Verse. 1707 (AR)

١٢ - يُوسُف

12 - Yusuf (AR)

لَقَدْ كَانَ فِيْ قَصَصِہِمْ عِبْرَۃٌ لِّاُولِي الْاَلْبَابِ۝۰ۭ مَا كَانَ حَدِيْثًا يُّفْتَرٰى وَلٰكِنْ تَصْدِيْقَ الَّذِيْ بَيْنَ يَدَيْہِ وَتَفْصِيْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَّہُدًى وَّرَحْمَۃً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُوْنَ۝۱۱۱ۧ
Laqad kana fee qasasihim AAibratun liolee alalbabi ma kana hadeethan yuftara walakin tasdeeqa allathee bayna yadayhi watafseela kulli shayin wahudan warahmatan liqawmin yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كان في قصصهم» أي الرسل «عبرة لأولي الألباب» أصحاب العقول «ما كان» هذا القرآن «حديثا يفترى» يختلق «ولكن» كان «تصديق الذي بين يديه» قبله من الكتب «وتفصيل» تبيين «كل شيء» يحتاج إليه في الدين «وهدى» من الضلالة «ورحمة لقوم يؤمنون» خصوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم.

111

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، والمراد منه التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور: الأول: أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة، لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته. الثاني: أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، الثالث: أنه ذكر في أول السورة { أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3] ثم ذكر في آخرها: {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } تنبيهاً على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة. والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه، ومن الناس من قال: المراد قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام. فإن قيل: لم قال: {عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك. قلنا: إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل، أو نقول: المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها، لأن {أُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه، واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات. الصفة الأولى: كونها {عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلالْبَـٰبِ } وقد سبق تقريره. الصفة الثانية: قوله: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } وفيه قولان: الأول: أن المراد الذي جاء به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت، والثاني: أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه، لأنه لا يصح الكذب منه، ثم إنه تعالى أكد كونه غير مفترى فقال: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية، ونصب تصديقاً على تقدير ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأحزاب: 40] قاله الفراء والزجاج، ثم قال: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه. والصفة الثالثة: قوله: {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } وفيه قولان: الأول: المراد وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته، والثاني: أنه عائد إلى القرآن، كقوله: { أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } تفسير : [الأنعام: 38] فإن جعل هذا الوصف وصفاً لكل القرآن أليق من جعله وصفاً لقصة يوسف وحدها، ويكون المراد: ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين. قال الواحدي على التفسيرين جميعاً: فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله: { أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأعراف: 156] يريد: كل شيء يجوز أن يدخل فيها وقوله: { أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23]. الصفة الرابعة والخامسة: كونها هدى في الدنيا وسبباً لحصول الرحمة في القيامة لقوم يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد الله تعالى يوم الأربعاء السابع من شعبان، ختم بالخير والرضوان، سنة إحدى وستمائة، وقد كنت ضيق الصدر جداً بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة والغفران وخصه بدرجات الفضل والإحسان وذكرت هذه الأبيات في مرثيته على سبيل الإيجاز: شعر : فلو كانت الأقدار منقادة لنا فديناك من حماك بالروح والجسم ولو كانت الأملاك تأخذ رشوة خضعنا لها بالرق في الحكم والاسم ولكنه حكم إذا حان حينه سرى من مقر العرش في لجة اليم سأبكي عليك العمر بالدم دائما ولم أنحرف عن ذاك في الكيف والكم سلام على قبر دفنت بتربه وأتحفك الرحمن بالكرم الجم وما صدني عن جعل جفني مدفنا لجسمك إلا أنه أبداً يهمي وأقسم إن مسوا رفاتي ورمتي أحسوا بنار الحزن في مكمن العظم حياتي وموتي واحد بعد بعدكم بل الموت أولى من مداومة الغم رضيت بما أمضى الإله بحكمه لعلمي بأني لا يجاوزني حكمي تفسير : وأنا أوصي من طالع كتابي واستفاد ما فيه من الفوائد النفيسة العالية أن يخص ولدي ويخصني بقراءة الفاتحة، ويدعو لمن قد مات في غربة بعيداً عن الإخوان والأب والأم بالرحمة والمغفرة فإني كنت أيضاً كثير الدعاء لمن فعل ذلك في حقي وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً آمين والحمد لله رب العالمين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} أي في قصة يوسف وأبيه وإخوته، أو في قصص الأمم. {عِبْرَةٌ} أي فكرة وتذكرة وعظة. {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي العقول. وقال محمد بن إسحاق عن الزّهريّ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْميّ: إن يعقوب عاش مائة سنة وسبعاً وأربعين سنة، وتُوفّي أخوه عِيصُو معه في يوم واحد، وقُبِرا في قبر واحد؛ فذلك قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} إلى آخر السورة. {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} أي ما كان القرآن حديثاً يفترى، أو ما كانت هذه القصة حديثاً يفترى. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي (ولكن كان تصديق، ويجوز الرفع بمعنى لكن هو تصديق الذي بين يديه أي) ما كان قبله من ٱلتوراة وٱلإنجيل وسائر كتب الله تعالى؛ وهذا تأويل من زعم أنه القرآن. {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام، والشرائع والأحكام. {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف نجينا المؤمنين، وأهلكنا الكافرين {عِبْرَةٌ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} وهي العقول، {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ} أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي: يكذب ويختلق {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتب المنزلة من السماء، وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ} من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى وبالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة، ويرجع المسودّة وجوههم بالصفقة الخاسرة. آخر تفسير سورة يوسف عليه السلام، ولله الحمد والمنة وبه المستعان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي الرسل {عِبْرَةٌ لأُلِى ٱلأَ لْبَٰبِ } أصحاب العقول {مَا كَانَ } هذا القرآن {حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } يختلق {وَلَٰكِن } كان {تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } قبله من الكتب {وَتَفْصِيلَ } تبيين {كُلِّ شَىْءٍ } يحتاج إليه في الدين {وَهَدَىًٰ } من الضلالة {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} يعني في قصص يوسف وإخوته اعتبار لذوي العقول بأن من نقل يوسف من الجب والسجن وعن الذل والرق إلى أن جعله مَلِكاً مطاعاً ونبياً مبعوثاً، فهو على نصر رسوله وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه قادر، وإنما الإمهال إنذار وإعذار. {ما كان حديثاً يفترى} أن يختلف ويتخرّص، وفيه وجهان: أحدهما: يعني القرآن، قاله قتادة. الثاني: ما تقدم من القصص، قاله ابن إسحاق. {ولكن تصديق الذي بين يديه} فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدِّق لما قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى، وهذا تأويل من زعم أنه القرآن. الثاني: يعني ولكن يصدّقه ما قبله من كتب الله تعالى، وهذا قول من زعم أنه القصص. {وهُدًى ورحمة لقومٍ يؤمنون} والله أعلم.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قصصهم} عام ليوسف وأبويه وإخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على الجملة، ولما كان ذلك كله في القرآن قال عنه {ما كان حديثاً يفترى} فإذا تأملت قصة يوسف ظهر أن في غرائبها وامتحان الله فيها لقوم في مواضع، ولطفه لقوم في مواضع، وإحسانه لقوم في مواضع، معتبراً لمن له لب وأجاد النظر، حتى يعلم أن كل أمر من عند الله وإليه. وقوله: {ما كان} صيغة منع، وقرينة الحال تقتضي أن البرهان يقوم على أن ذلك لا يفترى، وذلك بأدلة النبوءة وأدلة الإعجاز، و"الحديث" - هنا - واحد الأحاديث، وليس للذي هو خلاف القديم ها هنا مدخل. ونصب {تصديقَ} إما على إضمار معنى كان، وإما على أن تكون {لكن} بمعنى لكن المشددة. وقرأ عيسى الثقفي "تصديقُ" بالرفع، وكذلك كل ما عطف عليه، وهذا على حذف المبتدأ، التقدير: هو تصديق. وقال أبو حاتم: النصب على تقدير: ولكن كان، والرفع على: ولكن هو. وينشد بيت ذي الرمة بالوجهين: شعر : وما كان مالي من تراث ورثته ولا دية كانــت ولا كســـي مأثـــــم ولكن عطاءُ الله من كل رحلة إلى كل محجوب السرادق خضرم تفسير : رفع عطاء الله، والنصب أجود. و {الذي بين يديه} هو التوراة والإنجيل، والضمير في {يديه} عائد على القرآن، وهم اسم كان. وقوله: {كل شيء} يعني من العقائد والأحكام والحلال والحرام. وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَصَصِهِمْ} قصص يوسف وإخوته اعتبار للعقلاء بنقل يوسف من الجب والسجن والذل والرق إلى العز والملك والنبوة فالذي فعل ذلك قادر على نصر محمد صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه وإهلاك عدوه. {مَا كَانَ} القرآن {حَدِيثاً} يُختلق {وَلكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة والإنجيل وسائر الكتب، أو ما كان القصص المذكور حديثاً يُختلق ولكن تصديق الذي بين يديه من الكتب.

ابن عادل

تفسير : قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} أي: في خبر يوسف وإخوته، "عِبْرَةٌ": موعظة "لأولِي الألبَابِ". قرأ أبو عمرو في رواية عبد الوارث، والكسائيُّ في رواية الأنطاكي: "قِصَصِهِمْ" بكسر القاف هو جمع قصَّة، وبهذه القراءة رجَّح الزمخشري عود الضمر في "قَصصِهمْ" في القراءة المشهورة على الرسل وحدهم. وحكى غيره: أنه يجوز أن يعود على الرسل، وعلى يوسف وإخوته جميعاً كما تقدم. قال أبو حيان: "ولا ينصره ـ يعني هذه القراءة ـ؛ إذ قصص يوسف، وأبيه، إخوته تشتمل على قصص كثيرة، وأنباء مختلفة". فصل الاعتبار: عبارة عن العبور من الطريق المعلومة إلى الطريق المجهولة، والمراد منه: التأمُّل والتَّفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور: أحدها: أنَّ الذي قدر على إعزاز يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ، بعد إلقائه في الجبِّ وإعلائه بعد سجنه، وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون أنه عبد لهم وجمعه مع أبيه وإخوته على ما أحبَّ بعد المدة الطويلة؛ لقادرٌ على إعزاز محمد صلى عليه وسلم، وإعلاء كلمته. وثانيها: أن الإخبار عنه إخبارٌ عن الغيب، وفكان معجزة دالَّة على صدق محمد صلوات الله وسلامه عليه ـ. وثالثها: أنه قال في أوَّل السورة: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}تفسير : [يوسف:3] ثم قال هنا: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} وذلك تنبيه على أن حسن هذه القصَّة، إنَّما هو لأجل حصول العبرة منها، ومعرفة الحكمة والقدرة. فإن قيل: لم قال: {عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبرْ؟. فالجواب: أنَّ جميعهم كانوا متمكِّنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه القصَّة بكونها عبرة كونها بحيث يعتبرها العاقل. قوله {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} في "كَانَ" ضمير عائدٌ على القرآن، أي: ما كان القرآن المتضمن لهذه القصَّة الغريبة حديثاً مختلقاً. وقيل: بل هو عائدٌ على القصص، أي: ما كان القصص المذكور في قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ}. وقال الزمخشري: "فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} فيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى القرآن أي: ما كان القرآن حديثاً". قال شهاب الدين: "لأنه لو عاد على "قِصَصِهم" بكسر القاف؛ لوجب أن يكون "كَانَتْ" بالتاء" لإسناد الفعل حينئذ إلى ضمير مؤنث، وإن كان مجازيًّا. قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ} العامة عل نصب "تصديقَ" والثلاثة بعده، على أنَّها منسوقة على خبر "كان" أي: ولكن كان تصديق. وقرأ حمران بن أعين، وعيسى الكوفي، وعيسى القفي: برفع "تَصْديقَ" وما بعده، على أنَّها أخبار لمبتدأ مضمر، أي: ولكن هو تصديق، أي: الحديث ذو تصديق، وقد سمع من العرب مثل هذا بالنصب والرفع؛ قال ذو الرمَّة: [الطويل] شعر : 3158ـ ومَا كَانَ مالِي من ثُراثٍ وَرِثتهُ ولا دِيةً كَانتْ ولا كَسْبَ مَأثَم ولكِنْ عَطاءُ اللهِ من كُلِّ رحْلَةٍ إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السُّرادقِ خِضْرمِ تفسير : وقال لوطُ بن عبيد الله: [الطويل] شعر : 3159ـ وإنِّي بَحمْدِ الله ـ لا مَالَ مُسلمٍ أخَذْتُ ولا مُعطِي اليَمينِ مُخالفِ ولكنْ عَطاء اللهِ منْ كُلِّ فَاجرٍ قَصِيِّ المحَلِّ مُعْورٍ للمَقَارِفِ تفسير : يروى: "عَطاءَ الله" في البيتين منصوباً على: "ولكن كان عطاء الله" ومرفوعاً على: "ولكن هُو عطاءُ الله". قال الفراء والزجاج: ونصب "تَصْديقَ" على تقدير: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، كقوله ـ تعالى ـ: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب:40] ثم قالا: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه؛ فكأنَّهما لم يطَّلعا على أنهما قراءة. فصل معنى الآية: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يصحُّ منه أن يفتري هذه القصَّة، بحيث تكون مطابقة لها من غير تفاوت. وقيل: إن القرآن ليس بكذب في نفسه؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يفترى، ثم أكَّد كونه غير مفترى بقوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} وهو إشارة إلى أنَّ هذه القصَّة وردت موافقة لما في التوراة، وسائر الكتب الإلهيَّة، ثم وصفه بأن فيه: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}. قيل: كل شيء في واقعة يوسف مع أبيه، وإخوته. وقيل: يعود على كلِّ القرآن؛ كقوله ـ تعالى ـ: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام:38]. والأولى: أن يجعل هذا الوصف وصفاً لكلِّ القرآن، ويكون المراد ما تضمَّنه من الحلال، والحرام، وسائر ما يتَّصل بالدِّين. قال الواحدي: وعلى هذين التفسيرين جميعاً؛ فهو من العام الذي أريد به الخاصُّ؛ كقوله ـ تعالى ـ: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف:156] يريد: وسعت كل شيء أن يدخل فيها،{أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل:23]. ثمَّ وصفه بكونه هدى في الدنيا، وسبباً لحصول الرحمة في القيامة، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خصَّهم الله بالذِّكر؛ لأنَّهم الذين انتفعوا به، كقوله ـ تعالى ـ {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة:2]. وروى أبيُّ بن كعب ـ رضي الله عنه ـ، قال:حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرَّف كرَّم وبجَّل وعظَّم: "عَلِّموا أرقَّاءكُمْ سُورَةَ يُوسُفَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فإنَّهُ أيُّما مسلم تلاها، وعلَّمَها أهْلهُ ومَا مَلكَتْ يَمِينهُ، هَوَّنَ اللهُ عَليْهِ سَكرَاتِ المَوْتِ، وأعْطَاهُ القُوَّة أن لا يَحْسُدَ مُسْلِمَا" .

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {لقد كان في قصصهم عبرة} قال: يوسف واخوته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {لقد كان في قصصهم عبرة} قال: معرفة {لأولي الألباب} قال: لذوي العقول. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - {ما كان حديثاً يفترى} والفرية، الكذب {ولكن تصديق الذي بين يديه} قال: القرآن، يصدق الكتب التي كانت قبله من كتب الله التي أنزلها قبله على أنبيائه، فالتوراة والإِنجيل والزبور، يصدق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله {وتفصيل كل شيء} فصل الله به بين حرامه وحلاله، وطاعته ومعصيته. وأخرج ابن السني والديلمي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا عسر على المرأة ولادتها أخذ اناءٌ نظيفٌ وكُتِبَ عليه {كأنهم يوم يرون ما يوعدون ...} [الأحقاف: 35] إلى آخر الآية و{كأنهم يوم يرونها} [النازعات: 46] إلى آخر الآية و{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ....} إلى آخر الآية، ثم تغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها .

ابو السعود

تفسير : {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ} أي قَصص الأنبـياء وأممِهم، وينصره قراءةُ من قرأ بكسر القاف أو قصص يوسفَ وإخوتِه {عِبْرَةٌ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} لذوي العقول المبرّأةِ عن شوائب أحكام الحِس {مَا كَانَ} أي القرآنُ المدلولُ عليه بما سبق دَلالة واضحةً {حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن} كان {تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب السماوية، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف أي ولكن هو تصديقُ الذي بـين يديه {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء} مما يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر دينيّ إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط {وَهَدَىٰ} من الضلالة {وَرَحْمَةً} ينال بها خيرُ الدارين {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يصدّقونه لأنهم المنتفعون به، وأما مَنْ عداهم فلا يهتدون بهداه ولا ينتفعون بجدواه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : علّموا أرقاءَكم سورةَ يوسف فإنه أيُّما مسلمٍ تلاها وعلّمها أهلَه وما ملكت يمينَه هوّن الله عليه سكراتِ الموتِ وأعطاه القوة أن لا يحسُد مسلماً «

