Verse. 1709 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

اَللہُ الَّذِيْ رَفَعَ السَّمٰوٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَہَا ثُمَّ اسْتَوٰى عَلَي الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ۝۰ۭ كُلٌّ يَّجْرِيْ لِاَجَلٍ مُّسَمًّى۝۰ۭ يُدَبِّرُ الْاَمْرَ يُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاۗءِ رَبِّكُمْ تُوْقِنُوْنَ۝۲
Allahu allathee rafaAAa alssamawati bighayri AAamadin tarawnaha thumma istawa AAala alAAarshi wasakhkhara alshshamsa waalqamara kullun yajree liajalin musamman yudabbiru alamra yufassilu alayati laAAallakum biliqai rabbikum tooqinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها» أي العمد جمع عماد وهو الأسطوانة وهو صادق بأن لا عمد أصلا «ثم استوى على العرش» استواء يليق به «وسخر» ذلل «الشمس والقمر كلٌ» منهما «يجري» في فلكه «لأجل مسمى» يوم القيامة «يدبر الأمر» يقضي أمر ملكه «يفصِّل» يبين «الآيات» دلالات قدرته «لعلكم» يا أهل مكة «بلقاء ربكم» بالبعث «توقنون».

2

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو هذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الله مبتدأ والذي رفع السموات خبره بدليل قوله: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } تفسير : [الرعد: 3] ويجوز أن يكون الذي رفع السموات صفة وقوله: {يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } خبراً بعد خبر، وقال الواحدي: العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب، وقال الفراء: العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم، وقضيم وقضم وقضم، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء، ومنه يقال: فلان عمد قومه إذا كانوا يعتمدونه فيما بينهم. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير عمد ترونها فالمعنى: أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين: الأول: أن الأجسام متساوية في تمام الماهية، ولو وجب حصول جسم في حيز معين، لوجب حصول كل جسم في ذلك الحين. والثاني: أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة في ذلك الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت أن حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمراً واجباً لذاته بل لا بد من مخصص ومرجح، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها، وإلا لعاد الكلام في ذلك الحافظ ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أن يقال الأجرام الفلكية في أحيازها العالية لأجل أن مدبر العالم تعالى وتقدس أوقفها هناك. فهذا برهان قاهر على وجود الإله القاهر القادر. ويدل أيضاً على أن الإله ليس بجسم ولا مختص بحيز، لأنه لو كان حاصلاً في حيز معين لامتنع أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الأحياز بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون حصوله في حيز معين لذاته فلا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، فثبت أنه لو كان حاصلاً في الحيز المعين لكان حادثاً وذلك محال، فثبت أنه تعالى متعال عن الحيز والجهة، وأيضاً كل ما سماك فهو سماء، فلو كان تعالى موجوداً في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } فكل ما كان مختصاً بجهة فوق جهة فهو محتاج إلى حفظ الإله بحكم هذه الآية فوجب أن يكون الإله منزهاً عن جهة فوق. أما قوله: {تَرَوْنَهَا } ففيه أقوال: الأول: أنه كلام مستأنف والمعنى: رفع السموات بغير عمد. ثم قال: {تَرَوْنَهَا } أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد. الثاني: قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره: رفع السموات ترونها بغير عمد. واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم والتأخير غير جائز. والثالث: أن قوله: {تَرَوْنَهَا } صفة للعمد، والمعنى: بغير عمد مرئية، أي للسموات عمد. ولكنا لا نراها قالوا: ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها. وهذا التأويل في غاية السقوط، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله، وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك. وأما قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } فاعلم أنه ليس المراد منه كونه مستقراً على العرش، لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ويجب أن يكون ذلك الشيء مشاهداً معلوماً وأن أحداً ما رأى أنه تعالى استقر على العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه وأيضاً بتقدير أن يشاهد كونه مستقراً على العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية جلاله، بل يدل على احتياجه إلى المكان والحيز. وأيضاً فهذا يدل على أنه ما كان بهذه الحالة ثم صار بهذه الحالة، وذلك يوجب التغير وأيضاً الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على أنه كان معوجاً مضطرباً ثم صار مستوياً وكل ذلك على الله محال، فثبت أن المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره وفي الاحتياج إليه. وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر: فهو قوله سبحانه وتعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى }. واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة: النوع الأول: قوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام، وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص. وأيضاً أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضاً من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز الآخر لا بد فيه أيضاً من مرجح. الوجه الثالث: وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر. والوجه الرابع: أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب وهذا أيضاً لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة. النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى } وفيه قولان: الأول: قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلاً كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلاً، فالمراد بقوله: {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى } هذا. وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيراً خاصاً إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك. والقول الثاني: أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة، وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات كما وصف الله تعالى ذلك في قوله: { أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } تفسير : [التكوير: 1، 2] { أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } تفسير : [الإنشقاق: 1] و { أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الإنفطار: 1] { أية : وجَمَعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } تفسير : [القيامة: 9] وهو كقوله سبحانه وتعالى: { أية : ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } تفسير : [الأنعام: 2] ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من أحوال العالم والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالإيجاد والإعدام وبالإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل وتكليف العباد، وفيه دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك لأن هذا العالم المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله تعالى، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته، ليس إلا من الله تعالى ومن المعلوم أن كل من اشتغل بتدبير شيء فإنه لا يمكنه شيء آخر إلا الباري سبحانه وتعالى فإنه لا يشغله شأن عن شأن أما العاقل فإنه إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم الأجسام وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير فلا يشغله شأن عن شأن ولا يمنعه تدبير عن تدبير وذلك يدل على أنه تعالى في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمحدثات والممكنات. ثم قال: {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } وفيه قولان: الأول: أنه تعالى بين الآيات الدالة على إلهيته وعلمه وحكمته. والثاني: أن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: أحدهما: الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك والشمس والقمر والكواكب، وهذا النوع من الدلائل هو الذي تقدم ذكره. والثاني: الموجودات الحادثة المتغيرة، وهي الموت بعد الحياة، والفقر بعد الغنى، والهرم بعد الصحة، وكون الأحمق في أهنأ العيش، والعاقل الذكي في أشد الأحوال، فهذا النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم ظاهرة باهرة. وقوله: {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز والتفصيل. ثم قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ } واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل على وجود الصانع الحكيم فهي أيضاً تدل على صحة القول بالحشر والنشر لأن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر والنشر كان أولى يروى أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة فقال كما يرزقهم الآن دفعة واحدة وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة. وحاصل الكلام أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي وإن كان الخلق عاجزين عنه، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن، ومن الأصحاب من تمسك بلفظ اللقاء على رؤية الله تعالى، وقد مر تقريره في هذا الكتاب مراراً وأطواراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} الآية. لمّا بيّن تعالى أن القرآن حقّ، بين أن مَن أنزله قادر على الكمال؛ فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته؛ وقد تقدّم هذا المعنى. وفي قوله: «بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا» قولان: أحدهما: أنها مرفوعة بغير عمد ترونها؛ قاله قَتَادة وإيّاس بن معاوية وغيرهما. الثاني: لها عمد، ولكنا لانراه؛ قال ٱبن عباس: لها عمد على جبل قاف؛ ويمكن أن يقال على هذا القول: العمد قدرته التي يُمسِك بها ٱلسموات وٱلأرض، وهي غير مرئية لنا؛ ذكره الزّجاج. وقال ٱبن عباس أيضاً: هي توحيد المؤمن. أعمدت السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر؛ ذكره الغَزْنَوِيّ. والعَمَد جمع عمود؛ قال النابغة:شعر : وخَيِّسِ الجِنِّ إِني قد أَذِنْتُ لَهُمْ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ تفسير : {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم الكلام فيه. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذَلَّلَهما لمنافع خلقه ومصالح عباده؛ وكل مخلوق مُذلّل للخالق. {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي إلى وقت معلوم؛ وهو فناء الدنيا، وقيام الساعة ٱلتي عندها تُكوّر الشمس، ويُخسَف القمر، وتنكدر النّجوم، وتنتثر الكواكب. وقال ٱبن عباس: أراد بالأجل المسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها. وقيل: معنى الأجل المسمّى أن القمر يقطع فَلَكه في شهر، والشمس في سنة. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يصرفه على ما يريد. {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي يُبيّنها؛ أي من قدر على هذه الأشياء يقدر على ٱلإعادة؛ ولهذا قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}.

البيضاوي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} مبتدأ وخبر ويجوز أن يكون الموصول صفة والخبر {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ}. {بِغَيْرِ عَمَدٍ} أساطين جمع عماد كإهاب وأهب، أو عمود كأديم وأدم وقرىء {عَمَدٍ } كرسل. {تَرَوْنَهَا } صفة لـ {عَمَدٍ } أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك، وهو دليل على وجود الصانع الحكيم فإن ارتفاعها على سائر الأجسام السماوية لها في حقيقة الجرمية، واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } بالحفظ والتدبير. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} ذللهما لما أراد منهما كالحركة المستمرة على حد من السرعة ينفع في حدوث الكائنات وبقائها. {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} لمدة معينة يتم فيها أدواره، أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ }تفسير : [التكوير: 1-2] {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أمر ملكوته من الايجاد والإِعدام والإِحياء والإِماتة وغير ذلك. {يُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ} ينزلها ويبينها مفصلة أو يحدث الدلائل واحداً بعد واحد. {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لكي تتفكروا فيها وتتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإِعادة والجزاء.

