١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا قد تكلمنا في هذه الألفاظ قال ابن عباس رضي الله عنهما معناه: أنا الله أعلم، وقال في رواية عطاء أنا الله الملك الرحمن، وقد أمالها أبو عمرو والكسائي وغيرهما وفخمها جماعة منهم عاصم وقوله: {تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة المسماة بالمر. ثم قال: إنها آيات الكتاب. وهذا الكتاب الذي أعطاه محمداً بأن ينزله عليه ويجعله باقياً على وجه الدهر وقوله: {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } مبتدأ وقوله: {ٱلْحَقّ } خبره ومن الناس من تمسك بهذه الآية في نفي القياس فقال: الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند الله وإلا لكان من لم يحكم به كافراً لقوله تعالى: { أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] وبالإجماع لا يكفر فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند الله. وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حقاً لأجل أن قوله: {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ } يقتضي أنه لا حق إلا ما أنزله الله فكل ما لم ينزله الله وجب أن لا يكون حقاً، وإذا لم يكن حقاً وجب أن يكون باطلاً لقوله تعالى: { أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } تفسير : [يونس: 32] ومثبتو القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضاً من عند الله، لأنه لما أمر بالعمل بالقياس كان الحكم الذي دل عليه القياس نازلاً من عند الله. ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق بين أن أكثر الناس لا يؤمنون به على سبيل الزجر والتهديد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} تقدّم القول فيها. {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني وهذا القرآن ٱلذي أنزل إليك. {مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء نفسك؛ فاعتصم به، وٱعمل بما فيه. قال مقاتل: نزلت حين قال المشركون: إن محمداً أتى بالقرآن من تلقاء نفسه. «وَالَّذِي» في موضع رفع عطفاً على «آيَاتُ» أو على الابتداء، و«الْحَقُّ» خبره؛ ويجوز أن يكون موضعه جراً على تقدير: وآيات الذي أنزل إليك، وارتفاع «الحقّ» على هذا على إضمار مبتدأ، تقديره: ذلك الحق؛ كقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ. ٱلْحَقَّ} [البقرة: 75 ـ 146] يعني ذلك الحقّ. قال الفرّاء: وإن شئت جعلت «الَّذِي» خفضاً نعتاً للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما يقال: أتانا هذا الكتاب عن أبي حفص والفاروق؛ ومنه قول الشاعر:شعر : إلى الملِكِ القَرْمِ وٱبنِ الهُمَامِ ولَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحم تفسير : يريد: إلى الملك ٱلْقَرْمِ بن الهمام، ليثِ الكَتيبة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
البيضاوي
تفسير : وقيل مكية إلا قوله: {ويقول الذين كفروا ... الآية} وهي ثلاث وأربعون آية. {المر} قيل معناه أنا الله أعلم وأرى. {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني بالكتاب السورة و {تِلْكَ} إشارة إلى آياتها أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة أو القرآن. {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ} هو القرآن كله ومحله الجر بالعطف على {ٱلْكِتَـٰبِ } عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى، أو الرفع بالابتداء وخبره {ٱلْحَقُّ} والجملة كالحـجة على الجملة الأولى، وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقاً فهو أعم من المنزل صريحاً أو ضمناً، كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } لإِخلالهم بالنظر والتأمل فيه.
ابن كثير
تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقدمنا أن كل سورة ابتدئت بهذه الحروف، ففيها الانتصار للقرآن، وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد وقتادة، وفيه نظر، بل هو بعيد، ثم عطف على ذلك عطف صفات فقال: {وَٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي: يا محمد {مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} خبر تقدم مبتدؤه، وهو قوله: {وَٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة، واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة، أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا، واستشهد بقول الشاعر:شعر : إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتيبةِ في المُزْدَحَم تفسير : وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم؛ لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {المر } الله أعلم بمراده بذلك {تِلْكَ } هذه الآيات {ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن، والإضافة بمعنى (مِنْ) {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أي القرآن، مبتدأ خبره {ٱلْحَقُّ} لا شك فيه {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {لاَ يُؤْمِنُونَ } بأنه من عنده تعالى.
الشوكاني
تفسير : قوله: {المر } قد تقدّم الكلام في هذه الحروف الواقعة في أوائل السور بما يغني عن الإعادة، وهو اسم للسورة مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف. أو على أنه مبتدأ خبره ما بعده، والتقدير على الأول: هذه السورة اسمها هذا، والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى آيات هذه السورة، والمراد بالكتاب: السورة أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة الشأن، ويكون قوله: {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ } مراداً به القرآن كله، أي: هو الحق البالغ في اتصافه بهذه الصفة، أو تكون الإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى آيات القرآن جميعه على أن المراد بالكتاب جميع القرآن. ويكون قوله: {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ } جملة مبينة لكون هذا المنزل هو الحق. قال الفراء: {والذي} رفع بالاستئناف وخبره {الحق}، قال: وإن شئت جعلت {الذي} خفضَا نعتاً للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما في قوله:شعر : إلى الملكَ القرمِ وابن الهمامِ تفسير : ويجوز أن يكون محل {والذي أنزل إليك} الجرّ على تقدير: وآيات الذي أنزل إليك، فيكون الحق على هذا خبراً لمبتدأ محذوف {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } بهذا الحق الذي أنزله الله عليك. قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ} والعمد: الأساطين جمع عماد أي: قائمات بغير عمد تعتمد عليه، وقيل لها عمد ولكن لا نراه. قال الزجاج: العمد: قدرته التي يمسك بها السمٰوات، وهي غير مرئية لنا، وقرىء "عمد" على أنه جمع عمود يعمد به، أي: يسند إليه. قال النابغة:شعر : وخبر الجنّ إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد تفسير : وجملة {ترونها} مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك. وقيل: هي صفة لعمد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: رفع السمٰوات ترونها بغير عمد، ولا ملجىء إلى مثل هذا التكلف {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أي: استولى عليه بالحفظ والتدبير، أو استوى أمره، أو أقبل على خلق العرش، وقد تقدّم الكلام على هذا مستوفى، والاستواء على العرش صفة لله سبحانه بلا كيف كما هو مقرّر في موضعه من علم الكلام: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } أي: ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق، ومصالح العباد {كُلٌّ يَجْرِى لأجل مُّسَمًّى } أي كلّ من الشمس والقمر يجري إلى وقت معلوم: وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي تكوّر عندها الشمس ويخسف القمر، وتنكدر النجوم وتنتثر، وقيل: المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي تنتهيان إليها لا يجاوزنها، وهي سنة للشمس، وشهر للقمر {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } أي: يصرّفه على ما يريد، وهو أمر ملكوته وربوبيته {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي: يبينها، وهي الآيات الدالة على كمال قدرته وربوبيته، ومنها ما تقدّم من رفع السماء بغير عمد، وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى، والجملتان في محل نصب على الحال أو خبر إن لقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ } على أن الموصول صفة للمبتدأ، والمراد من هذا تنبيه العباد أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة، ولذا قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ } أي: لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات توقنون بذلك لا تشكون فيه، ولا تمترون في صدقه. ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } قال الفراء: بسطها طولاً وعرضاً. وقال الأصمّ: إن المدّ: هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا المدّ الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } أي: جبالاً ثوابت، واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها، أي: تثبت. والإرساء: الثبوت. قال عنترة:شعر : فصرت عارفة لذلك حرّة ترسو إذا نفس الجبانِ تطلع تفسير : وقال جميل:شعر : أُحبها والذي أرسى قواعِده حتى إذا ظَهرت آياتُه بطنا تفسير : {وَأَنْهَـٰراً } أي: مياهاً جارية في الأرض فيها منافع الخلق، أو المراد جعل فيها مجاري الماء {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } من كل الثمرات متعلق بالفعل الذي بعده، أي: جعل فيها من كل الثمرات {زوجين اثنين}، الزوج يطلق على الاثنين، وعلى الواحد المزاوج لآخر، والمراد هنا بالزوج الواحد، ولهذا أكد الزوجين بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا الاثنين، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفي، أي: جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين، إما في اللونية: كالبياض والسواد ونحوهما، أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما، أو في القدر كالصغر والكبر، أو في الكيفية كالحر والبرد. قال الفراء: يعني بالزوجين هنا: الذكر والأنثى. والأول أولى {يغشى الليل النهار} أي: يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلماً بعدما كان أبيض منيراً، شبه إزالة نور الهدى بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها، وقد سبق تفسير هذه في الأعراف {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } أي: فيما ذكر من مدّ الأرض وإثباتها بالجبال، وما جعله الله فيها من الثمرات المتزاوجة. وتعاقب النور والظلمة آيات بينة للناظرين المتفكرين المعتبرين. {وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرٰتٌ } هذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات. قيل: وفي الكلام حذف، أي: قطع متجاورت، وغير متجاورات، كما في قوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] أي: وتقيكم البرد. قيل: والمتجاورات: المدن وما كان عامراً، وغير المتجاورات: الصحارى وما كان غير عامر، وقيل: المعنى: متجاورات متدانيات، ترابها واحد وماؤها واحد. وفيها زرع وجنات، ثم تتفاوت في الثمار فيكون البعض حلواً والبعض حامضاً، والبعض طيباً والبعض غير طيب، والبعض يصلح فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ } والجنات: البساتين، قرأ الجمهور برفع {جنات} على تقدير: وفي الأرض جنات، فهو معطوف على قطع متجاورات، أو على تقدير: وبينها جنات. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير: وجعل فيها جنات، وذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل؛ لأنه يكون في الخارج كثيراً كذلك، ومثله في قوله سبحانه {أية : جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } تفسير : [الكهف: 32]. {صِنْوٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوٰنٍ }، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص {وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان} برفع هذه الأربع عطفاً على جنات، وقرأ الباقون بالجرّ عطفاً على أعناب. وقرأ مجاهد والسلمي بضم الصاد من صنوان. وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان. قال أبو عبيدة: صنوان: جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحداً، ثم يتفرع فيصير نخلاً، ثم يحمل، وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير. قال ابن الأعرابي: الصنو: المثل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عم الرجل صنو أبيه»تفسير : ، فمعنى الآية على هذا: أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون. قال في الكشاف: والصنوان جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد، وقيل: الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق. قال النحاس: وهو كذلك في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر: صنوان، والصنو: المثل، ولا فرق بين التثنية والجمع إلاّ بكسر النون في المثنى، وبما يقتضيه الإعراب في الجمع. {يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ }، قرأ عاصم وابن عامر: {يسقى} بالتحتية، أي: يسقى ذلك كله. وقرأ الباقون بالفوقية بإرجاع الضمير إلى جنات، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد وأبو عمرو، قال أبو عمرو: التأنيث أحسن لقوله: {وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأَكُلِ } ولم يقل: بعضه. وقرأ حمزة والكسائي "يفضل" بالتحتية كما في قوله: {أية : يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } تفسير : [الرعد: 2] وقرأ الباقون بالنون على تقدير: ونحن نفضل. وفي هذا من الدلالة على بديع صنعه، وعظيم قدرته ما لا يخفى على من له عقل؛ فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد وتتفاضل في الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلواً والآخر حامضاً، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلاّ قدرة الصانع الحكيم جلّ سلطانه وتعالى شأنه، لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلاّ لسببين: إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاوراً، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحداً، لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلاّ تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب، ولهذا قال الله سبحانه: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: يعلمون على قضية العقل وما يوجبه غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات. وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {المر } قال: أنا الله أرى. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد {المر } فواتح يفتتح بها كلامه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: التوراة والإنجيل {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ } قال: القرآن. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة نحو. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} قال: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه في الآية قال: يقول لها عمد ولكن لا ترونها يعني: الأعماد. وأخرج ابن جرير عن إياس بن معاوية في الآية قال: السماء مقببة على الأرض مثل القبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السماء على أربعة أملاك، كل زاوية موكل بها ملك. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في قوله: {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى } قال: الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } قال: يقضيه وحده. وأخرج. ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: الدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة خراب، ومائة عمران، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة. وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك تقديرات لم يأت عليها دليل يصح. وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب قال: لما خلق الله الأرض قمصت. وقالت: أي ربّ، تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث، فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم ترجرج. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {يغشى الليل النهار} أي: يلبس الليل النهار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبوالشيخ عن ابن عباس في قوله: {وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرٰتٌ } قال: يريد الأرض الطيبة العذبة التي يخرج نباتها بإذن ربها، تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج، وهما أرض واحدة، وماؤها شيء واحد، ملح أو عذب، ففضلت إحداهما على الأخرى. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: قرىء "متجاورات" قريب بعضها من بعض. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: الأرض تنبت حلواً، والأرض تنبت حامضاً، وهي متجاورات تسقى بماء واحد. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن البراء بن عازب في قوله: {صِنْوٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوٰنٍ } قال: الصنوان: ما كان أصله واحداً وهو متفرّق، {وغير صنوان} التي تنبت وحدها، وفي لفظ: صنوان: النخلة في النخلة ملتصقة، وغير صنوان: النخل المتفرق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {صِنْوٰنٌ } قال: مجتمع النخل في أصل واحد {وَغَيْرُ صِنْوٰنٍ } قال: النخل المتفرّق. وأخرج الترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة، عن النبي في قوله: {وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأَكُلِ } قال: "الدقل، والفارسي، والحلو، والحامض". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هذا حامض، وهذا حلو، وهذا دقل، وهذا فارسي.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{المر تلك آيات الكتاب}وفي الكتاب ثلاثة أقاويل: أحدها: الزبور، وهو قول مطر. الثاني: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد. الثالث: القرآن، قال قتادة. فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله{تلك آيات الكتاب}أي هذه آيات الكتاب. {والذي أنزل إليك من ربك الحق}يعني القرآن. {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}يعني بالقرآن أنه منزل بالحق. وفي المراد بـ{أكثر الناس}قولان: أحدهما: أكثر اليهود والنصارى، لأن أكثرهم لم يسلم. الثاني: أكثر الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في فواتح السور وذكر التأويلات في ذلك إلا أن الذي يخص هذا الموضع من ذلك هو ما قال ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه الحروف هي من قوله: "أنا الله أعلم وأرى". ومن قال: إن حروف أوائل السور هي مثال لحروف المعجم - قال: الإشارة هنا بـ {تلك} هي إلى حروف المعجم، ويصح - على هذا - أن يكون {الكتاب} يراد به القرآن، ويصح أن يراد به التوراة والإنجيل. و {المر} - على هذا - ابتداء، و {تلك} ابتداء ثان - و {آيات} خبر الثاني، والجملة خبر الأول - وعلى قول ابن عباس في {المر} يكون {تلك} ابتداء و {آيات} بدل منه، ويصح في {الكتاب} التأويلان اللذان تقدما. وقوله: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} {الذي} رفع بالابتداء و {الحق} خبره - هذا على تأويل من يرى {المر} حروف المعجم، و {تلك آيات} ابتداء وخبر. وعلى قول ابن عباس يكون {الذي} عطفاً على {تلك} و {الحق} خبر {تلك} . وإذا أريد بـ {الكتاب} القرآن فالمراد بـ {الذي أنزل} جميع الشريعة: ما تضمنه القرآن منها وما لم يتضمنه. ويصح في {الذي} أن يكون في موضع خفض عطفاً على الكتاب، فإن أردت مع ذلك بـ {الكتاب} القرآن، كانت "الواو" عطف صفة على صفة لشيء واحد، كما تقول: جاءني الظريف والعاقل، وأنت شخصاً واحداً، ومن ذلك قول الشاعر: [المتقارب] شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وإن أردت مع ذلك بـ {الكتاب} التوراة والإنجيل، فذلك بيّن، فإن تأولت مع ذلك {المر} حروف المعجم - رفعت قوله: {الحق} على إضمار مبتدأ تقديره: هو الحق، وإن تأولتها كما قال ابن عباس فـ {الحق} خبر {تلك} ومن رفع {الحق} بإضمار ابتداء وقف على قوله: {من ربك} وباقي الآية ظاهر بين إن شاء الله. وقوله تعالى: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها} الآية، لما تضمن قوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} توبيخ الكفرة، عقب ذلك بذكر الله الذي ينبغي أن يوقن به، ويذكر الأدلة الداعية إلى الإيمان به. والضمير في قوله: {ترونها} قالت فرقة: هو عائد على {السماوات} . فـ {ترونها} - على هذا - في موضع الحال، وقال جمهور الناس: لا عمد للسماوات البتة، وقالت فرقة: الضمير عائد على العمد، فـ {ترونها} - على هذا - صفة للعمد، وقالت هذه الفرقة: للسماوات عمد غير مرئية - قاله مجاهد وقتادة - وقال ابن عباس: وما يدريك أنها بعمد لا ترى؟ وحكى بعضهم: أن العمد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليها كالقبة. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والحق أن لا "عمد" جملة، إذ العمد يحتاج إلى العمد ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: {أية : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} تفسير : [الحج: 65] ونحو هذا من الآيات، وقال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة. وفي مصحف أبيّ: "ترونه" بتذكير الضمير، و"العمد": اسم جمع عمود، والباب في جمعه: "عمد" - بضم الحروف الثلاثة كرسول ورسل، وشهاب وشهب وغيره، ومن هذه الكلمة قول النابغة: [البسيط] شعر : وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفّاح والعمد تفسير : وقال الطبري: "العَمد" - بفتح العين - جمع عمود، كما جمع الأديم أدماً. قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال، وفي كتاب سيبويه: إن الأدم اسم جمع، وكذلك نص اللغويون على العمد، ولكن أبا عبيدة ذكر الأمر غير متيقن فاتبعه الطبري. وقرأ يحيى بن وثاب "بغير عُمُد" بضم العين والميم. وقوله: {ثم} هي - هنا - لعطف الجمل لا للترتيب، لأن الاستواء على العرش قبل "رفع السماوات"، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: حديث : كان الله ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض . تفسير : وقد تقدم القول في كلام الناس في "الاستواء"، واختصاره: أن أبا المعالي رجح أنه {استوى} بقهره وغلبته، وقال القاضي ابن الطيب وغيره: {استوى} - في هذا الموضع - بمعنى استولى، والاستيلاء قد يكون دون قهر. فهذا فرق ما بين القولين، وقال سفيان: فعل فعلاً سماه استواء. وقال الفراء: {استوى} - في هذا الموضع - كما تقول العرب: فعل زيد كذا ثم استوى إلي يكلمني، بمعنى أقبل وقصد. وحكي لي عن أبي الفضل بن النحوي أنه قال: {العرش} - في هذا الموضع - مصدر عرش، مكانه أراد جميع المخلوقات، وذكر أبو منصور عن الخليل: أن العرش: الملك، وهذا يؤيد منزع أبي الفضل بن النحوي إذ قال: العرش مصدر، وهذا خلاف ما مشى عليه الناس من أن العرش هو أعظم المخلوقات وهو الشخص الذي كان على الماء والذي بين يديه الكرسي؛ وأيضاً فينبغي النظر على أبي الفضل في معنى الاستواء قريباً مما هو على قول الجميع. وفي البخاري عن مجاهد أنه قال: المعنى: علا على العرش. قال القاضي أبو محمد: وكذلك هي عبارة الطبري، والنظر الصحيح يدفع هذه العبارة. وقوله: {وسخر} تنبيه على القدرة، و {الشمس والقمر} في ضمن ذكرهما ذكر الكواكب - وكذلك قال: {كل يجري} أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر من التسخير، و {كل} لفظة تقتضي الإضافة ظاهرة أو مقدرة، و"الأجل المسمى" هو انقضاء الدنيا وفساد هذه البنية، وقيل: يريد بقوله: {لأجل مسمى} الحدود التي لا تتحداها هذه المخلوقات أن تجري على رسوم معلومة. وقوله: {يدبر} بمعنى: يبرم - وينفذ - وعبر بالتدبير تقريباً لأفهام الناس، إذ التدبير إنما هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وذلك من صفة البشر، و {الأمر} عام في جميع الأمور وما ينقضي في كل أوان في السماوات والأرضين وقال مجاهد: {يدبر الأمر} معناه: يقضيه وحده. وقرأ الجمهور: "يفصل" وقرأ الحسن بنون العظمة، ورواها الخفاف وعبد الوهاب عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص، قال المهدوي: ولم يختلف في {يدبر} ، وقال أبو عمرو الداني: إن الحسن قرأ "نفصل" و "ندبر" بالنون فيهما، والنظر يقتضي أن قوله: {يفصل} ليس على حد قوله: {يدبر} من تعديد الآيات بل لما تعددت الآيات وفي جملتها يدبر الأمر، أخبر أنه يفصلها لعل الكفرة يوقنون بالبعث، و {الآيات} هنا إشارة إلى ما ذكر في الآية وبعدها.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَاتُ الْكِتَابِ} الزبور، أو التوراة والإنجيل، أو القرآن.
النسفي
تفسير : مكية، وهي ثلاث وأربعون آية كوفي، وخمس وأربعون آية شامي بسم الله الرحمٰن الرحيم {المر} أنا الله أعلم وأرى عن ابن عباس رضي الله عنهما {تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة {آياتُٱلْكِتَـٰبِ } أريد بالكتاب السورة أي تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها {وَٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أي القرآن كله {ٱلْحَقُّ } خبر {والذي} {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } فيقولون تقوَّله محمد ثم ذكر ما يوجب الإيمان فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ } أي خلقها مرفوعة لا أن تكون موضوعة فرفعها و{الله} مبتدأ والخبر {الذي رفع السماوات} {بِغَيْرِ عَمَدٍ } حال وهو جمع عماد أو عمود {تَرَوْنَهَا } الضمير يعود إلى السماوات أي ترونها كذلك فلا حاجة إلى البيان أو إلى عمد فيكون في موضع جر على أنه صفة لـ {عمد} أي بغير عمد مرئية {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } لمنافع عباده ومصالح بلاده {كُـلٌّ يَجْرِي لأَِجَـلٍ مُّسَـمًّى } وهو انقضاء الدنيا {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } أمر ملكوته وربوبيته {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } يبين آياته في كتبه المنزلة {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع اليه.
