك، ولا مَرَدَّ لبأسنا. ويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين شيئاً من الأحوال إلا بعد يأسهم منها، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}تفسير : [الشورى: 28]، فكما أنّه يُنَزِّلُ المَطر بعد اليأسِ فكذلك يفتح الأحوالَ بعد اليأس منها والرضا بالإفلاس عنها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} اخبر سبحانه عن سنته القائمة ومشيته الثابتة القديمة التى اجراها على اهل العناية من الانبياء والمرسلين والعارفين والمحبين حيث حبسهم فى اسجان انتظار كشوف الغيب حتى بلغ قلوبهم الى محل القنوط من وضوح جلاله وبرهان شمائل قدسه وعزته وخافوا من سوابق قهرياته وتنزيه ربوبيته عن كون الخلق وعدمه فلما ذابت قلوبهم واضمحلت اسرارهم وفنيت عقولهم وتحيرت اشباحهم تطلع بكرمه من مشارق اسرارهم شموس انوار ذاته وانوار اقمار صفاته حتى لا يبقى من ظلمه الالتباس وغبار الوسواس اثر وهذا معنى قوله سبحانه {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} خافوا على الغير لا على انفسم لئلا يهلكوا فانهم فى رؤية مشاهدة القدم باسرارهم بنعت السرمدية هذا معنى الانتظار واضطرابهم وشوقهم الى وضوح الانوار لا من الشك فى خصوصية الولاية وسبق العناية فى النبوة والرسالة وفى القراءة قرئ قد كذبوا بالتخفيف فقدره انهم استغرقوا فى قلزم الازلية وغابوا تحت بحار الديمومية ولم يروا الحق من كمال استغراقهم فى الحق فلما لم يروه ناداهم بلسان عيرة === القديم اين انتم غبتم عنه وعن الحقيقة فيطلع انوار الحقيقة عليهم وياخذ لطفها من شبكات امتحان القهر وهذا اداب الحق مع الاولياء والانبياء حتى لا يسكنوا الى ما وجدوا منه بل يفنوا به من كل ما له يقال حكم الله بانه لا يفتح للمريدين شيئا من الاحوال الا بعد اياسهم منها وقال وهو الذى ينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته فكما انه ينزل المطر بعد الاياس فكذلك يفتح الاحوال بعد الياس منها والرضا بالافلاس عنها.

اسماعيل حقي

تفسير : {حتى اذا استيأس الرسل} حتى غاية محذوف دل عليه الكلام اى لا يغررهم تمادى ايامهم فان من قبلهم امهلوا حتى ايس الرسل من النصر عليهم فى الدنيا او من ايمانهم لانهماكهم فى الكفر مترفهين متمادين من غير رادع {وظنوا انهم قد كذبوا} بتخفيف الذال وبناء الفعل للمفعول والمكذوب من كان مخاطبا بالكلام الغير المطابق للواقع حتى القى خبر كاذب. والمعنى وظنوا انهم قد كذبتهم انفسهم حين حدثتهم بانهم ينصرفون. وعن ابن عباس رضى الله عنهما وظنوا حين ضعفوا وغلبوا انهم قد اخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال كانوا بشرا وتلا قوله {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه نصر الله} تفسير : فاراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس فى القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية دون ترجح احد الجائزين على الآخر لان ذلك غير جائز على المسلمين فما بال رسل الله الذين هم اعرف الخلق بربهم وانه متعال على خلف الميعاد {جاءهم نصرنا} فجاة من غير احتساب. والمعنى ان زمان الامهال قد تطاول عليهم حتى توهموا ان لا نصر لهم فى الدنيا فجاءهم نصرنا بغتة بغير سبق علامة {فنجى} بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء {من نشاء} قائم مقام الفاعل وهم الانبياء والمؤمنون التابعون لهم وانما لم يعينهم للدلالة على انهم الذين يستاهلون ان شأن نجاتهم لا يشاركهم فيه غيرهم {ولا يرد بأسنا} عذابنا {عن القوم المجرمين} اذا نزل بهم. قال فى التأويلات النجمية وفى قوله تعالى {اذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء} اشارة الى ان النصر كان للرسل منجيا من الابتلاء وللامم المكذبة مهلكا بالعذاب ثم اكد هذا المعنى بقوله {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} اى المكذبين. والمعنى ويرد بأسنا عن القوم المطيعين

الطوسي

تفسير : قرأ {كذبوا} خفيفة بضم الكاف أهل الكوفة. الباقون مشددة بضم الكاف. وقرأ عاصم وابن عامر {فنجي من نشاء} بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء. الباقون بنونين على الاستقبال، وهي في المصحف بنون واحدة. من قرأ {كذبوا} خفيفة، فالمعنى إن الامم ظنت ان الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله اياهم واهلاك اعدائهم، ومثله قراءة من قرأ، وان كان شاذاً "كذبوا" يعنى ان قومهم ظنوا ان الرسل كذبت فيما أخبرت به، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك. ومن قرأ بالتشديد حمل الظن على العلم، والمعنى أيقن الرسل ان الامم كذبوهم تكذيباً عمهم حتى لا يفلح احد منهم، وهو قول الحسن وقتادة وعائشة قال الشاعر: شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرّد تفسير : معناه ايقنوا، فان قيل على الوجه الاول كيف يجوز ان يحمل الضمير على انه للمرسل اليهم والذين تقدم ذكرهم الرسل دون المرسل اليهم، قيل ان ذلك لا يمتنع لان ذكر الرسل يدل على المرسل اليهم وقد قال الشاعر: شعر : امنك البرق ارقبه فهاجا فبتّ أخاله دهماً خلاجا تفسير : اي بتّ اخال الرعد صوت دهم، فاضمر الرعد ولم يجر له ذكر لدلالة البرق عليه. وان قلت قد جرى لهم ذكر في قوله {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا} فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي الرسل كان جيداً، ذكره ابو علي. ومن قرأ {فننجي} بنونين، فعلى انه حكاية حال، لان القصة كانت فيما مضى، فانما حكى فعل الحال على ما كانت، كما قال {أية : وإن ربك ليحكم بينهم}تفسير : حكاية الحال الكائنة، ومثله{أية : وكلبهم باسط ذراعيه}تفسير : فلو لم يكن على الحال لم يعمل اسم الفاعل، لانه إذا مضى اختص، وصار معهوداً، فخرج بذلك من شبه الفعل. واما النون الثانية من (ننجي) فهم مخفاة مع الجيم، وكذلك النون مع جميع حروف الفم، لا تكون الا مخفاة، قال ابو عثمان المازني وتبيينها معها لحن. قال وللنون مع الحروف ثلاثة احوال: الادغام، والاخفاء، والبيان، فهي تدغم مع ما يقارنها كما تدغم سائر المتقارنة. والاخفاء فيها مع حروف الفم التي لا تقارنها والبيان منها مع حروف الحلق، وحذف النون الثانية من الخط يشبه ان يكون لكراهة اجتماع المثلين فيه. ومن ذهب الى ان الثانية مدغمة في الجيم، فقد غلط، لانها ليست بمثل للجيم، ولا مقارنة له. ووجه قراءة عاصم انه اتى به على لفط الماضي، لان القصة ماضية. وما رواه هبيرة عن عاصم بنونين، وفتح الياء، فهو غلط من الراوي، كما قال ابن مجاهد، وروى نصر بن علي عن أبيه عن ابي عمرو {فنجي} بنون واحدة ساكنة الياء خفيفة الجيم، فهذا غلط، لانا قد بيّنا انّ النون، لا تدغم في الجيم، لما بيناه. اخبر الله تعالى ان الرسل لما يئسوا من فلاح القوم وعلموا ان القوم لقوهم بالتكذيب ونسبوهم الى الكذب، لان التكذيب نسبة القائل الى الكذب، وضده التصديق والاستيئاس واليأس انقطاع الطمع {جاءهم نصرنا} اي أتاهم نصر الله باهلاك من كذبهم ولا يرد بأسنا فالبأس شدة الأمر على النفس يقال له بأس في الحرب والبئيس الشجاع لشدة أمره. ومنه البؤس الفقر والبائس الفقير {عن القوم المجرمين} يعني المخطئين الذين اقترفوا السيآت.