القشيري

تفسير : عِبْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أَحسن إليهم، وأعتقهم حين مَلَكَهم. وعبرة في قصصهم لأرباب التقوى؛ فإن يوسفَ لمَّا ترك هواه رقَّاه الله إلى ما رقَّاه. وعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهوى من شدة البلاء، كامرأة العزيز لمَّا تبعت هواها لقيت الضرَّ والفقر. وعبرةُ للمماليك في حضرة السادة، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ العزيز، وصارت زليخا امرأته حلالاً. وعبرةٌ في العفو عند المقدرة، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته. وعبرةٌ في ثمرة الصبر، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء يوسف عليه السلام.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} اى لذوى الاحوال من العارفين والمحبين والصادقين والمتقين والصابرين والعاشقين لان فيها من مقامات اهل الولاية ما يليق بشانهم من الفراق والوصال والبلاء والامتحان والعشق والمحبة وتحمل الجفاء والمكاشفة والبراهين الساطعة اقتداء بهم وطلبا لما وصل اليهم من الدرجات الرفيعة والمقامات الشريفة قال جعفر الصادق اولى الاسرار مع الله قال ابن عطا عبرة لمن اعتبر وموعظة لمن اتعظ فى ان النفس ليس هي بمحل امن ولا اعتماد عليها قال الاستاد منها للملوك فى بسط العدل كما بسط يوسف وفى المن علىالرغبة ولاحسان اليهم كما فعل يوسف لما ملكهم اعتقهم كلهم ومن العبرة فى قصصهم لارباب التقوى ان يوسف لما ترك هواه رقى الله الى ما رقاه ومن ذلك العبرة لاهل الهوى فى اتباع الهوى من شدة البلا كامراة العزيز لما تبعت هواها لقيت ما لقيت من الضر والفقر ومن ذلك العبرة للمماليك فى حفظ حرمة السادة كيوسف لما حفظ حرمته فى زليخا ملك ملك القدير فصارت زليخا امراته حلالا ومن ذلك العفو ضد القدرة كيوسف حيث تجاوز عن اخوته ومنها ثمرة الصبر كيعقوب لما صبر على مقامات === يوما بلقاء يوسف الى غير ذلك من الاشارات فى قصة يوسف قوله تعالى {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فيه بيان جميع المقامات والمعاملات والمكاشفات والمشاهدات والآيات والكرامات والمنجيات والمهلكات ولطائف الاشارات الى علوم المدنية والاسرار العجبية وهدى اى هاديا لمن له استعداد هذه الواقعات فى طريق الله ان الله وما يبدوا منه من نعم مشاهدته وكرائم الطافه ورحمة اى === لقلوب المحزونين وباكورة لفواد المحبين وشموسه لارواح العارفين الذين يؤمنون بالله لا بانفسهم يعرفونه به لا بما منه فان ما منه محل الامتحان وهو تعالا بجلاله معادن العرفان والله اعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد كان فى قصصهم} الضمير للرسل واممهم اى اخبارهم. وقرئ بكسر القاف جمع قصة {عبرة} اسم من الاعتبار وهو الاتعاظ حقيقته تتبع الشيء بالتأمل {لاولى الالباب} لذوى العقول المبرأة من شوائب الالف والركون الى الحس. قال فى بحر العلوم اى عظة يتعظ بها ذووا العقول بعدهم فلا يجترئون على نحو ما اخبر هؤلاء من اسباب بأس الله والاهلاك بل يجتنبون عن مثلها لانهم ان اتوا بمثلها يترتب على فعلهم مثل ذلك الجزاء ويسعون فى اسباب النصرة والنجاة اذا سمعوا بحال الامم الماضية وهوانهم على الله. والحاصل ان فى قصص اخوة يوسف فكرة وتدبرا لاولى الالباب وذلك ان من قدر على اعزاز يوسف وتمليكه مصر بعد ما كان عبدا لبعض اهلها قادر على ان يعز محمدا وينصره. قال الكاشفى [سلمى از جعفر صادق نقل ميكند كه مراد از اولى الالباب ارباب اسرارست بس اعتبار ازين قصها ارباب اسرار باشد وحقائق الكلام در آيينه دل بى غل ايشان روى نمايد] شعر : ولى در يابد اسرار معانى كه روشن شد بنور جاودانى تفسير : {ما كان} القرآن وماذ كرفيه {حديثا يفترى} يتقوله بشر {ولكن تصديق الذى بين يديه} اى ولكن كان تصديق ما تقدمه من الكتب السماوية المنزلة على الانباء ودليل صحتها لانه معجزة وتلك ليست بمعجزات فهى مفتقرة الى شهادته على صحة ما فيها افتقار المجتمع عليه الى شهادة الحجة {وتفصيل كل شيء} وتبيين كل شيء من امور الدين لاستنادها كلها اليه على التفصيل او الاجمال اذ ما من امر منها الا وهو مبتنى على الكتاب والسنة او الاجماع او القياس والثلاثة الاخيرة مستندة اليه بوسط او بغير وسط {وهدى} من الضلالة {ورحمة} من العذاب {لقوم يؤمنون} من آمن وايقن وانتصاب الاربعة بعد لكن للعطف على خبر كان. واعلم ان القرآن جامع لجميع المراتب ففيه تفصيل ظاهر الدين وباطنه. فالاول للمؤمن بالايمان الرسمى البرهانى. والثانى للمؤمن بالايمان الحقيقى العيانى. وايضا هو هدى على العموم والخصوص ورحمة من عذاب جهنم وعذاب الفرقة والقطيعة فان من اهتدى الى انواره واطلع على اسراه دخل جنة الذوق والحضور والشهود وامن من بلاء البشرية والوجود ولله تعالى عباد لهم تجلى حقائق الآفاق ثم تجلى حقائق الانفس ثم تجلى حقائق القرآن فهذه نسخ ثلاث لا بد للواصل من تلاوة آياته واصل تلك النسخ الثلاث ومبدأها نسخة حقائق الرحمن والى تلك النسخ الاربع الاشارة بالكتب الاربعة الالهية. فعلى العاقل ان يتعظ بمواعظ القرآن ويهتدى الى حقائقه ويتخلق باخلاقه ولا يقتصر على تلاوة نظمه وانشد ذو النون المصرى شعر : منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك العظيم كلامه فهما تذل له الرقاب وتخضع تفسير : اللهم اجعل القرآن خلق الجنان وسائر الاركان تمت سورة يوسف فى اواسط شهر الله رجب من سنة ثلاث ومائة والف.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {لقد كان في قصصهم} أي: في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته، {عبرةٌ لأولي الألباب}: لذوي العقول الصافية الخالصة من شوائب الإلف والعادة، ومن الركون إلى الحس؛ لأن الإخبار بهم على يد نبي أمي آية واضحة لمن تفكر بقلب خالص. {ما كان حديثاً يُفترى} أي: ما كان القرآن حديثاً مُفترىً، {ولكن} كان {تصديقَ الذي بين يديه} من الكتب الإلهية، {وتفصيلَ كل شيء} يحتاج إليه في الدارين؛ إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند من القرآن بوسط، أو بغير وسط. {وهُدى} من الضلال، {ورحمةً} ينال بها خير الدارين، {لقوم يؤمنون}: يصدقون به، ويتدبرون في معانيه. الإشارة: تفكر الاعتبار يشد عُروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عُروة الإحسان. قال في الحِكَم: "الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأولى: لأهل التفكر والاعتبار، والثانية: لأهل الشهود والاستبصار". ومرجع الاعتبار إلى خمسة أمور: الأول: التفكر في سرعة انصرام الدنيا وانقراضها، وذهاب أهلها. قرناً فقرنا، وجيلاً فجيلاً. فيوجب ذلك الزهد في الدنيا، والإعْراض عن زخرفها الغرارة، والتأهب للدار الباقية. الثاني: التفكر في الدار الباقية، ودوام نعيمها، أو عذابها. وذلك مرتب على السَّعْي في هذه الدار، فيوجب ذلك انتهاز الفرصة في الأعمال، واغتنام الأوقات والساعات قبل الفوات. الثالث: التفكر في النعم التي أنعم الحق ـ تعالى بها على الإنسان؛ إما ظاهرة؛ كالعافية في البدن، والزرق الحلال، وما يتبع ذلك مما لا يحصى؛ قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34]. وإما باطنة: كنعمة الإسلام والإيمان، وصحيح العرفان، والاستقامة في الدين، ولا سيما إن رزقه الله من يأخذ بيده من شيخ عارف. فهذه نعمة عظمى قَلَّ من يسقط عليها. فيوجب له ذلك الشكر الذي هو أعلى المقامات، ومتكفِّل بالزيادات، قال تعالى {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7].. ولا يعرف العبد ما عليه من النعم إلا بالتفكر في أضدادها، والنظر إلى أهل البلاء. الرابع: التفكر في عيوبه ومساوئه، لعله يسعى في تطهيرها، أو يشتغل بها عن عيوب غيره. الخامس: التفكر فيما أظهر الله تعالى من أنواع المكونات، وضروب المصنوعات؛ فيعرف بذلك جلالة الصانع، وعظيم قدرته، وإحاطة علمه، وحكمته. فإن اتصل بشيخ عارف غيَّبه عنها بشهود مكونها. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى ان في قصص الامم الماضين التي ذكرها دلالة لذوي العقول على تصديق الرسل وان ما أخبرناك به لم يكن حديثاً كذباً. والحديث الاخبار عن حوادث الزمان وتسميته بأنه حديث يدل على انه حادث، لان القديم لا يكون حديثاً، والافتراء القطع بالمعنى على خلاف ما هو به وأصله القطع من قولهم قريت الاديم فرياً إذا قطعته، ووجه الاعتبار بتلك القصص ان الذي قدر على إعزاز يوسف بعد القائه في الجب واعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر بعد ان كان كبعض أهلها في حكم العبيد وجمعه بينه وبين والديه وإخوته على ما أحبوا بعد مدة طويلة وشقة بعيدة لقادر ان يعز محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلي كلمته وينصره على من عاداه. وقوله {ولكن تصديق الذي بين يديه} معناه تصديق الكتب التي قبله من التوارة، والانجيل وغيرهما من كتب الله في قول الحسن وقتادة. وانما قيل لما قبله: بين يديه، لانه قد وجد فكأنه حاضر له، وقيل بين يديه، لانه قريب منه كقرب ما كان بين يدي الانسان. وإنما قال {وتفصيل كل شيء} على وجه المبالغة من حيث كان فيه تفصيل كل شيء يحتاج اليه في أمور الدين من الحلال والحرام والحجاج والاعتبار والوعظ والازجار، أما جملة او تفصيلاً. و {هدى ورحمة} فالهداية الدلالة {لقوم يؤمنون} اي يصدقون بها وينتفعون بالنظر فيها وخص المؤمنين بالهداية وإن كانت هداية لغيرهم من حيث انهم انتفعوا هم بها دون غيرهم، ونصب تصديق على تقدير، ولكن كان تصديق الذي باضمار كان على قول الزجاج.

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} قصص اخبار الرّسل (ع) واممهم المؤمنين والمكذّبين، او قصص اخبار يوسف (ع) وابيه (ع) واخوته {عِبْرَةٌ} ما يعتبر به ويستبصر {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} فانّ غيرهم يمرّون عليها وهم عنها معرضون يستمعونها كالاسمار {مَا كَانَ} هذا القصص او هذا الكتاب الّذى فيه قصصهم {حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ} كالاسمار المختلفة {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} ولكن وحياً من الله لانّه تصدق الّذى بين يديه من الكتب السّماويّة السّالفة والاخبار الحقّة الماضية فى احوال الامم الماضية والشّرائع السّابقة {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} من احوال يوسف واخوته وابيه او من الامور الماضية والآتية والسّنن الحقّة والباطلة {وَهُدًى} يعنى هو حقيقة الهدى من الله تصوّرت بصور الحروف والنّقوش والمعنى الذّهنيّة او هادياً فانّه هدى باعتبار وهاد باعتبار آخر {وَرَحْمَةً} من الحقّ تعالى متصوّرة كذلك نازلة اليكم او سبب رحمة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فانّ غيرهم يضلّهم ذلك القرآن او القصص ويصير نقمة عليهم، نسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قال: لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف (ع) ولا تقرئوهنّ ايّاها فانّ فيها الفتن، وعلّموهنّ سورة النّور فانّ فيها المواعظ؛ والسّرّ فى ذلك انّهنّ لضعف نفوسهنّ سريعة التّأثّر بالمسموع.

الهواري

تفسير : قوله: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} يعني قصص يوسف وإخوته { عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَاب} أي: لذوي العقول يعتبرون بها، وهم المؤمنون. قوله: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى} أي: ما كان يفتريه محمد، أي: لقول المشركين (أية : إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ) تفسير : [الفرقان:4] أي: كذب افتراه؛ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. قال الله: {مَا كَانَ} يعني القرآن {حَدِيثاً يُفْتَرَى} أي: يُفْتَعَلْ وَيُتَقَوَّل { وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة والإِنجيل. وفيها تصديق بالقرآن وإيمان به وبمحمد عليه السلام. {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: من الحلال والحرام والأحكام والوعد والوعيد { وَهُدًى} يهتدون به إلى الجنة { وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} أي: يصدّقون.

اطفيش

تفسير : {لَقَد كانَ فى قَصَصهم} أى قصص الرسل وأممهم فى السورة هذه وغيرها من القرآن، والذى فى هذه السورة بالتفصيل هو قصة الرسل يوسف وإخوته، وقيل: الضمير ليوسف وإخوته، ويقوى الأول قراءة بعضهم فى قصصهم بكسر القاف على أنه جمع قصة، فإن يوسف له قصة واحدة هى ما ذكر فى هذه السورة، ولكن لا يتعين ذلك لجواز أن يسمى كل قطعة منها قصة. {عِبرةٌ} أى اعتبار وتذكر واتعاظ {لأولى الألْباب} أصحاب العقول السالمة عما يصدها عن الله سبحانه وتعالى، فيعلم من ذلك القصص صدق محمد، وأن الله قادر على إعزازه وتغليبه، كما فعل بيوسف بعد مدة طويلة، ولا يخفى أن قصة يوسف مذكورة فى أوائل السورة بأنها أحسن القصص، وأن فيها آيات للسائلين، وفى أواخرها بأن فيها أو فيها وفى غيرها عبرة لأولى الألباب. {ما كانَ} أى القرآن سواء قرئ قصصهم بكسر القاف أو فتحها، وإذا كان بالفتح جاز وجه آخر وهو رد ضمير كان إليه، فإن القصص بالفتح مفرد كما يعلم من أوائل السورة {حَدِيثا} كلاما {يُفْترى} يؤتى به كذبا. {ولكنْ تَصْديق} خبر لكان محذوفة، أى ولكن كان تصديق، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى ولكن هو تصديق {الَّذِى بين يَديهِ} أى ما بين يديه من كتب التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك، ومعنى كون تلك الكتب بين يديه أنها موجودة حال نزوله لا مفقود ستوجد، ولو غيروا بعضها، والعبرة بما بقى غير مغير، وبكونها كما هى، قيل: التغيير الذى المراد به جنس كتب الله، والهاء لما عاد إليه ضمير كان، ومعنى كونه تصديقا للكتب السابقة أنه موافق لها، ولو خالفها لكان أحق باسم تكذيبها،إذ خالفها، إذ كان يقول فى قصة بكذا، وتقول هى فى نفس تلك القصة بخلافه، أو تصديق بمعنى مصدق بفتح الدال. {وتفْصِيلَ كلِّ شىءٍ} يحتاج إليه فى الدين من حلال وحرام، وحكم وقصة، وموعظة ومثل، ووعد ووعيد وغير ذلك، بعض لك بتصريح، وبعض بتلويح، وهذا إذا رجَّعنا الضمير فى كان للقرآن، وإن رجعناه للقصص فمعنى كونه تفصيل لكل شئ أنه تفصيل لكل شئ محتاج إليه فى الاقتصاص، ورجع الضمير للقرآن نسب بما ذكر وبقوله: {وهُدىً} لأن كون القرآن هدى من الضلال إلى الصواب، ومن الخبر إلى الشر أظهر من كون القصة كذلك، ولو كانت القصة تفيد ذلك أيضا {ورحْمةً} ينال بها خير الدارين {لقوم يؤمنُون} خصهم بالذكر، لأنهم المنتفعون، ولأنهم الذين يهدون ويرحمون بالفعل، لا بالإمكان والقوة فقط. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {لَقدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ} قصص الرسل أَو قصص إخوة يوسف {عِبْرَةٌ لأُِولِى الأَلْبَابِ} العقول المستعملة فينتفعون بها، أَو مطلق العقول فيخسر من لم يستعملها {مَا كَانَ} هذا القرآن {حِدِيثاً يُفْتَرَى} أَشار إلى القرآن لحضوره أَو لتقدمه فى قوله: "أية : إِنا أَنزلناه قرآناً عربياً"تفسير : [يوسف: 2] {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ} كان تصديقاً كقوله تعالى: "أية : ما كان محمد أَبا أَحد من رجالكم ولكن رسول الله "تفسير : [الأحزاب: 40] ولا حاجة إِلى جعله تعليلا لمحذوف، هكذا لكن أَنزلناه تصديقاً، أَو حالا بمعنى أَنزلناه مصدقا {الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من الإِنجيل والزبور والتوراة والصحف {وتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ} يحاج إليه فى الدين من حلال وحرام، والحدود والأَحكام والمواعظ والأَمثال وأَوامر الدين كلها فى القرآن بالذات، أَو بالواسطة، {وَهُدى} من الضلال {وَرَحْمَةً} دينية ودنيوية {لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ} خصوا بالذكر لأَنهم المتأَثرون بالقرآن، وفى جعله تصديقاً وتفصيلا وهدى ورحمة مبالغة كأَنه نفس ذلك، أَو يقدر مضاف أَى ذا تصديق إِلخ، ويقدر بالوصف أًَى مصدقاً ومفصلا وهاديا ورحمة، والإِسناد مجاز والحقيقة لله، وإِذا كانوا مؤْمنين فهداهم تحصيل الحاصل، الجواب أنهم يزدادون الإيمان والهدى، والمراد يشارفون الإيمان والهدى فيحصل ذلك لهم به، أَو يؤمنون فى قضاءِ الله ويهتدون، وهكذا فى مثل ذلك تقول فى القرآن، ووجه الاعتبار بقصصهم أَن القادر على إٍخراج يوسف من الذل والمصائِب قادر على إِظهار دين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي قصص الأنبياء عليهم السلام وأممهم، وقيل: قصص يوسف وأبيه وإخوته عليهم السلام وروي ذلك عن مجاهد، وقيل: قصص أولئك وهؤلاء، والقصص مصدر بمعنى المفعول ورجح الزمخشري الأول بقراءة أحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي وعبد الوارث عن أبـي عمرو {قصصهم} بكسر القاف جمع قصة. ورد بأن قصة يوسف وأبيه وإخوته مشتملة على قصص وأخبار مختلفة على أنه قد يطلق الجمع على الواحد، وفيه أنه كما قيل إلا أنه خلاف المتبادر المعتاد فإنه يقال في مثله قصة لا قصص، واقتصر ابن عطية على القول الثالث وهو ظاهر في اختياره {عِبْرَةٌ لأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ} أي لذوي العقول المبرأة عن الأوهام الناشئة عن الألف والحسن. وأصل اللب الخالص من الشيء ثم أطلق على ما زكا من العقل فكل لب عقل وليس كل عقل لباً، وقال غير واحد: إن اللب هو العقل مطلقاً وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، ولم يرد في القرآن إلا جمعاً، والعبرة ـ كما قال الراغب ـ الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، وفي «البحر» أنها الدلالة التي يعبر بها إلى العلم. {مَا كَانَ } أي القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة. واستظهر أبو حيان عود الضمير إلى القصص فيما قبل، واختار بعضهم الأول لأنه يجري على القراءتين بخلاف عوده إلى المتقدم فإنه لا يجري على قراءة القصص بكسر القاف لأنه كان يلزم تأنيث الضمير، وجوز بعضهم عوده إلى القصص بالفتح في القراءة به وإليه في ضمن المكسور في القراءة به وكذا إلى المكسور نفسه، والتذكير باعتبار الخبر وهو كما ترى {حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } أي يختلق {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب السماوية {وَتَفْصِيلَ } أي تبيين {كُلّ شَىْء } قيل: أي مما يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر ديني إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط، وقال ابن الكمال: إن {كُلِّ} للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم/ كما في قوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23] ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلق بالدين ثم تكلف في بيانه فقال: إذ ما من أمر الخ ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمل هذا التأويل، ورد بأنه متى أمكن حمل كلمة {كُلِّ} على الاستغراق الحقيقي لا يحمل على غيره، والتخصيص مما لا بأس به على أنه نفسه قد ارتكب ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 154] وكون عبارة التفصيل لا تتحمل ذلك التأويل في حيز المنع. ومن الناس من حمل {كُلِّ} على الاستغراق من غير تخصيص ذاهباً إلى أن في القرآن تبيين كل شيء من أمور الدين والدنيا وغير ذلك مما شاء الله تعالى ولكن مراتب التبيين متفاوتة حسب تفاوت ذوي العلم وليس ذلك بالبعيد عند من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقيل: المراد تفصيل كل شيء واقع ليوسف وأبيه وإخوته عليهم السلام مما يهتم به وهو مبني على أن الضمير في {كَانَ } لقصصهم. {وَهُدًىٰ } من الضلالة {وَرَحْمَةً} ينال بها خير الدارين {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون تصديقاً معتداً به، وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك ونصب {تَصْدِيقَ} على أنه خبر كان محذوفاً أي ولكن كان تصديق، والإخبار بالمصدر لا يخفى أمره. وقرأ حمران بن أعين وعيسى الكوفة فيما ذكر صاحب "اللوامح" وعيسى الثقفي فيما ذكر ابن عطية {تصديق} بالرفع وكذا برفع ما عطف عليه على تقدير ولكن هو تصديق الخ، وقد سمع من العرب في مثل ذلك الرفع والنصب، ومنه قول ذي الرمة:شعر : وما كان مالي من تراث ورثته ولا دية كانت ولا كسب مأثم ولكن عطاء الله من كل رحلة إلى كل محجوب السرداق خضرم تفسير : فإنه روي بنصب ـ عطاء ـ ورفعه، هذا والله تعالى الهادي إلى سوء السبيل. ومن باب الإشارة في هذه السورة: قال سبحانه: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3] وهو اقتصاص ما جرى ليوسف عليه السلام وأبيه وإخوته عليهم السلام، وإنما كان ذلك أحسن القصص لتضمنه ذكر العاشق والمعشوق وذلك مما ترتاح له النفوس أو لما فيه من بيان حقائق محبة المحبين وصفاء سر العارفين والتنبيه على حسن عواقب الصادقين والحث على سلوك سبيل المتوكلين والاقتداء بزهد الزاهدين والدلالة على الانقطاع إلى الله تعالى والاعتماد عليه عند نزول الشدائد، والكشف عن أحوال الخائنين وقبح طرائق الكاذبين، وابتلاء الخواص بأنواع المحن وتبديلها بأنواع الألطاف والمنن مع ذكر ما يدل على سياسة الملوك وحالهم مع رعيتهم إلى غير ذلك، وقيل: لخلو ذلك من الأوامر والنواهي التي يشغل سماعها القلب {أية : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] هذه أول مبادىء الكشوف فقد ذكروا أن أحوال المكاشفين أوائلها المنامات فإذا قوي الحال تصير الرؤيا كشفاً، قيل: إنه عليه السلام قد سلك به نحواً مما سلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بدىء بالرؤيا الصادقة كما بدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء على ما يشير إليه قوله: {أية : رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ } تفسير : [يوسف: 33] كما حبب ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، وفيه أن حديث السجن بعد إيتاء النبوة فتدبر. وذكر بعض الكبار أن يوسف عليه السلام كان آدم الثاني لما كان عليه من كسوة الربوبية ما كان/ على آدم عليه السلام وهو مجلي الحق للخلق لو يعلمون فلما رأت الملائكة ما رأت من آدم سجدوا له وهٰهنا سجد ليوسف من سجد وهم الشمس والقمر والكواكب المعدودة المشار بهم إلى أبويه وإخوته الذين هم على القول بنبوتهم خير من الملائكة عليهم السلام، ولا بدع إذ سجدوا لمن يتلألأ من وجهه الأنوار القدسية والأشعة السبوحية:شعر : لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعاً وسجودا تفسير : وقد يقال: إن إبراهيم عليه السلام لما رأى في وجنة الكوكب ونقطة خال القمر وأسرة جبين الشمس أمارات الحدثان وصرف وجهه عنها متوجهاً إلى ساحة القدم المنزهة عن التغير المصونة عما يوجب النقص قائلاً: {أية : إِنّي بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 78] أسجد الله تعالى الشمس والقمر واسجد بدل الكواكب كواكب لبعض بنيه إعظاماً لأمره ومبالغة في تنزيه جلال الكبرياء، وحيث تأخرت البراءة إلى الثالث تأخر أمر الإسجاد إلى ثالث البنين، وليس المقصود من هذا إلا بيان بعض من أسرار تخصيص المذكور بالإراءة مع احتمال أن يكون هناك ما يصلح أن يكون رؤياه ساجداً معبراً بسجود أبويه وإخوته له عليهم السلام في عالم الحس فتدبر. {قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} فيه إشارة إلى بعض آداب المريدين؛ فقد قالوا: إنه لا ينبغي لهم أن يفشوا سر المكاشفة إلا لشيوخهم وإلا يقعوا في ورطة ويكونوا مرتهنين بعيون الغيرة:شعر : بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح {أية : فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } تفسير : [يوسف: 5] هذا من الإلهامات المجملة وهي إنذارات وبشارات، ويجوز أن يكون علم عليه السلام ذلك من الرؤيا؛ قال بعضهم: إن يعقوب دبر ليوسف عليهما السلام في ذلك الوقت خوفاً عليه فوكل إلى تدبيره فوقع به ما وقع ولو ترك التدبير ورجع إلى التسليم لحفظ {أية : لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَـٰتٌ لّلسَّائِلِينَ } تفسير : [يوسف: 7] وذلك كسواطع نور الحق من وجهه وظهور علم الغيب من قلبه ومزيد الكرم من أفعاله وحسن عقبـى الصبر من عاقبته، وكسوء حال الحاسد وعدم نقض ما أبرمه الله تعالى وغير ذلك، وقال بعضهم: إن من الآيات في يوسف عليه السلام أنه حجة على كل من حسن الله تعالى خلقه أن لا يشوهه بمعصيته ومن لم يراع نعمة الله تعالى فعصى كان أشبه شيء بالكنيف المبيض والروث المفضض. وقال ابن عطاء: من الآيات أن لا يسمع هذه القصة محزون مؤمن بها إلا استروح وتسرى عنه ما فيه، {أية : وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ } تفسير : [يوسف: 16] قيل: إن ذلك كان بكاء فرح بظفرهم بمقصودهم لكنهم أظهروا أنه بكاء حزن على فقد يوسف عليه السلام، وقيل: لم يكن بكاءً حقيقة وإنما هو تباك من غير عبرة؛ وجاؤا عشاء ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار أو ليدلسوا على أبيهم ويوهموه أن ذلك بكاءً حقيقة لا تباك فإنهم لو جاؤا ضحى لافتضحوا:شعر : إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } تفسير : [يوسف: 18] وهو السكون إلى موارد القضاء سراً وعلناً، وقال يحيـى بن معاذ: الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر، وقال الترمذي: هو أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم إليه نفسه مع حقيقة المعرفة فإذا جاء حكم من أحكامه ثبت له مسلماً ولا يظهر لوروده جزعاً ولا يرى لذلك مغتماً، وأنشد الشبلي في حقيقة الصبر:شعر : / عبرات خططن في الخد سطرا فقراه من لم يكن قط يقرا صابر الصبر فاستغاث به الصبـ ــر فصاح المحب بالصبر صبرا {أية : قَالَ يَـا بُشْرى هَـٰذَا غُلاَمٌ } تفسير : [يوسف: 19] قال جعفر: كان لله تعالى في يوسف عليه السلام سر فغطى عليهم موضع سره ولو كشف للسيارة عن حقيقة ما أودع في ذلك البدر الطالع من برج دلوهم لما اكتفى قائلهم بذلك ولما اتخذوه بضاعة، ولهذا لما كشف للنسوة بعض الأمر قلن: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } تفسير : [يوسف: 31] ولجهلم أيضاً بما أودع فيه من خزائن الغيب باعوه بثمن بخس وهو معنى قوله سبحانه: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } تفسير : [يوسف: 20] قال الجنيد قدس سره: كل ما وقع تحت العد والإحصاء فهو بخس ولو كان جميع ما في الكونين فلا يكن حظك البخس من ربك فتميل إليه وترضى به دون ربك جل جلاله، وقال ابن عطاء: ليس ما باع إخوة يوسف من نفس لا يقع عليها البيع بأعجب من بيع نفسك بأدنى شهوة بعد أن بعتها من ربك بأوفر الثمن قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 111] الآية فبيع ما تقدم بيعه باطل، وإنما باع يوسف أعداؤه وأنت تبيع نفسك من أعدائك {وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ} قيل: أي لا تنظري إليه نظر الشهوة فإن وجهه مرآة تجلى الحق في العالم، أو لا تنظري بنظر العبودية ولكن انظري إليه بنظر المعرفة لتري فيه أنوار الربوبية؛ أو اجعلي محبته في قلبك لا في نفسك فإن القلب موضع المعرفة والطاعة والنفس موضع الفتنة والشهوة {أية : عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا }تفسير : قيل: أي بأن يعرفنا منازل الصديقين ومراتب الروحانيين ويبلغنا ببركة صحبته إلى مشاهدة رب العالمين، وقيل: أراد حسني صحبته في الدنيا لعله أن يشفع لنا في العقبـى {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا} حيث غلب عليها العشق {أية : وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } تفسير : [يوسف: 23] قطعت الأسباب وجمعت الهمة إليه أو غلقت أبواب الدار غيرة أن يرى أحد أسرارهما {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } قال ابن عطاء: هم شهوة {وَهَمَّ بِهَا } هم زجر عما همت به بضرب أو نحوه {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } وهو الواعظ الإلهي في قلبه {كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء } والخواطر الرديئة {أية : وَٱلْفَحْشَاء } تفسير : [يوسف: 24] الأفعال القبيحة، وقيل: البرهان هو أنه لم يشاهد في ذلك الوقت إلا الحق سبحانه وتعالى، وقيل: هو مشاهدة أبيه يعقوب عليه السلام عاضاً على سبابته، وجعل ذلك بعض أجلة مشايخنا أحد الأدلة على أن للرابطة المشهورة عند ساداتنا النقشبندية أصلاً أصيلاً وهو على فرض صحته بمراحل عن ذلك {وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ } فراراً من محل الخطر. قيل: لو فر إلى الله تعالى لكفاه ولما ناله بعد ما عناه {أية : وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } تفسير : [يوسف: 25] نفت عن نفسها الذنب لأنها علمت إذ ذاك أنها لو بينت الحق لقتلت وحرمت من حلاوة محبة يوسف والنظر إلى وجهه:شعر : لحبك أحببت البقاء لمهجتي فلا طال إن أعرضت عني بقائيا تفسير : وإنما عرضت بنسبة الذنب إليه لعلمها بأنه عليه السلام لم يبق في البؤس ولا يقدر أحد على أن يؤذيه لما أن وجهه سالب القلوب وجالب الأرواح:شعر : له في طرفه لحظات سحر يميت بها ويحيـي من يريد ويسبـي العالمين بمقلتيه كأن العالمين له عبيد تفسير : وقال ابن عطاء: إنها إذ ذاك لم تستغرق في محبته بعد فلذا لم تخبر بالصدق وآثرت نفسها عليه ولهذا لما استغرقت في المحبة آثرت نفسه على نفسها فقالت: {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [يوسف: 51] الآية، ثم إنه عليه السلام لم يسعه بعد تهمتها/ له إلا الذب عن ساحة النبوة التي هي أمانة الله تعالى العظمى فقال: {أية : هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } تفسير : [يوسف: 26] وإلا فاللائق بمقام الكرم السكوت عن جوابها لئلا يفضحها، وقيل: إنها لما ادعت محبة يوسف وتبرأت منها عند نزول البلاء أراد يوسف عليه السلام أن يلزمها ملامة المحبة فإن الملامة شعار المحبين ومن لم يكن ملوماً في العشق لم يكن متحققاً فيه {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } تفسير : [يوسف: 28] عظم كيدهن لأنهن إذا ابتلين بالحب أظهرن مما يجلب القلب ما يعجز عنه إبليس مع مساعدة الطبيعة إلى الميل إليهن وقوة المناسبة بين الرجال وبينهن كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [النساء: 1] فما في العالم فتنة أضر على الرجال من النساء {قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } قال الجنيد قدس سره: الشغف أن لا يرى المحب جفاء له جفاء بل يراه عدلاً منه ووفاء:شعر : وتعذيبكم عذب لدي وجوركم علي بما يقضي الهوى لكم عدل {أية : إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [يوسف: 30] قال ابن عطاء: في عشق مزعج {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} عظمنه لما رأين في وجهه نور الهيبة {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} لاستغراقهن في عظمته وجلاله، ولعله كشف لهن ما لم يكشف لزليخا، قال ابن عطاء: دهشن في يوسف وتحيرن حتى قطعن أيديهن ولم يشعرن بالألم وهذه غلبة مشاهدة مخلوق لمخلوق فكيف بمن يحظى بمشاهدة من الحق فينبغي أن لا ينكر عليه إن تغير وصدر عنه ما صدر، وأعظم من يوسف عليه السلام في هذا الباب عند ذوي الأبصار السليمة النور المحمدي المنقدح من النور الإلهي والمتشعشع في مشكاة خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام فإنه لعمري أبو الأنوار، وما نور يوسف بالنسبة إلى نوره عليه الصلاة والسلام إلا النجم وشمس النهار:شعر : لواحي زليخا لو رأين جبينه لآثرن بالقطع القلوب على الإيدي تفسير : وقلن: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } تفسير : [يوسف: 31] قلن ذلك إعظاماً له عليه السلام من أن يكون من النوع الإنساني، قال محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما: أردن ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة بل مثله من يكرم وينزه عن مواضع الشبه والأول أوفق بقولها: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } تفسير : [يوسف: 32] أرادت أن لومكن لم يقع في محزه وكيف يلام من هذا محبوبه، وكأنها أشارت إلى أنها مجبورة في ذلك الوله معذورة في مزيد حبها له:شعر : خليلي إني قلت بالعدل مرة ومنذ علاني الحب مذهبـي الجبر تفسير : وفي ذلك إشارة أيضاً إلى أن اللوم لا يصدر إلا عن خلي، ولذا لم تعاتبهن حتى رأت ما صنع الهوى بهن وما أحسن ما قيل:شعر : وكنت إذا ما حدث الناس بالهوى ضحكت وهم يبكون في حسرات فصرت إذا ما قيل هذا متيم تلقيتهم بالنوح والعبرات تفسير : وقال سلطان العاشقين:شعر : دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى فإذا عشقت فبعد ذلك عنف {أية : قَالَ رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } تفسير : [يوسف: 33] قيل: لأن السجن مقام الأنس والخلوة والمناجاة والمشاهدات والمواصلات وفيما يدعونه إليه ما يوجب البعد عن الحضرة والحجاب عن مشاهدة القربة، وقيل: طلب السجن ليحتجب عن زليخا فيكون ذلك سبباً لازدياد عشقها وانقلابه روحانياً قدسياً كعشق أبيه له، وقال ابن عطاء: ما أراد عليه السلام بطلب ذلك إلا الخلاص من الزنا ولعله لو ترك الاختيار لعصم من غير امتحان كما عصم في/ وقت المراودة {أية : ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [يوسف: 38] قال أبو علي: أحسن الناس حالاً من رأى نفسه تحت ظل الفضل والمنة لا تحت ظل العمل والسعي {أية : يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [يوسف: 39] دعاء إلى التوحيد على أتم وجه، وحكي أن رجلاً قال للفضيل: عظني فقرأ له هذه الآية {أية : وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ } تفسير : [يوسف: 42] كان ذلك على ما قيل غفلة منه عليه السلام عما يقتضيه مقامه ويشير إليه كلامه، ولهذا أدبه ربه باللبث في السجن ليبلغ أقصى درجات الكمال والأنبياء مؤاخذون بمثاقيل الذر لمكانتهم عند ربهم، وقد يحمل كلامه هذا على ما لا يوجب العتاب كما ذهب إليه بعض ذوي الألباب {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ } تفسير : [يوسف: 46] قال أبو حفص: الصديق من لا يتغير عليه باطن أمره من ظاهره، وقيل: الذي لا يخالف قاله حاله، وقيل: الذي يبذل الكونين في رضا محبوبه {أية : وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } تفسير : [يوسف: 53] إشارة إلى أن النفس بطبعها كثيرة الميل إلى الشهوات؛ قال أبو حفص: النفس ظلمة كلها وسراجها التوفيق فمن لم يصحبه التوفيق كان في ظلمة، وقد تخفى دسائس النفس إلى حيث تأمر بخير وتضمر فيه شراً ولا يفطن لدسائسها إلا لوذعي:شعر : فخالف النفس والشيطان واعصمها وإن هما محضاك النصح فاتهم تفسير : وذكر بعض السادة أن النفس تترقى بواسطة المجاهدة والرياضة من مرتبة كونها أمارة إلى مرتبة أخرى من كونها لوامة وراضية ومرضية ومطمئنة وغير ذلك وجعلوا لها في كل مرتبة ذكراً مخصوصاً وأطنبوا في ذلك فيرجع إليه {أية : قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } تفسير : [يوسف: 55] قيل: خزائن الأرض رجالها أي اجعلني عليهم أميناً فإني حفيظ لما يظهرونه، عليم بما يضمرونه، وقيل: أراد الظاهر إلا أنه أشار إلى أنه متمكن من التصرف مع عدم الغفلة أي حفيظ للأنفاس بالذكر وللخواطر بالفكر، عليم بسواكن الغيوب وخفايا الأسرار {أية : وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } تفسير : [يوسف: 58] قال بعضهم: لما جفوه صار جفاؤهم حجاباً بينهم وبين معرفتهم إياه وكذلك المعاصي تكون حجاباً على وجه معرفة الله تعالى {أية : قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } تفسير : [يوسف: 59] كأنه عليه السلام أمر بذلك ليكمل لأبيه عليه السلام مقام الحزن الذي هو كما قال الشيخ الأكبر قدس سره: من أعلى المقامات، وقال بعضهم: إن علاقة المحبة كانت بين يوسف ويعقوب عليهما السلام من الجانبين فتعلق أحدهما بالآخر كتعلق الآخر به كما يرى ذلك في بعض العشاق مع من يعشقونه وأنشدوا:شعر : لم يكن المجنون في حالة إلا وقد كنت كما كانا لكنه باح بسر الهوى وإنني قد ذبت كتمانا تفسير : فغار عليه السلام أن ينظر أبوه إلى أخيه نظره إليه فيكونا شركين في ذلك والمحب غيور فطلب أن يأتوه به لذلك، والحق أن الأمر كان عن وحي لحكمة غير هذه {أية : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } تفسير : [يوسف: 68] إشارة إلى العلم اللدني وهو على نوعين. ظاهر الغيب وهو علم دقائق المعاملات والمقامات والحالات والكرامات والفراسات، وباطن الغيب وهو علم بطون الأفعال ويسمى حكمة المعرفة، وعلم الصفات ويسمى المعرفة الخاصة، وعلم الذات ويسمى التوحيد والتفريد والتجريد، وعلم أسرار القدم ويسمى علم الفناء والبقاء، وفي الأولين للروح مجال وفي الثالث للسر والرابع لسر السر، وفي المقام تفصيل وبسط يطلب من محله.{أية : وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } تفسير : [يوسف: 69] كأنه عليه السلام إنما فعل ذلك ليعرفه الحال بالتدريج حتى يتحمل أثقال السرور إذ المفاجأة في مثل ذلك ربما تكون سبب الهلاك، ومن هنا كان كشف سجف الجمال للسالكين على سبيل التدريج {أية : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ } تفسير : [يوسف: 70] قيل: إن الله تعالى أمره بذلك ليكون شريكاً لإخوته في الإيذاء بحسب الظاهر فلا يخجلوا بين يديه إذا كشف الأمر، وحيث طلب قلب بنيامين برؤية يوسف احتمل الملامة، وكيف لا يحتمل ذلك وبلاء العالم محمول بلمحة رؤية المعشوق، والعاشق الصادق يؤثر الملامة ممن كانت في هوى محبوبه:شعر : أجد الملامة في هواك لذيذة حبا لذكرك فليلمني اللوم تفسير : وفي الآية ـ على ما قيل ـ إشارة لطيفة إلى أن من اصطفاه الله تعالى في الأزل لمحبته ومشاهدته وضع في رحله صاع ملامة الثقلين، ألا ترى إلى ما فعل بآدم عليه السلام صفيه كيف اصطفاه ثم عرض عليه الأمانة التي لم يحملها السمٰوات والأرض والجبال وأشفقن منها فحملها ثم هيج شهوته إلى حبة حنطة ثم نادى عليه بلسان الأزل {أية : وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] وذلك لغاية حبه له حتى صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه إليه ولولا أن كشف جماله له لم يتحمل بلاء الملامة، وهذا كما فعل يوسف عليه السلام بأخيه آواه إليه وكشف جماله له وخاطبه بما خاطبه ثم جعل السقاية في رحله ثم نادى عليه بالسرقة ليبقيه معه {أية : نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } تفسير : [يوسف: 76] أي نرفع درجاتهم في العلم فلا يزال السالكون يترقون في العلم وتشرب أطيار أرواحهم القدسية من بحار علومه تعالى على مقادير حواصلها، وتنتهي الدرجات بعلم الله تعالى فإن علوم الخلق محدودة وعلمه تعالى غير محدود وإلى الله تعالى تصير الأمور {أية : قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } تفسير : [يوسف: 77] قال بعض السادات: لما كان بينامين بريئاً مما رمى به من السرقة أنطقهم الله تعالى حتى رموا يوسف عليه السلام بالسرقة وهو برىء منها فكان ذلك من قبيل واحدة بواحدة ليعلم العالمون أن الجزاء واجب. وقال بعض العارفين: إنهم صدقوا بنسبة السرقة إلى يوسف عليه السلام ولكنها سرقة الباب العاشقين وأفئدة المحبين بما أودع فيه من محاسن الأزل {أية : قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ } تفسير : [يوسف: 79] الإشارة في ذلك من الحق عز وجل أن لا نفشي أسرارنا وندني إلى حضرتنا إلا من كان في قلبه استعداد قبول معرفتنا أو لا نختار لكشف جمالنا إلا من كان في قلبه شوق إلى وصالنا، وقال بعض الخراسانيين: الإشارة فيه أنا لا نأخذ من عبادنا أشد أخذ إلا من ادعى فينا أو أخبر عنا ما لم يكن له الإخبار عنه والادعاء فيه، وقال بعضهم: إلا من مد يده إلى ما لنا وادعاه لنفسه، وقال أبو عثمان: الإشارة أنا لا نتخذ من عبادنا ولياً إلا من ائتمناه على ودائعنا فحفظها ولم يخن فيها، ولطيفة الواقعة أنه عليه السلام لم يرض أن يأخذ بدل حبيبه إذ ليس للحبيب بديل في شرع المحبة.شعر : أبـى القلب إلا حب ليلى فبغضت إليَّ نساء ما لهن ذنوب {أية : إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } تفسير : [يوسف: 81] قال بعضهم: إنهم صدقوا بذلك لكنه سرق أسرار يوسف عليه السلام حين سمع منه في الخلوة ما سمع ولم يبده لهم {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [يوسف: 83] كأنه عليه السلام لما رأى اشتداد البلاء قوي رجاؤه بالفرج فقال ما قال:شعر : اشتدى أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج تفسير : وكان لسان حاله يقول:شعر : دنا وصال الحبيب واقتربا واطربا للوصال واطرابا تفسير : {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} قال بعض العارفين: إن تأسفه على رؤية جمال الله تعالى من مرآة وجه يوسف عليه السلام وقد تمتع بذلك برهة من الزمان حتى حالت بينه وبينه طوارق الحدثان فتأسف عليه السلام لذلك واشتاقت نفسه لما هناك:شعر : سقى الله أياماً لنا ولياليا مضت فجرت من ذكرهن دموع فياهل لها يوماً من الدهر أوبة وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ } تفسير : [يوسف: 84] حيث بكى حتى أضر بعينيه وكان ذلك حتى لا يرى غير حبيبه:شعر : لما تيقنت أني لست أبصركم غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد تفسير : قال بعض العارفين: الحكمة في ذهاب بصر يعقوب وبقاء بصر آدم وداود عليهما السلام مع أنهما بكيا دهراً طويلاً أن بكاء يعقوب كان بكاء حزن معجون بألم الفراق حيث فقد تجلى جمال الحق من مرآة وجه يوسف ولا كذلك بكاء آدم وداود فإنه كان بكاء الندم والتوبة وأين ذلك المقام من مقام العشق، وقال أبو سعيد القرشي: إنما لم يذهب بصرهما لأن بكاءهما كان من خوف الله تعالى فحفظاً وبكاء يعقوب كان لفقد لذة فعوتب، وقيل: يمكن أن يكون ذهاب بصره عليه السلام من غيرة الله تعالى عليه حين بكى لغيره وإن كان واسطة بينه وبينه، ولهذا جاء أن الله تعالى أوحى إليه يا يعقوب أتتأسف على غيري وعزتي لآخذن عينيك ولا أردهما عليك حتى تنساه، واختار بعض العارفين أن ذلك الأسف والبكاء ليسا إلا لفوات ما انكشف له عليه السلام من تجلى الله تعالى في مرآة وجه يوسف عليه السلام، ولعمري إنه لو كان شاهد تجليه تعالى في أول التعنيات وعين أعيان الموجودات صلى الله عليه وسلم لنسي ما رأى ولما عراه ما عرا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول:شعر : لو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة في وجهه نسي الجمال اليوسفي {أية : قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ } تفسير : [يوسف: 85] هذا من الجهل بأحوال العشق وما عليه العاشقون فإن العاشق يتغذى بذكر معشوقه:شعر : فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا تفسير : وإذا لم يستطع ذكره بلسانه كان مستغرقاً بذكره إياه بجنانه:شعر : غاب وفي قلبـي له شاهد يولع إضماري بذكراه مثلت الفكرة لي شخصه حتى كأني أتراآه تفسير : وكيف يخوف العاشق بالهلاك في عشق محبوبه وهلاكه عين حياته كما قيل:شعر : ولكن لدى الموت فيه صبابة حياة لمن أهوى علي بها الفضل ومن لم يمت في حبه لم يعش به ودون اجتناء النحل ما جنت النحل {أية : قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [يوسف: 86] أي أنا لا أشكو إلى غيره فإني أعلم غيرته سبحانه وتعالى على أحبابه وأنتم لا تعلمون ذلك، وأيضاً من انقطع إليه تعالى كفاه ومن أناخ ببابه أعطاه، وأنشد ذو النون:شعر : / إذا ارتحل الكرام إليك يوماً ليلتمسوك حالاً بعد حال فإن رحالنا حطت رضاءً بحكمك عن حلول وارتحال فسسنا كيف شئت ولا تكلنا إلى تدبيرنا يا ذا المعالي تفسير : وعلى هذا درج العاشقون إذا اشتد بهم الحال فزعوا إلى الملك المتعال، ومن ذلك:شعر : إلى الله أشكو ما لقيت من الهجر ومن كثرة البلوى ومن ألم الصبر ومن حرق بين الجوانح والحشا كجمر الغضا لا بل أحر من الجمر تفسير : وقد يقال: إنه عليه السلام إنما رفع قصة شكواه إلى عالم سره ونجواه استرواحاً مما يجده بتلك المناجاة كما قيل:شعر : إذا ما تمنى الناس روحاً وراحة تمنيت أن أشكو إليه فيسمع تفسير : {يبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } كأنه عليه السلام تنسم نسائم الفرج بعد أن رفع الأمر إلى مولاه عز وجل فقال ذلك: {أية : وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 87] من رحمته بإرجاعهما إلي أو من رحمته تعالى بتوفيق يوسف عليه السلام برفع خجالتكم إذا وجدتموه {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} أرادوا ضر المجاعة ولو أنهم علموا وأنصفوا لقصدوا ضر فراقك فإنه قد أضر بأبيهم وبهم وبأهلهم لو يعلمون:شعر : كفى حزناً بالواله الصب أن يرى منازل من يهوى معطلة قفرا تفسير : واعلم أن فيما قاله إخوة يوسف له عليه السلام من هنا إلى {ٱلْمُتَصَدّقِينَ } تعليم آداب الدعاء والرجوع إلى الأكابر ومخاطبة السادات فمن لم يرجع إلى باب سيده بالذلة والافتقار وتذليل النفس وتصغير ما يبدو منها وير أن ما من سيده إليه على طريق الصدقة والفضل لا على طريق الاستحقاق كان مبعداً مطروداً، وينبغي لعشاق جمال القدم إذا دخلوا الحضرة أن يقولوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا من ضر فراقك والبعد عن ساحة وصالك ما لا يحتمله الصم الصلاب:شعر : خليلي ما ألقاه في الحب إن يدم على صخرة صماء ينفلق الصخر تفسير : ويقولوا: {جِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } من أعمال معلولة وأفعال مغشوشة ومعرفة قليلة لم تحط بذرة من أنوار عظمتك وكل ذلك لا يليق بكمال عزتك وجلال صمديتك {فَأَوْفِ لَنَا} كيل قربك من بيادر جودك وفضلك {أية : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } تفسير : [يوسف: 88] بنعم مشاهدتك فإنه إذا عومل المخلوق بما عومل فمعاملة الخالق بذلك أولى {قَالُواْ أَءنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} خاطبوه بعد المعرفة بخطاب المودة لا بخطاب التكلف، وفيه من حسن الظن فيه عليه السلام ما فيه:شعر : إذا صفت المودة بين قوم ودام ولاؤهم سمج الثناء تفسير : ويمكن أن يقال: إنهم لما عرفوه سقطت عنهم الهيبة وهاجت الحمية فلم يكلموه على النمط الأول، وقوله: {أية : قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِى } تفسير : [يوسف: 90] جواب لهم لكن زيادة {وَهَـٰذَا أَخِى } قيل: لتهوين حال بديهة الخجل، وقيل: للإشارة إلى أن أخوتهم لا تعد أخوة لأن الأخوة الصحيحة ما لم يكن فيها جفاء، ثم إنه عليه السلام لما رأى/ اعترافهم واعتذارهم قال: {أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } تفسير : [يوسف: 92] وهذا من شرائط الكرم فالكريم إذا قدر عفا:شعر : والعذر عند كرام الناس مقبول تفسير : وقال شاه الكرماني: من نظر إلى الخلق بعين الحق لم يعبأ بمخالفتهم ومن نظر إليهم بعينه أفنى أيامه بمخاصمتهم، ألا ترى يوسف عليه السلام لما علم مجاري القضاء كيف عذر إخوته {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } لما علم عليه السلام أن أباه عليه السلام لا يحتمل الوصال الكلي بالبديهة جعل وصاله بالتدريج فأرسل إليه بقميصه، ولما كان مبدأ الهم الذي أصابه من القميص الذي جاؤا عليه بدم كذب عين هذا القميص مبدأ للسرور دون غيره من آثاره عليه السلام ليدخل عليه السرور من الجهة التي دخل عليه الهم منها {أية : وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [يوسف: 93] كان كرم يوسف عليه السلام يقتضي أن يسير بنفسه إلى أبيه ولعله إنما لم يفعل لعلمه أن ذلك يشق على أبيه لكثرة من يسير معه ولا يمكن أن يسير إليه بدون ذلك أو لأن في ذلك تعطل أمر العامة وليس هناك من يقوم به غيره، ويحتمل أن يكون أوحى إليه بذلك لحكمة أخرى، وقيل: إن المعشوقية اقتضت ذلك، ومن رأى معشوقاً رحيماً بعاشقه؟، وفيه ما لا يخفى {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 94] يقال: إن ريح الصبا سألت الله تعالى فقالت: يا رب خصني أن أبشر يعقوب عليه السلام بابنه فأذن لها بذلك فحملت نشره إلى مشامه عليه السلام وكان ساجداً فرفع رأسه وقال ذلك وكان لسان حاله يقول:شعر : أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها أجد بردها أو تشف مني حرارة على كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت على نفس مهموم تجلت همومها تفسير : وهكذا عشاق الحضرة لا يزالون يتعرضون لنفحات ريح وصال الأزل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحات الرحمن»تفسير : ويقال: المؤمن المتحقق يجد نسيم الإيمان في قلبه وروح المعرفة السابقة له من الله تعالى في سره، وإنما وجد عليه السلام هذا الريح حيث بلغ الكتاب أجله ودنت أيام الوصال وحان تصرم أيام الهجر والبلبال وإلا فلم لم يجده عليه السلام لما كان يوسف في الجب ليس بينه وبينه إلا سويعة من نهار وما ذلك إلا لأن الأمور مرهونة بأوقاتها، وعلى هذا كشوفات الأولياء فإنهم آونة يكشف لهم على ما قيل اللوح المحفوظ، وأخرى لا يعرفون ما تحت أقدامهم {أية : فَلَمَّا أَن جَاء ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } تفسير : [يوسف: 96] فيه إشارة إلى أن العاشق الهائم المنتظر لقاء الحق سبحانه إذا ذهبت عيناه من طول البكاء يجىء إليه بشير تجليه فيلقى عليه قميص أنسه في حضرات قدسه فيرتد بصيراً بشم ذلك فهنالك يرى الحق بالحق وينجلي الغين عن العين، ويقال: إنه عليه السلام إنما ارتد بصيراً حين وضع القميص على وجهه لأنه وجد لذة نفحة الحق تعالى منه حيث كان يوسف عليه السلام محل تجليه جل جلاله وكان القميص معبقاً بريح جنان قدسه فعاد لذلك نور بصره عليه السلام إلى مجاريه فأبصر {أية : قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [يوسف: 98] وعدهم إلى أن يتعرف منهم صدق التوبة أو حتى يستأذن ربه تعالى في الاستغفار لهم فيأذن سبحانه لئلا يكون مردوداً فيه كما رد نوح عليه السلام في ولده بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } تفسير : [هود: 46] وقال بعضهم: وعدهم الاستغفار لأنه لم يفرغ بعد من استبشاره إلى استغفاره، وقيل: إنما أسرع يوسف بالاستغفار لهم ووعد/ يعقوب عليهما السلام لأن يعقوب كان أشد حباً لهم فعاتبهم بالتأخير ويوسف لم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز عنهم من أول وهلة أو اكتفى بما أصابهم من الخجل وكان خجلهم منه أقوى من خجلهم من أبيهم، وفي المثل كفى للمقصر حياء يوم اللقاء {أية : فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } تفسير : [يوسف: 99] لأنهما ذاقا طعم مرارة الفراق فخصهما من بينهم بمزيد الدنو يوم التلاق، ومن هنا يتبين أين منازل العاشقين يوم الوصال {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا } تفسير : [يوسف: 100] حيث بان لهم أنواع جلال الله تعالى في مرآة وجهه عليه السلام وعاينوا ما عاينت الملائكة عليهم السلام من آدم عليه السلام حين وقعوا له ساجدين، وما هو إذ ذاك إلا كعبة الله تعالى التي فيها آيات بينات مقام إبراهيم {رَبّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَنتَ وَلِيُّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا} مفوضاً إليك شأني كله بحيث لا يكون لي رجوع إلى نفسي ولا إلى سبب من الأسباب بحال من الأحوال {أية : وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [يوسف: 101] بمن أصلحتهم لحضرتك وأسقطت عنهم سمات الخلق وأزلت عنهم رعونات الطبع، ولا يخفى ما في تقديمه عليه السلام الثناء على الدعاء من الأدب وهو الذي يقتضيه المقام {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } تفسير : [يوسف: 106] قال غير واحد من الصوفية: من التفت إلى غير الله تعالى فهو مشرك، وقال قائلهم:شعر : ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي تفسير : {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} بيان من الله تعالى وعلم لا معارضة للنفس والشيطان فيه {أية : أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } تفسير : [يوسف: 108] وذكر بعض العارفين أن البصيرة أعلى من النور لأنها لا تصح لأحد وهو رقيق الميل إلى السوى، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يكون عارفاً بطريق الإيصال إليه سبحانه عالماً بما يجب له تعالى وما يجوز وما يمتنع عليه جل شأنه، والدعاة إلى الله تعالى اليوم من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم إلى الإرشاد بزعمهم أجهل من حمار الحكيم توما، وهم لعمري في ضلالة مدلهمة ومهامه يحار فيها الخريت وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون {أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأَوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} تفسير : [يوسف: 111] وهم ذوو الأحوال من العارفين والعاشقين والصابرين والصادقين وغيرهم، وفيها أيضاً عبرة للملوك في بسط العدل كما فعل يوسف عليه السلام، ولأهل التقوى في ترك ما تراودهم النفس الشهوانية عليه، وللمماليك في حفظ حرم السادة، ولا أحد أغير من الله تعالى ولذلك حرم الفواحش، وللقادرين في العفو عمن أساء إليهم ولغيرهم في غير ذلك ولكن أين المعتبرون؟ أشباح ولا أرواح وديار ولا ديار فإنا لله وإنا إليه راجعون. هذا وقد أول بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم يوسف بالقلب المستعد الذي هو في غاية الحسن، ويعقوب بالعقل والإخوة بني العلات بالحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والقوة الشهوانية، وبنيامين بالقوة العاقلة العملية، وراحيل أم يوسف بالنفس اللوامة، وليا بالنفس الأمارة، والجب بقعر الطبيعة البدنية، والقميص الذي ألبسه يوسف في الجب بصفة الاستعداد الأصلي والنور الفطري، والذئب بالقوة الغضبية، والدم الكذب بأثرها، وابيضاض عين يعقوب بكلال البصيرة وفقدان نور العقل، وشراؤه من عزيز مصر بثمن بخس بتسليم الطبيعة له إلى عزيز الروح الذي في مصر مدينة القدس بما يحصل للقوة الفكرية من المعاني الفائضة عليها من الروح، وامرأة العزيز بالنفس اللوامة، وقد القميص من دبر بخرقها لباس الصفة النورية التي هي من قبل الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة، ووجدان السيد بالباب بظهور نور الروح عند إقبال/ القلب إليه بواسطة تذكر البرهان العقلي وورود الوارد القدسي عليه، والشاهد بالفكر الذي هو ابن عم امرأة العزيز أو بالطبيعة الجسمانية الذي هو ابن خالتها، والصاحبين بقوة المحبة الروحية وبهوى النفس، والخمر بخمر العشق، والخبز باللذات، والطير بطير القوى الجسمانية، والملك بالعقل الفعال، والبقرات بمراتب النفس، والسقاية بقوة الإدراك، والمؤذن بالوهم إلى غير ذلك، وطبق القصة على ما ذكر وتكلف له أشد تكلف وما أغناه عن ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.