الخازن
تفسير : قوله عز و جل {آلمر} قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه أنا الله أعلم وأرى. وروى عطاء عنه أنه قال: إن معناه أنا الله الملك الرحمن {تلك آيات الكتاب} الإشارة بتلك الى آيات السورة المسماة بالمر، والمراد بالكتاب السورة أي آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها ثم قال تعالى: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} يعني من القرآن كله هو الحق الذي لا مزيد عليه، وقيل المراد بالإشارة في قوله: تلك الأخبار والقصص أي الأخبار والقصص التي قصصتها عليك يا محمد هي آيات التوراة والإنجيل والكتب الإلهية القديمة المنزلة، والذي أنزل إليك يعني وهذا القرآن الذي أنزل إليك يا محمد من ربك الحق أي هو الحق فاعتصم به وقال ابن عباس وقتادة: أراد بآيات الكتاب القرآن، والمعنى: هذه آيات الكتاب الذي هو القرآن ثم قال: والذي أنزل إليك من ربك الحق, يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق لا شك فيه ولا تناقض {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} يعني مشركي مكة نزلت هذه الآية في الرد عليهم حين قالوا إن محمداً يقوله من تلقاء نفسه، ثم ذكر من دلائل ربوبيته وعجائب قدرته ما يدل على وحدانيته فقال تعالى: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد} جمع عمود وهي الأساطين والدعائم التي تكون تحت السقف وفي قوله: {ترونها} قولان أحدهما أن الرؤية ترجع إلى السماء يعني: وأنتم ترون السماوات مرفوعة بغير عمد من تحتها يعني ليس من دونهما دعامة تدعمها ولا من فوقها علاقة تمسكها، والمراد نفي العمد بالكلية. قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول الحسن وقتادة و جمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس. و القول الثاني: إن الرؤية ترجع الى العمد، والمعنى أن لها عمداً ولكن لا ترونها أنتم، ومن قال بهذا القول يقول: إن عمدها على جبل قاف، وهو جبل من زمرد محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة، وهذا قول مجاهد وعكرمة والرواية الأخرى عن ابن عباس، والقول الأول أصح، وقوله تعالى {ثم استوى على العرش} تقدم تفسيره والكلام عليه في سورة الأعراف بما فيه كفاية {وسخر الشمس والقمر} يعني ذللهما لمنافع خلقه فهما مقهوران، يجريان على ما يريد {كلُّ يجري لأجل مسمى} يعني إلى وقت معلوم، وهو وقت فناء الدنيا وزوالها. و قال ابن عباس: أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما يعني أنهما يجريان في منازلهما ودرجاتهما الى غاية ينتهيان إليها ولا يجاوزانها، وتحقيقه أن الله تعالى جعل لكل واحد من الشمس والقمر سيراً خاصاً إلى جهة بمقدار خاص من السرعة والبطء في الحركة، {يدبر الأمر} يعني أنه تعالى يدبر أمر العالم العلوي و السفلي، ويصرفه ويقضيه بمشيئته، وحكمته، على أكمل الأحوال لا يشغله شأن عن شأن، وقيل: يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء و الإماتة، ففيه دليل على كمال القدرة والرحمة، لأن جميع العالم محتاجون إلى تدبيره ورحمته، داخلون تحت قهره وقضائه وقدرته {يفصل الآيات} يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، وقيل: إن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: الأول: الموجودات المشاهدة، وهي خلق السماوات والأرض وما فيهما من العجائب وأحوال الشمس والقمر وسائر النجوم وهذا قد تقدم ذكره. والقسم الثاني: الموجودات الحادثة في العالم، وهي الموت بعد الحياة والفقر بعد الغنى والضعف بعد القوة إلى غير ذلك من أحوال هذا العالم، وكل ذلك مما يدل على وجود الصانع و كمال قدرته {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته لكي توقنوا، وتصدقوا بلقائه والمصير إليه بعد الموت لأن من قدر على إيجاد الإنسان بعد عدمه قادر على إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من صفات العلم، وهو فوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك، يقال منه استيقن وأيقن بمعنى علم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وزرع ونخيل صنوان وغير} بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل. الآخرون بالجر فيهن عطفاً على {أعناب}. {يسقي} بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس. الباقون بتاء التأنيث لقوله: {جنات} {ويفضل} على الغيبة: حمزة وعلي وخلف. الباقون بالنون على ونحن نفضل {أئذا} بهمزتين {إنا} بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد {آئذا إنا} بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر. هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة {آينا} بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد {أيذا أينا} بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو {أئذا آئنا} بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف {هادي} {وافى} {وإلى} {باقي} في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء {المتعالي} في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل. الوقوف: {المر} كوفي {آيات الكتاب} ط {لا يؤمنون} ه {والقمر} ط {مسمى} ط {يوقنون} ه {وأنهارا} ط {النهار} ط {يتفكرون} ه {بماء واحد} ز قف لمن قرأ {ونفضل} بالنون {في الأكل} ط {يعقلون} ه {جديد} ط {بربهم} ط {في أعناقهم} ج {النار} ج {خالدون} ه {المثلات} ط {على ظلمهم} ج لتنافي الجملتين {العقاب} ه {من ربه} ط {هاد} ه {وما تزداد} ط {بمقدار} ه {المتعال} ه {بالنهار} ه {من أمر الله} ط {ما بأنفسهم} ط {فلا مرد له} ج لاختلاف الجملتين {وال} ه. التفسير: {تلك} الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها {والذي أنزل إليك من ربك} أي القرآن كله هو {الحق} الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها. ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: {الله} وهو مبتدأ خبره {الذي} أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: {يدبر الأمر يفصل الآيات} خبر بعد خبر. والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة. وقوله: {ترونها} كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد. وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف. وقيل: ترونها صفة للعمد. ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟ قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف. ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل. وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي. ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك. أما قوله: {كل يجري لأجل مسمى} فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة. أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم. وأما القمر فسيره في منازله مشهور. وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: {أية : وأجل مسمى عنده}تفسير : [الأنعام: 2] واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون. وإنما قال في سورة لقمان {أية : إلى أجل مسمى}تفسير : [لقمان: 29] موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: {أية : أسلمت وجهي لله}تفسير : [آل عمران: 20] {يدبر الأمر} إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع {يفصل الآيات} الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي. ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر. وقوله: {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء. ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: {وهو الذي مد الأرض} قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها {وجعل فيها رواسي} أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها. وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها. وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي. وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية. وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله سبحانه. ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: {أية : وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً}تفسير : [المرسلات: 27] وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار. ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان. القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي. ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة. أما قوله: {يغشي الليل النهار} فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام. فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق. ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه سبحانه عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم. وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله {أية : جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً}تفسير : [الكهف: 32] والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد. وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : عم الرجل صنو أبيه"تفسير : . فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل. قاله الزجاج. وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات. وإنما ختم الآية السابقة بقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وهذه بقوله: {لقوم يعقلون} لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: {وفي الأرض قطع} الآية. ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس. والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق. ثم عاد سبحانه إلى ذكر المعاد فقال: {وإن تعجب} قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب. أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه تعالى رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل. قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه تعالى محال، فالمراد وإن تعجب {فعجب} عندك {قولهم} وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات {أية : بل عجبت}تفسير : [الصافات: 12] بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره. قال في الكشاف {أئذا كنا} إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول. وإذا نصب بما دل عليه قوله: {أئنا لفي خلق جديد} وهو نبعث أو نحشر. ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول {أولئك الذي كفروا بربهم} يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها. والثاني: {وأولئك الأغلال في أعناقهم} قال الأصم: المراد بذلك كفرهم. وذلتهم وانقيادهم للأصنام. يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله. وقال آخرون: هو من جملة الوعيد. ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى. والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} والأول قوله: {أية : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً}تفسير : [يس: 8] والثالث: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر. ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: {ويستعجلونك بالسيئة} بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم. {قيل} تمام {الحسنة} وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير {وقد خلت من قبلهم المثلات} أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟ وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة. {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: {على ظلمهم} حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه تعالى يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر. لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم. أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار. وأيضاً إنه تعالى مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب. وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر.. وجواب الباقي ما مر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد"تفسير : قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه}تفسير : [الأنعام: 8] ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة. قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر}تفسير : [الإسراء: 90] الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته صلى الله عليه وسلم، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب سبحانه تسلية لرسوله {إنما أنت منذر} ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك {ولكل قوم هاد} من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته. ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان. وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله تعالى قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك. والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار. وأما الهداية فمن الله. وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي. روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير. ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: {الله يعلم} لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله تعالى لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية. وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون {الله} خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ{هاد} أي هو الله. ثم ابتدأ فقيل: {يعلم} {ما تحمل كل أنثى} قال في الكشاف: لفظة "ما" في {ما تحمل} و {ما تغيض} و{ما تزداد} إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها. والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه. أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: {أية : وغيض الماء}تفسير : [هود: 44] وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض. قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر. ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: {وكل شيء عنده بمقدار} واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا. وذلك أنه سبحانه خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية. وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: {عالم الغيب والشهادة} أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات {الكبير} في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات {المتعال} المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله. ثم زاد في التأكيد فقال: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين {و} سواء عنده {من هو مستخف بالليل وسارب} على أن {سارب} معطوف على {من} لا على {متسخف} ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب. وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب {بالنهار} وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد. يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي. وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه. وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه. ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: {له} أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب {معقبات} جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته. والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه. والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة. وقوله: {من أمر الله} ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: {من أمر الله} أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب. قال ابن جريج: هو مثل قوله تعالى: {أية : عن اليمين وعن الشمال قعيد}تفسير : [ق: 17] صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته. وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين. وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟ قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة. وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: {أية : ويرسل عليكم حفظةً}تفسير : فليتذكر {الآية: 61]. وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: {له معقبات} صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار. والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم. قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله تعالى. وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير. قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب. أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: {ويستعجلونك} بين الله سبحانه بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم. ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: {أية : ذلك بأن لله لم يك مغيراً}تفسير : [الآية: 53] الآية. والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب. التأويل: {المر} الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه {الله الذي رفع السموات} المحسوسة {بغير عمد} فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير. وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به. ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، {ومن كل الثمرات} وهي الملكات والأخلاق {جعل فيها زوجين اثنين} ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة. فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: {يغشي الليل النهار} وفي أرض الإنسانية {قطع متجاورات} هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية {وجنات} هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها {من أعناب} هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو {وزرع} هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح {ونخيل} هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة {صنوان} هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود {وغير صنوان} هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى}تفسير : [النجم: 10] وكما قال: شعر : بين المحبين سر ليس يفشيه تفسير : {يسقى بماء واحد} هو ماء القدرة والحكمة {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}تفسير : [فصلت: 53] {وما تغيض الأرحام وما تزداد} أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام. مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده {يحفظونه من أمر الله} أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره {إن الله لا يغير ما بقوم} من الوجود والعدم {حتى يغيروا ما بأنفسهم} من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {الۤمۤر تِلْكَ آيَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ}: قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: «أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى». وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ...} الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسَّمٰوات ألبتَّة، وهذا هو الحَق و«العمدُ»: اسم جَمْعٍ. قوله سبحانه: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }: «ثم»؛ هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ؛ لأن ٱلاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السمٰوات، ففي الصحيحِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ » تفسير : وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى ٱلاستواء. * ت *: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده ٱستواءً منزَّهاً عن المماسَّة وٱلاستقرارِ والتمكُّن والحلولِ وٱلانتقالِ، لا يحملُهُ العَرْش، بل العرشُ وَحَمَلَتُهُ محمُولُون بلُطْفِ قُدْرته، ومَقْهُورون في قَبْضته، كان اللَّه ولا شيءَ معه، كان سبَحَانه قَبْلَ أَنْ يخلق المَكَانَ والزمَانَ، وهو الآنَ على ما عليه كان. وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ }: تنبيهٌ على القُدْرة، وفي ضِمْن الشمسِ والقَمَر الكواكِبُ، ولذلك قال: {كُلٌّ يَجْرِي} أي: كلُّ ما هو في معنى الشَّمْسِ والقَمَرِ، و«الأجلُ المسمَّى»: هو ٱنقضاء الدنيا، وفسادُ هذه البنْيَةِ. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ }: معناه: يُبْرمه وينفذه، وعبَّر بالتدبير، تقريباً للأفهام، وقال مجاهد: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ }: معناه يقضيه وحْدَهُ. و{لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ }: أي: توقنون بالبَعْثِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} قال ابن عبَّاس: معناه أنا الله أعلمُ. وقال أيضاً في رواية عطاءٍ: أنَا اللهُ الملكُ الرَّحمنُ. وأمالها أبو عمرو والكسائي وفخمها عاصم، وجماعةٌ. قوله {تِلْكَ آيَاتُ} يجوز في "تِلْكَ" أن تكون مبتدأ، والخبر "آيَاتُ"، والمشار إليه آيات السُّورةِ، والمراد بـ "الكِتَابِ": السُّورةُ. وقيل: إشارة إلى ما قصَّ عليه من أنباء الرسل، وهذا الجملة لا محلَّ لها إن قيل: إن "المر" كلامٌ مستقلٌّ، أو قصد به مجرَّد التنبيه، وفي محل رفع على الخبر إن قيل: "المر" مبتدأ، ويجوز أن يكون "تِلْكَ" خبراً لـ"المر" و{آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} بدل، أو بيان، وتقدم تقريرُ هذا أوَّل الكتابِ. قوله: {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يجوز في أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ، و"الحَقُّ" خبره. الثاني: أن يكون مبتدأ و"مِنْ ربِّكَ" خبره، وعلى هذا فـ "الحَقُّ" خبر مبتدأ مضمر، أي هو الحق. الثالث: أن "الحَقَّ" خبر بعد خبرٍ. الرابع: أن يكون "مِن ربِّك الحقُّ" كلاهما خبر واحد، قاله أبو البقاءِ، والحوفيُّ وفيه بعد، إذ ليس هو مثل: "حُلْوٌ حَامضٌ. الخامس: أن يكون "الَّذي" صفة للكتاب. قال أبو البقاءِ: "وأدخلت الواو في لفظه، كما أدخلت في "النَّازِلينَ والطيبين" يعني أنَّ الواو تدخل على الوصف، والزمخشري يجيزه، ويجعل الواو في ذلك تأكيداً، وسيأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ في الحجر في قوله {أية : إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الحجر:4]. وقوله: (في النازلين والطيبين) يشير إلى بيت الخرنقِ بنت هفّان في مدحها لقومها: [الكامل] شعر : 3160ـ لا يَبْعدَنْ قَوْمِي الَّذينَ هُمُ سُمُّ العُداةِ وَآفةُ الجُزْرِ النَّازِلينَ بِكُلِّ مُعتَركٍ والطَّيبينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ تفسير : فعطف "الطَّيبين" على "النَّازلينَ" وهما صفتان لقومٍ معينين، إلاَّ أن القوم بين الآية، والبيت واضحٌ، من حيث إنَّ البيت فيه عطف صفةٍ على مثلها، والآية ليست كذلك. وقال أبو حيَّان: أن تكون الآية مما عطف [فيه] وصف على مثله، فقال: وأجاز الحوفي أيضاً أن يكون "والَّذِي" في موضع رفع عطفاً على "آيَاتُ"، وأجاز هو، وابن عطيَّة: أن يكون "والَّذي" في موضع خفضٍ، وعلى هذين الإعرابين، يكون "الحقُّ" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق، ويكون "والَّذي" ممَّا عطف فيه الوصفُ على الوصفِ، وهما لشيءٍ واحدٍ، كما تقول: جاءني الظريف العاقلُ، وأنت تريدُ شخصاً واحداً، من ذلك قول الشاعر: [المتقارب] شعر : 3161ـ إلى المَلكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ولَيْثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحَمْ تفسير : قال شهابُ الدِّين: وأين الوصف المعطوف عليه؛ حتى نجعله مثل البيت الذي أنشده. السادس: أن يكون "الَّذي" مرفوعاً نسقاً على "آيَاتُ" كما تقدَّمت حكايته عن الحوفي. وجوَّز الحوفي أيضاً: أن يكون "الحقُّ" نعتاً لـ "الَّذي" حال عطفه على "آيَاتُ الكِتَابِ". فتلخَّص في "الحق" خمسة أوجه. أنَّهُ خبرٌ أوَّل، أو ثان، أو هو ما قبله، أو خبراً لمبتدأ مضمر، أو صفة لـ "الَّذي" إذا جعلناه معطوفاً على "آيَاتُ". فصل قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ: أراد بـ:الكِتابِ" القرآن ومعناه: هذه آيات الكتاب، يعني: القرآن، ثمَّ ابتدأ، وهذا القرآن {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} وهذا زجرٌ وتهديدٌ. وقال مقاتلٌ: نزلت في مشركي مكَّة حين قالوا: إنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فردَّ قولهم. فصل تمسَّك نفاةُ القياس بهذه الآية وقالوا: الحكمُ المستنبطُ بالقياس غير ما نزل من عند الله ـ تعالى ـ وإلاَّ لكان من لم يحكم به كافر، لقوله تعالى {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [المائدة:44]، وبالإجماع لا يكفرُ، فثبت أنَّ الحكم المثبت بالقياس غير نازلٍ من عند الله ـ تعالى ـ، وإذا كان كذلك، وجب ألاَّ يكون حقًّا، وإذا لم يكن حقًّا، وجب أن يكون باطلاً، لقوله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُتفسير : } [يونس:32] وأجيب: بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضاً؛ لأنَّه ـ تعالى ـ أمر العملِ بالقياسِ، فكان الحكمُ الَّذي دلَّ عليه القياس نازلاً من عند الله ـ تعالى ـ. قوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الآية:2] لما ذكر أنَّ أكثر النَّاس لا يؤمنون، ذكر عقبهُ ما يدلُّ على صحَّة التَّوحيد، والمعاد، وهو هذه الآية. قوله: "اللهُ" قال الزَّمخشريُّ: "اللهُ" مبتدأ، و{ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ} خبره بدليل قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} ويجوز أن يكون {ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ} صفة، وقوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} خبراً". وقوله: "بِغَيْرِ عمدٍ" هذا الجار في محلِّ نصب على الحال من "السَّمواتِ" أي: رفعها خالية من عمدٍ، ثمَّ في هذا الكلام وجهان: أحدهما: انتفاء العمدِ، والرؤية جميعاً، أي: لا عمد؛ فلا رؤية، يعني: لا عمد لها؛ فلا ترى، وإليه ذهب الجمهور. والثاني: أنَّ لها عمداً، ولكنها غير مرئيَّة. وعن ابن عبَّاسٍ: ما يدريك أنَّها بعمدٍ لا ترى، وإليه ذهب مجاهد وهذا قريب من قولهم: "مَا رأيتُ رجُلاً صالحاً"، ونحو: {أية : لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}تفسير : [البقرة:273] [الطويل] شعر : 3162ـ على لا حِبٍ لا يُهْتَدَى بِمنَارِهِ ................... تفسير : وقد تقدَّم هذا، إذا قلنا: إنَّ "تَروْنَهَا" صفة أمَّا إذا قلنا: إنَّها مستأنفةٌ كما سيأتي؛ فيتعيّن أن لا عمد لها. والعامة على فتح العين، والميم، وهو اسم جمع، وعبارة بعضهم: أنه جمع نظراً إلى المعنى دون الصناعة، وفي مفرده احتمالان: أحدهما: أنَّه عماد مثل "إهَاب وأهُب". والثاني: أنه عمودٌ، كأدِيم وأدُم، وقَضِيتم وقُضُم، كذا قاله أبو حيَّان: وقال أبو البقاءِ: "جمع عماد، أو عمود مثل: أدِيم وأدُم، وأفِيق وأفُق، وإهَاب وأهُب، ولا خامس لها"، فجعلوا فعولاً كفعيل في ذلك. وفيه نظر؛ لأنَّ الأوزان لها خصوصية، فلا يلزمُ من جمع "فعيل" على كذا أن يجمع عليه "فعول"، فكان ينبغي أن ينظروه بأن: "فَعُولاً" جمع على "فَعَل"، ثم قول أبي البقاءِ "ولا خامس لها" يعني أنه لم يجمع على: "فُعُل" إلاَّ هذه الخمسة "عِمادٌ وعَمُودٌ وأدِيمٌ وأفِيقٌ وإهَابٌ". وهذا الحصرُ ممنوعٌ لما تقدَّم من نحو: قَضِيمٌ وقُضُمٌ، ويجمعان في القلَّة على أعمدة. وقرأ أبو حيوة، ويحيى بن وثاب: "عُمُد" بضمتين، ومفرده يحتمل أن يكون عِمَاداً، كشِهَاب، وشُهُب، وكِتَاب، وكُتُب، وأن يكون عَمُوداً، كرسُولٍ، ورُسُل وقد قرىء في السبع: {أية : فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ}تفسير : [الهمز:9] بالوجهين. وقال ابن عطية في "عَمَد" اسم جمع عمود، والباب في جمعه "عُمُد" بضم الحروف الثلاثة، كرسول ورُسُلٌ. قال أبو حيان: "وهذا وهمٌ، وصوابه: بضمِّ الحرفين؛ لأنَّ الثالث هو حرف الإعراب، فلا يعتبر ضمه في كيفية الجمعِ". والعِمَادُ والعَمود: ما يعمدُ به، أي: يسند، ويقال: عمدت الحائطَ أعمدهُ عَمْداً، أي: أدْعمتهُ، فاعْتمدَ الحائطُ على العِمَادِ، والعَمَدُ: الأساطينُ قال النابغة: [البسيط] شعر : 3163ـ وخَيِّسِ الجِنَّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهُمْ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعمَدِ تفسير : والعَمْدُ: قصد الشيء، والاستناد إليه، فهو ضدُّ السَّهو، وعمودُ الصُّبْحِ: ابتداءُ ضوئهِ تشبيهاً بعمُودِ الحديدِ في الهَيئةِ، والعُمْدَة: ما يُعْتمدُ عليه من مالِ وغيرهِ والعَمِيدُ: السَّيِّد الذي يعمدهُ النَّاسُ، أي: يَقْصدُونَهُ. قوله "تَرَوْنَها" في الضَّمير المنصُوب وجهان: أحدهما: أنَّهُ عائدٌ على: "عَمَدٍ"، وهو أقرب مذكورٍ، وحينئذ تكون الجملة في محل جر صفة لـ "عَمَدٍ"، ويجيء فيه الاحتمالانِ المتقدِّمانِ من كون العمد موجودة لكنَّها لا ترى، أو غير موجودة ألبتَّة. والثاني: أنَّ الضَّمير عائد على "السَّمواتِ"، ثمَّ في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها مستأنفة لا محلَّ لها، أي: استشهد برؤيتهم لها لذلك، ولم يذكر الزمخشري غيره. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من هاء: "تَرَوْنهَا" وتكون حالاً مقدرة؛ لأنها حين رفعها لم نكن مخلوقين، والتقدير: رفعها مرئية لكم. وقرأ أبي: "تَرَوْنهُ" بالتَّذكير مراعة للفظ "عَمَدٍ" إذ هو اسمُ جمع، وهذه القراءة رجح بها الزمخشري كون الجملة صفة لـ"عَمَدٍ"، وزعم بعضهم أن "تَرَوْنَهَا" خبر لفظاً، ومعناه الأمر، أي روها، وانظروا إليها لتعتبروا بها، وهو بعيد؛ ويتعين على هذا أن يكون مستأنفاً، لأن الطَّلب لا يقع صفة، ولا حالاً. و"ثُمَّ" في "ثُمَّ اسْتَوَى" لمجرَّدِ العطف لا للترتيب؛ لأنَّ الاستواء على العرشِ غير مرتب على رفع السموات. قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} علا عليه: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} لمنافع خلقه، فهما مقهوران يجريان على ما يريد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ. قال ابن عبَّاسٍ: للشَّمس مائة وثمانون منزلاً كُلَّ يوم لها منزلٌ، وذلك يتمُّ في ستَّة أشهرٍ، ثم تعود مرة أخرى إلى واحدٍ منها في ستَّة أشهر أخرى، وكذلك للقمر ثمانية وعشرون منزلاً، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى}. وتحقيقه: أن الله قدَّر لكلِّ واحدٍ من هذه الكواكب سيراً خاصًّا إلى جهة خاصَّة بمقدارٍ خاص من السُّرعةِ، والبُطءِ، وإذا كان كذلك؛ لزم أن يكون لها بحسب كلِّ لحظة ولمحة حالة أخرى لم تكن حاصلة قبل ذلك. وقيل: المراد بقوله: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} كونهما متحركين إلى يوم القيامة فتنقطع هذه الحركات كما وصف ـ تعالى ـ في قوله: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}تفسير : [التكوير:1] {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الانشقاق:1] و{أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}تفسير : [الانفطار:1] {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [القيامة:9] كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ}تفسير : [الأنعام:2]. قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} قرأ العامة هذين الحرفين بالياء من تحت جرياً على ضمير اسم الله ـ تعالى ـ وفيهما وجهان: أظهرهما: أنهما مستأنفان للإخبار بذلك. والثاني: أنَّ الأول حالٌ من فاعل "سخَّر"، والثاني حالٌ من فاعل: "يُدبِّرُ". وقرأ النخعي، وأبان بن تغلب: (ندبر الأمر نفصل) بالنون فيهما، والحسن والأعمش: "نُفَصِّلُ" بالنون "يُدبِّرُ" بالياء. قال المهدويُّ: لم يختلف في: "يُدبِّرُ" يعني أنَّه بالياء، وليس كما ذكر لما تقدَّم عن النخعي، وأبان بن تغلب. فصل قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} يقضيه وحده، وحمل كل واحد من المفسرين التَّدبير على نوع آخر من أحوال العالم، والأولى حمله على الكل، فهو يدبِّرهم بالإيجاد، والإعدامِ والإحياءِ، والإماتةِ، والاعِتمادِ، والانقيادِ، ويدخل فيه إنزال الوحي، وبعث الرسلَ وتكليف العبادِ، وفيه دليلٌ عجيبٌ على كمال القدرةِ والرحمة؛ لأنَّ هذا العالم من أعلى العرش إلى أطباق الثَّرى يحتوي على أجناسٍ، وأنواع لا يحيطُ بها إلا الله ـ تعالى ـ. والدليل المذكور على تدبير كلِّ واحدٍ بوصفه في موضعه وطبيعته، ومن المعلوم أنَّ من اشتغل بتدبير شيءٍ، فإنَّهُ لا يمكنه تدبير شيء آخر، فإنه لا يشغله شأنٌ عن شأن، وإذا تأمَّل العاقل في هذه الآية علم أنَّهُ ـ تعالى ـ يدبِّر عالم الأجسام ويدبر عالم الأرواح، ويدبر الكبير كما يدبر الصغير، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبيرٌ عن تدبير، وذلك يدل على أنه ـ تعالى ـ في ذاته، وصفاته، وعلمه، وقدرته غير مشابه للمخلوقات، والممكنات. قوله {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} يبين الدلالات الدَّالة على إلاهيته، وعلمه، وحكمه. واعلم أنَّ الدَّلائل الدالَّة على وجود الصَّانع قسمان: أحدهما: الموجودات الباقية الدائمةُ كالأفلاكِ، والشمس، والقمر، والكواكب وهذا القسم تقدَّم ذكره. والثاني: الموجودات الحادثة المتغيرة، وهي الموتُ بعد الحياة، والفقرُ بعد الغنى، والهرم بعد الصحَّة، وكون الأحمق في أهنأ العيش، والعاقل في أشد الأحوال، فهذا النَّوعُ من الموجودات، والأحوال دلالتها على وجود الصَّانع الحكيم ظاهرةٌ. فقوله: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} إشارة إلى أنَّه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز، والتفصيل. ثم قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لكي توقنوا بوعده، وتصدِّقوا. واعلم أنَّ الدلائل الدالة على وجود الصَّانع الحكيم تدلُّ أيضاً على صحَّة القول بالحشرِ والنشر؛ لأنَّ من قدر على خلق هذه الأشياء، وتدبيرها على عظمها، وكثرتها فبأن يقدر على الحشر، والنشر أولى. وروي أنَّ رجلاً قال لعليِّ بن أبي طالبٍ ـ كرَّم الله وجهه ـ: كيف بحاسب الله الخلق دفعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم الآن دفعة واحدة، وكما يسمعُ نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة. واعلم أنَّهُ ـ تعالى ـ كما قدر على بقاء الأجرام الفلكيِّة، والنيرات الكوكبية في الجو العالي، وكما يمكنه تدبير ما فوق العرش إلى ما تحت الثَّرى لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، كذلك يحاسبُ الخلق بحيث لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ. واعلم أنَّ لفظ "اللِّقاءِ" يدل على رؤية اللهِ ـ تعالى ـ وقد تقدَّم تقريره. {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} [الآية:3] لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} بسطها، قال الأصم: المد: البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله: {مَدَّ ٱلأَرْضَ} ليشعر بأنَّه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً، لا يقع البصر على منتهاه، وقال قومٌ كانت الأرض مكورة فمدَّها، ودحاها من مكَّة من تحت البيت، فذهبت كذا وكذا ـ وقال آخرون: كانت مجتمعة عند بيت المقدس، فقال لها: اذهبي كذا، وكذا. قال ابن الخطيب: وهذا القول إنَّما يتمٌّ إذا قلنا: الأرض مسطحةٌ لا كرةٌ وأصحاب هذا القول، احتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}تفسير : [النازعات:30] وهو مشكل من وجهين: الأول: أنَّه ثبت بالدليل أنَّ الأرض كرةٌ، فإن قالوا: قوله تعالى: مد الأرض ينافي كونها كرة. قلنا: لا نسلم؛ لأنَّ الأرض جسم عظيم، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهدُ كالسَّطح، والتَّفاوت الحاصل بينه، وبين السَّطح، لا يحصلُ إلاَّ في علم الله ـ تبارك وتعالى ـ إلا في قوله تعالى {أية : وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً}تفسير : [النبأ:7] مع أن العالم من النَّاس يستقرُّون عليه، فكذلك هنا. والثاني: أنَّ هذه الآية إنَّما ذكرت ليستدلّ على وجود الصَّانع؛ والشرط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً، حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع لأنَّ الشيء إذا رأيت حجمه، ومقداره، صار ذلك الحجم، وذلك المقدار عبرة؛ فثبت أنَّ قوله: {مَدَّ ٱلأَرْضَ} إشارة إلى أنه تعالى ـ هو الذي جعل الأرض مختصة بمقدار معيَّن لا يزيدُ ولا ينقص، والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً ممَّا هو الآن، وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه، فاختصاصه بذلك المقدار المعيَّن لا بدَّ وأن يكون بتخصيص مخصَّصِ، وتقدير مقدِّرٍ. قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} وهي الجبالُ الثَّوابت، وقاعدة هذا الوصف لا تطَّرد إلا الإناث إلا أن المكسر مما لا يعقل يجري مجرى جمع الإناث، وأيضاً كثرة استعماله كالجوامد، فجمع حائط حوائط، وكاهل كواهل. وقيل: هو جمع راسية، والهاء للمبالغة، والرسوُّ: الثبوت، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3164ـ بِهِ خَالدَاتٌ مَا يرِمْنَ وهَامِدٌ وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدةُ بالفِهْرِ تفسير : فصل قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: كان أبو قبيسٍ أوَّل جبلٍ وضع على وجه الأرض. واعلم أنَّ الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصَّانع القادر الحكيم من وجوه: أولها: أنَّ طبيعة الأرض واحدة، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعضِ لا بدّ وأن يكون بتخليق القادر العليم. قالت الفلاسفة: الجبال إنَّما تولّدت من البخارات؛ لأنَّ البخارات كانت في هذا الجانب من العالمِ، كان تتولدُ في البحر طيناً لزجاً، ثم يقوى فيه تأثير الشمس؛ فينقلب حجراً كما نشاهده، ثمَّ إنَّ الماء كان يفور ويقلّ؛ فلهذا السبب تولّدت هذه الجبالُ وإنما حصلت هذه الجبالُ في هذا الجانب من العالم: لأن في الدّهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال، والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض، فكان التسخين أقوى، وشدّة والسُّخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمالِ، كان البخارُ في جانب الشمال، ولما انتقل الأوج إلى جانب الشمال، والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبالُ في جانب الشمال. وهذا ضعيفٌ من وجوه: الأول: أنَّ حصول الطِّين في البحر أمر عام، ووقوع الشَّمس عليها أيضاً أمر عامٌّ، فلم حصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعضِ؟. الثاني: أنَّا نشاهدُ بعض الجبال كأنَّ تلك الأحجار موضوعة أقساماً كأن البنَّاءَ بناه من لبِنَاتٍ كثيرة موضوع بعضها فوق بعضٍ، ويبعدُ حصول مثل هذا التركيب من السَّبب الذي ذكروه. الثالث: أنَّ أوج الشَّمس الآن قريب من أوَّل السَّرطان، فعلى هذا من أوَّل الوقت الذي انتقل أوجُ الشمس إلى الجانب الشَّمالي مضى قريباً من تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير: أنَّ الجبال في هذه المدَّة الطويلة كانت في التفتت، فوجب أن لايبقى من الأحجار شيءٌ، لكن ليس الأمرُ كذلك؛ فعلمنا أنَّ السبب الذي ذكروه ضعيف. الوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبالِ على وجود الصَّانع: ما يحصلُ فيها من المعادن، ومواضع الجواهر النفيسة، وما يحصل فيها من معادن الدخان ومعادن النفط، والكبريت، فتكون طبيعة الأرض واحدة، وكون الجبل واحداً في الطَّبع وكون تأثير الشمس واحداً في الكل يدلُّ ظاهراً على أنَّ بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات. الوجه الثالث من الاستدلال بأحوال الجبال: وذلك أنَّ بسببها تتولدُ الأنهار على وجه الأرض؛ لأنَّ الحجر جسمٌ صلبٌ، فإذا تصادعت الأبخرة من قعْرِ الأرض، ووصلت إلى الجبال انحبست هناك، فلا تزال تتكامل، فيحصل بسبب الجبل مياه عظيمة ثمَّ إنَّها لكثرتها، وقوتها تثقب، وتخرج، وتسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولدِ الأنهارِ هو من هذا الوجه، ولهذا السَّبب ما ذكره الله الجبال إلاَّ وذكر بعدها الأنهار في أكثر الأمر كهذه الآية، وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}تفسير : [المرسلات:27]. فصل قال القرطبي: في هذه الآية ردٌّ على من زعم أنَّ الأرض كالكرةِ لقوله: {مَدَّ ٱلأَرْضَ}، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبداً بما عليها، وزعم ابنُ الرَّوانديُّ: أنَّ تحت الأرض جسماً صاعداً كالرِّيحِ الصعادة، وهي منحدرة فاعتدل الهاوي، والصعَّادي في الجرم والقوة فتوافقا. وزعم آخرون: أن الأرض مركبة من جسمين. أحدهما: منحدرٌ، والآخر: مصدع فاعتدلا، فلذلك وقفت، والذي عليه المسلمون، وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض، وسكونها، ومدِّها، وأنَّ حركتها إنَّما تكونُ في العادةِ بزلزلةٍ تصيبها والله أعلم. قوله: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ "جَعَلَ" [بعده]، أي: وجعل فيها زوجين اثنين من كلِّ صنفٍ من أصناف الثمرات، وهو ظاهرٌ. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حالٌ من:"اثْنَيْنِ"؛ لأنَّه في الأصل صفة لهُ. الثالث: أن يتمَّ الكلام على قوله: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} فيتعلق بـ "جَعَلَ" الأولى على أنه من باب عطف المفردات، يعني عطف على معمول "جعل" الأولى تقديره: أنه جعل في الأرض كذا، وكذا ومن كل الثمرات. قال أبو البقاء: ويكون "جَعل" الثاني مستأنفاً، و"يُغْشِي اللَّيْلَ" تقدَّم الكلام فيه، وهو إمَّا مستأنفٌ، وإمَّا حال من فاعل الأفعال. فصل المعنى: ومن كلِّ الثمرات جعل فيها زوجين، أي: صنفين اثنين: أصفر، وأحمر، وحلواً، وحامضاً. وهذا النوعُ الثالث في الاستدلال بعجائب خلقة النبات. واعلم أن الحبَّة إذا وقعت في الأرض ربت وكبرت؛ فبسبب ذلك ينشقُّ أعلاها وأسفلها، فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصَّاعدة، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في الأرض، وهذا من العجائب؛ لأنَّ طبيعة تلك الحبَّة واحدة وتأثير الطبائع، والأفلاك، والكواكب فيها واحد، ثم إنه يخرج من الجانب الأعلى من تلك الحبَّة جرمٌ صاعدٌ إلى الهواء، ومن الجانب الأسفل جرمٌ غائصٌ في الأرض، ومن المحال أن يتولَّد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أنَّ ذلك إنَّما كان بتدبير المدبِّر العليم الحكيمِ لا بسبب الطَّبع، والخاصة، ثم إنَّ الشجرة النَّامية في تلك الجهة بعضها يكون خشباً، وبعضها يكون نوراً، وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضاً يحصل فيها أجسامٌ مختلفة الطَّبائع مثل الجوز ففيه أربعة أنواع من القشور، فالقشرة الأعلى، وتحته القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة باللبَّ، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرَّقة تمتازُ عمَّا فوقها حال كون الجوز واللوز رطباً وأيضاً: فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة فالأترج قشرهُ جارّ يابس ولحمه حارٌّ رطب، وحامضه بارد يابس وبذره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حارّان رطبان؛ فثبت أنَّ هذه الطَّبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع، وتأثيرات الأنجم، والأفلاك ـ على زعم من يدعيه ـ لا بد وأن يكون بتدبير العليمِ القدير. فإن قيل: الزَّوجان لا بدَّ وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: "زَوْجيْنِ اثْنَيْنِ"؟. فالجواب: أنه ـ تعالى ـ أوَّل ما خلق العالم، وخلق فيه الأشجار، خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: "زَوْجَيْنِ" لم يعلم أنَّ المراد النوع، أو الشخص فلما قال: "اثْنَيْنِ" علمنا أنه ـ تعالى ـ أوَّل ما خلق من كل زوجين اثنين [لا أقل ولا أزيد، والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة، إلا أنهم ابتدءوا من زوجين اثنين] بالشَّخص وهما: آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ وكذلك القول في جميع الأشجار، والزروع، والله أعلم. النوع الرابع: الاستدلال بأحوال الليل، والنهار، وإليه الإشارة بقوله: {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} وقد سبق الكلام فيه فأغنى عن الإعادة. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيستدلون، والتَّفكر: تصرف القلب في طلب المعاني. قوله: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} العامة على رفع: "قِطَعٌ" "وجَنَّاتٌ" إمَّا على الابتداء، وإما على الفاعلية بالجار قبله. وقرىء "قِطَعاً متَجَاورَاتٍ" بالنصب، وكذلك هي في بعض المصاحف على إضمار جعل. وقرأ الحسن: "وجَنَّاتِ" بكسر التَّاءِ وفيها أوجهٌ: أحدها: أنه جر عطفاً على "كُلِّ الثَّمراتِ". الثاني: أنه نصب نسقاً على: "زَوحَيْنِ اثْنَينِ" قاله الزمخشري. الثالث: أنه نصبه نسقاً على: "رَواسِيَ". الرابع: أنه نصبه بإضمار جعل، وهو أولى لكثرة الفواصل في الأوجه قبله. قال أبو البقاء: "ولم يقرأ أحد منهم "وزَرْعاً" بالنصب". قوله: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} قرأ ابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وحفص: بالرفع في الأربعة، والباقون بالخفض، فالرفع في "زَرْعٌ ونَخِيلٌ" للنسق على "قِطَعٌ" وفي "صِنْوانٌ" لكونه تابعاً لـ"نَخِيلٌ"، و"غَيْرُ" لعطفه عليه. وعاب أبو حيَّان على ابن عطيَّة قوله: "عطفاً على: قِطَعٌ". قال: وليست عبارة محررة؛ لأنَّ فيها ما ليس بعطفٍ، وهو "صِنوانٌ". قال شهابُ الدين: "ومثل هذا [غير معيب]؛ لأنَّه عطف محقق غاية ما فيه أنَّ بعض ذلك تابع، فلا يقدحُ في هذه العبارة، والخفض مراعاة لـ "أعنابٍ". وقال ابن عطيَّة: عطفاً على "أعْنابٍ"، وعابها أبو حيان بما تقدَّم وجوابه ما تقدَّم. وقد طعن قومٌ على هذه القراءة، وقالوا: ليس الزَّرعُ من الجنَّات، وروي لك عن أبي عمر. وقد أجيب عن ذلك: بأنَّ الجنَّة احتوت على النَّخيل، والأعناب، لقوله ـ تعالى ـ {أية : جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}تفسير : [الكهف:32]. وقال أبو البقاءِ: "وقيل: المعنى، ونبات زرع فعطفه على المعنى". قال شهاب الدين: "ولا أدري ما هذا الجوابُ؛ لأنَّ الذي يمنعُ أن يكون الجنة من الزَّرعِ يمنع أن يكون من نبات الزَّرعِ، وأي فرق". والصنوان: جمع صنوٍ كقنوان جمع قنو، وقد تقدَّم تحقيق هذا التّنبيه في الأنعام. و"الصِّنْوُ": الفرع يجمعه وفرعاً آخر أصل واحد، وأصله المثل، وفي الحديث: "حديث : عمُّ الرَّجل صِنْوُ أبيه"تفسير : ، أي: مثله؛ أو لأنهما يجمعهما أصل واحدٌ والعامة على كسر الصاد. وقرأ السلميُّ، وابن مصرف، وزيد بن عليٍّ: بضمها، وهي لغة قيسٍ، وتميم كذئب، وذُؤبان. وقرأ الحسنُ، وقتادة: بفتحها، وهو اسم جمعٍ لا جمع تكسير؛ لأنه ليس من أبنية "فعلان"، ونظير "صنْوان" بالفتح "السَّعْدَان" هذا جمعه في الكثرةِ، وأمَّا في القلَّة، فيجمع على"أصْنَاء" كـ"جَمَل، وأجْمَال". قوله: {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ "يُسْقَى" بالياء من تحت أي يسقى بما ذكرنا، والباقون بالتاء من فوق مراعاة للفظ ما تقدَّم، وللتأنيث في قوله "وجَنَّاتٍ"، ولقوله: "بَعْضَهَا". قوله "ونُفَضِّلُ" قرأه بالياء من تحت مبنيًّا للفاعل: الأخوان، والباقون بنون العظمة، ويحيى بن يعمر، وأبو حيوة: "يُفَضَّلُ" بالياء منبيًّا للمفعول و"بَعضُهَا" رفعاً. وقال أبو حاتم: وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر، وهو أوَّل من نقط المصاحف، وتقدَّم [الخلاف] في الأكل في البقرةِ. وفي "الأكلِ" وجهان: أظهرهما: أنَّه ظرفٌ [لـ"نُفَضِّلُ"]. والثاني: أنه حال من "بَعْضِهَا"، أي: نُفَضِّلُ بعضها مأكولاً، أي: وفيه الأكل، قاله أبو البقاءِ. وفيه بعد جهة المعنى، والصناعة. فصل قوله: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} قال الأصمُّ: أرضٌ قريبةٌ من أرض أخرى واحدة طيبة، وأخرى سبخة، وأخرى رملة، وأخرى حصباء وحصى، وأخرى تكون حمراء، وأخرى تكونُ سوداء. وبالجملة: فاختلافُ بقاع الأرضِ في الارتفاع، والانخفاضِ، والطبعِ، والخاصيةِ أمر معلوم. "وجَنَّاتٍ" بساتين: {مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} تقدَّم الكلام على الصنو، والصنوان، وهي النخلات يجمعهن أصلٌ واحد، "وغيْرُ صِنْوانٍ" هي النَّخلةُ المنفردةُ بأصلها. قال المفسريون: الصنوان: المجتمع، وغير الصنوان متفرق، ولا فرق في الصنوانِ، والقنوان بين التثنية والجمع إلاَّ في الإعرابِ، وذلك أنَّ النُّونَ في التثنية مكسورةٌ غير منونة وفي الجمع منونة. {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} والماء: جسم رقيق مائع به حياة كلِّ نامٍ. {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} في الثَّمر، والطَّعم، جاء في الحديث: "ونُفصِّلُ بعضهَا على بَعْضٍ في الأكلِ" قال: "الفارسي والدقلُ والحلوُ والحَامضُ". قال مجاهد: كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. وحكى الواحديُّ عن الزجاج: أنَّ الأكل: الثَّمر الذي يؤكل، وحكى عن غيره أنَّ الأكل: المهيّأ للأكل. قال ابنُ الخطيب: "وهذا أولى؛ لقوله تعالى في صفة الجنة: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا}تفسير : [الرعد:35]: وهو عامٌّ في جميع المطعومات". قال الحسن: هذا مثلٌ ضرب لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن، فسطحها؛ فصارت قطعاً متجاورات، فينزل عليها الماءُ من السَّماءِ فتخرج هذه زهرتها، وشجرتها، ونباتها، وثمرها، وتخرجُ هذه سبخها وملحها وخبيثها، وكلٌّ يسقى بماء واحد، كذلك النًّاسُ خلقوا من آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فتنزل عليهم من السَّماءِ تذكرة، فترق قلوب قوم، فتخشع، وتقْسُو قلوب قوم فتلهو. قال الحسنُ: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلاَّ قام من عنده بزيادة، أو نقصان، قال الله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}تفسير : [الإسراء:82] {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذي ذكر: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. فصل قال ابنُ الخطيب: المقصُودُ من هذه الآية: إقامة الدَّلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية والحركات الكوكبية من وجهين: الأول: أنه جعل الأرض قطعاً مختلفة في الماهيَّة والطبيعة، وهي مع ذلك متجاورةٌ، فبعضها سبخةٌ، وبعضها طيِّبةٌ، وبعضها صلبة وبعضها حجريةٌ، وبعضها رمليةٌ، وتأثير الشمس، وتأثير الكواكب في تلك القطع على السَّويَّة؛ فدلَّ ذلك على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير. الثاني: أنَّ القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماءٍ واحدٍ، ويكون تأثير الشمس فيها [متساوياً]، ثمَّ إنَّ تلك الثمار تجيءُ مختلفة في اللَّون، والطَّعم، والطَّبيعة، والخاصية؛ حتى أنَّك قد تأخذ عنقوداً واحداً من العنب، فتكون جميع حبَّاته ناضجة حلوة إلاَّ حبة واحدة منه، فإنها تبقى حامضة يابسة، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والأفلاك إلى الكل على السوية، بل نقول ههنا ما هو أعجب منه، وهو أنَّه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون في أحد وجهيه في غاية الحمرة، والوجه الثاني في غاية السَّواد، مع أنَّ ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنُّعومة، ويستحيل أن يقال: وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني، وهذا يدلُّ دلالة [قطعية] على أنَّ الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الاتِّصالات الفلكيَّة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ}، ولهذا قال: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. فصل قال القرطبي: هذه الآية تدلُّ على بطلان القول بالطبع، إذ لو كان ذلك بالماء، والتراب، والفاعل له الطبيعة؛ لما وقع الاختلاف. وذهب الكفرةُ ـ لعنهم الله ـ إلى أنَّ كلَّ حادث يحدث من نفسه لا من صانع وادعوا ذلك في الثِّمار الخارجة من الأشجار، وأقرُّوا بحدوثها، وأنكروا الأعراض، وقالت فرقةُ بحصول الثِّمار لا من صانع، وأثبتوا للأعراض فاعلاً. والدَّليل على أنَّ الحادث لا بد له من محدثٍ: أنَّه يحدثُ في وقت، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به؛ لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أنَّ اختصاصه لأجل مخصص خصصه به، لولا تخصيصه إيَّاه لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده.
البقاعي
تفسير : {بسم الله} الحق الذي كل ما عداه باطل { الرحمن} الذي عم بالرغبة والرهبة بعموم رحمته { الرحيم} الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الوهية {المر}. لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون، بعد أن أشار إلى كثرة ما يحسونه من آياته في السماوات والأرض مع الإعراض، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنه أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب فقال: {تلك} أي الأنباء المتلوة والأقاصيص المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد والمباني العالية المراتب {آيات} والآية: الدلالة العجيبة في التأدية إلى المعرفة {الكتاب} المنزل إليك {و} جميع {الذي}. ولما كان تحقق أن هذا الكتاب من عند الملك أمراً لا يطرقه مريه لما له من الإعجاز، وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخف على كل عاقل، وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا عظيماً، بني للمفعول قوله: {أنزل إليك} كائن {من ربك} فثبت حينئذ قطعاً أنه هو {الحق} أي الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة، الواضح الذي لا يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره، فهو أبعد شيء عن قولهم: إن وعده بالبعث سحر، فوجب لثبوت حقيته على كل من اتصف بالعقل أن يؤمن به {ولكن أكثر الناس} أي الآنسين بأنفسهم المضطربين في آرائهم، {لا يؤمنون *} أي لا يتجدد منهم إيمان أصلاً بأنه الحق في نفسه وأنه من عند الله، بل يقولون: إنه من عند محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنه تخييل ليست معاينة - كما قلنا { أية : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} تفسير : [يوسف: 103] فليس هدى لهم كاملاً ولا رحمة تامة، هذا التقدير محتمل، ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى: {أية : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} تفسير : [ الرعد: 19] أن {الذي} مبتدأ، و { من ربك} صلة {أنزل} والخبر { الحق} والمقصود من هذه السورة هذه الآية، وهي وصف المنزل بأنه الحق وإقامة الدليل عليه، وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم مفصل مبين، عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة البقرة، والإيماء إلى أنه حان اجتناء الثمرة في هذه السورة والتي بعدها، ويلتحم بذلك وصف المصدقين بذلك - كما ستقف عليه. وقال الإمام أبو جعفر بن زبير رحمه الله في برهانه: هذه السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه السلام {أية : وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون * أفامنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون * قل هذه سبيلي أَدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}تفسير : [يوسف: 105-106-107-108] فبيان آي السماوات في قوله { الله الذي رفع السماوات بغير عَمَدٍ ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} وبيان آي الأرض في قوله: { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} فهذه آي السماوات والأرض، وقد زيدت بياناً في مواضع، ثم في قوله تعالى: { يغشى الّيل النهار} ما يكون من الآيات عنهن، لأن الظلمة عن جرم الأرض، والضياء عن نور الشمس وهي سماوية، ثم زاد تعالى آيات الأرض بياناً وتفصيلاً في قوله تعالى: { أية : وفي الأرض قطع متجاورات} تفسير : [الرعد: 4] إلى قوله: {أية : لقوم يعقلون}تفسير : [الرعد:4]. ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية، ودليلاً واضحاً على صحة المعاد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى { أية : كذلك نخرج الموتى}تفسير : [ الأعراف: 57] وكان قد ورد هنا أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها مختلفات في الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة "يسقى" بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل لذلك ما أعقب قوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات} الآية بقوله { وإن تعجب فعجب قولهم إذا كنا ترابا أئنّا لفي خلق جديد} ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود في النار، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال {أية : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} تفسير : [الرعد: 6] الآية، ثم أتبع ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في قوله{أية : إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} تفسير : [ الرعد: 7] ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على دقائق ما أوجده من جليل صنعه واقتداره فقال {الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام} الآيات إلى قوله: {وما لهم من دونه من وال} ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم {أية : هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً}تفسير : [الرعد: 12]، الآيات وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات، وفي ذلك أكثر آي السورة ونبه تعالى على الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال: {أية : ولو أن قراناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} تفسير : [الرعد:31] والمراد: لكان هذا القرآن{أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} تفسير : [النساء:82] والتنبيه بعظيم هذه الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما أودع تعالى من الآيات في السماوات والأرض، وكأنه جل وتعالى لما بين لهم عظيم ما أودع من السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه، أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى{أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال}تفسير : [ الرعد:31] فهو من نحو{أية : إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم}تفسير : [الجاثية:4] أي لو فكرتم في آيات السماوات والأرض لأقلتكم وكفتكم في بيان الطريق إليه ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب لاكتفيتم "من عرف نفسه عرف ربه" فمن قبيل هذا الضرب من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات والأرض، ثم ذكر القرآن وما يحتمل، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات المودعة في الأرضين والسماوات. وأما قوله تعالى{أية : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}تفسير : [يوسف:106] فقد أشار إليه قوله تعالى: {إنما يتذكر أولوا الألباب} وقوله تعالى: {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد:28] فالذين تطمئن قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله تعالى{ أية : وقليل ما هم }تفسير : [ص:24] والمقول فيهم { أية : أولئك هم المؤمنون حقاً} تفسير : [الأنفال:4] ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ولا بلغوا يقينهم، وإليهم الإشارة بقوله: {أية : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} تفسير : [يوسف:106] قال عليه الصلاة والسلام"حديث : الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل"تفسير : فهذا بيان ما أجمل في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وأما قوله تعالى: {أية : أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله}تفسير : [يوسف:107] فما عجل لهم من ذلك في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله} القاطع دابرهم، والمستأصل لأمرهم، وأما قوله تعالى: {أية : قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة} تفسير : [يوسف:108] الآية، فقد أوضحت آي سورة الرعد سبيله عليه السلام بينه بما تحملته من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين - كما تقدم، ثم قد تعرضت السورة لبيان جليّ سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى: {أية : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق}تفسير : [الرعد:20] إلى آخر ما حلاهم به أخذاً وتركاً، ثم عاد الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليته عليه السلام في أمرهم{أية : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} تفسير : [الرعد: 38]، {أية : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} تفسير : [الرعد:40] {أية : ويقول الذين كفروا لست مرسلاً} تفسير : [الرعد: 43]، والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آيها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات؛ ولما كان هذا شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم عليه السلام - انتهى. فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقاً فثبت أنه أعظم الأدلة والآيات، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله: {وكأين من آية} من الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقاً بما لها في أنفسها من الثبات، والدلالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه قادر على كل شيء، وأن ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة، والدالة - بما للتعبير عنها من الإعجاز - على كونها من عند الله، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل، فقال: {الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال وحده {الذي رفع السماوات} بعد إيجادها من عدم - كما أنتم بذلك مقرون؛ والرفع: وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع، كائنة {بغير عمد} جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود، والعمود: جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وأصله منع الميل {ترونها} أي مرئية حاملة لهذه الأجرام العظام التي مثلها لا تحمل في مجاري عاداتكم إلا بعد تناسبها في العظم، هذا على أن {ترونها} صفة، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون على تقدير سؤال من كأنه قال: ما دليل أنها بغير عمد؟ فقيل: المشاهدة التي لا أجلى منها. ولما كان رفع السماوات بعد خلق الأرض وقبل تسويتها، ذكر أنه شرع في تدبير ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر، وأشار إلى عظمة ذلك التدبير بأداة التراخي فقال: {ثم استوى على العرش} قال الرازي في لوامع البرهان: وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه، ولم ينسب شيئاً من خلقه كنسبته، فقال تعالى: {ذو العرش} كما قال {ذو الجلال} و " ذو" كلمة لحق واتصال وظهور ومبدأ، وقال الرماني: والاستواء: الاستيلاء بالاقتدار ونفوذ السلطان، وأصله: استوى التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير - انتهى. وعبر بـ" ثم" لبعد هذه الرتبة عن الأطماع وعلوها عما يستطاع، فليس هناك ترتيب ولا مهلة حتى يفهم أن ما قبل كان على غير ذلك، والمراد أنه أخذ في التدبير لما خلق كما هو شأن الملوك إذا استووا على عروشهم، أي لم يكن لهم مدافع، وإن لم يكن هناك جلوس أصلاً، وذلك لأن روح الملك التدبير وهو أعدل أحواله والله أعلم {وسخر} أي ذلل تذليلاً عظيماً {الشمس} أي التي هي آية النهار {والقمر} أي الذي هو آية الليل لما فيهما من الحكم والمنافع والمصالح التي بها صلاح البلاد والعباد، ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما لا ثاني له لما في الاسم من معنى الصفة، إذا لو وجد مثل لهما لم يتوقف في إطلاق الاسم عليه، ولا كذلك زيد وعمرو. والتسخير: التهيئة لذلك المعنى المسخر له ليكون بنفسه من غير معاناة صاحبه فيما يحتاج إليه كتسخير النار للإنضاج والماء للجريان {كل} أي من الكوكبين {يجري}. ولما كان السياق للتدبير، علم أن المراد بجريهما لذلك، وهو تنقلهما في المنازل والدرجات التي يتحول بها الفصول، ويتغير النبات وتضبط الأوقات، وكلما كان التدبير أسرع، علم أن صاحبه أعلم ولا سيما إن كان أحكم، فكان الموضع للام لا لإلى، فعلل بقوله: {لأجل} أي لأجل اختصاصه بأجل {مسمى} هذي أجلها سنة، وذاك أجله شهر؛ والأجل: الوقت المضروب لحدوث أمر وانقطاعه. ولما كان كل من ذلك مشتملاً من الآيات على ما يجل عن الحصر مع كونه في غاية الإحكام، استأنف خبراً هو كالتنبيه على ما فيما مضى من الحكمة، فقال مبيناً للاستواء على العرش بعد أن أشار إلى عظمة هذا الخبر بما في صلة الموصول من الأوصاف العظيمة: {يدبر الأمر} أي في المعاش والمعاد وما ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في أدباره وعواقبه ليأتي محكماً يجل عن أن يرام بنقض، بل هو بالحقيقة الذي يعلم أدبار الأمور وعواقبها، لا يشغله شأن عن شأن، مع أن هذا العالم - من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى - محتو عل أجناس وأنواع وفصول وأصناف وأشخاص لا يحيط بها سواه، وذلك دال قطعاً على أنه سبحانه في ذاته وصفاته متعال عن مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ليس له كفواً أحد. ولما كان هذا بياناً عظيماً لا لبس فيه، قال {يفصل الآيات} أي التي برز إلى الوجود تدبيرها، الدالة على وحدانيته وكمال حكمته، المشتملة عليها مبدعاته، فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها، تقريباً لعقولكم وتدريباً لفهومكم، لتعلموا أنها فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع ولا غيرها من الأسباب التي أبدعها، وإلا فكانت على نسق واحد، وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى كثرتها بقوله: {وكأين من آية في السماوات والأرض} فكأن هذه الألف واللام لذلك المنكر هناك. ولما كان التدبير وهذا التفصيل دالاًّ على تمام القدرة وغاية الحكمة، وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة، علل بقوله: {لعلكم بلقاء ربكم} أي لتكون حالكم حال من يرجى له بما ينظر من الدلالات الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ما يحتاجه التربية {توقنون *} أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالاً بالقدرة على ابتداء الخلق على القدرة على ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو الإعادة، وأنه لا تتم الحكمة إلا بذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {الۤمۤر} قال: أنا الله أرى. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {تلك آيات الكتاب} قال: التوراة والإِنجيل {والذي أنزل إليك من ربك الحق} قال: القرآن. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {تلك آيات الكتاب} قال: الكتب التي كانت قبل القرآن {والذي أنزل إليك من ربك الحق} أي هذا القرآن.