الجنابذي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} هو غاية لمحذوف مدلول عليه بسابقه والتّقدير فقد سمعتم طول تكذيب الامم الماضية للرّسل (ع) وامهال الله ايّاهم او فقد كذّب الامم الماضية الرّسل (ع) حتّى اذا استيأس الرّسل (ع) عن ايمان الامم وانجاز الله وعده {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قرئ بالتّشديد والبناء للمفعول وبالتّخفيف والبناء للمفعول والفاعل وعلى كلّ القرائات يحتمل ارجاع فاعل ظنّوا الى الرّسل والمرسل اليهم المؤمنين والمرسل اليهم المكذّبين وارجاع ضمير انّهم الى كلّ وقد ورد فى الخبر فى وجه تخفيف كذبوا والبناء للمفعول وارجاع الضّمائر الى الرّسل انّهم وكّلهم الله الى انفسهم طرفة عينٍ او اقلّ حتّى ظنّوا انّهم قد كذبوا فى وعد النّصر واتيان العذاب على المكذّبين بتمثّل الشّيطان لهم بصورة الملك الموحى واخبار النّصر والعذاب {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} وذلك لانّه تعالى لغاية رحمته بعباده يتوانى بهم خصوصاً فى وعد نزول العذاب واهلاكهم {فَنُجِّيَ} قرئ نجّى ماضياً مبنيّاً للمفعول من التّفعيل ومضارعاً متكلّماً مع الغير من الافعال، وماضياً معلوماً من الثّلاثى المجرّد {مَن نَّشَآءُ} من الرّسل (ع) واتباعهم {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} اتى بالمضارع الدّالّ على الاستمرار مصرّحاً بوصف المهلكين من الامم الماضية بالمجرمين اشعاراً بانّ ذلك ثابت لمن أجرم من اهل كلّ عصر تعريضاً بامّة محمّد (ص).

الهواري

تفسير : قوله: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} أي: بئس الرسل { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا}. ذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال: حتى إذا استيئس الرجل من قومهم أن يؤمنوا وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا. وقال مجاهد: استيئس الرسل أن يُعذَّب قومُهم. قال: [ظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم] وهذا تفسير من قرأها بالتخفيف. كذَبوا. ومثل ذلك في هذه الآية الأخرى في سورة الأنبياء. (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا المُسْرِفِينَ) تفسير : [الأنبياء:7-9]. قوله: {كُذِبُوا} [أي: ما] وعدوا. كان الرسل وعدوا أن ينزل على قومهم العذاب إن لم يؤمنوا، فظن القوم أن الرسل كذبوا بما وعدوا به، أي: من مجيء العذاب. وكان الحسن يقرأها بالتثقيل: {كُذِبُوا} وتفسيرها حتى إذا استيئس الرسل من أن يجيبهم قومهم بشيء قد علموه من قِبَل الله، {وَظَنُّوا} أي: وظن الرسل، أي: وعلموا أنهم قد كذِّبُوا التكذيب الذي لا يؤمن القوم بعده أبداً، استفتحوا على قومهم بالدعاء عليهم، أي: حين أذن الله بالدعاء عليهم، فدعَوا عليهم، فاستجاب الله فأهلكهم. وقوله: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} أي: عذابنا {فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ} أي: النبي والمؤمنين { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} أي: عذابنا { عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ} أي: عن القوم المشركين.

اطفيش

تفسير : {حتَّى إذا اسْتيأسَ} أى ضجروا ضجرا شديدا من طول تأخير النصر شبيها بالإياس، وحاشاهم أن ييأسوا من شئ وعده الله لهم، وهذه لا يتصور ممن صدق إيمانه فضلا عن نبى، أو المراد ما يحدث فى النفس وتعاند به من القنوط، مع أنك غير جازم به، ولا مساعد لها، وهم بشر وحتى للابتداء،وليست إلا ابتدائية خارجة عن الغاية بالكلية كما قد يتوهم، فإن معناها كمعنى فاء السببية، والتسبب غاية من حيث أنه ارتباط، وأن استيئاسهم مسبب عن تراخى النصر، وليست جارة لإذا على الصحيح ولا متعلقة، ومن أطلق أنها متعلقة كالزمخشرى، فمراده التعلق المعنوى، فإن معناها مع ما بعدها متعلق لمحذوف، ومرتبط به أى لا يغرر قومك يا محمد تمادى إياهم، فإن من قبلهم أمهلوا وتراخى نصر الله الرسل عليهم حتى إذا استيأس الرسل عن النصر عليهم، أو عن إيامانهم لعدم ما يكفيهم عن الكفر، ووجود مقتضياتهم من كونهم غالبين ومترفهين. {وظنُّوا} أى أيقن الرسل {أنهم قَدْ كُذِبوا} أى أنهم قد كذبهم قومهم إلى الأبد، لا تكذيبا يرجى له الإيمان كما أشار إليه قتادة، فالضمائر كلها للرسل، أو الظن بمعنى عدم اليقين رجحانا أو شكا، فالمكذبون على هذا بكسر الذال هم المؤمنون، أى وظن الرسل من غير قطع أنهم قد كذبهم من آمن بهم لرؤيته تغلب الكفرة، وعدم النصر، وشدة المحنة عليهم كما قال عروة بن الزبير، والضمائر أيضا للرسل، وليس هذا الظن بالمؤمنين الذى بمعنى الرجحان مؤاخذا عليه لأنه يجئ مثلا فى نفوس الرسل ضرورة، وذلك قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وابن عامر بالبناء للمفعول والتشديد، وكذا تقرأ عائشة، وقرا الباقون بتخفيف الذال والبناء للمفعول، أى كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم لا ينصرون بتخفيف ذال كذبتهم، أى لم تخبرهم بصدق، والضمائر أيضا للرسل، وهكذا إذا قلنا كذبهم رجاؤهم بالتخفيف، أى لم يطابق لهم النصر، وهكذا إذا قلنا كذبهم قومهم بالتخفيف، أى لم يخبرهم قومهم بصدق أى وعدوا لهم الإيمان مطلقا، أو على شرط الإتيان بآية. وإن قلنا: إن المعنى ظن القوم أن رسلهم قد كذبوا بالتخفيف، أى لم يخبرهم بصدق من أمرهم بدعاء الخلق إلى الله، أو بمجئ الوعيد والنصر على عدم إجابة الخلق لهم قالوا وفى ظنوا للمرسل إليهم بفتح السين، وفى أنه وفى كذبوا للرسل، فكأنه قيل: ظن القوم أن رسلهم قد أخلفهم الله أو جبريل الوعد تعالى الله وجبريل عن ذلك. وعن ابن عباس: ان الرسل ظنوا أن الله أو جبريل أخلفهم الوعد، فإن صح عنه هذا فمعنى ظنهم ما تحدث به النفس على طريق الوسوسة، والإنسان كاره له ناف، وهى تعاند به كما روى عنه أنه قال: إن الرسل بشر يعنى تحدثهم أنفسهم كما تحدث غيرهم نفسه، أو المراد بظنهم التمثيل لشدة تأخير النصر. ويدل له ما روى عنه أنه قال ذلك، وتلا:{أية : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}تفسير : فبأحد التأولين تتنزه الرسل عن ظن خلف الوعد، وابن عباس عن رميهم بذلك حاشاه، وقال ابن الأنبارى: ذلك كذب عن ابن عباس ا هـ. وعلى صحته عنه بأحد التأويلين، فالضمائر كلها للرسل، ويجوز أن يكون المعنى أن القوم ظنوا أنهم قد كذبهم الرسل بالدعوة والوعيد، فالضمائر للمرسل إليهم لأن كذبوا مبنى، للمفعول مخفف، وفاعله قبل قبل البناء للمفعول وهو الرسل لإعادة الضمير الأول، والثالث للمرسل، والثانى للرسل خلافا لمن غلط لبقاء الخبر، بل رابط. ويجوز أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبهم من وعدهم النصر من قومهم المؤمنين، أو مطلقا بالتخفيف، أى لم يخبروهم بصدق فى وعدهم، ولم ينجزوهم الوعد، وقرأ مجاهد: كذبوا بفتح الذال والتخفيف، فهو مبنى للفاعل، وعليه فالمعنى ان القوم ظنوا أن الرسل كاذبون فيما قالوا، إذ لم يروا له أثرا، فالضمير الأول للمرسل إليهم، والآخران للرسل، وهو من كذب اللازم، أو المعنى أن القوم ظنوا أن الرسل قد كذبوهم بالتخفيف، أى لم يخبروهم بصدق، فالأول للمرسل إليهم، والآخران للرسل أيضا، وهو من كذب المتعدى، ومفعوله محذوف مقدر كما رأيت. ويجوز أن يكون المعنى ظن الرسل أنهم كاذبون فى قولهم، ومعنى ظنهم الكذب فى أنفسهم أن نفوسهم توسوس لهم، إنما أخبرتموهم به كذب أو التمثيل لشدة تأخير النصر، والضمائر للرسل، وكذب لازم وإن قلت: كيف جاز عود الضمير للقوم المرسل إليهم، والمذكور إنما هو الرسل معلومين من ذكر الرسل، قد ذكروا فى قوله: {كيف كان عاقبة الذين}. {جاءهم} أى جاء الرسل {نَصْرنا} فجأة من غير احتساب، والنصر بعذاب المكذبين وإهلاكهم {فَنُجِّى} وقرأ ابن عامر، وعاصم ويعقوب، فنجى بنون واحدة مضمومة، وبكسر الجيم، وفتح الياء، فيكون فعلا ماضيا مبنى للمفعول مشدد الجيم، وقرئ ننجى بنونين مضمومة، والثانية مفتوحة، وكسر الجيم مشددة، وإسكان الباء، وقرأ ابن محيصن فنجا بماض مبنى للفاعل {مَنْ نَشاء} وهم الرسل والمؤمنون، ولم يصرح بهم لظهور أنهم هم الأهل للتنجية، ولتبيين ذلك بقوله: {ولا يُردُّ بأسُنا} أى عذابنا {عَن القوْمِ المجْرِمينَ} وهم غير الرسل والمؤمنين، لا يرد أحد بأس الله عز وجل عنهم إذ جاءهم.