ابن كثير

تفسير : يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمدٍ، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعداً لا تنال ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} الآية. وفي الحديث: «حديث : ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة»تفسير : . وفي رواية: «حديث : والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل»تفسير : وجاء عن بعض السف: أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء. وقوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد: أنهم قالوا: لها عمد، ولكن لا ترى. وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة، يعني: بلا عمد، وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65] فعلى هذا يكون قوله: {تَرَوْنَهَا} تأكيداً لنفي ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد؛ كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة، وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره، وكفر قلبه كما ورد في الحديث، ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه:شعر : وأنتَ الذي مِنْ فَضْلِ مَنّ ورحمةٍ بَعَثْتَ إلى مُوسى رَسولاً مُنادِيا فقلتَ لهُ: فاذهبْ وهارون فَادْعُوا إلى الله فرعونَ الذي كان طاغِياً وقولا لهُ: هل أأنتَ سَوَّيْتَ هذهِ بِلا وَتِدٍ حتى استَقَلَّتْ كَما هِيا؟ وقولا لهُ: هل أنتَ رَفَّعْتَ هذه بِلا عَمَدِ أو فوقَ ذلك بانِيا؟ وقولا لهُ: هل أنتَ سَوَّيْتَ وَسْطَها مُنيراً إذا ما جَنَّكَ الليلُ هادِيا؟ وقولا له: مَنْ يُرْسِلُ الشمسَ غُدْوَةً، فَيُصْبِحُ ما مَسَّتْ منَ الأرضِ ضاحِيا؟ وقولا له: من أنبتَ الحَبَّ في الثَّرى فيصبحُ منه العُشبُ يَهْتَزُّ رابِيا ويُخْرِجُ منهُ حَبَّهُ في رُؤوسِهِ؟ ففي ذاكَ آياتٌ لمَنْ كانَ واعِيا تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدم تفسيره في سورة الأعراف، وأنه يمر كما جاء؛ من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل، تعالى الله علواً كبيراً. وقوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} تفسير : [يس: 38] وقيل: المراد إلى مستقرهما، وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش؛ لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك، لأن له قوائم وحملة يحملونه، ولا يتصور هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة. وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: {أية : لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [فصلت: 37] مع أنه صرح بذلك بقوله: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54]. وقوله: {يُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي (العَمَد) جمع (عِمَاد): وهو الاسطوانة، وهو صادق بأن لا عمد أصلاً {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } استواء يليق به {وَسَخَّرَ } ذلّل {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ } منهما {يَجْرِى } في فلكه {لأَجَلٍ مُّسَمًّى } يوم القيامة {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } يقضي أمر ملكه {يُفَصِّلُ } يبيّن {الأَيَٰتِ } دلالات قدرته {لَعَلَّكُمْ } يا أهل مكة {بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ } بالبعث {تُوقِنُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها}فيه تأويلان: أحدهما: يعني بِعُمد لا ترونها، قاله ابن عباس. الثاني: أنها مرفوعة بغير عمد، قاله قتادة وإياس بن معاوية. وفي رفع السماء وجهان: أحدهما: رفع قدرهاا وإجلال خطرها، لأن السماء أشرف من الأرض. الثاني: سمكها حتى علت على الأرض.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِغَيْرِ عَمَدٍ} لها عمد لا ترى "ع"، أو لا عمد لها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: قلت لابن عباس - رضي الله عنهما - إن فلان يقول: إنها على عمد، يعني السماء. فقال: اقرأها {بغير عمد ترونها} أي لا ترونها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {رفع السموات بغير عمد ترونها} قال: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {بغير عمد ترونها} يقول: لها عمد، ولكن لا ترونها. يعني الأعماد. وأخرج ابن جرير، عن إياس بن معاوية - رضي الله عنه - في قوله {رفع السماوات بغير عمد ترونها} قال: السماء مقبية على الأرض مثل القبة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: السماء على أربعة أملاك، كل زاوية موكل بها ملك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {بغير عمد ترونها} قال: هي بعمد لا ترونها. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة - رضي الله عنهما - أنهما كانا يقولان: خلقها بغير عمد. قال لها قومي فقامت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن معاذ قال: في مصحف أبي [بغير عمد ترونه]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} قال: أجل معلوم، وحد لا يقصر دونه ولا يتعدى. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {يدبر الأمر} قال: يقضيه وحده. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} قال: إن الله إنما أنزل كتابه وبعث رسله، ليؤمن بوعده ويستيقن بلقائه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن عبد الله، مولى غفرة. أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: إن الله جعل مسيرة ما بين المشرق والمغرب، خمسمائة سنة. فمائة سنة في المشرق، لا يسكنها شيء من الحيوان، لا جن ولا إنس ولا دابة ولا شجرة. ومائة سنة في المغرب بتلك المنزلة، وثلثمائة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر: والدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة عام خراب ومائة عمار، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال: ما العمارة في الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الجلد - رضي الله عنه - قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فالسودان اثنا عشر ألفاً، والروم ثمانية، ولفارس ثلاثة، وللعرب ألف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن خالد بن مضرب - رضي الله عنه - قال: الأرض مسيرة خمسمائة سنة، ثلثمائة عمار، ومائتان خراب. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن حسان بن عطية - رضي الله عنه - قال: سعة الأرض مسيرة خمسمائة سنة، البحار ثلثمائة، ومائة خراب، ومائة عمران. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الأرض سبعة أجزاء: ستة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج، وجزء فيه سائر الخلق. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - قال: ذكر لي أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفاً منه أرض الهند، وثمانية الصين، وثلاثة آلاف المغرب، وألف العرب. وأخرج ابن المنذر عن مغيث بن سمي - رضي الله عنه - قال: الأرض ثلاثة أثلاث، ثلث فيه الناس والشجر، وثلث فيه البحار، وثلث هواء. أما قوله تعالى: {وجعل فيها رواسي}. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن الله تبارك وتعالى حين أراد أن يخلق الخلق، خلق الريح فنشجت الريح، فأبدت عن حشفة، فهي تحت الأرض. ومنها دُحيت الأرض حيث ما شاء في العرض والطول، فكانت تميد فجعل الجبال الرواسي. وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لما خلق الله الأرض، قمصت وقالت: أي رب، تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث؟ فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم ترجرج. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن عطاء رضي الله عنه - قال: أول جبل وضع في الأرض، أبو قبيس. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {جعل فيها زوجين اثنين} قال: ذكراً وانثى من كل صنف. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {يغشي الليل النهار} أي يلبس الليل النهار.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الآية: 2]. قال ابن عطاء: يدبر الأمور بالقضاء السابق، ويفصل الآيات بالأحكام الظاهرة لعلكم تتيقنون إن الذى يجرى عليكم هذه الأحوال لا بد لكم من الرجوع إليه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. دَلَّ على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته، ومن جملتها رفعُ السماواتِ وليس تحتها عمادٌ يَشُدُّها، ولا أوتادٌ تُمْسِكُها. وأخبر في غير هذه المواضع أنه زَيَّنَ السماءَ بكواكبها، وخصَّ الأرض بجوانبها ومناكبها. و{ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}: أي احتوى على مُلْكِه احتواءَ قُدْرَةٍ وتدبير. والعرشُ هو المُلْكُ حيث يقال: اندكَّ عرشُ فلان إذا زال مُلْكُه. قوله جلّ ذكره: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى...}. كلٌّ يجري في فَلَكٍ. ويدلُّ كل جزء من ذلك على أنه فِعلُ في مُلْكِه غير مشترك.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله} مبتدأ خبره قوله {الذى رفع السموات} خلقها مرفوعة بينها وبين الارض مسيرة خمسمائة عام لا ان تكون موضوعة فرفعها {بغير عمد} بالفتح جمع عماد او عمود وهو بالفارسية [استون] حال من السموات اى رفعها خالية من عمد واساطين {ترونها} الضمير راجع الى عمد والجملة صفة لها اى خيالية من عمد مرئية وانتفاء العمد المرئية يحتمل ان يكون لانتفاء العمد والرؤية جميعا اى لا عمد لها فلا ترى ويحتمل ان يكون لانتفاء الرؤية فقط بان يكون لها عماد غير مرئى وهو القدرة فانه تعالى يمسكها مرفوعة بقدرته فكأنها عماد لها او العدل لان بالعدل قامت السموات اى العلويات والسفليات شعر : آسمان وزمين بعدل بباست شد زشاهان بغير عدل نخاست كرنباشد ستون خيمه بجاى كى بود خيمه بى ستون برباى تفسير : ويجوز ان يكون ترونها جملة مستأنفة فالضمير راجع الى السموات كأنه قيل ما الدليل على ان السموات مرفوعة بغير عمد فاجيب بانكم ترونها غير معمودة {ثم استوى على العرش} ثم لبيان تفاضل الخلقين وتفاوتهما فان العرش افضل من السموات لا للتراخى فى الوقت لتقدمه عليها والاستواء فى اللغة بالفارسية [راست بيستادن] والعرش سرير الملك وهو هنا مخلوق عظيم موجود هو اعظم المخلوقات وتحته الماء العذب كما قال تعالى {أية : وكان عرشه على الماء} تفسير : وهو بحر عظيم لا يعلم مقدار عظمته الا الله. والمعنى على ما فى بحر العلوم ثم اوفى على العرش يقال اوفى على الشيء اذا اشرف عليه اى اطلع عليه من فوق وفى الحديث "حديث : ان الله كبس عرصة جنة الفردوس بيده ثم بناها لبنة من ذهب مصفى ولبنة من مسك مذرى وغرس فيها من كل طيب الفاكهة وطيب الريحان وفجر فيها انهارها ثم اوفى ربنا على عرشه فنظر اليه فقال وعزتى وجلالى لا يدخلك مدمن خمر ولا مصرّ على زنى ولا ديوث ولا قتات ولا قلاع ولا جياف ولا ختار " تفسير : وقال البيضاوى {ثم استوى على العرش} بالحفظ والتدبير فالاستواء على العرش عبارة عن الاستيلاء على الملك والتصرف فيما رفعه بلا عمد يقال استوى فلان على العرش اذا ملك وان لم يقعد عليه البتة. قال ابن الشيخ الظاهر ان كلمة ثم لمجرد العطف والترتيب مع قطع النظر عن معنى التراخى لان استيلاءه تعالى على التصرف فيما رفعه ليس بمتراخ عن رفعه والتحقيق ان المراد بهذا الاستواء استواؤه سبحانه لكن لا باعتبار نفسه وذاته تعالى علوا كبيرا عما يقول الظالمون بل باعتبار امره الايجادى وتجليه الحبى الاحدى وانما كان العرش محلى هذا الاستواء لان التجليات التى هى شروط التجليات المتعينة والاحكام الظاهرة والامور البارزة والشئون المتحققة فى السماء والارض وفيما بينهما من عالم الكون والفساد بالامر الالهى والايجاد الازلى انما تمت باستيفاء لوازمها واستكمال جوانبها واستجماع اركانها الاربعة المستوية فى ظهور العرش بروحه وصورته وحركته الدورية لانه لا بد فى استواء تجليات الحق فى هذه العوالم بتجليه الحبى وامره الايجادى من الامور الاربعة التى هى من هذه التجليات الحبية والايجادية الحسية هى حركة العرش وهى بمنزلة الحد الاكبر ولما استوى امر تمام حصول الاركان الاربعة الموقوف عليها بتوقيف الله التجليات الايجادية الامرية المتنزلة بين السموات السبع والارضين السبع بحسب مقتضيات استعدادات اهل العصر وموجبات قابليات اصحاب الزمان فى كل يوم بل فى كل آن كما اشير اليه بقوله تعالى {أية : يتنزل الامر بينهن} تفسير : وقوله {أية : كل يوم هو فى شأن} تفسير : فى العرش كان العرش مستوى الحق بهذا الاعتبار واستواء الامر الايجادى على العرش بمنزلة الامر التكليفى الارشادى على الشرع وكل منهما مقلوب الآخر كذا فى الابحاث البرقيات لحضرة شيخنا الاجل قدس الله سره {وسخر الشمس والقمر} ذللهما لما يراد منهما وهو انتفاع الخلق بهما كما قال فى بحر العلوم معينى تسخيرهما نافعتين للناس حيث يعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر وينوران لهم فى الليل والنهار ويدرآن الظلمات ويصلحان الارض والابدان والاشجار والنباتات {كل} منهما {يجرى لاجل مسمى} اللام بمعنى منهما يغرب كل ليلة فى منزل ويطلع فى منزل حتى ينتهى الى اقصى المنازل {يدبر الامر} يقضى ويدبر امر ملكوته من الاعطاء والمنع والاحياء والاماتة ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب ورفع قوم ووضع آخرين وغير ذلك. وفى التأويلات {يدبر الامر} امر العالم وحه وهو يدل على ان الاستواء اى العلو على العرش بالقدرة لتدبير المكونات لا للتشبيه {يفصل الايات} يبين البراهين الدالة على التوحيد والبعث وكمال القدرة والحكمة {لعلكم} [شايدكه شما] {بلقاء ربكم} [بديدار بروردكار خود يعنى بديدن جزا كه خواهد داد در قيامت] {توقنون} [بى كمان كرديد ودانيدكه هركه قادرست برآفريدن اين اشيا قدرت دارد براعاده واحيا]. قال فى بحر العلوم لعل مستعار لمعنى الارادة لتلاحظ معناها ومعنى الترجى اى يفصل الايات ارادة ان تتأملوا فيها وتنظروا فتستدلوا بها عليه ووحدته وقدرته وحكمته وتتيقنوا ان من قدر على خلق السموات والعرش وتسخير الشمس والقمر مع عظمها وتدبير الامور كلها كان على خلق الانسان مع مهانته وعلى اعادته وجزائه اقدر. واعلم انه كان ما كان من ايجاد عالم الامكان ليحصل للناس المشاهدة والاطمئنان والايقان: قال المولى الجامى شعر : سبير آب كن زبحر يقين جان تشنه را زين بيش خشك لب منشين برسر آب ريب تفسير : وعن سيدنا على رضى الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وذلك ان اهل المكاشفة وصلوا من علم اليقين الى عين اليقين الذى يحصل لاهل الحجاب يوم القيامة فلو ارتفع الغطاء وهو دار الدنيا وظهرت الآخرة ما ازدادوا يقينا بل كانوا على ما كانوا عليه فى الدنيا بخلاف اهل الحجاب فان علمهم انما يكون عين اليقين يوم القيامة ويدل عليه قوله عليه السلام "حديث : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا" تفسير : اى ماتوا موتا اختياريا او اضطراريا حصل لهم اليقظة. فعلى العاقل تحصيل اليقين والنظر بالعبرة فى آيات رب العالمين. قال الفقيه لاغنية للمؤمن عن ست خصال. اولاها علم يدل على الآخرة والثانية رفيق يعينه على طاعة الله ويمنعه عن معصية الله. والثالثة معرفة عدوه والحذر منه. والرابعة عبرة يعتبر بها فى آيات الله وفى اختلاف الليل والنهار. والخامسة انصاف الخلق لكيلا يكون له يوم القيامة خصماء. والسادسة الاستعداد للموت ولقاء الرب قبل نزوله كيلا يكون مفتضحا يوم القيامة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (الله): مبتدأ، (الذي رَفَعَ): خبره، ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر: (يُدبر الأمر)، و{عَمَدٍ}: اسم جمع عمود، وقياس جمعه: عُمُد كرسول ورُسُل، وشهاب وشُهُب، وليس جمعاً خلافاً لأبي عبيد. قاله ابن عطية. وقال البيضاوي: جمع عِمَاد، كإهاب وأهب. وجملة: (ترونها): إما حال، أو استئنافية؛ فالضمير للسماوات، وإما صفة لعَمد فالضمير لها، أي: ليس لها عَمد مرئية، فيقتضي بالمفهوم أن لها عمداً لا تُرى. وقيل: إن عمدها جبل قاف المحيط بالدنيا. والجمهور: أنه لا عمد لها البتة. فالمراد نفي العمد، ونفي رؤيتها. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: مستدلاً على وجوده، وكمال قدرته: {اللهُ الذي رفعَ السماواتِ} فوقكم كالسقف المرفوع {بغير عَمَدٍ}: أساطين، بل بقدرة أزلية، {ترونها} مرفوعة فوقكم. أو بغير عَمَد مرئية، بل بعمد خفية، وهي: أسرار الذات العلية؛ إذ لا فاعل سواه. {ثم استوى على العرش} استواء استيلاء وإحاطة، حتى صار العرشُ غيباً في إحاطة قهريته وأسرار ذاته. وقد كانت العرب تجعل لملوكها سريراً يجلسون عليه لتدبير المملكة، فخاطبنا الحق تعالى بقدر ما نفهم، ولذلك رتب عليه قوله: {وسخَّر الشمسَ والقمر}؛ لأن هذا من تدبير ملكه، أي: ذللهما لما أراد منهما، كالحركة المستمرة على حد من السرعة؛ لينتفع بهما عباده في معاشهم ومعالم دينهم. {كلٌّ} منهما {يجري لأجَلٍ مُسمى}: لمدة معينة تتم فيها أدواره، أو لغاية مضروبة ينقطع فيها سيرهما؛ وهي يوم القيامة، حين تكوّر الشمس والقمر. {يُدبر الأمرَ}؛ أمر ملكه من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، وغير ذلك، {يُفصل الآياتِ}: ينزلها ويُبين معانيها مفصلة، أو يُحدث الدلائل واحداً بعد واحدٍ؛ {لعلكم بلقاء ربكم تُوقنون}: لكي تتفكروا فيها، وتتحقوا كمال قدرته فتعلموا أنّ مَنْ قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة والجزاء. الإشلرة: الله الذي رفع سماوات الأرواح، وزينها بنجوم العلم وقمر التوحيد، وأشرق عليها شموس العرفان وأسرار التفريد، ثم استوى بأسرار ذاته وأنوار صفاته على العرش، وهو قلب العارف؛ لأنه سرير المعرفة، ومحل بيت الرب، وسخر شمس المعرفة وقمر التوحيد، يجريان بالترقي إلى محل التمكين، وهو الأجل المسمى لهما، يدبر أمر السير والترقي، ويُفصِّل دلائل الطريق الموصلة إلى عين التحقيق؛ لعلكم بالوصال إلى ربكم توقنون، حين يكون ذوقاً وكشفاً، والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية بما يدل على وحدانيته وكونه على صفات لا يشاركه فيها احد من المخلوقين من كونه قادراً لنفسه، لانه قال تعالى هو الذي رفع السموات بغير عمد ترونها. وقيل فيه قولان: الاول - قال ابن عباس ومجاهد: يعنى ليس ترونها دعامة تدعمها، ولا فوقها علاقة تمسكها. الثاني - قال قتادة واياس بن معاوية: ان المعنى إنه رفع السموات بلا عمد ونحن نراها. وقال الجبائي: تأويل ابن عباس ومجاهد خطأ لأنه لو كان لها عمد، لكانت اجساماً غلاظاً ورؤيت، وكانت تحتاج الى عمد آخر إِلا هو تعالى. وهذا هو الصحيح. والوجه في قوله {بغير عمد} انه لو كان لها عمد لرئيت. ومثله قول الشاعر: شعر : على لاحب لا يهتدي لمناره تفسير : والمعنى انه لا منار له، لانه لو كان له منار لاهتدي به، وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. و {عمد} جمع عمود يقال: عمد، كما يقال: اديم وادم. قال ابو عبيدة: وهذا الجمع قليل. وقد قرىء في الشواذ {عمد} بضم العين والميم، وهو القياس. والعمود السارية، ومثله الدعائم والسند واصله منع الميل، فمنه التعميد والاعتماد، قال النابغة: شعر : وخيس الجنّ اني قد اذنت لهم يبنون تدمر بالصفائح والعمد تفسير : وقوله {ثم استوى على العرش} معناه استولى بالاقتدار عليه ونفوذ السلطان. واصله استواء التدبير، كما ان اصل القيام الانتصاب ثم قال: قائم بالتدبير، فالمعنى مستو على العرش بالتدبير المستقيم من جهته بجميع الأمور. و (ثم) دخلت على معنى {ثم استوى على العرش} بالتدبير للأجسام التي قد كونها، فهي تدل على حدوث التدبير. وقال ابو علي: هي لتسخير الشمس والقمر لكنه قدم في صدر الكلام، كما قال {أية : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}تفسير : والمعنى حتى يجاهد من نعلم من المجاهدين. وقوله {وسخر الشمس والقمر} فالتسخير والتذليل والتوطئة نظائر، والمسخر هو المهيأ، لانه يجري بنفسه من غير معاناة صاحبه فيما يحتاج اليه كتسخير النار للاسخان والماء للجريان، والفرس للركوب. وقوله {كل يجري لأجل مسمى} اجراه على لفظ كل، ومثله كل منطلق اي اكلهم، ورفع كلا، لانه مستأنف، وذهب بمعنى الاثنين في الشمس والقمر الى الجمع، كما قال {أية : فإن كان له إخوة} تفسير : وإنما هما أخوان. و (الاجل) هو الوقت ضروب لحدوث أمر وانقطاعه، فاجل الدنيا الوقت المضروب، لا نقضائها واجل الآخرة، الوقت المضروب لحدوثها، واجل الدين وقت حدوث أدائه، واجل العمر الوقت المضروب لانقضائه، والاجل المسمى - ها هنا - قيل يوم القيامة. وقوله {يدبر الأمر} فالتدبير تصريف الامور على ما يقتضيه مستقبل حاله في عاقبته، فتدبير السموات والارض فيه دلالة على مدبر حكيم، قد جعل جميع ذلك لما يصلح في عاقبته، وعاجلته. ودخلت الالف واللام على {الشمس} وهي واحدة لا ثاني لها، لان في إسمها معنى الصفة، لانه لو وجد مثلها لكان شمساً، وكذلك {القمر} لو خلق الله مثله لكان قمراً، وليس كذلك زيد وعمرو. وقوله {يفصل الآيات} اي يميز الدلالات واختلاف مدلولاتها، من كونه قادراً عالماً حكيماً لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} معنا لكي توقنوا لقاء ثواب طاعات الله ولقاء عقاب معاصيه، فسمى لقاء ثوابه وعقابه لقاءه مجازاً.