ابو السعود
تفسير : (سورة الرعد) {المر} اسمٌ للسورة ومحلُّه إما الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذه السورةُ بهذا الاسمِ وهو أظهرُ من الرفع على الابتداء إذ لم يسبِق العلَم بالتسمية كما مر مراراً وقوله تعالى: {تِلْكَ} على الوجه الأول مبتدأ مستقلٌ وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثانٍ أو بدل من الأول أشير به إليه إيذاناً بفخامته. وإما النصبُ بتقدير فعلٍ يناسب المقامَ نحوُ اقرأ أو اذكر، فتلك مبتدأٌ كما إذا جعل آلمر مسروداً على نمط التعديدِ أو بمعنى أنا الله أعلمُ وأرى على ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والخبر على التقادير قوله تعالى: {آياتِ ٱلْكِتَـٰبِ} أي الكتابِ العجيب الكامل الغنيِّ عن الوصف به المعروفِ بذلك من بـين الكتب الحقيقِ باختصاص اسم الكتابِ فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميع المنزّل حينئذ حسبما مر في مطلع سورةِ يونُسَ إذ هو المتبادرُ من مطلق الكتابِ المستغني عن النعت، وبه يظهر ما أريد من وصف الآياتِ بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ بخلاف ما إذا جُعل عبارةً عن السورة فإنها ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك، المغنية عن التصريح بالوصف على أنها عبارةٌ عن جميع آياتِها فلا بد من جعل (تلك) إشارةً إلى كل واحدةٍ منها، وفيه ما لا يخفى من التعسف الذي مر تفصيلُه في سورة يونس. {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} أي الكتابَ المذكور بكماله لا هذه السورةُ وحدها {ٱلْحَقّ} الثابتُ المطابق للواقع في كل ما نطق به، الحقيقُ بأن يُخَصّ به الحقّيةُ لعراقته فيها، وليس فيه ما يدل على أن ما عداه ليس بحق أصلاً على أن حقّيتَه مستتبِعةٌ لحقية سائرِ الكتبِ السماوية لكونه مصدّقاً لما بـين يديه ومهيمِناً عليه، وفي التعبـير عنه بالموصول وإسنادِ الإنزال إليه بصيغة المبنيِّ للمفعول والتعرّضِ لوصف الربوبـية مضافاً إلى ضميره عليه السلام ـ من الدلالة على فخامة المنزَّل التابعةِ لجلالة شأنِ المنزَّل وتشريفِ المنزَّل إليه والإيماءِ إلى وجه بناءِ الخبر ـ ما لا يخفى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك الحقِّ المبـين، لإخلالهم بالنظر والتأملِ فيه، فعدمُ إيمانهم متعلقٌ بعنوان حقّيتِه لأنه المرجِعُ للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونِه منزلاً كما قيل ولأنه واردٌ على طريقة الوصفِ دون الإخبار. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي خلقهن مرتفعاتٍ على طريقة قولِهم: سبحان من كبّر الفيل وصغّر البعوض، لا أنه رفعها بعد أن لم تكن كذلك، والجملةُ مبتدأ وخبرٌ كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } تفسير : [الرعد: 3] {بِغَيْرِ عَمَدٍ} أي بغير دعائمَ جمع عِماد كإهاب وأَهَب وهو ما يُعمَد به أي يُسند، يقال: عمَدتُ الحائطَ أي أدعمته، وقرىء عُمُد على جمع عَمود بمعنى عماد كرُسُل ورسول، وإيرادُ صيغةِ الجمع لجمع السموات، لا لأن المنفيَّ عن كل واحدة منها عَمدٌ لا عماد {تَرَوْنَهَا} استئنافٌ استُشهد به على ما ذكر من رفع السموات بغير عمد، وقيل: صفة لعَمَدٍ جيء بها إيهاماً لأن لها عمداً غيرَ مرئيةٍ هي قدرة الله تعالى. {ثُمَّ ٱسْتَوَى} أي استولى {عَلَى ٱلْعَرْشِ} بالحفظ والتدبـير أو استوى أمرُه وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ لله عز وجل بلا كيف، وأياً ما كان فليس المرادُ به القصدَ إلى إيجاد العرش وخلقِه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخي في الرتبة {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} ذللهما وجعلهما طائعَين لما أريد منهما من الحركات وغيرها {كُلٌّ} من الشمس والقمر {يَجْرِى} حسبما أريد منها {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} لمدة معينةٍ فيها تتم دورتُه كالسنة للشمس والشهر للقمر، فإن كلاًّ منهما يجري كلَّ يوم على مدار معينٍ من المدارات اليوميةِ أو لمدة ينتهي فيها حركاتُهما ويخرج جميعُ ما أريد منهما من القوة إلى الفعل، أو لغاية يتم عندها ذلك والجملةُ بـيانٌ لحكم تسخيرهما. {يُدَبّرُ} بما صنع من الرَّفْع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدّر حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة {ٱلأَمْرُ} أمرَ الخلق كلَّه وأمرَ ملكوتِه وربوبـيتِه {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} الدالةَ على كمال قدرتِه وبالغِ حكمتِه أي يأتي بها مفصلةً وهي ما ذكر من الأفعال العجيبةِ وما يتلوها من الأوضاع الفلكيةِ الحادثةِ شيئاً فشيئاً المستتبعةِ للآثار الغريبة في السُّفليات على موجب التدبـيرِ والتقديرِ، فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} من تتمة الاستواءِ وإما مفسّرتان له أو الأولى حالٌ منه والثانية من الضمير فيه أو كلاهما من ضمائر الأفعالِ المذكورة وقوله: {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} من تتمة التسخيرِ أو خبران عن قوله: الله خبراً بعد خبر، والموصولُ صفةٌ للمبتدأ جيء به للدلالة على تحقيق الخبرِ وتعظيمِ شأنِه كما في قول الفرزدق شعر : إن الذي سمك السماءَ بنى لنا بـيتاً دعائمُه أعزُّ وأطول تفسير : {لَعَلَّكُمْ} عند معاينتِكم لها وعثورِكم على تفاصيلها {بِلِقَاء رَبّكُمْ} بملاقاته للجزاء {تُوقِنُونَ} فإن من تدبّرها حقَّ التدبر أيقن أن من قدَر على إبداع هذه الصنائعِ البديعةِ على كل شيء قديرٌ وأن لهذه التدبـيراتِ المتينة عواقبَ وغاياتٍ لا بد من وصولها وقد بُـيّنتْ على ألسنة الأنبـياءِ عليهم السلام أن ذلك ابتلاءٌ للمكلفين ثم جزاؤهم حسب أعمالِهم فإذن لا بد من الإيقان بالجزاء، ولمّا قرر الشواهدَ العلوية أردفها بذكر الدلائلِ السفلية فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ} أي بسطها طولاً وعَرضاً، قال الأصم: المد هو البسطُ إلى ما لا يدرك منتهاه فيه دَلالةٌ على بعد مداها وسَعةِ أقطارها {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابتَ في أحيازها من الرُّسوّ وهو ثباتُ الأجسام الثقيلة، ولم يُذكر الموصوفُ لإغناء غلبة الوصفِ بها عن ذلك، وانحصارُ مجيءِ فواعل جمعاً لفاعل في فوارسَ وهوالكَ ونواكسَ إنما هو في صفات العقلاءِ وأما في غيرهم فلا يراعى ذلك أصلاً كما في قوله تعالى: { أية : أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ} تفسير : [البقرة: 184] وقوله: { أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} تفسير : [البقرة: 197] إلى غير ذلك، فلا حاجة إلى أن يُجعل مفردُها صفةً لجمع القلة أعني أجبُلاً ويعتبر في جمع الكثرة ـ أعني جبالاً ـ انتظامُها لطائفة من جموع القلة وتنزيلُ كلَ منها منزلة مفردِها كما قيل على أنه لا مجال لذلك فإن جمعيةَ كلَ من صيغتي الجمعَين إنما هي باعتبار الأفرادِ التي تحتها لا باعتبار انتظام جمعِ القلةِ للأفراد وجمعِ الكثرة لجموع القِلة فكلٌّ منهما جمعُ جبلٍ لا أن جبالاً جمعُ أجبل، كما أن طوائفَ جمعُ طائفة ولا إلى أن يُلتجأَ إلى جعل الوصفِ المذكور بالغلبة في عداد الأسماءِ التي تُجمع على فواعل كما ظن، على أنه لا وجه له لما أن الغلبةَ إنما هي في الجمع دون المفردِ، والتعبـيرُ عن الجبال بهذا العنوانِ لبـيان تفرّعِ قرارِ الأرض على ثباتها {وَأَنْهَـٰراً} مجاريَ واسعةً، والمرادُ ما يجري فيها من المياه، وفي نظمها مع الجبال في مفعولية فعلٍ واحد إشارةٌ إلى أن الجبالَ منشأٌ للأنهار وبـيانٌ لفائدة أخرى للجبال غيرِ كونها حافظةً للأرض عن الاضطراب المُخِلّ بثبات الأقدام وتقلّب الحيوان متفرّعةً على تمكنه وتقلّبه وهي تعيُّشُه بالماء والكلأ. {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} متعلقٌ بجعل في قوله تعالى: {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي اثنيْنيّةً حقيقيةً وهما الفرادنِ اللذان كلٌّ منهما زوجُ الآخر وأكّد به الزوجين لئلا يُفهم أن المرادَ بذلك الشفْعان إذ يطلق الزوجُ على المجموع ولكنْ اثنينيةً اعتبارية، أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربـين وصِنفين إما في اللون كالأبـيض والأسود أو في الطعم كالحُلو والحامض. أو في القدر كالصغير والكبـير، أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك، ويجوز أن يتعلق بجعَلَ الأولِ، ويكونَ الثاني استئنافاً لبـيان كيفيةِ ذلك الجعْل {يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ مبنيَّةٌ على تشبـيه إزالةِ نورِ الجو بالظلمة بتغطية الأشياءِ الظاهرةِ بالأغطية، أي يستر النهارَ بالليل. والتركيب وإن احتمل العكسَ أيضاً بالحمل على تقديم المفعولِ الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضاً ساترٌ لظلمة الليلِ إلا أن الأنسبَ بالليل أن يكون هو الغاشي، وعدُّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية ـ وإن كان تعلقُه بالآيات العلوية ظاهراً ـ باعتبار أن ظهورَه في الأرض فإن الليل إنما هو ظلُّها وفيما فوق موقعِ ظلها لا ليلَ أصلاً ولأن الليل والنهار لهما تعلقٌ بالثمرات من حيث العقدُ والإنضاج على أنهما أيضاً زوجان متقابلان مثلُها وقرىء يُغشّي من التغشية {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذكر من مد الأرضِ وإيتادِها بالرواسي وإجراءِ الأنهار وخلق الثمرات وإغشاءِ الليل النهارَ، وفي الإشارة بذلك تنبـيهٌ على عظم شأنِ المشار إليه في بابه {لأَيَاتٍ} باهرةً وهي آثارُ تلك الأفاعيل البديعةِ جلت حكمةُ صانعِها، (ففي) على معناها فإن تلك الآثارَ مستقرةٌ في تلك الأفاعيل منوطةٌ بها، ويجوز أن يُشار بذلك إلى تلك الآثار المدلولِ عليها بتلك الأفاعيل (ففي) تجريدية {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فإن التفكر فيها يؤدّي إلى الحكم بأن تكوين كلَ من ذلك على هذا النمط الرائِق والأسلوب اللائق لا بد له من مكوّن قادرٍ حكيم يفعل ما يشاء ويختار ما يريد لا معقِّبَ لحكمه وهو الحميد المجيد.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ}. أقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إِنَّ هذه آيات الكتاب الذي أخبرتُ أَنِّي أُنَزِّلُ عليك. فالألف تشير إلى اسم "الله"، واللام تشير إلى اسم "اللطيف"، والميم تشير إلى "المجيد"، والراء تشير إلى اسم "الرحيم" قال بسم الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه آياتُ الكتاب الذي أخبرتُ إني أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم. ثم عَطَفَ عليه بالواو قوله تعالى: {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} هو حق وصدق، لأنه أنزله على نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم. قوله جلّ ذكره: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. أي ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به، فَهُمْ الأكثرون عدداً، والأقلون قَدْراً وخَطَراً.
البقلي
تفسير : {الۤمۤر} ان الله سبحانه تجلى من فعله الخاص لفعله العام فاجاد من بين الفعلين حروفا وجعلها صادق اسرار الصفات والذات واخبار الغيب وغيب الغيب فوضع فى الالف سر الالوهيّة لنفسه وسر الانانيّة لصفوة توحيده ووضع فى اللام سرّ ازليّته لنفسه وسر لطفه فى ظهوره بوصف الازل لاهل التباسر من اهل عشقه وشوقه ووضع فى الميم سرّ محبته فى هواء ازليته لطلب الوهيته ووضع فى الراء انوار ربوبيته وجعلها مرآة لعبوديته عبادة فيرون منها لطائف صفائه وروح ملكوت قدسه فلما انحسرت الارواح من طلب الالوهية وجعلت الى معادن انوار الربوبية وسكنت بها رات من مرآة حرف الراء من رحمته الكافية ورافة === من كل شئ دون الله فالألف صندوق الالوهية لا ينفتح الا لاهل === فى التوحيد واللام صندوق نور الازلية والجمال ولا ينفتح الا لاهل الوله فى شوقه والميم صندوق محبته الازلية والجمال ولا ينفتح الا لاهل محبته فالراء صندوق نور ربوبيته ولا ينفتح الا لسلاك عبوديته الذين مرادهم منه نفسه لا غير قال الشبلى ما من حرف من الحروف الا وهو يسبه الله بلسان ويذكره بلغة بكل لسان منها حروف ولكل حرف لسان وهو سر الله فى خلقه الذى به يقع زوائد المفهوم وزيادات الاذكار وقال حادث المحاسبى ان الله لما خلق الاحرف دعاها الى الطاعة فاجابت على حسب ما حلاها الخطاب والبسها وكانت الحروف كلها على صورة الالف الا ان الف بقيت على صورتها وحليتها التى بها ابتدئت ثم من سنة الله سبحانه ان وضع ما تكلم به من الاسرار فى لباس الحروف على رسا كل صورة واشار مما عقيباه من القول اليها والى اسرار ما فيها بقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} اى ما اشرنا فى الحروف اسرار الكتاب وعلامات الخطاب ولم يكن معوجا معلولا بقوله {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} اى بيان وصدق واضح لمن له اهلية سر الكتاب ولا يفهم ما فيها من الاسرار ذو فترة غافل وذو غباوة جاهل بقوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} اى لا يعرفون حقائقها ثم وصف نفسه سبحانه بالقدرة القديمة من الصفات وبالحكمة الازلية من الافعال بقوله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} خاطب العموم بخطاب العام اى انا رافع السّماء بلا علة من العلل وفقى العمد اذ كان معلولا وخاطب الخواص بخطاب الخاص اى دفعها بغير عمد يرونها بالابصار ولكن رفعهما بعمد ترونها بالبصائر حين ينكشف بوصف تجليها لها وتلك العمد القدرة القديمة الازلية الباقية وهى الصفات قامت الكوان والحدثان بها ورؤية الصفحة حين تجلت حق كما ان رؤية الذات حق ثم بين ان قدرته شملت الملك الاعظم بقوله {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} وايضا خلق سماوات الارواح بغير عمد بانت للخلق لانها محذوفة بسلاسل انوار الازل الى عالم القدم والبقاء ثم استوى انوار تجليه على عرش القلوب {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} شمس المعرفة وقمر العلم اجراهما بين سماوات الارواح عروس الارض تزيينا لملكه كواشفها ومعارفها يجريان فى عالم العقول بانوار المشاهدة من رؤية الذات وكشف الصفات تطلع فى سماء الارواح شموس لذات وفى عروش القلوب اقمار الصفات لانتظام امور الربوبية وتفصيل حقائق العبودية بقوله {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} يدبر امر هموم المحبة ويفصل ايات المعرفة لوقوع انوار اليقين وحقائق التمكين بقوله {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} اى بهذه الانوار تعاينون تلك الاسرار ويرون بقلوبكم مشاهدة الملك الغفار قال ابن عطا يدبر الامور بالقضاء السابق ويفصل الايات بالاحكام الظاهرة لعلكم يتيقنون ان الله يجرى عليكم هذه الاحوال ولا بد لكم من الرجوع اليه ثم وصف سبحانه عجائب الملك والملكوت وحكمة الغالبة فى مصنوعاته بقوله {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً} بسط اراضى قلوب اوليائه ببسط نور المحبة وجعل فيها رواسى المعرفة لئلا يتزلزل بغلبات هيجان المواجيد واجرى فيها انهار علوم الحقائق وانبتت فيها انواع ازهار الحكم واشجار الفطن واثمرها بثمرات المقامات والحالات بقوله {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} وقرن بكل مقام حالا بقوله {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} ثم يمد عليا ظلال المشاهدة ويطلع عليها شمس العناية بدوام الكفاية بقوله {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} ثم وصفها ووصف اصحاب هذه القلوب الذين هم رواسى الارضين وانفاسهم اعمدة السموات ورؤيتهم مشكوة انوار الايات انهم علامات شمائله وسرج مشكوة قدرته لاهل التفكر فى الارادة والتذكر فى المحبة بقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} قال بعضهم هو الذى بسط الارض وجعل فيها اوتادا من اوليائه وسادة من عبيده فاليهم الملجأ وبهم الغياث فمن ضرب فى الارض بقصدهم فازو نجا ومن كان سعيه لغيرهم خاب قال الجريرى كان فى حوار الجنيد انسان مصاب فى خربة فلما مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة فلما رجعنا بقدم خطوات وعلا موضعا عاليا من الارض واستقبلنى بوجهه وقال يا ابا محمد ترانى ارجع الى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ثم انشد بقوله شعر : اواسفى من فراق قوم هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسى والخير والامن والسكون لم يتغير لنا الليالى حتى توفتهم المنون فكل خمر لنا قلوب وكل ماء لنا عيون تفسير : قال بعضهم الفكرة تصفية القلوب لموارد الفوائد قال ابو عثمان الفكرة استرواح القلب من وساوس التدبير ثم وصف اراضى القلوب وما فيها من اشكال العيوب بقوله {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} قلوب المحبين متجاورات لقلوب المشتاقين وقلوب المشتاقين متجاورات قلوب العاشقين وقلوب العاشقين متجاورات قلوب الوالهين وقلوب الوالهين متجاورات قلوب الهائمين وقلوب الهائمين متجاورات قلوب العارفين وقلوب العارفين متجاورات قلوب الموحدين وفى ارض قلوب العارفين قطع متجاورات قطع النفوس الامارة متجاورات بعضها بعضا وقطع العقول متجاورات بعضها بعضا وقطع الارواح متجاورات بعضها بعضا وقطع الاسرار متجاورات بعضها بعضا فقطع النفوس مالحة ملح الهوى وقطع العقول عذب بعذب العلم وقطع الارواح طيبة بطيب المعرفة وقطع الاسرار لطيفة بلطف الانوار متقاربة بعضها بعضا فقطعة النفوس تنبت شوك الشهوات وقطعة العقول تنبت نوره العلوم وقطعة الارواح تنبت زهر المعارف وقطعة الاسرار تنبت كواشف الانوار {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ} العشق يسكر منها الارواح وفيها زروع دقائق المعرفة تأكل من حبها العقول فتربى بها انواع المعاملات وفيها يحيل الايمان ثمرها الايقان ياكل منها اطيار الاسرار {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} ايمان مع يقين وعرفان من غير علة الاستدلال ورؤية الايات سقى هذه البساتين من زلال قاموس الكبرياء لقوله {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} اصل سقيها من عيون الالوهية بوصف تجليها وهو واحد منزه عن الاكوان والتغائر لسقيها من سواقى الصفات فى جداول الافعال فلما وصل مياه التجلى وانوار الصفة الى عالم الفعل يورث كل صفة الفعل نوعا من هذه الاشجار والازهار ففرع الفعل يتلون بالوان الاحوال وان كان اصلها منزها عن العلل وتغاير الحدثان وبعض المقام اشرف من بعض لقوله {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} ورد المعرفة انور من نرجس المحبة ونرجس المحبة من ياسمين الارادة وثمر المشاهدة اطيب من ثمرة المراقبة وهذه الاشارات من الله سبحانه لا يعرفها الا العالمون بالله بعقول صافية من الاكدار وقلوب حاضرة مضغولة بالله عن الاخيار لقوله {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فالعقل ريق الربوبية فى مواطن الفطنة والفطرة يزم بها الحق قلوب الخلق ويجريها الى العبودية لوجدان المعرفة والقربة فمن وافق حاله مع الله فى معرفته حال واحد من اوليائه فهما من اصل واحد من غير تبائن وتفرق كما روى جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعلى رضى الله عنه الناس من شجر شتى وانا وانت من شجرة واحدة ثم قرأ النبى صلى الله عليه وسلم وفى الارض قطع متجاورات حتى بلغ يسقى بماء واحد وقال الحسن البصرى هذا مثل ضربه الله لقلوب بنى ادم كانت الارض فى يد الرحمن طينة واحدة فسطحا وبطحا فصارت الارض قطعا متجاورة فينزل عليها الماء من السّماء فيخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها ويخرج نباتها ويحيى موتاها ويخرج هذه سنجها وملحها وخبثها وكلتاهما يسقى بماء واحد فلو كان الماء ملجاء قبل انما هذه من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من ادم فنزل عليهم من السماء تذكرة فبرق قلوب فتخشع وتخضع وتقسوا قلوب وتلهوا وتسهوا وتجفوا وعن الجنيد قال خلق الله الخلق واظهر اثارها واحيى منبتها متحرفة الى كل فج عميق وبلد سحيق وجعلها قطعا متجاورات قيعانا متقاربات والوانا متشابهات جميعها فى النظر وفرقها فى المواطن فسقاها بماء واحد وفضل بعضها على بعض فى الاكل فجلّ ربنا عز وجل من قادر قاهر جعل ذلك سببا الى معرفته ودلالة لربوبيته قال الواسطى فى قوله يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الاكل لم يتلون الارادات وتلونت المرادات كما تلونت الاشجار والثمار ولم يتلون المياه التى سبقت الاشياء المختلفات كذلك العلم بالاشياء لا يتلون ويتلون المعلومات فمن قال كيف فهو لضيق القدرة عنده وعلل تكوين الحدثان لعله اثبات الربوبية واقتارها ولئلا يسبق الى الاوهام ان شيئا من الكن بغير ارادته اراد الموت والحياة والظلمة والضياء ولم يتلون الارادة كذلك ما اراد من الكفر والايمان قال الله يسقى بماء واحد الاية وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قا لالعاقل من عقل عن الله امره وقال الواسطى العقل ما عقلك عن المجازى ثم بين سبحانه انما وصف من ذكر الاية ونعمائه وصنعائه ومصنوعاته لا ينفع بمن لا سعادة سابقت له مساعده ولا ينفتح له عين غير العقل بحيث يعجب المخاطب الكريم افكارهم بقوله {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ} من غاية استغراقه فى بحر كمال التوحيد وغلبة صدق الرسالة عليه السلام يعجب ممن لا يعرفه بالصدق فى رسالته حيث اطلع من جماله وشمائله شمس ايات القدم ونور قمر الكرم واى شئ اعجب من ذلك ان من له عقل ونظر لا يبصر فيه شواهد الملكوت وانوار الجبروت اذ الجمادات نطقت بصدق رسالته لتسلاه الحق سبحانه بقوله فعجب اى اعجب من ذلك العجب ان من يظهر فى نفسه ايات الله فى كل لمحة الف مرة ولو يرها بعين البصيرة ويموت ويحيى فى كل ساعة الف مرة ولا يعرف وجوده من عدمه ولا عدمه من وجوده فان عند كل نفسين للانسان موتا وحياة فعند صعود النفس له موت وعند دخول النفس فى جوفه من طريق الحسن حياة ولكن ليس من الحق عجب فانه تعالى يضل به من يشاء ويهدى به من يشاء فاذا ضهب العجب اذ ليس شئ منه عجب قال الجنيد ذهب العجب بقوة سلطان العجبُ كل العجب من العجب ان لا تعجب قال الله وان تعجب فعجب قولهم قال الترمذى ليس العجب من العجب العجب ممن يتعجب من العجب اذ لا عجب.
اسماعيل حقي
تفسير : {المر} فى كلام الشيخ محيى الدين بن العربى قدس سره فى قوله تعالى {أية : وما علمناه الشعر وما ينبغى له} تفسير : ان الشعر محل للاجمال واللغر والتورية اى وما رمزنا لمحمد صلى الله عليه وسلم شيئا ولا لغزنا ولا خاطبناه بشيء ونحن نريد شيئا ولا اجملنا له الخطاب حيث لم يفهمه واطال فى ذلك ولا يشكل على ذلك الحروف المقطعة فى اوائل السور ولعله رضى الله عنه لا يرى ان ذلك من المتشابه ليس مما استأثر الله بعلمه كذا فى انسان العيون. قال ابن عباس معناه ان الله اعلم وارى ما لا يعلم الخلق وما لا يرى من فوق العرش الا ما تحت الثرى فتكون الالف واللام مختصرين من انا الله الدالين على الذات والميم والراء من اعلم وارى الدالين على الصفة. وقال الكاشفى [الف آلاى اوست ولام لطف بى منتهاى او ميم ملك بى زوال وراء رأفت بركمال] فتكون كل واحدة منها مختصرة من الكلمات الدالة على الصفات الالهية. وفى التبيان الالف الله واللام جبريل والميم محمد والراء الرسل اى انا الله الذى ارسل جبريل الى محمد بالقرآن والى الرسل بغيره من الكتب الالهية والصحف الربانية. وقال ابن الشيخ الظاهر ان {المر} كلام مستقل والتقدير هذه السورة مسماة بالمر {تلك} اى آيات هذه السورة {آيات الكتاب} اى القرآن. وفى التأويلات النجمية ان حروف {المر} آيات القرآن. فبالالف يشير الى قوله {أية : الله لا اله الا هو الحى القيوم لا تاخذه سنة ولا نوم} تفسير : الآية. وباللام يشير الى قوله {أية : له مقاليد السموات والارض} تفسير : وبالميم الى قوله {أية : مالك يوم الدين} تفسير : وبالراء الى قوله {أية : رب السموات والارض} تفسير : كما ان ق اشارة الى {أية : قل هو الله احد} تفسير : وهو مرتبة الاحدية التى هى التعيين الاول. وص اشارة الى {أية : الله الصمد} تفسير : وهو مرتبة الصمدية التى هى التعين الثانى {أية : والصافات صفا} تفسير : اشارة الى التعيينات التابعة له {والذى انزل اليك من ربك} اى القرآن وهو مبتدأ خبره قوله {الحق} ليس كما يقول المشركون انك تاتى به من قبل نفسك باطلا فالايمان به والعمل باحكامه واجب فمن اعتصم به وهو حبل الله ينجيه من الاسفل الذى هبط اليه بقوله {أية : اهبطوا منها } تفسير : واعلم ان المنزل من عند الله اعم من الحكم المنزل صريحا كالاحكام الثابتة بصريح نص القرآن ومن الحكم المنزل ضمنا كالتى تثبت بالسنة والاجماع والقياس فالكل حق {ولكن اكثر الناس لا يؤمنون} بالقرآن ويجحدون بحقيته وانه حبل من الله يوصل المعتصم به اليه لافراطهم فى العناد وخروجهم عن طريق السداد وعدم تفكرهم فى معانيه واحاطتهم بما فيه وكفرهم به لا ينافى كونه حقا منزلا من عند الله تعالى فان الشمس شمس وان لم يرها الضرير والشهد شهد وان لم يجمعه المرور والتربية انما تفيد المستعد والقابل دون المنكر والباطل: قال المولى الجامى شعر : هيج سودى نكند تر بيت نا قابل كرجه برتر نهى از خلق جهان مقدارش سبز وخرم نشود از نم باران هركز خار خشكى كه نشانى بسر ديوارش تفسير : ثم بين دلائل ربوبيته واحديته بقوله
ابن عجيبة
تفسير : {بسم الله الرحمن الرحيم * الۤمۤر... } قيل: معناه: أنا أعلم، الله أعلم وأرى. وقيل: مختصرة من لفظ المرسل، على عادة رمز المحبين. أو إشارة إلى العوالم الأربعة: فالألف لوحدة الجبروت، واللام لتدفق أنوار المكوت، والميم لحس عالم الملك والراء لسريان أمداد الرحموت. قال تعالى: {... تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قلت: (تلك) مبتدأ. و(آيات): خبر، و(الذي أُنزل): مبتدأ، و(الحق): خبر، والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى. يقول الحق جل جلاله: أيها المرسل المعظم، والحبيب المفخم، {تلكَ} الآيات التي تتلوها على الناس هي {آياتُ الكتاب} المنزل من حضرة قدسنا. {و} الكتاب أي: القرآن {الذي أُنزل إليك من ربك} هو {الحق} الذي لا ريب فيه، {ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يؤمنون}؛ لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه. الإشارة: لَوْ صَفَت القلوب من الأكدار، ومُلئت بالمعارف والأنوار؛ لفهمتْ أسرار الكتاب، وجواهر معانيه، ولأدركت معرفة الحق من كلامه؛ لأن الكلام صفة المتكلم، ولكن أكثر الناس اشتغلوا بمتابعة الهوى، فصُرفوا عن فهم الكلام، وفاتهم معرفة المتكلم. ولذلك لم يكتف الحق تعالى بآيات الكتاب حتى ذكر دلائل توحيده وكمال قدرته، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ...}
الطوسي
تفسير : لم يعد احد {المر} آية وعد الكوفيون "طه" و "حم" آية قالوا، لان (طه) مشاكلة لرؤوس الآي التي بعدها بالالف مع انه لا يشبه الاسم المفرد، كما أشبه "صاد" و "قاف" و "نون" لانها بمنزلة (باب) و "نوح"، وعد "كهيعص" لانه يشاكل رؤوس الآي بعده بالارداف. وقد بينا في أول سورة البقرة أقوال المفسرين في تأويل اوائل السور بالحروف. وان اقواها ان يقال أنها اسماء السور واجبنا عما اعترض عليه، فلا وجه لاعادته. وروي عن ابن عباس ان معنى قوله {المر} انا الله أرى. وقال غيره: معناه انا الله أعلم. وروي انها حروف تدل على اسم الرب. وقوله {تلك آيات الكتاب} ومعناه هذه تلك آيات الكتاب التي تقدمت صفتها. والبشارة بها بما فيها من الهداية، كما تقول تلك الدلالة اي التي وصفها بأنه لا غنا لأحد عنها، فيقول: هذا تنبيهاً عليها، وتفخيماً لشأنها. وقال الحسن والجبائي: يعني بالكتاب القرآن. وقال مجاهد وقتادة: يعني به الانجيل. والاول اصح. وآيات الكتاب هي الكتاب، ولكن أضيف الى نفسه، لما اختلف لفظه كما قال {أية : حق اليقين} تفسير : وغير ذلك مما قد مضى ذكره، وكما يقال مسجد الجامع، والمسجد الجامع، والآيات الدلالات المعجبة المؤدية الى المعرفة بالله وانه لا يشبه الاشياء، ولا تشبهه، والكتاب الصحيفة التي فيها الكتابة، وقد يكون مصدر كتب، تقول: كتب كتاباً وكتابة. {والذي أنزل إليك من ربك الحق} يحتمل وجهين من الاعراب: الرفع والجر، فالرفع على الابتداء وخبره الحق، والجر على انه عطف على الكتاب، وهو غيره - على قول مجاهد - ويجوز ان تكون صفة - في قول الحسن - كما قال الشاعر: شعر : الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} اي لا يصدق اكثر الناس بأنه كذلك، ويكفرون به. والحق وضع الشيء في موضعه على ما تقتضيه الحكمة والانزال النقل من علوّ الى سفل أنزله إنزالاً، ونزّله تنزيلاً، وضده الاصعاد.