اطفيش

تفسير : {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ} أَى أَيس فهو لموافقة المجرد {الرُّسُلُ} تراخى نصر الرسل حتى استيأَسوا من النصر فى الدنيا، فمن وعد له بالنصر ولا يدرى فيها أَوفى الآخرة، أَو أَيسوا من إيمان الكفرة {وَظَنُّوا} أى أيقن الرسل {أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} بلغ التكذيب غايته بأَن لا يعقبه نصر، أَو ظن الرسل توهمهم أَن لا ينصروا لذهولهم عن الوعد بالنصر لشدة الهول عليهم، أَو لتوهم أَن النصر على شرط لم يقع الشرط فلم يقع النصر {جَاءَهُمْ نصْرُنا} لهم على أَممهم المكذبة لهم بتنجيتهم وإهلاك تكذيبهم كما قال: {فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ} وهم الرسل وأَتباعهم {ولاَ يُردُّ بَأْسُنَا} عذابنا {عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ} المكذبين.

الالوسي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ} غاية لمحذوف دل عليه السباق والتقدير عند بعضهم لا يغرنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء فإن من قبلهم قد أمهلوا حتى يئس الرسل من النصر عليهم في الدنيا أو من إيمانهم لانهماكهم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع، وقال أبو الفرج بن الجوزي: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فدعوا قومهم فكذبوهم وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الخ، وقال القرطبـي: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم حتى إذا استيأس الخ، وقال الزمخشري: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فتراخى النصر حتى إذا الخ، ولعل الأول أولى وإن كان فيه كثرة حذف، والاستفعال بمعنى المجرد كما أشرنا/ إليه وقد مر الكلام في ذلك {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} بالتخفيف والبناء للمفعول، وهي قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وأبي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والأعمش والكوفيين، واختلف في توجيه الآية على ذلك فقيل: الضمائر الثلاثة للرسل والظن بمعنى التوهم لا بمعناه الأصلي ولا بمعناه المجازي أعني اليقين وفاعل {كُذِّبُواْ} المقدر إما أنفسهم أو رجاؤهم فإنه يوصف بالصدق والكذب أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون أو كذبهم رجاؤهم النصر، والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا. {جَاءهُمْ نَصْرُنَا } فجأة؛ وقيل: الضمائر كلها للرسل والظن بمعناه وفاعل {كُذِبُواْ} المقدر من أخبرهم عن الله تعالى وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج الطبراني وغيره عن عبد الله بن أبـي مليكة قال: إن ابن عباس قرأ {قَدْ كُذِبُواْ } مخففة ثم قال: يقول أخلفوا وكانوا بشراً وتلا {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 214] قال ابن أبـي مليكة: فذهب ابن عباس إلى أنهم يئسوا وضعفوا فظنوا أنهم قد أخلفوا وروى ذلك عنه البخاري في "الصحيح"، واستشكل هذا بأن فيه ما لا يليق نسبته إلى الأنبياء عليهم السلام بل إلى صالحي الأمة ولذا نقل عن عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك، فقد أخرج البخاري والنسائي وغيرهما من طريق عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه الآية قال: قلت أكذبوا أم كذبوا فقالت عائشة بل كذبوا يعني بالتشديد قلت: والله لقد استيقنوا ان قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك فقلت: لعله {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } مخففة قالت: معاذ الله تعالى لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاء نصر الله تعالى عند ذلك. وأجاب بعضهم بأنه يمكن أن يكون اراد رضي الله تعالى عنه بالظن ما يخطر بالبال ويهجس بالقلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وذهب المجد بن تيمية إلى رجوع الضمائر جميعها إيضاً إلى الرسل مائلا إلى ما روي عن ابن عباس مدعيا أنه الظاهر وأن الآية على حد قوله تعالى: {أية : إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ } تفسير : [الحج: 52] فإن الإلقاء في قلبه وفي لسانه وفي عمله من باب واحد والله تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان، ثم قال: والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل العلم ويسمون الاعتقاد المرجوح وهماً فقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»تفسير : وقال سبحانه: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئاً } تفسير : [النجم: 28] فالاعتقاد المرجوح هو ظن وهو وهم، وهذا قد يكون ذنباً يضعف الإيمان ولا يزيله وقد يكون حديث النفس المعفو عنه كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل»تفسير : وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان كما ثبت في "الصحيح" أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: «حديث : يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يحرق حتى يصير حمماً أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال صلى الله عليه وسلم أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان»تفسير : وفي حديث آخر «حديث : إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»تفسير : ونظير هذا ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه السلام إذ قال له ربه: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبـي»تفسير : فسمى النبـي صلى الله عليه وسلم التفاوت بين الإيمان والإطمئنان شكاً بإحياء الموتى، وعلى هذا يقال: الوعد بالنصر في الدنيا لشخص قد يكون الشخص مؤمناً بإنجازه ولكن قد يضطرب قلبه فيه فلا يطمئن فيكون فوات الاطمئنان ظناً أنه كذب، فالشك وظن أنه كذب من باب واحد وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب وإن كان فيها ما هو ذنب، فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك كما في أفعالهم على ما عرف من أصول السنة والحديث، وفي قص مثل ذلك عبرة للمؤمنين بهم عليهم السلام فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك فلا ييأسوا إذا ابتلوا ويعلمون أنه قد ابتلى من هو خير منهم وكانت العاقبة إلى خير فيتيقن المرتاب ويتوب المذنب ويقوي إيمان المؤمن وبذلك يصح الاتساء بالأنبياء، ومن هنا قال سبحانه: {أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ } تفسير : [يوسف: 111] ولو كان