اطفيش

تفسير : {اللّهُ} مبتدأ {الَّذى} خبر {رفَعَ السَّمٰوات بغَيْر عَمدٍ} جمع عماد أو عمود كأهب وأدم بفتح أولهما وثانيهما جمعى إهاب وهو الجلد الذى لم يدبغ وأديم وهو المدبوغ، والقياس عمد بضم العين والميم، وقد قرأ به أبى كرسول ورسل، والعمود الأسطوانة وما يدعم به السقف، ويدل على كون لفظ الجلالة مبتدأ، والذى خبره قوله: {وهو الذى مَدَّ} ويجوز كون الذى صفة، ويدبر الأمر خبر أول، ويفصل الآيات خبر ثان، ويعضده ما تقدم من ذكر الآيات. {تَروْنها} نعت لعمد، وضمير النصب لها، والنفى المقيد به غير هو منصب على المقيد بالذات، وهو عمد، والقيد بالتبع واللزوم، وهو ترونها كأنه قيل: لا ترون عمد العدم وجودها، لأن السمٰوات غير معلقة بشئ ولا معتمدة على شئ، وهى ملتفة على الأرض من تحتها، كقشور البصل هذا هو الصحيح، وهو رواية عن ابن عباس، أو النفى منصب على القيد، أى بغير عمد ترونها، بل بعمد لا ترونها، وهى جبل قاف المحيط بالدنيا، الذى هو من زمرد أخضر، وأطراف السمٰوات متصلة به معتمدة عليه، وهذا قول مجاهد وعكرمة، ورواية عن ابن عباس. ويجوز أن تكون جملة ترونها مستأنفة، وضمير النصب للسماء، فيوافق القول الأول، وعلى كل حال فى الآية استشهاد برؤية السمٰوات مرفوعة بلا عمد، وبعمد غير مرئية، ولكن رفعها بلا عمد أظهر فى الاستشهاد، ولذلك اقتصر عليه القاضى إذ قال: أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السمٰوات كذلك، أى مرفوعة بلا عمد وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام السماوية لها فى حقيقة الجرمية واختصاصها بما يقتضى ذلك لا بد أن يكون بمخصص ليس بجسم، ولا جسمانى يرجح بإرادته بعض الممكنات على بعض، وسائر ما ذكر من الآيات على هذا المنهاج. انتهى بتصرف. {ثمَّ اسْتَوى} استولى {عَلى العَرْش} بالتدبر والحفظ، وثم بمعنى الواو عاطفة للسابق على اللاحق، أو للترتيب الذكرى بلا تراخ، أو بتراخ معنوى لازما لعلو شأن العرش، وعظم ذاته على السمٰوات والأرض، وكذا إن قلنا استواءه على العرش استيلاءه عليه بالخلق، إذ خلقه ولم يتعاص، ففيه هذه الأوجه، أو استواءه على العرش بمعنى أنه مالك قاهر، فذلك كناية عن الملك والقهر، ولو لم يكن ثم عرش، يقول: استوى فلان على السرير، تريد أنه دانت له الرقاب ولو لم يكن له سرير البتة، وهكذا رويت أن الكناية تصح إرادة لازم معناها دون معناها، وإرادتهما معا وكأنه قيل: رفع السمٰوات والأرض، وكان له الملك عليهن فثم لمجرد العطف. {وسخَّر الشَّمس والقمرَ} جعلهما منقادين لما يريده منهما من حركة مخصوصة فى كل زمان مخصوص، وسلامة وخسوف وكسوف، وحرارة مخصوصة فى كل زمان مخصوص فى الشمس وفى القمر أيضا، حرارة قليلة، وفى حرارتهما ولا سيما الشمس نفع عظيم، وكذا حركتها للحيوان والنبات، وسخر النجوم أيضا ولم يذكرها استغناء بذكر النجمين الأعظمين من ظهور تسخيرها، أو خصمها بالذكر لقوة نفعهما، وكثرة دورانهما، فانقيادهما أظهر فى العين، وحذف النجوم من باب الاكتفاء كذا ظهر لى. {كلٌ يجْرى} فى فلك {لأجلٍ مُسمّىً} ينقطعان عنده، وهو يوم القيامة، وقال ابن عباس: مدة كونهما فى درجة مخصوصة لا تجاوزها حتى تتم مدتها انتهى بالمعنى. {يُدبِّر} وقرأ الحسن ندبر بالنون {الأمرَ} ملكوته إيجادا للمعدوم، وإعداما للموجود، وإحياء لما هو غير حى، وإماتة للحى، وإذلال عزيز، وإعزاز ذليل، وإفقار غنى، وإغناء فقير ونحو ذلك مما يقضيه فى الهياكل العلوية، والهياكل السفلية، لا يشغله شأن عن شأن سبحانه لا إله إلا هو. {يُفصِّل الآياتِ} التى تتلى أى ينزلها فى الكتب وبينها مفصلة، أو المعنى يحدث الدلائل واحدا بعد واحد، سواء كانت آيات تتلى أو غيرها كخسوف وكسوف، وإيجاد وإعدام {لعلكُم بلقاء ربكِّم تُوقنُون} أى لعلكم توقنون بالبعث والجزاء، فإن القادر على ذلك قادر على البعث، ولو لم يكن من الآيات إلا خلقه المخلوقات لعلم منه القدرة على البعث، والتيقن من صفات العلم، وفوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي خلقهن مرتفعات على طريقة سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض لا أنه سبحانه رفعها بعد أن لم تكن كذلك {بِغَيْرِ عَمَدٍ} أي دعائم، وهو اسم جمع عند الأكثر والمفرد عماد كإهاب وأهب يقال: عمدت الحائط أعمده عمداً إذا دعمته فاعتمد واستند، وقيل: المفرد عمود، وقد جاء أديم وأدم وقصيم وقصم، وفعيل وفعول يشتركان في كثير من الأحكام، وقيل: إنه جمع ورجح الأول بما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً. / وقرأ أبو حيوة ويحيـى بن وثاب {عمد} بضمتين، وهو جمع عماد كشهاب وشهب أو عمود كرسول ورسل ويجمعان في القلة على أعمدة، والجمع لجمع السمٰوات لا لأن المنفي عن كل واحدة منها العمد لا العماد، والجار والمجرور في موضع الحال أي رفعها خالية عن عمد. {تَرَوْنَهَا} استئناف لا محل له من الإعراب جىء به للاستشهاد على كون السمٰوات مرفوعة كذلك كأنه قيل: ما الدليل على ذلك؟ فقيل: رؤيتكم لها بغير عمد فهو كقولك: أنا بلا سيف ولا رمح تراني. ويحتمل أن يكون الاستئناف نحوياً بدون تقدير سؤال وجواب والأول أولى، وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من السمٰوات أي رفعها مرئية لكم بغير عمد وهي حال مقدرة لأن المخاطبين حين رفعها لم يكونوا مخلوقين، وأياً ما كان فالضمير المنصوب للسمٰوات. وجوز كون الجملة صفة للعمد فالضمير لها واستدل لذلك بقراءة أبـي {ترونه} لأن الظاهر أن الضمير عليها للعمد وتذكيره حينئذٍ لائح الوجه لأنه اسم جمع فلوحظ أصله في الإفراد ورجوعه إلى الرفع خلاف الظاهر، وعلى تقدير الوصفية يحتمل توجه النفي إلى الصفة والموصوف على منوال:شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : لأنها لو كانت لها عمد كانت مرئية وهذا في المعنى كالاستئناف، ويحتمل توجهه إلى الصفة فيفيد أن لها عمداً لكنها غير مرئية وروي ذلك عن مجاهد وغيره، والمراد بها قدرة الله تعالى وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، فيكون العمد على هذا استعارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك. وزعم بعضهم أن العمد جبل قاف فإنه محيط بالأرض والسماء عليه كالقبة، وتعقبه الإمام بأنه في غاية السقوط وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يمكن أن يكون مراده في وجه ذلك، وأنا لا أرى ما قبله يصح عن ابن عباس، فالحق أن العمد قدرة الله تعالى، وهذا دليل على وجود الصانع الحكيم تعالى شأنه وذلك لأن ارتفاع السمٰوات على سائر الأجسام المساوية لها في الجرمية كما تقرر في محله واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون لمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته. ورجح في «الكشف» استئناف الجملة بأن الاستدلال برفع هذه الأجرام دون عمد كاف، والاستشهاد عليه بكونه مشاهداً محسوساً تأكيد للتحقيق. ثم لا يخفى أن الضمير المنصوب في {تَرَوْنَهَا} إذا كان راجعاً إلى السمٰوات المرفوعة اقتضى ظاهر الآية أن المرئي هو السماء، وقد صرح الفلاسفة بأن المرئي هو كرة البخار وثخنها كما قال صاحب "التحفة" أحد وخمسون ميلاً وتسع وخمسون دقيقة، والمجموع سبعة عشر فرسخاً وثلث فرسخ تقريباً، وذكروا أن سبب رؤيتها زرقاء أنها مستضيئة دائماً بأشعة الكواكب وما وراءها لعدم قبوله الضوء كالمظلم بالنسبة إليها فإذا نفذ نور البصر من الأجزاء المستنيرة بالأشعة إلى الأجزاء التي هي كالمظلم رأى الناظر ما فوقه من المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الكوكبـي لوناً متوسطاً بين الظلام والضياء وهو اللون اللازوردي، وذلك كما إذا نظرنا من جسم أحمر مشف إلى جسم أخضر فإنه يظهر لنا لون مركب من الحمرة والخضرة. وأجمعوا أن السمٰوات التي هي الأفلاك لا ترى لأنها شفافة لا لون لها لأنها لا تحجب الأبصار عن رؤية ما وراءها من الكواكب وكل ملون فإنه يحجب عن ذلك. وتعقب ذلك الإمام الرازي بأنا لا نسلم أن كل ملون حاجب فإن الماء والزجاج ملونان لأنهما مرئيان ومع ذلك لا يحجبان. فإن قيل: فيهما حجب عن الإبصار الكامل قلنا: وكيف عرفتم أنكم أدركتكم هذه الكواكب إدراكاً تاماً انتهى، على أن ما ذكروه لا يتمشى في المحدد إذ/ ليس وراءه شيء حتى يرى ولا في الفلك الذي يسمونه بفلك الثوابت أيضاً إذ ليس فوقه كوكب مرئي وليس لهم أن يقولوا لو كان كل منهما ملوناً لوجب رؤيته لأنا نقول جاز أن يكون لونه ضعيفاً كلون الزجاج فلا يرى من بعيد ولئن سلمنا وجوب رؤية لونه قلنا: لم لا يجوز أن تكون هذه الزرقة الصافية المرئية لونه وما ذكر أولاً فيها دون إثباته كرة النار وما يقال: إنها أمر يحسن في الشفاف إذا بعد عمقه كما في ماء البحر فإنه يرى أزرق متفاوت الزرقة بتفاوت قعره قرباً وبعداً فالزرقة المذكورة لون يتخيل في الجو الذي بين السماء والأرض لأنه شفاف بعد عمقه لا يجدي نفعاً لأن الزرقة كما تكون لوناً متخيلاً قد تكون أيضاً لوناً حقيقياً قائماً بالأجساد، وما الدليل على أنها لا تحدث إلا بذلك الطريق التخيلي فجاز أن تكون تلك الزرقة المرئية لوناً حقيقياً لأحد الفلكين كذا قال بعض المحققين، وأنت تعلم أنه لا مانع عند المسلمين من كون المرئي هو السماء الدنيا المسماة بفلك القمر عند الفلاسفة بل هو الذي تقتضيه الظواهر، ولا نسلم أن ما يذكرونه من طبقات الهواء مانعاً، وهذه الزرقة يحتمل أن تكون لوناً حقيقياً لتلك السماء صبغها الله تعالى به حسبما اقتضته حكمته، وعليه الأثريون كما قال القسطلاني، ويؤيده ظاهر ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء»تفسير : ، وفي رواية «حديث : الأرض من ذي لهجة أصدق من أبـي ذر» تفسير : ويحتمل أن يكون لوناً تخيلياً في طبقة من طبقات الهواء الشفاف الذي ملأ الله به ما بين السماء والأرض ويكون لها في نفسها لون حقيقي الله تعالى أعلم بكيفيته ولا بعد في أن يكون أبيض وهو الذي يقتضيه بعض الأخبار لكنا نحن نراها من وراء ذلك الهواء بهذه الكيفية كما نرى الشيء الأبيض من وراء جام أخضر أخضر، ومن وراء جام أزرق أزرق وهكذا، وجاء في بعض الآثار أن ذلك من انعكاس لون جبل قاف عليها. وتعقب بأن جبل قاف لا وجود له، وبرهن عليه بما يرده ـ كما قال العلامة ابن حجر ـ ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق أخرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول الصحابـي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، منها أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف ثم أرضاً ثم بحراً ثم جبلاً وهكذا حتى عد سبعاً من كل، وخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء، وعن مجاهد مثله. ونقل صاحب "حل الرموز" أن له سبع شعب وأن لكل سماء منها شعبة، وفي القلب من صحة ذلك ما فيه، بل أنا أجزم بأن السماء ليست محمولة إلا على كاهل القدرة، والظاهر أنها محيطة بالأرض من سائر جهاتها كما روي عن الحسن، وفي الزرقة الاحتمالان. بقي الكلام في رؤية باقي السمٰوات وظاهر الآية يقتضيه وأظنك لا ترى ذلك وظاهر بعض الآيات يساعدك فتحتاج إلى القول بأن الباقي وإن لم يكن مرئياً حقيقة لكنه في حكم المرئي ضرورة أنه إذا لم يكن لهذا عماد لا يتصور أن يكون لما وراءه عماد عليه بوجه من الوجوه، ويؤل هذا إلى كون المراد ترونها حقيقة أو حكماً بغير عمد، وجوز أن يكون المراد ترون رفعها أي السمٰوات جميعاً بغير ذلك. وفي «الكشف» ما يشير إليه؛ وإذا جعل الضمير للعمد فالأمر ظاهر فتدبر، ومن البعيد الذي لا نراه زعم بعضهم أن {تَرَوْنَهَا } خبر في اللفظ ومعناه الأمر روها وانظروا هل لها من عمد. {ثُمَّ ٱسْتَوَى} سبحانه استواء يليق بذاته {عَلَى ٱلْعَرْشِ } وهو المحدد بلسان الفلاسفة، وقد جاء في الأخبار من عظمه ما يبهر العقول، وجعل غير واحد من الخلف الكلام استعارة/ تمثيلية للحفظ والتدبير، وبعضهم فسر استوى باستولى، ومذهب السلف في ذلك شهير ومع هذا قد قدمنا الكلام فيه، وأياً ما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش كما قالوا في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [البقرة: 29] لأن إيجاده قبل إيجاد السمٰوات، ولا حاجة إلى إرادة ذلك مع القول بسبق الإيجاد وحمل {ثُمَّ } على التراخي في الرتبة، نعم قال بعضهم: إنها للتراخي الرتبـي لا لأن الاستواء بمعنى القصد المذكور وهو متقدم بل لأنه صفة قديمة لائقة به تعالى شأنه وهو متقدم على رفع السمٰوات أيضاً وبينهما تراخ في الرتبة. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منها {كُلٌّ } من الشمس والقمر {يَجْرِى } يسير في المنازل والدرجات {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى } أي وقت معين، فإن الشمس تقطع الفلك في سنة والقمر في شهر لا يختلف جري كل منهما كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا * وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } تفسير : [يس: 38-39] وهو المروي عن ابن عباس، وقيل: أي كل يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } تفسير : [التكوير: 1-2] وهذا مراد مجاهد من تفسير الأجل المسمى بالدنيا، قيل: والتفسير الحق ما روي عن الحبر، وأما الثاني: فلا يناسب الفصل به بين التسخير والتدبير. ثم إن غايتهما متحدة والتعبير ـ بكل يجري ـ صريح في التعدد وما للغاية {إِلَىٰ } دون اللام، ورد بأنه إن أراد أن التعبير بذلك صريح في تعدد ذي الغاية فمسلم لكن لا يجديه نفعاً، وإن أراد صراحته في تعدد الغاية فغير مسلم، واللام تجيء بمعنى إلى كما في "المغني" وغيره. وأنت تعلم لا يفيد أكثر من صحة التفسير الثاني فافهم، وما أشرنا إليه من المراد من كل هو الظاهر، وزعم ابن عطية أن ذكر الشمس والقمر قد تضمن ذكر الكواكب فالمراد من كل كل منهما ومما هو في معناهما من الكواكب والحق ما علمت. {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } أي أمر العالم العلوي والسفلي، والمراد أنه سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف في ذلك على أكمل الوجوه وإلا فالتدبير بالمعنى اللغوي لاقتضائه التفكر في دبر الأمور مما لا يصح نسبته إليه تعالى. {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي ينزلها ويبينها مفصلة، والمراد بها آيات الكتب المنزلة أو القرآن على ما هو المناسب لما قبل، أو المراد بها الدلائل المشار إليها فيما تقدم وبتفصيلها تبيينها، وقيل إحداثها على ما هو المناسب لما بعد. والجملتان جوز أن يكونا مستأنفتين وأن يكونا حالين من ضمير {ٱسْتَوَىٰ } و {سَخَّرَ } من تتمته بناء على أنه جيء به لتقرير معنى الاستواء وتبيينه أو جملة مفسرة له، وجوز أن يكون {يُدَبّرُ } حالاً من فاعل {سَخَّرَ } و {يُفَصّلُ } حالاً من فاعل {يُدَبّرُ }، و {ٱللَّهِ ٱلَّذِى } الخ على جميع التقادير مبتدأ وخبر، وجوز أن يكون الاسم الجليل مبتدأ والموصول صفته وجملة {يُدَبّرُ } خبره وجملة {يُفَصّلُ } خبراً بعد خبر، ورجح كون ذلك مبتدأ وخبراً في «الكشف» بأن قوله تعالى الآتي: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } تفسير : [الرعد: 3] عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات والسفليات وفي المقابل تتعين الخبرية فكذلك في المقابل ليتوافقا، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه كما في الوجه الآخر، ثم قال: وهو على هذا جملة مقررة لقوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ هُوَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الرعد: 1] وعدل عن ضمير الرب إلى الاسم المظهر الجامع لترشيح التقرير كأنه قيل: كيف لا يكون منزل من هذه أفعاله الحق الذي لا أحق منه، وفي الإتيان بالمبتدأ والخبر/ معرفتين ما يفيد تحقيق إن هذه الأفعال أفعاله دون مشاركة لا سيما وقد جعلت صلات للموصول، وهذا أشد مناسبة للمقام من جعله وصفا مفيداً تحقيق كونه تعالى مدبراً مفصلاً مع التعظيم لشأنهما كما في قول الفرزدق:شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول تفسير : وتقدم ذكر الآيات ناصر ضعيف لأن الآيات في الموضعين مختلفة الدلالة ولأن المناسب حينئذ تأخره عن قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ } تفسير : [الرعد: 3] الخ، على أن سوق تلك الصفات أعني رفع السمٰوات وما تلاه للغرض المذكور وسوق مقابلاتها لغرض آخر منافر، وفي الأول روعي لطيفة في تعقيب الأوائل بقوله سبحانه: {يُدَبّرُ يُفَصّلُ } للإيقان والثواني بقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [الرعد: 3] أي من فضل السوابق لإفادتها اليقين واللواحق ذرائع إلى حصوله لأن الفكر آلته والإشارة إلى تقديم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبة وذلك فائت على الوجه الآخر اهـ وهو من الحسن بمكان فيما أرى. ولا تنافي كما قال الشهاب بين الوجهين باعتبار أن الوصفية تقتضي المعلومية والخبرية تقتضي خلافها لأن المعلومية عليهما والمقصود بالإفادة قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ } أي لكم تتفكروا وتحققوا كمال قدرته سبحانه فتعلموا أن من قدر على ذلك قدر على الإعادة والجزاء، وحاصله أنه سبحانه فعل كل ذلك لذلك، وعلى الوجه الآخر فعل الأخيرين لذلك مع أن الكل له ثم قال: وهذ مما يرجح الوجه الأول أيضاً كما يرجحه أنه ذكر تبيين الآيات وهي الرفع وما تلاه فإنه ذكرها ليستدل بها على قدرته تعالى وعلمه ولا يستدل بها إلا إذا كانت معلومة فيقتضي كونها صفة. فإن قيل: لا بد في الصلة أن تكون معلومة سواء كانت صفة أو خبراً يقال: إذا كان ذلك صلة دل على انتساب الآيات إلى الله تعالى وإذا كان خبراً دل على انتسابها إلى موجود مبهم وهو غير كاف في الاستدلال فتأمل. وقرأ النخعي وأبو رزين وأبان بن تغلب عن قتادة {ندبر. نفصل} بالنون فيهما؛ وكذا روى أبو عمرو الداني عن الحسن ووافق في {نُفَصّلُ } بالنون الخفاف وعبد الوهاب عن أبـي عمرو، وهبيرة عن حفص، وقال صاحب "اللوامح": جاء عن الحسن والأعمش {نُفَصّلُ} بالنون، وقال المهدوي: لم يختلف في {يُدَبّرُ } وليس كما قال لما سمعت، ثم إنه تعالى لما ذكر من الشواهد العلوية ما ذكر أردفها بذكر الدلائل السفلية فقال عز شأنه: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ...}.