الجنابذي
تفسير : {الۤمۤ} قد مضى نظائره {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} فى الآية وجوه من الاعراب نظير ما سلف فى اوّل البقرة، والمراد بالّذى انزل القرآن والاحكام او القصص او الولاية {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِْ} مبتدء وخبر او مبتدء وصفة والخبر يدبّر الامر او يفصّل الآيات مع كون يدبّر الامر حالاً او صفةً لاجلٍ مسمّىً بتقدير فيه او مستأنفاً جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} مفهوم القيد يدلّ على انّ هناك عمداً ولكن لا ترونها، كما روى عن الرّضا (ع) ولمّا كان تماميّة العرش بوجه بتماميّة خلقه السّماوات والارض والاستواء عليه والاحاطة به بعد تمامّيته اشار اوّلاً الى خلقة السّماوات مرتفعة المستلزمة لخلقة الارض، فانّ الارتفاع لا يتصوّر الاّ بتحقّق الارض ثمّ اتى بالاستواء معطوفاً بثمّ للاشعار بذلك فقال {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قد مضى معنى العرش والاستواء عليه فى سورة الاعراف {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} فى مدّة معيّنة لانقضاء دورة من الفلك وبانتظام تلك المدّة فى دورانها ينتظم امور العالم كما هو مشهود وهو دليل على كمال حكمته وعلمه، او كلّ يجرى الى غاية معلومة لجريه وهو وقت خراب السّماوات والارضين {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} المعلوم وهو فعله الّذى هو اضافته الاشراقيّة المسمّاة بالمشيّة والولاية المطلقة والحقيقة المحمّديّة (ص)، ومعنى تدبيره انزاله من مقامه العالى وتعليقه بكلّ ما يتعلّق به على وفق التّدبير الكامل والحكمة البالغة فالمعنى ينزّل الامر بالتّدبير الى اراضى القوابل، ولمّا كان الآيات فى مقام الامر بنحو الاجمال والوحدة موجودة بوجود واحد جمعىّ وبعد التّنزيل الى مقام الكثرة تصير موجودة بوجودات متكثّرة مفصّلة قال بعد ذلك {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} التّكوينيّة الآفاقيّة والانفسيّة والتّدوينيّة القرآنيّة {لَعَلَّكُمْ} بتدبير الامر على ما اقضته الحكمة من غير نقص وفتور فيه وبتفصيل الآيات الدّالة على كمال قدرة صانعها وتكثيرها تعلمون انّ لها صانعاً عليماً حكيماً قديراً ترجعون اليه وبعد ذلك العلم {بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} فيكون عملكم على ما يرتضيه لا على ما يسخطه.
الأعقم
تفسير : {المر} قد تقدم الكلام فيه، وقيل: أنا الله أعلم وأرى {تلك آيات الكتاب} تلك إشارة إلى آيات السورة، والمراد بالكتاب السورة أي تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة، والكتاب القرآن، وقيل: التوراة، وقيل: الإِنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ {والذي أنزل إليك من ربك} من القرآن كله هو {الحق} الذي لا مزيد عليه لا هذه السورة {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} {الله الذي رفع السماوات بغير عمد} وأنتم {ترونها} وعمد جامع عماد، وقيل: جمع عمود، فإن العرب تقول عماد البيت وعمود والجمع عمد بفتحتين، وقوله: {ترونها} الهاء تعود إلى السماء والتاء متعلق بالرفع ويجوز أن تتعلق بالرؤية أي ترونها بالعيان فلا حاجة إلى البيان، وقيل: إنها تعود إلى العمد وفيه وجهان أحدهما لها عُمد غير مرئيَّة وهو قدرة الله سبحانه وتعالى، والثاني هو جبل قاف والسماوات مقبيَّة عليه وأن خضرة السماء من ذلك {ثم استوى على العرش}، قيل: استوى بالقهر {وسخر الشمس والقمر} ذللهما لمنافع خلقه ومصالح عباده {كل يجري لأجل مسمى} يعني أنهما يجريان إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا إذا قامت القيامة ووقفت الشمس والقمر وخسفا {يدبر الأمر} يعني يدبر أمر الدنيا والآخرة، وقيل: يدبر جميع ما يفعله {يفصِّل الآيات} يبين الدلائل بما يحدثه في السموات والأرض من أنواع النبات والأقوات والاحياء والإماتة {وهو الذي مدّ الأرض} أي بسطها طولاً وعرضاً لتصير قراراً تتصرف فيها الحيوانات، وقيل: بسطها على الماء عن ابن عباس، وقيل: كانت الأرض مدورة فدحاها من مكة من تحت البيت {وجعل فيها رواسي} أي خلق في الأرض جبالاً ثوابت وتّدها كيلا تميل وفيها من المنافع العظيمة والمياه والمعادن وغير ذلك ولو كانت مستوية لم تحصل تلك المنافع {وأنهارا} من الماء لشربهم وطهارتهم {ومن كل الثمرات} نفعاً للحيوانات طعاماً وفاكهة {جعل فيها زوجين اثنين} يعني صفين حلو وحامض {يغشي الليل النهار} يعني يدخل الليل في النهار والنهار في الليل {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} في مخلوقات الله تعالى {وفي الأرض قطع متجاورات} فبين تعالى أن الأرض مع تقاربها وتجاورها مختلفة متباينة، والمتجاورات قيل: متقاربة مختلفة بعضها ينبت عذب ينبت وبعضها سبحة لا تنبت عن ابن عباس: وقيل: بعضها عامر وبعضها خراب، وقيل: مرتفعة ومنخفضة {وجنَّات} بساتين {من أعناب وزرع ونخيل صنوان} أي نخلات أصلها واحد {وغير صنوان} أي متفرقات أو مجتمع وغير مجتمع وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد {ونفضِّل بعضها على بعض في الأكل}، قيل: بعضها حلوٌ وبعضها حامض وجيد وفاسد.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الرعد، وهي مدنية { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤمۤر} قد فسّرنا نحوها قبل هذا الموضع. قوله: { تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ} أي: القرآن. وبعضهم يقول: التوراة والإِنجيل. { وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ} أي: القرآن {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وقد فسّرناه في غير هذا الموضع. قوله: {اللهُ الذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} فيها تقديم في تفسير الحسن. يقول: الذي رفع السماوات ترونها بغير عمد. وقال الكلبي أيضاً: إن رفعها بغير عمد. وقال ابن عباس: لها عمد ولكن لا ترونها. قوله: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. وهو مثل قوله: (أية : الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) تفسير : [سورة طَهَ:5]. قال: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: القيامة وقال بعضهم: يجري مجرًى لا يَعْدُوه. قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أي: [يقضي القضاء] في خلقه فيما يخلق ويحيي ويميت ويرزق ويفعل {يُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي: يبيّنها { لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} أي: تصدّقون بالبعث. يقول: {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}، أي: إذا سمعتم ما في القرآن.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {المر} قال ابن عباس: معناه أنا الله أعلم وأرى، ذكره القاضى، وروى عطاء عنه: أن معناه أنا الله الملك الرحمن، وقيل: اسم للسورة، والصحيح عندى الوقف فى معنى ذلك ونحوه إلا برواية صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أراد عمار الأجنة أو الدور، ونماء التجارة وعمارة الأملاك والحوانيت المطلعة فليكتب {المر} إلى {يتفكرون} فى أربعة أوارق، ويدفن فى أربعة أركان، يكثر خيره وطلبته وقصدته. {تِلكَ} الآيات وهى آيات هذه السورة، وأشير إليها بإشارة البعيد، لأنها لم تنزل بمرة، ولعلو شأنها حتى صارت كالشئ البعيد المسافة {آياتُ الكتابِ} القرآن، أى آيات بعض القرآن، أو الإشارة إلى آيات القرآن كلها، ما نزل وما سينزل، فليست الإضافة بمعنى التبعيضية،كما أنها ليست كذلك إذا جعلنا الإشارة لآيات السورة، والكتاب بمعنى السورة. {والَّذى أنزِلَ إليكَ مِن ربِّك} وهو القرآن كله {الحقُّ} الذى مبتدأ، والحق خبره، وتعريف المسند إليه والمسند للحصر، وهو إضافى، أى هو الحق لا ما يخالفه مما يقوله قومك، وبكونه إضافيا لم تنتف الحقيقة عما ثبت بالقياس والاجتهاد، بل قد يقال هذا داخل فيما أنزل لأنه نازل ضمن ولو لم ينزل صريحا، وذلك إذا وافق أو نطق المنزل بحسن الاتباع، وهذه الجملة كالحجة على الجملة قبلها، كأنه قيل: تلك آيات الكتاب لا كلام مفترى، لأنه [لا] ينزل إليك إلا الحق، وتلك: الآيات قد اتضح نزولها ولو تعامى عنها من تعامى. ويجوز عطف الذى على الكتاب عطف عام على خاص، قبل: أو صفة على أخرى، فيكون الحق نعتا لآيات ولو منفردا مذكرا على أنه مصدر نعت به، ولا يقاس عليه أو آيات يدل تلك أو عطف بيان والحق خبر تلك، وقيل: الإشارة إلى الأخبار، والقصص والكتاب جنس كتب الله كالتوراة والإنجيل والزبور، والذى أنزل هو القرآن. {ولكنَّ أكْثر النَّاس لا يؤمنُون} به أنه من الله لعدم تأملهم فيه، وهو على العموم، وقيل: أكثير ناس مكة، وكانوا يقولون: إن محمداً يقول القرآن من تلقاء نفسه.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم * المر} اسم للسورة، أَو حروف من أَوائل أَسماءِ الله، وقد قيل: المعنى أَنا الله أَعلم وأَرى. {تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ} الإِشارة إِلى آيات السورة هذه، أَو آيات القرآن، أو إلى أَخبار الرسل المذكورة فى سورة يوسف المشار إليها إجمالا فى آخرها، وحضورها باعتبار تلاوة بعض لبعض فى التلاوة أو فى اللوح المحفوظ أو مع الملك، والكتاب القرآن، وهو الكتاب العجيب المغنى عن الوصف المعروف من بين الكتب، أَو السورة أَو اللوح المحفوظ أَى آيات، هن الكتاب أَو هن السورة أًو بعض من الكتاب، أَو هن السورة، وأَل للكمال أَو للعهد الحضورى أَو الاستغراق مبالغة، والمراد بالكمال كمال السورة فى نفسها لا الفضل على غيرها لأَن قوله: {تلك آيات} مذكورة فى أَوائل سور متعددة فكل واحدة آية كاملة فى ذاتها {وَالَّذِى أُنْزِلَ إِليْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} نعت آيات، والعطف عطف عام على خاص، أَو عطف صفة على أُخرى لموصوف، أَى تلك آيات الكتاب الجامع بين كونه كتابا، وكونه منزلا من ربك، والكتاب بمعنى المكتوب فى اللوح المحفوظ، أَو فى صحف الملائِكة، والحق خبر لمحذوف أَى هو الحق، أًو الذى مبتدأُ والحق خبره، على هذا فالذى القرآن، أو مع سائِر الوحى إليه صلى الله عليه وسلم، والجملة كالحجة للجملة قبلها فإِن ما هو منزل من الله حقا يكون كاملا لا محالة، وإِذا جعلنا الذى مبتدأً حصل الحصر بتعريف الطرفين مع أَن القياس أَيضا حق، والإِجماع حق والسنة حق، والجواب أَنهن دخلت فى المنزل ضمنا السنة لقوله: - عز وجل - "أية : وما آتاكم الرسول"تفسير : [الحشر: 7] إلخ، والإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجتمع أُمتى على الضلالة"تفسير : الثابت "أية : وأُولى الأَمر منكم"تفسير : [النساء: 59] أَى المجتهدين، وأَما الكتب المتقدمة فلأَن القرآن مصدق لها {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} بأَنه من الله لإِخلالهم بالنظر فى بلاغته الخارجة عن طوق البشر والخلق، وشرع فى ذكر دلائِل السماوات فى أَوائِل السورة بقوله: {اللهُ الَّذِى رفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمدٍ تَرَوْنَهَا} إلخ وفى ذكر دلائِل الأَرض بقوله: "أية : وهو الذى مد الأَرض"تفسير : [الرعد: 3] إلخ، وكذلك قوله تعالى فى أَواخر السورة قبلها: "أية : وكأََين من آية فى السماوات والأَرض"تفسير : [يوسف: 105] ومعنى رفعها نقلها من الجهة السفلى، إِذ كانت على الماءِ، أَو خلقها فى علو، ودلت الآية على أَن لا علاقة للسموات أَيضاً لأَن الآية فى دلائِل قدرة الله، ولو رفعها بلا عمد مع علاقة لم يستعظموا قدرته، ولو كانت بعمد لاحتاجت تلك العمد إلى أُخرى فيتسلسل ذلك وهو محال، ولو كانت بعلاقة لاحتاجت العلاقة لأُخرى، وحاصل الآية أَنه أَمسك السماوات بقدرته حيث هى، ورفعها إِمساكها حيث هى بلا علاقة ولا عمد، وعمد جمع عماد أَو عمود على غير قياس والقياس أَعمدة أَو أَعمد، أَو اسم جمع وذلك كإِهاب وأُهُب وأَديم وأُدم، وأَفيق وأُفق، قيل: ولا خامس لها، وذلك كله رباعى ثالثه مدة جمع على فعل، ويدل على أَنه غير مفرد التأْنيث فى قوله: - عز وجل "أية : فى عمد ممددة "تفسير : [الهمزة: 9] وقيل: هو مفرد مؤنث، والمنفى العمد والرؤية معا، وحاصله أَن لا عمد فضلا عن أَن ترى، وقال مجاهد وعكرمة: نفيت الصفة فقط فالعمد ثابتة لا ترى وهى جبل قاف محيط بالدنيا بعد المحيط من زمرد أَخضر عليه أَطراف السماءِ، وهو كلام غير كاف إذ تبقى السموات، أَو يدعى أَن أَطرافهن كلهن على جبل قاف، ولا ندرى أَصح أم لا، والصواب: أَن العمد على فرض ثبوتها هى القدرة، والقدرة لا ترى وإنما يرى أَثرها فالعمد هى قدرة الله - عز وجل - وهى واحدة ذاتية، وأَما جمعها فتمثيل أو باعتبار تعدد متعلقاتها والجملة نعت لعمد وها لها، ويجوز كونها للسماوات، فالجملة مستأنفة أَو حال من السماوات، ورؤيتنا السماوات برؤية نجومهن وما تقدم أَظهر {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ملك الأُمور كلها، والأَجسام كلها أَو حفظها ودبرها،أَو خلق الجسم العظيم المسمى عرشاً، وثم للترتيب الذكرى أَو لمجرد العطف، وكل موجود سوى الله متناه لأَنه لو وجد جسم لا يتناهى لزم أَنه قديم غير مخلوق، واعتقاد هذا إشراك، والعرش والسماوات دليل على وجود الصانع ووحدته، وكمال قدرته وعموم علمه فإِن إِمساكهن فى مجالها دليل على أَن لها فاعلا يختار ما شاءَ، من الجائز اختار موضعهن، ولسائِر الأَجسام أَيضاً مجالها فليس بجسم ولا عرض لعجزهما، وعلى ذلك الأُسلوب تغيير الشمس والقمر فى قوله {وسَخَّر الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} ذللهما لما أَراد منهما من حركة سريعة واستدارة فى منازل لو شاءَ لزاد فى سرعتهما أَو نقص، أَو سكنتا أَو دارتا على غير دورانهما، فاختار ما هما عليه على غيره، وجعل حركتهما نافعة فى حصول الفصول الأَربعة وما يترتب عليها من حر وبرد ونبات وثمار {كُلٌّ} منهما {يَجْرِى} فى فلكه {لأَِجَلٍ مُسَمَّى} وهو يوم القيامة، أو دور الحول للشمس والشهر للقمر لا يختلف ذلك واختاره بعض، وبعضهم الأَول كما اختلف فى قوله"أية : والشمس تجرى لمستقر لها"تفسير : [يس: 38] وعندى أَن المراد فى الآيتين الثانى، أَلا ترى إلى قوله: "أية : ذلك تقدير العزيز العليم" تفسير : [يس: 38] مع قوله: "أية : والقمر قدرناه" تفسير : [يس: 39] واستدل الأَول بقوله عز وجل: "أية : إِذا الشمس كورت * وإِذا النجوم انكدرت"تفسير : [التكوير: 1 - 2] ويناسب الثانى أَن التسخير لمنافع العباد، وهى بالفصول لا بيوم القيامة، واللام على كل حال بمعنى إلى {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} يقضى أَمر ملكه بإِبقاءٍ وإِحياءٍ وإِماتة وإٍفناءٍ ورزق وإِنزال الوحى والكتب والتكليف والإِغناءِ بعد الفقر والعكس، وكون الأَحمق فى أَهنإِ عيش العاقل الذكى فى عسر وضيق قيل: شعر : كم عاقل عاقل أًعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذى ترك الأَوهام حائِرة وصيَّر العالم النحرير زنديقا تفسير : أَى شاكَّا فى وجود الصانع تعالى وأَخطأَ، بل ذلك دليل على وجوده تعالى كما قيل: شعر : كم عاقل عاقل قد كان ذا عسر وجاهل جاهل قد كان ذا يسر تحير الناس فى هذا فقلت لهم هذا الذى أَوجب الإِيمان بالقدر تفسير : وكما قيل: شعر : كم من أَديب فهم قلبه مستكمل العقل فقل عديم ومن جهول مكثر ماله ذلك تقدير العزيز العليم تفسير : {يُفَصِّلُ الآياتِ} يبين دلائِل قدرته أَو تنوعها، أَو الآيات المتلوَّة أَو يحدث الدلائِل شيئاً بعد شىءٍ {لَعَلَّكُمْ} أَيها الناس عموما، أَو يا أهل مكة، الترجى هنا بمعنى الاختيار، أَو لعل للتعليل {بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} توقنون بلقائِه بالبعث، وكأَنه يفصل آياته فى كتابه أَو كتبه المنزلة لعلكم توقنون بالجزاءِ، وأن هذا المدبر المفصل لا بد لكم من الرجوع إليه فإٍنه لا يخلقكم عبثا، وبأَن القادر على خلق السموات، والأَرض والشمس والقمر وسائِر الحوادث قادر أَن يبعثكم.
الالوسي
تفسير : . {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ الۤمۤر} أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أن معنى ذلك أنا الله أعلم وأرى وهو أحد أقوال مشهورة في مثل ذلك {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } جعل غير واحد الكتاب بمعنى السورة وهو بمعنى المكتوب صادق عليها من غير اعتبار تجوز، والإشارة إلى آياتها باعتبار أنها لتلاوة بعضها والبعض الآخر في معرض التلاوة صارت كالحاضرة أو لثبوتها في اللوح أو مع الملك، والمعنى تلك الآيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، واستفيد هذا على ما قيل من اللام، وذلك أن الإضافة بيانية فالمآل ذلك الكتاب، والخبر إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة وأن هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب/ جعله نفس الجنس وأنه ليس نوعاً من أنواعه. وحيث أنه في الظاهر كالممتنع أريد ذلك. وجوز أن يكون المراد بالكتاب القرآن، و {تِلْكَ} إشارة إلى آيات السورة، والمعنى آيات هذه السورة آيات القرآن الذي هو الكتاب العجيب الكامل الغني عن الوصف بذلك المعروف به من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب، والظاهر أن المراد جميعه. وجوز أن يراد به المنزل حينئذٍ، ورجح إرادة القرآن بأنه المتبادل من مطلق الكتاب المستغني عن النعت وبه يظهر جميع ما أريد من وصف الآيات بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمال بخلاف ما إذا جعل عبارة عن السورة فإنها ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك المغنية عن التصريح بالوصف وفيه بحث، وأياً ما كان فلا محذور في حمل آيات الكتاب على تلك كما لا يخفى، وقيل: الإشارة ـ بتلك ـ إلى ما قص سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام من أنباء الرسل عليهم السلام المشار إليها في آخر السورة المتقدمة بقوله سبحانه: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 102] وجوز على هذا أن يراد بالكتاب ما يشمل التوراة والإنجيل، وأخرج ذلك ابن جرير عن مجاهد وقتادة. وجوز ابن عطية هذا على تقدير أن تكون الإشارة إلى ـ المر ـ مراداً بها حروف المعجم أيضاً وجعل ذلك مبتدأ أولاً و {تِلْكَ} مبتدأ ثانياً و {آيَـٰتُ} خبره والجملة خبر الأول والرابط الإشارة. وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ} فالظاهر أن الموصول فيه مبتدأ وجملة {أَنَزلَ} من الفعل ومرفوعه صلته {وَمِنْ رَبَّكَ} متعلق ـ بأنزل ـ {وَٱلْحَقُّ} خبر، والمراد بالموصول عند كثير القرآن كله؛ والكلام استدراك على وصف السورة فقط بالكمال، وفي أسلوبه قول فاطمة الأنمارية وقد قيل لها: أي بنيك أفضل؟ ربيع بل عمارة بل قيس بل أنس ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل والله أنهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وذلك كما أنها نفت التفاضل آخراً بإثبات الكمال لكل واحد دلالة على أن كمال كل لا يحيط به الوصف وهو إجمال بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لما أثبت سبحانه لهذه السورة خصوصاً الكمال استدركه بأن كل المنزل كذلك لا يختص به سورة دون أخرى للدلالة المذكورة، وهو على ما قيل معنى بديع ووجه بليغ ذكره صاحب "الكشاف"، وقيل: إنه لتقرير ما قبله والاستدلال عليه لأنه إذا كان كل المنزل عليه حقاً فذلك المنزل أيضاً حق ضرورة أنه من كل المنزل فهو كامل لأنه لا أكمل من الحق والصدق، ولخفاء أمر الاستدلال قال العلامة البيضاوي إنه كالحجة على ما قبله، ولعل الأول أولى ومع ذا لا يخلو عن خفاء أيضاً، ولو قيل: المراد بالكمال فيما تقدم الكمال الراجع إلى الفصاحة والبلاغة ويكون ذلك وصفاً للمشار إليه بالإعجاز من جهة ذلك، ويكون هذا وصفاً له بخصوصه على تقدير أن يكون فيه وضع الظاهر موضع الضمير أو لما يشمله وغيره على تقدير أن لا يكون فيه ذلك بكونه حقاً مطابقاً للواقع إذ لا تستدعي الفصاحة والبلاغة الحقية كما يشهد به الرجوع إلى "المقامات الحريرية" لم يبعد كل البعد فتدبر. وجوز الحوفي كون {مِن رَبّكَ} هو الخبر و {ٱلْحَقّ } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق أو خبر بعد خبر أو كلاهما خبر واحد كما قيل في الرمان حلو حامض، وهو إعراب متكلف، وجوز أيضاً كون الموصول في محل خفض عطفاً على {ٱلْكِتَـٰبِ } و {ٱلْحَقّ } حينئذٍ خبر مبتدأ محذوف لا غير. قيل: والعطف من عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى كما قالوا في قوله:شعر : / هو الملك القرم وابن الهمام تفسير : البيت، وبعضهم يجعله من عطف الكل على الجزء أو من عطف أحد المترادفين على الآخر، ولكل وجهة، وإذا أريد بالكتاب ما روي عن مجاهد. وقتادة فأمر العطف ظاهر، وجوز أبو البقاء كون {ٱلَّذِى} نعتاً للكتاب بزيادة الواو في الصفة كما في أتاني كتاب أبـي حفص والفاروق والنازلين والطيبين، وتعقب بأن الذي ذكر في زيادة الواو للإلصاق خصه صاحب "المغني" بما إذا كان النعت جملة، ولم نر من ذكره في المفرد. وأجاز الحوفي أيضاً كون الموصول معطوفاً على {آيَـٰتُ} وجعل {ٱلْحَقّ } نعتاً له وهو كما ترى. ثم المقصود على تقدير أن يكون الحق {خبر} مبتدأ مذكور أو محذوف قصر الحقية على المنزل لعراقته فيها وليس في ذلك ما يدل على أن ما عداه ليس بحق أصلاً على أن حقيته مستتبعة لحقية سائر الكتب السماوية لكونه مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه. وساق بعض نفاة القياس هذه الآية بناءً على تضمنها الحصر في معرض الاستدلال على نفي ذلك فقالوا: الحكم المستنبط بالقياس غير منزل من عند الله تعالى وإلا لكان من يحكم به كافراً لقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] وكل ما ليس منزلاً من عند الله تعالى ليس بحق لهذه الآية لدلالتها على أن لا حق إلا ما أنزله الله تعالى، والمثبتون لذلك أبطلوا ما ذكروه في المقدمة الأولى بأن المراد بعدم الحكم بالإنكار وعدم التصديق أو المراد من لم يحكم بشيء أصلاً مما أنزله الله تعالى، ولا شك أنه من شأن الكفرة أو المراد بما أنزله هناك التوراة بقرينة ما قبله، ونحن غير متعبدين بها فيختص باليهود ويكون المراد الحكم بكفرهم إذ لم يحكموا بكتابهم، ونحن نقول بموجبه كما بين في "شرح المواقف"، وما ذكروه في المقدمة الثانية بأن المراد بالمنزل من الله تعالى ما يشمل الصريح وغيره فيدخل فيه القياس لاندراجه في حكم المقيس عليه المنزل من عنده سبحانه وقد جاء في المنزل صريحاً {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] وهو دال على ما حقق في محله على حسن اتباع القياس على أنك قد علمت المقصود من الحصر. ويحتمل أيضاً على ما قيل أن يكون المراد هو الحق لا غيره من الكتب الغير المنزلة أو المنزلة إلى غيره بناءً على تحريفها ونسخها، وقد يقال: إن دليلهم منقوض بالسنة والإجماع، والجواب الجواب، ولا يخفى ما في التعبير عن القرآن بالموصول وإسناد الإنزال إليه بصيغة ما لم يسم فاعله، والتعرض لوصف الربوبية مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من الدلالة على فخامة المنزل وتشريف المنزل والإيماء إلى وجه بناء الخبر ما لا يخفى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} قيل هم كفار مكة، وقيل: اليهود والنصارى والأولى أن يراد أكثرهم مطلقاً {لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك الحق المبين لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه فعدم إيمانهم كما قال شيخ الإسلام متعلق بعنوان حقيته لأنه المرجع للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونه منزلاً كما قيل ولأنه وارد على سبيل الوصف دون الإخبار.