المتبوع معصوماً مطلقاً لا يتأتى الاتساء فإنه يقول: التابع أنا لست من جنسه فإنه لا يذكر بذنب فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداء لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول بالعصمة بخلاف ما إذا علم أنه قد وقع شيء وجبر بالتوبة فإنه يصح حينئذ أمر المتابعة كما قيل: أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم أبو البشر آدم. ومن يشابه أبه فما ظلم. ولا يلزم الاقتداء بهم فيما نهوا عنه ووقع منهم ثم تابوا عنه لتحقق الأمر بالاقتداء بهم فيما أقروا عليه ولم ينهوا عنه ووقع منهم ولم يتوبوا منه، وما ذكر ليس بدون المنسوخ من أفعالهم وإذا كان ما أمروا به وأبيح لهم ثم نسخ تنقطع فيه المتابعة فما لم يؤمروا به ووقع منهم وتابوا عنه أحرى وأولى بانقطاع المتابعة فيه اهـ. ولا يخفى أن ما ذكره مستلزم لجواز وقوع الكبائر من الأنبياء عليهم السلام وحاشاهم من غير أن يقروا على ذلك والقول به جهل عظيم ولا يقدم عليه ذو قلب سليم، على أن في كلامه بعد ما فيه؛ وليته اكتفى بجعل الضمائر للرسل وتفسير الظن بالتوهم كما فعل غيره فإنه مما لا بأس به، وكذا لا بأس في حمل كلام ابن عباس على أنه أراد بالظن فيه ما هو على طريق الوسوسة ومثالها من حديث النفس فإن ذلك غير الوسوسة المنزه عنها الأنبياء عليهم السلام أو على أنه أراد بذلك المبالغة في التراخي وطول المدة على طريق الاستعارة التمثيلية بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب باعتبار استلزام كل منهما لعدم ترتب المطلوب فاستعمل ما لأحدهما في الآخر، وقيل: إن الضمائر الثلاثة للمرسل إليهم لأن ذكر الرسل متقاض ذاك، ونظير ذلك قوله:شعر : أمنك البرق ارقبه فهاجا وبت اخاله دهماً خلاجا تفسير : فإن ضمير إخاله للرعد ولم يصرح به بل اكتفى بوميض البرق عنه، وإن شئت قلت: ان ذكرهم قد جرى في قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [يوسف: 109] فيكون الضمير للذين من قبلهم ممن كذب الرسل عليهم السلام، والمعنى ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوة وفيما وعدوا به من لم يؤمن من العقاب وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً، فقد أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن جرير وغيرهم من طرق عنه رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ {كذبوا} مخففة ويقول: حتى إذا يئس الرسل من قومهم أن يستجيوا لهم وظن قومهم ان الرسل قد/ كذبوهم فيما جاؤوا به جاء الرسل نصرنا، وروي ذلك أيضا عن سعيد بن جبير أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ربيعة بن كلثوم قال: حدثني أبـي أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله آية قد بلغت مني كل مبلغ {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} فإن الموت أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا مثقلة أو تظن أنهم قد كذبوا مخففة فقال سعيد: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم وظن قومهم أن الرسل كذبتهم جاءهم نصرنا فقام مسلم إليه فاعتنقه وقال: فرج الله تعالى عنك كما فرجت عني، وروي أنه قال ذلك بمحضر من الضحاك فقال له: لو رحلت في هذه إلى اليمن لكان قليلاً، وقيل: ضمير {ظَنُّواْ } للمرسل إليهم وضمير {أَنَّهُمْ } و {وَكَذَّبُواْ } للرسل عليهم السلام وظنوا أن الرسل عليهم السلام أخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم. وقرأ غير واحد من السبعة والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وأبو رجاء وابن أبـي مليكة والأعرج وعائشة في المشهور {كذبوا} بالتشديد والبناء للمفعول، والضمائر على هذا للرسل عليهم السلام أي ظن الرسل أن أممهم كذبوهم فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم فجاءهم نصر الله تعالى عند ذلك وهو تفسير عائشة رضي الله تعالى عنها الذي رواه البخاري عليه الرحمة، والظن بمعناه أو بمعنى اليقين أو التوهم، وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أنهم قرؤوا {كذبوا} مخففاً مبنياً للفاعل فضمير {ظَنُّواْ } للأمم وضمير {أنهم قد كذبوا} للرسل أي ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوهم به من النصر أو العقاب، وجوز أن يكون ضمير {ظنوا} للرسل وضمير {أنهم قد كذبوا} للمرسل إليهم أي ظن الرسل عليهم السلام أن الأمم كذبتهم فيما وعدوهم به من أنهم يؤمنون، والظن الظاهر كما قيل: إنه بمعنى اليقين، وقرىء كما قال أبو البقاء: {كذبوا} بالتشديد والبناء للفاعل، وأول ذلك بأن الرسل عليهم السلام ظنوا أن الأمم قد كذبوهم في وعدهم هذا، والمشهور استشكال الآية من جهة أنها متضمنة ظاهراً على القراءة الأولى، نسبة ما لا يليق من الظن إلى الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، واستشكل بعضهم نسبة الاستيآس إليهم عليهم السلام أيضاً بناء على أن الظاهر أنهم استيأسوا مما وعدوا به وأخبروا بكونه فإن ذلك أيضاً مما لا يليق نسبته إليهم. وأجيب بأنه لا يراد ذلك وإنما يراد أنهم استيأسوا من إيمان قومهم. واعترض بأنه يبعده عطف {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } الظاهر في أنهم ظنوا كونهم مكذوبين فيما وعدوا به عليه. وذكر المجد في هذا المقام تحقيقاً غير ما ذكره أولاً وهو أن الاستيآس وظن أنهم مكذوبين كليهما متعلقان بما ضم للموعود به اجتهاداً، وذلك أن الخبر عن استيآسهم مطلق وليس في الآية ما يدل على تقييده بما وعدوا به وأخبروا بكونه وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الله تعالى إذا وعد الرسل بنصر مطلق كما هو غالب إخباراته لم يعين زمانه ولا مكانه ولا صفته، فكثيراً ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم يدل عليها خطاب الحق تعالى بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد طائفة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم إخبار النبـي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد الحرام ويطوفون به أن ذلك يكون عام الحديبية، لأن النبـي صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى فلما استيئسوا من ذلك ذلك العام لما صدهم المشركون حتى قاضاهم عليه الصلاة والسلام على الصلح المشهور بقي في قلب بعضهم شيء حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه مع أنه كان/ من المحدثين: ألم تخبرنا يا رسول الله انا ندخل البيت ونطوف؟ قال: بلى أفاخبرتك إنك تدخله هذا العام؟ قال: لا. قال: إنك داخله ومطوف به، وكذلك قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه فبين له أن الوعد منه عليه الصلاة والسلام كان مطلقاً غير مقيد بوقت، وكونه صلى الله عليه وسلم سعى في ذلك العام إلى مكة وقصدها لا يوجب تخصيصاً لوعده تعالى بالدخول في تلك السنة، ولعله عليه الصلاة والسلام إنما سعى بناء على ظن أن يكون الأمر كذلك فلم يكن، ولا محذور في ذلك فليس من شرط النبـي صلى الله عليه وسلم أن يكون كل ما قصده، بل من تمام نعمة الله تعالى عليه أن يأخذ به عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده إن كان كما كان في عام الحديبية، ولا يضر أيضاً خروج الأمر على خلاف ما يظنه عليه الصلاة والسلام، فقد روى مسلم في "صحيحه" أنه عليه الصلاة والسلام قال في تأبير النخل: «حديث : إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله تعالى شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله تعالى»تفسير : ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين: «حديث : ما قصرت الصلاة ولا نسيت ثم تبين النسيان»تفسير : وفي قصة الوليد بن عقبة النازل فيها {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ } تفسير : [الحجر: 6] الآية وقصة بني أبيرق النازل فيها {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } تفسير : [النساء: 105] ما فيه كفاية في العلم بأنه صلى الله عليه وسلم قد يظن الشيء فيبينه الله تعالى على وجه آخر، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ـ هو ـ هكذا فما ظنك بغيره من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، ومما يزيد هذا قوة أن جمهور المحدثين والفقهاء على أنه يجوز للأنبياء عليهم السلام الاجتهاد في الأحكام الشرعية ويجوز عليهم الخطأ في ذلك لكن لا يقرون عليه فإنه لا شك أن هذا دون الخطأ في ظن ما ليس من الأحكام الشرعية في شيء، وإذا تحقق ذلك فلا يبعد أن يقال: إن أولئك الرسل عليهم السلام أخبروا بعذاب قومهم ولم يعين لهم وقت له فاجتهدوا وعينوا لذلك وقتاً حسبما ظهر لهم كما عين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية لدخول مكة فلما طالت المدة استيأسوا وظنوا كذب أنفسهم وغلط اجتهادهم وليس في ذلك ظن بكذب وعده تعالى ولا مستلزماً له أصلاً فلا محذور. وأنت تعلم أن الأوفق بتعظيم الرسل عليهم السلام والأبعد عن الحوم حول حمى ما لا يليق بهم القول بنسبة الظن إلى غيرهم صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم، والظاهر أن ضمير {جَاءهُمُ } على سائر القراآت والوجوه للرسل، وقيل: إنه راجع إليهم وإلى المؤمنين جاء الرسل ومن آمن بهم نصرنا. {فَنُجّىَ مَن نَّشَاء } انجاءه وهم الرسل والمؤمنون بهم، وإنما لم يعينوا للإشارة إلى أنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم ولا يشاركهم فيه غيرهم. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب {فَنُجّىَ } بنون واحدة وجيم مشددة وياء مفتوحة على أنه ماض مبني للمفعول و {مَنْ} نائب الفاعل. وقرأ مجاهد والحسن والجحدري وطلحة وابن هرمز كذلك إلا أنهم سكنوا الياء، وخرجت على أن الفعل ماض أيضاً كما في القراءة التي قبلها إلا أنه سكنت الياء على لغة من يستثقل الحركة على الياء مطلقاً، ومنه قراءة من قرأ {ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] بسكون الياء، وقيل: الأصل ننجي بنونين فأدغم النون في الجيم ورده أبو حيان بأنها لا تدغم فيها، وتعقب بأن بعضهم قد ذهب إلى جواز ادغامها ورويت هذه القراءة عن الكسائي ونافع، وقرأت فرقة كما قرأ باقي السبعة بنونين مضارع أنجى إلا أنهم فتحوا الياء، ورواها هبيرة عن حفص عن عاصم، وزعم ابن عطية أن ذلك غلط من هبيرة إذ لا وجه للفتح، وفيه أن الوجه ظاهر، فقد ذكروا أن الشرط والجزاء يجوز أن يأتي بعدهما المضارع منصوباً بإضمار أن بعد الفاء كقراءة/ من قرأ {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر} [البقرة: 284] بنصب يغفر، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أداة الشرط جازمة أو غير جازمة. وقرأ نصر بن عاصم وأبو حيوة وابن السميقع وعيسى البصرة وابن محيصن وكذا الحسن ومجاهد في رواية {فنجا} ماضياً مخففاً و {من} فاعله. وروي عن ابن محيصن أنه قرأ كذلك إلا أنه شدد الجيم، والفاعل حينئذٍ ضمير النصر و {من} مفعوله. وقد رجحت قراءة عاصم ومن معه بأن المصاحف اتفقت على رسمها بنون واحدة. وقال مكي: أكثر المصاحف عليه فأشعر بوقوع خلاف في الرسم، وحكاية الاتفاق نقلت عن الجعبري وابن الجزري وغيرهما، وعن الجعبري أن قراءة من قرأ بنونين توافق الرسم تقديراً لأن النون الثانية ساكنة مخفاة عند الجيم كما هي مخفاة عند الصاد والظاء في لننصر ولننظر والإخفاء لكونه ستراً يشبه الإدغام لكونه تغييباً فكما يحذف عند الإدغام يحذف عند الإخفاء بل هو عنده أولى لمكان الاتصال. وعن أبـي حيوة أنه قرأ {فنجي من يشاء} بياء الغيبة أي من يشاء الله تعالى نجاته. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا } عذابنا {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } إذا نزل بهم، وفيه بيان لمن تعلق بهم المشيئة لأنه يعلم من المقابلة أنهم من ليسوا بمجرمين. وقرأ الحسن {بأسه} بضمير الغائب أي بأس الله تعالى، ولا يخفى ما في الجملة من التهديد والوعيد لمعاصري النبـي صلى الله عليه وسلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: استيأس الرسل: أي يئسوا من إيمان قومهم. وظنوا أنهم قد كذبوا: أي ظن الأمم المرسل إليهم أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر. ولا يرد بأسنا: أي عذابنا الشديد. عن القوم المجرمين: أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي وأجرموا على غيرهم بصرفهم عن الإِيمان. لقد كان في قصصهم: أي الرسل عليهم السلام. ما كان حديثاً يفترى: أي ما كان هذا القرآن حديثاً يختلق. تصديق الذي بين يديه: أي ما قبله من الكتب الإِلهية إذ نزل مصدقاً لها في الإِيمان والتوحيد. معنى الآيتين: ما زال السياق في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا} تفسير : [يوسف: 109] أي ما زال مَنْ أرسلنا من رسلنا يدعون إلينا ويواصلون دعوتهم ويتأخر نصرهم حتى يدب اليأس إلى قلوبهم ويظن أتباعهم أنهم قد أخلفوا ما وعدوا به من نصرهم وإهلاك أعدائهم {جَآءَهُمْ} بعد وجود اليأس نصرنا {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ}. هذا ما جاء في الآية الأولى {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} وهم أهل الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي كان في قصص الرسل مع أممهم بذكر أخبارهم وتبيان أحوالهم من نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين المكذبين عبرة يعتبر بها المؤمنون فيثبتون على إيمانهم ويواصلون تقواهم لربهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه. وأولوا الألباب هم أصحاب العقول، وقوله تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} أي لم يكن هذا القرآن العظيم بالحديث الذي في إمكان الإِنسان أن يكذب ويختلق مثله بحال من الأحوال ولكنه أي القرآن هو {تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي تقدم في النزول عليه كالتوراة والإِنجيل فهو مصدق لهما في أصول الإِيمان والتوحيد ولا يتنافى معهما وهذا أكبر دليل على أنه وحي إلهي مثلهما، وليس بالكلام المختلق كما يقول المبطلون، وقوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي كما هو مصدق لما بين يديه هو أيضاً يفصل كل شيء تحتاج إليه البشرية في دينها المزكي لأنفسها الموجب لها رحمة ربها ورضاه عنها وهدى ينير الطريق فيهدي من الضلالة ورحمة تنال المؤمنين به العاملين به المطبقين لشرائعه وأحكامه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في تأخر النصر على رسله وعباده المؤمنين زيادة في الإِعداد والتمحيص ثم يأتي نصر الله فيعز أولياء الله ويذل أعداءه. 2- التنديد بالإِجرام وهو الإِفساد للعقائد والأخلاق والشرائع والأحكام. 3- بيان فضل القرآن وما فيه من الهدى والرحمة لمن طلب ذلك منه. 4- المؤمنون باعتبار أنهم أحياء هم الذين ينتفعون بهداية القرآن ورحمته.