ابن عاشور

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} استئناف ابتدائي هو ابتداء المقصود من السورة وما قبله بمنزلة الديباجة من الخطبة، ولذا تجد الكلام في هذا الغرض قد طال واطّرد. ومناسبَة هذا الاستئناف لقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} لأن أصل كفرهم بالقرآن ناشىء عن تمسكهم بالكفر وعن تطبعهم بالاستكبار والإعراض عن دعوة الحق. والافتتاح باسم الجلالة دون الضمير الذي يعود إلى { أية : ربك } تفسير : [الرعد: 1] لأنه معيّن به لا يشتبه غيره من آلهتهم ليكون الخبر المقصود جارياً على معيّن لا يحتمل غيره إبلاغاً في قطع شائبة الإشراك. و{الذي رفع} هو الخبر. وجُعل اسماً موصولاً لكون الصلة معلومة الدلالة على أن من تثبت له هو المتوحد بالربوبية إذ لا يستطيع مثل تلك الصلة غير المتوحد ولأنه مسلم له ذلك {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} تفسير : [لقمان: 25]. والسماوات تقدمت مراراً، وهي الكواكب السيارة وطبقات الجو التي تسبح فيها. ورفعها: خلقها مرتفعة، كما يقال: وَسّعْ طوقَ الجُبة وضيّقْ كمها، لا تريد وسعه بعد أن كان ضيقاً ولا ضيقه بعد أن كان واسعاً وإنما يراد اجْعَلْه واسعاً واجعله ضيقاً، فليس المراد أنه رفعها بعد أن كانت منخفضة. والعَمَد: جمع عماد مثل إهاب وأهَب، والعماد: ما تقام عليه القبة والبيت. وجملة {ترونها} في موضع الحال من {السماوات}، أي لا شبهة في كونها بغير عمد. والقول في معنى {ثم استوى على العرش} تقدم في سورة الأعراف وفي سورة يونس. وكذلك الكلام على {سخر الشمس والقمر} في قوله تعالى: {أية : والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} تفسير : في سورة الأعراف (54). والجري: السير السريع. وسير الشمس والقمر والنجوم في مسافات شاسعة، فهو أسرع التنقلات في بابها وذلك سيرها في مداراتها. واللام للعلة. والأجل: هو المدة التي قدرها الله لدوام سيرها، وهي مدة بقاء النظام الشمسي الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت القيامة. والمسمّى: أصله المعروف باسمه، وهو هنا كناية عن المعيّن المحدّد إذ التسمية تستلزم التعيين والتمييز عن الاختلاط. {يُدَبَّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} جملة {يدبر الأمر} في موضع الحال من اسم الجلالة. وجملة {يفصل الآيات} حال ثانية تُرك عطفها على التي قبلها لتكون على أسلوب التعداد والتوقيف وذلك اهتمام باستقلالها. وتقدم القول على {يدبر الأمر} عند قوله: { أية : ومن يدبر الأمر } تفسير : في سورة يونس (3). وتفصيل الآيات تقدم عند قوله: { أية : أحكمت آياته ثم فصلت } تفسير : في طالعة سورة هود (1). ووجه الجمع بينهما هنا أن تدبير الأمر يشمل تقدير الخلق الأول والثاني فهو إشارة إلى التصرف بالتكوين للعقول والعوالم، وتفصيل الآيات مشير إلى التصرف بإقامة الأدلة والبراهين، وشأن مجموع الأمرين أن يفيد اهتداء الناس إلى اليقين بأن بعد هذه الحياة حياة أخرى، لأن النظر بالعقل في المصنوعات وتدبيرها يهدي إلى ذلك، وتفصيلَ الآيات والأدلة ينبه العقول ويعينها على ذلك الاهتداءِ ويقرّبه. وهذا قريب من قوله في سورة يونس: { أية : يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذّكرون إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً إنه يبدأُ الخلق ثم يعيده } تفسير : [يونس: 3 - 4]. وهذا من إدماج غرض في أثناء غرض آخر لأن الكلام جار على إثبات الوحدانية. وفي أدلة الوحدانية دلالة على البعث أيضاً. وصيغ {يدبر} و{يفصل} بالمضارع عكس قوله: {الله الذي رفع السماوات} لأن التدبير والتفصيل متجدّد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات. وأما رفع السماوات وتسخير الشمس والقمر فقد تم واستقرّ دفعة واحدة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضاً في أول سورة "لقمان": {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [لقمان: 10]. واختلف العلماء في قوله: {تَرَوْنَهَا} على قولين: أحدهما أن لها عمداً ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روى عنه هذا القول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، كما قاله ابن كثير. وروي عن قتادة أيضاً - أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد اصلاً، وهو قول إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة "الحج" أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله:{أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الحج: 65]. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: {تَرَوْنَهَا} تأكيداً لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفى اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين: الأولى: أن يكون المحكوم عليه موجوداً، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه. الثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، كما أوضحناه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، ومثاله في اللغة قول امرىء القيس: شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا تفسير : أي لا منار له أصلاً حتى يهتدي له، وقوله: شعر : لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : يعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي لا عمد لها حتى تروها، والعمد: جمع عمود على غير قياس، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : وخسيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد تفسير : والصفاح - بالضم والتشديد -: الحجر العريض.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- إن الذى أنزل هذا الكتاب هو الله الذى رفع ما ترون من سموات تجرى فيها النجوم بغير أعمدة تُرى ولا يعلمها إلا الله، وإن كان قد ربط بينها وبين الأرض بروابط لا تنقطع إلا أن يشاء الله، وذلل الشمس والقمر بسلطانه لمنفعتكم، وهما يدوران بانتظام لزمن قدّره الله سبحانه وتعالى، وهو سبحانه يُدَبِّر كل شئ فى السموات والأرض، ويُبَيِّن لكم آياته الكونية رجاء أن توقنوا بالوحدانية. 3- وهو سبحانه الذى بسط لكم الأرض، وجعلها ذلولاً تسيرون فيها شرقاً وغرباً، وجعل فى هذه الأرض جبالا ثابتة وأنهاراً تجرى فيها المياه العذبة، وجعل من ماء هذه الأنهار الثمرات المختلفة التى تتوالد، والأصناف المتقابلة، منها الحلو والحامض، ومنها الأبيض والأسود، وأنه سبحانه يستر النهار بالليل، وأن فى هذا الكون وعجائبه لعلامات بينة تثبت قدرة الله ووحدانيته لمن يتفكر ويتدبر. 4- وإن الأرض ذاتها فيها عجائب، فيها قطع من الأرض يجاور بعضها بعضا، وهى مختلفة التربة مع ذلك، بعضها قاحل، وبعضها خصب، وإن اتحدت التربة، ففيها حدائق مملوءة بكروم العنب، وفيها زرع يحصد، ونخيل مثمر، وهى مجتمعة ومتفرقة، ومع أنها تسقى بماء واحد يختلف طعمها، وإن فى هذه العجائب لدلائل واضحة على قدرة الله لمن له عقل يفكر به.