ابن عاشور

تفسير : هذا من رد العجز على الصدر فهي مرتبطة بجملة { أية : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } تفسير : [سورة يوسف: 102] وهي تتنزّل منها منزلة البيان لما تضمنه معنى الإشارة في قوله: ذلك من أنباء الغيب} من التعجيب، وما تضمنه معنى {وما كنتَ لديهم} من الاستدلال على أنه وحي من الله مع دلالة الأمية. وهي أيضاً تتنزل منزلة التذييل للجمل المستطرد بها لقصد الاعتبار بالقصة ابتداء من قوله: { أية : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } تفسير : [يوسف: 103]. فلها مواقع ثلاثة عجيبة من النظم المعجز. وتأكيد الجملة ب (قد) واللام للتحقيق. وأولو الألباب: أصحاب العقول. وتقدم في قوله: { أية : واتقون يا أولي الألباب } تفسير : في أواسط سورة البقرة (197). والعِبرة: اسم مصدر للاعتبار، وهو التوصل بمعرفة المشاهد المعلوم إلى معرفة الغائب وتطلق العِبرة على ما يحصل به الاعتبار المذكور من إطلاق المصدر على المفعول كما هنا. ومعنى كون العبرة في قصصهم أنها مظروفة فيه ظرفية مجازية، وهي ظرفية المدلول في الدليل فهي قارة في قصصهم سواء اعتَبر بها من وُفّق للاعتبار أم لم يعتبر لها بعضُ الناس. وجملة {ما كان حديثا يفترى} إلى آخرها تعليل لجملة {لقد كان في قصصهم عبرة} أي لأن ذلك القصص خبر صدق مطابق للواقع وما هو بقصة مخترعة. ووجه التعليل أن الاعتبار بالقصة لا يحصل إلا إذا كانت خبراً عن أمر وقع، لأن ترتب الآثار على الواقعات رتّب طبيعي فمِن شأنها أن تترتب أمثالُها على أمثالها كلما حصلت في الواقع، ولأن حصولها ممكن إذ الخارج لا يقع فيه المحال ولا النادر وذلك بخلاف القصص الموضوعة بالخيال والتكاذيب فإنها لا يحصل بها اعتبار لاستبعاد السامع وقوعها لأن أمثالها لا يُعهد، مثل مبالغات الخرافات وأحاديث الجن والغُول عند العرب وقصة رستم وأسفنديار عند العجم، فالسامع يتلقاها تلقي الفكاهات والخيالات اللذيذة ولا يتهيأ للاعتبار بها إلاّ على سبيل الفرص والاحتمال وذلك لا تحتفظ به النفوس. وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في أول السورة { أية : نحن نقص عليك أحسن القصص } تفسير : [يوسف: 3] فكما سماه الله أحسن القصص في أول السورة نفى عنه الافتراء في هذه الآية تعريضاً بالنضر بن الحارث وأضرابه. والافتراء تقدم في قوله: { أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } تفسير : في سورة العقود (103). و{الذي بين يديه}: الكتب الإلٰهية السابقة. وضمير بين {يديه} عائد إلى القرآن الذي من جملته هذه القصص. والتفصيل: التبيين. والمراد بــــ {كل شيء} الأشياء الكثيرة مما يرجع إلى الاعتبار بالقصص. وإطلاق الكل على الكثرة مضى عند قوله تعالى: { أية : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } تفسير : في سورة الأنعام (31). والهُدى الذي في القصص: العبر الباعثة على الإيمان والتقوى بمشاهدة ما جاء من الأدلة في أثناء القصص على أن المتصرف هو الله تعالى، وعلى أن التقوى هي أساس الخير في الدنيا والآخرة، وكذلك الرحمة فإن في قصص أهل الفضل دلالة على رحمة الله لهم وعنايته بهم، وذلك رحمة للمؤمنين لأنهم باعتبارهم بها يأتون ويذرون، فتصلح أحوالهم ويكونون في اطمئنان بال، وذلك رحمة من الله بهم في حياتهم وسببٌ لرحمته إياهم في الآخرة كما قال تعالى: { أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } تفسير : [النحل: 97].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. ذكر الله جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع أممهم، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين عبرة لأولي الألباب، أي عظة لأهل العقول. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في قوم لوط: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137 - 138]، كما تقدمت الإشارة إليه مراراً، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَلْبَابِ} (111) - لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عِبْرَةٌ لِذَوِي العُقُولِ وَالأَلْبَابِ، لأَِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ التِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أَوَائِلُهَا وَمُقَدِّمَاتُها، وَجِهَةُ الاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ الذِي قَدَرَ عَلَى إِنْجَاءِ يُوسُفَ بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ، وَإِعْلاَءِ شَأْنِهِ، حَتَّى أَصْبَحَ عَزِيزَ مِصْرَ، وَرَئِيسَ وُزَرَائِهَا، بَعْدَ أَنْ بِيعَ بِالثَّمَنِ البَخْسِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ لَهُ بَعْدَ الحَبْسِ وَالسِّجْنِ، وَجَمْع شَمْله مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ ... لَقَادِرٌ عَلَى إِعْزَازِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ. وَمَا كَانَ هَذَا القَصَصُ حَديثاً يُفْتَرَى وَيُخْتَلَقُ لأَِنَّهُ أَعْجَزَ رُوَاةَ الأَخْبَارِ، فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَبُرْهَانٌ قَاهِرٌ، عَلَى أَنَّهُ جَاءَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَقَدْ جَاءَ مُصَدِّقاً لِمَا جَاءَتْ بِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ السَّابِقَةُ المُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِلأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَهُوَ هُدًى لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ، وَتَلاَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ تَنْفُذُ فِيهِمْ شَرَائِعُهُ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. عِبْرَةٌ - عِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ. يُفْتَرى - يُخْتَلَقُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ أن هذه الآية جاءت في سورة يوسف؛ أي: إنْ أردتَ قصة يوسف وإخوته؛ ففي السورة كل القصة بمَراميها وأهدافها وعِظَتها، أو المهم في كل قصص الأنبياء. يقول الحق سبحانه: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..} تفسير : [هود: 120]. ونعلم أن معنى القَصَص مأخوذ من قَصِّ الأثر؛ وتتبُّعه بلا زيادة أو نقصان. ويقول الحق سبحانه هنا: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ..} [يوسف: 111]. وفي أول السورة قال الحق: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسير : [يوسف: 43]. ونعرف أن مادة "العين" و"الباء" و"الراء" تفيد التعدية من جَليّ إلى خَفيّ. والعِبْرة في هذه القصة - قصة يوسف - وكذلك قصص القرآن كلها؛ نأخذ منها عِبْرة من الجَليِّ فيها إلى الخَفيِّ الذي نواجهه؛ فلا نفعل الأمور السيئة؛ ونُقدِم على الأمور الطيبة. وحين نُقبل على العمل الطيّب الذي جاء في أيّ قصة قرآنية؛ وحين نبتعد عن العمل السيء الذي جاء خَبرُه في القصة القرآنية؛ بذلك نكون قد أحسنَّا الفهم عن تلك القصص. وعلى سبيل المثال: نحن نجد الظالم في القصَص القرآني؛ وفي قصة يوسف تحديداً؛ وهو ينتكس، فيأخذ الواحد مِنَّا العبرة، ويبني حياته على ألاّ يظلم أحداً. وحين يرى الإنسان منا المظلومَ وهو ينتصر؛ فهو لا يحزن إنْ تعرَّض لظلم؛ لأنه أخذ العبرة لما ينتظره من نصر بإذن الله. ونحن نقول: "عبر النهر" أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ. وكذلك قولنا "تعبر الرُّؤْيا" أي: تؤوّلها؛ لأن الرُّؤْيا تأتي رمزية؛ وتعبرها أي: تشرحها وتنقلها من خفيّ إلى جليّ؛ وإيضاح المطلوب منها. ونَصِفُ الدَّمْعة بأنها "عَبْرة"؛ والحزن المدفون في النفس البشرية تدل عليه الدَّمْعة. وهنا قال الحق سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ..} [يوسف: 111]. والعِبْرة قد تمرُّ، ولكن لا يلتفت إليها إلا العاقل الذي يُمحِّص الأشياء، أما الذي يمرُّ عليها مُرور الكرام؛ فهو لا يستفيد منها. و"أولو الألباب" هم أصحاب العقول الراجحة، و"الألباب" جمع "لُبّ". واللب: هو جوهر الشيء المطلوب؛ والقِشْر موجود لصيانة اللُّبِّ، وسُمِّي العقل "لُبّاً" لأنه ينثرُ القشور بعيداً، ويعطينا جوهر الأشياء وخيرها. ويتابع الحق سبحانه: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ..} [يوسف: 111]. أي: أن ما جاء على لسانك يا محمد وأنزله الحق وَحْياً عليك ليس حديث كَذبٍ مُتعمَّد؛ بل هو الحق الذي يطابق الكتب التي سبقتْه. ويُقال: "بين يديك" أي: سبقك؛ فإذا كنت تسير في طابور؛ فَمَنْ أمامك يُقال له "بين يديك"، ومَنْ وراءك يُقال له "مَنْ خلفك". والقرآن قد جاء ليصدق الكتب التي سبقتْه؛ وليست هي التي تُصدِّق عليه؛ لأنه الكتاب المهيمن، والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ..} تفسير : [المائدة: 48]. ويضيف الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ..} [يوسف: 111]. فالقرآن يُصدِّق الكتب السابقة، ويُفصِّل كل شيء؛ أي: يعطي كل جزئية من الأمر حُكْمها في جزئية مناسبة لها. فهو ليس كلاماً مُجْملاً، بل يجري تفصيل كل حُكْم بما يناسب أيَّ أمر من أمور البشر. وفي أعرافنا اليومية نقول: "فلان قام بشراء بذلة تفصيل". أي: أن مقاساتها مناسبة له تماماً؛ ومُحْكمة عليه حين يرتديها. وفي الأمور العقدية نجد - والعياذ بالله - مَنْ يقول: إنه لا يوجد إله على الإطلاق، ويقابله مَنْ يقول: إن الآلهة مُتعددة؛ لأن كل الكائنات الموجودة في الكون من الصعب أن يخلقها إله واحد؛ فهناك إله للسماء، وإله للأرض؛ وإله للنبات؛ وإله للحيوان. ونقول لهم: كيف يوجد إله يقدر على شيء، ويعجز عن شيء آخر؟ وإنْ قال هؤلاء: "إن تلك الآلهة تتكاتف مع بعضها". نردُّ عليهم: ليست تلك هي الألوهية أبداً، ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. وحين يكون الشركاء مختلفين؛ فحال هذا العبد المملوك لهم يعيش في ضَنْك وعذاب؛ أما الرجل المملوك لرجل واحد فحاله يختلف؛ لأنه يأتمر بأمر واحد؛ لذلك يحيا مرتاحاً. ونجد الحق سبحانه يقول عن الآلهة المتعددة: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [المؤمنون: 91]. أما مَنْ يقول بأنه لا يوجد إله في الكون، فنقول له: وهل يُعقل أن كل هذا الكون الدقيق المُحْكم بلا صانع. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يُفَصّلَ هذا الأمر ليؤكد أنه لا يوجد سوى إله واحد في الكون، ونجد القرآن يُفصِّل لنا الأحكام؛ ويُنزِل لكل مسألة حُكْماً مناسباً لها؛ فلا ينتقل حُكْم من مجال إلى آخر. وكذلك تفصيل الآيات، فهناك المُحْكم والمُتَشابه؛ والمَثَل هو قول الحق سبحانه. {أية : وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ..} تفسير : [آل عمران: 114]. ويقول في موقع آخر: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 133]. جاء مرة بقول "إلى"، ومرة بقول "في"؛ لأن كلاً منها مناسبة ومُفصَّلة حَسْب موقعها. فالمُسَارعة إلى المغفرة تعني أن مَنْ يسارع إليها موجود خارجها، وهي الغاية التي سيصل إليها، أما مَنْ يسارع في الخيرات؛ فهو يحيا في الخير الآن، ونطلب منه أن يزيد في الخير. وأيضاً نجد قوله الحق: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. ونجد قوله الحق: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. وواحدة منهما وردتْ في المصائب التي لها غَرِيم، والأخرى قد وردتْ في المصائب التي لا غريم فيها؛ مثل المرض حيث لا غَرِيم ولا خُصومة. أما إذا ضربني أحد؛ أو اعتدى على أحد أبنائي؛ فهو غريمي وتوجد خصومة؛ فوجوده أمامي يَهِيج الشر في نفسي؛ وأحتاج لضبط النفس بعزيمة قوية، وهذا هو تفصيل الكتاب. والحق سبحانه يقول: {أية : كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ..} تفسير : [فصلت: 3]. أي: أن كل جزئية فيه مناسبة للأمر الذي نزلتْ في مناسبته. ومثال هذا هو قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} تفسير : [الإسراء: 31]. وقوله الحق: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151]. وكل آية تناسب موقعها، ومعناها مُتَّسق في داخلها، وتَمَّ تفصيلها بما يناسب ما جاءت له، فقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ..} تفسير : [الأنعام: 151]. يعني أن الفقر موجود، والإنسان مُنْشغل برزقه عن رزق ابنه. أما قوله: {أية : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} تفسير : [الإسراء: 31]. أي: أن الفقر غير موجود، وهناك خَوْف أن يأتي إلى الإنسان؛ وهو خوف من أمر لم يَطْرأ بعد. وهكذا نجد في القرآن تفصيل كل شيء تحتاجونه في أمر دنياكم وآخرتكم، وهو تفصيل لكل شيء ليس عندك؛ وقد قال الهدهد عن ملكة سبأ بلقيس: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ..} تفسير : [النمل: 23]. وليس معنى هذا أنها أوتيت من كل شيء في هذه الدنيا، بل هي قد أُوتيَت من كل شيء تملكه، أو يُمكِن أن تملكه في الدنيا. وقول الحق سبحانه: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ..} [يوسف: 111]. لا يعني أن نسأل مثلاً: "كم رغيفاً في كيلة القمح؟". وقد حدث أن سأل واحد الإمام محمد عبده هذا السؤال؛ فجاء بخباز، وسأله هذا السؤال؛ فأجاب الخباز؛ فقال السائل: ولكنك لم تَأْتِ بالإجابة من القرآن؟ فقال الإمام محمد عبده: لماذا لا تذكر قوله الحق: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. وهكذا نعلم أنه سبحانه لم يُفرِّط في الكتاب من شيء. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]. ونعلم أن الهُدى هو الطريق المُؤدي إلى الخير، وهذا الطريق المؤدي إلى الخير ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الوقاية من الشر لمن لم يقع فيه. والقسم الثاني: علاج لمَنْ وقع في المعصية. وإليك المثال: هَبْ أن أُناساً يعلمون الشر؛ فنردهم عنه ونشفيهم منه؛ لأنه مرض، وهو رحمة بمعنى ألاَّ يقعوا في المرض بداية. إذن: فهناك ملاحظتان يشيران إلى القسمين: الملاحظة الأولى: أن المنهج القرآني قد نزل وقايةً لمَنْ لم يقع في المعصية. والملاحظة الثانية: أن المنهج يتضمن العلاج لِمَنْ وقع في المعصية. ويُحدِّد الحق سبحانه مَنْ يستفيدون من المنهج القرآني وقاية وعلاجاً، فيقول: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]. أي: هؤلاء الذين يؤمنون بإله واحد خلقهم وخلق الكون، ووضع للبشر قوانين صيانة حياتهم، ومن المنطقيِّ أن يسمع المؤمن كلامه ويُنفذه؛ لأنه وضع المنهج الذي يمكنك أن تعود إليه في كل ما يصون حياتك، فإنْ كنت مؤمناً بالله؛ فُخُذ الهدى، وخُذ الرحمة. ونسأل الله أن نُعطَى هذا كله.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حقيقة قصصهم فقالوا: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [يوسف: 111]، وهم الذين استخرجوا لُباب الحقائق عن شهود الصور، فهم الفائزون بحقائق شاهدوها في مقامات السلوك فعلموا أنها {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من أسرار السير إلى الله والكتب المتقدمة {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 111] يحتاج إليه السائرون إلى الله في معرفة المقامات، {وَهُدًى} [يوسف: 111] أي: هداية، {وَرَحْمَةً} [يوسف: 111] في بيان السلوك، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] بالوصول والوصال من عباب الكرم والأفضال. قال الشيخ المصنف رضي الله عنه: ومن أخبار قصة يوسف عليه السلام ما أخبرنا الشيخ ابن أبي الفتوح أسعد بن أبي فضائل بن خلف العجلي في عموم إجازته، قال أبو الفتح إسماعيل بن أبي الفضل المقري إجازة، حدثنا أبو المظفر عبد الله بن شبيب بن عبد الله المقري إملاءً، ثنا القاضي أبو محمد بن يوسف بن يعقوب الطيبي به، ثنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب، ثنا محمد ابن أبي العوام، ثنا أبي، ثنا داود بن سليمان عن محمد بن مسلم، قال: بلغني أنه لمَّا ألقى يوسف عليه السلام في الجب، قال: يا شاهد غير غائب، يا قريب غير بعيد، يا غالب غير مغلوب، اجعل لي من أمري هذا فرجاً ومخرجاً من حيث لا أحتسب، قال: بات فيه. وأخبرنا أبو الفتح قال: أنا جعفر بن عبد الواحد بن محمد في كتابه، ثنا أبو بكر محمد بن الفضل، ثنا محمد بن إسحاق بن محمد، ثنا علي بن سليمان بن عبد السلام المقري، ثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي، ينا أبو حفص - يعني: العلائي -، حدثني القاسم بن الحكم عن محمد بن الحسين، ثنا محمد بن صرف عن نافع بن عمرو ابن الجمحي، قال: قال رجل ليوسف عليه السلام: إني أحبك، قال: ما أريد أن يحنبي أحداً إلا الله عز وجل، وما لقي من الحب أحد ما لقيت، أحبني أبي فأخذوني إخوتي فألقوني في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فأخذوني وألقوني في السجن، وقد قيل على لسان: لك المحبة ما عدى منافعها سوى محبة رب واحد صمد أحبه صادقاً في الحب، فاكتتمت منه المحبة بين الروح والجسد، مالي والحب، إن الحب أوردني حبساً طويلاً بلا جرم إلى أحد. أخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، أنا أخرنا أبو القاسم زاهد بن ظاهر أنا، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه، ثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو سعيد الرحبي، ثنا الحسن بن داود عن الحسن عن سمرة عن كعب قال: نعم ولد ليعقوب يوسف الصديق الذي اصطفاه الله واجتباه وأكرمه، وقسم له من الجمال الثلثين وباقي عباده الثلث، وكان يشبه آدم يوم خلقه الله وصوره ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية فلما عصى آدم نزع منه النور والبهاء والحسن. وكان الله عز وجل أعطى آدم الحسن والجمال والنور والبهاء يوم خلقه، فلمَّا فعل ما فعل وأصاب الذنب نزع منه، ثم وهب الله لآدم عليه السلام الثلثين من الجمال مع التوبة التي تاب الله عليه، ثم إن الله تعالى أعطى يوسف الحس والجمال النور والبهاء الذي كان نزعه حين أصابه الذنب، وذلك أن الله تعالى أحب أن يرى العباد أنه قادر على ما يشاء، وأعطى يوسف الحسن والجمال ما لم يعط أحداً من الناس، ثم أعطاه الله العلم بتأويل الرؤيا وكان يخبر بالأمر الذي رآه في منامه أنه سيكون قبل أن يكون علمه الله، {أية : عَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31]، وكان إذ ابتسم رأيت النور في ضواحكه، وكان إذا تكلم رأيت شعاع النور في كلامه يلتهب التهاباً بين ثناياه عليه السلام. وتذكير أهل الإشارة نكتاً في قصة يوسف عليه السلام فأردت أن أذكر بعضها تبركاً بكلامهم؛ إذ فيه أنواع المواعظ وقالوا: حكي أن الله تعالى أمر صخرة حتى ارتفعت من أسفل البئر فوقع يوسف عليها وهو عريان، وأتاه جبريل عليه السلام بقميص وألبسه إياه وبشره بالنبوة والمرتبة والعز والمملكة، واحتياج إخوته وقيامهم بين يدي سرير ملكه بالعجز، وضرب جناحه في البئر فصار البئر منوراً، وعلمه أن يقول: يا كاشف كل كربة، يا مؤمنس كل وحيد، يا صاحب كل غريب، يا من لا إله إلا أنت، سبحانك أسألك أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً، وأن تجرَّد حبك في قلبي حتى لا يكون لي هم، وأن تحفظني برحمتك يا أرحم الراحمين، فاستطاب الموضع وفرج واستبشر، فكذلك المؤمن السعيد المقبول عمله إذا احتضر بكى عليه الأهلون، ورأى هو قداسة القبر واللحد ومفارقة الأولاد وغربة الوحدة، وكذلك يبكي فإذا وضع في القبر وجده روضة، وبشر بالكرامات اطمأن في لحده وتمنى لو كان قبل ذلك، قال الله تعالى أخباراً عمن هذه حالته قال: {أية : يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ}تفسير : [يس: 26-27]. والناس مسيء أو مصلح ولا يبتغي لواحد منها أن يعقل، فإن كان مصلحاً فقد دنا الفراغ، وإن كان مسيئاً فقد دنا طي صحيفته، وورود حضرته ومعانيه الأهوال، إن لم يغفر له عالم الخفيات فليبادر إلى تدارك أمره، وقيل أيضاً: الناس غني وفقير، فينبغي للفقير أن يرجا الأيام القلائل على طاعة الله كيلا يفتقر في الآخرة فما أسوأ الفقر بعد التيسير، وما أسوأ الحزن بعد الفرح، وما أشد البلاء بعد النعمة. وقيل في قوله خبراً عنهم: {أية : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}تفسير : [يوسف: 12] رضي يعقوب بلعبهم لا جرم ابتلي بما ابتلي، فاللعب خلقنا، وقيل: خدعوا أباهم بميعاد لذيذ، ثم فرقوا به بينه وبين والده، فينبغي للمؤمن أن يعتبر ولا ينخدع بما يخدع بالشيطان من المواعيد واللذائذ الباطلة، وقد قيل: أعدت شيء مشتغل بالدنيا، والموت يطلبه، وغافل ليس بمفعول عنه، وضاحك ملأ فيه ولا يدري إلى أي الدارين مصيره، وقيل أيضاً: أكرم الله أربعة من الصبيان في حال صباهم: * الأول: عيسى عليه السلام كما قال في حقه: {أية : وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [آل عمران: 48] ومما حكي من حكمته قوله: معاشر الحواريين لا تجعلوا اليوم همكم، عند كل يوم همه. * والثاني: يحيى عليه السلام كما قال في حقه: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}تفسير : [مريم: 12]، ومما روي من حكمة أنه قال: من حي بالموافقة فإنه لا يموت بالمخالفة، فإنكنت اليوم حيّاً بالمخالفة تكن غداً ميتاً بالعقوبة، وإنما لقن الحكمة كما حكي؛ ولهذا ندب الآباء إلى تعليم الصبيان أمور دينهم في صباهم؛ ليعتادوها ويشبوا عليها. * والثالث: سليمان عليه السلام أكرم في صباه بالفهم كما قال: {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}تفسير : [الأنبياء: 79]. * والرابع: يوسف عليه السلام أوتي الحكمة في صباه فقوي سره لاحتمال البنيان، فأهل الولاء يحتملون أعباء البلاء، وقيل: البئر موضع الهلكة، ولمَّا وصلت إليها بركته صارت موضع السلامة والنار موضع الحرقة، فلمَّا وصلت إليها حشمة الخليل انقلبت بإذن الله نزهته وروضته، والغار كانت محل الوحشة، فلمَّا وصلت إليه حشمة المصطفى صلى الله عليه وسلم صارت مزار الأولياء، كذلك القبر محل الوحشة، فإذا وضع فيه من صحبته التوحيد والمعرفة والطاعة انقلبت روضة من رياض الجنة كما قال: {أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}تفسير : [الواقعة: 89]. وروي أنه لمَّا جعل يوسف عليه السلام في الجب أضاء له الجب وعذب ماؤه حتى كان يغنيه من الطعام والشراب. ومن العبر في قصة يوسف عليه السلام: أن من أراد الله إكرامه فلن يضره كيد كائد، وحكي أنه انتهى رجل إلى باب ملك، فقال له الملك: سل حاجتك فإني سخي بها؟ فقال: زوجني ابنتك، فاستنكف الملك من ذلك وصار رهين قوله فاحتال، فقال: ضاع مني خاتم صفته كذا وكذا، فإن طلبته ووجدته زوجتك ابنتي، فقال الرجل: لا أقعد إلا إن أجده، ثم ذهب فانتهى إلى شط دجلة وكان خائفاً فاتفق أنه رأى حوتاً وأخذ بيده وشق خوفه، فرأى خاتماً بتلك الصفة، فذهب به إلى الملك، فقال الملك: هذا أراد الله إعزازه فم أصنع فزوجه، فكذا حال يوسف لما أراد الله إعزازه ضاع سعيهم ومكرهم ولم يغنوا شيئاً قوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ}تفسير : [يوسف: 15] ينبغي للعاقل أن ينظر إلى سرور يوسف وقت خروجه مع إخوته المسيرة والتماشي فما كان إلا ساعة، ثم دفع إلى غم طويل ومحنة عظيمة كذلك من سر بشيء سوى الله فإنه يكون سروره ساعة، ثم يدفع إلى غم وبلاء ومحنة لا ينقطع كما قيل السرور بغير الله محال والسكون إلى ما سوى الله محال. وقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ}تفسير : [يوسف: 15] هذا لمَّا أوحي إليه ذلك طابت نفسه وطاب له محنة البئر، وكذا طاب القتل على الشهداء يوعد الله الصادق في مواعيده، وكذا طاب المرض على المريض لما في الصبر عليه من رجاء الثواب الجزيل، وكذلك سكرات الموت على المؤمن تطيب تنجيز الله وعده الصدق، فسبحانه من لطيف ما أراد به، واجتهد إخوة يوسف في مباعدة يوسف من قلب أبيه، وأوقعوه من مثل تلك المحنة فلم يزدد إلا حباً، فكذا ينبغي أن يكون أن أمر المحب لا يزداد بتوالي المحسن عليه إلا حبّاً. وقوله عالى: {أية : وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}تفسير : [يوسف: 16] فليس كل بكاء يكون حقاً فقد يبكي الظالم كما في قصة يوسف وإخوته وجاءت امرأة إلى القاضي أبي هاشم وهي تبكي فقيل له: هذه ضعيفة تبكي، فقال: ليس كل من بكى صدق، قال الله تعالى: {أية : وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}تفسير : [يوسف: 16] فالبكاء على وجوه: * الأول: بكاء الحياء، وهو كان لآدم عليه السلام بكى مائتي سنة بعد الذلة حياءً من الله تعالى، وحكي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: "يا ابن آدم أين الشكر على العطاء؟ فإن لم يكن فإن الرضاء بالقضاء؟ فإن لم يكن فأين الصبر على البلاء؟ فإن لم يكن فأين النفي عن الهوى؟ فإن لم يكن فأين الوفاء لإله السماء؟ فإن لم يكن فأين البكاء على الجفاء؟ ". * والثاني: بكاء الخجلة، وهو لداود عليه السلام بكى أربعين سنة، ثم ملأ كفه دمعاً ودفعها إلى السماء فقال: "يا رب أما ترحم دمعي؟ فأوحى الله تعالى إليه: تذكر دمعك وتنسى ذنبك، فغشي عليه خجلاً مما قاله" وفي حديث غريب: أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبكي كلما ذكرتك [ففيض] بكائي خجلاً من الله تعالى، فهل ينفعني ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل قطرة منها تطفئ بحوراً من النار ". تفسير : * والثالث: البكاء خوفاً من النار، فقال تعالى: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً}تفسير : [التوبة: 82] وحكي أن يحيى بن زكريا - عليهم السلام - كان على المنبر يوماً فقال: أتاني جبريل آنفاً فقال: إن في النار دركة يقال لها: سكران فيها جبل يقال له: غضبان لا ينجوا منها إلا الباكون من خشية الله، ثم بكى حتى غشي عليه وسقط من الكرسي، فما أفاق إلا بعد ثلاثة أيام، وقيل لبعضهم: ما يغنيك لا تخف، وقال: ولو أن الله تعالى أوعدني بعصيانه الحبس في الحمام لكنت خائفاً به كيف، وقد قال: {أية : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}تفسير : [النبأ: 21] وقال أبو العباس المغربي: شعر : يا سائلَ القلبِ عمَّا كنت تأمن أما سمعتَ بذكرِ الموتِ والنَّارِ ما لي أراكَ قد أذنبتَ مبتسماً واللهُ خوَّف من يعصيهِ بالنَّارِ ما لنَا وأهل النارِ في تعبٍ كم من عذابٍ لأهل النَّارِ في النَّارِ تفسير : * والرابع: البكاء من هيبة الله وهو بكاء الأنبياء، وما قال: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ}تفسير : [مريم: 58]. * والخامس: بكاء الشوق وهو لشعيب عليه السلام، حكي أنه بكى حتى أظلمت عيناه ثلاث مرات، وحكي أنه كانت لامرأة بنت صغيرة تبكي أبداً، فجاءت والدتها إلى الحسن البصري - رحمة الله عليه - فعرضت بنتها والتمست أن يحضرها، فجاء الحسن فقال لها: يا جارية إن لعينك عليك حقاً، قالت: إن عيني إن كانت تصلح لرؤية الله فألف مثلها في سبيله، وإن لم تكن أهلاً لذلك فدعها تعمى، فقام الحسن وقال: جئت واعظاً فوقعت بما أوعظ. * والسادس: بكاء فوت الطاعة، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ}تفسير : [التوبة: 92] وحكي أنه دخل رجل على فتح الموصلي وقال: يا شيخ كنت على بساط الأنس وفتح إلى طريق البسط، فتدللت وإليه فوقعت عمَّا كنت عليه فكيف السبيل إليه؟ قال: فبكى، قال: كلنا في هذا ولكن أنشدك أبياتاً سمعتها فبكيت عليها: شعر : قف بالديارِ فهذه آثارهمُ تبكي الأحبةَ حسرةً وتشوقا كم قد وقفتُ بها أسائلُ محبراً عن أهلها أو ناطقاً أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمهَا فارقت من تهوى فعزَّ الملتقى تفسير : * والسابع: بكاء الحيلة، قال الله تعالى: {أية : وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}تفسير : [يوسف: 16] فالإخوة كانوا يبكون احتيالاً شوقاً إلى الله، فشتان ما بين البكائين قوله تعالى: {أية : وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}تفسير : [يوسف: 18] فحكي أنه لمَّا رأى يعقوب القميص قال: فلئن كان كما قلتم كان الذئب مشفقاً على القميص فلبسته أشفق على يوسف كما أشفق على القميص، فلئن كنتم صادقين فاذهبوا فخذوا الذئب وأتوني به، وكان يهوذا رجلاً إذا صاح على أسد سقط من هيبته، فأخذوا ذئباً ولوثوا مخالبه بالدم وأتوا يعقوب به مشدود اليد والرجل، فقال: خلوه فخلوه، فقال يعقوب: يا روبيل سله لم أكل يوسف، فسأله فلم يجبه، فقال يعقوب: لم لا تجيبه؟ فقال: يا نبي الله إن بنيك عقوك وعصوك، ونحن نُهينا أن نكلم العصاة، فقال: لم لا ترحم يوسف وفجعتني به؟ فقال: بعزة الله ما أكلت يوسف وإني مظلوم مكذوب علي، وأني غريب من بلاد مصر جئت لأهل قرابة لي ها هنا أنا لا أحوم حوم غنمك فكيف آكل ابنك؟ فقال يعقوب: فمن فعل؟ فقال: الله لا يتهك سر خلقه، فإنا لا أهتك سرهم، ولمَّا رأى يعقوب القميص صحيحاً مؤخراً غير مخرق رجا أن يكون يوسف حياً، فكذا حال المؤمن وإن تلوث بخطاياه فما دام لباس الإيمان صحيحاً فالرجاء باق. قوله تعالى: {أية : وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ}تفسير : [يوسف: 19] قيل: خرج ثلاثة في طلب ثلاثة، فوجدوا ما هو خير من مطلوبهم؛ خرج موسى للاصطلاء فوجد الاصطفاء، وخرج طالوت في طلب حماره فوجد الملك. وخرج وارد السيارة فأدلى دلوه، فأخرج به فوجد يوسف، وقيل: وارد السيارة كان شخصاً من جملتهم، ووارد المؤمن في طلبه الدعاء، ووارد السيارة لم يخب سعيه، فكذا سعي المؤمن في طلبه لا يخيب. وقيل: لمَّا دخل يوسف في الجب لم يكن له بد من حبل يعتصم به الخروج، فأرسل إليه حبل السيارة فأخرج به، كذلك المذنب في جب العصيان محتاج إلى حبل يعتصم به؛ ليخرج منه وهو الالتجاء إلى الله تعالى بالعمل بكلامه واتباع أوامره كما قال: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً}تفسير : [آل عمران: 103]، وكذا الالتجاء إلى بابه والفرار إليه من الذنوب كما قال: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ}تفسير : [الحج: 78]. قيل: لمَّا مر سيارة بجب يوسف نجا بسببهم، فكذا المارون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا مروا بجهنم نجا المحبوسون من هذه الأمة ببركة شفاعتهم. وقيل: طلب السيارة الماء فوجدوا يوسف، وطلب موسى النار فوجد النبوة، وطلب سليمان الحوت فوجد خاتم الملك، وطلبت امرأة العزيز يوسف فوجدت الإيمان، وطلب طالوت الحمار فوجد الملك، وطلب بنيامين الطعام فوجد أخاه، فمن لم يطلب يوسف وجده، وعمر رضي الله عنه لم يكن في طلب الإيمان حين قصد الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد الإيمان، والسحرة لم يطلبوا الإيمان فوجدوا الإيمان، فإذا كان كذلك فالمؤمن يطلب رضا الله مدة عمره بأعماله أولى وأحق بأن يجد مراده. قوله: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف: 20] لو خرجوا بما سواه لما اشترى؛ لأن قيمة يوسف كانت أكثر من أن يصل إليها الطالبون، فكذلك الجنة لو طلبت بما هو قيمتها بحقيقة لم ينلها أحد، وقال: القيمة لها. وقيل: اطلبوها ولو بلقمة، ولو بحرفة، ولو تحية، ولو بكلمة طيبة حتى ينالها الطالبون أنه رأى واجدان المشابه في المنام بعد وفاته، وقيل له: كيف حالك؟ فقال: أحسن حالي، قيل: وبما نلت؟ وقال: كنت أمر يوماً ببعض الطرق فرأيت فقيراً حزيناً وكان معي تفاحة فأعطيتها إياه، فلمَّا مت وحدت تلك التفاحة قد سدت باب النار. {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}تفسير : [يوسف: 21] قيل الإحسان حسن إلى كل واحد وإلى المملوك أحسن؛ لأنه لا يجد ملجأ إليه ويعتصم به، وقال عزيز مصر: {أية : عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ}تفسير : [يوسف: 21] وكان كما توقع، وكذا قالت آسية بن مزاحم في حق موسى عليه السلام: {أية : عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا}تفسير : [القصص: 9] فصدق ظنها ونالت المعرفة بسببه، وقال يعقوب: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً}تفسير : [يوسف: 83] فصدق بصدق ظنه، فكذا قول الله عز وجل: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 102] أولى وأحق أن يتحقق قوله تعالى: {أية : وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ}تفسير : [يوسف: 23] ليكون نظر يوسف إليها، وكذا إذا أكرم عبداً أغلق عليه أبواب الشهوات واللذات، ونفره عن الخلق حتى يكون جملة نظره مقصورة على أموره. وقيل: غلبت هي الأبواب؛ ليكون يوسف معها ويخلو للشهوة، واللهُ تعالى فتح له باب العصمة؛ ليخرج طاهراً نقياً من بين ذلك ليعلم أن الباب الذي يغلقه المخلوق يسهل، والباب الذي يغلقه الله لا يفتحه أبداً أحداً، قال الله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ}تفسير : [فاطر: 2] ولمَّا رد يوسف بتهمة وهمية أيد من الله تعالى بالعصمة؛ ليعلم أن من جاهد في الله أيد بتوفيقه كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]. وقيل: كانت الحكمة في ذلك أن الملائكة قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 30] فابتلوا بهاروت وماروت، وموافقته المرأة من غير مراودة منها، وعصم يوسف مع حسنه وجمال المرأة ومراودتها ليكرمه بالعرض على الملائكة، ويعلمهم أنه يعلم ما لا تعلمون، كما قال الله تعالى: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 30] والنكتة فيه أنه لمَّا التجأ في ابتداء الأمر إلى الله واستعاذ به أعاذه وعصمه، فينبغي للمؤمن أن يفزع في ابتداء هوله إليه ليعيذه، وكذا ينبغي أن يكون أمر المؤمن في إشارة رضاء الله أغلب من إشارة هوى نفسه، فقد قيل خمسة أشياء من أعجب العجائب: * أحدها: أن الله تعالى [مهد ويسر] للخلق ما في الأرض، ثم إنهم يبخلون برغيف. * والثاني: أنه أمدهم بنعمه، قال: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 53]، ثم إنهم استعملوها في خدمة عدوه. * والثالث: أنه يغيث لمن استغاث، وهم يفزعون إلى مخلوق ضعيف لا ينفع ولا يضر في إلا بإغاثة الله تعالى إياه كذلك. * الرابع: أنهم يرجون ثوابه، ثم يعملون للخلق. * والخامس: أنه خالقهم ورازقهم وملكهم، وتمر إليه كل أمورهم وهو مطلع عليهم، ثم أنهم يستحيون عنه في ضعيف مثلهم ولا يستحيون منه. وقيل لمَّا اجتمع يوسف والمرأة في موضع واحد صاح الشيطان فرحاً، قال: ظفرت به، فرد فرحه بعصمة الله، ولمَّا وصل موسى إلى البحر وكان وراءه فرعون وجنوده فرح الشيطان وقال: البحر أمامهم والسيوف وراءهم ولم يدر أن النجاة كانت حظهم من الله تعالى، فكذلك أمر المؤمن وقت النزع إن أيد بعناية لن يضره من شيطان ونجا من المخاوف على مراغمة الشياطين عصمنا الله في شرهم. وروي أن كافراً قتل مسلماً في غزاة، ثم إن القفل انفتح في قلب القاتل وأقبل إلى صف المؤمنين، وآمن وأقبل على الكفار وقاتلهم حتى قتل فدفنا في موضع واحد، وروي أنهما معاً في الجنة، فإذا كان الله معك فمن يضرك، وإذا كان الله عليك فمن ينقذك، وإذا نصرك فمن يهينك، وإذا خذلك فمن ينصرك، جعلنا الله من المحظوظين بعنايته ورعايته. وقوله: {أية : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}تفسير : [يوسف: 26] لمَّا بهتت عليه أخذ يقضي عن حقيقة الحال، ولو لم يبهت لما فضحا قوله: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ}تفسير : [يوسف: 26] قيل كان صبياً في المهد شهد بذلك كرامة ليوسف، ولم يكن ضمير في يوسف أن ينطق الله ذلك النبي، فلمَّا حفظ يوسف أمر الله حفظ أمره وأنطق ببراءة يوسف. وقوله: {أية : وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ}تفسير : [يوسف: 25] لمَّا دفع يوسف قدماً لله تعالى لا آثما به، أيده الله بعصمة، ولمَّا تحير التجأ إلى الله تعالى فأعانه وحكي أن واحداً من المشايخ جاور مكة عشرين سنة، فاشتهى اللبن فخرج بطلبه فوقع بصره على جارية عسقلانية وشغف قلبه بها فقال: يا جارية أين تذهبين؟ فقالت: يا شيخ لو كنت عارفاً لما تبعت شهوتك، ولو كنت صادقاً في دعوى المحبة لما تعلق قلبك بي، ولمَّا تجاسرت على النظر إلي، فلمَّا سمع الشيخ كلامها ندم وقلع عينيه بإصبعه ورمى بها، فمضت أيام وأزالت الألم عنه القرار، فرأى ليلة يوسف في منامه وقال له: أقر الله عينك بسلامتك عن الجارية العسقلانية، ومسح بيده عينه، فاستيقظ وله عينان مضيئتان أشد ضوءاً مما كانت قبله. وقوله: جزاء عنها {أية : قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا}تفسير : [يوسف: 25] إلا كانت تكرمه وتعظمه وتدار به، فلمَّا وصلت إلى حضرة سيدها، وخافت سطوته قلبت الأمر وسعت به وخاصمته {أية : قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا}تفسير : [يوسف: 25] فكذا العبد ينفق عمره على مراعاة الأهل والولد ويسعى بأمورهم، فإذا رأى أهوال القيامة، وخاف من سطوة الملك الجبار أعرض عن الكل كما قال: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}تفسير : [عبس: 34-35]. فمحبة العادات تدوم إلى مخالفة الحبيب فحينئذ تنقطع، ومحبة الشهوات تدوم إلى زوال الشهوة، ومحبة الولادة تدوم إلى الموت، ومحبة الواصلة تدوم إلى الفراق، ومحبة العشق إلى أن تتباعد، ومحبة الطمع في الأغنياء تدوم إلى المنع والرد، ومحبة التعاون على أمر الحق والتوافق على الاعتقاد والحق تدوم إلى الجنة كما قال: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67] ومحبة الحق تعالى مؤبدة كما قال الله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. ولمَّا شهد اليهود على مريم بالفساد، وشهد عيسى ببراءتها كما قال: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم: 30] إلى قوله: {أية : وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي}تفسير : [مريم: 32] ولمَّا رمي يوسف بالتهمة شهد الصبي ببراءته، ولمَّا شهد الكفار بأن الله اتخذ ولداً شهد المؤمنون ببراءته وتقديسه غير ذلك، ولمَّا شهد المنافقون على عائشة - رضي الله عنها - مما لم تفعل برأها الله مما قالوا، ويحكى أنه لمَّا نال يوسف الملك أمره الله على لسان جبريل بأن يجعل ذلك الشخص الذي شهد ببراءته وهو في المهد وزيراً له قضاء لحق شهادته له، فنرجو أن الله لا يضيع شهادتنا بتوحيده وتقديسه مدة عمرنا. وقيل: إن المرأة لم تدر ان الشاهد في البيت ولو علمت ما فعلت فالعبد المذنب لو استيقظ من نوم الغفلة وعقل وعلم أن الشهود منه مستبقياً كأنه يراهم، لما أقدم على المعصية، قال الله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [البروج: 9] وقال: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18]. وقوله: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}تفسير : [يوسف: 28] قيل: سمي عظيماً؛ لأنه بهتان وذنب البهتان أثقل من السماوات، وإنما قال: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء: 28] لأن الآدمي يسعى مدة عمره في نيل مراده، ثم يموت قبل أن يناله. وقوله: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا}تفسير : [يوسف: 29] قيل: فعل عزيز مصر فعل الكرام؛ لأنه قال في الابتداء: {أية : أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}تفسير : [يوسف: 21] ولمَّا رأى تلك الحالة لم يتعجل بعقوبته، ثم تثبت وتعرف الحال حتى شهد شاهد بذلك، ولمَّا بيَّن الأمر عفا عن المجرم ويشفع إلى المظلوم بقوله: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا}تفسير : [يوسف: 29] أو قيل: لمَّا قصد يوسف الخروج من دارها وجد العصمة، فكذلك المؤمن إذا قطع طريقه عن الشيطان وهي الدنيا وجد العصمة أيضاً. ويحكى أنه كان لشقيق البلخي صاحب، فخرج يوماً بيت نار المجوس لينظر فاعتبر به، فرأى شيخاً يوقد النيران فرأى جارية بين يديه لم ير أحسن منها فعلق قلبه بها، وقال: ليتني أرزق هذه، فخرج من بيت النار وفرش السجادة وجعل يبكي ويتضرع، فلمَّا كانت وقت الصبح سمع صياحاً داخل البيت وقيل: ماتت الجارية، فسمعوا صوتاً أخرجوها إلى الرجل حتى يقرأ عليها فتصح، فأخرجوها فرآها مغشياً عليها لعله عرفها، فقال: أن برأت هل تسلم وتزوجنيها؟ قال: نعم، فقرأ عليها القرآن فأفاقت وبرأت وأسلم الرجل وأسلمت الجارية وزوجها إياه وأسلم جماعة بيت النار. وعن علي بن معاذ أنه خرج إلى مقبرة بالبصرة فرأى شاباً في زاوية عرياناً يقول: يا سيد ما أعظم ما ورايتني، وما أجمل ما ألبستني، فقال له: تقول هذا وأنت عريان؟ قال: عراني مما يورث الندامة وألبسني ما يورث الكرامة، وعراني مما يوجب الملامة وألبسني مما يوجب السلامة، وإن يوسف خاف عن معصية الله حتى هرب، وإن الإيمان أصل الخوف، فمن لا خوف له لا إيمان، فلما كادت تلك المرأة رجع وبال كيدها إلى نفسها حتى أقرت بذنبها، وقال: {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [يوسف: 51] أنا راودته ليعلم أن المكر لشيء حاق بأهله، كاد نمرود إبراهيم فأهلكه الله ونجا إبراهيم، وكاد فرعون موسى فدمر عليه ونجا موسى من كيده، وكاد تسعة رهط صالحاً فنجا وأهلكوا، وكادت قريش الرسول صلى الله عليه وسلم فأهلكوا وأظفر عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ}تفسير : [يوسف: 30]، قيل: أحببن ثلاث نسوة ثلاثة من المؤمنين فنلن أكبر مما طلبن: * الأولى: أحبت امرأة العزيز يوسف عليه السلام فنالت من بركته المعرفة، فيحكى أن هؤلاء النسوة اللاتي قطعن أيديهن قلن ليوسف وهو في السجن: أحب سيدتك التي اشترتك وإن أردتنا فنحن لك، فيقول يوسف: معاذ الله لا أعصي الله وإن بقيت في السجن، ولمَّا علم عزيز مصر أن امرأته عشقت يوسف حلف أنه لا يخرج من السجن ما دام حيّاً، فتفكرت المرأة وقالت: شاب حديث السن ويخاف عقوبة الله فأنا أولى أن أخاف، فآمنت واشتغلت بعبادة الله تعالى. * الثانية: آسية امرأة فرعون أحبت موسى فنالت ببركة موسى الجنة {أية : إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [التحريم: 11]. * الثالثة: خديجة - رضي الله عنها - أحبت محمداً صلى الله عليه وسلم قبل النبوة نالت بركة الهداية بالإسلام، فمحبة أولياء الله سبب لنيل الرحمة فما ظنك بمحبة الله تعالى. وقيل أيضاً: هؤلاء النسوة أصابتهن الغمة والمحنة، فالغمة نعمة الضيافة، والمحنة قطع الأيدي، ثم كن تنسين الكل عند رؤية يوسف، فكذا المؤمن تصيبه النعمة والمحنة في الدنيا، وفي القبر يرى الوحشة، وفي القيامة يرى الأهوال، وعلى الصراط يرى أنواع عذاب جهنم، وفي الجنة يرى ألوان نعمها، فإذا أكرم برؤية الله تعالى نسي الكل وشغله عن كل نعيم، قال الحسن: لو يبقى أهل الجنة في الرؤية على حالتهم لا يخطر ببالهم شيء. وقيل: هؤلاء النسوة يحملن ما أصابهن في مشاهدة يوسف، وكذا المرء يتحمل مؤنة الزوجية بمشاهدة الأهل والولد فكيف لا يتحمل مدعي المحبة الله تعالى مشقة بلائه طمعاً في مشاهدته؟ وقيل: هؤلاء النسوة لمَّا شغلن بجمال يوسف قطعن أيديهن ولم يحسسن بذلك، فلمَّا أفقن وجدن ألم القطع والتلوث بالدماء وبقيت الحسرة عليهن، فكذا طالب الدنيا يتعب نفسه بطلبها ويتحمل المشاق في جمعها ويبتلى بذلك ولا يحس بآلامها، ثم عند انقطاع الأنفاس يفيق من سكرته ويرى ديوانه مسوداً بالسيئات وعمره ضائعاً في الزلات ويبقى في غصص الحسرات نعوذ بالله منها. وقيل: أكمل الله تعالى ليوسف ثلاث أشياء الحسن كما روي أنه أعطي ثلثي الحسن، وحكي أنه في سنة الجدب كانوا ينظرون إليه فيشبعون، وكانت رؤية عذابهم وكانوا لا يحسون بألم الجوع في مشاهدته، وأكمل له المحبة أيضاً فجمع له بين فراق الوالد وغصة الغربة ومشقة الجب والحبس والابتلاء بالنسوة، وأكمل له العصمة حتى عصم مع شدة السيئات، وشره الشهوة، وجمال النسوة، وإمكان انتهاز الفرصة، والتمكن من قضاء الشهوة في الخلق. وقوله: {أية : قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}تفسير : [يوسف: 33] أي: الدعاء باسم الرب آداب الملائكة والأنبياء المرسلين، قال الله تعالى خبراً عن حملة العرش: إنهم يقولون: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ}تفسير : [غافر: 7]. وقال إبراهيم: {أية : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [الصافات: 100] {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي}تفسير : [إبراهيم: 37] {أية : قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي}تفسير : [نوح: 21]، قال موسى {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي}تفسير : [الأعراف: 151] وقال شعيب: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأعراف: 89] وعلَّم نبينا - صلوات الله وسلامه عليه - يدعوه باسم الرب قال: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً}تفسير : [آل عمران: 191]. وقيل: قال يوسف: {أية : رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}تفسير : [يوسف: 33] وقال الغافل: الدنيا أحب إليَّ ورضي بالحياة الدنيا، وقال الكافر: عبادة الصنم أحب إليّ ورضي بالحياة الدنيا {أية : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 165]، وقال المؤمن: الرب أحب إليّ من نفسي وروحي {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}تفسير : [البقرة: 165] وكلٌّ موكلٌ بمحبوبه، فللكافر صنمه ولصاحب الدنيا دنياه، وللمؤمن مولاه كما قال: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}تفسير : [الأنفال: 40]. وقيل: السجون ثلاثة: سجن يوسف، وسجن يونس، وسجن المؤمن. * قال يوسف: {أية : قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ}تفسير : [يوسف: 33] أي: من فراق الخليل، وعصيان الجليل، ومن مقاساة النيران، ومن سرابيل القطران. * وأمَّا يونس: فلمَّا حبس أقر بالظلم على نفسه فقال: {أية : سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] ولما ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدحه الله بقوله: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}تفسير : [الصافات: 143] ليعلم أن من مدح نفسه فهو مذموم، ومن ذم نفسه فهو ممدوح، ولمَّا مدح إبليس نفسه فقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}تفسير : [الأعراف: 12] ذمه الله تعالى بقوله: {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ}تفسير : [البقرة: 34] فلمَّا ذم آدم نفسه بقوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23] مدحه الله تعالى {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ}تفسير : [طه: 122] وكذا الكفار مدحوا أنفسهم فقالوا: {أية : أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}تفسير : [الأنعام: 53] فذمهم الله بقوله: {أية : أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 6] ولمَّا ذم المؤمنون أنفسهم بقولهم: {أية : ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}تفسير : [الأعراف: 147] مدحهم الله تعالى بقوله: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ}تفسير : [التوبة: 112]. *وأما الدنيا فإنها سجن المؤمن وإن كان غنياً متنعماً فيها، فذلك بالإضافة إلى نعيم الجنة سجن وأن الكافر وإن كان فقيراً فذلك بالإضافة إلى عذاب الآخرة جنة. وقيل: سميت الدنيا سجن المؤمن؛ لأن من سجن فإنه يقدم ما معه إلى بيته، والمؤمن ينبغي أن يقدم ما معه إلى داره وهي الآخرة. * ولأن المسجون أبداً يلزم نفسه ويقول: مالي ولهذا العصيان، والمؤمن يقول: مالي وزخارف الدنيا وغرورها ومكرها. * ولأن المسجون ممنوع من مراده ومقصوده كما شاء، فكذا المؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه البطالة. * ولأن المسجون يخاف كل ساعة أنه يخرج ويقام عليه الساسة، والمؤمن ممنوع عما يشاء ويهواه من أمانيه إلى القيامة ويقام عليه ما يستحقه. * ولأن المسجون يجتهد أن يرضي خصومه لئلا يتظلموا عليه عند الملك فيقسم عليه الساسة، فكذا المؤمن يجتهد في دنياه أن يرضي خصومه لئلا يخاصموه بحضرة مولاه غداً. * ولأن المسجون يتضرع إلى الثواب والحجاب وكل نفس لها تعلق بالملك ويتشفع به وإليه في أمره، فكذا المؤمن يتوسل بكل أحد إلى الله تعالى ويسأل الله بكل لسان بأن ينقذه عن مهاوي الهلكة. * ولأن المسجون يدعي رفع الصفة كل يوم بل كل وقت فلعل الملك يرحمه في وقت من الأوقات، فكذا المؤمن ينبغي ألاَّ يفتر عن رفع قضيته كل ساعة فعسى الله أن يرحمه. * ولأن المسجون إذا جوزي في السجن ولم يفضح بين أيدي الناس فذلك أهون عليه، فكذا المؤمن إذا ابتلي في دار الدنيا فإنه يحمد الله على أن جوزي بذنوبه في هذه الدنيا الفانية ولم تؤخر عقوبته إلى دار البقاء. * ولأن المسجون يرجو الفرح وإن كان على خطر ولا يأمن وإن كان يرجو الخروج، فكذا المؤمن يرجو عمره بين خوفه ورجائه إلى أن ينتهي عمره. وقوله: {أية : يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً}تفسير : [يوسف: 41] قام الطباخ والساقي فرأيا رؤياهما فوصل أحدها إلى نعيم الدنيا، والآخر إلى العقوبة، {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى: 7]، ولو كان يعلم الطباخ ما يرى في منامه لما نام، فكذا الغافل لو أن يدري ما يصيبه من الغفلة ما غفل ساعة، والساقي ترك الخيانة وأشفق على سيده ولم يداهن فنجا وفاز، والطباخ خان وداهن وأعرض عن مراعاة حق سيده فهلك، فكذا أمر الخائن العاصي المداهن المعرض عن طاعة الله المتبع أوامر أعدائه قال الله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [الكهف: 50]. ويحكى أنه لمَّا دخل يوسف السجن بكى وقال: هذا غضب مخلوق فكيف سخط الخالق؟ فقيل له: أطلب منه ألاَّ يحبسك، فقال: هو ربي يفعل ما يشاء، وإنما قال هذا يعني الله تعالى، فظنوه يعني مشتريه، فقالوا: نعم العبد هو لمولاه. وقوله: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ}تفسير : [يوسف: 46] اعمل أنه سمى الله تعالى إبراهيم صديقاً، قال: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}تفسير : [مريم: 41] وسمى إدريس صديقاً: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً}تفسير : [مريم: 65] وأخبر عن تسمية يوسف صديقاً: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ}تفسير : [يوسف: 46]. وسمى مريم صديقة: {أية : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}تفسير : [المائدة: 75]، وسمى أبا بكر: صديقاً، {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ}تفسير : [الزمر: 33] وسمى المؤمنين صديقين: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ}تفسير : [الحديد: 19]. وأعطى إبراهيم الخُلة، {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}تفسير : [النساء: 125]، وأعطى إدريس الرفعة {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}تفسير : [مريم: 75] ويوسف التمكين {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ}تفسير : [يوسف: 56]، ومريم الاصطفاء والطهارة كما قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ}تفسير : [آل عمران: 42] والصديق الخلافة كما قال: {أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 55] والمؤمنين ملازمة الإيمان كما قال: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ}تفسير : [الفتح: 26]. قوله: {أية : قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً}تفسير : [يوسف: 47] قال يوسف لهم: ما بين أيديكم أيام السعة ومن بعدها أيام المحنة، فادخروا في السعة للضيق، ومن أيام النعمة لأيام المحنة، ومن أيام الزائلة لأيام الباقيات، فيا مؤمن أنت في دار الدنيا في نعمة ومكنة وفسحة، فخذ من نفسك لنفسك، ومن حياتك لموتك، ومن فراغك لشغلك، ومن غنائك لفقرك. وقوله: {أية : فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ}تفسير : [يوسف: 47] أي: إن إظهرتموه فأصابه الغبار والآفات وأكله الديدان والأكلة، فييأسون من جعل طاعتك تخفياً كيلا يصيبها آفات الرياء والعجب فتحبط وتصير هباءً منثوراً، وكان أمر براءة يوسف خافياً، فلمَّا باحت وأظهرت الستر {أية : حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [يوسف: 51] وأقرت هي بجرمها وببراءة يوسف، فكذا في القيامة بتبين أمر المطيع من أمر العاصي، ويتيمز المجرم من الصالح كما قال: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ}تفسير : [يوسف: 59]، وقال: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ}تفسير : [الطارق: 9]. وقيل: من له ذخيرة في أيام القحط فإنه يكون مسرور الحالة، ومن يكون فقيراً معدماً فإنه يكون حزيناً متحيراً، فكذا أمر المطيع والعاصي في القيامة؛ فالمطيع: {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 21-22] والعاصي في حسرة يا لها من حسرة {أية : يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}تفسير : [الفجر: 24] وفي القحط يتضرع الفقير إلى الغني ولا يغنيه ذلك، وكذلك في الآخرة يتضرع العاصي إلى المطيع؛ لينجو عليه بحسنة ولا تسمح نفسه بذلك لا يتحمل عنه خطيئة واحدة كما قال: {أية : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}تفسير : [فاطر: 18]. ويحكى أنه لمَّا اشترى يوسف أهل مصر ولم يبق لهم شيء وبقي من سنين القحط بقية قالوا ليوسف: نحن الآن عبيدك ونفقتنا عليك وقد جعنا، فتحير يوسف فأتاه جبريل وقال: اخرج إليهم فإن الله تعالى جعل مشاهدتك غذائهم، فأمر يوسف أن يخرج أهل مصر بنسائهم ورجالهم وصبيانهم ويقفوا بالطرقات ففعلوا وخرج يوسف ومر بهم، فلمَّا رأوه شبعوا ولم يحتاجوا إلى الطعام والشراب وإلى أسبوع آخر، فجعل الله لقاء يوسف غذاء لهم سنة كاملة إلى أن حصل الخصب والنعمة، وإنما لم يلم يوسف في تزكية نفسه {أية : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 55] لأنه راد حفظ أمور الرعية، وبث العدل بينهم، والإنفاق عليهم بقدر ما يكفيهم لئلا يهلكوا بسنين الجدب، وأراد بتولي ذلك إبقاءً عليهم، ومراعاة لحياتهم، وأراد تحقيق رؤياه؛ ليصل إليه إخوته منقادين خاشعين لحاله، ويصل هو إلى لقاء الشيخ الجزين عليه السلام. قوله: {أية : فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}تفسير : [يوسف: 58] قيل: إنما أنكروا؛ لأنهم كانوا قد جفوه، والجفاء يورث الوحشة ويذهب الألفة، ويورث المخالفة ويذهب الموافقة، ويورث المحاربة ويذهب المسالمة، ويبعد ولا يقرب، وينكر المعروف، ولمَّا صفوا تحت سريره فكان بلسان الحال ناداه انظروا ماذا فعلتم بيوسف؟ وماذا صنع الله به؟ أنتم أهنتموه واللهُ أعزه، وأنتم جعلتموه في الجب واللهُ جعله على سرير الملك؛ ليعلم العالمون أن العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، {أية : تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 26]. وقيل: إن يوسف جعل في الجب ثم في السجن، فلم يعرضه الله تعالى في تلك الحالة على إخوته، ولمَّا توجه بتاج الملك عرضه عليهم، وكذا أمر المؤمن يكون نطفة ثم علقة ولا يعرض في هذه الأحوال، فإذا تمت خلقته وكملت صورته أظهر وعرض، ثم إذا توفاه يعرض للإتيان أماته وأقبره، فإذا أعاد خلقه عرضه مكرماً بلباس التوحيد متوجاً بتاج الملك كما قال: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}تفسير : [مريم: 85]. ويحكى أنه لمَّا دخل إخوته مصر نادى منادٍ: لا ينبغي أن يبايع ويشاري الكنعانيين أحد؛ لأن الملك يريد مبايعتهم وكأنهم قالوا في أنفسهم: ولم لم يعد لهم بمنادٍ ينادي: لا ينبغي أن يبايع ويشاري الكنعانيين، فأجابهم بلسان الحال؛ لأن معظم مقصود يوسف بتمكينه كان أولئك فحسب، كما قال اليهود والنصارى: "حديث : ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً، وأمة محمد أقل عملاً وأكثر أجراً، فقيل لهم: أظلمتكم شيئاً؟ وهل أنقصتكم شيئاً من أجوركم؟ فقالوا: لا، فقيل: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"،تفسير : فالمقصود هو محمد وأتباعه، وقيل: "حديث : لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خلق آدم ". تفسير : وحكي أنه كان يؤخر قضاء حاجات إخوته كيلا يتنحوا عن بابه ويكونوا بحضرته، وكان يسارع في قضاء حاجات الأغيار؛ ليصرفهم عن بابه، فالله يقضي حاجات المطرودين عن قريب لئلا يكونوا على بابه، ويؤخر قضاء حاجات المؤمن؛ ليبقى على بابه. قوله تعالى: {أية : فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً}تفسير : [يوسف: 64] لما استحفظ الله ابنه حفظه ورده إليه، فإنه لا يضيع، قوله: {يٰبُنَيَّ} أضافهم لنفسه وإن جفوه ولم يقطع نسبهم بسبب جفائهم كما قال تعالى: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [الزمر: 53]. وقوله: {أية : وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}تفسير : [يوسف: 67] قال: هذا الافتراق بقي في بني إسرائيل، انفلق البحر لهم اثنتي عشرة فلقة كما قال: {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]. وقال: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}تفسير : [الأعراف: 160] وقال: {أية : فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}تفسير : [البقرة: 60] وقال: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}تفسير : [المائدة: 12] وقال في حق المؤمنين: {أية : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [الأنفال: 63] وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}تفسير : [الأنفال: 45] وقال: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [الأحراب: 35] وقال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}تفسير : [التوبة: 71] فلا ينبغي للمؤمنين أن يتفرقوا؛ بل ينبغي أن يكونوا كنفس واحدة يشد بعضهم بعضاً. وقيل أربعة نفر أمروا بدخول أربعة أبواب كما قال: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}تفسير : [البقرة: 189] وذلك لموافقة الشرع ومخالفة الهوى، وأمروا إخوة يوسف بدخول أبواب مصر؛ لكمال النفقة وحسن المقال: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ}تفسير : [يوسف: 67] وأمروا الكفرة بدخول أبواب النار لإظهار العقوبة والنكال كما قال: {أية : ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}تفسير : [الزمر: 72] وأمر المؤمنين بدخول الجنان بكمال الكرامة وإظهار النوال كما قال: {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}تفسير : [الأعراف: 49]. وقيل: أربعة أبواب فتحت لأربعة نفر لأربعة أشياء فتحت أبواب النعمة للغافلين؛ للاستدراج والإمهال كما قال: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام: 44]، وفتحت أبواب السماء على قوم نوح للخزي والنكال كما قال: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ}تفسير : [القمر: 11]، وفتحت أبواب النار على الكفار للعقوبة والسلاسل والأغلال كما قال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}تفسير : [الزمر: 73]، وفتحت أبواب الجنان على المؤمنين للفضل والأفضال كما قال: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً}تفسير : [الزمر: 73]. وقوله: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}تفسير : [يوسف: 65] كان ظاهر الدنيا الإهانة، وباطنها الإكرام كما كل ممنوع ومردود مهان، وليس كل من لا يستطيع الحج مطروداً، ولا كل من لا يجد مالاً يتصدق به مهجوراً، وقوله لموسى عليه السلام: {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143] لم يرد بذلك إهانته؛ بل إكرامه إذا لم يكن يطيق ذلك، أو لو تجلى له لما بقي كما يدك الجبل، فالدنيا دار البلاء لا دار الفناء مع هذه الدنيا الخسيسة كيف ينال العبد شرف رؤية الله تعالى وهو أشرف كل شرف وأكرمه، وروي عن عبد الله بن المبارك أراد يغزو سنة فلم يوفق لذلك تلك السنة، فحزن لذلك فرأى في المنام: لا تحزن، فإنك لو غزوت لأسرب، ولو أسرت لكفرت. وورد في حكاية أنه خرج واحد للحج فلمَّا جاء فاته وقت الحج فقال: آه، فأعجب بتأوهه إنسان فقال له: كذا حجة أبيعك بهذه التأوه، فقال: اشتريتها، فرأى في المنام أنك ما تعرف قدر ذلك التأوه وبعته رخيصاً، ورأى المشتري في منامه أنه قيل له: اشتريت التأوه رخيصاً، فذلك الأنين خير لك من كذا وكذا حجة. {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}تفسير : [يوسف: 65] فاستبشروا، كذا المؤمن عند الموت إذا كان معه بضاعته فرح فرحة لا يوازيها فرحة، ومن خسر الأصل والربح بقي في حسرة لا يوازيها أعاذنا الله منها. وقوله: {أية : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ}تفسير : [يوسف: 70] ذكر في القرآن أذان الظالمين {أية : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الأعراف: 44] وأذان الحاج، {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ}تفسير : [الحج: 27]، وأذن البراءة في المشركين {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [التوبة: 3]، وأذان إخوة يوسف {أية : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ}تفسير : [يوسف: 70] فأذان الظالمين لتعسرهم وطردهم، وأذن المشركين للبراءة منهم، وأذان الحاج للدعوى والكرامة، وأذان إخوة يوسف للعتاب والملامة، ونسبة بنيامين إلى الشرف لم يكن إهانة له؛ بل كان تدرجاً في إكرامه؛ لينتزعه من أيديهم ويمسكه عنده على أكرم وجه، وهذا كما خرق الخضر عليه السلام السفينة لا ليغرقها؛ بل لينقذها من أيدي الظالم الغاصب، ثم لمَّا نجا أهلها أصلح بلوح أعاده فيها، فكذا بنيامين استنقذه من أيديهم ثم لمَّا وصل يعقوب إلى يوسف أظهر الحال وبان أن ذلك كان تدرجاً إلى إعزازه وإكرامه. قال المؤذن: {أية : وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}تفسير : [يوسف: 72] لأنه كان سقاية الملك وكان مخصوصاً، فمن كان يأتي به فله النوال، ومن كان يكيد له فعليه النكال، وكذا قلب المؤمن خزانة أمر الحق فمن أتاه به فله النوال، ومن أخان له عن حقوقه خيف عليه النكال، والصدوق إذا لم يكن فيه جوهر فأي قدر له، فالقلب إذا لم يكن فيه اهتمام بأمور الآخرة فأي قدر وقيمة له قلب ملة أمور الحق فأكرم به من خزانة، وفي محالات الدنيا فحظر الحسرات قال الله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}تفسير : [الفجر: 23]. وقيل: استدرجهم يوسف على أحسن وجه ففرحوا وقالوا: رعانا الملك برعايته، وعاملنا باللطف ولم يشعروا بالأمور المعقب عنهم حتى ساروا قليلاً، فأذن مؤذن خلفهم: {أية : أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}تفسير : [يوسف: 70] فانصرفوا عن وجهتكم، فكذا العبد يقر بنعمته، وحصول مآربه، وتيسير مقاصده، ولا يعلم الشر المعقب إلى أن يحضره الموت، فإذ ذاك تبين حقيقة حاله من المقربين أم من المستدرجين. وقيل: الحكمة في ذلك مكافأتهم بأن لم يرحموا يوسف حتى كان يتضرع إليهم في أن لا يجعلوه في الجب فلم يجيبوه إلى ذلك فكان فكافأهم بأن ألجأهم إلى أن يتضرعوا ويقولوا: {أية : قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً}تفسير : [يوسف: 78] فتضرعوا إليه ولم يسعفهم بمرادهم، ثم مع ظهور أمر السرقة وخوف الساسة والنكال فادوا أخاهم بأنفسهم وقالوا: {أية : فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ}تفسير : [يوسف: 78]. وقيل: فعل إخوة يوسف ما لم يكن لهم أن يفعلوه فبقوا مدة أربعين سنة وأكثر في غم جفاء الأخ وعقوق الوالد ومعصية الرب، فكذلك العبد العاصي يغر بالدنيا ويعصي الله غافلاً، ثم يفاجئه الأجل فيفارق الدنيا ويتوجه إلى الآخرة ويدخل القبر إلى يوم النشور ومعه عمله وحكم الحاكم العدل الذي لا يميل ولا يخال قدامه، وفقنا الله لما فيه نجاتنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. ويحكى أن يوسف عليه السلام كان إذا اجتمع إخوته على بابه أمره بنيامين ليقف بالعرش، وإذا خلا به أحله على سرير الملك، وكان إخوته إذا رأوه حزنوا فيما أصابه، فكذا المؤمن المقبول يأتيه الموت ويجعل في حصار لحده ويبكي أقاربه عليه ويقولون: المسكين بقي في وحشة القبر وظلمته، ولا يدرون أنه في لذة ما توازيها لذة، وفي راحة لا تساويها راحة كما قال: {أية : يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي}تفسير : [يس: 26-27] ولمَّا أرادوا أن يذهبوا بنيامين معهم قالوا: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا}تفسير : [يوسف: 63] فنسبوه إلى أنفسهم ولمَّا رأوه بالسرقة لم ينسبوه. وقيل: إن ينتهي بلاء بقرب سبب رد السائل وذبحه العجل بحضرة أمه، ثم ينفرج وينكشف، فما أمر البلاء إلى الفرج بعد اشتداده وقوله تعالى: {أية : وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}تفسير : [يوسف: 84] كأن خلا عنهم بنفسه، واشتغل بما ابتلي به، وتأسف على يوسف، فلهذا كان خوفه على يوسف أشد، وأتاه كيدهم فإنه مقيم باختياره. وقوله: {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ}تفسير : [يوسف: 84] إشارة إلى أنه ينبغي أن يذكر الأنبياء بالحرمة، فلم يقل عمي عند بلائه بعبادة حسنة، فقال: {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ}تفسير : [يوسف: 84]. وقوله: {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [يوسف: 86] إنما قال ذلك لأنه روي أنه أتاه ملك الموت وهو في صومعته فسلم عليه، فقال له يعقوب، من أنت؟ فقد اقشعرت أعضائي واضطربت بسلامك، فقال: أنا ملك الموت الذي لا يمنعني حصن حصين، فقال يعقوب: كنت أرجو أن أرى يوسف قبل أن أموت، فالآن جئتني لقبض روحي، فقال: ما جئت روحك ولو جئت كذلك ما أمهلت ساعة، فقال له يعقوب: بحق الله هل قبضت روحي يوسف؟ قال: لا هو حي وستلقاه عن قريب. فلذلك قوله: {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [يوسف: 86] قال بعض أهل الإشارة: لمَّا كان خوف يعقوب من قبض ملك الموت روح يوسف أتاه الأمن جهة خوفه فبشره ملك الموت، فكذا المؤمن خوفه من الموت ولا خوف على المؤمن إن مات على الإيمان كما قال: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}تفسير : [فصلت: 30]. وروي أيضاً: أن يوسف كان يوماً في الصحراء فرأى أعرابياً ركاب نجيبة فقال له: أين تقصد؟ قال: كنعان، فقال يوسف: لي معك سفر فمن حقك أن تحقني ما أعهد إليك، فعاهده الأعرابي أن يأتي بما تعهد إليه، فقال له: إذا دخلت أرض كنعان فاذهب إلى يعقوب فقل له: إن ابنك يوسف بأرض مصر، وإن طلب منك علامة فالعلامة هذه السقطة على سرتي، فلمَّا وصل الأعرابي إلى أرض كنعان أتى إلى يعقوب وقال: يا نبي الله أبشر فيوسفك المفقود بأرض مصر ويقرأ عليك السلام، فقال: بأي علامة؟ فذكر العلامة، فقال: ما حاجتك؟ فقال الأعرابي: لي مال كثير وليس لي ولد، ادعو الله لي بالولد فدعا له فرزقه بنين له، فلهذا قال: {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [يوسف: 86]. فألمى يعقوب كتاباً فكتبوه: من يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله إلى والي مصر: اعلم أني قد كبرت وضعفت، وذهب عني النوم [والراحة]، ونحن أهل بيت هم أهل البلاء، وهدف المحنة، وامتحنت بفارق قرة عيني يوسف منذ أربعين سنة أنا مبتلي بفراقه، وهذا الابن الآخر اتهمته بالسرقة وهو ابن نبي الله وليس بسارق، فالله الله أرسله إلي فهو مؤنسي، وإن لم ترسله إلي ضرك دعائي عليك، فإن الله لا يرد دعاء المظلومين، ودفعه إلى روبيل ابنه حتى يوصله إلى يوسف. فقال يوسف: بلغه سلامي وقل له: إن إبراهيم صبر وظفر، وكذا إسحاق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا، فلمَّا سمع جواب الكتاب قال: هذا كلام الأنبياء! يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه. قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ}تفسير : [يوسف: 88] أظهروا عجزهم وأعرضوا ما كان لهم وعدوه يسيراً، ثم أظهروا ضرهم بقولهم: فأوف لنا الكيل ثم أظهروا ضرورتهم، فقالوا: أو تصدق علينا، ثم نكروا كرم الحق بقولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ}تفسير : [يوسف: 88] ففعل يوسف أيضاً خمسة أشياء عاتب بقوله: {أية : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ}تفسير : [يوسف: 89] لقنهم حجتهم بقوله: {أية : إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}تفسير : [يوسف: 89] حتى يقولوا: فعلنا بجهالة، ثم عفا بقوله: {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف: 92] وثم صار شفيعاً في حقهم بقوله: {أية : يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [يوسف: 92] ثم قوى رجاهم في قلوبهم بقوله: {أية : وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [يوسف: 92]. فكذلك أيها العبد المؤمن تب إلى الله كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ}تفسير : [العنكبوت: 69] وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون وأنب إليه كما قال: {أية : وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ}تفسير : [الزمر: 54] {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الذاريات: 50] ثم تستمر لعبادته كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69] احترز من كيد الشيطان كما قال: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}تفسير : [فاطر: 6] ثم خالف هواك كما قال: وأمَّا من خالف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإذا فعلت ذلك أكرمت بالقبول كما قال: {أية : وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}تفسير : [غافر: 3] بالمغفرة كما قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}تفسير : [الزمر: 53] وتبديل السيئات الحسنات كما قال: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70] وبالنجاة من العذاب كما قال: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}تفسير : [مريم: 72] وبدخول الجنة كما قال: {أية : يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [غافر: 40]. وقوله: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}تفسير : [يوسف: 94] يحكى أن ريح الثوب لم يجدها الإخوة ووجدها يعقوب؛ لأن الإخوة كانوا عاقين لوالديهم، وكان الثوب من الجنة فلم يجدوا ريحه، ثم بعد ذلك رحموا وغفروا وقيل لم يجدوا ريح الثوب؛ لأنهم ما احترموا يوسف، بل هتكوا حرمته فلا جرم لم يجدوا ريحه كما لا يجد غير التائب ريح التوبة في الآخرة. وقيل: كان ليوسف قميص المحبة {أية : وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}تفسير : [يوسف: 18]، وقميصه الفتنة {أية : وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}تفسير : [يوسف: 25] وقميصه البشارة، {أية : ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا}تفسير : [يوسف: 93] ولمَّا كان يوم البلاء تباغضوا، ولمَّا كان يوم الفرح توادوا واستبشروا وتنافسوا أنهم يذهب بالقميص ويبشر يعقوب به، هكذا قال الله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 140] فسبحانه من عزيز حميد فقال: لما يريد بقلب الدهور ويحدث الأمور بعد الأمور. وقوله: {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 98] قيل: إنما أخر؛ لأن ما ينال بالهوينا لا يعرف قدره فأراد أن يكونوا بين الخوف والرجاء، ثم إذا نالوه فإن أهل الجنة لو طلقوا فيها لما عرفوا قدرها، وقيل: إنما أخر الاستغفار؛ لأن يعقوب عليه السلام كان شفيعاً، والشفيع لا يشفع إلا برضاء الخصم، فأخر حتى يسترضى يوسف قوله: {أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ}تفسير : [يوسف: 100] ولم يقل: إذ أخرجني في الجب بحضرة إخوته إنه كان في الجب أياماً قليلاً وهي ثلاثة أيام. وروي أنه ما بات في الجب وبقي في السجن سنين كان مع غير أبناء الجنس، وكان في الجب الملك يؤنسه؛ ولأنه لم يرد أن يذكر أمر الجب بحضرة إخوته إذ هم جعلوه فيه تكرماً وتلطفاً، فلقد عفا عنهم {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف: 92] وطلب المغفرة لهم كما قال: {أية : يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [يوسف: 92] وقوى رجائهم بقوله: {أية : وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [يوسف: 92] ولم يذكر لهم ما فعلوه معه وأحال ذنبهم على الشيطان فقال: {أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}تفسير : [يوسف: 100]، وبدأ ينزغ الشيطان بنفسه فقال: {أية : بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}تفسير : [يوسف: 100] وصلوات الله عليه وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الذين كانوا معادن الكرم واللطف ومحاسن الشيم عامة. وقوله: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف: 101] أخاف إعطاء الملك من الله تعالى؛ لأنه هو {أية : مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 26]، وقال: {أية : مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف: 101] ولم يقل: من الملك؛ لأنه كان ملك مصر فحسب، وكذا ملك المخلوقين في الدنيا لا يكون كاملاً بل يكون معيباً بالنقائص وآمناً ملكهم التام في الدار السلام؛ إذ يلقون ما يشتهون ولا يمتنع عليه مراد كما قال: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}تفسير : [الإنسان: 20] أهلنا الله لذلك بلطفه وكرمه، وإنما بدأ بذكر الله ثم يعلم التأويل؛ لإن مقصوده من الملك كان بث المعدلة وإمساك الطعام على الدعية، والسبب إلى إبقاء أرواحهم فكان هذا النفع أعم من نفع علم التأويل، فلهذا قدم ذكره وقيل: أعطي ثلاثة من الأنبياء النبوة والعلم والملك، وأود كما قال: {أية : وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 251] وسليمان ويوسف، وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم النبوة والعلم وملك القناعة، وأعطي عيسى النبوة والعلم وملك الزهد في الدنيا. وأخبر عن يوسف أنه قال: {أية : أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ}تفسير : [يوسف: 101]، وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ}تفسير : [القصص: 64] ثم كيدون فلا تنظرون {أية : إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [الأعراف: 196] وقال في حق المؤمنين: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البقرة: 257] فانظر هل توازي هذه الكرامة كرامة؟ ثبتنا الله على الإيمان. قوله: {أية : تَوَفَّنِى مُسْلِماً}تفسير : [يوسف: 101] يدل على: إن من حق العبد أن يتضرع دائماً إلى الله في تثنيته على الإيمان، وكذا قوله تعالى خبراً عن إبراهيم {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35]، وروي أن جبريل عليه السلام قال: "متى لُعن إبليس لم يبق ملك مقرب إلا وهو يخاف زوال الإيمان"، ويقول: ربنا لا تغير اسمنا ولا تبدل جسمنا ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، فكأن يوسف قال: رب احفظني في ميزان التأديب حتى لم أرض أضرع، واحفظني في ملك حتى لم أظلم بل عدلت، وقد بقي الفزع الأكبر فلا تمتني إلا مسلماً، وألحقني في الآخرة بالصالحين. قال يحيى بن معاذ: من تمام نعمة الله على يوسف بأن يجعله [منبأ] على أخوته، واضطرهم إلى الخضوع له والتذلل بين يديه بقولهم: {أية : وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}تفسير : [يوسف: 91] وقال سهل: نعمته عليك تصديق الرؤيا الذي رأيته لك. وقال بعضهم: ويتم نعمته عليك بأن عصمك عن أفعال ما تليق بك ولآبائك، قال الحكماء في قوله: {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}تفسير : [يوسف: 21] أي: حيث أمر يعقوب يوسف - عليهم السلام - بألاَّ يقص رؤياه على إخوته فغلبه الله تعالى حتى قص، ثم أراد يعقوب ألاَّ يكيدوا فغلب أمره حتى كادوا، ثم أراد إخوة يوسف قتله فغلب أمره حتى لم يقتلوه، ثم أرادوا أن يلقوه في الجب ليلتقطه بعض السيارة فيندرس اسمه فغلب أمره حتى لم يندرس اسمه وصار مذكوراً مشهوراً، ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب أمره حتى صار ملكاً وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمره حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، ثم دبروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين تائبين فغلب أمره حتى نسوا الدين، وأضروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخرة الأمر بعد أربعين سنة فقالوا: {أية : وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}تفسير : [يوسف: 91]. وقالوا لأبيهم: {أية : وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}تفسير : [يوسف: 91] ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالقميص والدم والبكاء فغلب أمره حتى لم يخدع، وقال: {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ}تفسير : [يوسف: 18] ثم احتالوا أن تذهب محبته عن قلب أبيه فقلب أمره حتى زادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمره حتى نسي الساقي ذكر يوسف {أية : فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}تفسير : [يوسف: 42]، ثم احتالت امرأة العزيز أن تزيل المراودة عن نفسها حين قالت: {أية : مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا}تفسير : [يوسف: 25] فغلب أمره حتى شاهد الشاهد من أهلها. وقال ابن عباس رضي الله عنه: {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}تفسير : [يوسف: 21] على ما أراد من قضائه لا يغلب على أمره غالب، ولا يبطل إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير منازع، قال جعفر بن محمد الصادق سلام الله عليهما: البرهان النبوة التي أودع الله تعالى في العلم في صدره فهي التي حالت بينه وبين ما يسخط الله، وقيل: هو ما أتاه الله تعالى في العلم والحكمة. وقال أهل الإشارة: إن المؤمن له برهان من ربه في صدره من معرفته فرأى ذلك البرهان وزواجره، وقال سهل: عصمه الله من الفعل ولم يعصمه من الهم، وقال المزني: غلب عليها الطبع فهمت بالمعصية وغلب على يوسف التوفيق. ومن العبر والمواعظ والفوائد في هذه القصة. * أنه قال: لقد كان في يوسف وإخوته فلم ينقطع الوصلة بينهم بالجفاء الذي وقع منهم؛ لبقاء أصل الدين في مؤاخاته بخلاف ابن نوح، فإنه قال في حقه: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : [هود: 46] ولا في إخوة يوسف عزموا على أن يتضرعوا إلى الله إلى التوبة والإنابة. كما أخبر عنهم بقوله تعالى: {أية : وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}تفسير : [يوسف: 9] قال بعض المفسرين: وأمَّا كنعان فلم يعزم على الالتجاء إلى الله تعالى، بل {أية : قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود: 43]. * ومنها: روي أنه ابتلي بذلك الفراق؛ لأن امرأته حين وجدت ريح قدرهم فسألت عن يعقوب من ذلك الطعام فقال: اذهبي إلى بيتك مشاهدي إليك، ثم نسي وعدهم فابتلي بذلك الفراق، وقيل: ببيدائه ذبح عجلاً بحضرة أمه فينبغي أن يعتبر ويحترز من أمثال ذلك. * ومنها: أنه أظهر لبنيه زيادة محبة ليوسف فحملهم ذلك على أن فعلوا ما فعلوا، فينبغي أن يعتبر المؤمن ويسوي بين أولاده جهده في المحبة وأن لم يمكنه فليكتم ذلك عنهم، ولذلك يستحب في شرعنا التسوية بين الأولاد في العطاء. * ومنها: ألاَّ يأمن من نزغات الشيطان في حال من الأحوال، فإنهم كانوا من أبناء النبي عليه السلام ومع ذلك نزغ الشيطان بينهم. * ومنها: اجتناب الجسد إذا حملهم الحسد على فعلهم ذلك. * ومنها: أن المحبة سبب البلاء، فمن ادَّعى المحبة فليستعد للبلاء. * ومنها: ألاَّ يوثق بكل أحد، ولا يؤتمن على أحد، ائتمن يعقوب بينه على ابنه فأصابه منهم ما أصاب. * ومنها: أن الأولاد فتنة، ولقد روي في القصة أنه التمس من الله أن يرسله، فيعمد إلى الصحراء فلم يرد أن يمسكه. * ومنها: فضيلتي الصبر، فلقد صبر يعقوب فنال الفرج، وصبر يوسف فنال الملك والمراد، وصبرت زليخاء فبلغت المقصود. * ومنها: فضيلة الحلم، فلقد حلم عنهم حين قدر عليهم وقال: {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف: 92]. * ومنها: أن الإقرار بالذنب سبب العفو، فإنهم قالوا: {أية : وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}تفسير : [يوسف: 91] قابلهم بأنه قال: {أية : قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [يوسف: 92]. * ومنها: من يريد الله رفعه فلن يضره كيد كائد، فلقد كادوا ليوسف فلم يمكنهم دفع رفعته {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}تفسير : [يوسف: 21] ولقد كاد الكفار رسولنا صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنفال: 30] فلم يدفعوا مراد الله فيه، فكذلك المؤمن إذا كانت معه عناية الله لم يضره كيد جني ولا كيد أنسي به، ونسأل الله تعالى ألاَّ يخلبنا عن عنايته ورعايته بفضله وكرمه فهم بموعظتها، وقال رويم: همت زليخاء بالمعصية، وهم يوسف بالرجوع إليها في الفرار منها، وذلك قوله عز وجل: {أية : وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ}تفسير : [يوسف: 25] قال ابن عطاء: لولا أن رأى برهان ربه أي: واعظاً من قلبه، وهو قوله عليه السلام: "حديث : واعظ الله في قلب كل مؤمن ". تفسير : وقال الجنيد: تحرك طبع البشرية في يوسف ولم يعدوه طبع العادة والعبد في تحريك الخلقة غير مذموم، وفي مقالة المعصية ملوم، وذكر الله على يوسف همه على طريق المحمدة لاعلى طريق الذمة. وقال أبو عثمان: ما كان هم به إلا هم شفقة عليها، ودعا إلى الله في قطع تلك الهمة الدنية عنه كيف يكون هم يوسف غير ذلك أو هم أنها بدا واللهُ تعالى يقول: {أية : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ}تفسير : [يوسف: 24]، فكانت الفحشاء مصروفة عنه كيف يبقى عليه موضع هم دوني. قال الشيخ المصنف رضي الله عنه: همت به زليخاء هم النفسانية الهوائية، لكن بمناسبة وقضاء الربانية، وهم بها يوسف هم ائتلاف الروحانية لمناسبة أحكام الأزلية بينهما بالزوجية، فإن كان هم زليخاء هم العاشقين بالمعشوق وكان هم يوسف هم الزوج بزوجته لولا أن رأى برهان ربه وهو وارد رباني يرد على قلب نوراني مؤيد بروح من عالم الأنبياء الذي يحكم على الغيب بعلم تأويل الأحاديث فأنبأه أنه زوجته، ولكن ما قال بعد وقت الأزدواج فهم بسائق والزجر لعدم انقضاء مدة كما قال: {أية : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ}تفسير : [يوسف: 24] والسوء شغل البضع بنكاح الغير، والفحشاء المباشرة قبل النكاح. قال الجنيد: سئل السَّري ما علامة المحبة قال: ما ذكره الله في كتابه (قد شغفها حبّاً)، قال: ألاَّ يرى جفاء الحبيب جفاء، بل يرى جفاؤه وفاء. وقال الشلبي: علامة الصدق في المحبة استواء المحبة في الشدة والرخاء، وقال سمنون: الشغاف في المحبة امتلاء القلب منها حتى لا يكون لشيء عندها فيه مكان، قوال الشبلي: الشغاف نهاية العشق. وقال جعفر: الشغاف مثل القيم أظلم قلبها عن النظر في غيره والاشتغال بسواه. وقال بعضهم رضي الله عنهم: الشغاف جلد رقيق على وجه حبة القلب وهو مبلغ غاية عشق المخلوق، فلا يتجاوز عشق المخلوق الشغاف وجه القلب هي مبلغ عشق الخالق، فيجاوز الشغاف ويبلغ حبة القلب. قال بعضهم في قوله: {أية : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}تفسير : [يوسف: 31] يشاهدن حسناً غير موضع الشهوة مؤيداً بعصم النبوة فأكبرنه. وقال أبو سعيد الخراز: المحب من يكون في حال المشاهدة غائباً عن حسه فانيا عن نفسه لا يحسن بما يجري عليه. قال مخلوف: في رؤية مخلوقٍ لم يتألم بقطع اليد ولم يحس به وأنتم تتألمون مما يصيبكم من أثقال المحبة بالحقيقة. قال سهل: {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [المؤمنون: 24] ما هذا إلا ملك في أخلاقه بشر في صورته. قال محمد بن علي بن زين العبادين - سلام الله عليهم -: ما هذا بأهل أن يدعي إلى المفاسد مثله يكرم، وينزه عن مواضع الاعتراضات لكرم أخلاقه ولطف شمائله. وقال ابن عطاء في قوله: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [يوسف: 53] بالنفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، فالنفس تجري على طبعها في ميدان المخالفة، والعبد يردها بحمد عن سوء المطالبة، فمن أعرض عن الجهد فقد أطلق عناده النفس وغفل عن الرعاية الأدب، فمهما أماتها فهو شريك في مرادها. وقال الجنيد: من أعان نفسه على هواها فقد أشرك في قتل نفسه والعبودية ملازمة الأدب والطغيان سوء الأدب. وقال سهل: خلق الله النفس، وجعل طبعها بالجهل، وجعل الهوى أقرب الأشياء إليها، وجعل الهوى الباب الذي منه الهلاك. وقال الواسطي: النفس ظلمة وسراجها سرها، فمن لم يكن له سر فهو ظلمه أبداً. وقال سهل: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [يوسف: 53] ليس لها في الأخلاق نصيب. وقال الشيخ رضي الله عنه: إن النفس خلقت أمارة بالسوء، فإذا رحمها ربها جعلها مأمورة، وبنور الرحمة مستورة، وبالواردات الربانية مقهورة، وبنظر العناية منظورة، وذنوبها مغفورة، وأخلاقها المذمومة محمودة، وعلى العبودية مطمئنة، ولجذبات الإلهية قابلة، وإلى ربها راجعة راضية مرضية في زمرة خواص العباد داخلة، ولجنة جوار الحق مستلهمة، وبسطوات تجلي صفات الجمال والجلال فانية، وبصفة بقاء الله باقية. وعن محمد بن كعب القرطبي عن الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - قضي القضية فقال رجل من ناحية المسجد: يا أمير المؤمنين ليل القضاء كما قضيت، قال: كيف هو؟ قال: هو كذا أو كذا، قال: صدقت وأخطأت {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 76]. قال بعضهم في قوله: {أية : نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ}تفسير : [يوسف: 76] بالعلم، وقيل: بالتقوى، وقيل: بنزع الشهوات والأهواء عنه، وقيل: بالاستقامة، وقيل: بالمكاشفة والمشاهدة، وقيل: بالفراسة الصادقة، وقيل: بالمعرفة والتوفيق، وقيل: بإجابة الدعاء، وقيل: بالإقبال على الآخرة والإعراض عن الدنيا، وقيل: بمعرفة مكائد النفس. وقال الجنيد: رفع درجات في يشاء بإسقاط الكونين عنه ورفعه عن الالتفات إلى الأحوال والمقامات؛ ليكون خالصاً لنا بلا علة. وقال بعضهم رضي الله عنهم: نرفع درجات من نشاء بالبقاء بعد الفناء؛ ليكون فانياً عن وجوده المجازي باقياً بوجوده الحقيقي. وقال بعضهم في قوله: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 76] فوق كل ذي معرفة عارف إلى أن تنتهي المعرفة إلى المعروف، فتسقط الأوصاف ويبقى حقاً محضاً. وقال بعضهم: العلوم تتفاوت على مقدار الصنائع والتعليم إلى أن ترى من يتلقف العلم من الحق ورزق العلم اللدني، فذلك العالم بالعلم اللدني الذي لا عالم فوقه في الخلق. وقال الشيخ رضي الله عنه: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 76] في المنقول والمعقول {عَلِيمٌ} هو عالم بالله. وقال بعضهم: الصبر الجميل الذي ليس فيه إظهار الشكور والإحساس بالبلوى. وقال الشيخ رضي الله عنه: الصبر جميل إن ترى البلاء جميلاً من الجليل، والصبر يدفع البلاء إلى الخليل. وقال الجنيد في قوله: {أية : وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ}تفسير : [يوسف: 84] وقال: يا أسفاً على يوسف أعرض عنهم لما لم يجد من عندهم الفرج، ولم ير فيهم [مسكا لب كوباه]، {أية : وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}تفسير : [يوسف: 84] لم يترك في هذا النفس الواحد بقيا حتى أوحى الله تعالى إليه أن يا موسى على غيري ذلك الصبر الجميل الذي وعدتنا في نفسك أبنائي، وقد أخذنا منك واحداً، وأبقيناك عشراً وأنت مع هذا تظهر الشكوى وتقول: صبر جميل. قال ابن عطاء: بكاء يعقوب وتأسفه لفقد الألفة، وذلك أنه لما لقي يوسف عليه السلام زاد في البكاء، فقال: با أبت أتبكي عند الفراق وعند التلاقي، قال: ذلك بكاء حرقة القلوب وهذا بكاء الدهش. وقال أبو سعيد القرشي: أوحى الله تعالى إلى يعقوب تتأسف على غيري وعزتي لأخذن عينك ولا أردهما إليك حتى تنساه. وسئل أبو سعيد القرشي لِم لم يذهب عين آدم وداود من هول بكائهما وذهبت عين يعقوب؟ قال: لأن بكاءهما كان من خوف الله، وبكاء يعقوب كان على فقد ولده فحفظا وعوتب. وقيل: {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [يوسف: 84]، وقال: بكاء الأحزان؛ يعمي العيون، وبكاء الشوق يجلي العيون، وقال أيضاً: الطبيب الحاذق من يأخذ الدواء من الداء الذي يعقوب عمى بفقد يوسف فلم يبصر الآباء بإلقاء الثوب على وجهه، وأنشد المجنون في معناه: شعر : تَداوَيتُ مِن لَيلى بِلَيلى عَنِ الهَوى كَما يَتَداوى شارِبُ الخَمرِ بِالخَمرِ تفسير : قال الشيخ رضي الله عنه: ما كان بكاء يعقوب وتأسفه على فقد صورة يوسف، وإنما كان على خوف فقد قلب يوسف في يوسف، وابيضت عيناه من الحزن على هذا المعنى ألا ترى أنه لما ألقى على وجهه بقميص يوسف كيف ارتد بصيراً؛ لأنه شم في قميصه رائحة سلامة قلبه، فكما أنه كان عماء من حزن فقد قلب يوسف كان بصره من سرور وسلامة قلب يوسف. قال ابن عطاء في قوله: {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [يوسف: 86] كان علمه الله كان حقيقة وعلمكم به علم استدلال. وقال الجنيد في قوله: {أية : وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف: 87]، تحقق رجاء الراجين عند تواتر النعم وترادف المصائب؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف: 87] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أفضل العبادة انتظار الفرج ". تفسير : قال أبو عثمان في قوله: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف: 101]، قال بما كان يجري عليه في حالتي السراء والضراء وهذا هو الملك. قال ابن عطاء: الملك هو احتياج حساده إليه وقال بعضهم: هو القناعة فيه. قال الشيخ رضي الله عنه: هو أراه البرهان أخبرهم بها ليملك نفسه وينهاها به عن الهوى. وقال الصادق في قوله: {أية : إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ}تفسير : [يوسف: 100] أوقف حكم عباده تحت مشيئته إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم، وإن شاء قربهم، وإن شاء بعدهم؛ لتكون المشيئة والقدرة له لا لغيره. وعن سهل في قوله: {أية : تَوَفَّنِى مُسْلِماً}تفسير : [يوسف: 101] قال: أمتني وأنا مسلم إليك أمري معرض إليك شافي لا يكون لي إلى نفس مجال ولا تدبير في سبب من الأسباب. وقال: الدينوري: {أية : وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [يوسف: 101] في إصلاحهم لمجالستك وحضرتك، وأسقطت عنهم الخلق، وأزلت عنهم رعونات الطبع. قال أبو صالح: من العبَّاد من زين الله تعالى ظاهرة بآداب الخدمة، ونور باطنه بنور المعرفة. وجعله راحة للخلق سعد ببركته من قصده، وما يؤمن من أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. قال الواسطي: وهم مشتركون في ملاحظة الخواطر والكرامات، وقال بعضهم: وما يؤمن أكثرهم باللسان إلا وهم مشركون عند نزول النوائب في الرجوع إلى سواه، والاعتماد فيه على ضعيف مثلهم وفي قوله: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}تفسير : [يوسف: 108]. قال ابن عطاء: أدعوكم إلى من تعودتم من النعم والأفضال والبر والتوال على الأفعال، وهو الله الذي لم يزل ولا يزال تبارك العزيز المتعال. وقال بعضهم: فرّق بين من دعا إلى الله وبين من دعا إلى سبيل الله؛ فمن دعا إلى الله يدعو الخلق إليه به لا يكون فيه حظ لنفسه، ومن دعى إلى سبيل الله يدعوهم بنفسه إليه لذلك كثرت الإجابة لمن يدعوا إلى سبيله لمشاكلة الطبع، وقل من يجيب لمن يدعو إلى الله؛ لأن فيه مفارقة الطبع والنفس، وقال بعضهم: البصيرة من لباس الأرواح، وليس لها من الأجسام حظ. وقال الواسطي: على بصيرة أيقن بالله أنه ليس إليه من الهداية شيء. وقال ابن عطاء: منهم: من اتبع على الظاهر، ومنهم: من اتبعه على الحقيقة، والتحقيق فذلك الذي قال الله تعالى: {أية : أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}تفسير : [يوسف: 108]، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. قال الصادق: لأولي الأمر أو مع الله، وقال ابن عطاء: عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ في آن، أن النفس ليست بمحل الأمن والاعتقاد عليها، وصلى الله تعالى على محمد وآله أجمعين.