سيد قطب
تفسير : تبدأ السورة بقضية عامة من قضايا العقيدة: قضية الوحي بهذا الكتاب، والحق الذي اشتمل عليه. وتلك هي قاعدة بقية القضايا من توحيد لله، ومن إيمان بالبعث، ومن عمل صالح في الحياة. فكلها متفرعة عن الإيمان بأن الآمر بهذا هو الله، وأن هذا القرآن وحي من عنده سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: {الۤمۤر. تلك آيات الكتاب. والذي أنزل إليك من ربك الحق. ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. ألف. لام. ميم. را.. {تلك آيات الكتاب}.. آيات هذا القرآن. أو تلك آيات على الكتاب تدل على الوحي به من عند الله. إذ كانت صياغته من مادة هذه الأحرف دلالة على أنه من وحي الله، لا من عمل مخلوق كائناً من كان. {والذي أنزل من ربك الحق}.. الحق وحده. الحق الخالص الذي لا يتلبس بالباطل. والذي لا يحتمل الشك والتردد. وتلك الأحرف آيات على أنه الحق. فهي آيات على أنه من عند الله. ولن يكون ما عند الله إلا حقاً لا ريب فيه. {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. لا يؤمنون بأنه موحى به، ولا بالقضايا المترتبة على الإيمان بهذا الوحي من توحيد لله ودينونة له وحده ومن بعث وعمل صالح في الحياة. هذا هو الافتتاح الذي يلخص موضوع السورة كله، ويشير إلى جملة قضاياها. ومن ثم يبدأ في استعراض آيات القدرة، وعجائب الكون الدالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره، الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس؛ وأن يكون هناك بعث لحساب الناس. وأن من مقتضيات تلك القدرة أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم إلى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم. وسخره لهم ليبلوهم فيما آتاهم. وتبدأ الريشة المعجزة في رسم المشاهد الكونية الضخمة.. لمسة في السماوات، ولمسة في الأرضين. ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة.. ثم التعجيب من قوم ينكرون البعث بعد هذه الآيات الضخام، ويستعجلون عذاب الله، ويطلبون آية غير هذه الآيات: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمـى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون}. {وهو الذي مد الأرض، وجعل فيها رواسيَ وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يُغشي الليل النهار. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}. {وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}. {وإن تعجب فعجب قولهم: أئذا كنا تراباً أئنّا لفي خلق جديد؟ أولـئك الذين كفروا بربهم. وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب. ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}. والسماوات ـ أياً كان مدلولها وأياً كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور ـ معروضة على الأنظار، هائلة ـ ولا شك ـ حين يخلو الناس إلى تأملها لحظة. وهي هكذا لا تستند إلى شيء. مرفوعة {بغير عمد} مكشوفة {ترونها}.. هذه هي اللمسة الأولى في مجالي الكون الهائلة وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني، وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه؛ ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد ـ أو حتى بعمد ـ إلا الله؛ وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه. ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة و من إتقان، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد؛ وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان! ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس، إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار: {ثم استوى على العرش}.. فإن كان علو فهذا أعلى. وإن كانت عظمة فهذا أعظم. وهو الاستعلاء المطلق، يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة. وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة. لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور، تتجاوران وتتسقان في السياق.. ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير. تسخير الشمس والقمر. تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة، أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى، ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك لله الكبير المتعال. ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته، فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول. وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير. وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس: نجم وكوكب، ويتقابلان في الأوان، بالليل والنهار.. ثم نمضي مع السياق.. فمع الاستعلاء والتسخير الحكمة والتدبير: {كل يجري لأجل مسمى}.. وإلى حدود مرسومة، ووفق ناموس مقدر. سواء في جريانهما في فلكيهما دورة سنوية ودورة يومية. أو جريانهما في مداريهما لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه. أو جريانهما إلى الأمد المقدر لهما قبل أن يحول هذا الكون المنظور. {يدبر الأمر}.. الأمر كله، على هذا النحو من التدبير الذي يسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.. والذي يمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء فيجريها لأجل لا تتعداه، لا شك عظيم التدبير جليل التقدير. ومن تدبيره الأمر أنه {يفصل الآيات} وينظمها وينسقها، ويعرض كلاً منها في حينه، ولعلته، ولغايته {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} حين ترون الآيات مفصلة منسقة، ومن ورائها آيات الكون، تلك التي أبدعتها يد الخالق أول مرة، وصورت لكم آيات القرآن ما وراء إبداعها من تدبير وتقدير وإحكام.. ذلك كله يوحي بأن لا بد من عودة إلى الخالق بعد الحياة الدنيا، لتقدير أعمال البشر، ومجازاتهم عليها. فذلك من كمال التقدير الذي توحي به حكمه الخلق الأول عن حكمة و تدبير. وبعد ذلك يهبط الخط التصويري الهائل من السماء إلى الأرض فيرسم لوحتها العريضة الأولى: {وهو الذي مد الأرض، وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين. يغشي الليل النهار. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. والخطوط العريضة في لوحة الأرض هي مد الأرض وبسطها أمام النظر وانفساحها على مداه. لا يهم ما يكون شكلها الكلي في حقيقته. إنما هي مع هذا ممدودة مبسوطة فسيحة. هذه هي اللمسة الأولى في اللوحة. ثم يرسم خط الرواسي الثوابت من الجبال، وخط الأنهار الجارية في الأرض. فتتم الخطوط العريضة الأولى في المشهد الأرضي، متناسقة متقابلة. ومما يناسب هذه الخطوط الكلية ما تحتويه الأرض من الكليات، وما يلابس الحياة فيها من كليات كذلك. وتتمثل الأولى فيما تنبت الأرض: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين}. وتتمثل الثانية في ظاهرتي الليل والنهار: {يغشي الليل النهار}. والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً. هي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنوناً أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود. وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره. والمشهد الثاني مشهد الليل والنهار متعاقبين، هذا يغشي ذاك، في انتظام عجيب. هو ذاته مثار تأمل في مشاهد الطبيعة، فقدوم ليل وإدبار نهار أو إشراق فجر وانقشاع ليل، حادث تهوّن الألفة من وقعه في الحس، ولكنه في ذاته عجب من العجب، لمن ينفض عنه موات الألفة وخمودها، ويتلقاه بحس الشاعر المتجدد، الذي لم يجمده التكرار.. والنظام الدقيق الذي لا تتخلف معه دورة الفلك هو بذاته كذلك مثار تأمل في ناموس هذا الكون، وتفكير في القدرة المبدعة التي تدبره وترعاه: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. ونقف كذلك هنا وقفة قصيرة أمام التقابلات الفنية في المشهد قبل أن نجاوزه إلى ما وراءه... التقابلات بين الرواسي الثابتة والأنهار الجارية. وبين الزوج والزوج في كل الثمرات. وبين الليل والنهار. ثم بين مشهد الأرض كله ومشهد السماء السابق. وهما متكاملان في المشهد الكوني الكبير الذي يضمهما ويتألف منهما جميعاً. ثم تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى: {وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان، يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. وهذه المشاهد الأرضية، فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلع إليها! إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والاتصال بالكون الذي هي قطعة منه، انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه.. {وفي الأرض قطع متجاورات}.. متعددة الشيات، وإلا ما تبين أنها {قطع} فلو كانت متماثلة لكانت قطعة.. منها الطيب الخصب، ومنها السبخ النكد. ومنها المقفر الجدب، ومنها الصخر الصلد. وكل واحد من هذه وتلك انواع وألوان ودرجات. ومنها العامر والغامر. ومنها المزروع الحي والمهمل الميت. ومنها الريان والعطشان. ومنها ومنها ومنها.. وهي كلها في الأرض متجاورات. هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي.. ثم تتبعها تفصيلات: {وجنات من أعناب}. {وزرع}. {ونخيل} تمثل ثلاثة أنواع من النبات، الكرم المتسلق. والنخل السامق. والزرع من بقول وأزهار وما أشبه. مما يحقق تلوين المنظر، وملء فراغ اللوحة الطبيعية، والتمثيل لمختلف أشكال النبات. ذلك النخيل. صنوان وغير صنوان. منه ما هو عود واحد. ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد.. وكله {يسقى بماء واحد} والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل}. فمن غير الخالق المدبر المريد يفعل هذا وذاك؟! من منا لم يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة. فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب؟ إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديداً أبداً، لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس؛ وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود. {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات. والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات. والزرع والنخيل والأعناب.. تلك الجولة الهائلة في آفاق الكون الفسيحة، يعود منها السياق ليعجّب من قوم، هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم، ولا تنبه عقولهم، ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر، وقدرة الخالق، كأن عقولهم مغلولة، وكأن قلوبهم مقيدة، فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات: {وإن تعجب فعجب قولهم: أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد؟ أولـئك الذين كفروا بربهم، وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. وإنه لعجيب يستحق التعجيب، أن يسأل قوم بعد هذا العرض الهائل: {أإذا كنا ترابا أإناً لفي خلق جديد؟}.. والذي خلق هذا الكون الضخم ودبره على هذا النحو، قادر على إعادة الأناسي في بعث جديد. إنما هو الكفر بربهم الذي خلقهم ودبر أمرهم. وإنما هي أغلال العقل والقلب. فالجزاء هو الأغلال في الأعناق، تنسيقاً بين غل العقل وغل العنق؛ والجزاء هو النار خالدين فيها. فقد عطلوا كل مقومات الإنسان التي من أجلها يكرمه الله، وانتكسوا في الدنيا فهم في الآخرة يلاقون عاقبة الانتكاس حياة أدنى من حياتهم الدنيا، التي عاشوها معطلي الفكر والشعور والإحساس. هؤلاء القوم الذين يعجبون من أن يبعثهم الله خلقاً جديداً. وعجبهم هذا هو العجب! هؤلاء يستعجلونك أن تأتيهم بعذاب الله، بدلاً من أن يطلبوا هدايته ويرجوا رحمته: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة}.. وكما أنهم لا ينظرون في آفاق الكون، وآيات الله المبثوثة في السماء والأرض، فهم لا ينظرون إلى مصارع الغابرين الذين استعجلوا عذاب الله فأصابهم؛ وتركهم مثلة يعتبر بها من بعدهم: {وقد خلت من قبلهم المثلات}.. فهم في غفلة حتى عن مصائر أسلافهم من بني البشر، وقد كان فيها مثل لمن يعتبر. {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}.. فهو بعباده رحيم حتى وإن ظلموا فترة، يفتح لهم باب المغفرة ليدخلوه عن طريق التوبة. ولكن يأخذ بعقابه الشديد من يصرون ويلجون، ولا يلجون من الباب المفتوح. {إن ربك لشديد العقاب}.. والسياق يقدم هنا مغفرة الله على عقابه، في مقابل تعجل هؤلاء الغافلين للعذاب قبل الهداية. ليبدو الفارق الضخم الهائل بين الخير الذي يريده الله لهم، والشر الذي يريدونه لأنفسهم. ومن ورائه يظهر انطماس البصيرة، وعمى القلب، والانتكاس الذي يستحق درك النار. ثم يمضي السياق في التعجيب من أمر القوم، الذين لا يدركون كل تلك الآيات الكونية، فيطلبون آية واحدة ينزلها الله على رسوله. آية واحدة والكون حولهم كله آيات: {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد}.. إنهم يطلبون خارقة. والخوارق ليست من عمل الرسول ولا اختصاصه. إنما يبعث بها الله معه، حين يرى بحكمته أنها لازمة. {إنما انت منذر} محذر ومبصر. شأنك شأن كل رسول قبلك، فقد بعث الله الرسل للأقوام للهداية {ولكل قوم هاد} فأما الآيات الخارقة فأمرها إلى مدبر الكون والعباد. وبذلك تنتهي الجولة الأولى في الآفاق، والتعقيبات عليها. ليبدأ السياق جولة جديدة في واد آخر: في الأنفس والمشاعر والأحياء: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه ـ يحفظونه ـ من أمر الله. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال}.. ويقف الحس مشدوهاً يرتعش تحت وقع هذه اللمسات العميقة في التصوير، وتحت إيقاع هذه الموسيقى العجيبة في التعبير. يقف مشدوهاً وهو يقفو مسارب علم الله ومواقعه؛ وهو يتبع الحمل المكنون في الأرحام، والسر المكنون في الصدور، والحركة الخفية في جنح الليل؛ وكل مستخف وكل سارب وكل هامس وكل جاهر. وكل أولئك مكشوف تحت المجهر الكاشف، يتتبعه شعاع من علم الله، وتتعقبه حفظة تحصي خواطره ونواياه.. ألا إنها الرهبة الخاشعة التي لا تملك النفس معها إلا أن تلجأ إلى الله، تطمئن في حماه.. وإن المؤمن بالله ليعلم أن علم الله يشمل كل شيء. ولكن وقع هذه القضية الكلية في الحس، لا يقاس إلى وقع مفرداتها كما يعرض السياق بعضها في هذا التصوير العجيب. وأين أية قضية تجريدية، وأية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار}؟ حين يذهب الخيال يتتبع كل أنثى في هذا الكون.. المترامي الأطراف.. كل أنثى.. كل أنثى في الوبر والمدر، في البدو والحضر، في البيوت والكهوف والمسارب والغابات. ويتصور علم الله مطلاً على كل حمل في أرحام هذه الإناث، وعلى كل قطرة من دم تغيض أو تزداد في تلك الأرحام! وأين أية قضية تجريدية وأية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله: {سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}؟ حين يذهب الخيال يتتبع كل هامس وكل جاهر، وكل مستخف وكل سارب في هذا الكون الهائل. ويتصور علم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه، ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار! إن اللمسات الأولى في آفاق الكون الهائل ليست بأضخم ولا أعمق من هذه اللمسات الأخيرة في أغوار النفس والغيب ومجاهيل السرائر. وإن هذه لكفء لتلك في مجال التقابل والتناظر.. ونستعرض شيئاً من بدائع التعبير والتصوير في تلك الآيات: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار}.. فلما أن صور العلم بالغيض والزيادة في مكنونات الأرحام، عقب بأن كل شيء عنده بمقدار. والتناسق واضح بين كلمة مقدار وبين النقص والزيادة. والقضية كلها ذات علاقة بإعادة الخلق فيما سبق من ناحية الموضوع. كما أنها من ناحية الشكل والصورة ذات علاقة بما سيأتي بعدها من الماء الذي تسيل به الأودية {بقدرها} في السيولة والتقدير.. كما أن في الغيض والزيادة تلك المقابلة المعهودة في جو السورة على الإطلاق.. {عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}.. ولفظة {الكبير} ولفظة {المتعال} كلتاها تلقي ظلها في الحس. ولكن يصعب تصوير ذلك الظل بألفاظ أخرى. إنه ما من خلق حادث إلا وفيه نقص يصغره. وما يقال عن خلق من خلق الله كبير، أو أمر من الأمور كبير، أو عمل من الأعمال كبير، حتى يتضاءل بمجرد أن يذكر الله.. وكذلك {المتعال}.. تراني قلت شيئاً؟ لا. ولا أي مفسر آخر للقرآن وقف أمام {الكبير المتعال}! {سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار}.. والتقابل واضح في العبارة. إنما تستوقفنا كلمة {سارب} وهي تكاد بظلها تعطي عكس معناها، فظلها ظل خفاء أو قريب من الخفاء. والسارب: الذاهب. فالحركة فيها هي المقصودة في مقابل الاستخفاء. هذه النعومة في جرس اللفظ وظله مقصودة هنا كي لا تخدش الجو. جو العلم الخفي اللطيف الذاهب وراء الحمل المكنون والسر الخافي والمستخفي بالليل والمعقبات التي لا تراها الأنظار. فاختار اللفظ الذي يؤدي معنى التقابل مع المستخفي ولكن في لين ولطف وشبه خفاء! {له معقبات من بين يديه ومن خلفه ـ يحفظونه ـ من أمر الله}.. والحفظة التي تتعقب كل انسان، وتحفظ كل شاردة وكل واردة وكل خاطرة وكل خالجة، والتي هي من أمر الله، لا يتعرض لها السياق هنا بوصف ولا تعريف. أكثر من أنها.. {من أمر الله}.. فلا نتعرض نحن لها: ما هي؟ وما صفاتها؟ وكيف تتعقب؟ وأين تكون؟ ولا نذهب بجو الخفاء والرهبة والتعقب الذي يسبغه السياق. فذلك هو المقصود هنا؛ وقد جاء التعبير بقدره؛ ولم يجئ هكذا جزافاً؛ وكل من له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذا الجو الغامض بالكشف والتفصيل! {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم. فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزاً أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة.. إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم. وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون. ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لاحقاً له في الزمان بالقياس إليهم. وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم. والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل. وهو يحمل كذلك ـ إلى جانب التبعة ـ دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه. وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء؛ لأنهم ـ حسب المفهوم من الآية ـ غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء: {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال}.. يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة. وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم، وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب الله عنهم ـ إذا استحقوه بما في أنفسهم ـ ولا يعصمهم منه وال يناصرهم.. ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر، موصول بذلك الوادي الذي كنا فيه. واد تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس، متداخلة متناسقة في الصورة والظل والإيقاع. وتخيم عليه الرهبة والضراعة والجهد والإشفاق. وتظل النفس فيه في ترقب وحذر، وفي تأثر وانفعال: {هو الذي يريكم البرق. خوفاً وطمعاً. وينشىء السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال. له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وظلالهم، بالغدو والآصال. قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير. أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}.. والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة، وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان. وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس ـ سواء عند الذين يعرفون الكثير عن طبيعتها والذين لا يعرفون عن الله شيئاً! والسياق يحشدها هنا؛ ويضيف إليها الملائكة والظلال والتسبيح والسجود والخوف والطمع، والدعاء الحق والدعاء الذي لا يستجاب. ويضم إليها هيئة أخرى: هيئة ملهوف يتطلب الماء، باسطاً كفيه ليبلغه، فاتحاً فاه يتلقف منه قطرة.. هذه كلها لا تتجمع في النص اتفاقاً أو جزافاً. إنما تتجمع لتلقي كلها ظلالها على المشهد، وتلفه في جو من الرهبة والترقب، والخوف والطمع، والضراعة والارتجاف، في سياق تصوير سلطان الله المتفرد بالقهر والنفع والضر، نفياً للشركاء المدعاة، وإرهاباً من عقبى الشرك بالله. {هو الذي يريكم البرق. خوفاً وطمعاً}.. هو الله الذي يريكم هذه الظاهرة الكونية، فهي ناشئة من طبيعة الكون التي خلقها هو على هذا النحو الخاص، وجعل لها خصائصها وظواهرها. ومنها البرق الذي يريكم إياه وفق ناموسه، فتخافونه لأنه بذاته يهز الأعصاب، ولأنه قد يتحول إلى صاعقة، ولأنه قد يكون نذيراً بسيل مدمر كما علمتكم تجاربكم. وتطمعون في الخير من ورائه، فقد يعقبه المطر المدرار المحيي للموات، المجري للأنهار. {وينشئ السحاب الثقال}.. وهو كذلك الذي ينشئ السحاب ـ والسحاب اسم جنس واحدته سحابة ـ الثقال بالماء. فوفق ناموسه في خلقة هذا الكون وتركيبه تتكون السحب، وتهطل الأمطار. ولو لم يجعل خلقة الكون على هذا النحو ما تكونت سحب ولا هطلت أمطار. ومعرفة كيف تتكون السحب، وكيفية هطول الأمطار لا تفقد هذه الظاهرة الكونية شيئاً من روعتها، ولا شيئاً من دلالتها. فهي تتكون وفق تركيب كوني خاص لم يصنعه أحد إلا الله. ووفق ناموس معين يحكم هذا التركيب لم يشترك في سنه أحد من عبيد الله! كما أن هذا الكون لم يخلق نفسه، ولا هو الذي ركب في ذاته ناموسه! والرعد.. الظاهرة الثالثة لجو المطر والبرق والرعد.. هذا الصوت المقرقع المدوي. إنه أثر من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمد وتسبيح بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان.. وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً، ويكون الرعد {يسبح} فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل! وقد اختار التعبير أن ينص على تسبيح الرعد بالحمد اتباعاً لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامته لتشارك في المشهد بحركة من جنس المشهد كله ـ كما فصلت هذا في كتاب التصوير الفني في القرآن ـ والمشهد هنا مشهد أحياء في جو طبيعي. وفيه الملائكة تسبح من خيفته، وفيه دعاء لله، ودعاء للشركاء. وفيه باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.. ففي وسط هذا المشهد الداعي العابد المتحرك اشترك الرعد ككائن حي بصوته في التسبيح والدعاء.. ثم يكمل جو الرهبة والابتهال والبرق والرعد والسحاب الثقال.. بالصواعق يرسلها فيصيب بها من يشاء. والصواعق ظاهرة طبيعية ناشئة من تركيب الكون على هذا المنوال؛ والله يصيب بها أحياناً من غيروا ما بأنفسهم واقتضت حكمته ألا يمهلهم، لعلمه أن لا خير في إمهالهم، فاستحقوا الهلاك.. والعجيب أنه في هول البرق والرعد والصواعق، وفي زحمة تسبيح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وزمجرة العواصف بغضبه.. في هذا الهول ترتفع أصوات بشرية بالجدل في الله صاحب كل هذه القوى وباعث كل هذه الأصوات التي ترتفع على كل جدال وكل محال: {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال}! وهكذا تضيع أصواتهم الضعيفة في غمرة هذا الهول المتجاوب بالدعاء والابتهال والرعد والقرقعة والصواعق، الناطقة كلها بوجود الله ـ الذي يجادلون فيه ـ وبوحدانيته واتجاه التسبيح والحمد إليه وحده من أضخم مجالي الكون الهائل، ومن الملائكة الذين يسبحون من خيفته (وللخوف إيقاعه في هذا المجال) فأين من هذا كله أصوات الضعاف من البشر وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال؟! وهم يجادلون في الله وينسبون إليه شركاء يدعونهم معه. ودعوة الله هي وحدها الحق؛ وما عداها باطل ذاهب، لا ينال صاحبه منه إلا العناء: {له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}.. والمشهد هنا ناطق متحرك جاهد لاهف.. فدعوة واحدة هي الحق، وهي التي تحق، وهي التي تستجاب. إنها دعوة الله والتوجه إليه والاعتماد عليه وطلب عونه ورحمته وهداه. وما عداها باطل وما عداها ضائع وما عداها هباء.. ألا ترون حال الداعين لغيره من الشركاء؟ انظروا هذا واحد منهم. ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه. وفمه مفتوح يلهث بالدعاء. يطلب الماء ليبلغ فاه فلا يبلغه. وما هو ببالغه. بعد الجهد واللهفة والعناء. وكذلك دعاء الكافرين بالله الواحد حين يدعون الشركاء: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}. وفي أي جو لا يبلغ هذا الداعي اللاهف قطرة من ماء؟ في جو البرق والرعد والسحاب الثقال، التي تجري هناك بأمر الله الواحد القهار! وفي الوقت الذي يتخذ هؤلاء الخائبون آلهة من دون الله، ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء، إذا كل من في الكون يعنو لله. وكلهم محكومون بإرادته، خاضعون لسنته، مسيرون وفق ناموسه. المؤمن منهم يخضع طاعة وإيماناً، وغير المؤمن يخضع أخذا وإرغاماً فما يملك أحد أن يخرج على إرادة الله، ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وظلالهم، بالغدو والآصال}.. ولأن الجو جو عبادة ودعاء، فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود وهو اقصى رمز للعبودية، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض، ظلالهم كذلك. ظلالهم بالغدو في الصباح، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال. يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال. وهي في ذاتها حقيقة، فالظلال تبع للشخوص. ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد، فإذا هو عجب. وإذا السجود مزدوج: شخوص وظلال! وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء. كلها تسجد لله.. وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون الله! وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية. فما يجدر بالمشرك بالله في مثل هذا الجو إلا التهكم، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء: {قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار}.. سلهم ـ وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة الله وإرادته ـ رضي أم كره ـ: {من رب السماوات والأرض؟}.. وهو سؤال لا ليجيبوا عنه، فقد أجاب السياق من قبل. إنما ليسمعوا الجواب ملفوظاً وقد رأوه مشهوداً: {قل: الله}.. ثم سلهم: {أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟}.. سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء. سلهم والقضية واضحة، والفرق بين الحق والباطل واضح: وضوح الفارق بين الأعمى والبصير، وبين الظلمات والنور. وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين؛ فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض. وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين، فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين. أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله، خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله. فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك، فلم يدروا أيها من خلق الله وأيها من خلق الشركاء؟ فهم معذورون إذن إن كان الأمر كذلك، في اتخاذ الشركاء، فلهم من صفات الله تلك القدرة على الخلق، التي بها يستحق المعبود العبادة؛ وبدونها لا تقوم شبهة في عدم استحقاقه! وهو التهكم المر على القوم يرون كل شيء من خلق الله، ويرون هذه الآلهة المدعاة لم تخلق شيئاً، وما هي بخالقة شيئاً، إنما هي مخلوقة. وبعد هذا كله يعبدونها ويدينون لها في غير شبهة. وذلك أسخف وأحط ما تصل العقول إلى دركه من التفكير.. والتعقيب على هذا التهكم اللاذع، حيث لا معارضة ولا جدال، بعد هذا السؤال: {قل: الله خالق كل شيء. وهو الواحد القهار}.. فهي الوحدانية في الخلق، وهي الوحدانية في القهر ـ أقصى درجات السلطان ـ وهكذا تحاط قضية الشركاء في مطلعها بسجود من في السماوات والأرض وظلالهم طوعاً وكرهاً لله؛ وفي ختامها بالقهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض أو في السماء.. وقد سبقته من قبل بروق ورعود وصواعق وتسبيح وتحميد عن خوف أو طمع.. فأين القلب الذي يصمد لهذا الهول، إلا أن يكون أعمى مطموساً يعيش في الظلمات، حتى يأخذه الهلاك؟! وقبل أن نغادر هذا الوادي نشير إلى التقابلات الملحوظة في طريقة الأداء. بين {خوفاً وطمعاً} وبين البرق الخاطف والسحاب الثقال ـ و {الثقال} هنا، بعد إشارتها إلى الماء، تشارك في صفة التقابل مع البرق الخفيف الخاطف ـ وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته. وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع. وبين السماوات والأرض، وسجود من فيهن طوعاً وكرهاً. وبين الشخوص والظلال. وبين الغدو والآصال. وبين الأعمى والبصير. وبين الظلمات والنور. وبين الخالق القاهر والشركاء الذين لا يخلقون شيئاً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً... وهكذا يمضي السياق على نهجه في دقة ملحوظة ولألاء باهر وتنسيق عجيب. ثم نمضي مع السياق. يضرب مثلاً للحق والباطل. للدعوة الباقية والدعوة الذاهبة مع الريح. للخير الهادئ والشر المتنفج. والمثل المضروب هنا مظهر لقوة الله الواحد القهار. ولتدبير الخالق المدبر المقدر للأشياء. وهو من جنس المشاهد الطبيعية التي يمضي في جوها السياق. {أنزل من السماء ماء، فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبداً رابياً: ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله. كذلك يضرب الله الحق والباطل. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال}.. وإنزال الماء من السماء حتى تسيل به الوديان يتناسق مع جو البرق والرعد والسحاب الثقال في المشهد السابق؛ ويؤلف جانباً من المشهد الكوني العام، الذي تجري في جوه قضايا السورة وموضوعاتها. وهو كذلك يشهد بقدرة الواحد القهار.. وأن تسيل هذه الأودية بقدرها، كل بحسبه، وكل بمقدار طاقته ومقدار حاجته يشهد بتدبير الخالق وتقديره لكل شيء.. وهي إحدى القضايا التي تعالجها السورة.. وليس هذا أو ذلك بعد إلا إطاراً للمثل الذي يريد الله ليضربه للناس من مشهود حياتهم الذي يمرون عليه دون انتباه. إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، وهو يلم في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان. هذا الزبد نافش راب منتفخ.. ولكنه بعد غثاء. والماء من تحته سارب ساكن هادئ.. ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة.. كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص، فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل. ولكنه بعدُ خبثٌ يذهب ويبقى المعدن في نقاء.. ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة. فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكنه بعدُ زبد أو خبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه. والحق يظل هادئاً ساكناً. وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات. ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح، ينفع الناس، {كذلك يضرب الله الأمثال} وكذلك يقرر مصائر الدعوات، ومصائر الاعتقادات. ومصائر الأعمال والأقوال. وهو الله الواحد القهار، المدبر للكون والحياة، العليم بالظاهر والباطن، والحق والباطل والباقي والزائل. فمن استجاب لله فله الحسنى. والذين لم يستجيبوا له يلاقون من الهول ما يود أحدهم لو ملك ما في الأرض ومثله معه أن يفتدى به. وما هو بمفتد، إنما هو الحساب الذي يسوء، وإنما هي جهنم لهم مهاد. ويا لسوء المهاد!: {للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به، أولـئك لهم سوء الحساب، ومأواهم جهنم وبئس المهاد}... ويتقابل الذين يستجيبون مع الذين لا يستجيبون. وتتقابل الحسنى مع سوء العذاب.. ومع جهنم وبئس المهاد.. على منهج السورة كلها وطريقتها المطردة في الأداء..
ابن عاشور
تفسير : {الۤمۤر} تقدم الكلام على نظائر {المر} مما وقع في أوائل بعض السور من الحروف المقطعة. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} القول في {تلك آيات الكتاب} كالقول في نظيره من طالعة سورة يونس. والمشار إليه بــــ {تلك} هو ما سبق نزوله من القرآن قبل هذه الآية أخبر عنها بأنها آيات، أي دلائل إعجازٍ، ولذلك أشير إليه باسم إشارة المؤنث مراعاة لتأنيث الخبر. وقوله: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} يجوز أن يكون عطفاً على جملة {تلك آيات الكتاب} فيكون قوله: {والذي أنزل إليك} إظهار في مقام الإضمار. ولم يكتف بعطف خبَرٍ على خبر اسم الإشارة بل جيء بجملة كاملة مبتدئة بالموصول للتعريف بأن آيات الكتاب منزلة من عند الله لأنها لما تقرر أنها آيات استلزم ذلك أنها منزلة من عند الله ولولا أنها كذلك لما كانت آيات. وأخبر عن الذي أنزل بأنه الحق بصيغة القصر، أي هو الحق لا غيره من الكتب، فالقصر إضافي بالنسبة إلى كتب معلومة عندهم مثل قصة رستم وإسفَنْديار اللتين عرفهما النضر بن الحارث. فالمقصود الردّ على المشركين الذين زعموه كأساطير الأولين؛ أو القصرُ حقيقي ادعائي مبالغة لعدم الاعتداد بغيره من الكتب السابقة، أي هو الحق الكامل، لأن غيره من الكتب لم يستكمل منتهى مراد الله من الناس إذ كانت درجات موصلة إلى الدرجة العليا، فلذلك ما جاء منها كتاب إلا ونسخ العمل به أو عيّن لأمة خَاصة «إنّ الدين عند الله الإسلام». ويجوز أن يكون عطف مفرد على قوله: {الكتاب} مفرد، من باب عطف الصفة على الاسم، مثل ما أنشد الفراء: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمــــ ــــام وليث الكتيبة بالمزدحم تفسير : والإتيان بــــ {ربك} دون اسم الجلالة للتلطف. والاستدراكُ بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} راجع إلى ما أفاده القصر من إبطال مساواة غيره له في الحقية إبطالاً يقتضي ارتفاع النزاع في أحقيته، أي ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بما دلت الأدلة على الإيمان به، فمن أجل هذا الخلق الذميم فيهم يستمر النزاع منهم في كونه حقاً. وابتداء السورة بهذا تنويه بما في القرآن الذي هذه السورة جزء منه مقصود به تهيئة السامع للتأمل مما سيرد عليه من الكلام.
الواحدي
تفسير : {المر} أنا الله أعلم وأرى {تلك} يعني: ما ذُكر من الأحكام والأخبار قبل هذه الآية {آيات الكتاب} القرآن {والذي أُنزل إليك من ربك الحق} ليس كما يقوله المشركون أنك تأتي به من قبل نفسك باطلاً {ولكنَّ أكثر الناس} يعني: أهل مكة {لا يؤمنون}. {اللَّهُ الذي رفع السموات بغير عمدٍ} جمع عماد، وهي الأساطين {ترونها} أنتم كذلك مرفوعة بغير عمادٍ {ثمَّ استوى على العرش} بالاستيلاء والاقتدار، وأصله: استواء التَّدبير، كما أنَّ أصل القيام الانتصاب، ثمَّ يقال: قام بالتَّدبير، و "ثُمَّ" يدلُّ على حدوث العرش المستولى عليه [لا على حدوث الاستيلاء بعد خلق العرش المستولى عليه] {وسخر الشمس والقمر} ذلَّلهما لما يُراد منهما {كلٌّ يجري لأجلٍ مسمَّىً} إلى وقتٍ معلومٍ، وهو فناء الدُّنيا {يُدبِّر الأمر} يُصرِّفه بحكمته {يُفصِّل الآيات} يبيِّن الدلائل التي تدلُّ على التَّوحيد والبعث {لعلَّكم بلقاء ربِّكم توقنون} لكي تُوقنوا يا أهل مكَّة بالبعث. {وهو الذي مدَّ الأرض} بسطها ووسًّعها {وجعل فيها رواسي} أوتدها بالجبال {وأنهاراً ومن كلِّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} حلواً وحامضاً، وباقي الآية مضى تفسيره. {وفي الأرض قطعٌ متجاورات} قُرىً بعضُها قريبٌ من بعضٍ {وجنات} بساتين {من أعناب} وقوله: {صنوان} وهو أن يكون الأصل واحداً، ثمَّ يتفرَّع فيصير نخيلاً يحملن، وأصلهنَّ واحد {وغير صنوان} وهي المتفرِّقة واحدةً واحدةً {يسقى} هذه القطع والجنَّات والنَّخيل {بماء واحدٍ ونُفضِّل بعضها على بعض} يعني: اختلاف الطُّعوم {في الأكل} وهو الثَّمر فمن حلوٍ وحامضٍ، وجيِّدٍ ورديءٍ {إنَّ في ذلك لآيات} لدلالاتٍ {لقوم يعقلون} أهل الإِيمان الذين عقلوا عن الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- ألف. لام. ميم. راء. هذه حروف صوتية تبدأ بها بعض سور القرآن، وهى تشير إلى أنه معجز مع أنه مكون من الحروف التى تتكون منها كلمات العرب، وهذه الحروف الصوتية كانت تجذب العرب، لسماع القرآن. ذلك أن المشركين تواصوا فيما بينهم ألا يسمعوا هذا القرآن، فكان المؤمنون إذا ابتدأوا بهذه الحروف الصوتية استرعى ذلك أسماع المشركين فيسمعون. إن تلك الآيات العظيمة هى هذا القرآن، الكتاب العظيم الشأن الذى نزل عليك - أيها النبى - بالحق والصدق من الله الذى خلقك واصطفاك، ولكن أكثر المشركين الذين كفروا بما جاء به من الحق ليس من شأنهم أن يذعنوا للحق، بل هم يعاندون فيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الۤمۤر: هذه الحروف المقطعة تكتب الۤمۤر وتُقرأ ألف لاَمْ مِيمْ را. والله أعلم بمراده بها. بغير عمد ترونها: العمد جمع عمود أي مرئية لكم إذ الجملة نعت. ثم استوى على العرش: استواء يليق به عزوجل. وسخر الشمس والقمر: أي ذللّها بمواصلة دورانها لبقاء الحياة إلى أجلها. هو الذي مد الأرض: أي بسطها للحياة فوقها. رواسي: أي جبال ثوابت. زوجين اثنين: أي نوعين وضربين كالحلو والحامض والأصفر والأسود مثلا. لآيات: أي دلالات على وحدانية الله تعالى. قطع متجاورات: أي بقاع متلاصقات. ونخيل صنوان: أي عدة نخلات في أصل واحد يجمعها، والصنو الواحد والجمع صنوان. في الأكل: أي في الطعم هذا حلو وهذا مرٌ وهذا حامض، وهذا لذيذ وهذا خلافه. معنى الآيات: قوله تعالى {الۤمۤر} الله أعلم بمراده به. وقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} الإشارة إلى ما جاء من قصص سورة يوسف، فالمراد بالكتاب التوراة والإِنجيل فمن جملة آياتها ما قص الله تعالى على رسوله. وقوله {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} وهو القرآن العظيم {ٱلْحَقُّ} أي هو الحق الثابت، وقوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي مع أن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق فإن أكثر الناس من قومك وغيرهم لا يؤمنون بأنه وحي الله وتنزيله فيعملوا به فيكملوا ويسعدوا، وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}: أي أن إلهكم الحق الذي يجب أن تؤمنوا به وتعبدوه وتوحدوه الله الذي رفع السماوات على الأرض بغير عمد مرئية لكم ولكن رفعها بقدرته وبما شاء من سنن. وقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي خلق السماوات والأرض ثم استوى على عرشه استواء يليق بذاته وجلاله يدبر أمر الملكوت وقوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذللهما بعد خلقهما يسيران في فلكهما سيراً منتظماً إلى نهاية الحياة، وقوله {كُلٌّ يَجْرِي} أي في فلكه فالشمس تقطع فلكها في سنة كاملة والقمر في شهر كامل وهما يجريان هكذا إلى نهاية الحياة الدنيا فيخسف القمر وتنكدر الشمس وقوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يقضي ما يشاء في السماوات والأرض ويدبر أمر مخلوقاته بالإِماتة والإحياء والمنع والإِعطاء كيف يشاء وحده لا شريك له في ذلك. وقوله: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي القرآنية بذكر القصص وضرب الأمثال وبيان الحلال والحرام كل ذلك ليهيئكم ويعدكم للإِيمان بلقاء ربكم فتؤمنوا به وتعبدوا الله وتوحدوه في عبادته فتكملوا في أرواحكم واخلاقكم وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} أي بسطه {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابت {وَأَنْهَاراً} أي وأجرى فيها أنهاراً {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي نوعين وضربين فالرمان منه الحلو ومنه الحامض والزيتون منه الأصفر والأسود، والتين منه الأبيض والأحمر وقوله: {يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} أي يغطي سبحانه وتعالى النهار بالليل لفائدتكم لتناموا وتستريح أبدانكم من عناء النهار. وقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي المذكور في هذه الآية الكريمة من مد الأرض وجعل الرواسي فيها واجراء الأنهار، وخلق أنواع الثمار واغشاء الليل النهار، في كل هذا المذكور {لآيَاتٍ} أي علامات ودلائل واضحات على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته وحكمته وعلى وجوب عبادته وتوحيده وعلى الإِيمان بوعده ووعيده، ولقائه وما أعد من نعيم لأوليائه وعذاب لأعدائه، وقوله تعالى: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} أي بقاع من الأرض بعضها إلى جنب بعض متلاحقات هذه تربتها طيبة وهذه تربتها خبيثة ملح سبخة وفي الأرض أيضاً جنات أي بساتين من أعناب وفيها زرع ونخيل {صِنْوَانٌ} النخلتان والثلاث في أصل واحد، {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} كل نخلة قائمة على أصلها، وقوله: {يُسْقَىٰ} أي تلك الأعناب والزروع والنخيل {بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} وهو ما يؤكل منها فهذا حلو وهذا حامض وهذا لذيذ وهذا سمج، وقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي المذكور من القطع المتجاورات مع اختلاف الطيب وعدمه وجنات الأعناب والنخيل وسقيها بماء واحد واختلاف طعومها وروائحها وفؤائدها {لآيَاتٍ} علامات ودلائل باهرات على وجوب الإِيمان بالله وتوحيده ولقائه، ولكن {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أما الذين فقدوا عقولهم لاستيلاء المادة عليها واستحكام الشهوة فيها فإنهم لا يدركون ولا يفهمون شيئاً فكيف إذاً يرون دلائل وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته فيؤمنون به ويعبدونه ويتقربون إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة الوحي الإِلهي ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 2- تقرير عقيدة التوحيد وأنه لا إله إلا الله. 3- تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء على الكسب في الدنيا. 4- فضيلة التفكر في الآيات الكونية. 5- فضيلة العقل للاهتداء به إلى معرفة الحق واتباعه للإِسعاد والإِكمال.
القطان
تفسير : ألفْ لام ميم راء صوتيّة، وقد سبق الكلامُ عليها في سورة البقرة تبدأ بها بعض سور القرآن، وهي تشير الى أنه معجز مع انه مكوّن من الحروف. إن تلك الآياتِ العظيمةَ هي هذا القرآن، الكتاب العظيم الذي نزل عليك أيها النبي، بالحق والصدق من الله الذي خلقك، ولكنّ اكثرَ الناس لا يصدّقون بما جاء به من الحق. هكذا تبدأ السورة بقضية من قضايا العقيدة: قضيةِ الوحي بهذا الكتاب، والحق الذي اشتمل عليه، وتلك هي قاعدةٌ بقية القضايا من توحيد الله، والايمان بالبعث والجزاء، والعمل الصالح في هذه الحياة - فكلُّها متفرعة عن الإيمان بالله، وان هذا القرآن وحي من عنده.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتُ} {ٱلْكِتَابِ} (1) - أَلِفْ. لاَمْ. مِيمْ رَا - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هَذِهِ الآيَاتُ هِيَ آيَاتُ القُرْآنِ. وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ مِنَ القُرْآنِ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ مِرْيَةَ، إِلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ مَا فِي القُرآنِ مِنَ البَيَانِ وَالوُضُوحِ وَالجَلاَءِ.
الثعلبي
تفسير : {الۤمۤر} قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} يعني تلك الأخبار التي قصصناها عليك آيات التوراة والإنجيل والكتب المتقدّمة {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ} يعني وهذا القرآن الذي أُنزل {إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} هو {ٱلْحَقُّ} فاعتصم به واعمل بما فيه، فيكون محلّ الذي رفعاً على الابتداء و (الحقّ) خبره، وهذا كلّه معنى قول مجاهد وقتادة، ويجوز أن يكون محلّ (الذي) خفضاً يعني تلك آيات الكتاب وآياتُ الذي أنزل إليك ثم ابتداء الحقّ يعني ذلك الحقّ كقوله: (وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ الْحَقّ) يعني ذلك الحقّ. وقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن فيكون معنى الآية على هذا القول: هذه آيات الكتاب يعني القرآن، ثمّ قال: وهذا القرآن الذي أُنزل إليك من ربّك هو الحقّ، قال الفرّاء: وإنْ شئت جعلت (الذي) خفضاً على أنّه نعت الكتاب وإن كانت فيه الواو كما تقول في الكلام: أتانا هذا الحديث عن أبي حفص والفاروق وأنت تريد ابن الخطّاب، قال الشاعر: شعر : أنا الملك القرم وابن الهُمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال مقاتل: نزلت هذه الآية في مشركي مكّة حين قالوا: إنّ محمّداً يقول القرآن من تلقاء نفسه، ثمّ بين دلائل ربوبيّته وشواهد قدرته فقال عزّ من قائل: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ} وهذه الآية من جملة مائة وثمانين آية أجوبة لسؤال المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الربّ الذي تعبده ما فعله وصنيعه؟ وقوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} يعني السواري والدعائم واحدها عمود وهو العمد والبناء، يقال: عمود وعمد مثل أديم وأدم، وعمدان، وكذا مثل رسول ورسل، ويجوز أن يكون العمد جمع عماد، ومثل إهاب وأُهب، قال النابغة: شعر : وخيس الجنّ إنّي قد أذنتُ لهم يبنُون تدمُر بالصّفاحِ والعَمَد تفسير : واختلفوا في معنى الآية فنفى قومٌ العمد أصلا، وقال: رفع السماوات بغير عمد وهو الأقرب الأصوب، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: يعني ليس من دونها دعامة تدعهما، ولا فوقها علاقة تمسكها، وروى حمّاد بن سملة عن إياس بن معاوية قال: السماء مُقبّبة على الأرض مثل القبر، وقال آخرون: معناه: الله الذي رفع السماوات بعمد ولكن لا ترونها، فأثبتوا العمد ونفوا الرؤية، وقال الفرّاء من تأوّل ذلك فعلى مذهب تقديم العرب الجملة من آخر الكلمة الى أوّلها كقول الشاعر: شعر : إذا أُعجبتك الدهر حال من أمرىً فدعه وأوكل حاله واللياليا تُهين على ما كان عن صالح به فان كان فيما لا يرى الناس آليا تفسير : معناه: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو. وقال الآخر: شعر : ولا أراها تزال ظالمة تحدث لي نكبة وتنكرها تفسير : معناه: آراها لا تزال ظالمة فقدّم الجحد. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} علا عليه وقد مضى تفسيره، {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذلّلها لمنافع خلقه ومصالح عباده {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي كلّ واحد منهما يجري الى وقت قُدِّرَ له، وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس ويُخسف القمر وتنكدر النجوم، وقال ابن عباس: أراد بالأجل المُسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهين إليها لا يجاوزانها. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} قال مجاهد: يقضيه وحده {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} ينتهيان، {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لكي توقنوا بوعدكم وتصدّقوه {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} بسطها، {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالا، واحدتها راسية وهي الثابتة، يقال: إنّما رسيت السفينة، وأرسيت الوتد في الأرض إذا أثبتّها، قال الشاعر: شعر : حبّذا ألقاه سائرين وهامد وأشعث أرست الوليدة بالفهر تفسير : قال ابن عباس: كان أبو قبيس أوّل جبل وضع على الأرض، {وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ} صنفين وضربين {ٱثْنَيْنِ}: قال أبو عُبيدة يكون الزوج واحداً واثنين، وهو هاهُنا واحد، قال القتيبي: أراد من كلّ الثمرات لونين حلواً وحامضاً {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يستدلّون ويعتبرون {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} أبعاض متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض بالجوار ويختلف بالتفاضل، ومنها عذبة ومنها طيبة ومنها طيبة منبت؛ لأنها بجنته ومنها سبخة لا تنبت. {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} رفعها ابن كثير وأبو عمرو عطفاً على الجنات، وكسرها الآخرون عطفاً على الأعناب. والصنوان جمع صنو، وهي النخلات يجمعهن أصل واحد فيكون الأصل واحد، ويتشعب به الرؤس فيصير نخلا، كذا قال المفسرون، قالوا: صنوان مجتمع وغير صنوان متفرق. قال أهل اللغة: نظيرها في كلام العرب، صنوان واحد، واحدها صنو والصنو المثل وفيه قيل: شمَّ الرجل صنوانه ولا فرق فيهما بين التثنية والجمع إلاّ بالإعراب؛ وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة وفي الجمع منونة تجري جريان الإعراب. خالفوا كلهم على خفض الصاد من صنوان إلاّ أبا عبد الرحمن السلمي فإنه ضم صاده. {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ}. قرأ عاصم وحميد وابن الحسن وابن عامر: بالياء على معنى يسقى ذلك كله بماء واحد. وقرأ الباقون: بالتاء لقوله جنات. واختاره أبو عبيد قال: وقال أبو عمرو: مما يصدق التأنيث قوله بعضه على بعض ولم يقل بعضه. {وَنُفَضِّلُ}. قرأ الأعمش وحمزة والكسائي: بالياء رداً على قوله يدبّر ويفضّل ويغني. وقرأها الباقون: بالنون بمعنى ونحن نفضل بعضها على بعض في الأُكل. قال الفارسي: والدفل والحلو والحامض. قال مجاهد: كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحد. عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: سمعت "حديث : النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي كرم الله وجهه: الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدةثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} حتى بلغ {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} " تفسير : قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم، كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة فبسطها وبطحها فصارت الأرض قطعاً متجاورة، فينزل عليها الماء من السماء فيخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها ويخرج قاتها ويحيي موتاها ويخرج هذه سبخها وملحها وخبثها وكلتاهما تسقى بماء واحد. فلو كان الماء مجاً قيل: إنما هذه من قبل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترقّ قلوب فتخنع وتخشع، وتقسوا قلوب فتلهو وتقسو وتجفو. وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلاّ قام من عنده إلاّ في زيادة ونقصان. قال الله عزّ وجلّ {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}تفسير : [الإسراء: 82] {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذي ذكرت {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد سبق لنا أن تكلمنا طويلاً في خواطرنا عن الحروف التي تبدأ بها بعض من سور القرآن الكريم: مثل قوله الحق: {أية : الۤمۤ} تفسير : [ البقرة: 1]. وقوله: {الۤمۤر...} [الرعد: 1]. ومثل قوله: {أية : الۤمۤصۤ} تفسير : [الأعراف: 1]. وغير ذلك من الحروف التوقيفية التي جاءتْ في أول بعض من فَواتِح السُّور. ولكن الذي أُحب أن أؤكد عليه هنا هو أن آيات القرآن كلها مَبْنية على الوَصْل؛ لا على الوَقْف؛ ولذلك تجدها مَشْكُولة؛ لأنها مَوْصُولة بما بعدها. وكان من المفروض - لو طبَّقْنَا هذه القاعدة - أن نقرأ "المر" فننطقها: "ألفٌ" "لامٌ" "ميمٌ" "راءٌ"، ولكن شاء الحق سبحانه هنا أن تأتي هذه الحروف في أول سورة الرعد مَبْنية على الوقف، فنقول: "ألفْ" "لامْ" "ميمْ" "راءْ". وهكذا قرأها جبريل عليه السلام على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ وهكذا نقرأها نحن. ويتابع سبحانه: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ..} [الرعد: 1]. أي: أن السورة القادمة إليك هي من آيات الكتاب الكريم - القرآن - وهي إضافة إلى ما سبق وأُنْزِل إليك، فالكتاب كله يشمل من أول {أية : بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} تفسير : [الفاتحة: 1]. في أول القرآن، إلى نهاية سورة الناس. ونعلم أن الإضافة تأتي على ثلاث مَعَانٍ؛ فمرَّة تأتي الإضافة بمعنى "من" مثل قولنا "أردب قمح" والمقصود: أردب من القمح. ومرة تأتي الإضافة بمعنى "في" مثل قولنا: "مذاكرة المنزل" والمقصود: مذاكرة في المنزل. ومرة ثالثة تأتي الإضافة بمعنى "اللام" وهي تتخذ شَكْليْنِ. إمَّا أن تكون تعبيراً عن ملكية، كقولنا "مالُ زيدٍ لزيد". والشكل الثاني أن تكون اللام للاختصاص كقولنا "لجام الفرس" أي: أن اللجام يخص الفرس؛ فليس معقولاً أن يملك الفرس لِجَاماً. إذن: فقول الحق سبحانه هنا: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ..} [الرعد: 1]. يعني تلك آياتٌ من القرآن؛ لأن كلمة "الكتاب" إذا أُطلِقتْ؛ فهي تنصرف إلى القرآن الكريم. والمثل هو القول "فلانٌ الرجل" أي: أنه رجل حقاً؛ وكأن سُلوكه هو مِعْيار الرجولة، وكأن خِصَال الرجولة في غيره ليست مُكْتملة كاكتمالها فيه، أو كقولك "فلان الشاعر" أي: أنه شاعر مُتميِّز للغاية. وهكذا نعلم أن كلمة "الكتاب" إذا أُطْلِقتْ ينصرف في العقائد إلى القرآن الكريم، وكلمة الكتاب إذا أُطِلقت في النحو انصرفتْ إلى كتاب سيبويه الذي يضم قواعد النحو. ويتابع سبحانه في وصف القرآن الكريم: {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ الرعد: 1]. ونعلم أن مراد الذي يخالف الحق هو أن يكسب شيئاً من وراء تلك المخالفة. وقد قال سبحانه في أواخر سورة يوسف: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103]. ثم وصف القرآن الكريم، فقال تعالى: {أية : مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يوسف: 111]. وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يريد الكَسْب منكم، لكنه شاء أن يُنزِل هذا الكتاب لتكسبوا أنتم: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1]. أي: أن أكثر مَنْ دعوتَهُم إلى الإيمان بهذا الكتاب الحق لا يؤمنون بأنه نزل إليك من ربك؛ لأنهم لم يُحسِنوا تأمُّل ما جاء فيه؛ واستسلموا للهَوَى. وأرادوا السلطة الزمنية، ولم يلتفتوا إلى أن ما جاء بهذا الكتاب هو الذي يعطيهم خير الدنيا والآخرة. ويقول سبحانه بعد ذلك: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {عَمَدٍ} العَمَد: الدعائم وهو اسم جمع وقيل: جمع عمود {صِنْوَانٌ} جمع صِنْو وهو الغصنُ الخارج عن أصل الشجرة وأصله المِثْلُ ومنه قيل للعمّ صِنْوٌ لمماثلته للأب، فإذا كان للشجرة عدة فروع فهي صنوان {ٱلأَغْلاَلُ} جمع غل وهو طوقٌ تُشدّ به اليد إلى العُنُق {ٱلْمَثُلاَتُ} جمعَ مَثُلَة وهي العقوبة وسميت بذلك لما بين العقاب والمُعَاقب من المماثلة {تَغِيضُ} غاض الماءُ نقص أو غار {وَسَارِبٌ} الساربُ: الذاهب في سَرْبه أي طريقه بوضَح النهار لا يستخفي عن الأنظار {مُعَقِّبَاتٌ} ملائكة يعقب بعضهم بعضاً أي يأتي بعضهم عقب بعض {ٱلْمِحَالِ} القوة والإِهلاك والنّقمة. سَبَبُ النزول: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً إلى جبّار من فراعنة العرب فقال: اذهب فادعه لي فقال يا رسول الله: إنه جبارٌ عاتٍ قال: اذهب فادعه لي، فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن إله محمد أمن ذهبٍ هو؟ أو من فضة؟ أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال الرجل وقال له: ألم أخبرك أنه أعتى من ذلك؟ فقال: ارجع إليه الثانية فادعه لي، فرجع إليه فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يجادله إذ بعث الله عليه سحابة حيال رأسه فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه فأنزل الله {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ}. التفسِير: {الۤمۤر} إشارة إلى إعجاز القرآن وقال ابن عباس معناه: أنا الله أعلم وأرى {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي هذه آيات القرآن المعجز، الذي فاق كل كتاب {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} أي والذي أوحي إليك يا محمد في هذا القرآن هو الحق الذي لا يلتبس بالباطل، ولا يحتمل الشك والتردّد {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي ومع وضوحه وجلائه كذّب به أكثر الناس {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي خلقها مرتفعة البناء، قائمة بقدرته لا تستند على شيء حال كونكم تشاهدونها وتنظرونها بغير دعائم، وذلك دليل وجود الخالق المبدع الحكيم {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي علا فوق العرش علواً يليق بجلاله من غير تجسيم ولا تكييفٍ ولا تعطيل {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي ذلَّل الشمس والقمر لمصالح العباد، كلٌّ يسير بقدرته تعالى إلى زمنٍ معيَّن هو زمن فناء الدنيا {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يصرِّف بحكمته وقدرته أمور الخلق وشئون الملكوت من إيجاد وإعدام، وإحياء وإماتة وغير ذلك {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي يبيّنها ويوضّحها {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} أي لتصدقوا بلقاء الله، وتوقنوا بالمعاد إليه، لأن من قدر على ذلك كلّه فهو قادرٌ على إحياء الإِنسان بعد موته {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} أي هو تعالى بقدرته بسط الأرض وجعلها ممدودة فسيحة، وهذا لا ينافي كرويتها فإن ذلك مقطوعٌ به، والغرضُ أنه تعالى جعلها واسعة فسيحة ممتدة الآفاق ليستقر عليها الإِنسان والحيوان، ولو كانت كلها جبالاً وودياناً لما أمكن العيش عليها قال في التسهيل: ولا يتنافى لفظُ البسط والمدِّ مع التكوير، لأن كل قطعةٍ من الأرض ممدودةٌ على حِدتَها، وإنما التكوير لجملة الأرض {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} أي وخلق في الأرض جبالاً ثوابتَ رواسخ لئلا تضطرب بأهلها كقوله {أية : أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل: 15] {وَأَنْهَاراً} أي وجعل فيها الأنهار الجاريات {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي جعل فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين اثنين ذكراً وأنثى ليتمَّ بينهما أسباب الإِخصاب والتكاثر طبق سنته الحكيمة وقال أبو السعود: أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين، إمّا في اللون كالأبيض والأسود، أو في الطعم كالحلو والحامض، أو في القَدْر كالصغير والكبير، أو في الكيفيّة كالحارّ والبارد وما أشبه ذلك {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} أي يُلبسه إياه فيصير الجو مُظْلماً بعد ما كان مضيئاً {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إنَّ في عجائب صنع الله لدلالات وعلامات باهرة على قدرته ووحدانيته لمن تأمل وتفكَّر، وخُصَّ "المتفكرون" بالذكر لأنَّ ما احتوتْ عليه هذه الآيات من الصنيع العجيب لا يُدرك إلا بالتفكر {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} أي في الأرض بقاعٌ مختلفةٌ متلاصقات قريبٌ بعضها من بعض قال ابن عباس: أرضٌ طيبة، وأرضٌ سَبْخة تُنْبتُ هذه، وهذه إلى جنبها لا تُنْبت {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ} أي بساتين كثيرة من أشجار العنب {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} أي وفي هذه القطع المتجاورة أنواع الزروع والحبوب والنخيل والرطب، منها ما يَنْبُت منه من أصل واحدٍ شجرتان فأكثر، ومنها ما ينبت منه شجرة واحدة {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} أي الكل يسقى بماء واحدٍ، والتربة واحدة، ولكنَّ الثمار مختلفات الطعوم قال الطبري: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيضُ والاسود، بعضُها حلوٌ، وبعضُها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماع جميعها على شربٍ واحد {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي علامات باهرة ظاهرة لمن عقل وتدبَّر، وفي ذلك ردٌّ على القائلين بالطبيعة {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي إن تعجب يا محمد من شيء فليس ما هو أعجب من قول الكفار أئذا متنا وأصبحنا رفاتاً هل سنبعث من جديد؟ فإن إنكارهم للبعث حقيقٌ أن يُتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السماوات والأرض، والأشجار والثمار، والبحار والأنهار قادرٌ على إعادتهم بعد موتهم {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} أي هؤلاء الذين أنكروا البعث هم الجاحدون لقدرة الله {وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} أي يُغلُّون بالسلاسل في أعناقهم يوم القيامة {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} أي وهم في جهنم مخلدون فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يُخْرجون {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي يستعجلك المشركون يا محمد بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية، استعجلوا ما هُدّدوا به من عذاب الدنيا استهزاءً {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} أي وقد مضت عقوباتُ أمثالهم من المكذبين، فما لهم لا يعتبرون ولا يتَّعظون؟ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} أي وإن ربك لذو صفحٍ عظيم للناس، لا يعجّل لهم العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي شديد العقاب لمن أصرَّ على المعاصي ولم يتب ومن ذنوبه. قرن تعالى بين سعة حلمه وشدة عقابه ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، والرجاء والخوف {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي ويقول المشركون من كفار قريش هلاّ أُنزل على محمد معجزة تدل على صدقه مثل معجزات موسى وعيسى!! قال في البحر: لم يعتدّوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر، وانقياد الشجر، ونبع الماء من بين الأصابع وأمثال هذه المعجزات فاقترحوا عناداً آيات أخرى {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} جواب لما اقترحوا أي لستَ أنت يا محمد إلا محذّر ومبصِّر، شأنك شأن كل رسول قبلك، فلكل قوم نبيٌّ يدعوهم إلى الله وأما الآيات الخارقة فأمرها إلى مدبّر الكون والعباد {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} أي الله وحده الذي يعلم ما تحمله كل أنثى في بطنها هل هو ذكرٌ أم أنثى؟ تامٌ أم ناقص؟ حسنٌ أم قبيح {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} أي وما تنقصه الأرحامُ بإلقاء الجنين قبل تمامه {وَمَا تَزْدَادُ} أي وما تزداد على الأشهر التسعة قال ابن عباس: ما تغيضُ بالوضع لأقلَّ من تسعة أشهر، وما تزداد بالوضع لأكثر من تسعة أشهر، وعنه المراد بالغيض: السقطُ الناقصُ، وبالازدياد: الولدُ التام {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي كلُّ شيء من الأشياء عند الله تعالى بقدر محدود لا يتجاوزه حسب المصلحة والمنفعة {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ما غاب عن الحسّ وما كان مشاهَداً منظوراً، فعلمهُ تعالى شاملٌ للخفيِّ والمرْئيِّ لا يخفى عليه شيء {ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} أي العظيم الشأن الذي كل شيء دونه المستعلي على كل شيء بقدرته المنزَّه عن المشابهة والمماثلة {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} أي يستوي في علمه تعالى ما أضمرتْهُ القلوبُ وما نطقتْ به الألسنة {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} أي ويستوي عنده كذلك من هو مستترٌ بأعماله في ظلمات الليل وهو في غاية الاختفاء، ومن هو ذاهبٌ في طريقه بوَضَح النهار مستعلنٌ لا يستخفي فيما يعمل وهو في غاية الظهور {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} أي لهذا الإِنسان ملائكة موكّلةٌ به تتعقب في حفظه يأتي بعضُهم بعَقِب بعض كالحَرَس في الدوائر الحكومية {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي من أمام الإِنسان ومن ورائه {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي يحفظونه من الأخطار والمضارّ بأمره تعالى قال مجاهد: ما من عبدٍ إلا وملكٌ موكلٌ به يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإِنس والهوام {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أي لا يزيل نعمته عن قومٍ ولا يسلبهم إيّاها إلا إذا بدّلوا أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة، وهذه من سنن الله الاجتماعية أنه تعالى لا يبدل ما بقومٍ من عافيةٍ ونعمة، وأمنٍ وعزة إلا إذا كفروا تلك النعم وارتكبوا المعاصي وفي الأثر "أوحى الله إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل أن قلْ لقومك: إنه ليس من أهل قرية، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون" {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا} أي وإذا أراد تعالى هلاك قومٍ أو عذابهم {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} أي لا يقدر على ردّ ذلك أحد {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} أي ليس لهم من دون الله وليٌّ يدفع عنهم العذاب والبلاء {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ} هذا بيانٌ لآثار قدرته تعالى المنبثّة في الكون أي يريكم أيها الناس البرق الخاطف من خلال السحاب {خَوْفاً وَطَمَعاً} قال ابن عباس: خوفاً من الصواعق وطعماً في الغيث، فإن البرق غالباً ما يعقبه صواعق مدمّرة، وقد يكون وراءه المطر المدرار الذي به حياة البلاد والعباد {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} أي وبقدرته كذلك يخلق السحب الكثيفة المحمَّلة بالماء الكثير {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي يسبّح الرعد له تسبيحاً مقترناً بحمده والثناء عليه، وتسبّح له الملائكة خوفاً من عذابه، وتسبيحُ الرعد حقيقةٌ دلَّ عليها القرآن فنؤمن بها وإن لم نفهم تلك الأصوات فهو تعالى لا يخبر إلا بما هو حقٌّ كما قال {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 44] {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} أي يرسل الصواعق المدمّرة نقمة يهلك بها من شاء {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ} أي وكفار مكة يجادلون في وجود الله ووحدانيته وفي قدرته على البعث {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} أي وهو تعالى شديد القوة والبطش والنكال، القادر على الانتقام ممن عصاه {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} أي لله تعالى تتجه الدعوةُ الحق فهو الحقيق بأن يُعبد وحده بالدعاء والالتجاء {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي والآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي لا يستجيبون لهم دعاءً، ولا يسمعون لهم نداءً {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} أي إلا كمن يبسط كفيه للماء من بعيد يدعوه ويناديه ليصل الماء إلى فمه، والماءُ جمادٌ لا يُحسُّ ولا يسمع قال أبو السعود: شبّه حال المشركين في عدم حصولهم عند دعاء آلهتهم على شيء أصلاً بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل، قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصوله إلى فمه وليس الماء ببالغٍ فمه أبداً لكونه جماداً لا يشعر بعطشه {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي ما دعاؤهم والتجاؤهم لآلتهم إلا في ضياع وخسار لأنه لا يُجدي ولا يفيد {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ولله وحده يخضع وينقاد أهل السماوات وأهل الأرض {طَوْعاً وَكَرْهاً} أي طائعين وكارهين قال الحسن: المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كرْهاً أي في حالة الفزع والاضطرار {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي وتسجد ظلالُهم أيضاً لله في أول النار وأواخره، والغرضُ الإِخبار عن عظمة الله تعالى وسلطانه الذي قهر كلَّ شيء، ودان له كل شيء، بأنه ينقاد لجلاله جميع الكائنات حتى ظلال الآدمييّن، والكل في نهاية الخضوع والاستسلام لأمره تعالى {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين مَنْ خالق السماوات والأرض ومدبّر أمرهما؟ والسؤال للتهكم والسخرية بما عبدوا من دون الله {قُلِ ٱللَّهُ} أي قل لهم تقريعاً وتبكيتاً: اللهُ خالقُهما {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي قل لهم - إلزاماً لإِقامة الحجة عليهم - أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم من دونه وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا على دفع الضُرّ عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم؟ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} هذا تمثيلٌ لضلالهم في عبادة غير الله، والمراد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن، وبالظلمات الضلالُ وبالنور الهدى أي كما لا يستوي الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات والنور، كذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر ضياء الحق، والمشرك الذي عمي عن رؤية ذلك الضياء، فالفارق بين الحق والباطل واضحٌ وضوح الفارق بين الأعمى والبصير، والفارق بين الإِيمان والضلال ظاهر ظهور الفارق بين النور والظلام {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} هذا من تمام الاحتجاج عليهم والتهكم بهم أي أم اتخذ هؤلاء المشركون آلهةً خلقوا مخلوقاتٍ كالتي خلقها الله فالتبس الأمر عليهم فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم؟ وهو تهكم لاذع فإنهم يرون كل شيء من خلق الله، ويرون هذه الآلهة المزعومة لم تخلق شيئاً ثم بعد هذا كلّه يعبدونها من دون الله، وذلك أسخف وأحط ما تصل إليه عقول المشركين، ولما أقام الحجة عليهم جاء بهذا البيان الواضح {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي الله الخالق لجميع الأشياء لا خالق غيره، وهو المنفرد بالألوهية والربوبية، الغالب لكل شيء، وجميعُ الأشياء تحت قدرته وقهره. البَلاغَة: في الآيات الكريمة من وجوه الفصاحة والبيان والبديع ما يلي: 1- الإِشارة بالبعيد عن القريب في {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} تنزيلاً لها منزلة البعيد للدلالة على علو شأنها ورفعة منزلتها و (أل) في الكتاب للتفخيم أي الكتاب العجيب الكامل في إعجازه وبيانه. 2- الاستعارة التبعية في {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} شبّه إزالة نور النهار بواسطة ظلمة الليل بالغطاء الكثيف واستعار لفظ {يُغْشِي} المشير إلى تغطية الأشياء الظاهرة بالأغطية الحسية للأمور المعنوية. 3- الطباق في {تَغِيضُ .... تَزْدَادُ} وفي {ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} وفي {أَسَرَّ .... جَهَرَ} وفي {مُسْتَخْفٍ .... وَسَارِبٌ} لأن السارب الظاهر وفي {خَوْفاً وَطَمَعاً} وفي {طَوْعاً وَكَرْهاً} وكلها من المحسنات البديعية اللفظية. 4- الإِيجاز بالحذف في {قُلِ ٱللَّهُ} أي اللهُ خالقُ السماوات والأرض. 5- التشبيه التمثيلي في {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ} شبَّه عدم استجابة الأصنام للداعين لها بعدم استجابة الماء لباسط كفيه إليه من بُعْد فوجه الشبه منتزع من متعدد. 6- الاستعارة في {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} استعار لفظ الظلمات والنور للفكر والإِيمان وكذلك لفظ الأعمى للمشرك الجاهل والبصير للمؤمن العاقل. تنبيه: سميت الملائكة معقبات لأنهم يتعاقبون على أعمال العباد بالليل والنهار كما في البخاري "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الفجر والعصر..."تفسير : الحديث. فَائِدَة: روي عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد يقول: "سبحان من يسبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير"تفسير : وكان أبو هريرة يقول من قالها فأصابته صاعقةٌ فعليَّ ديته.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} الآية، هذه السورة مكية في قول: وقيل مدنية واستثنى في كل قول آيات ذكرت في البحر وتقدم الكلام في الحروف المقطعة في أوائل السور في أول البقرة فليطالع هناك قال الزمخشري: تلك إشارة إلى الآيات السورة المراد بالكتاب السورة أي تلك آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها وقيل تلك إشارة إلى جميع كتب الله المنزلة ويكون المعنى تلك الآيات التي قصصت عليك خبرها هي آيات الكتاب الذي أنزلته قبل هذا الكتاب الذي أنزلته إليك والظاهر أن قوله والذي مبتدأ والحق خبره ومن ربك متعلق بأنزل وأكثر الناس عام في كفار مكة وغيرهم ولما ذكر انتفاء الإِيمان من أكثر الناس ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وما يجد بهم إلى إلإِيمان مما يفكر فيه العاقل ويشاهده من عظيم القدرة وبديع الصنع والجلالة مبتدأ والذي هو الخبر والضمير في ترونها عائد على السماوات أي تشاهدون السماوات خالية عن عمد واحتمل هذا الوجه أن يكون ترونها كلاماً مستأنفاً واحتمل أن يكون جملة حالية أي رفعها مرئية لكم بغير عمد وهي حال مقدرة لأنه حين رفعها لم نكن مخلوقين وقيل ضمير النصب في يرونها عائد على عمد أي بغير عمد مرئية فترونها صفة للعمد وتقدم تفسير ثم استوى على العرش في الاعراف. {كُلٌّ يَجْرِي} قال ابن عباس: منازل الشمس والقمر وهي الحدود الذي لا تتعداها قدّر لكل منهما سيراً خاصاً إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء. "انتهى". والأجل مسمى هو يوم القيامة فعند مجيئه ينقطع ذلك الجريان والتسيير كما قال تعالى: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 1] وقال: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [القيامة: 9] ومعنى تدبير الأمر إنفاذه وإبرامه وعبر بالتدبير تقريباً للإِفهام إذ التدبير إنما هو النظر في إدبار الأمور وعواقبها وذلك من صفات البشر والأمر أمر ملكوت وربوبيته وهو عام في جميع الأمور من إيجاد وإعدام وإحياء وإماتة وإنزال وحي وبعث رسل وتكليف وغير ذلك. وتفصيل الآيات جعلها فصولاً مبينة مميزاً بعضها عن بعض والآيات هنا دلالاته وعلاماته في سماواته على وحدانيته وهاتان الجملتان استئناف اخبار عن الله تعالى والخطاب في لعلكم للكفرة وتوقنون بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه. {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} الآية، لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية وقوله: مدّ الأرض يقتضي أنها بسيطة لا كروية وهذا هو ظاهر الشريعة، قال أبو عبد الله الرازي: ثبت بالدليل أن الأرض كرة ولا ينافي ذلك قوله: مدّ الأرض وذلك أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كانت كل قطعة منها تشاهد كالسطح والتفاوت بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله تعالى ألا ترى أنه قال: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ: 7] مع أن العالم والناس عليها يستقرون فكذلك هنا وأيضاً ليستدل به على وجود الصانع وكونها مجتمعة تحت البيت على ما قيل أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال فتأويل مدّ الأرض أنه جعلها مختصة بمقدار معين وكونها تقبل الزيادة والنقص أمر جائز ممكن في نفسه والاختصاص بذلك المقدار المعني لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وبهذا يحصل الاستدلال على وجود الصانع "انتهى" ملخصاً والرواسي الثوابت والمعنى جبالاً رواسي وأيضاً فقد غلب على الجبال وصفها بالرواسي وصارت الصفة تغني عن الموصوف فجمع جمع الاسم كحائط وحوائط وكاهل وكانت الأرض مضطربة فثقلها الله بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها والاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم قيل من جهة أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون بعض لا بد أن يكون بتخليق قادر حكيم ومن جهة ما يحصل منها في المعادن الجوهرية والرخامية وغيرهما كالنفظ والكبريت يكون الجبل واحداً في الطبع وتأثير الشمس واحد دليل على أن ذلك بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة الممكنات ومن جهة تولد الأنهار منها قيل وذلك لأن الجبل جسم صلب وتتصاعد أبخرة قعر الأرض إليه وتحتبس هناك فلا يزال يتكامل فيه فيحصل بسببه مياه كثيرة فلقوتها تشق الأرض وتخرج وتسيل على وجه الأرض ولهذا في أكثر الأمر إذا ذكر الله الجبال ذكر الأنهار كهذه الآية وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}تفسير : [المرسلات: 27] {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً}تفسير : [النحل: 15] قال المفسرون: الأنهار المياه الجارية في الأرض وتقدم الكلام في الأنهار في أوائل البقرة. {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} متعلق بجعل ولما ذكر الأنهار الجارية في الأرض وذكر ما ينشأ عنها وهو الثمرات والزوج هنا الصنف الواحد الذي هو نقيض الاثنين يعني أنه حين مدّ الأرض جعل ذلك ثم تكثرت وتنوعت. {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} الآية، قطع جمع قطعة وهي الجزء متجاورات متلاصقة متدانية قريب بعضها من بعض قال ابن عباس: أرض طيبة وأرض سبخة تنبت هذه وهذه إلى جنبها لا تنبت وقرىء: وزرع ونخيل صنوان برفع الأربعة عطفاً على جنات وبالجر عطفاً على من أعناب الصنو الفرع بجمعه وآخر أصل واحد وأصله المثل ومنه قيل للعم صنو وجمعه في لغة الحجاز صنوان بكسر الصاد كقنو وقنوان وبضمها في لغة بني تميم وقيس كذئب وذؤبان ويقال: صنوان بفتح الصاد وهو اسم جمع لا جمع تكسير لأنه ليس من أبنيته. {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} ماء مطر أو ماء بحر أو ماء نهر أو ماء عين أو ماء نبع لا يسيل على وجه الأرض التفضيل في الأكل وان كانت متفاضلة في غيره لأنه غالب وجوه الانتفاعات من الثمرات ألا يرى إلى تفاوتها في الأشكال والألوان والروائح والمنافع وما يجري مجرى ذلك قيل: نبه تعالى في هذه الآية على قدرته وحكمته وأنه المدير للأشياء كلها وذلك أن الشجر تخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً وليس من طبعه إلا التسفل ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان والثمر كل بقسطه وبقدر ما فيه صلاحه ثم تختلف طعوم الثمار والماء واحد والشجر جنس واحد وكل ذلك دليل على مدبر دبره وأحكمه لا يشبه المخلوقات. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} قال ابن عباس: في اختلاف الألوان والروائح والطعوم. {لآيَاتٍ} لحججاً ودلالات. {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يعلمون الأدلة فيستدلون بها على وحدانية الصانع القادر ولما كان الاستدلال في هذه الآية بأشياء في غاية الوضوح من مشاهدة تجاور القطع والجنات وسقيها وتفصيلها جاء ختمها بقوله: لقوم يعقلون، بخلاف الآية التي قبلها فإِن الاستدلال بها يحتاج إلى تأمل وتدبر نظر جاء ختمها بقوله: لقوم يتفكرون. {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } الآية، لما أقام الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه عجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إنكار المشركين وحدانيته وتوهينهم قدرته لضعف عقولهم فنزل وإن تعجب قال ابن عباس: وان تعجب من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا عليك انك من الصادقين فهذا أعجب. وقال الزمخشري: وان تعجب يا محمد في قولهم من إنكار البعث فقولهم: عجيب حقيق بأن يتعجب منه لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ولم يعن بخلقهن كانت الإِعادة أهون شىء عليه وأيسره فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب "انتهى". وليس مدلول اللفظ ما ذكر لأنه جعل متعلق عجبه صلى الله عليه وسلم هو قولهم في إنكار البعث فاتحد الشرط والجزاء إذ صار التقدير وإن تعجب من قولهم في إنكار البعث فأعجب من قولهم في إنكار البعث وإنما مدلول اللفظ ان يقع منك عجب فليكن من قولهم أئذا متنا الآية. وكان المعنى الذي ينبغي أن يتعجب منه هو إنكار البعث لأنه تعالى المخترع للأشياء ومن كان قادراً على إبرازها من العدم الصرف كان قادراً على الإِعادة كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27] أي هين عليه وقوله: فعجب خبر مقدم واجب التقديم واختلف القراء في الاستفهامين إذ اجتمعا في أحد عشر موضعاً منها هذا الموضع والظاهر أن أئذا معمول لقولهم محكي به وقال الزمخشري: أئذا متنا إلى آخر قولهم: يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم "انتهى". وهذا إعراب متكلف وعدول عن الظاهر وإذا متمحضة للظرف وليس فيها معنى الشرط فالعامل فيها محذوف يفسره ما يدل عليه الجملة الثانية وتقديره انبعث أو نحشر. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى قائلي تلك المقالة وهي تقدير مصمم على إنكار البعث فلذلك حكم عليهم بالكفر إذ عجزوا قدرته عن إعادة ما أنشأ واخترع ابتداء ولما حكم عليهم بالكفر في الدنيا ذكر ما يؤولون إليه في الآخرة على سبيل الوعيد وأبرز ذلك في جملة مستقلة مشار إليهم والظاهر أن الأغلال تكون في أعناقهم حقيقة في الآخرة كما قال تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ}تفسير : [غافر: 71] ولما كانوا متوعدين بالعذاب ان أصروا على الكفر وكانوا مكذبين بما أنذروا به من العذاب سألوا واستعجلوا في الطلب أن يأتيهم العذاب وذلك على سبيل الاستهزاء كما قالوا فأمطر علينا حجارة وقالوا: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً؟ قال ابن عباس: السيئة العذاب والحسنة العافية. {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} أي يستعجلونك بالسيئة مع علمهم بما حل بغيرهم من مكذبي الرسل في الأمم السالفة وهذا يدل على سخف عقولهم إذ يستعجلون العذاب والحالة هذه فلو أنه لم يسبق تعذيب أمثالهم لكانوا ربما يكون لهم عذر ولكنهم لا يعتبرون فيستهزئون. قال ابن عباس: المثلات العقوبات المستأصلات كمثلة قطع الأنف والاذن ونحوهما. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} ترجية للغفران على ظلمهم في موضع الحال والمعنى أنه يغفر لهم مع ظلمهم باكتساب الذنوب أي الظالمين أنفسهم. قال ابن عباس: ليس في القرآن آية أرجى من هذه. و{لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تخويف وإرهاب بعد ترجية. وقال سعيد بن المسيب لما فنزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: حديث : لولا عفو الله ومغفرته لما هنأ لأحد عيش ولولا عقابه لاتكل كل أحد . تفسير : وفي حديث آخر: حديث : ان العبد لو علم قدر عفو الله لما أمسك عن ذنب ولو علم قدر عقوبته لقمع نفسه في عبادة الله . تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} الآية، عن ابن عباس حديث : لما نزلت وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي رضي الله عنه. وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي من بعدي .
الجيلاني
تفسير : {الۤمۤر} أيها الإنسان الكامل اللبيب اللائق لملا حظه رموز آثار التوحيد اللائح عن غرته الغراء مقتضيات لوامع الرشد والرضا عما جرى عليه القضاء {تِلْكَ} السورة المنزلة إليك {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} الجامع للكتب المنزلة أي: من جملة آياته {وَ} أيضاً {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ} قبل نزولها {مِن رَّبِّكَ} من الآيات النازلة كلها {ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع، النازل من عند الحكيم العليم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} لانهماكهم في الغفلة والنسيان {لاَ يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1] أي: لا يصدقون ولا يعتقدون بحقيته وحقية منزله. وكيف لا يعتقدون حقيته أولئك الحمقى المعاندون؛ إذ هو {ٱللَّهُ} المبدئ المبدع الرفعي البديع {ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ} أي: العلويات معلقاً {بِغَيْرِ عَمَدٍ} واسطين يعتمدون عليها ظاهراً كما {تَرَوْنَهَا} في بادئ النظر؛ لتكون أسباباً ووسائل للسفليات {ثُمَّ} لما رفعها وصور بها على أبلغ النظام وأبدعها {ٱسْتَوَىٰ} باسمه الرحمن {عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: على عروش جميع الكائنات بالإظهار والإبرار وأنواع التدبيرات والمتعلقة لحفظها وبقاء نظامها {وَسَخَّرَ} من بينها {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} لتتميم التدبير {كُلٌّ} منها {يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي: يدور دورة معينة شتاءً وصيفاً، ربيعاً وخريفاً، لإصلاح ما يتعلق بمعاشهم وحفظهم، وبالجملة: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} على ما ينبغي ويليق بلا فتور وقصور {يُفَصِّلُ} لكم {ٱلآيَاتِ} ويوضح لكم الدلائل والشواهد الدالة على توحيده {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] أي: رجاء أن تتفطنوا وتتيقنوا بموجودكم ومربيكم. {وَ} كيف لا تتفطنون أيها المجبولون على فطرة الفنطنة والذكاء {هُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} وفرشها مبسوطة {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} وجبالاً شامخات؛ لتكون أوتاداً لها {وَأَنْهَاراً} منتشئة منها، جارية على وجه الأرض؛ لإثبات ما تقتاتون وتتقوتون بها {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} لتكون سبباً لدوامها وبقائها ولإنضاجها وإصلاحها {يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} أي: يلبس الليل بالنهار لتسكين البرودة، والنهار بالليل؛ لتسكين الحرارة؛ ليحصل الاعتدال في طبيعة الهواء المنضج {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الحكم والتدابير {لآيَاتٍ} دلائل واضحاتٍ وشواهد لائحات {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] ويتأملون في حكم الصانع الحكيم والمدبر العليم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : فقال: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 1] أي: تلك الحروف من {الۤمۤر} آيات الكتاب، وبها يقسم فبالألف منها يشير إلى قوله: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}تفسير : [البقرة: 255] وباللام يشير إلى: قوله: {أية : لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الشورى: 12] وبالراء إلى رسوله، واللهُ أعلم {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} [الرعد: 1]، فمن القسم وجوابه أن الذي أنزل إليك من ربك من القرآن حق وصدق فمن اعتصم به، وهو حبل الله ينجيه من الأسفل الذي هبط إليه بقوله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِنْهَا}تفسير : [البقرة: 38]، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بأن هذا القرآن حبل من الله يوصل المعتصم به إليه. ثم قال تأكيداً لإيمان أهل الإيمان به: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] يعني رفعها بالعمد، وهي القدرة والحكمة، ولكن ترونها أنها قائمة بها يعني الله الذي رفع السماوات بالقدرة والحكمة قادر على أن يوصل المعتصم بحبل القر آن إلى أعلى الدرجات، وأفضل القربات على أنه جل جلاله، {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} بعد رفع السماوات من كمال قدرته وحكمته أي: غلبه بقدرته لتدبير المكونات {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} [الرعد: 2] لمصالح العالم، وإظهار القدرة عليه {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} من آجال الخلق، والعالم بالإفناء والإحياء والإيجاد والإعدام {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أمر العالم، فهذا يدل على أن الاستواء لتدبير لا لتشبيه {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [الرعد: 2] التي تدل على كمال القدرة والحكمة {لَعَلَّكُمْ} بهذه الاستدلالات {بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ} [الرعد: 2] بالوصول إليه {تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] فتجاهدون في طلبه. {وَهُوَ ٱلَّذِي} من حسن تدبيره {مَدَّ ٱلأَرْضَ} [الرعد: 3] أرض البشرية {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} [الرعد: 3] أوصاف الروحانيات {وَأَنْهَاراً} [الرعد: 3] من مياه القدرة والحكمة، {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} [الرعد: 3] أي: مشاهدات روحانية ومكاشفات ربانية {يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} [الرعد: 3] أي: يغشي ليل أوصافه النفسانية منها أخلاق الروحانية {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] في حقائق الأشياء، فيهتدون بها إلى معرفة مدبرها ومنشئها، {وَفِي ٱلأَرْضِ} [الرعد: 4] الإنسانية قطع من النفس والقلب والروح والسر والخفي {مُّتَجَاوِرَاتٌ} متقاربات بقرب الجوار مختلفات في الحقائق: فمنها: حيوانية، ومنها: ملكوتية، ومنها: روحانية، ومنها: جبروتية، ومنها: عظموتية. {وَجَنَّاتٌ} وبالجنات يشير إلى هذه الأعيان المستعدة لقبول الفيض عند قبولها، وتثميرها {مِّنْ أَعْنَابٍ} وهي ثم النفس من الصفات ما يدل على الغفلة والحماقة والسهو واللهو، فإنها أصل السكر {وَزَرْعٌ} وهي ثمرة القلب، فإن القلب بمثابة الأرض الطيبة القابلة للزرع من بذر صفاته الروحانية والنفسانية، فيأتي بذر صفة من الصفات؛ إذا زرعت يتجوهر القلب بجوهر تلك الصفة؛ فتارة: يصير فظلمات النفس ظلماً نبتاً، وتارة: يصير بنور الروح نوارنياً، وتارة: يصير بنور الرب ربانياً. كما قال: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}تفسير : [الزمر: 69]، {وَنَخِيلٌ} وهو الروح ذو فنون من الأخلاق الحميدة الروحانية؛ كالكرم والجود والسخاء والشجاعة والقناعة والحلم والحياء والتواضع والشفقة {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} وهي ثمر الجبروت وبه يكشف أسرار الجبروت التي بين الرب والعبد، ولها مثل ومثال يحكى منها. كما قال تعالى: {أية : إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]، وكما قيل بين المحبين سر ليس مفشية {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} [الرعد: 4] وهو ماء القدرة والحكمة {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} [الرعد: 4] في الثمرات والنتائج فبعضها أشرف من بعض، وإن كان لكل واحدة منها شرف في موضعه لاحتياج الإنشاء في أثناء السلوك {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] الذين يلتمسون من القرآن أسرار آيات تدلهم على السير إلى الله، وتهديهم إلى صراط المستقيم إليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن هذا القرآن هو آيات الكتاب الدالة على كل ما يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه، وأن الذي أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق المبين، لأن أخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل، مؤيدة بالأدلة والبراهين القاطعة، فمن أقبل عليه وعلى علمه، كان من أهل العلم بالحق، الذي يوجب لهم علمهم العمل بما أحب الله. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } بهذا القرآن، إما جهلا وإعراضا عنه وعدم اهتمام به، وإما عنادا وظلما، فلذلك أكثر الناس غير منتفعين به، لعدم السبب الموجب للانتفاع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):