القطان

تفسير : بغير عمد: العمد جمع عمود وهي السواري. مد الارض: بسطها. رواسي: جبال ثابتة. يغشى الليل النهار: يغطيه ويستره. جنات: بساتين. صنوان وغير صنوان: الصنو، النظير والمثل، وجمعها صنوان. والمراد هنا النخلات الكثيرة يجمعها اصل واحد. وغير صنوان: متفرقات ومن اصول شتى. الأُكُل: ما يؤكل. بعد ان ذَكَر اللهُ تعالى أن أكثر الناس لايؤمنون، بدأ هنا باستعراض آياتِ القدرة، وعجائب الكون الدّالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره، وما في هذا الكون من امور تدل على وجوده ووحدانيته، بعضها سماويّ، وبعضها أرضي. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}. ان الله الذي أنزلَ هذا الكتابَ هو الذي رفع ما ترون من سماواتٍ تجري فيها النجوم بغيرِ أعمدةٍ تُرى ولا يعلمها الى الله، ثم مَلَكَ هذا الكونَ باستيلائه على العرش، وسخّر الشمس والقمر وجعلهما طائعين، فكلُّ يسيرُ في مدارٍ له لوقتٍ معين بنظام عجيب. وهو سبحانه يدبرّ كل شيء، ويبيّن لكم آياتِه الكونيةَ الدالة على القدرة الكاملة والحكمة الشاملة. {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}. حين ترون هذه الآيات مفصّلة منسقة. وبعد ان ذكر سبحانه الدلائل السماوية على وحدانيته أردفها بالأدلة الأرضية فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. وهو سبحانه الذي بسط لكم الأرض، وجعلها متَّسعةً تسيرون فيها شرقا وغربا، وهي لِعظَمِها تظهر مبسوطة مع أنها مكوّرة (وهذا أيضاً من عجائب الكون)، وجعل فيها جبالاً ثابتة راسياتٍ وانهاراً تجري لمنافع الانسان والحيوان. وقد جعل في هذه الأرض زوجين اثنين، ذكراً وأنثى، من كل أصناف الثمرات. ويتم التلقيح بينهما تلقائيا اذا كان في شجرة واحدة او بواسطة الهواء، اذا كانا في شجرتين. وانه تعالى يُلبِس النهارَ ظلمةً الليل فيستره فيصير الجو مظلماً، وكذلك يلبس الليل ضياءَ النهار فيصير الجوُّ مضيئا، ان في هذا الكون وعجائبه لَعلاماتٍ بينّةً تثبت قدرة الله ووحدانيته للذين يتفَكّرون. {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. وفي الارض ذاتها عجائب، فهناك قطع من الأرض يجاور بعضُها بعضا، ولكنها تختلف في التفاضُل، فبعضها قاحل لا يُنبت، وبعضها خِصب جيد التربة ينبت أفضل الثمرات، ومنها صالحةٌ للزرع دون الشجر، وأخرى مجاروة لها تصلُح للشجرة دون الزرع، وفيها زرع من كل نوع وصنف، ونخيل صنوان يجمعها أصلٌ واحد وتتشعب فروعها، وغير صنوانٍ متفرقة مخلتفة الاصول.. وذلك كلُّه يُسقى بماءٍ واحد لكنه يعطي طعوماً مختلفة. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. ويقدّرون قدرةَ الخالق وحكمته وله يشكرون. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب وحفص: "وزرعٌ ونخيل صنوان وغير صنوان" بالرفع والباقون بالجر. وقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم "يُسقى" بالتذكير كما هو في المصحف، وقرأ حمزة والكسائي "يفضّل" بالياء والباقون: "نفضّل" بالنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلآيَاتِ} (2) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَعَظِيمِ شَأْنِهِ، فَقَدْ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ بِدُونِ أَعْمِدَةٍ تَحْمِلُهَا كَمَا يَرَاهَا النَّاسُ وَاضِحَةً لِلْعَيَانِ. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَذَلَّلَهُمَا وَجَعَلَهُمَا طَائِعَيْنِ، وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسِيرُ فِي مَدَارِهِ وَمَسَارِهِ مَا شَاءَ اللهُ لَهُ ذلِكَ، إِلَى أَنْ يَحِينَ الأَجَلُ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهُمَا. وَهُوَ تَعَالَى يُدَبِّرُ أَمْرَالخَلْقِ وَالكَوْنِ، وَيُسَيِّرُ المَوْجُودَاتِ وَفْقَ نِظَامٍ مُحْكَمٍ دَقِيقٍ، لِيَكُونَ ذلِكَ دَلِيلاً وَآيَةً عَلَى الخَلْقِ البَدِيعِ (يُفَصِّلُ الآيَاتِ)... فَإِذَا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَأَدْرَكْتُمُوهُ، فَلَعَلَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِرَبِّكُمْ، وَتُوقِنُونَ بِلِقَائِهِ يَوْمَ المَعَادِ، وَتُدْرِكُونَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى كُلِّ ذلِكَ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَإِحْيَاءِ المَوْتَى مِنَ القُبُورِ. بِغَيْرِ عَمَدٍ - بِغَيْرِ دَعَائِمَ وَأَسَاطِينَ تُقِيمُها. يُدَبِّرُ الأَمْرَ - يُصَرِّفُ العَوَالِمَ كُلَّهَا بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "الله" عَلَمٌ على واجب الوجود؛ مَطْمورة فيه كُلُّ صفات الكمال؛ ولحظةَ أنْ تقول "الله" كأنك قُلْتَ "القادر" "الضار" "النافع" "السميع" "البصير" "المُعْطي" إلى آخر أسماء الله الحسنى. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلُّ عمل لا يبدأ باسم الله هو أبتر ". تفسير : لأن كل عمل لا يبدأ باسمه سبحانه؛ لا تستحضر فيه أنه سبحانه قد سَخَّر لك كُلَّ الأشياء، ولم تُسخِّرْ أنت الأشياء بقدرتك. ولذلك، فالمؤمن هو مَنْ يدخل على أيِّ عمل بحيثية "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ لأنه سبحانه هو الذي ذلَّلَ للإنسان كل شيء، ولو لم يُذلِّلها لَمَا استجابتْ لك أيها الإنسان. وقد أوضح الحق سبحانه ذلك في أمثلة بسيطة؛ فنجد الطفل الصغير يُمسِك بحبل ويربطه في عنق الجمل، ويأمره بأن "ينخّ" ويركع على أربع؛ فيمتثل الجمل لذلك. ونجد البرغوث الصغير؛ يجعل الإنسان ساهراً الليل كُلَّه عندما يتسلل إلى ملابسه؛ ويبذل هذا الإنسان الجَهْدَ الجَهِيد لِيُمسِك به؛ وقد يستطيع ذلك؛ وقد لا يستطيع. وهكذا نعرف أن أحداً لم يُسخِّر أيَّ شيء بإرادته أو مشيئته، ولكن الحق سبحانه هو الذي يذلِّل كُلَّ الكائنات لخدمة الإنسان. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 72]. وأنت حين تُقبِل على أيِّ عمل يحتاج إلى قدرة فتقول: "باسم القادر الذي أعطاني بعض القدرة". وإنْ أقبلتَ على عمل يحتاج مالاً؛ تقول: "باسم الغني الذي وَهَبنِي بعضاً من مال أقضي به حاجاتي". وفي كل عمل من الأعمال التي تُقبِل عليها تحتاج إلى قدرة؛ وحكمة؛ وغِنىً، وبَسْط؛ وغير ذلك من صفات الحق التي يُسخِّر بها سبحانه لك كُلَّ شيء؛ فشاءتْ رحمتُه سبحانه أنْ سَهَّل لنا أن نفتتح أيَّ عمل باسمه الجامع لكل صفات الجمال والكمال "بسم الله الرحمن الرحيم". ولذلك يُسَمُّونه "عَلَمٌ على واجب الوجود". وبقية الأسماء الحسنى صفات لا توجد بكمالها المُطْلق إلاَّ فيه؛ فصارتْ كالاسم. فالعزيز على إطلاقه هو الله. ولكِنَّا نقول عن إنسان ما "عزيزُ قومِه"، ونقول "الغَنيّ" على إطلاقه هو الله، ولكِنْ نقول "فلان غنيّ" و"فلان فقير". وهكذا نرى أنها صفاتٌ أخذتْ مرتبة الأسماء؛ وهي إذا أُطِلقَتْ إنما تشير إليه سبحانه. وعرفنا من قَبْل أن أسماء الله؛ إما أن تكون أسماءَ ذات؛ وإما أن تكون أسماءَ صفات؛ فإنْ كان الاسم لا مقابل له فهو اسمُ ذاتٍ؛ مثل: "العزيز". أما إنْ كان الاسم صفةَ الصفة والفعل، مثل "المُعِز" فلا بُدَّ أن له مقابلاً، وهو هنا "المُذِلّ". ولو كان يقدر أنْ يُعِزَّ فقط؛ ولا يقدر أن يُذِلَّ لما صار إلهاً، ولو كان يضر فقط، ولا ينفع أحداً لَمَا استطاع أن يكون إلهاً، ولو كان يقدر أنْ يَبسُطَ، ولا يقدر أن يقبض لما استطاع أنْ يكون إلهاً. وكل هذه صفات لها مُقَابِلها؛ ويظهر فعْلُها في الغير؛ فسبحانه - على سبيل المثال - عزيزٌ في ذاته؛ ومُعِزٌّ لغيره، ومُذِلٌّ لغيره. وكلمة "الله" هي الاسم الجامع لكل صفات الكمال، وهناك أسماء أخرى علَّمها الله لبعض من خلقه، وهناك أسماء ثالثة سنعرفها إنْ شاء الله حين نلقاه: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23] ونلحظُ أن الحق سبحانه بدأ هذه الآية بالحديث عن العالم العُلْوي أولاً؛ ولم يتحدث عن الأرض؛ فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ..} [الرعد: 2]. وكلمة "رفع" إذا استعملتَها استعمالاً بشرياً؛ تدلُّ أن شيئاً كان في وَضْع ثم رفعتَه عن موضعه إلى أعلى؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ ...} تفسير : [يوسف: 100]. فقد كان أَبَوا يوسف في موضع أقلّ؛ ثم رفعهما يوسف إلى موضع أعلى مما كَانَا فيه، فهل كانت السماء موضوعة في موضع أقلّ؛ ثم رفعها الله؟ لا، بل خلقها الله مرفوعة. ورَحِم الله شيخنا عبد الجليل عيسى الذي قال: "لو قلت: سبحان الله الذي كبَّر الفيل؛ فهل كان الفيل صغيراً ثم كبَّره الله؛ أم خلقه كبيراً؟ لقد خلقه الله كبيراً. وإنْ قلت: سبحان الله الذي صغَّر البعوضة؛ فهل كانت كبيرة ثم صَغَّرها الله؟ لا بل خلقها الله صغيرة". وحين يقول سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ..} [الرعد: 2]. فهذا يعني أنه خلقها مرفوعة، وفي العُرْف البشري نعرف أن مُقْتضى رَفْع أيِّ شيء أَنْ تُوجَد من تحته أعمدة ترفعه. ولكن خلقَ الله يختلف؛ فنحن نرى السماء مرفوعة على امتداد الأفق؛ ويظهر لنا أن السماء تنطبق على الأرض؛ ولكنها لا تنطبق بالفعل. ولم نجد إنساناً يسير في أيِّ اتجاه ويصطدم بأعمدة أو بعمود واحد يُظَنُّ أنه من أعمدة رَفْع السماء؛ وهي مَرْئية هكذا؛ فهل هناك أعمدة غير مَرْئية؛ أم لا توجد أعمدة أصلاً؟. وقد يكون وراء هذا الرَّفْع أمر آخر؛ فقد قلنا: إن الشيء إذا رُفع؛ فذلك بسبب وجود ما يُمسكه أو ما يَحْمله؛ وسبحانه يقول في أمر رفع السماء: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الحج: 65]. فإذا كانت مَمْسُوكة من أعلى؛ فهي لا تحتاج إلى عَمَد، وقوله الحق: (يمسك) يعني أنه سبحانه قد وضع لها قوانينها الخاصة التي لم نعرفها بَعْدُ. وقد قام العلماء المعاصرون بمَسْح الأرض والفضاء بواسطة الأقمار الصناعية وغيرها، ولم يجدوا عَمَداً ترفع السماوات أو تُمْسِكها. والمهندسون يتبارَوْنَ في عصرنا لِيرفعوا الأسْقُفَ بغير عَمَدٍ؛ لكنهم حتى الآن؛ ما زالوا يعتمدون على الحوائط الحاملة. وهكذا نعلم أنه سبحانه إمَّا أنه حمل السماء على أعمدة أدقّ وألطفَ من أن تراها أعيننا؛ ولذلك نراها بغير أعمدة، أو أنها مرفوعة بلا أعمدة على الإطلاق. و"عَمَد" اسم جمع - لا جمع - ومفردها "عمود" أو "عِمَاد" وقد جاءتْ هذه الآية بمثابة التفسير لِمَا أُجمِل في قول الحق سبحانه في سورة يوسف: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. وجاء سبحانه هنا بالتفصيل؛ فأوضح لنا أنه: {رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..} [الرعد: 2]. أي: لا ترونها أنتم بِحُكْم قانون إبصاركم. ولا تعجب من أنْ يوجد مخلوق لا تراه؛ لأن العينَ وسيلة من وسائل الإدراك، ولها قانون خاص؛ فهي ترى أشياء ولا ترى أشياء أخرى. هذا بدليل أنك إذا نظرتَ إلى إنسان طوله مِتْران يتحرك مُبْتعداً عنك؛ تجد يَصْغُر تدريجياً إلى أن يتلاشى من مجال رؤيتك؛ لكنه لا يتلاشى بالفعل. وهذا معناه أن قانون إبصارك مَحْكوم بقانون؛ له مدىً مُحدّد. وهناك قوانين أخرى مثل: قانون السمع؛ وقانون الجاذبية؛ وقانون الكهرباء؛ وكلها ظواهر نستفيد بآثارها، ولكِنّا لا نراها، فلا تعجب من أن يوجد شيء لا تدركه؛ لأن قُوَى إدراكك لها قوانين خاصة. ويشاء الحق سبحانه أن يُدلِّل على صدق ذلك بأن يجعل ما يكتشفه العلماء في الكون من أشياء وقُوىً لم تكُنْ معروفة من قبل؛ ولكننا كنا نستفيد منها دون أن ندري؛ مما يدلُّ على أن إدراك الإنسان غَيْرَ قادر على إدراك كل شيء. وذلك يوضح لنا أن رؤيتنا للسماء مرفوعة بغير عَمَد نراها؛ قد يعني وجود أعمدة مصنوعة بطريقة غير معروفة لنا؛ أو هي مرفوعة بغير عَمَدٍ على الإطلاق. وقول الحق سبحانه: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..} [الرعد: 2]. هو كلام خبري، والمثل من حياتنا حين تقول لابنك: "أنا خارج إلى العمل؛ وذاكر أنت دروسك"، وبذلك تكون قد أوضحتَ له: "ذاكر دروسك" وهذا كلام خبريّ؛ لكن المراد به إنشائيّ. وإبراز الكلام الإنشائي في مَقَام الكلام الخبري له مَلْحظ، مثلما تقول: "فلان مات رحمه الله" وقولك "رحمه الله" كلام خبريّ؛ فأنت تخبر أن الله قد رحمه. على الرغْم من أنك لا تدري: هل رحمه الله أم لا؛ ولكنك قلت ذلك تفاؤلاً أن تكون الرحمةُ واقعة به، وكان من الممكن أن تقول: "مات فلان يا ربِّي ارحمه"، وأنت بذلك تطلب له الرحمة. كذلك قول الحق سبحانه: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..} [الرعد: 2]. أي: دَقِّقوا وأمعِنُوا النظر إليها، وابحثوا فيما يعينكم على ذلك إن استطعتم، وإذا لفتَكَ المتكلم إلى شيء لِيُحرِّك فيك حواسَّ إدراكك فمعنى ذلك أنه واثقٌ من صَنْعته. والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى، وسبحانه مُنزَّه عن أن يكون له مثل - حين تدخل لتشتري صُوفاً؛ فيقدم لك البائع قماشاً؛ فتسأله: "هل هذا صوف مائة في المائة؟" فيقول لك البائع: "نعم إنه صوف مائة في المائة، وهاتِ كبريتاً لنشعل فتلة منه لترى بنفسك". ويوضِّح الحق سبحانه هنا: أن السماوات مرفوعة بغير عَمَدٍ، وانظروا أنتم؛ بمَدِّ البصر، ولن تجدوا أعمدة على هذا الامتداد، وضمان عدم وجود أعمدة مُتحقِّق لك ولغيرك على مدى أفُق أيٍّ منكم. ولكُلِّ إنسان أُفُقه الخاص على حسب قدرة بصره، فهناك مَنْ تنطبق السماء على الأرض أمام عيونه؛ فنقول له: أنت تحتاج إلى نظارة طبية تعالج هذا الأمر. فالآفاق تختلف من إنسان إلى آخر، وفي التعبير اليومي الشائع يقال: "فلان ضَيِّق الأفق لا يرى إلا ما تحت قدميْه". ولقائل أن يقول: إن هذا يحدث معي ومع مَنْ يعيشون الآن؛ ولا أحد يرى أعمدة ترفع السماوات؛ فهل سيحدث ذلك مع مَنْ سيأتون من بعدنا؟ ونقول: لقد مسحتْ الأقمار الصناعية من الفضاء الخارجي كل مساحات الأرض؛ ولم يجد أحدٌ أية أعمدة ترفع السماء عن الأرض. وهذا دليل صدق القضية التي قالها الحق سبحانه في هذه الآية: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..} [الرعد: 2]. والسماوات جمع "سماء" وهي كل ما عَلاَك فأظلَّك، والحق سبحانه يقول: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ..} تفسير : [البقرة: 22]. ونعلم أن المطر إنما نزل من السُّحُب التي تعلو الإنسان، وتبدو مُعلَّقة في السماء، وإذا أُطِلقتْ السماء انصرفت إلى السماء العليا التي تُظلِّل كل ما تحتها. وحين أراد الناس معرفة كُنْه السماء، وهل لها جِرْم أم ليس لها جِرْم؛ وهل هي امتداد أجواء وهواء؟ لم يتفق العلماء على إجابة. وقد نَثَر الحقُّ سبحانه أدلة وجوده، وأدلة قدرته، وأدلة حكمته وأدلة صَنْعته في الكون؛ ثم أعطاك أيها الإنسان الأدلة في نفسك أيضاً؛ وهو القائل سبحانه: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. وانظر إلى نفسك تجد العلماء وهم يكتشفون في كل يوم شيئاً جديداً وسِرّاً عجيباً، سواء في التشريح أو علم وظائف الأعضاء. وسوف تعجب من أمر نفسك، وأنت ترى تلك الاكتشافات التي كانت العقول السابقة تعجز عن إدراكها، وقد يُدرَك بعضها الآن، ويُدرَك بعضها لاحقاً. وإدراكُ البعض للمجهول في الماضي يُؤذِن بأنك سوف تدرك في المستقبل أشياء جديدة. وإن نظرت خارج نفسك ستجد قول الحق سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. ومعنى {أية : سَنُرِيهِمْ ..} تفسير : [فصلت: 53]. أن الرؤية لا تنتهي؛ لأن "السين" تعني الاستقبال، ومَنْ نزل فيهم القرآن قرءوها هكذا، ونحن نقرؤها هكذا، وستظل هناك آيات جديدة وعطاءٌ جديد من الله سبحانه إلى أن تقوم الساعة. وسبحانه القائل: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. وأنت حين تفكر في خَلْق السماوات والأرض ستجده مسألة غايةً في الضخامة؛ ويكفيك أن تتحيّر في مسألة خَلْقك وتكوينك؛ وأنت مجرد فرد محدود بحيّز، ولك عمر محدود ببداية ونهاية، فما بَِالُك بخَلْق السماوات والأرض التي وُجِدَت من قَبْلك، وستستمر من بعدك إلى أن تنشقَّ بأمر الله، وتتكسر لحظتها النجوم. ولا بُدَّ أن خَلْق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالسماوات والأرض تشمل الكون كله. وحين تُحدَّث عنها إياك أن تخلط فيها بوهمك؛ أو بتخمينك؛ لأن هذه مسألة لا تُدرك في المعامل، ولا تستطيع أن تُجرِي تحليلات لمعرفة كيفية خَلْق السماوات والأرض. ولذلك عليك أنْ تكتفي بمعرفة ما يطلبه منك مَنْ خلقها؛ وماذا قال عنها، وتذكر قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} تفسير : [ الإسراء: 36]. وقد حجز الحق سبحانه عن العقول المتطفلة أمرين؛ فلا داعي أن تُرهِق نفسك فيهما: الأمر الأول: هو كيفية خَلْق الإنسان؛ وهل كان قرداً في البداية ثم تطوَّر؟ تلك مسألة لا تخصُّك، فلا تتدخل فيها بافتراضات تؤدي بك إلى الضلال. والأمر الثاني: هو مسألة خَلْق السماوات والأرض فتقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس، ومثل هذا الكلام لا يستند إلى وقائع. وتذكر قول الحق سبحانه: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ..} تفسير : [الكهف: 51]. ولو كان الحق سبحانه قد أراد أن تعلم شيئاً عن تفاصيل هذين الأمرين لأشهد خلقهما لبعض من البشر، لكنه سبحانه نفى هذا الإشهاد؛ لذلك ستظل هذه المسألة لُغْزاً للأبد؛ ولن تَحُلَّ أنت هذا اللُّغْز أبداً؛ بل يحلُّه لك البلاغ عن الحقِّ الذي خلق. وقد أوضح لك أنه قد خلقك من طين، ونفخَ فيك من روحه، فاسمع منه كيفية خَلْقك وخَلْق الكون كله. ويدل الإعجاز البياني في القرآن على أن بعضاً مِمَّنْ يملكون الطموح العقلي أرادوا أن يأخذوا من القرآن أدلة على صِحَّة تلك النظريات التي افترضها بعض من العلماء عن خَلْق الإنسان وخَلْق الأرض، فيبلغنا الحق سبحانه مقدَّماً ألاّ نصدقهم. ويقول لنا: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. والمُضِلّ هو مَنْ يُضِلُّك في المعلومات، هكذا أثبت لنا الحق سبحانه أن هناك مُضلِّين سيأتون ليقولوا كلاماً افتراضياً لا أساسَ له من الصِّحة. وأوضح لنا سبحانه أن أحداً لم يتلصَّصْ عليه، ليعرف كيفية خَلْق الشمس أو الأرض، ومَنْ يدعي معرفة ذلك فهو من المُضلِّين؛ لأنهم قَفَوْا ما ليس لهم به علم. وما دام الحق سبحانه قد قال ذلك، فنحن نُصدِّق ما قال. وقد أثبتت التحليلات صِدْق ما قاله سبحانه عن خَلْق الإنسان، فسبحانه قد خلق الكون أولاً، ثم خلق السيد لهذا الكون وهو الإنسان، وكل الكون مُسخَّر للإنسان ويخدم هذا الخليفة في الأرض، وكل ما في الكون يسير بنظام وانتظام. والمُتمرِّد الوحيد في الكون هو الإنسان، فيأتي الحقُّ سبحانه إلى هذا المتمرِّد؛ ليجعل الآية فيه؛ وليثبت صِدْق الغيب في الأرض. وأوضح سبحانه أنه خلق آدم من الطين؛ والإنسان من نسل آدم الذي سَوَّاه الله، ونفخ فيه من روحه، وبعد ذلك أمر الملائكة؛ من المُدبِّرات أمراً ومن الحَفَظة؛ أنْ تسجدَ للإنسان. وهذا السجود هو إعلان الطاعة لأمر الله بخدمة الإنسان. هذا الذي بدأت حكاية خَلْقه من تراب، ثم خُلط التراب بالماء؛ ليصير طيناً؛ ثم تُرِكَ قليلاً ليصير حَمَأً مَسْنوناً؛ ثم يجفّ الحَمأ المسنون ليصير صَلْصالاً كالفخَّار؛ ثم ينفخ فيه الحق بالروح. فإذا ما انتهى الأجل؛ فأول ما يُنقض هو خروج الروح؛ ثم يتصلَّب الجثمان، وبعد أن يُوارَى التراب يصير الجثمان رِمّة؛ ثم يتسرَّب الماء الموجود في الجثة إلى الأرض، وتبقى العظام إلى أن تتحول هي الأخرى إلى تراب. وهكذا يتحقق نَقْضُ كل بناء؛ فما يُبنى في نهاية أيِّ بناء هو ما يُنقض أولاً، وهكذا يتأكد لنا صدق الحق سبحانه حين نرى صدق المقابل فيما أخبرنا به سبحانه عن كيفية الخلق. وعندما يُخبِرنا الحق سبحانه أن كيفية خَلْق السماوات والأرض ليست في مُتَناولنا؛ فقد أعطانا من قبل الدليل على صِدْق ما جاء به، فيما أخبرنا به عن أنفسنا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ..} [الرعد: 2]. وكلمة "السماوات" في اللغة جمع، وفي آية أخرى، يقول سبحانه: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ..} تفسير : [فصلت: 12]. وقديماً كانوا يقولون: إن المقصود بالسبع سماوات هو الكواكب السبعة: الشمس، والقمر، وعطارد، والزهرة، والمريخ، والمُشْتري. وشاء سبحانه أن يُكذِّب هذا القول وأصحابُه أحياء؛ فرأى علماء الفلك كواكبَ أخرى مثل: نبتون وبلوتو؛ وكان في ذلك لَفْتة سماوية لِمَنْ قالوا: إن المقصود بالسماوات السبع هو الكواكب السبعة. وقد قالوا هذا القول بحُسْن نية وبرغبة في رَبْط القرآن بالعلم؛ لكنهم نَسُوا أن يُدقِّقوا الفهم لِمَا في كتاب الله، فسبحانه قد أوضح أن الشمس والقمر والكواكب زينة السماء الدنيا، فما بالُنَا بطبيعة وزينة بقية السماوات؟ ويتابع سبحانه: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ..} [الرعد: 2]. وهذه قضية هي أهمُّ قضية كلامية ناقشها علماء الكلام؛ قضية الاستواء والعرش، وحتى نفهم أيَّ قضية لا بُدَّ أن نُحلِّل ألفاظها لنتفقَ على معانيها، ثم نبحثها جملة واحدة، لكن أن نجلس لنتجادل ونحن غير مُتوارِدين ومتفقين على فَهْم واحد؛ فهذا أمرٌ لا يليق. ولننظر الآن معنى "الاستواء" ومعنى "العرش"، ونحن حين نستقرئ كلمة "استوى" في القرآن نجدها قد وردتْ في آيات متعددة. وجاءت مرّة واحدة بمعنى الاستواء. أي: النضج، في قول الحق سبحانه: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ..} تفسير : [القصص: 14]. أي: أنه قد بلغ نُضْجه الكماليّ، ويستطيع أن يكون رجلاً صالحاً لممارسة ما يُبقِي نوعه، وإنْ تزوج فلسوف يُنجِب مثله؛ وهذا استواء لمخلوق هو الإنسان. ومرة أخرى يقول القرآن: {أية : ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النجم: 6-7] والمعنى هنا هو: صعد؛ والمقصود هو صعود محمد وجبريل عليهما السلام إلى الأفق الأعلى. وهناك قوله الحق: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ..} تفسير : [البقرة: 29]. أي: أنه سبحانه قد استوى إلى السماء؛ وإياك أن تظن أن استواءه سبحانه إلى السماء مساوٍ لاستواء البشر؛ لأننا قُلْنا من قبل: إن كل شيء بالنسبة لله إنما نأخذه في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. وبذلك يكون استواؤه سبحانه إلى السماء هو استواء يليق بذاته، والاستواء المطلق شيء مختلف عن الاستواء على العرش. وهكذا نجد استواءً لغير الله من إنسان؛ وهناك استواء لغير الله من إنسان ومن ملك؛ وهناك استواء من الله إلى غير العرش. وبجانب ذلك هناك استواء على العرش. وقد وردَ الاستواء على العرش في سبعة مواقع بالقرآن؛ في: سورة الأعراف؛ وسورة يونس؛ والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد. وورد ذكر العرش في القرآن بالنسبة لله واحداً وعشرين مرَّة، وورد بالنسبة لبلقيس أربع مرات؛ فهو القائل سبحانه: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23]. وقال: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ..} تفسير : [النمل: 38]. ثم قال: {أية : نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ..} تفسير : [النمل: 41]. وقال: {أية : أَهَكَذَا عَرْشُكِ ..} تفسير : [النمل: 41]. وبالنسبة ليوسف قال سبحانه: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ ..} تفسير : [يوسف: 100]. وإيَّاك أن تأخذ الاستواء بالنسبة لله على أن معناه "النُّضْج"؛ لأن النُّضْجَ إشعارٌ بكمالٍ سَبقه نَقْصٌ. ولذلك نجد العلماء المُدقِّقين قد عَلِمُوا أن ذِكْر استواء الله على العرش قد ورد في سبعة مواضع بالقرآن الكريم وقالوا: شعر : وَذِكْرُ اسْتواءِ اللهِ فِي كَلِمَاتِه عَلى العَرْشِ في سَبْعِ مَوَاضِع فَاعْدُدِ فَفِي سُورَةِ الأعْرَافِ ثُمَّةَ يُونُسَ وَفِي الرَّعْدِ مع طَه فَلِلْعَدِّ أَكِّدِ وَفِي سُورَةِ الفُْرقَانِ ثُمَّة سَجْدة كَذَا في الحدِيدِ افْهمْهُ فَهْم مُؤيَّدِ تفسير : وقالوا في المعنى: شعر : فَلَهُمْ مَقالاتٌ عَليْهَا أَرْبعة قََدْ حُصِّلَتْ لِلْفارسِ الطَّعَّانِ وَهي اسْتقرَّ وقَدْ عَلاَ وَكذلِكَ ارتَفَع مَا فِيهِ مِنْ نُكْرانِ وَكَذاكَ قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رَابِعٌ بِتمَامِ أمْرٍ مِنْ حِمَى الرَّحمَانِ تفسير : والصعود إلى العرش هو حركة انتقال من وضع إلى وضع لم يَكُنْ فيه. وهكذا نجد أن المعاني التي تتمشَّى مع الاستواء في عُرْفنا البشري لا تتناسب مع كمال الله. واختلف العلماء: قال واحد منهم: "سآخذ اللفظ كما قاله الله". ونردُّ على هذا بسؤال: وهل يمكنك أن تُغَيِّبَ: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. طبعاً، لا أحدَ يستطيع ذلك، وعليك أن تأخذ كل فَهْمٍ لشيء يخصُّ الذات العَلية في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. ولذلك نجد أهل الدِّقة يقولون: "الاستواء معلوم، والكَيْف مجهول، والسؤال عنه بدعة". فنحن نعلم معنى الاستواء؛ ولكن كيفية استواء الله مجهولةٌ بالنسبة لنا، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألوا عن تلك الكيفية، رغم أنهم سألوا عن كثير من الأمور. وهناك آيات متعددة تبدأ بقول الحق سبحانه: {أية : يَسْأَلُونَكَ ..} تفسير : [البقرة: 189]. وكان السؤال وارداً بالنسبة لهم؛ لكنهم بملكتهم العربية الفطرية قد فَهِموا الاستواء كشيء يناسب الله، فلم يسألوا عنه. وجاء السؤال من المتأخرين الذين تمحَّكوا، فقال واحد: سآخذ الألفاظ بمعناها؛ فإن قال: إن له صعوداً؛ فهو يصعد، وإنْ قال: إن له استواء فهو يستوي. ولِمَنْ قال ذلك نردُّ عليه: إن ما تقوله صالحٌ للأغيار، ولا يليق أن تقول ذلك عن الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر. وإذا سألتَ عن معنى كلمة "استواء" فهو "استتب له الأمر". وهل كان الأمر غير مستتب له سبحانه؟ ونقول: نحن نعلم أن لله سبحانه وتعالى صفات متعددة، وهذه الصفات كانت موجودة قبل أن يخلق الله الخَلْق والكون؛ فسبحانه موصوفٌ أنه خالق قبل أنْ يخلق الخَلْق، ومُعِزٌّ قبل أن يخلق مَنْ يُعزّه، ومُذِلّ قبل أنْ يخلق مَنْ يُذِلّه، وله سبحانه صفاتُ الكمال المُطْلق. وبهذه الصفات خلق الخلق، يقول الحق: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50]. وكذا نؤمن بأن صفة الخَلْق كانت في ذاته قبل أن يخلق خَلْقه، وحين خلق سبحانه السماوات والأرض أبرز الصفة التي كانت موجودة فيه وليس لها مُتعلِّق؛ فأوجد هو سبحانه المُتعلِّق، وهكذا استتبَّ له الأمر سبحانه. إذن: إذا ذُكِر استواءُ الله، فهذا يعني تمامَ المُرَاد له، فصار للصفات التي كانت فيه، وليس لها مُتعلِّق أو مَقْدُور؛ مُتعلِّق ومَقْدور. وإذا وُجِدَتْ هذه الصفة في البشر مثل بلقيس التي وصفها سبحانه: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23]. فهي تختلف عن صِفَة الله؛ لأنها لم تجلس على العرش إلا بعد أن خلقها الله، ولا يستتب الأمر لملك أو ملكة إلا بمتاعب ومعارك، وقد ينشغل هذا الشخص في معارك وحروب، ثم يستتبّ له الأمر. وهكذا يختلف استواءُ الله عن استواءِ خَلْق الله، وإذا ذُكر استواء الله على العرش؛ فنحن نُنزِّه الله عن كل استواء يناسب البشر، ونقول: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. واستواؤه هو تمام الأمر له، لأن أمره صادر، وعند تحقيق أمره في توقيته المراد له يكون تمام الأمر، وتمام الأمر استواؤه، أما كلمة "العرش" فنحن نجدها في القرآن بالنسبة لله. إما مُضَافاً لاسم ظاهر: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ ..} تفسير : [الحاقة: 17]. وإما مُضَافاً للضمير المخاطب أو الغائب: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ ..} تفسير : [هود: 7]. وإما مضافاً للتنسيب: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 7]. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ..} [الرعد: 2]. والتسخير هو طلب المُسخِّر من المُسخَّر أن يكون كما أراده تسخيراً، بحيث لا تكون له رغبة، ولا رَأْي، ولا هَوَى، والتسخير ضِدُّه الاختيار. والكائن المُسخَّر لا اختيارَ له، أما الكائن الذي له اختيار فهو إنْ شاء فعل، وإنْ شاء لم يفعل. وقُلْنا قديماً: إن الحق سبحانه قد خَيَّرَ الإنسان: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. وبذلك قَبِل الإنسان أداء الأمانة وَقْتَ أدائها؛ لا وَقْتَ تحمُّلها، ووقت الأداء غير وقت التحمُّل، وضربتُ المَثَل بمَنْ يقول لصديقه "عندي ألف جنيه؛ وأخاف أنْ يضيعوا مِنِّي؛ فاحفظهم لي معك؛ وحين أحتاجهم اعْطِهمْ لي". ويقول الصديق: "هَاتِ النقود وسأُعطِيها لك وقت أنْ تطلبها". والصديق صادقٌ وقت تحمُّل الأمانة؛ لكن ظروفاً تمرُّ عليه، فيتصرَّف في هذه الأمانة؛ وحين يطلبها صاحبها؛ قد يعجز حامل الأمانة عن رَدِّها، وهو بذلك ضَمِنَ نفسه وقت التحمُّل؛ لكنه لم يضمن نفسه وقت الأداء. وكان من الواجب عليه أن يقول لصديقه لحظةَ أنْ طلب منه ذلك: "أرجوك، ابتعد عنِّي لأنِّي لا أضمن نفسي وَقْت الأداء". وقد أَبَتِ السماء والأرض والجبال تحمُّل الأمانة وَقْت عَرْضِها؛ وقَبِلتْ كل منهم التسخير؛ فلا الجبال ولا السماوات ولا الأرض لها قدرة الاختيار، ولا هَوى لأيٍّ منها في هذه القدرة؛ مثلها في ذلك مثل كل أجناس الكون ما عدا الإنسان؛ ولم نجد فساداً في الأرض قد نشأ من ناحية المُسخَّرات. أما الإنسان فقد قَبِل تحمُّل الأمانة؛ لأن له عقلاً يُفكِّر ويختار؛ ومن الاختيار ونتيجة للهوى جاء الفساد في الكون، ولو أقبل الإنسان على العمل وكأنه مُسخَّر خاضع لمنهج الله؛ لاستقام عمل الإنسان مِثْلما يستقيم عَمَلُ كل الكائنات المُسخَّرة بأمر الله. فإنْ أردتم أن تستقيمَ أموركم فيما لكم فيه اختيار، فطبِّقوا قول الحق سبحانه: {أية : أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ *وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 8-9]. وانظروا ماذا يطلب الحق منكم في منهجه، فإنْ نفَّذتم المنهج تَسْتقِمْ أموركم، كما استقامتْ الكائنات المُسخَّرة. ولا يأتي الخَلَل إلا من أننا نحن البشر نقوم ببعض الأعمال باختيارنا، وتكون مخالفة لمنهج المُشرِّع، أما إذا كنا نؤدي أعمالنا ونضع نُصْب أعيننا قول الحق سبحانه: {أية : أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} تفسير : [الرحمن: 8]. فلسوف تكون أعمالنا مُطابِقة لمنهج الله، وسنجد في أعمالنا ما يَسرُّنا مثل سرورنا حين نجد الأفلاك منتظمة بدقة وحساب. إذن: فالفساد لا يأتي إلا من الاختيار غير المُرْتجي لمنهج مَنْ خلق فينا الاختيار، وإن كنت تريد أن تكون مختاراً؛ فعليك أن تلتزم بمنهج مَنْ خيَّرك. ولذلك نجد الصالحين من خَلْق الله قد ساروا على منهج ربهم؛ والتزموا باختيار مراد ربهم فيما لهم فيه اختيار؛ فصاروا وكأنهم مُسخَّرون لمُرَادات الله. وهؤلاء يسمُّونهم "العباد" لا "العبيد"؛ فكل مملوك لله من العبيد؛ آمن به أو كفر؛ أطاع أو عصى؛ أما العباد فَهُمْ مَنْ جعلوا مرادات الله هي اختيارهم، يقول تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. هؤلاء هم مَنِ اتجهوا بالاختيار إلى ما يختاره لهم الله. ونجد الحق سبحانه يقول في الملائكة: {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26-27]. وإذا ما التزم العبد بمنهج ربه في حال الاختيار؛ فهو لا يتساوى مع الملائكة فقط، بل قد يسمو عنهم؛ لأنهم مَقْهورون بالتسخير؛ بينما تتمتع أنت بالاختيار؛ وآثرْتَ منهج ربك. ويقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أية : وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} تفسير : [لقمان: 29]. ولحظةََ تجد التنوين مثل "كلٌّ" فهذه يعني كُلاّ من السابق. أي: الشمس والقمر. أما الجَرْي إلى أَجَلٍ مُسمّى؛ فيقتضي مِنَّا أن نفهم معنى الجَرْي؛ وهو تقليل الزمن عن المسافة. فحين تريد الوصول إلى مكان مُعيَّن فقد تمشي الهُوَيْنا؛ لِتَصِلَ في ساعة زمن، وقد تجري لتقطع نفس المسافة في نصف ساعة؛ والجَرْي بطبيعة الحال ملحوظ مِمَّن يراك. لكن: هل يرى أحدنا الشمس وهي تجري؟ لا، لأنها تجري في ذاتها؛ ويُسمَّى هذا النوع من الجري "جري انسيابي". أي: لا تدركه بالعين المجردة، وهناك ما يُسمّى "انتقال قفزي"، وهناك ما يُسمّى "انتقال انسيابي". وانظر إلى عقارب الساعة؛ ستجد عقربَ الثَّواني أسرعَ من عقرب الدقائق الذي يبدو ساكناً رغم أنه يتحرك؛ وأنت ترى حركة عقرب الثواني؛ لأنها تتم قَفْزاً؛ بينما لا ترى حركة عقرب الدقائق؛ لأنه يتحرك تِبَعاً لدورة هادئة من التروس داخل الساعة؛ وكل جزئية في حركة التُّرْس الخاص بعقرب الدقائق تتأثر بحركة تُرْس عقرب الثَّواني؛ والحركة القفزية لعقرب الثواني تتحول إلى حركة انسيابية في عقرب الدقائق. وحركة كل من العقربين تتحول إلى حركة أكثر انسيابية في عقرب الساعات، وهذا يعني أن كل جزئية من الزمن فيها جزئية من الحركة. وحتى في النمو بالنسبة للإنسان أو الحيوان أو النبات، تجد عملية النمو غير ظاهرة لك؛ لأن الكائن الذي ينمو إنما ينمو بقدر بسيط غير ملحوظ، وهذا القدر البسيط شائع في اليوم كله. وإن أردتَ أن تعرف هذه المسألة أكثر، انظر إلى الظل، وأنت ترى الظل واضحاً ساعةََ سطوع الشمس، ثم ينحسر الظل بانحسار الشمس. واقرأ قول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} تفسير : [الفرقان: 45]. أي: أن الظل متحرك وغير ثابت، وكل جزئية من الزمن تؤثر في حركة الشمس، فيتأثر بها الظل. وهكذا يجب أن نُفرِّق بين الحركة القفزية والحركة الانسيابية، وحين تقدمنا في العلم نجدهم يقولون: "سنزيد من الحركة الانسيابية عن الحركات القفزية". وهنا يقول الحق سبحانه: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى ..} [الرعد: 2]. والأجل هو المدة المحدودة للشيء؛ وهي محدودة زمناً إنْ أردنا ظرف الزمان؛ أو محدودة بالمسافة إن أردنا المكان. والمقصود هنا بالأجل؛ إما الأجل النهائي لوجود الشمس والقمر؛ ثم إذا انشقتْ السماء كُوِّرتْ الشمس، وانكدرت النجوم. أو: أن المقصود هنا بالأجل هو للتعبير عن عملها اليومي. وقد عرفنا أن هناك مطالع متعددة للشمس، وعلى الرغم من أن المشرق له جهة عامة واحدة؛ لكن المطالع مختلفة، بدليل أن قدماء المصريين أقاموا في بعض المعابد طاقاتٍ وفتحاتٍ في البناء. فتطلع الشمس كُلَّ يوم من أحد هذه الطاقات؛ فكل يوم توجد لها منزلة مختلفة عن اليوم السابق، وتظل تقطعها، ثم تعود مرة أخرى، وتفعل ذلك إلى أجل مُسمّى أي يومياً. ونُسمِّي نحن تلك المنازل "البروج" كبرج الحَمَل؛ والجَدي؛ والثور؛ والأسد؛ والسنبلة؛ والقوس؛ والحوت؛ ونحن نرصد هذه الأبراج كوسيلة لمعرفة أحوال الطقس من حرارة، وبرودة، ومطر، وغير ذلك، ذلك أن كُلَّ برج له زمن، ويمكن تعريف أحوال الجو خلال هذا الزمن بدقة. ولكن بعضاً من تصرفات الإنسان تفسد عملية التحديد الدقيق في الكون، مثلما يشعل البعض الحرائق في الغابات؛ فتحرق النار الأكسوجين الذي يحتاجه البشر والحيوانات للتنفس، ويحاول الغلاف الجوي أن يتوازن، فيشُدّ كميات من الهواء من منطقة أخرى، فيختلّ ميزان الطقس لأيام. وكذلك يفسد الجو من التجارب الذرية التي تُجريها الدول أعضاء النادي الذري؛ تلك التجارب التي تقوم بتفريغ الهواء، فتجعل الطقس غَيْرَ مُسْتقر وغير منضبط؛ وهذا ما يفسد استخدامنا للأبراج كوسيلة لمعرفة تقلُّبات الطقس. وقد أوجز الشاعر تلك الأبراج في قوله: شعر : حَملَ الثورُ جَوْزةَ السَّرطَانِ ورَعَى الليْثُ سُنْبلَ المِيزَان عَقْرب القَوْس جَدْي دَلْو وحُوت مَا عَرفْنَا مِنْ أُمةِ السُّرْيَانِ تفسير : ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]. وسبحانه قد أوضح من أول الآية مسألة رَفْع السماوات بغير عَمَدٍ، واستوائه على العرش، وتسخير الشمس والقمر، وكيف يجري كُلُّ شيء لأجل مُسمّى. وكُلُّ ذلك يتطلب تدبيراً للأمر بعد أن أبرز القدرة؛ ثم يصون ذلك كله، فكما قَدَّر فخلق، فهو يُدبِّر بقيوميته، فهو القائم على كل شيء، وسبحانه كل يوم هو في شَأْن. وأقول هذا المثل لأوضح - لا لأُشبِّه فسبحانه مُنَزَّه عن التشبيه - ونحن نقول: فلان فكَّر أولاً ثم دبَّر، والتفكير هو العملية التي تبحث فيها عن الشيء لإخراج المطلوب منه؛ كأن تأتي بقليل من حبوب القمح لتفركه بيدك لتخرج القمحة من قشرته. هذا هو التفكير الذي يطلب منك أن تبحث وتُنقِّب إلى أن تصل إلى لُبِّ الأشياء. والتدبُّر يقتضي ألاَّ تقتنع بما هداك إليه فكرك في نفس اللحظة، ولكن أن تُمحِّص الأمر لترى ماذا سينتج عن تنفيذ ما وصل إليه فكرك؟ فربما ما فكرتَ فيه يُسعِفك ويُعينك في لحظتِكَ الحالية؛ لكنه سيأتي لك بعَطَبٍ بعد قليل. والمَثَلُ الذي أضربه على مثل هذه الحالة دائماً هو اختراع المُبيدات الحشرية؛ ولم يَفْطِنوا إلى أن هذه المبيدات لا تقتل الحشرات الضارة وحدها، بل تُسمِّم الطيور التي كانت تفيد الفلاح. ووصل الأمر إلى حَدِّ تحريم استخدام هذه المبيدات؛ وجاء هذا التحريم ممن تفاخروا من قَبْل على كل شعوب الأرض باختراعهم لتلك المبيدات، فقد فَطِنوا إلى أنَّ ما جاءهم من خَير عن طريق تلك المبيدات هو أقلُّ بكثير من الضُّرِّ الذي وقع بسببها. وهذا يعني أنهم لم يتدبروا اختراعهم لتلك المبيدات؛ فقاموا بتصنيعها لفائدة عاجلة، دون أن يلتفتوا إلى الخطورة الآجلة، وكان لا بُدَّ لهم أن يتدبروا الأمر، لأن التدبُّر معناه النظر في دُبُر الأشياء. والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24]. أي: لا تنظر إلى واجهة الآية فقط، بل انظر في أعماقها، ولذلك يقول لنا سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ثَوِّروا القرآن". أي: استخرجوا منه الكنوز بالتدبُّر؛ لأن التدبر يحمي من حماقة التفكر، والمثل البسيط المتكرر في بيوتنا هو أننا نغسل أفواهنا بعد تناول الطعام ونتمضمض مِمَّا بَقِي في الفم من بقايا. ونجد من بين هذه البقايا بعضاً من "الفتافيت الصلبة بعض الشيء"، ثم نغسل حوض المياه بتيار متدفق من ماء الصنبور، ونُفَاجأ بعد فترة من الزمن بانسداد ماسورة الصرف الخاصة بالحوض؛ وحين يفتح السباك ماسورة الصرف هذه يجدها مليئة برواسب من بقايا الأطعمة. وأنت حين تمضمضتَ لم تلتفت إلا لنظافة الفَمِ من البقايا، ولم تتدبر أمر تلك البقايا، ولو أنك تدبرتَ ذلك لَقُمْتَ بتركيب ماسورة صرف للحوض أكبر من الماسورة التقليدية الضيقة؛ ولَجعلْتَ صندوق الطرد الخاص بالحوض أكبر من الحجم المعتاد والمُجهَّز لصرف المياه فقط. وهكذا نرى أن الفكر يحثُّك على أن تبحث عن مطلوب لك؛ ولكن عليك أن تنظر وتُدقِّق: هل يحقق لك ما يقترحه عليك فكرك؛ ما يفيدك أم ما يضرك؟ هذا هو التدبُّر، وهو ما نُسمِّيه صيانة الأشياء. ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]. وتفصيل الآيات يعني أنه جعل لكل أمر حُكْماً مناسباً له. ودائماً أقول لمن يسألني عن فتوى؛ ويُلِحّ أن تتوافق الفتوى مع مراده: "نحن لا نُفصِّل الفتوى من أجل هواك؛ لأن ما عندي هي فتاوى جاهزة؛ وعليك أن تضبط مقاسك أنت على الفتوى، لا أن نُفصِّل لك الفتوى على هواك". أقول ذلك؛ لأن المسألة ليست حياة تنتهي إلى العَدَم، ولكن هناك حياة أخرى تُحاسب فيها على كل تصرُّف، فالحق سبحانه هو القائل: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وهو القائل سبحانه أيضاً جَلَّ وعلا: {أية : كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ..} تفسير : [إبراهيم: 18]. ولذلك فعليك أن تُقبِل على كل عمل وأنت مُوقِن بأن هذا العمل لا ينتهي بتركك للحياة الدنيا، ولكن لكل عمل آثاره في حياة باقية، وإذا كانت الدنيا تحمل لك راحة موقوتة أو تعباً موقوتاً، فالراحة في الآخرة باقية أبداً؛ والتعب فيها غير مَوْقوت. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الآية: 2] أَي: بعمد لا ترونها.

زيد بن علي

تفسير : أَخبرنا أبو جعفر، قال: حدَّثنا علي بن أحمد، قالَ: حدَّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ فِي قَولِه تعالى: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} وهو جمع عمود.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له فقال: { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ } على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي: ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها { ثُمَّ } بعد ما خلق السماوات والأرض { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب كماله. { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم، { كُلِّ } من الشمس والقمر { يَجْرِي } بتدبير العزيز العليم، { لأجَلٍ مُسَمًّى } بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طي الله هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات ويبدلها، ويغير الأرض ويبدلها. فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما فيلقيان في النار، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة؛ فيتحسر بذلك أشد الحسرة وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وقوله { يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ } هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره. وينزل الكتب الإلهية على رسله ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، { لَعَلَّكُمْ } بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية والآيات القرآنية، { بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور. وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي المسيئين بإساءتهم. { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ } أي: خلقها للعباد، ووسعها وبارك فيها ومهدها للعباد، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع، { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } أي: جبالا عظاما، لئلا تميد بالخلق، فإنه لولا الجبال لمادت بأهلها، لأنها على تيار ماء، لا ثبوت لها ولا استقرار إلا بالجبال الرواسي، التي جعلها الله أوتادا لها. { وَ } جعل فيها { أَنْهَارًا } تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم، فأخرج بها من الأشجار والزروع والثمار خيرا كثيرا ولهذا قال: { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: صنفين مما يحتاج إليه العباد. { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } فتظلم الآفاق فيسكن كل حيوان إلى مأواه ويستريحون من التعب والنصب في النهار، ثم إذا قضوا مأربهم من النوم غشي النهار الليل فإذا هم مصبحون منتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار. {أية : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون }. تفسير : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } على المطالب الإلهية { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيها، وينظرون فيها نظر اعتبار دالة على أن الذي خلقها ودبرها وصرفها، هو الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، وأنه عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، الحكيم في كل شيء المحمود على ما خلقه وأمر به تبارك وتعالى. ومن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته أن جعل { فِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ } فيها أنواع الأشجار { مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } وغير ذلك، والنخيل التي بعضها { صِنْوَانٌ } أي: عدة أشجار في أصل واحد، { وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } وأرضه واحدة { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ } لونا وطعما ونفعا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ وهذه الثمرة حلوة وهذه مرة وهذه بين ذلك. فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها؟ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم؟ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا.

همام الصنعاني

تفسير : 1348- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: {رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}: [الآية: 2]، قال: رَفَعَها بغيرِ عَمَدٍ تَروْنَها. قال معمر وقال قتادة، قال ابن عباس: رقع السماء بغير عمد ترونها، يقول: لَهَا عمد ولكن لا تروْنَها يعني الأعماد.