د. أسعد حومد

تفسير : (110) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلاً قَبْلَهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ يَتَرَاخَى نَصْرُ اللهِ عَنِ الرُّسُلِ، وَأَنْ يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبُ مِنْ قَوْمِهِمْ، حَتَّى إِذَا زُلْزِلَتِ النُّفُوسُ، وَاسْتَشْعَرَتِ القُنُوطَ وَاليَأْسَ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي نَصْرُ اللهِ، فَيُنَجِّي مَنْ يَشَاءُ اللهُ إنْجَاءَهُ، وَيُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ إِهْلاَكَهُ، وَلاَ يَرُدُّ أَحَدٌ بَأْسَ اللهِ وَعِقَابَهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ.. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى (كُذِبُوا) قَرَاءَتَانِ: الأُولَى - (كُذِّبُوا) - بِضَمِّ الكَافِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ - وَكَذَلِكَ كَانَتْ تَقْرَؤُهَا عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - وَمَعْنَاهَا: إِنَّ الرُّسُلَ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، وَلَنْ يُؤْمِنُوا لَهُمْ، وَيَئِسُوا مِنْ قَوْمِهِم الكَافِرِينَ. وَالثَّانِيَةُ - (كُذِبُوا) - بِضَمِ الكَافِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ - وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - وَمَعْنَاهَا: إِنَّهُ لَمَّا يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُمْ قَوْمُهُمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ، جَاءَ نَصْرُ اللهِ فَأَيَّدَ الرُّسُلَ. فَفِي القِرَاءَةِ الأُولَى: يَشْعُرُ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ كُذِّبُوا مِنْ قِبَلِ أَقْوَامِهِمْ. وَفِي القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ: يُدْرِكُ القَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ. اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ - يَئِسُوا مِنَ النَّصْرِ لِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ. ظَنُّوا - تَوَهَّمَ الرُّسُلُ وَحَدَّثَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ. قَدْ كُذِبُوا - قَدْ كَذَّبَهُمْ رَجَاؤُهُم النَّصْرَ فِي الدُّنْيا. بَأْسُنَا - عَذَابُنَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة: {حَتَّىٰ} [يوسف: 110]. تدل على أن هناك غاية، وما دامتْ هناك غاية فلا بُدَّ أن بداية ما قد سبقتْها، ونقول: "أكلتُ السمكة حتى رأسها". أي: أن البداية كانت أَكْل السمكة، والنهاية هي رأسها. والبداية التي تسبق: {ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ ...} [يوسف: 110]. هي قوله الحق: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ..} تفسير : [يوسف: 109]. وما دام الحقُّ سبحانه قد أرسلهم؛ فهم قد ضَمِنوا النصر، ولكن النصر أبطأ؛ فاستيأس الرسل، وكان هذا الإبطاء مقصوداً من الحق سبحانه؛ لأنه يريد أن يُحمِّل المؤمنين مهمة هداية حركة الحياة في الأرض إلى أن تقوم الساعة، فيجب ألا يضطلع بها إلا المُخْتَبر اختباراً دقيقاً. ولا بُدَّ أن يمر الرسول - الأُسْوة لمَنْ معه - ومَنْ يتبعه من بعده بمحن كثيرة، ومَنْ صبر على المِحَن وخرج منها ناجحاً؛ فهو أَهْلٌ لأن يحمل المهمة. وهو الحق سبحانه القائل: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 214]. إذن: لا بُدَّ من اختبار يُمحِّص. ونحن في حركة حياتنا نُؤهِّل التلميذ دراسياً؛ ليتقدم إلى شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، ثم نُؤهِّله لِنَيْل شهادة إتمام الدراسة الإعدادية؛ ثم نؤهله لنيل شهادة إتمام الدراسة الثانوية، ثم يلتحق بالجامعة، ويتم اختباره سنوياً إلى أن يتخرج من الجامعة. وإنْ أراد استكمال دراسته لنيل الماجستير والدكتوراه، فهو يبذل المزيد من الجَهْد. وكل تلك الرحلة من أجل أن يذهب لتوليّ مسئولية العمل الذي يُسند إليه وهو جدير بها، فما بَالُنا بعملية بَعْث رسول إلى قوم ما؟ لا بُدَّ إذن من تمحيصه هو ومَنْ يتبعونه، وكي لا يبقى على العهد إلا المُوقِن تمام اليقين بأن ما يفوته من خير الدنيا؛ سيجد خيراً أفضل منه عند الله في الآخرة. ولقائل أن يقول: وهل من المعقول أن يستيئس الرسل؟ نقول: فَلنفهم أولاً معنى "استيأس"؛ وهناك فرق بين "يأس" و"استيأس"، فـ "يأس" تعني قطع الأمل من شيء. و"استيأس" تعني: أنه يُلِحّ على قَطع الأمل. أي: أن الأمل لم ينقطع بعد. ومَنْ قطع الأمل هو مَنْ ليس له منفذ إلى الرجاء، ولا ينقطع أمل إنسان إلا إنْ كان مؤمناً بأسبابه المعزولة عن مُسبِّبه الأعلى. لكن إذا كان الله قد أعطى له الأسباب، ثم انتهت الأسباب، ولم تَصِلْ به إلى نتيجة، فالمؤمن بالله هو مَنْ يقول: أنا لا تُهمّني الأسباب؛ لأن معي المُسبِّب. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [يوسف: 87]. ولذلك نجد أن أعلى نسبة انتحار إنما تُوجَد بين الملاحدة الكافرين؛ لأنهم لا يملكون رصيداً إيمانياً، يجعلهم يؤمنون أن لهم رباً فوق كل الأسباب؛ وقادر على أن يَخْرِق النواميس. أما المؤمن فهو يأوي إلى رُكْن شديد، هو قدرة الحق سبحانه مُسبِّب كل الأسباب، والقادر على أن يَخْرِق الأسباب. ولماذا يستيئس الرسل؟ لأن حرصهم على تعجُّل النصر دفع البعض منهم أن يسأل مثلما سأل المؤمنون: {أية : مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 214]. فضلاً عن ظَنِّهم أنهم كُذّبوا، والحق سبحانه يقول هنا: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ..} [يوسف: 110]. ومادة "الكاف"، و"الذال" و"الباء" منها "كَذَبَ"، و"كُذِبَ عليه" و"كُذِّب". والكذب هو القول المخالف للواقع، والعاقل هو من يُورِد كلامه على ذِهْنه قبل أن ينطق به. أما فاقد الرشد الذي لا يمتلك القدرة على التدبُّر؛ فينطق الكلام على عَواهِنه؛ ولا يمرر الكلام على ذهنه؛ ولذلك يقال عنه "مخرف". وقد سبق لنا أن شرحنا الصدق، وقلنا: إنه تطابق النسبة الكلامية مع الواقع، والكذب هو ألاَّ تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع. ومَنْ يقول كلاماً يعلم أنه لا يطابق الواقع؛ يقال عنه: إنه مُتعمِّد الكذب، ومَنْ يقول كلاماً بغالبية الظن أنه لا يطابق الواقع، ونقله عن غيره؛ فهو يكذب دون أن يُحسب كَذبه افتراءً، والإنسان الذي يتوخَّى الدِّقة ينقل الكلام منسوباً إلى مَنْ قاله له؛ فيقول "أخبرني فلان" فلا يُعَدُّ كاذباً. ولذلك أقول دائماً: يجب أن يُفرِّق العلماء بين كذب المُفْتين، وكذب الخبر؛ وكذب المُخْبر. فالخبر الكاذب مسئول عنه مَنْ تعمَّد الكذب، أما الناقل للخبر ما دام قد نسبه إلى مَنْ قاله، فموقفه مختلف. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد لها قراءتين؛ قراءة هي: "وظنوا أنهم قد كُذبوا" أي: حدَّثهم غيرهم كَذِباً؛ وقراءة ثانية هي: "وظنوا أنهم قد كُذِّبوا" وهي تعني: أنهم قد ظنُّوا أن ما قيل لهم من كلام عن النصر هو كذب. ولقائل أن يسأل: كيف يظن الرسل ذلك؟ وأقول: إن الرسول حين يطلب من قومه الإيمان؛ يعلم أن ما يُؤكِّد صدق رسالته هو مجيء النصر؛ وتمرُّ عليه بعض من الخواطر خوفاً أن يقول المقاتلون الذين معه: "لقد كذب علينا"؛ لأن الظن إخبار بالراجح. ولا يخطر على بال الرسل أن الله سبحانه وتعالى - معاذ الله - قد كَذَبهم وعده، ولكنهم ظَنُّوا أن النصر سيأتيهم بسرعة؛ وأخذوا بطء مجيء النصر دليلاً على أن النصر لن يأتي. أو: أنهم خافوا أن يُكذِّبهم الغير. ولذلك نجد الحق سبحانه يُعْلِم رسله أن النصر سيأتي في الموعد الذي يحدده سبحانه، ولا يعرفه أحد، فسبحانه لا يَعْجَلُ بعجلة العبادة حتى تبلغ الأمور ما أراد. ويقول سبحانه: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا ..} [يوسف: 110]. وهكذا يأتي النصر بعد الزلزلة الشديدة؛ فيكون وَقْعه كوقع الماء على ذي الغُلَّة الصَّادي، ولنا أن نتخيل شَوْق العطشان لكوب الماء. وأيضاً فإن إبطاء النصر يعطي غروراً للكافرين يجعلهم يتمادون في الغرور، وحين يأتي النصر تتضاعف فرحة المؤمنين بالرسول، وأيضاً يتضاعف غَمُّ الكافرين به. ومجيء النصر للمؤمنين يقتضي وقوع هزيمة للكافرين؛ لأن تلك هي مشيئة الله الذي يقع بَأْسه وعذابه على الكافرين به. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} قال: هم أَتباعُ الرُّسلِ، الذِينَ آمنوا بِربّهم، وصَدّقُوهُ، وطَالَ عليهم البَلاءُ، واستأخرَ عنهم النَّصرُ. حتَّى إِذا استيئس ممن كَذَّبَهم مِن قَومِهِمْ، وظَنَّتْ الرُّسلُ أَنَّ أَتباعَهُم قَد كَذَّبُوهم، جَاءَهُم نَصرُ الله عِندَ ذَلِكَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى: أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل. حتى إن الرسل - على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده - ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال { جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ } وهم الرسل وأتباعهم، { وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، وتجرأ على الله {أية : فما له من قوة ولا ناصر }. تفسير : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } أي: قصص الأنبياء والرسل مع قومهم، { عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ } أي: يعتبرون بها، أهل الخير وأهل الشر، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة، ويعتبرون بها أيضا، ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة، وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له. وقوله: { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } أي: ما كان هذا القرآن الذي قص الله به عليكم من أنباء الغيب ما قص من الأحاديث المفتراة المختلقة، { وَلَكِنْ } كان { تصديق الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب السابقة، يوافقها ويشهد لها بالصحة، { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه، ومن الأدلة والبراهين. { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - يحصل لهم الهدى، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل تحصل لهم الرحمة. فصل في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } وقال { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ } وقال في آخرها { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ } غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد. فمن ذلك، أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها، لما فيها من أنواع التنقلات، من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رقٍّ إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار، فتبارك من قصها فأحسنها، ووضحها وبيَّنها. ومنها: أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، وأن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده، وإن أغلب ما تبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة، فإن رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر، وأحد عشر كوكبا له ساجدين، وجه المناسبة فيها: أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها، وبها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة للأرض وجمال، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بهذه الأنوار، ولأن الأصل أبوه وأمه، وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورا وجرما، لما هو فرع عنه. فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته. ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات، فكانت لأبيه وإخوته،.ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود [له] معظم محترم، فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظما محترما عند أبويه وإخوته. ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضلا في العلم والفضائل الموجبة لذلك، ولذلك قال له أبوه: { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث } ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أنه أول رؤيا، الذي رأى أنه يعصر خمرا، أن الذي يعصر في العادة، يكون خادما لغيره، والعصر يقصد لغيره، فلذلك أوَّله بما يؤول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن. وأوَّل الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه، وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمله، وأنه سيبرز للطيور، بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل. وأوَّل رؤيا الملك للبقرات والسنبلات، بالسنين المخصبة، والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك، به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد، وكذلك السنون بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه. وأما البقر فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت، وإذا أجدبت صارت عجافا، وكذلك السنابل في الخصب، تكثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس وهي أفضل غلال الأرض. ومنها: ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قصَّ على قومه هذه القصة الطويلة، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دارس أحدا. يراه قومه بين أظهرهم صباحا ومساء، وهو أمِّيٌّ لا يخط ولا يقرأ، وهي موافقة، لما في الكتب السابقة، وما كان لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون. ومنها: أنه ينبغي البعد عن أسباب الشر، وكتمان ما تخشى مضرته، لقول يعقوب ليوسف { يا بني لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } ومنها: أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره لقوله: { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا }. ومنها: أن نعمة الله على العبد، نعمة على من يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنه ربما شملتهم، وحصل لهم ما حصل له بسببه، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } ولما تمت النعمة على يوسف، حصل لآل يعقوب من العز والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف. ومنها: أن العدل مطلوب في كل الأمور، لا في معاملة السلطان رعيته ولا فيما دونه، حتى في معاملة الوالد لأولاده، في المحبة والإيثار وغيره، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر، وتفسد الأحوال، ولهذا، لما قدم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته، جرى منهم ما جرى على أنفسهم، وعلى أبيهم وأخيهم. ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة، ولا يتم لفاعله إلا بعدة جرائم، فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه، احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات، وزوروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه، وفي إتيانهم عشاء يبكون، ولا تستبعد أنه قد كثر البحث فيها في تلك المدة، بل لعل ذلك اتصل إلى أن اجتمعوا بيوسف، وكلما صار البحث، حصل من الإخبار بالكذب، والافتراء، ما حصل، وهذا شؤم الذنب، وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة. ومنها: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين. ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ } وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة. ومنها: ما منَّ الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم، ومكارم الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوا بادرهم به، وتمم ذلك بأن لا يثرب عليهم ولا يعيرهم به. ثم برُّه العظيم بأبويه، وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق. ومنها: أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما، فإن إخوة يوسف، لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا، وقال قائل منهم: { لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ } كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير. ومنها: أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال، ولم يعلم أنه كان على غير وجه الشرع، أنه لا إثم على من باشره ببيع أو شراء، أو خدمة أو انتفاع، أو استعمال، فإن يوسف عليه السلام باعه إخوته بيعا حراما لا يجوز، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلاما رقيقا، وسماه الله شراء، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم. ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء التي يخشى منهن الفتنة، والحذر أيضا من المحبة التي يخشى ضررها، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى، بسبب توحّدها بيوسف، وحبها الشديد له، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسجن بسببها مدة طويلة. ومنها: أن الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله، مما يقربه إلى الله زلفى، لأن الهمّ داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته، غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى. فكان ممن { خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أحدهم: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله" وإنما الهم الذي يلام عليه العبد، الهم الذي يساكنه، ويصير عزما، ربما اقترن به الفعل. ومنها: أن من دخل الإيمان قلبه، وكان مخلصا لله في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله. { وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } على قراءة من قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح، فإنه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله، وخلصه من السوء والفحشاء. ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من المعصية، لأن يوسف عليه السلام -لما راودته التي هو في بيتها- فر هاربا، يطلب الباب ليتخلص من شرها، ومنها: أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر، من هذا الباب، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قد القميص، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها. ومما يدل على هذه القاعدة، أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة، من غير بينة شهادة ولا إقرار، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق، خصوصا إذا كان معروفا بالسرقة، فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، حاملا فإنه يقام بذلك الحد، ما لم يقم مانع منه، ولهذا سمى الله هذا الحاكم شاهدا فقال: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا }. ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن،.فإن جماله الظاهر، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ } وأما جماله الباطن، فهو العفة العظيمة عن المعصية، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز: { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } وقالت بعد ذلك: { الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } وقالت النسوة: { حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ }. ومنها: أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية، فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين - إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية - أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان، أن يكره العبد أن يعود في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته، لقول يوسف عليه السلام: { وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ }. ومنها: أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس، وإن كان معصية ضارا لصاحبه. ومنها: أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء، فعليه عبودية له في الشدة، فـ "يوسف" عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن، استمر على ذلك، ودعا الفتيين إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنا فيه الظن الحسن وقالا له: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده - رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه، وبين لهما أولا أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم، إيمانه وتوحيده، وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبين فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه. ومنها: أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، فإن يوسف - لما سأله الفتيان عن الرؤيا - قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له. ومنها: أن من وقع في مكروه وشدة، لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه، أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق، فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناج من الفتيين: { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ }. ومنها: أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام في تعليمه وأن لا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع، وأن لا يمتنع من التعليم، أو لا ينصح فيه، إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم، فإن يوسف عليه السلام قد قال، ووصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه، فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى، وجاءه سائلا مستفتيا عن تلك الرؤيا، فلم يعنفه يوسف، ولا وبخه، لتركه ذكره بل أجابه عن سؤاله جوابا تاما من كل وجه. ومنها: أنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته، وحسن إرشاده، فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دلهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع، وكثرة جبايته. ومنها: أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه، وطلب البراءة لها، بل يحمد على ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ومنها: فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية؛ وأنه أفضل من الصورة الظاهرة، ولو بلغت في الحسن جمال يوسف، فإن يوسف - بسبب جماله - حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العز والرفعة والتمكين في الأرض، فإن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته. ومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير المرائي داخل في الفتوى، لقوله للفتيين: { قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وقال الملك: { أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ } وقال الفتى ليوسف: { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ } الآيات،.فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم. ومنها: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل، إذا كان في ذلك مصلحة، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب، لقول يوسف: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن طلبها، والتعرض لها. ومنها: أن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأن خير الآخرة له سببان: الإيمان والتقوى، وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه، ويشوقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها، وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب الله الأخروي، وفضله العظيم لقوله تعالى: { وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }. ومنها: أن جباية الأرزاق - إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحقهم - لا بأس بها، لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات، للاستعداد للسنين المجدبة، وأن هذا غير مناقض للتوكل على الله، بل يتوكل العبد على الله، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه. ومنها: حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض، حتى كثرت عندهم الغلات جدا حتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها، لعلمهم بوفورها فيها، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله. ومنها: مشروعية الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته { أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ }. ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة، ثم قال لهم بعد ما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } وقال لهم في الأخ الآخر: { هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ } ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } فهم في الأخيرة - وإن لم يكونوا مفرطين - فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال، من غير إثم عليه ولا حرج. ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين أو غيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر، فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر، لأمر يعقوب حيث قال لبنيه: { يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ }. ومنها: جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد، وإنما الممنوع، التحيل على إسقاط واجب، أو فعل محرم. ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره، بأمر لا يحب أن يطلع عليه، أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حيث ألقى الصُّواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه، موهما أنه سارق، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: { مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } ولم يقل "من سرق متاعنا" وكذلك لم يقل "إنا وجدنا متاعنا عنده" بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنما فيه إيهام أنه سارق ليحصل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعد ما تبينت الحال. ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علمه، وتحققه إما بمشاهدة أو خبر من يثق به، وتطمئن إليه النفس لقولهم: { وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا }. ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام، حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف، الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة، ويحزنه ذلك أشد الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه مدة طويلة، لا تقصر عن خمس عشرة سنة، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } ثم ازداد به الأمر شدة، حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، هذا وهو صابر لأمر الله، محتسب الأجر من الله، قد وعد من نفسه الصبر الجميل، ولا شك أنه وفى بما وعد به، ولا ينافي ذلك، قوله: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه، الشكوى إلى المخلوقين. ومنها: أن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسرا، فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر، أذن الله حينئذ بالفرج، فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة واضطرارا، فتم بذلك الأجر وحصل السرور، وعلم من ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء، والعسر واليسر ليمتحن صبرهم وشكرهم، ويزداد - بذلك - إيمانهم ويقينهم وعرفانهم. ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما، على غير وجه التسخط، لأن إخوة يوسف قالوا: { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } ولم ينكر عليهم يوسف. ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما، أحسن العواقب، لقوله: { قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }. ومنها: أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر وسوء حال، أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرا حاله الأولى، ليحدث لذلك شكرا كلما ذكرها، لقول يوسف عليه السلام: { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ }. ومنها: لطف الله العظيم بيوسف، حيث نقله في تلك الأحوال، وأوصل إليه الشدائد والمحن، ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يتملق إلى الله دائما في تثبيت إيمانه، ويعمل الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حسن الخاتمة، وتمام النعمة لقول يوسف عليه الصلاة والسلام: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }. فهذا ما يسر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة المباركة، ولا بد أن يظهر للمتدبر المتفكر غير ذلك. فنسأله تعالى علما نافعا وعملا متقبلا إنه جواد كريم. تم تفسير سورة يوسف وأبيه وإخوته عليهم الصلاة والسلام، والحمد لله رب العالمين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 430 : 50 : 18 - سفين عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن بن عباس {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قال، يئس الرسل من نصر قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم. [الآية 110]. 431 : 51 : 19 - سفين عن الأعمش عن أبي الضحى عن بن عباس مثله. 432 : 52 : 20 - سفين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله في قوله {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ (ٱلرُّسُلُ) وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قال، هو الذي تكره. قال، وفسر ذلك سفين. قال، ظنت الرسل أنهم قد كذبوا.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ} [110] 275- أنا الحسن بن محمد، نا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي ابن أبي مُليكة: أخبرني عروة، عن عائشة أنها خالفت ذلك وأَبَته - قالت: ما وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم من شيء إلا وقد علم أنه سيكون حتى مات، وإنه لم تزل البلايا بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. - قال ابن أبي مُليكة في حديث عروة: وكانت عائشة تقرؤها {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُواْ} مُثقلة. 276- أنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن جُريج، قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} قال: ذهب ها هنا - وأشار إلى السماء - قال ابن أبي مُليكة: وتلا ابن عباس {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 214]. قال ابن أبي مُليكة فذكرت ذلك لعُروة بن الزُّبير قال: قالت عائشة: معاذ الله، والله ما حدث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكن نزل بالأنبياء البلاء حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، وكانت تقرأ {كُذِّبُواْ} مُثقلة. 277- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا وهب بن جرير، نا أبي، عن كُلثوم / بن جبر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أنه قرأ {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} خفيفة. قال: إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل كذبوهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1345- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ}: [الآية: 110]، مِمَّنْ كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنت الرسل أن من قد آمَن بهِمْ من قومهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلِكَ. 1346- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ عُيَيْنَة، عن ابن شبرمة، قال: أخبرني تميم بن حذلم، قال: قرأت على ابن مسعود القرآن فلم يأخذ عَليَّ إلا حرفين قال: قرأتُ: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}تفسير : : [النمل: 87]، مشدّدة، فقال: (كل أتْوه) مُخَفَّفة وقرأت عيه: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}: [الآية: 110]، مشددة فقال: (كذبوا) مُخَفَّفة. 1347- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن الحسن، قال: كنت مع عمران بن حصين، فمرّ برجلٍ يقرأ عَلَى قَوْمٍ سورة يوسف، فاشتهى عمران قراءته، فجلس فَلمَّا فَرَغَ سأَلَهُمْ فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون فأخذ بيدي وقال: اذهب بنا فإنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اقرأوا القرآن وَسَلُوا الله بِهِ، فإنه سَيأتي أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس ".