١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ }. واعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض وأحوالها من وجوه: الأول: أن الشيء إذا تزايد حجمه ومقداره صار كأن ذلك الحجم وذلك المقدار يمتد فقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } إشارة إلى أن الله سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد ولا أنقص والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً مما هو الآن وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص وتقدير. الثاني: قال أبو بكر الأصم المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ } يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه، لأن الأرض لو كانت أصغر حجماً مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به. والثالث: قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها ودحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا. وقال آخرون: كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها: اذهبي كذا وكذا. اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة وأصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله: { أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 30] وهذا القول مشكل من وجهين. الأول: أنه ثبت بالدلائل أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟ فإن قالوا: وقوله: {مَدَّ ٱلأَرْضَ } ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها؟ قلنا: لا نسلم أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله ألا ترى أنه قال: { أية : وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً } تفسير : [النبأ: 7] فجعلها أوتاداً مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك ههنا. والثاني: أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، والشرط فيه أن يكون ذلك أمراً مشاهداً معلوماً حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع وكونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه. والنوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال وإليه الإشارة بقوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } من فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها يقال: رسا هذا الوتد وأرسيته والمراد ما ذكرنا. واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه، الأول: أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا بد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم. قالت الفلاسفة: هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكانت تتولد في البحر طيناً لزجاً. ثم يقوي تأثير الشمس فيها فينقلب حجراً كما يشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا: وإنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس وحضيضها متحركان، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى، وشدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال، والآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال، هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه الأول: أن حصول الطين في البحر أمر عام ووقوع الشمس عليها أمر عام فلم وصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض. والثاني: وهو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا فسافاً فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض ويبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه. والثالث: أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريب من تسعة آلاف سنة، وبهذا التقدير أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شيء، لكن ليس الأمر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف. والوجه الثاني: من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة ومواضع الجواهر النفيسة وقد يحصل فيها معادن الزاجات والأملاح وقد يحصل فيها معادن النفط والقير والكبريت، فكون الأرض واحدة في الطبيعة، وكون الجبل واحداً في الطبع، وكون تأثير الشمس واحداً في الكل يدل دليلاً ظاهراً على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات والممكنات. والوجه الثالث: من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض، وذلك أن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة، ثم إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر الله الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية، ومثل قوله: { أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّاء فُرَاتاً } تفسير : [المرسلات: 27]. والنوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقة النبات، وإليه الإشارة بقوله: {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الحبة إذا وضعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت وكبرت وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة في الهواء، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض وهذا من العجائب، لأن طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم، والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية، ثم إن الشجرة الثابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشباً وبعضها يكون نوراً وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضاً يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور، فالقشر الأعلى وتحته القشرة الخشبة وتحته القشرة المحيطة باللبنة، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز رطباً وأيضاً فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه حار رطب وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه للطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر القديم. المسألة الثانية: المراد بزوجين اثنين، صنفين اثنين والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض أو الطبيعة كالحار والبارد أو اللون كالأبيض والأسود. فإن قيل: الزوجان لا بد وأن يكون اثنين، فما الفائدة في قوله: {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ }. قلنا: قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص. أما لما قال اثنين علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد. والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ابتدؤا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء، فكذلك القول في جميع الأشجار والزرع، والله أعلم. النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل والنهار وإليه الإشارة بقوله: {يغشي الليل النهار} والمقصود أن الإنعام لا يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما كما قال: { أية : فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً } تفسير : [الإسراء: 12] ومنه قوله: { أية : يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً } تفسير : [الأعراف: 54] وقد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: {يُغْشِى } بالتشديد وفتح الغين والباقون بالتخفيف، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }. واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } أو ما يقرب منه بحسب المعنى، والسبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود، فلهذا المعنى قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكر والتأمل ليتم الاستدلال. واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين: الأول: أن نقول هب أنكم أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية إلا أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ووضعه وخاصيته لا بد أن يكون بتخصيص المقدر القديم والمدبر الحكيم، فقد سقط هذا السؤال وهذا الجواب قد قرره الله تعالى في هذا المقام، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع. ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية. فإن قال قائل: لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحاً في غرضنا. والوجه الثاني: من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية، وذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين والآخرين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} لمّا بيّن آيات السّموات بيّن آيات الأرض؛ أي بسط الأرض طولاً وعرضاً. {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت؛ واحدها راسية؛ لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت؛ والإرساء الثّبوت؛ قال عَنْتَرَة:شعر : فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لذلك حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ تفسير : وقال جميل:شعر : أُحِبُّها والذي أَرْسَى قواعِدَهُ حُبًّا إذا ظَهَرَت آياتُه بَطَنَا تفسير : وقال ٱبن عباس وعطاء: أوّل جبل وُضع على الأرض أبو قُبَيس. مسألة: في هذه الآية ردّ على من زعم أن الأرض كالكرة، وردّ على من زعم أن الأرض تهوِي أبوابها عليها؛ وزعم ابن الرَّاوندي أن تحت الأرض جسماً صَعَّاداً كالرِّيح الصعَّادة؛ وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعادي في الجِرْم والقوّة فتوافقا. وزعم آخرون أن الأرض مركبة من جسمين، أحدهما منحدر، والآخر مصعد، فاعتدلا، فلذلك وقفت. والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدّها، وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها. وقوله تعالى: {وَأَنْهَاراً} أي مياهاً جارية في الأرض، فيها منافع الخلق. {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} بمعنى صنفين. قال أبو عبيدة: الزوج واحد، ويكون ٱثنين. الفراء: يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى؛ وهذا خلاف النص. وقيل: معنى «زَوْجَيْنٍ» نوعان، كالحُلْو والحامض، والرطب واليابس، والأبيض والأسود، والصغير والكبير. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي دلالات وعلامات {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ} بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان. {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت، جمع راسيه والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبل أو للمبالغة. {وَأَنْهَـٰراً } ضمها إلى الجبال وعلق بهما فعلاً واحداً من حيث إن الجبال أسباب لتولدها. {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ } متعلق بقوله: {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } أي وجعل فيها من جمع أنواع الثمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض، والأسود والأبيض والصغير والكبير. {يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ} يلبسه مكانه فيصير الجو مظلماً بعدما كان مضيئاً، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر «يُغَّشِي» بالتشديد. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيها فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرها وهيأ أسبابها.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ} أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون؛ ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح {أية : مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [هود: 40] أي: من كل شكل صنفان {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} أي: جعل كلاً منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، فإذا ذهب هذا، غشيه هذا، وإذا انقضى هذا، جاء الآخر، فيتصرف أيضاً في الزمان، كما يتصرف في المكان والسكان، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: في آلاء الله وحكمه ودلائله. وقوله: {وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ} أي: أراض يجاور بعضها بعضاً، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئاً، هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: {وَجَنَّـٰتٌ مِّنْ أَعْنَـٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} يحتمل أن تكون عاطفة على جنات، فيكون {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفاً على أعناب، فيكون مجروراً، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة. وقوله: {صِنْوَٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوَٰنٍ} الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين، وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه، كما جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «حديث : أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه»تفسير : . وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه: الصنوان هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات، وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد. وقوله: {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ} قال الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ} قال: «حديث : الدقل، والفارسي، والحلو، والحامض»تفسير : ، رواه الترمذي وقال: حسن غريب، أي: هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وذا عفص، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق، وكذلك الزهورات، مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان واعياً، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ } بسط {ٱلأَرْضِ وَجَعَلَ } خلق {فِيهَا رَوَٰسِىَ } جبالاً ثوابت {وَأَنْهَٰراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } من كل نوع {يُغْشِى } يغطي {ٱلَّيْلَ } بظلمته {ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِى ذٰلِكَ } المذكور {لأَيَاتٍ } دلالات على وحدانيته تعالى {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في صنع الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وهو الذي مَدّ الأرض}أي بسطها للاستقرار عليها، رداً على من زعم أنها مستديرة كالكرة. {وجعل فيها رواسي}أي جبالاً، واحدها راسية، لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت. قال جميل: شعر : أُحبُّهُ والذي أرسى قواعده حُبًّا إذا ظهرت آياتُه بطنا تفسير : قال عطاء: أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس. {وأنهاراً}وفيها من منافع الخلق شرب الحيوان ونبات الأرض ومغيض الأمطار ومسالك الفلك. {ومِنْ كُلِّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين}أحد الزوجين ذكر وأنثى كفحول النخل وإناثها، كذلك كل النبات وإن خفي. والزوج الآخر حلو وحامض، أو عذب ومالح، أو أبيض وأسود، أو أحمر وأصفر، فإن كل جنس من الثمار ذو نوعين، فصار كل ثمر ذي نوعين زوجين، وهي أربعة أنواع. {يغشي الليل النهار}معناه يغشي ظلمةَ الليل ضوءَ النهار، ويغشي ضوء النهار ظلمة الليل. قوله عز وجل:{وفي الأرض قطعٌ متجاورات}فيه وجهان: أحدهما: أن المتجاورات المدن وما كان عامراً، وغير المتجاورات الصحارى وما كان غير عامر. الثاني: أي متجاورات في المدى، مختلفات في التفاضل. وفيه وجهان: أحدهما: أن يتصل ما يكون نباته مراً. الثاني: أن تتصل المعذبة التي تنبت بالسبخة التي لا تنبت، قاله ابن عباس. {وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان}فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المفترق، قاله ابن جرير. قال الشاعر: شعر : العلم والحلم خُلّتا كرَمٍ للمرءِ زين إذا هما اجتمعا صنوانٍ لا يستتم حسنها إلا بجمع ذا وذاك معا تفسير : الثاني: أن الصنوان النخلات يكون أصلها واحداً، وغير صنوان أن تكون أصولها شتى، قاله ابن عباس والبراء بن عازب. الثالث: أن الصنوان الأشكال، وغير الصنوان المختلف، قاله بعض المتأخرين. الرابع: أن الصنوان الفسيل يقطع من أمهاته، وهو معروف، وغير الصنوان ما ينبت من النوى، وهو غير معروف حتى يعرف، وأصل النخل الغريب من هذا، قاله علي بن عيسى. {يسقى بماءٍ واحدٍ ونُفَضّلُ بعْضَها على بعضٍ في الأكل}فبعضه حلو، وبعضه حامض، وبعضه أصفر، وبعضه أحمر، وبعضه قليل، وبعضه كثير. {إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون}فيه وجهان: أحدهما: أن في اختلاف ذلك اعتبار يدل ذوي العقول على عظيم القدرة، وهو معنى قول الضحاك. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لبني آدم، أصلهم واحد وهم مختلفون في الخير والشر والإيمان والكفر كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : لما فرغت الآيات من ذكر السماوات ذكرت آيات الأرض. وقوله: {مد الأرض} يقتضي أنها بسيطة لا كرة - وهذا هو ظاهر الشريعة وقد تترتب لفظة المد والبسط مع التكوير والله أعلم. و"الرواسي" الجبال الثابتة، يقال: رسا يرسو، إذا ثبت، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : به خالدات ما يرمن وهامد وأشعث أرسته الوليدة بالفهر تفسير : و"الزوج" - في هذه الآية - الصنف والنوع، وليس بالزوج المعروف بالمتلازمين الفردين من الحيوان وغيره، ومنه قوله تعالى: {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} تفسير : [يس: 36] ومثل هذه الآية: {أية : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} تفسير : [ق: 7]. وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم "يغْشي" بسكون الغين وتخفيف الشين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم - في رواية أبي بكر - بفتح الغين وتشديد الشين، وكفى ذكر الواحد ذكر الآخر، وباقي الآية بين. قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن الأزواج التي يراد بها الأنواع والأصناف والأجناس إنما سميت بذلك من حيث هي اثنان، اثنان، ويقال: إن في كل ثمرة ذكر وأنثى، وأشار إلى ذلك الفراء عند المهدوي، وحكى عنه غيره ما يقتضي أن المعنى تم في قوله: {الثمرات} ثم ابتدأ أنه جعل في الأرض من كل ذكر وأنثى زوجين. وقوله تعالى: {وفي الأرض قطع...} الآية، "القطع": جمع قطعة وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض، لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب. وقرأ الجمهور "وجناتٌ" بالرفع، عطفاً على {قطع} ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "وجناتٍ" بالنصب بإضمار فعل، وقيل: هو عطف على {رواسي} ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص - عن عاصم - "وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغيرُ" بالرفع في الكل - عطفاً على {قطع} - وقرأ الباقون: "وزرعٍ" بالخفض في الكل - عطفاً على {أعناب} وجعل الجنة من الأعناب من رفع الزرع. و"الجنة" حقيقة إنما هي الأرض التي فيها الأعناب وفي ذلك تجوز ومنه قول الشاعر: [زهير بن أبي سلمى] [البسيط] شعر : كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا تفسير : أي نخيل جنة، إذ لا توصف بالسحق إلا النخل، ومن خفض "الزرع" فـ "الجنات" من مجموع ذلك لا من الزرع وحده، لأنه لا يقال للمزرعة جنة إلا إذا خالطتها شجرات. و {صنوان} جمع صنو، وهو الفرع يكون مع الآخر في أصل واحد، وربما كان أكثر من فرعين، قال البراء بن عازب: الصنوان: المجتمع، "وغير الصنوان" المتفرق فرداً فرداً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : العم صنو الأب" تفسير : . وروي أن عمر بن الخطاب أسرع إليه العباس في ملاحاة فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أردت يا رسول الله أن أقول يا رسول الله لعباس، فذكرت مكانك منه فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحمك الله يا عمر العم صنو الأب" تفسير : . وفي كتاب الزكاة من صحيح مسلم أنه قال: "حديث : يا عمر أما شعرت أن العم صنو الأب" تفسير : وجمع الصنو صنوان، وهو جمع مكسر، قال أبو علي: وكسرة الصاد في الواحد ليست التي في الجمع، وهو جار مجرى فلك. وتقول: صنو وصنوان في الجمع بتنوين النون وإعرابه. وقرأ عاصم - في رواية القواس عن حفص - "صُنوان" بضم الصاد قال أبو علي: هو مثل ذئب وذؤبان. قال القاضي أبو محمد: وهي قراءة ابن مصرف وأبي عبد الرحمن السلمي، وهي لغة تميم وقيس، وكسر الصاد هي لغة أهل الحجاز، وقرأ الحسن وقتادة "صَنوان" بفتح الصاد وهو اسم جمع لا جمع ونظير هذه الللفظة: قنو وقنوان، وإنما نص على "الصنوان" في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع، تظهر فيه غرابة اختلاف الأكل. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر وأهل مكة: "تسقى" بالتاء، وأمال حمزة والكسائي القاف. وقرأ عاصم وابن عامر "يسقى" بالياء، على معنى يسقى ما ذكر. وقرأ الجمهور "نفضل" بالنون وقرأ حمزة والكسائي "ويفضل" بالياء، وقرأ ابن محيصن: "يسقى بماء واحد، ويفضل" بالياء فيهما، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو حيوة "ويفضَّل" بالياء وفتح الضاد "بعضُها" بالرفع، قال أبو حاتم: وجدته كذلك في نقط يحيى بن يعمر في مصحفه - وهو أول من نقط المصاحف. و {الأكل} اسم ما يؤكل، بضم الهمزة، والأكل المصدر. وقرأت فرقة "في الأُكُل" بضم الهمزة والكاف، وقد تقدم هذا في البقرة وحكى الطبري عن غير واحد - ابن عباس وغيره - {قطع متجاورات} أي واحدة سبخة، وأخرى عذبة، ونحو هذا من القول، وقال قتادة المعنى: قرى متجاورات. قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه من العبرة كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعانٍ فهي "تسقى بماء واحد"، ولكن تختلف فيما تخرجه والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو أنها من تربة واحدة ونوع واحد، وموضع العبرة في هذا أبين لأنها مع اتفاقها في التربة والماء، تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن هذه الآية - فقال: "حديث : الدقل والفارسي والحلو والحامض" تفسير : . وعلى المعنى الأول قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم: كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة فسطحها فصارت قطعاً متجاورة فينزل عليها ماء واحد من السماء - فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج هذه سبخة وملحاً وخبثاً، فكذلك الناس: خلقوا من آدم فنزلت عليهم من السماء تذكرة -فرقت قلوب وخشعت، وقست قلوب ولهت وجفت: قال الحسن: فوالله ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} تفسير : [الإسراء: 82]. والتفضيل في الأكل الأذواق والألوان والملمس وغير ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَوَاسِىَ} جبالاً ثوابت، واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها {وَأَنْهَاراً} ينتفع بها شرباً وإنباتاً ومغيضاً للأمطار ومسالك للفلك {زَوْجَيْنِ اثْنَيِنِ} أحدهما ذكر وانثى كفحال النخل وإناثها، وكذلك كل النبات وإن خفي. والزوج الأخر حلو وحامض، أو عذب وملح، أو أبيض وأسود، أو أحمر وأصفر فإن كل جنس من الثمار نوعان فكل ثمرة ذات نوعين زوجين فصارت أربعة أنواع {يُغشي} ظلمة الليل ضوء النهار، ويغشي ضوء النهار ظلمة الليل.
النسفي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ } بسطها {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالاً ثوابت {وَأَنْهَـٰراً } جارية {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } أي الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك {يُغْشِي الَّيلَ النَّهارَ } يلبسه مكانه فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً. يغشِّي حمزة وعلي وأبو بكر {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعلمون أن لها صانعاً عليماً حكيماً قادراً {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرٰتٌ } بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى سبخة وكريمة إلى زهيدة وصلبة إلى رخوة وذلك دليل على قادر مدبر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه {وَجَنَّـٰتٌ } معطوفة على قطع {مِّنْ أَعْنَـٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوٰنٍ } بالرفع مكي وبصري وحفص عطف على {قطع} غيرهم بالجر بالعطف على {أعناب}، والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد وعن حفص بضم الصاد وهما لغتان {يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وٰحِدٍ } وبالياء عاصم وشامي {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ } وبالياء حمزة وعلي {فِي ٱلأُكُلِ } في الثمر. وبسكون الكاف نافع ومكي {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } عن الحسن مثل اختلاف القلوب في آثارها وأنوارها وأسرارها باختلاف القطع في أنهارها وأزهارها وثمارها {وَإِن تَعْجَبْ } يا محمد من قولهم في إنكار البعث {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } خبر ومبتدأ أي فقولهم حقيق بأن يتعجب منه لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك كان الإعادة أهون شيء عليه وأيسره فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب {أءِذا كنا تراباً أءِنا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } في محل الرفع بدل من {قولهم}. قرأ عاصم وحمزة كل واحد بهمزتين {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } أولئك الكافرون المتمادون في كفرهم {وَأُوْلَٰئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِي أَعْنَـٰقِهِمْ } وصف لهم بالإصرار أو من جملة الوعيد {وَأُوْلٰـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } دل تكرار أولئك على تعظيم الأمر.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وهو الذي مد الأرض} لما ذكر الدلالة على وحدانيته و كمال قدرته وهي رفع السماوات بغير عمد، وذكر أحوال الشمس والقمر أردفها بذكر الدلائل الأرضية، فقال: وهو الذي مد الأرض أي بسطها على وجه الماء، وقيل: كانت الأرض مجتمعة فمدها من تحت البيت الحرام، وهذا القول إنما يصح إذا قيل إن الأرض منسطحة كالأكف، وعند أصحاب الهيئة: الأرض كرة، ويمكن أن يقال: إن الكرة إذا كانت كبيرة عظيمة فكل قطعة منها تشاهد ممدودة كالسطح الكبير العظيم، فحصل الجمع ومع ذلك فالله تعالى قد أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها وبسطها وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلاً وأبين دليلاً من أصحاب الهيئة {وجعل فيها}. يعني في الأرض {رواسي} يعني جبالاً ثابتة، يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غير أثبته قال ابن عباس: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض {وأنهاراً}، يعني وجعل في الأرض أنهاراً جارية لمنافع الخلق {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} يعني صنفين اثنين أحمر وأصفر وحلواً وحامضاً {يغشي الليل النهار}، يعني يلبس النهار ظلمة الليل ويلبس الليل ضوء النهار {إن في ذلك} يعني الذي تقدم ذكره من عجائب صنعته وغرائب قدرته الدالة على وحدانيته {لآيات} أي دلالات {لقوم يتفكرون} يعني فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالسبب على المسبب، والفكر هو تصرف القلب في طلب الأشياء، وقال صاحب المفردات: الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب ولهذا روي "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" إذ كان الله منزلها أن يوصف بصورة. و قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لأنه يستعمل في طلب المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلباً للوصول الى حقيقتها. قوله عز وجل {وفي الأرض قطع متجاورات} يعني متقاربات بعضها من بعض، وهي مختلفة في الطبائع فهذه طيبة تنبت وهذه سبخة لا تنبت، وهذه قليلة الريع وهذه كثيرة الريع {وجنات} يعني بساتين والجنة كل بستان ذي شجر من نخيل وأعناب وغير ذلك، سمي جنة لأنه يستر بأشجاره الأرض وإليه الإشارة بقوله {من أعناب وزرع ونخيل صنوان} جمع صنو وهي النخلات يجتمعن من أصل واحد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس "حديث : عم الرجل صنو أبيه" تفسير : يعني أنهما من أصل واحد {وغير صنوان} هي النخلة المنفردة بأصلها فالصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق {يسقى بماء واحد} يعني أشجار الجنات وزروعها، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل: في حده جوهر سيال به قوام الأرواح؛ {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} يعني في الطعم ما بين الحلو والحامض والعفص وغير ذلك من الطعام. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : في قوله تعالى: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال: الدقل والنرسيان والحلو والحامض" تفسير : أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. قال مجاهد: هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد، وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعاً متجاورات، وأنزل على وجهها ماء السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه نباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد فلو كان الماء قليلاً. قيل: إنما هذا من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع وتقسو قلوب قوم فتلهو، ولا تسمع. وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزياده أو نقصان قال الله تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} وقوله تعالى {إن في ذلك} يعني الذي ذكر {لآيات لقوم يعقلون} يعني فيتدبرون ويتفكرون في الآيات الدالة على وحدانيته. قوله تعالى {وإن تعجب فعجب قولهم} العجب تبعيد النفس رؤية المستبعد في العادة، وقيل: العجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه ولهذا قيل: العجب في حق الله محال لأنه تعالى علاّم الغيوب لا تخفى عليه خافية، والخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه وإنك يا محمد إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد أن كنت عندهم تعرف بالصادق الأمين فعجب أمرهم، وقيل: معناه وإن تعجب من اتخاذ المشركين ما لا يضرهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأن الله تعالى خالق السماوات والأرض، وهو يضر وينفع وقد رأوا من قدرة الله وما ضرب لهم به الأمثال ما رأوا فعجب قولهم. وقيل وإنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة والبعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء الخلق من الله فعجب قولهم, وذلك أن المشركين كانوا ينكرون البعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء الخلق من الله, وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من الابتداء فهذا موضع التعجب وهو قولهم {أئذا كنا تراباً} يعني بعد الموت {أئنا لفي خلق جديد} يعني نعاد خلقاً جديداً بعد الموت كما كنا قبله ثم إن الله تعالى قال في حقهم {أولئك الذين كفروا بربهم} وفيه دليل على أن كل من أنكر البعث بعد الموت فهو كافر بالله تعالى، لأن من أنكر البعث بعد الموت فقد أنكر القدرة, وأن الله على كل شيء قدير، ومن أنكر ذلك فهو كافر {وأولئك الأغلال في أعناقهم} يعني يوم القيامة، والأغلال جمع غل وهو طوق من حديد يُجعل في العنق. وقيل أراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم القيامة كما يقاد الأسير ذليلاً بالغل {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} يعني أنهم مقيمون فيها ولا يخرجون منها ولا يموتون. {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} الاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، والمراد بالسيئة هنا هي العقوبة وبالحسنة العافية، وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلاً من العافية استهزاء منهم، وهو قولهم {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} تفسير : [الأَنفال: 32] {وقد خلت من قبلهم المثلات} يعني وقد مضت في الأمم المكذبة العقوبات بسبب تكذيبهم رسلهم، والمثلة بفتح الميم وضم الثاء المثلثة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثلاً ليرتدع غيره به، وذلك كالنكال وجمعه مثلات بفتح الميم وضمها مع ضم الثاء فيهما لغتان{وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} قال ابن عباس: معناه إنه لذو تجاوزٍ عن المشركين إذا آمنوا {وإن ربك لشديد العقاب} يعني للمصرين على الشرك الذي ماتوا عليه. وقال مجاهد: إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وإنه لشديد العقاب إذا عاقب. قوله تعالى {ويقول الذين كفروا} يعني من أهل مكة {لولا} أي هلاّ {أنزل عليه} يعني على محمد صلى الله عليه وسلم {آية من ربه} يعني مثل عصى موسى وناقة صالح ذلك لأنهم لم يقنعوا بما رأوا من الآيات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم {إنما أنت منذر} أي ليس عليك يا محمد غير الإنذار والتخويف، وليس لك من الآيات شيء {ولكل قوم هاد} قال ابن عباس: الهادي هو الله، وهذا قول سعيد ابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والنخعي، والمعنى إنما عليك الإنذار يا محمد والهادي هو الله يهدي من يشاء. وقال عكرمة في رواية عنه وأبو الضحى: الهادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم المعنى: إنما أنت منذر وأنت هاد، وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني ولكل قوم نبي يهديهم وقال أبو العالية: الهادي هو العمل الصالح. وقال أبو صالح: الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ }: لما فرغَتْ آيات السماء، ذُكِرَتْ آيات الأرض، والــ {رَوَاسِيَ }: الجبالُ الثابتة. وقوله سبحانه: {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ }: «الزَوْجِ»؛ في هذه الآية: الصِّنْف والنَّوْع، وليس بالزوْجِ المعروفِ في المتلازمين الفَرْدَيْن من الحيوان وغيره؛ ومنه قوله سبحانه: { أية : سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [يس:36]، ومنه: { أية : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } تفسير : [ق:7]، وهذه الآية تقتضِي أنَّ كلَّ ثمرةٍ، فموجودٌ منها نوعانِ، فإِن ٱتفق أنْ يوجد من ثمرةٍ أكْثَرُ من نوعَيْنِ، فغير ضارٍّ في معنى الآية، و{قِطَعٌ }: جَمْعُ قِطْعَة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جَاوَرَ وقَرُبَ بعضه من بعض؛ لأن ٱختلاف ذلك في الأكْلِ أَغربُ، وقرأ الجمهور: «وَجَنَّاتٌ» - بالرفع -؛ عطفاً على «قِطَعٌ»، وقرأ نافع وغيره: «وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٌ وَغَيْرِ صِنْوَانٍ } - بالخفض في الكل -؛ عطفاً على «أعناب»، وقرأ ابن كثير وغيره: «وزرعٌ» - بالرفع في الكل -؛ عطفاً على «قطع»، و{صِنْوَانٌ}: جمع صنْو، وهو الفرع يكونُ مع الآخَرِ في أصْلٍ واحدٍ، قال البراءُ بْنُ عازبٍ: «الصِّنْوَان»: المجتمع، وغَيْرُ الصِّنوان: المفترق فرداً فرداً وفي «الصحيحِ»: «العَمُّ صِنْوُ الأَبِ»، وإِنما نص على الصِّنْوان في هذه الآية؛ لأنها بمثابة التجاوُر في القطع تظهر فيها غرابةُ ٱختلاف الأَكْلِ، و{ٱلأُكُلِ} - بضم الهمزة -: ٱسْمُ ما يؤكل، والأكل المَصْدَر، وحكى الطبري عن ابن عبَّاس وغيره: {قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ }: أي: واحدة سبخة، وأخرى عَذْبَة، ونحو هذا من القولِ، وقال قتادة: المعنى: قُرًى مُتَجَاوِرَاتٌ. قال * ع *: وهذا وجْهٌ من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قِطَعٌ مختلفاتٌ بتخصيصِ اللَّه لها بمعانٍ فهي تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، ولكن تختلف فيما تُخْرِجُه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوُرِ؛ أنها من تُرْبةٍ واحدةٍ، ونوعٍ واحدٍ، وموضِعُ العِبْرة في هذا أَبْيَنُ، وعلى المَعْنَى الأول قال الحَسَنُ: هذا مَثَلٌ ضربه اللَّه لقلوبِ بَني آدم: الأرضُ واحدةٌ، وينزل عليها ماءٌ واحدٌ من السَّماء، فتخرجُ هذه زهرةً وثمرةً، وتخرجُ هذه سبخةً وملحاً وخبثاً، وكذلك النَّاس خُلِقُوا من آدم، فنزلَتْ عليهم من السماء تذكرةٌ، فَرَقَّتْ قلوبٌ وَخَشَعَتْ، وقَسَتْ قلوبٌ ولَهَتْ. قال الحسنُ: فواللَّه، ما جالَسَ أحدٌ القُرْآن إِلاَّ قَامَ عَنْه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللَّه تعالى: { أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا } تفسير : [الاسراء:82].
البقاعي
تفسير : ولما انقضى ما أراد من آيات السماوات، ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف من الدلالات فقال: {وهو} أي وحده {الذي مد الأرض} ولو شاء لجعلها كالجدار أو الأزج لا يستطاع القرار عليها، وهذا لا ينافي أن تكون كرية، لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، كما أن الجبال أوتاد والحيوان يستقر عليها {وجعل فيها} جبالاً مع شهوقها {رواسي} أي ثوابت، واحدها راسية أي ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن أماكنها لا تتحرك، فلا يتحرك ما هي راسية فيه. ولما غلب على الجبال وصفها بالرواسي، صارت الصفة تغني عن الموصوف فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل - قاله أبو حيان، ولما كانت طبيعة الأرض واحدة كان حصول الجبل في جانب منها دون آخر ووجود المعادن المتخالفة فيها تارة جوهرية، وتارة خامية، وتارة نفطية، وتارة كبريتية - إلى غير ذلك، دليلاً على اختصاصه تعالى بتمام القدرة والاختيار لأن الجبل واحد في الطبع كما أن تأثير الشمس واحد، فقال تعالى: {وأنهاراً} أي وجعل فيها خارجة منها، وأكثر ما تكون الأنهار من الجبال، لأنها أجسام صلبة عالية، وفي خلال الأرض أبخرة فتصاعد تلك الأبخرة المتكونة في قعر الأرض، ولا تزال تخرق حتى تصل إليها فتحتبس بها فلا تزال تتكامل حتى يعظم تكاثفها، فإذا بردت صارت ماء فيحصل بسببها مياه كثيرة كما تنعقد الأبخرة البخارية المتكاثفة في أعالي الحمامات إذا بردت وتتقاطر، فإذا تكامل انعقاد تلك المياه وعظمت شقت أسافل الجبال أو غيرها من الأماكن التي تستضعفها لقوتها وقوة الأبخرة المصاحبة لها، فإن كان لتلك المياه مدد من جهة الفواعل والقوابل بحيث كلما نبع منها شيء حدث عقيبه شيء، وهكذا على الاتصال فهي النهر، والنهر: المجرى الواسع من مجاري الماء، وأصله الاتساع، ومنه النهار - لاتساع ضيائه. ولما ذكر الأنهار ذكر ما ينشأ عن المياه فقال: {ومن كل الثمرات} ويجوز أن يكون متعلقاً بما قبله، ثم يكون كأنه قيل: من ينتفع بهذه الأشياء؟ فقيل: {جعل فيها} أي الأرض {زوجين اثنين} ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوان ينتفع بها، ويجوز أن يكون متعلقاً بما بعده فيكون التقدير: وجعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين ذكراً وأنثى تنتفع الأنثى بلقاحها من الذكر أو قربه منها فيجود ثمرها؛ والثمرة طعمة الشجرة، والزوج: شكل له قرين من نظير أو نقيض، فكأنه قيل: ما الذي ينضجها؟ فقال: {يغشي اليل النهار} أي والنهار الليل، فينضج هذا بحره ويمسك هذا ببرده، فيعتدل فعلهما على ما قدره تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان للحر والبرد للإخراج والإنضاج إلى غير ذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا الظاهر لكل ذي عقل أنها بتدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره. ولما ساق سبحانه هذه الآيات مفصلة إلى أربع وكان فيها دقة، جمعها وناطها بالفكر فقال: {إن في ذلك} أي الذي وقع التحديث عنه من الآيات متعاطفاً {لآيات} أي دلالات واضحات عجيبات باهرات على أن ذلك كله مستند إلى قدرته واختياره، ونبه على أن المقام يحتاج إلى تعب بتجريد النفس من الهوى وتحكيم العقل صرفاً بقوله: {لقوم} أي ذوي قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه {يتفكرون *} أي يجتهدون في الفكر، قال الرماني: وهو تصرف القلب في طلب المعنى، ومبدأ ذلك معنى يُخطره الله تعالى على بال الإنسان فيطلب متعلقاته التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه، والختم بالتفكر إشارة إلى الاهتمام بإعطاء المقام حقه في الرد على الفلاسفة، فإنهم يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما قرره سبحانه في الآية السالفة من إسقاط وروده من أنه سبحانه هو الذي أوجد الأشياء كلها من عدم ثم أخذ في تدبيرها، فاختصاص كل شيء من الأجرام العلوية بطبع وصفة وخاصية إنما هو بتخصيص المدبر الحكيم الفاعل بالاختيار، فصار وجود الحوادث السفلية لو سلم أنه متأثر عن الحوادث العلوية إنما يكون مستنداً إليها باعتبار السببية، والسبب والمسبب مستند إلى الصانع القديم المدبر الحكيم. ولما كان الدليل - مع وضوحه - فيه بعض غموض، شرع تعالى في شيء من تفصيل ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلاً ظاهراً جداً على إبطال قول الفلاسفة، فقال: {وفي الأرض} أي التي أنتم سكانها، تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك {قطع متجاورات} فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع، طيبة إلى سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها، ومع انتظام الكل في الأرضية {وجنات} جمع جنة، وهي البستان الذي تجنه الأشجار {من أعناب} وكأنه قدمها لأن أصنافها - الشاهدة بأن صانعها إنما هو الفعال لما يريد - لا تكاد تحصر حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة ولذلك جمعها. ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب، قال: {وزرع} أي منفرداً - في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع، وفي خلل الجنات - في قراءة الباقين بالجر. ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله: {ونخيل صنوان} فروع متفرقة على أصل واحد {وغير صنوان} باعتبار افتراق منابتها وأصولها؛ قال أبو حيان: والصنو: الفرع يجمعه وآخر أصل واحد، وأصله المثل، ومنه قيل للعم: صنو وقال الرماني: والصنوان: المتلاصق، يقال: هو ابن أخيه صنو أبيه أي لصيق أبيه في ولادته، وهو جمع صنو، وقيل: الصنوان: النخلات التي أصلها واحد - عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم؛ وقال الحسن رضي الله عنه: الصنوان: النخلتان أصلهما واحد - انتهى. وهو تركيب لا فرق بين مثناه وجمعه إلا بكسر النون من غير تنوين وإعرابها مع التنوين، وسيأتي في يس إن شاء الله تعالى سر تسمية الكرم بالعنب. ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم، وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الموجد المسبب، لا إلى شيء من الأسباب، قال: {يسقى} أي أرضها الواحدة كلها {بماء واحد} فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم بعد أن يتصعد الماء فيها علوّاً ضد ما في طبعه من التسفل، ثم يتفرق في كل من الورق والأغصان والثمار بقسطه مما فيه صلاحه {ونفضل} أي بما لنا من العظمة المقتضية للطاعة {بعضها} أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها {على بعض} ولما كان التفضيل على أنحاء مختلفة، بين المراد بقوله: {في الأكل} أي الثمر المأكول، ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول، وخص الأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع، وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف واللون للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة والمنفعة وغيرها مع أن نسبة الطبائع والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء لا سيما إذا رأيت العنقود الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها حامضة صغيرة يابسة. ولما كان المراد في هذا السياق - كما تقدم - تفصيل ما نبه على كثرته بقوله: {وكأين من آية في السماوات والأرض} الآية، قال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم الذي تقدم {لآيات} بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى تفصيلها بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة، وهذا بخلاف ما يأتي في النحل لأن المحدث عنه هناك الماء، وهنا ما ينشأ عنه، فلما اختلف المحدث عنه كان الحديث بحسبه، فالمعنى: دلالات واضحات على أن ذلك كله فعل واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد إبداعه، فهو قادر على إعادته بطريق الأولى. ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك المجملة، فكانت من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل، قال: {لقوم} أي ذوي قوة على ما يحاولونه {يعقلون} فإنه لا يمكن التعبير في وجه هذه الدلالة إلا بأن يقال هذه الحوادث السفلية حدثت بغير محدث، فيقال للقائل: وأنت لا عقل لك، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث ضرورة، فعدم العلم بالضروري يستلزم عدم العقل.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} [الآية: 3]. قال بعضهم: هو الذى بسط الأرض وجعل فيها أوتادًا من أوليائه، وسادة من عبيده، فإليهم الملجأ، وَبِهم الغياث فمن ضرب فى الأرض يقصدهم فاز ونجا، ومن كان سعيه لغيرهم خاب وخسر. سمعت على بن سعيد يقول: سمعت أبا محمد الجريرى يقول: كان فى جوار الجنيد إنسان مصاب فى حربة، فلما مات الجنيد، وحملنا جنازته، فلمَّا رجعنا تقدم خطوات، وعلا موضعًا عاليًا، واستقبل بوجهه، وقال: يا أبا محمد أنَّى أرجع إلى تلك الحربة وقد فقدت ذلك السيد، ثم أنشأ يقول: وا أسفى من فراق قوم هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسى والخير والأمن والسكون لم تتغير لنا الليالى حتى توفتهم المنون فكل جفن لنا قلوب وكل ماء لنا عيون. قوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الآية: 3]. قال بعضهم: الفكرة تصفية القلوب لموارد الفوائد. قال أبو عثمان: الفكرة استرواح القلب من وساوس التدبير. قال ابن عطاء: التبصرة لمن تفكر فى ابتداء الخلق، وانتهائهم، ومصير كلهم إلى الفناء، ودوام البقاء للأحد الصمد.
القشيري
تفسير : بَسَطَ الأرْضَ ودحاها، والجبالَ أرساها، وفَجَّرَ عيونها، وأجرى أنهارها، وجَنَّسَ بِحارها، ونَوَّعَ من الحيوانات ما جعل البحرَ قرارها، وأنبت أشجارها، وصَنَّفَ أزهارَها وثمارَها، وكوَّر عليها ليلَها ونهارَها.. ذلك تقديرُ العزيز العليم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى} [اوست آن قادر مطلق كه] {مدّ الارض} بسطها طولا وعرضا ووسعها لتثبت عليها الاقدام ويتقلب الحيوان اى انشأها ممدودة لا انها كانت مجموعة فى مكان فبسطها وكونها بسيطة لاينا فى كريتها لان جميع الارض جسم عظيم والكرة اذا كانت فى غاية الكبر كان كل قطعة منها يشاهد كالسطح. وفى تفسير ابى الليث بسطها من تحت الكعبة على الماء وكانت تكفأ باهلها كما تكفأ السفينة باهلها فارساها بالجبال الثقال. وفى بعض الآثار ان الله تعالى قبل ان يخلق السموات والارض ارسل على الماء ريحا هفافة فصفقت الريح الماء اى ضرب بعضه بعضا فابرز منه خشفة بالخاء المعجمة وهى حجارة يبست بالارض فى موضع البيت كأنها قبة وبسط الحق سبحانه من ذلك الموضع جميع الارض طولها والعرض فهى اصل الارض وسرتها فى الكعبة وسط الارض المسكونة واما وسط الارض كلها عامرها وخرابها فهى قبة الارض وهو مكان تعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى الليل والنهار فيه ابدا لا يزيد احدهما على الآخر ولا ينقص واصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الارض بمكة ولما تموج الماء رمى بتلك الطينة الى محل مدفنه بالمدينة فلذلك دفن عليه السلام فيها. قال بعضهم الارض مضجعنا وكانت امنا فيها معايشنا وفها نقبر {وجعل فيها رواسى} من رسا الشيء اذا ثبت جمع راسية والتاء للمبالغة كما فى علامة لا للتأنيث اذ يقال جبل راسية. والمعنى وجعل فيها جبالا ثابتة اوتادا للارض لئلا تضطرب فتستقر ويستقر عليها وكان اضطرابها من عظمة الله تعالى قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ابو قبيس اول جبل وضع على الارض. قال فى القاموس ابو قبيس جبل بمكة سمى برجل حداد من مذحج كمجلس لانه اول من بنى فيه وكان يسمى الامين لان الركن كان مستودعا فيه. قل فى انسان العيون وكان اول جبل وضع عليها ابا قبيس وحينئذ كان ينبغى ان يسمى ابا الجبال او ان يكون افضلها مع ان افضلها كما قال السيوطى احد لقوله عليه السلام "حديث : احد يحبنا ونحبه" تفسير : وهو بضمتين جبل بالمدينة. ذكر اهل الحكمة ان مجموع ما عرف فى الاقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وسبعون جبلا منها ما طوله عشرون فرسخا ومنها مائة فرسخ الى الف فرسخ ويقال ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول وليس فيها جبل الا وله عروق من جبل قاف فاذا اراد الله تعالى ان يزلزل الارض اوحى الى جبل قاف فيحرك ذلك العرق من الجبل فتزلزل: وفى المثنوى شعر : رفت ذو القرنين سوى كوه قاف ديدكه را كز زمرد بود صاف كرد عالم حلقه كشته او محيط ماند حيران اندران خلق بسيط كفت تو كوهى دكرها جبستند كه به بيش عظم توباز ايستند كفت ركهاى منند آن كوهها مثل من نبود در حسن وبها من به شهرى ركى دارم نهان برعروقم بسته اطراف جهان حق جو خواهد زلزلة شهرى مرا كويد ام من برجهانم عرق را بس بجنبانم من آن رك را بقهر كه بدان رك متصل كشتست شهر جون بكويدبس شود ساكن ركم اسكتم وز روى فعل اندرتكم همجو مرهم ساكن وبس كاركن جون خردسا كن و زوجنبان سخن نزد انكس كه نداند عقلش اين زلزله هست از يخارت زمين تفسير : {وانهارا} جارية ضمها الى الجبال وعلق بهما فعلا واحدا من حيث ان الجبال اسباب لتولدها وذلك ان الحجر جسم صلب فاذا تصاعدت الابخرة من قعر الارض ووصلت الى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتزاحم وتتضاف حتى تحصل بسبب الجبل مياه عظيمة ثم انها لكثرتها وقوتها تنقب الجبل وتخرج وتسيل على وجه الارض وفى الملكوت ان الله يرسل على الارض الثلوج والامطار فتشربها الارض حتى يعدلها فى طبعها ومشربها فتصير عيونا فى عروق الارض ثم تنشق الارض عنها فى المكان الذى يؤمر بالانشقاق فيه فتظهر على وجه الارض منفعة للخلائق والملك الموكل بذلك ميكائيل واعوانه. ومن الانهار العظيمة الفرات وهو نهر الكوفة ودجلة وهو نهر بغداد وسيحان بفتح السين المهملة نهر المصيصة وسيحون وهو نهر بالهند وجيحان بفتح الجيم نهر اذنه فى بلاد الارمن وجيحون وهو نهر بلخ والنيل وهو نهر مصر. يقال ان واحدا من الملوك جمع قوما وهيا لهم السفن ومكنهم من زاد سنة وامرهم ان يسيروا فى النيل حتى يقفوا على آخره فخرجوا ستة اشهر ولم يصلوا الى آخره الا انهم رأوا هناك قبة فيها خلق على صورة الآدميين خضر الابدان فاصطادوا منه ليحملوه فلم يزل يضطرب عليهم حتى مات فعالجوه وملحوه واحتملوه ليراه الناس. وفى الواقعات المحمودية ان ذا القرنين طلب رأس النيل فلم يجد - وحكى - انهم وصلوا الى جبل فكل من نظر وراءه لم يأت فربطوا فى وسط شخص حبلا فبعد ان نظر جبوه وسألوا منه فلم ينطق حتى مات. قال بعضهم لولا دخول بحر النيل فى الملح الذى يقال له البحر الاخضر قبل ان يصل الى بحيرة الزنج ويختلط بملوحته لما قدر احد على شربه بشدة حلاوته ولذا يقال ان النيل نهر العسل فى الجنة ومن الانهار نهر ارس كما قال الشاعر شعر : ارس را در بيابان جوش باشد بدريا جون رسد خاموش باشد تفسير : {ومن كل الثمرات} متعلق بقوله {جعل فيها زوجين اثنين} اثنين تأكيد للزوجين كما هو دأب العرب فى كرمهم اى وخلق فيها من جميع انواع الثمرات زوجين زوجين كالحلو والحامض والاسود والابيض والاصفر والاحمر والصغير والكبير {يغشى الليل النهار} اى يجعل الليل غاشيا يغشى النهار بظلمته فيذهب بنور النهار اى يجعله مستورا بالليل ويغطيه بظلمته ولم يذكر العكس اكتفاء باحد الضدين. قال البيضاوى يلبسه مكانه فيصير الجوّ مظلما بعد ما كان مضيئا يعنى ان الاغشاء الباس الشيء الشيء ولما كان الباس الليل النهار وتغطية النهار به غير معقول لانهما متضادتان لا يجتمعان واللباس لا بد ان يجتمع مع اللابس قدر المضاف وهو مكانه ومكان النهار هو الجو وهو الذى يلبس ظلمة الليل شبه احداث الظلمة فى الجو الذى هو مكان الضوء بالباسها اياه وتغطيته بها فاطلق عليه اسم الاغشاء والالباس فاشتق منه لفظ يغشى فصار استعارة تبعية {ان فى ذلك} اى فى كل من الارض والجبال والانهار والثمار والملوين {لآيات} تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره. اما فى الارض فمن حيث هى ممدودة مدحوة كالبساط لما فوقها وفيها المسالك والفجاج للماشين فى مناكبها وغير ذلك مما فيها من العيون والمعادن والدواب مثلا. واما الجبال فمن جهة رسوها وعلوها وصلابتها وثقلها وقد ارسيت الارض بها كما يرسى البيت بالاوتاد. واما الانهار فحصولها فى بعض جوانب الجبال دون بعض لا بد ان يستند الى الفاعل المختار الحكيم. واما الثمار فالحبة اذا وقعت فى الارض واثرت فيها نداوة الارض ربت وكبرت وبسبب ذلك ينشق اعلاها واسفلها فتخرج من الشق الاعلى الشجرة الصاعدة وتخرج من الشق الاسفل العروق الغائضة فى اسفل الارض وهذا من العجائب لان طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والافلاك والكواكب فيها واحد ثم انه خرج من احد جانبى تلك الحبة جرم صاعدا الى الهواء ومن الجانب الآخر منها جرم غائص فى الارض ومن المحال ان يتولد من طبيعة واحدة طبيعتان متضادتان فعلمنا ان ذلك انما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم ثم ان الشجرة النابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشبا وبعضها يكون ثمرة ثم ان تلك الثمرة ايضا يحصل فيها اجسام مختلفة الطبائع فالجوز له اربعة انواع من القشور قشره الاعلى وتحته القشرة الخشبية وتحته القشرة المحيطة باللب وتحت تلك القشرة قشرة اخرى فى غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز واللوز رطبا وايضا قد يحصل فى الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة فالعنب مثلا وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوى تأثيرات الطبائع وتأثيرات الانجم والافلاك لا بد وان يكون لاجل تدبير الحكيم القدير. واما الملوان فلا يخفى ما فى اختلافهما ووجودهما من الاية اى الدلالة الواضحة {لقوم يتفكرون} فيستدلون والتفكر تصرف القلب فى طلب معانى الاشياء وكما ان فى العالم الكبير ارضا وجابلا ومعادن وبحارا وانهارا وجداول وسواقى فكذلك فى الانسان الذى هو العالم الصغير مثله فجسده كالارض وعظامه كالجبال ومخه كالمعادن وجوفه كالبحر وامعاؤه كالانهار وعروقه كالجداول وشحمه كالطين وشعره كالنبات ومنبت الشعر كالتربة الطيبة وانسه كالعمران وظهره كالمفارز ووحشته كالخراب وتنفسه كالرياح وكلامه كالرعد واصواته كالصواعق وبكاؤه كالمطر وسروره كضوء النهار وحزنه كظلمة الليل ونومه كالموت ويقظته كالحياة وولادته كبدء سفره وايام صباه وشبابه كالصيف وكهولته كالخريف وشخيوخته كالشتاء وموته كانقضاء مدة سفره والسنون من عمره كالبلدان والشهور كالمنازل والاسابيع كالفراسخ وايامه كالاميال وانفاسه كالخظى فكلما تنفس نفسا كان يخطو خطوة الى اجله فلا بد من التفكر فى هذه الامور. ويقال اخلاق الابدال عشرة اشياء. سلامة الصدور. وسخاوة فى المال. وصدق اللسان. وتواضع النفس. والصبر فى الشدة. والبكاء فى الخلوة. والنصيحة للخلق. والرحمة للؤمنين، والتفكر فى الاشياء، وعبرة من الاشياء حديث : وعن النبى عليه السلام انه مر على قوم يتفكرون فقال لهم "تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق" تفسير : كذا فى تنبيه الغافلين: وفى المثنوى شعر : بى تعلق نيست مخلوقى بدو آن تعلق هست بيجون اى عمو اين تعلق را خرج جون ره برد بسته وصلست وفصلست اين خرد زين وصيت كرد مارا مصطفى بحث كم جوئيد درذات خدا آنكه درذاتش تفكر كرد نيست در حقيقت آن نظر درذات نيست هست آن بندار اوزيرا براه صد هزاران برده آمد تا اله هريكى دربرده موصول جوست وهم او آنست كان خود عين هوست بس بيمبر دفع كرد اين وهم ازو تانباشد درغلط سودا بز او
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (رواسي): جمع راسية، من رسى الشيء: ثبت، و(جنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) مَنْ خَفَضَ عطف على (أعناب)، ومن رفع عطف على (جنات)، و(صنوان) نعت تابع، و(غير): عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: {وهو الذي مدَّ الأرض}؛ بسطها طولاً وعرضاً؛ لتثبت عليها الأقدام وتتقلب عليها الحيوان والأنام، {وجعلَ فيها رواسي}: جبالاً ثوابت لتستقر وتثبت، فلا تميد كالسفينة، {و} جعل فيها {أنهاراً} مطرده دائمة الجري، من غير نفاد ولا فتور. ضمها إلى الجبال؛ لأنها أسبابٌ لتولدها في العادة. {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} أي: وجعل فيها صنفين اثنين من كل الثمرات؛ فكل ثمرة فيها صنفان؛ أحمر وأسود، أو حلو وحامض، قال ابن جزي: فإن قيل: تقتضي الآية أنهخ تعالى خلق من كل ثمرة صنفين. وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافاً كثيرة؟ فالجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة بذكر الاثنين؛ لأن دلالة غيرهما من باب أولى. هـ. {يُغشى الليلَ النهارَ}، أي: يجعل الليلَ غشاءً على النهار ولباساً له، فيصير الجو مظلماً بعدما كان مضيئاً. {إنَّ في ذلك لآياتٍ}؛ دلائل وجوده وباهر قدرته {لقوم يتفكرون} فيها؛ فإن وجودها وتخصيصها في هذا الشكل العجيب، دليل على وجود صانع حكيم، دبر أمرها، وهيأ أسبابها. {وفي الأرض قِطَعٌ متجاوراتٌ}؛ قريب بعضها من بعض، مع اختلاف أوصافها، بعضها طيبة وبعضها سبخة، وبعضها رخوة وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، وبعضها معادن مختلفة. ولولا تخصيص قادر مخصص لتلك الأفعال، على وجهٍ دون وجه، لم يكن الحكم كذلك؛ لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية، وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في السبب والأوضاع. قاله البيضاوي: {وجناتٌ من أعناب وزرعٌ ونخيلٌ}؛ أي: وفي الأرض أيضاً بساتين فيها أنواع من الأعناب والزروع والنخيل، من صفة تلك النخيل: {صِنْوَانٌ} أي: نخلات كثيرة متفرعة من أصل واحد، {وغير صِنْوَانٌ} أي: غير متفرعة بل كلنخله منفردة باصل واحد {يُسقى بماءٍ واحد ونُفَضِّلُ بعضها على بعضٍ في الأُكُل} أي: في الثمر المأكول؛ قدراً وشكلاً، وطعماً، ورائحةً ولوناً، مع اتفاق الماء الذي تُسقى به. وذلك مما يدل أيضاً على الصانع القادر الحكيم؛ فإن إيجادها، مع اختلاف الأصول والأسباب، لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. وفيه رد على الطبائعيين. {إن في ذلك لآياتٍ لقوم يعقلون}: يستعملون عقولهم بالتفكر والاعتبار، فيُدركون عظمة الواحد القهار. الإشارة: ذَكَرَ أولاً سماء الأرواح، وما يُناسبها من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وذكر هنا أرض النفوس، وما يلائمها من جبال العقول وأنهار العلوم، فقال: وهو الذي مد أرض النفوس، وجعل فيها جبالاً من العقول الشامخة، حتى أدركت الصانع، وتحققت بوجوده ووحدانيته، بالدلائل الواضحة، والبراهين القطعية، وأنبع منها أنهاراً من العلوم الرسمية؛ والرقائق الوعظية. وجعل فيها من كل صنف؛ من ثمار ما جنت بمجاهدتها صنفين اثنين: قبضاً وبسطاً منعاً ووجداً، ذلاً وعزاً، فقراً وغنىً. يغْشيانها غشاءَ الليل للنهار؛ فإذا كان ليل القبض غشيه نهار البسط، فيزيله، وإذا كان المنع، غشية الوجد، وإذا كان الذل غشيه العز، وإذا كان الفقر غشيه الغنى، وهكذا. ودوام حال من قضايا المحال. وفي أرض النفوس أيضاً قطع متجاورة، مع اختلاف ألوانها وطبائعها، وعلومها ومعارفها، ومواجدها وألسنتها. وفيها أيضاً جنات المعارف ـ إن اتصلت بطبيب عارفٍ ـ من أعناب الحقائق الناشئة عن خمرة الأزل، وزرع الشرائع الناشئة عن الكسب والتحصيل، ونخيل الأذواق والوجدان، صنوان وغير صنوان ـ يعني من تعتريه الأحوال، ومن لا تعتريه لكمال رسوخه، تُسقى بخمره واحدة، وهي الخمرة الأزلية، على أيدي الوسائط، أو بلا وسائط، وهو نادر. ونُفضل بعضها على بعض في الأذواق والوجدان؛ فترى العارفين بعضهم قطب في الأحوال، وبعضهم قطب في المقامات؛ كان الجنيد (رضي الله عنه) قطباً في العلوم، وكذا الشاذلي والجيلاني والغزالي، وأمثالهم. وكان الشيخ أبو زيد قطباً في الأحوال، وكان سهلُ التسْتُري قطباً في المقامات. والأولياء كلهم لا يخرجون عن هذا التقسيم، كل واحد وما يغلب عليه، مع مشاركته لغيره في الثلاث. والله تعالى أعلم. ولما ذكر دلائل قدرته ذكر وعيد من أعرض عنها حتى أنكر البعث فقال: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا...}
الطوسي
تفسير : ذكر الله تعالى في الآية الاولى بالسماء والشمس والقمر، لان اكثر ما في العالم متعلق بذلك وجار مجراه كالنبات والحرث والنسل، ثم ذكر في هذه الآية الارض وتدبيره لها على ما فيه من المصلحة لينبه بذلك من ذهب عن الاستدلال به على حكمته تعالى، وتوحيده، فقال {وهو الذي مد الأرض} يعنى بسطها طولاً وعرضاً {وجعل فيها رواسي} يعني جبالاً راسيات ثابتات، يقال: رسي هذا الوتد وأرسيته. وواحد (الرواسي) راسية {وأنهاراً} اي وخلق فيها أنهاراً يجري المياه فيها {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} ثم ابتدأ فقال: وجعل فيها من جميع الثمرات زوجين أي ضربين. قال الحسن يعني لونين من كل ما خلق من البنات. والزوج يكون واحداً ويكون اثنين، وها هنا واحد. وقريش تقول: للانثى زوج وللذكر زوج. قال الله تعالى {أية : أسكن أنت وزوجك الجنة} تفسير : لادم. ومعنى {يغشي الليل النهار} اي يجلل الليل النهار والنهار بالليل. والمعنى انه يذهب كل واحد منهما بصاحبه ومثله {أية : يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل}تفسير : والمعنى ان أحدهما يُذهب الآخر. ثم أخبر تعالى ان فيما ذكره من الدلالات لآيات واضحات لمن فكر، واعتبر بها، لان من لم يفكر فيها ولم يعتبر، كأنه لا آية له. وقوله {زوجين اثنين} انما اكد بـ {اثنين} وان كان قوله {زوجين} افاد العدد لامرين: احدهما - على وجه التأكيد وهو مستعمل كثيراً. الثاني - ان الزوجين قد يقع على الذكر والانثى. وعلى غيرهما، فاراد ان يبين ان المراد به ها هنا لونين أو ضربين دون الذكورة والانوثة، وذلك فائدة لا يفيدها قوله {زوجين} فلا تكرار فيه بحال. وهو قول الحسن والجبائي وغيرهما.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} بسطها لستهيل توليد النّبات والحيوان فيها وتعيّشها على اكمل وجهٍ {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابت لتسهيل اخراج الماء من تحتها واجرائها على وجه الارض لسقى الزّروع والاشجار ولذلك ضمّ الانهار الى الجبال فقال {وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} فائدة التّأكيد بالاثنين الاشعار بانّ الاهتمام بالعدد لا بالجنس فقط والمراد بالاثنين الحاصل فى الجبال والجزائر من دون تربية مربٍّ، والمغروس والمزروع فى البساتين والمزارع بتربية الانسان كما فى قوله {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام:143] الآية {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} يستره ويحيط به {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور {لآيَاتٍ} عديدة {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} باستعمال عقولهم فى المبادى واستنباط الغايات منها وترتيب الحكم والمصالح عليها، ولمّا كان فى رفع السّماوات وجعل الارض وسطها وتسخير الشّمس والقمر فى جريهما وفى تدبير الامر وتعليقه بكلّ على حسب حاله، وفى مدّ الارض وجعل الرّواسى والانهار والاشجار والاثمار واللّيل والنّهار مصالح لا تحصى وحكم لا تضبط وآيات لا تعدّ والانتقال اليها يحتاج الى استعمال المتخيّلة باستخدام العقل والانتقال من المبادى اليها خصّصها بالمتفكّرين بخلاف ما بعده، فانّ كثرتها ليست بهذه المثابة ولذا اكتفى فيه بمحض العقل.
الهواري
تفسير : قوله: { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ} أي: بسطها. وبسطها ودحاها واحد. وفي تفسير الحسن: إن بدء خلق الأرض كان في موضع بيت المقدس. قال الله لها انبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا. وفي تفسير عطاء إن الأرض دحيت دحوا من تحت الكعبة. وقال مجاهد: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة ومدّت الأرض من تحته. وقال بعضهم: من مكة دحيت الأرض. قوله: { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} يعني الجبال { وَأَنْهَاراً وَمِن كُلَّ الثَّمَرَاتِ} قال بعضهم: أهبط الله من الجنة ثلاثين ثمرة؛ عشرة يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشرة يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشرة يؤكل داخلها وخارجها. قوله: { جَعَلَ فِيهَا} أي: خلق {زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل لونين اثنين من كل ما خلق الله من النبات. والواحد زوج. قوله: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ} أي: يُلبس الليل النهار. وقال الحسن: فيذهبه. وهو كقوله: {أية : يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ}تفسير : [الزمر:5] يعني أحدهما يذهب الآخر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم المؤمنون. قوله: { وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ}. قال مجاهد: هي الأرض العَذِبَة الطيّبة تكون مجاورة أرضاً سَبِخة مالحة. وقال بعضهم: قرى متجاورات قريب بعضها من بعض. قال: { وَجَنَّاتٌ مِّنْ أعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} ذكروا أن البراء بن عازب قال: إذا كان أصل النخلات واحداً فهو صنوان، وغير صنوان إذا كانت النخلات مفترقات. قوله: { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} قال مجاهد: بماء السماء. وقال بعضهم: وكل ماء عذب فهو من السماء. قال الله: (أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ) تفسير : [الزمر:21] والينابيع العيون تنبع. ذكروا أن أبا مسعود رحمه الله قال: كل النخل قد نبت من مستنقع الماء الأول إلا العجوة فإنها من الجنة. قوله: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} قال مجاهد: أي: بعضها أطيب من بعض. [وقال: هذا مثل لبني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: فيعلمون أن الذي صنع هذا قادر على أن يحيي الموتى.
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذى مدَّ} بسط {الأرضَ} على الماء من تحت البيت الحرام طولا وعرضا لينتفع عليها، سواء قلنا: إنها سطحية وهو الصحيح الظاهر، أو كورية الشكل كما قال أصحاب الهيئة، لأنها ولو كانت كورية لكنها لم تكن ممتدة إلى فوق امتدادا كليا كالسارية، فذلك مدها، ولأن كل قطعة منها تشاهد ممدودة لعظمها، كما أن نحو البيضة تشاهده الأشياء الصغيرة كما لقملة ممدودا قيل: وكان موضع البيت على الماء قبل الأرض الأرض بألف سنة، ثم بسط الأرض من تحته، وعليه عطاء ومجاهد، وقال الحسن: بسطت من تحت موضع بيت المقدس. {وجَعَل فيها رَواسىَ} جبالا ثوابت من رسا الشئ أى ثبت، جمع راسٍ كقاض بلا تاء، لأن فاعلا صفة لغير عاقل يجمع على فواعل، ولو مذكر مجردا من التاء، هذا ما ظهر لى، ولا حاجة إلى قول القاضى إنه جمع راسية، وإن التاء فى راسية للتأنيث على أنه صفة أجبل أو للمبالغة انتهى. وهذا تكلف منه يتوصل به إلى أن رواسى جمع لمؤنث وهو جماعة راسية من الجبال، والأولى أن يقول صفة جبالا، لأن الأولى فى جمع القلة لغير العاقل المطابقة، وأجبل جمع قلة، فالأولى به أجبل راسيات، وهذا لا يتمكن به إلى مراده، لأن رواسى لا يكون جمع راسيات، ولذا عدل عنه إلى راسية، ولكن الأولى له أن يقول جبال، وأول جبل وضع على الأرض أبو قبيس قاله ابن عباس رضى الله عنهما. {وأنْهاراً} من ماء لمنافع الخلق، قيل: الجبال أسباب لتولد الأنهار، ولذلك عطفها على الجبال، وسلط عليها فعلا واحدا وهو الجعل {ومِنْ كلِّ الثَّمرات} متعلق بقوله: {جَعَل فِيها زوْجَين اثْنين} كحلو وحامض، وأسود وأبيض، وصغير وكبير، وماله قشر وما لا قشر له، أو ماله نوى وما لا نوى له، ونحو ذلك، قال بعضهم: أهبط الله من الجنة ثلاثين ثمرة عشرة يؤكل داخلها وخارجها، وعشرة يؤكل خارجها لا داخلها، وعشرة [يؤكل] داخلها لا خارجها، والمراد بالزوجين الاثنين لا نوعان من كل، ثم تكاثرت وتنوعت، ويجوز كون من كل الثمرات نعتا لمحذوف ومعطوف، أى وشيئا من كل أجناس التمر وما بعده مستأنفا. {يغْشِى الليلَ النَّهار} أى يجعل الله سبحانه الليل غاشيا للنهار، فيصير الجو والأماكن مظلمة بعد ما كانت مضيئة، وقرأ حمزة، والكسائى، وأبو بكر بفتح العين وتشديد الشين، فعلى الأول تعدى لاثنين بالهمزة، وعلى الثانى بالتضعيف. {إنّ فى ذلكَ} المذكور {لآياتٍ} دليل على وحدانية الله تعالى {لقومٍ يتفكَّرون} فى صنع الله، فإن وجدها مع إمكان عدمها، وكونها صغيرة مع إمكان كبرها، وكبيرة مع إمكان صغيرها، وفى مكانها مع إمكان كونها فى مكان آخر، وفى وقت مع إمكان كونها فى وقت آخر، وكون هذا فوق هذا مع إمكان العكس ونحو ذلك، مع أن الشئ لا يوجد نفسه، ولا يؤثر فى نفسه، ولو أمكن تأثير بعضه فى بعضه الآخر دليل على أن لها موجدا حكيما يتصرف بها كما تقتضيه حكمته. والفكر هو تصرف قلب الإنسان، أو الجنى فى طلب ما تحصل له صورة فى القلب، فلا فكر فى الله تعالى، إذ لا يدركه أحد بصورة، حاشاه، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تتفكروا فى الخالق لا تطاوع النفس والشيطان فى ادعائهما"تفسير : إمكان التفكر فيه، فإنه غير ممكن، وإن شئت فقل الفكر قوة يفضى بها للعلم، أى للمعلوم والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، أعنى بالمعلوم ما من شأنه أن يعلم فلا فكر فى الله، فإن الفكر فيه مغلوب عن الكفر. وإن شئت فقل: الفكر إعمال النظر فى الشئ، وإن شئت فقل: التأمل، وإن شئت فقل: انتقال النفس من بعض المعقولات إلى بعض، وهذان على أنه بمعنى التفكر، وقال السدى: يطلق الكفر على حركة النفس فى المعقولات، أى حركة كانت، ويختص بالإنسان، أى والجنى، ويقابله التخيل وهو حركتها فى المحسات، وعلى حركتها من المطلب الذى تردد فى ثبوته، كحدوث العالم إلى مبادئه كتغير العالم وحركتها من مبادئه إليه جازمة به، يعنى يطلق على مجموع هاتين الحركتين الأخيرتين، قال: ويطلق على الحركة الأول منهما من غير أن توجد الثانية انتهى. وقال فى بعض كتبه: إنه يطلق أيضا على الحركة الثانية انتهى. وإن شئت فقل: الفكر ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى مجهول، وقال المتقدمون: هو مجموع حركة من المطلوب المشعور به بوجه المبادئ، وحركة منها إلى المطلوب المجهول بوجه.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الأَرْضَ} بسطها لمصلحة العباد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : أَول بقعة وضعت من الأَرض موضع البيت ثم مدت منها الأَرض، وأَول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأَرض أَبو قبيس ثم مدت منه الجبال"تفسير : وليس المد مشعرا بالطول العظيم كما قيل وإنما الطول القصر من خارج، والآية دليل على أَن الأَرض بسيطة، وكذا قوله: " أية : والأَرض بعد ذلك دحاها"تفسير : [النازعات: 30] ومثله ولا داعى أنها كرة وأن ما يظهر من بسطها إنما هو لعظمها حتى أن كل قطعة منها تشاهد سطحها، ودلائِل الفلاسفة فى ذلك كله مدخولة، ثم إن ظاهر قوله: {مد الأرض} أن الأَرض موجودة بلا مد ثم أَوقع عليها المد، ولا مانع من ذلك، وعلى أنها خلقت بسيطة من أَول الأَمر فالمعنى أَن البسط الذى فيها من أول وجودها فعل الله عز وجل - أَو خلقها بسيطة كضيق فم البئْر {وَجَعَلَ} خلق أَو وضع {فِيهَا رَوَاسِىَ} أَى جبالا ثوابت تمنعها من الحركة، والمفرد راس كقاض وجمع على فواعل مع أنه مذكر لأنه غير عاقل، قال الجار بردى: يجمع فاعل مذكر غير عاقل على فواعل قياسا مطردا، ومن خصه بالمؤنث قال جمع راسية أَى راسية مفرداً بتاءِ المبالغة فى الرسوخ {وَأَنْهَاراً} ينزل ماؤها من السماءِ كما ترى نقص ماءِ العيون بقلة المطر وكثرته لكثرته، ويكفى فى ذكرهما مع الجبال أَن فاعلهما واحد وهو الله - جل وعلا - والجامع خيالى كقوله تعالى: "أية : وإِلى الجبال كيف نصبت، وإِلى الأَرض كيف سطحت"تفسير : [الغاشية: 19 - 20] وأَيضا الجامع التضاد فإِن العيون تسيل بالماءِ والجبال ثوابت، ولا حاجة إلى ما ذهب إليه بعض الحكماءِ من أَن الجبال لتركبها من أَحجار صلبة إِذا تصاعدت إليها الأَبخرة احتبست فيها فتكاملت فتنقلب مياهها إلى خارج عنها، وربما خرقتها فخرجت منها مع أَنه كلام فاسد سيحان وجيحان والفرات والنيل من الجنة كما رواه مسلم عن أَبى هريرة مرفوعا، والأَولان فى أرض الأَرمن، جيحان نهر المصيصة، وسيحان نهر أَدنة، وسيحون نهر الهند وهو أربعمائِة فرسخ ينصب فى بحر الحبشة، وسيحون نهر بلخ يجرى إلى خوارزم ويتفرق فى أماكن، وباقيه إلى البحر الذى عليه الجرجانية، وذكر بعض أَن الأَنهار مائة وستة وتسعون {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} من كل متعلق بمحذوف حال من زوجين، أو يجعل أَى وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات، والزوجان النوعان، أَو عطف على رواسى أَو أَنهارا، كأَنه قيل: وجعل أَنواعا من الثمرات، فيكون قوله: جعل فيها، مستأْنفا بعده، والزوج الفرد المقابل للآخر كذكر وأنثى، والنعلين، وفى الآية الحلو والحامض، والأَسود والأَبيض والأَصفر مع أًحدهما والآخر مع أحدهما ونحو ذلك، والحار والبارد واختلاف الروائح، والصغير والكبير، أو جعل فيها زوجين زوجين من أَنواع الثمرات حين مدها ثم تشعبت وتكاثرت وتنوعت، والقول بأَن الثمرات فى أَصلها صنف ثم تشعبت فصارت أَصنافا كثيرة بعيد، والوصف بالاثنين للتنبيه على أَن القصد إلى الأَفراد لا إِلى الماهية، والمراد أَقل ما يكون، وإلا فلا انحصار فى الاثنين كأَبيض حلو بارد كبير، وأسود مر حار صغير {يُغْشِى الَّليْلَ النَّهَارَ} يجعل الله الليل غاشيا النهار يستره بظلمته، والنهار أيضا غاشيا لليل يستره بنوره، وإنما لم نحمل الآية عليه لأن الأَنسب بالليل أن يكون هو الغاشى ولأَنه إذا لم يكن دليل على أن المقام مقام التأخير أَبقى على حاله، ولا دليل هنا على أَن الليل مفعول ثان والنهار مفعول أَول فاعل فى المعنى فضلا عن أَن يقال: المعنى يجعل الله النهار غاشيا الليل، أَو شبه النهار برجل ورمز إليه بِإِلباس اللباس فتكون الاستعارة مكنية، وهذه الآية تكونت بالسماءِ، ولكن الأَثر فى الأَرض بزوال الضوء وحلول الظلمة فجعلت فى آيات الأَرض، والمشهور أَن النهار زمان ظهور الشمس وانتشار الضوءِ، وقيل: الضوءُ والليل زمان غروبها، وقيل: نفس الظلمة، والغشى هنا التعرض كقوله: "أية : وإِذا غشيهم موج"تفسير : [لقمان: 32] {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فى المخلوقات فيستدلون بالأَثر على المؤثر، والفكر تصرف القلب فى الأَشياءِ المعقولة أَو ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى إدراك المجهول، ويقال: الفكر قوة توصل إلى إدراك المجهول، والتفكر استعمالها بحسب نظر العقل، ولايكون ذلك إلا فيما له صورة، وجاءَ الحديث: "حديث : تفكروا فى المخلوق ولا تتفكروا فى الخالق" تفسير : والله لا يوصف بصورة، والجاهل يتفكر فيه من حيث إنه شىءٌ متصف بصفات فيتوهم أنه يوصف بها - تعالى الله: {وَفِى الأَرْضِ قِطَعٌ} جمع قطعة بكسر فإِسكان بمعنى بقعة {مُتَجاوِرَاتٌ} تخالفت مع تجاورها، بعضها كريمة التربة كثيرة النبات حسنة وافرة النفع، وبعضها سبخة قليلة النبات والنفع، أَو عديمتها، وبعض رخوة، وبعض صلبة، وبعض يصلح للزرع كالرخوة التامة دون الشجر، وبعض بالعكس كالصلبة، وبعض قليل المطر كهضاب وبعض كثيره، وذلك فعل للفاعل الذى يختار بعض الجائزات عن بعض سبحانه وتعالى، وإلا لتساوت لأَنها كلها أرض بسيطة متحدة المادة فلا تتفاوت بالذات بل باختيار القادر {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ} أَشجار الزبيب خصها بالذكر دون سائِر الأشجار كالتين لأَن ثمارها أَشهى للعرب من غيرها وسهولة أَكلها وحصول الخل منها أَكثر وأَسهل من غيرها {وزَرْعٌ} لم يقل زروع لأَنه فى الأَصل مصدر يصلح للكثير كما يصلح للقليل {وَنَخِيلٌ صِنوَانٌ} ثلاث فصاعدا مقترنات أَصلهن واحد وكل واحدة صنو، وأَصل الصنو المثل {وِغَيْرُ صِنْوانٍ} ثلاث فصاعدا كل واحدة بأَصل على حدة فيبقى نخلتان أصلهما واحد لم يذكرهما الله - عز وجل - لأَنهما تعلمان بالقياس والمشاهدة، أَن نقول الجمعان أطلقا على اثنتين فصاعدا، أو نقول: صنوان يشمل الاثنتين على حدة والثلاث على حدة، مثلا اثنتان بأَصل واحد وثلاث بأصل واحد فذلك خمس كلهن صنوان، كما شمل الثلاث فصاعدا على حدة باعتبار دون اعتبار الاثنتين وذلك مما اتحد مثناه وجمعه فى حال الرفع ولا فرق فى اللفظ إلا بالتنوين وضم النون وفتحها فى الجمع وإثباتها مع الإضافة فيه، ويقال أيضاً ريد وريدان بمعنى مثل وحشن وحشنان للبستان، وشفد وشفدان، وذكرهما سيبويه ولا خامس لهن {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} من عين أو مطر أو بئْر أًو بعروقها، ولا تخرج الشاربة بعروقها عن ذلك، أو يجمع ذلك أو بعضه فيهن، وعلى الاجتماع تكون المياه المجتمعة كشىءٍ واحد كما مر مثله فى سورة البقرة {ونُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الأُكُلِ} نفضل بعض النخلات المسقية بماءٍ واحد فى مأكولها وهو الثمار، وذلك التفضيل جعل طعم بعض أَفضل من طعم بعض وبعض أفضل رائحة من بعض وشكل بعض أحسن من شكل آخر، وبعض أكبر من بعض وكذلك فى الحبوب والثمر والبقول، وخص المأكول بالذكر لأنه أشدها نفعاً وإلا فكذلك يفرق بالحموضة والمرارة والعفونة والماء واحدة، وفى تفضيل بعض على بعض مع اتحاد الماءِ دليل على قدرة خالقها، واختياره لما أراد من الجائِزات، ومن ذلك أَن البشر من آدم كالأَرض للثمار للماءِ وتذكرتهم واحدة، وحسنت نفوس بعض وخبثت نفوس بعض، قال الحسن: والله ما جالس أحدكم القرآن إِلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قال الله سبحانه وتعالى: "أية : وننزل من القرآن" تفسير : [الإسراء: 82] إلى خسارا، {إِنَّ فَى ذلِكَ} أى ما ذكر كله من الاختلاف أَو من تخالف الأَرضين وتخالف ثمارها المسقية بماءٍ واحد، وهذا أَولى لأَن ما قبله قد ذكر له قوله:{ لقوم يتفكرون } {لآيَاتٍ} كثيرة عظيمة فالتنكير لذلك وفى للتجريد بمعنى أنهن فى عظمهن بحيث يتولد منهن آيات أخر أو يشار إلى الأحوال الكلية والآيات أفرادها الحادثة شيئاً فشيئاً فى الأَزمنة والأَمكنة فلا تجريد، ولكن لا وجود للكلى إلا فى ضمن الجزئى فلا يكون مشارا إليه من حيث هو هو {لِقَوْمٍ يعْقِلُونَ} يستعملون قوة عقولهم فينتفعون، ولا مفعول له لأَنه ليس المراد يعقلون كذا بل استعمال قوة عقولهم، وقال هنا يعقلون، وهناك يتفكرون للتفنن، ولأَن الاستدلال باختلاف النهار أَسهل، والتفكر سبب للتعقل، والسبب مقدم على المسبب، ومن ذلك أنه تنبت من أسفل الحبة عروق لأَسفل ومن أَعلاها أوراق وأَغصان، وبعضها خشب وبعضها نور، وبعضها ثمر، فما هذا الاختلاف مع اتحاد طبيعة الحبة والأرض والحر والبرد إلا بفاعل مختار، وانظر الجوزة أعلاها قشرة تحته قشرة تحيط باللب تحت ذى قشرة فى غاية الرقة حال رطب الجوز، وإلى العنبة جلدها وعجمها باردان يابسان ولحمها وماؤها حاران رطبان، قيل: شعر : والأَرض فيها عبرة لمعتبر تخبر عن صنع مليك مقتدر تسقى بماءٍ واحد أَشجارها وبقعة واحدة قرارها والشمس والهواء لم يختلفا وأكلها مختلف ما ائتلفا لو أن ذا من عمل الطبائع أَو أَنه صنعة غير الصانع لم يختلف وكان شيئاً واحدا هل يشبه الأَولاد إلا الوالدا الشمس والهواءُ يا معاند والماءُ والتراب شىءٌ واحد فما الذى أَوجب ذا التفاضلا إِلا حكيم لم يرده باطلا
الالوسي
تفسير : . {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ} أي بسطها طولاً وعرضاً، قال الأصم: البسط المد إلى ما لا يرى منتهاه، ففيه دلالة على بعد مداها وسعة أقطارها، وقيل: كانت مجتمعة فدحاها من مكة من تحت البيت، وقيل: كانت مجتمعة عند بيت المقدس فدحاها وقال سبحانه لها: اذهبـي كذا وكذا وهو المراد بالمد، ولا يخفى أنه خلاف ما يقتضيه المقام. واستدل بالآية على أنها مسطحة غير كرية، والفلاسفة مختلفون في ذلك فذهب فريق منهم إلى أنها ليست كرية وهؤلاء طائفتان. فواحدة تقول: إنها محدبة من فوق مسطحة من أسفل فهي كقدح كب على وجه الماء، وأخرى تقول بعكس ذلك، وذهب الأكثرون منهم إلى أنها كرية أما في الطول فلأن البلاد المتوافقة في العرض أو التي لا عرض لها كلما كانت أقرب إلى الغرب كان طلوع الشمس وسائر الكواكب عليها متأخراً بنسبة واحدة ولا يعقل ذلك إلا في الكرة، وأما في العرض فلأن السالك في الشمال كلما أوغل فيه ازداد القطب ارتفاعاً عليه بحسب إيغاله فيه على نسبة واحدة بحيث يراه قريباً من سمت رأسه وكذلك تظهر له الكواكب الشمالية وتخفى عنه الكواكب الجنوبية، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس من ذلك، وأما فيما بينهما فلتركب/ الأمرين. وأورد عليهم الاختلاف المشاهد في سطحها فأجابوا عنه بأن ذلك لا يقدح في أصل الكرية الحسية المعلومة بما ذكر، فإن نسبة ارتفاع أعظم الجبال على ما استقر عليه استقراؤهم وانتهت إليه آراؤهم وهو جبل دماوند فيما بين الري وطبرستان أو جبل في سرنديب إلى قطر الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع. واعترض ذلك بأنه هب أن ما ذكرتم كذلك فما قولكم فيما هو مغمور في الماء؟ فإن قالوا: إذا كان الظاهر كرياً فالباقي كذلك لأنها طبيعة واحدة. قلنا: فالمرجع حينئذ إلى البساطة واقتضاؤها الكرية الحقيقية ولا شك أنه يمنعها التضاريس وإن لم تظهر للحس لكونها في غاية الصغر، لكن أنت تعلم أن أرباب التعليم يكتفون بالكرية الحسية في السطح الظاهر فلا يتجه عليهم السؤال عن المغمور ولا يليق بهم الجواب بالرجوع إلى البساطة، والحق الذي لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل إن ما ظهر منها كري حساً، ولذلك كرية الفلك تختلف أوقات الصلاة في البلاد فقد يكون الزوال ببلد ولا يكون ببلد آخر وهكذا الطلوع والغروب وغير ذلك، وكرية ما عدا ما ذكر لا يعلمها إلا الله تعالى. نعم إنها لعظم جرمها الظاهر يشاهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح وهكذا كل دائرة عظيمة؛ وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين المد وكونها كرية. وزعم ابن عطية أن ظاهر الشريعة يقتضي أنها مسطحة وكأنه يقول بذلك وهو خلاف ما يقتضيه الدليل. وهي عندهم ثلاث طبقات الطبقة الصرفة المحيطة بالمركز ثم الطبقة الطينية ثم الطبقة المخالطة التي تتكون فيها المعادن وكثير من النباتات والحيوانات، والصرفة منها غير ملونة عند بعضهم، ومال ابن سينا إلى أنها ملونة، واحتج عليه بأن الأرض الموجودة عندنا وإن كانت مخلوطة بغيرها ولكنا قد نجد فيها ما يكون الغالب عليه الأرضية فلو كانت الأرض البسيطة شفافة لكان يجب أن نرى في شيء من أجزاء الأرض مما ليس متكوناً تكوناً معدنياً شيئاً فيه إشفاف ولكان حكم الأرض في ذلك حكم الماء والهواء فإنهما وإن امتزجا إلا أنهما ما عدما الإشفاف بالكلية. واختلف القائلون بالتلون فمنهم من قال: إن لونها هو الغبرة، ومنهم من زعم أنه السواد وزعم أن الغبرة إنما تكون إذا خالطت الأجزاء الأرضية أجزاء هوائية فبسببها ينكسر ويحصل الغبرة، وأما إذا اجتمعت تلك الأجزاء بحيث لا يخالطها كثير هوائية اشتد السواد وذلك مثل الفحم قبل أن يترمد فإن النار لا عمل لها إلا في تفريق المختلفات فهي لما حللت ما في الخشب من الهوائية واجتمعت الأجزاء الأرضية من غير أن يتخللها شيء غريب ظهر لون أجزائها وهو السواد، ثم إذا رمدته اختلطت بتلك الأجزاء أجزاء هوائية فلا جرم أبيضت مرة أخرى. والذي صح في الخبر وقد سبق، إطلاق الغبراء على الأرض وهو محتمل لأن تكون سائر طبقاتها كذلك ولأن يكون وجهها الأعلى كذلك، نعم جاء في بعض الآثار أن في أسفل الأرض تراباً أبيض وما ذكر من الطبقات مما لا يصادم خبراً صحيحاً في ذلك، وكونها سبع طبقات بين كل طبقة وطبقة كما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وفي كل خلق غير مسلم، {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مّثْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 12] لا يثبته كما ستعلم إن شاء الله تعالى، والخبر في ذلك غير مسلم الصحة أيضاً، ومثل ذلك فيما أرى ما روي عن كعب أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن الله تعالى جعل مسيرة ما بين المشرق والمغرب خمسمائة سنة فمائة سنة في المشرق لا يسكنها شيء من الحيوان لا جن ولا إنس ولا دابة وليس في ذلك شجرة ومائة سنة في المغرب كذلك وثلثمائة سنة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان، وكذا ما أخرجه ابن/ حاتم عن عبد الله بن عمر من أن الدنيا مسيرة خمسمائة عام أربعمائة عام خراب ومائة عمران، والمقرر عند أهل الهندسة والهيئة غير هذا. فقد ذكر القدماء منهم أن محيط دائرة الأرض الموازية لدائرة نصف النهار ثمانية آلاف فرسخ حاصلة من ضرب فراسخ درجة واحدة وهي عندهم اثنان وعشرون فرسخاً وتسعاً فرسخ في ثلثمائة وستين محيط الدائرة العظمى على الأرض، والمتأخرون أن ذلك ستة آلاف وثمانمائة فرسخ حاصلة من ضرب فراسخ درجة وهي عندهم تسعة عشر فرسخاً إلا تسع فرسخ في المحيط المذكور، وعلى القولين التفاوت بين ما يقوله المهندسون ومن معهم وما نسب لغيرهم ممن تقدم أمر عظيم والحق في ذلك مع المهندسين. وزعموا أن الموضع الطبيعي للأرض هو الوسط من الفلك وأنها بطبعها تقتضي أن تكون مغمورة بالماءة ساكنة في حاق الوسط منه لكن لما حصل في جانب منها تلال وجبال ومواضع عالية وفي جانب آخر ضد ذلك لأسباب ستسمعها بعد إن شاء الله تعالى وكان من طبع الماء أن يسيل من المواضع العالية إلى المواضع العميقة لا جرم انكشف الجانب المشرف من الأرض وسال الماء إلى الجوانب العميقة منها. وللكواكب في زعمهم تأثير في ذلك بحسب المسامتات التي تتبدل عند حركاتها خصوصاً الثوابت والأوجات والحضيضات المتغيرة في أمكنتها. وحكم أصحاب الأرصاد أن طول البر المنكشف نصف دور الأرض وعرضه أحد أرباعها إلى ناحية الشمال، وفي تعيين أي الربعين الشماليين منكشف تعذر أو تعسر كما قال صاحب "التحفة"، وأما ما عدا ذلك فقال الإمام: لم يقم دليل على كونه مغموراً في الماء ولكن الأشبه ذلك إذ الماء أكثر من الأرض أضعافاً لأن كل عنصر يجب أن يكون بحيث لو استحال بكليته إلى عنصر آخر كان مثله، والماء يصغر حجمه عند الاستحالة أرضاً ومع ذلك لو كان في بعض المواضع في الأرباع الثلاثة عمارة قليلة لا يعتد بها، وأما تحت القطبين فلا يمكن أن يكون عمارة لاشتداد البرد. وإنما حكموا بأن المعمور الربع لأنهم لم يجدوا في إرصاد الحوادث الفلكية كالخسوفات وقرانات الكواكب التي لا اختلاف منظر لها تقدماً في ساعات الواغلين في المشرق لتلك الحوادث على ساعات الواغلين في المغرب زائداً على اثنتي عشرة ساعة مستوية وهي نصف الدور لأن كل ساعة خمسة عشر جزءاً من أجزاء معدل النهار تقريباً وضرب خمسة عشر في اثني عشر مائة وثمانون. ونحن نقول بوجود الخراب وأنه أكثر من المعمور بكثير وأكثر المعمور شمالي ولا يوجد في الجنوب منه إلا مقدار يسير، لكنا نقول: ما زعموه سبباً للانكشاف غير مسلم ونسند كون الأرض بحيث وجدت صالحة لسكنى الحيوانات وخروج النبات إلى قدرته تعالى واختياره سبحانه وإلا فمن أنصف علم أن لا سبيل للعقل إلى معرفة سبب ذلك على التحقيق وقال: إنه تعالى فعل ذلك في الأرض لمجرد مشيئته الموافقة للحكمة. {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } أي جبالاً ثوابت في أحيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها عن ذلك، وفواعل يكون جمع فاعل إذا كان صفة مؤنث كحائض أو صفة ما لا يعقل مذكر كجمل بازل وبوازل أو اسماً جامداً أو ما جرى مجراه كحائط وحوائط وانحصار مجيئه جميعاً لذلك في فوارس وهوالك ونواكس إنما هو في صفات العقلاء لا مطلقاً، والجمع هنا في صفة ما لا يعقل، قيل: فلا حاجة إلى جعل المفرد هنا راسية صفة لجمع القلة أعني أجبلاً ويعتبر في جمع الكثرة أعني جبالاً انتظامه لطائفة من جموع القلة وينزل كل منها منزلة مفرده كما قيل، على أنه لا مجال لذلك لأن جمعية كل من صيغتي الجمعين إنما هي/ لشمول الأفراد لا باعتبار شمول جمع القلة للأفراد وجمع الكثرة لجموع القلة فكل منهما جمع جبل لا أن جبالاً جمع أجبل اهـ. وتعقب بأنه لعل من قال: إن الرواسي هنا جمع راسية صفة أجبل لا يلتزم ما ذكر وأنه إذا صح إطلاق أجبل راسية على جبال قطر مثلاً صح إطلاق الجبال على جبال جميع الأقطار من غير اعتبار جعل الجبال جمعاً لجموع القلة نعم لا يصح أن يكون جبال جمع أجبل لأنه يصير حينئذ جمع الجمع وهو خلاف ما صرح به أهل اللغة. وجعل راسية صفة جبل لا أجبل والتاء فيه للمبالغة لا للتأنيث كما في ـ علامة ـ يرد عليه أن تاء المبالغة في فاعلة غير مطرد. وقال أبو حيان: إنه غلب على الجبال وصفها بالرواسي ولذا استغنوا بالصفة عن الموصوف وجمع جمع الاسم كحائط وحوائط وهو مما لا حاجة إليه لما سمعت، وأورد عليه أيضاً أن الغلبة تكون بكثرة الاستعمال والكلام في صحته من أول الأمر ففيما ذكره دور، وأجيب بأن كثرة استعمال الرواسي غير جار على موصوف يكفي لمدعاه وفيه تأمل، وكذا لا حاجة إلى ما قيل: إنه جمع راسية صفة جبل مؤنث باعتبار البقعة وكل ذلك ناشيء من الغفلة عما ذكره محققو علماء العربية، هذا والتعبير عن الجبال بهذا العنوان لبيان تفرع قرار الأرض على ثباتها، وفي «الخبر» «حديث : لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تميد فخلق الله تعالى الجبال عليها فاستقرت فقالت الملائكة: ربنا خلقت خلقاً أعظم من الجبال؟ قال: نعم الحديد، فقالوا: ربنا خلقت خلقاً أعظم من الحديد؟ قال: نعم النار، فقالوا: ربنا خلقت خلقاً أعظم من النار؟ قال: نعم الماء فقالوا: ربنا خلقت خلقاً أعظم من الماء؟ قال: نعم الهواء، فقالوا: ربنا خلقت خلقاً أعظم من الهواء؟ قال نعم ابن آدم يتصدق الصدقة بيمينه فيخفيها عن شماله»تفسير : وأول جبل وضع على الأرض كما أخرج ابن أبـي حاتم عن عطاء أبو قبيس، ومجموع ما يرى عليها من الجبال مائة وسبعة وثمانون جبلاً وأبى الفلاسفة كون استقرار الأرض بالجبال واختلفوا في سبب ذلك فالقائلون بالكرية منهم من جعله جذب الفلك لها من جميع الجوانب فيلزم أن تقف في الوسط كما يحكى عن صنم حديدي في بيت مغناطيسي الجوانب كلها فإنه وقف في الوسط لتساوي الجذب من كل جانب. ورد بأن الأصغر أسرع انجذاباً إلى الجاذب من الأكبر فما بال المدرة لا تنجذب إلى الفلك بل تهرب عنه إلى المركز، وأيضاً إن الأقرب أولى بالانجذاب من الأبعد فالمدرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب على أصلهم فكان يجب أن لا تعود، ومنهم من جعله دفع الفلك بحركته لها من كل الجوانب كما إذا جعل شيء من التراب في قارورة كرية ثم أديرت على قطبيها إدارة سريعة فإنه يعرض وقوف التراب في وسطها لتساوي الدفع من كل جانب ورد بأن الدفع إذا كانت قوته هذه القوة فما باله لا يحس به، وأيضاً ما بال هذا الدفع لا يجعل حركة الرياح والسحب إلى جهة بعينها، وأيضاً ما باله لم يجعل انتقالنا إلى المغرب أسهل من انتقالنا إلى المشرق، وأيضاً يجب أن تكون حركة الثقيل كلما كان أعظم أيضاً لأن اندفاع الأعظم من الدافع أبطأ من اندفاع الأصغر، وأيضاً يجب أن تكون حركة الثقيل النازل ابتداء أسرع من حركته انتهاء لأنه عند الابتداء أقرب إلى الفلك، وغير القائلين بها منهم من جعلها غير متناهية من جانب السفل وسبب سكونها عندهم أنها لم يكن لها مهبط تنزل فيه، ويرد دليل تناهي الأجسام، ومنهم من قال بتناهيها وجعل السبب طفوها على الماء إما مع كون محدبها فوق ومسطحها أسفل وأما مع العكس، ورد بأن مجرد الطفو لا يقتضي السكون على أن فيه عند الفلاسفة بعد ما فيه، وذهب/ محققوهم إلى أن سكونها لذاتها لا لسبب منفصل، قال في "المباحث المشرقية": والوجه المشترك في إبطال ما قالوا في سبب السكون أن يقال: جميع ما ذكرتموه من الجذب والدفع وغيرهما أمور عارضة وغير طبيعية ولا لازمة للماهية فيصح فرض ماهية الأرض عارية عنها فإذا قدرنا وقوع هذا الممكن فأما أن تحصل في حيز معين أو لا تحصل فيه وحينئذ إما أن تحصل في كل الأحياز أو لا تحصل في شيء منها والأخيران ظاهرا الفساد فتعين الأول وهو أن تختص بحيز معين ويكون ذلك لطبعها المخصوص ويكون حينئذ سكونها في الحيز لذاتها لا لسبب منفصل، وإذا عقل ذلك فليعقل في اختصاصها بالمركز أيضاً، ثم ذكر في تكون الجبال مباحث. الأول: الحجر الكبير إنما يتكون لأن حراً عظيماً يصادف طيناً لزجاً إما دفعة أو على سبيل التدريج. وأما الارتفاع فله سبب بالذات وسبب بالعرض، أما الأول: فكما إذا نقلت الريح الفاعلة للزلزلة طائفة من الأرض وجعلتها تلاً من التلال، وأما الثاني: فأن يكون الطين بعد تحجره مختلف الأجزاء في الرخاوة والصلابة وتتفق مياه قوية الجري أو رياح عظيمة الهبوب فتحفر الأجزاء الرخوة وتبقى الصلبة ثم لا تزال السيول والرياح تؤثر في تلك الحفر إلى أن تغور غوراً شديداً ويبقى ما تنحرف عنه شاهقاً، والأشبه أن هذه المعمورة قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحار فحصل هناك الطين اللزج الكثير ثم حصل بعد الانكشاف وتكونت الجبال، ومما يؤيد هذا الظن في كثير من الأحجار إذا كسرناها أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف ثم لما حصلت الجبال وانتقلت البحار حصل الشهوق إما لأن السيول حفرت ما بين الجبال وإما لأن ما كان من هذه المنكشفات أقوى تحجراً وأصلب طينة إذا انهد ما دونه بقي أرفع وأعلى، إلا أن هذه أمور لا تتم في مدة تفي التواريخ بضبطها. والثاني: سبب عروق الطين في الجبال يحتمل أن يكون من جهة ما تفتت منها وتترب وسالت عليه المياه ورطبته أو خلطت به طينها الجيد، وأن يكون من جهة أن القديم من طين البحر غير متفق الجوهر منه ما يقوي تحجره ومنه ما يضعف؛ وأن يكون من جهة أنه يعرض للبحر أن يفيض قليلاً قليلاً على سهل وجبل فيعرض للسهل أن يصير طيناً لزجاً مستعداً للتحجر القوي وللجبل أن يتفتت كما إذا نقعت آجرة وتراباً في الماء ثم عرضت الآجرة والطين على النار فإنه حينئذ تتفتت الآجرة ويبقى الطين متحجراً. والثالث: قد نرى بعض الجبال منضوداً ساقاً فساقاً فيشبه أن يكون ذلك لأن طينته قد ترتبت هكذا بأن كان ساق قد ارتكم أولاً ثم حدث بعده في مدة أخرى ساق آخر فارتكم وكان قد سال على كل ساق من خلاف جوهره فصار حائلاً بينه وبين الساق الآخر فلما تحجرت المادة عرض للحائل أن أنتثر عما بين الساقين. هذا وتعقب ما ذكروه في سبب التكون بأنه لا يخفى أن اختصاص بعض من أجزاء الأرض بالصلابة وبعض آخر منها بالرخاوة مع استواء نسبة تلك الأجزاء كلها إلى الفلكيات التي زعموا أنها المعدات لها قطعاً للمجاورة والملاصقة الحاصلة بين الأجزاء الرخوة والصلبة يستدعي سبباً مخصصاً وعند هذا الاستدعاء يقف العقل ويحيل ذلك الاختصاص على سبب من خارج هو الفاعل المختار جل شأنه فليت شعري لم لم يفعل ذلك أولاً حذفاً/ للمؤنة. نعم لا يبعد أن يكون ذلك من أسباب تكونها بإرادة الله تعالى عند من يقول من المليين وغيرهم بالوسائط لا عند الأشاعرة إذ الكل عندهم مستند إليه سبحانه ابتداء فلا يتصور واسطة حقيقة على رأيهم وما ذكر من الأسباب أمور لا تفيد إلا ظناً ضعيفاً. وحديث رؤية أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف كذلك أيضاً فإنا كثيراً ما نرى ذلك في مواضع المطر. وقد أخبرني من أثق به أنه شاهد ضفادع وقعت مع المطر، على أن ذلك لا يتم على تقدير أن يكون المكشوف من الأرض قد انكشف في مبدأ الفطرة ولم يكن مغموراً بالماء ثم انكشف، وهو مما ذهب إليه بعض محققي الفلاسفة أيضاً. واعترضوا على القائلين بأن الانكشاف قد حصل بعد بأن أقوى أدلته أن حضيض الشمس في جانب الجنوب فقرب الشمس إلى الأرض هناك أكثر من جانب الشمال بقدر ثخن المتمم من ممثلها فتشتد بذلك الحرارة هناك فانجذب الماء من الشمال إلى الجنوب لأن الحرارة جذابة للرطوبة فلذا انكشف الربع الشمالي فإذا انتقل الحضيض إلى جانب الشمال انعكس الأمر. ويرد عليه أنه لوكان كذلك لكان الربع الشمالي الآخر أيضاً مكشوفاً إذ لا فرق بين الربعين في ذلك وفي التزام ذلك بعد على أنه لم يلتزمه أحد. ثم إن وجود الجبال في المغمور وجودها في المعمور يستدعي أنه كان معموراً وأن الحضيض كان في غير جهته اليوم وهو قول بأن البر لا يزال يكون بحراً والبحر لا يزال يكون براً بتبدل جهتي الأوج والحضيض فيكون المنكشف تارة جانب الشمال وأخرى جانب الجنوب وحيث إن ذلك إنما يكون على سبيل التدريج يقتضي أن نشاهد اليوم شيئاً من جانب الجنوب منكشفاً ومن جانب الشمال مغموراً ولا نظن وجود ذلك ولو كان لاشتهر، فإن أوج الشمس اليوم في عاشرة السرطان وحركته في كل سنة دقيقة تقريباً فيكون من الوقت الذي انتقل فيه من الجانب الشمالي إلى اليوم آلاف عديدة من السنين يغمر فيها كثير ويعمر كثير. نعم يحكى أن جزيرة قبرس كانت متصلة بالبر ثم حال البحر بينهما لكنه على تقدير ثبوته ليس مما نحن فيه ولا نسلم أن يكي دنيا مما حدث انكشافها لجواز أن تكون منكشفة من قبل، فالحق أن هذا البر بعد أن وجد لم يصر بحراً وهذا البحر المحيط بعد أن أحاط لم يصر براً وهو الذي تقتضيه الأخبار الإلهية والآثار النبوية. نعم جاء في بعض الآثار ما ظاهره أن الأرض المسكونة كانت مكشوفة في مبدأ الفطرة كأثر الياقوتة، وفي بعض آخر منها ما ظاهره أنها كانت مغمورة كخبر ابن عباس أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الخلق أمر الريح فأبدت عن حشفة ومنها دحيت الأرض ما شاء الله تعالى في الطول والعرض فجعلت تميد فجعل عليها الجبال الرواسي، وفي التوراة ما هو نص في ذلك ففي أول سفر الخليقة منها أول ما خلق الله تعالى السماء والأرض وكانت الأرض غامرة مستبحرة وكان هناك ظلام وكانت رياح الإله تهب على وجه الماء فشاء الله تعالى أن يكون نور فكان ثم ذكر فيه أنه لما مضى يوم ثان شاء الله تعالى أن يجتمع الماء من تحت السماء إلى موضع واحد ويظهر اليبس فكان كذلك وسمى الله سبحانه اليبس أرضاً ومجتمع الماء بحاراً، وفيه أيضاً أن خلق النيرين كان في اليوم الثالث، وهو آب عن جعل سبب الانكشاف ما سمعت عن قرب من قرب الشمس، وما أشارت إليه هذه الآية ونطق به غيرها من الآيات من كون الجبال سبباً لاستقرار الأرض وأنها لولاها لمادت أمر لا يقوم على أصولنا دليل يأباه فنؤمن به وإن لم نعلم ما وجه ذلك على التحقيق، ويحتمل أن يكون وجهه أن الله تعالى خلق الأرض حسبما اقتضته حكمته صغيرة بالنسبة إلى سائر الكرات وجعل لها مقداراً من الثقل معيناً ووضعها في المكان الذي وضعها فيه من/ الماء وأظهر منها ما أظهر وليس ذلك إلا بسبب مشيئته تعالى التابعة لحكمته سبحانه لا لأمر اقتضاه ذاتها فجعلت تميد لاضطراب أمواج البحر المحيط بها فوضع عليها من الجبال ما ثقلت به بحيث لم يبق للأمواج سلطان عليها وهذا كما يشاهد في السفن حيث يضعون فيها ما يثقلها من أحجار وغيرها لنحو ذلك، وكون نسبة ارتفاع أعظم الجبال إليها النسبة السابقة لا يضرنا في هذا المقام لأن الحجم أمر والثقل أمر آخر فقد يكون ذو الحجم الصغير أثقل من ذي الحجم الكبير بكثير، لا يقال: إن خلقها ابتداء بحيث لا تزحزحها الأمواج كان ممكناً فلم لم يفعله سبحانه وتعالى بل خلقها بحيث تحركها الأمواج ثم وضع عليها الجبال لدفع ذلك؟ لأنا نقول إنما فعل سبحانه هكذا لما فيه من الحكم التي هو جل شأنه بها أعلم، وهذا السؤال نظير أن يقال: إن خلق الإنسان ابتداء بحيث لا يؤثر فيه الجوع والعطش مثلاً شيئاً كان ممكناً فلم لم يفعله تعالى بل خلقه بحيث يؤثران فيه ثم خلق له ما يدفع به ذلك ليدفعه به وله نظائر بعد كثيرة، وليس ذلك إلا ناشئاً عن الغفلة عما يترتب على ما صدر منه تعالى من الحكم، ولعل الحكمة فيما نحن فيه إظهار مزيد عظمته جلت عظمته للملائكة عليهم السلام فإن ذلك مما يوقظ جفن الاستعظام ألا تراهم كيف قالوا حين رأوا ما رأوا ربنا خلقت خلقاً أعظم من الجبال الخ. ويقال لمن لم يؤمن بهذا بين أنت لنا حكمة تقدم بعض الأشياء على بعض في الخلق كيفما كان التقدم وكذا حكمة خلق الإنسان ونحوه محتاجاً وخلق ما يزيل احتياجه دون خلقه ابتداء على وجه لا يحتاج معه إلى شيء، فإن بين شيئاً قلنا بمثله فيما نحن فيه، ثم إنا نقول: ليس حكمة خلق الجبال منحصرة في كونها أوتاداً للأرض وسبباً لاستقرارها بل هناك حكم كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى. وقد ذكر الفلاسفة للجبال منافع كثيرة قالوا: إن مادة السحب والعيون والمعدنيات هي البخار فلا تتكون إلا في الجبال أو فيما يقرب منها. أما العيون فلأن الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع منها قدر يعتد به فإذن لا تجتمع إلا في الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرضين فلا جرم كانت أقواها على حبس البخار حتى يجتمع ما يصلح أن يكون مادة للعيون، ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءاً ماء ويكون الجبل في حقنه الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعد للتقطير لا يدع شيئاً من البخار يتحلل وقعر الأرض التي تحته كالقرع والعيون كالأذناب التي في الأنابيق والأودية والبخار كالقوابل، ولذلك أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال وأقلها في البراري وهو مع هذا لا يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة، وأما إن أكثر السحب تكون في الجبال فلوجوه. أحدها: أن في باطن الجبال من النداوات ما لا يكون في باطن الأرضين الرخوة، وثانيها: أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من الانداء والثلوج ما لا يبقى على ظاهر الأرضين، وثالثها: إن الأبخرة الصاعدة تكون في الجبال، وإذا ثبت ذلك ظهر أن أسباب تراكم السحب في الجبال أكثر لأن المادة فيها ظاهراً وباطناً أكثر والاحتقان أشد والسبب المحلل وهو الحر أقل، وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة فيكون اختلاطها بالأرضية أكثر وإقامتها في مواضع لا تتفرق فيها أطول ولا شيء في هذا المعنى كالجبال، ومن تأمل علم أن للجبال منافع غير ذلك لا تحصى فلا يضر أن بعضاً من الناس من وراء المنع لبعض ما ذكر وسمعت من بعض العصريين أن من جملة منافعها كونها سبباً لانكشاف هذا المقدار المشاهد من الأرض/ وذلك لاحتباس الأبخرة الطالبة لجهة العلو فيها، وهو يقتضي أن الأرض قبلها كانت مغمورة وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لما خلق الله تعالى الأرض فجعلت تميد فوضع عليها الجبال فاستقرت» تفسير : على أنه يتراءى المنافاة بين جعلها أوتاداً المصرح به في الآيات وكونها جاذبة للأرض إلى جهة العلو ولا يرد على ما ذكر في توجيه كونها سبباً لاستقرار الأرض أن كونها فيها كشرع في سفينة ينافيه إذ يقتضي ذلك أن تتحرك الأرض إلى خلاف جهة مهب الهواء لأنا من وراء منع حدوث الهواء على وجه يحركها بسببه كذلك. وهذا كله إذا حكمنا العقل في البين وتقيدنا بالعاديات، وأما إذا أسندنا كل ذلك إلى قدرة الفاعل المختار جل شأنه وقلنا: إنه سبحانه خلق الأرض مائدة وجعل عليها الجبال وحفظها عن الميد لحكم علمها تحار فيها الأفكار ولا يحيط بها إلا من أوتي علماً لدنياً من ذوي الأبصار ارتفعت عنا جميع المؤمن وزالت سائر المحن ولا يلزمنا على هذا أيضاً القول بأن الأرض وسط العالم كما هو رأي أكثر الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين. ولم يخالف من الأولين إلا شرذمة زعموا أن كرة النار في الوسط لأنها أشرف من الأرض لكونها مضيئة لطيفة حسنة اللون وكون الأرض كثيفة مظلمة قبيحة اللون وحيز الاشرف يجب أن يكون اشرف الأحياز وهو الوسط فإذن هي في الوسط وهذا من الإقناعات الضعيفة، ومع ذلك يرد عليه أنا لا تسلم شرافة النار على الأرض مطلقاً فانها إن ترجحت عليها باللطافة وما معها فالأرض راجحة بأمور. أحدها أن النار مفرطة الكيفية مفسدة والأرض ليست كذلك، وثانيها أنها لا تبقى في المكان الغريب مثل ما تبقى الأرض. وثالثها أن الأرض حيز الحياة والنشوء والنار ليست كذلك، وما ذكر من استحسان الحس البصري للنار يعارضه استحسان الحس اللمسي للأرض بالنسبة إليها، على أنا لو سلمنا الاشرفية فهي لا تقتضي إلا الوسط الشرقي لا المقداري إذ لا شرف له وذلك ليس هو إلا حيزها الذي يزعمه جمهور المتقدمين لها لأنه متوسط بين الأجرام العنصرية والأجرام الفلكية، ولم يخالف من الآخرين إلا شر ذمة قليلة هم هرشل وأصحابه زعموا أن الشمس ساكنة في وسط العالم وكل ما عداها يتحرك عليها لأنها جرم عظيم جداً وكل الأجرام دونها لا سيما الأرض فإنها بالنسبة إليها كلا شيء، والحكمة تقتضي سكون الأكبر وتحرك الأصغر، وهذا أيضاً من الإقناعات الضعيفة ومع ذلك يرد عليه أن سكون الأصغر لا سيما بين أمواج ورياح وحركة الأكبر لا سيما مثل الحركة التي يثبتها الجمهور للشمس أبلغ في القدرة، وتعليلهم ذلك أيضاً بأنا لا نرى للشمس ميلاً عما يقال له منطقة البروج فيقتضي أن تكون ساكنة بخلاف غيرها لا يخفى ما فيه، والذي يميل إليه كثير من الناس أن تحت الأرض ماء وانها فيه كبطيخة خضراء في حوض. وجاء في بعض الأخبار أن الأرض على متن ثور والثور على ظهر حوت والحوت في الماء ولا يعلم ما تحت الماء إلا الذي خلقه. وذكر غير واحد أن زيادة كبد ذلك الحوت هو الذي يكون أول طعام أهل الجنة فحملوا الحوت فيما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أول شيء يأكله أهل الجنة زائدة كبد الحوت» تفسير : على ذلك الحوت وبينوا حكمة ذلك الأكل بأنه اشارة إلى خراب الدنيا وبشارة بفساد أساسها وأمن العود إليها حيث إن الأرض التي كانوا يسكنونها كانت مستقرة عليه، وخص الأكل بالزائدة لما بينه الأطباء من أن العلة إذا وقعت في الكبد دون الزائدة رجي برؤه فإن وقعت في الزائدة هلك العليل فأكلهم من ذلك أدخل في البشرى. ومنع بعضهم صحة الأخبار الدالة على أنها ليست على الماء بلا واسطة لا سيما الخبر الطويل الذي/ ذكره البغوي في سورة (ن) ولم ينكر صحة الخبر في أن أول شيء يأكله أهل الجنة زائدة كبد الحوت إلا أنه قال: المراد بالحوت فيه حوت ما بدليل ما رواه سلطان المحدثين البخاري «حديث : أول ما يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت يأكل منه سبعون ألفاً»تفسير : بتنكير لفظ حوت، ونظير ذلك في "صحيح مسلم" حيث ذكر فيه أنه حديث : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة وأن إدامهم ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاًتفسير : ، وذكر حال الأرض فيه لا يعين مراد الخصم فإنه يجوز أن يكون الجمع بين ذلك للإشارة إلى خراب الدنيا وانقطاع أمر الاستعداد للمعاش وانصرام الحياة العنصرية المائية أما الإشارة إلى الأول فظاهر، وأما إلى الثاني فبالاستيلاء على الثور وأكل زائدة كبده فإنه عمدة عدة الحارث المهتم لأمر معاشه وفي الخبر «حديث : كلكم حارث وكلكم همام»تفسير : وأما الإشارة إلى الثالث فبالاستيلاء على الحوت وأكل زائدة كبده أيضاً فإنه حيوان عنصري مائي لا يمكن أن يحيا سويعة إذا فارق الماء، وبهذا يظهر المناسبة التامة بين ما اشتمل عليه الخبر، ولا يبعد أن يكون ظهور الحياة الدنيوية بصورة الحوت وما يحتاج إليه فيها من أسباب الحراثة الضرورية في أمر المعاش بصورة الثور وكل الصيد في جوف الفرا، ويكون ذلك من قبيل ظهور الموت في صورة الكبش الأملح في ذلك اليوم، وقال بعض العارفين في سر تخصيص الكبد: إنه بيت الدم وهو بيت الحياة ومنه تقع قسمتها في البدن إلى القلب وغيره، وبخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه بالروح الحيواني ففي كونه طعاماً لأهل الجنة بشارة بأنهم أحياء لا يموتون. وذكر أنه يستخرج من الثور الطحال وهو في الحيوان بمنزلة الأوساخ في البدن فإنه يجتمع فيه أوساخ البدن مما يعطيه البدن من الدم الفاسد فيعطي لأهل النار يأكلونه، وكان ذلك من الثور لأنه بارد يابس كطبع الموت، وجهنم على صورة جاموس والغذاء لأهل النار من طحاله أشد مناسبة منه فلما فيه من الدمية لا يموت أهل النار ولما أنه من أوساخ البدن ومن الدم الفاسد المؤلم لا يحيون ولا ينعمون فما يزيدهم أكله إلا مرضاً وسقماً. ونقل عن الغزالي والعهدة على الناقل أنه صلى الله عليه وسلم سئل تارة ما تحت الأرض؟ فقال: الحوت وسئل أخرى فقال: الثور، وعنى عليه الصلاة والسلام بذلك البرجين الذين هما من البروج الإثني عشر المعلومة وقد كان كل منهما وتد الأرض وقت السؤال ولو كان الوتد إذ ذاك العقرب مثلاً لقال عليه الصلاة والسلام العقرب تحت الأرض. وأنت تعلم أن ذلك بمعزل عن مقاصد الشارع صلى الله عليه وسلم، ولا يتم على ما وقفت عليه من أن الأرض على متن الثور والثور على ظهر الحوت والحوت على الماء، والقول بأن المراد أن الأرض فوق الثور باعتبار أنه وتدها حين الإخبار؛ والثور فوق الحوت باعتبار أنه من البروج الشمالية والحوت من البروج الجنوبية والبروج الشمالية في غالب المعمورة تعد فوق البروج الجنوبية والحوت فوق الماء باعتبار أنه ليس بينه وبينه حائل يرى لا يقدم عليه إلا ثور أو حمار. وبعضهم يؤول خبر الترتيب بأن المراد منه الإشارة إلى أن عمارة الأرض موقوفة على الحراثة وهي موقوفة على السعي والإضطراب وذلك الثور من مبادىء الحراثة والحوت لا يكاد يسكن عن الحركة في الماء وهو كما ترى، والذي ينبغي أن يعول عليه الإيمان بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح فليس وراءه عليه الصلاة والسلام حكيم، والترتيب الذي يذكره الفلاسفة لم يأتوا له ببرهان مبين وليس عندهم فيه سوى ما يفيد الظن، وحينئذ فيمكن القول/ بترتيب آخر. نعم لا ينبغي القول بترتيب يكذبه الحس ويأباه العقل الصريح وإن جاء مثل ذلك عن الشارع وجب تأويله كما لا يخفى وذكر بعض الفضلاء أنه لم يجيء في ترتيب الأَجرام العلوية والسفلية وشرح أحوالها كما فعل الفلاسفة عن الشارع صلى الله عليه وسلم لما أن ذلك ليس من المسائل المهمة في نظره عليه الصلاة والسلام، وليس المهم إلا التفكر فيها والاستدلال بها على وحدة الصانع وكماله جل شأنه وهو حاصل بما يحس منها، فسبحان من رفع السماء بغير عمد ومد الأرض وجعل فيها رواسي. {وَأَنْهَـٰراً } جمع نهر وهو مجرى الماء الفائض وتجمع أيضاً على نهر ونهور وأنهر وتطلق على المياه السائلة على الأرض؛ وضمها إلى الجبال وعلق بهما فعلاً واحداً من حيث أن الجبال سبب لتكونها على ما قيل. وتعقب بأنه مبني على ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من أن الجبال لتركبها من أحجار صلبة إذا تصاعدت إليها الأبخرة احتبست فيها وتكاملت فتنقلب مياهاً وربما خرقتها فخرجت، وذكر أن الذي تدل عليه الآثار أنها تنزل من السماء لكن لما كان نزولها عليها أكثر كانت كثيراً ما تخرج الأنهار منها، ويكفي هذا لتشريكهما في عامل واحد وجعلهما جملة واحدة، وكأنهم عنوا بالنزول من السماء على الجبال نزول ماء المطر من السماء التي هي أحد الأَجرام العلوية عليها، والأكثرون أن النزول من السحاب، والمراد من السماء جهة العلو وهو الذي تحكم به المشاهدة، وقد أسلفنا لك ما يتعلق بذلك أول الكتاب فتذكر. والأنهار التي جعلها الله تعالى في الأرض كثيرة، وذكر بعضهم أنها مائة وستة وتسعون نهراً وقيل: هي أكثر من ذلك، وجاء في أربعة منها أنها من الجنة، ففي "صحيح مسلم" عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة»تفسير : والأولان بالألف بعد الحاء وهما نهران في أرض الأرمن فجيحان نهر المصيصة وسيحان نهر أدنه، وقول الجوهري في "صحاحه" جيحان نهر بالشام غلط أو أنه أراد المجاز من حيث أنه ببلاد الأرمن وهي مجاورة للشام، وهما غير سيحون وجيحون بالواو فإن سيحون نهر الهند وهو يجري من جبال بأقاصيها مما يلي العين إلى أن ينصب في البحر الحبشـي مما يلي ساحل الهند، ومقدار جريه أربعمائة فرسخ، وجيحون نهر بلخ يجري من أعين إلى أن يأتي خوارزم فيتفرق بعضه في أماكن ويمضي باقيه إلى البحيرة التي عليها القرية المعروفة بالجرجانية أسفل خوارزم يجري منه إليها السفن طولها مسيرة شهر وعرضها نحو ذلك، وأما قول القاضي عياض هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام فالنيل بمصر والفرات بالعراق وسيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون ببلاد خراسان فقد قال النووي: ((إن فيه إنكاراً من أوجه. أحدها قوله: الفرات بالعراق وليست بالعراق وإنما هي فاصلة بين الشام والجزيرة. الثاني قوله: سيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون فجعل الأسماء مترادفة وليس كذلك بل سيحان غير سيحون وجيحان غير جيحون باتفاق الناس. والثالث قوله: ببلاد خراسان إنما سيحان وجيحان ببلاد الأرمن بقرب الشام)) انتهى. وقد يجاب عن الأول بنحو ما أجيب به عن الجوهري، ولا يخفى أنه بعد زعم الترادف يصح الحكم بأنهما ببلاد خراسان كما يصح الحكم بأنهما ببلاد الأرمن، وفي كون هذه الأنهار من الجنة تأويلان، الأول أن المراد تشبيه مياهها/ بمياه الجنة والإخبار بامتيازها على ما عداها ومثله كثير في الكلام. والثاني ما ذكره القاضي عياض أن الإيمان عم بلادها وأن الأجسام المتغذية منها صائرة إلى الجنة وهذا ليس بشيء، ولو رد إلى اعتبار التشبيه أي أنها مثل أنهار الجنة في أن المتغذين من مائها المؤمنون لكان أوجه، وقال النووي: الأصح أن الكلام على ظاهره وأن لها مادة من الجنة وهي موجودة اليوم عند أهل السنة. ويأبـى التأويل الأول ما في "صحيح مسلم" أيضاً من حديث الإسراء «حديث : وحَدَّث نبـي الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ فقال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل»تفسير : ، وضمير أصلها لسدرة المنتهى كما جاء مبينا في "صحيح البخاري" وغيره. والقاضي عياض قال هنا: إن هذا الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها. وتعقبه النووي بأن ذلك ليس بلازم بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض وتسير فيها، هذا لا يمنعه عقل ولا شرع وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه، قيل: ولعل الله تعالى يوصل مياه هاتيك الأنهار بقدرته الباهرة إلى محالها التي يشاهد خروجها منها من حيث لا يراها أحد وما ذلك على الله بعزيز، والظاهر أن المراد أصل مياهها الخارجة من محالها لا هي وما ينضم إليها من السيول وغيرها، وكأني أرى بعض الناس ليسنى يلتزم ذلك في جميع ما يجري في هاتيك الأنهار، وبعضهم أيضاً يجعل الأخبار في هذا الشأن إشارات إلى أمور أنفسية فقط وليس مما ترتضيه الأنفس المرضية. نعم أنا لا أمنع التأويل مع بقاء الأمر آفاقيا وليس عدم اعتقاد الظاهر مما يخل بالدين كما لا يخفى على من لا تعصب عنده. وللأخباريين في هذه الأنهار كلام طويل تمجه أسماع ذوي الألباب ولا يجري في أنهار قلوبهم ولا أراه يصلح إلا للالقاء في البحر. وجاء في بعض الأخبار مرفوعاً «حديث : نهران مؤمنان ونهران كافران أما المؤمنان فالنيل والفرات وأما الكافران فدجلة وجيحون»تفسير : وحمل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم شبه النهرين الأولين لنفعهما بسهولة بالمؤمن والنهرين الأخيرين بالكافر لعدم نفعهما كذلك أنهما إنما يخرج في الأكثر ماؤهما بآلة ومشقة وإلا فوصف ذلك بالإيمان والكفر على الحقيقة غير ظاهر، ثم إن أفضل الأنهار كما قال غير واحد النيل وباقيها على السواء. وزاد بعضهم في عداد ما هو من الجنة دجلة وروى في ذلك خبراً عن مقاتل عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وليس مما يعول عليه، والله تعالى أعلم. {وَمِن كُلّ الثَّمراتِ} متعلق ـ بجعل ـ في قوله تعالى: {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كل منهما زوج الآخر وأكد به الزوجين لئلا يفهم ان المراد بذلك الشفعان إذ يطلق الزوج على المجموع لكن اثنينية ذلك اعتبارية أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين إما في اللون كالأبيض والأسود أو في الطعم كالحلو والحامض أو في القدر كالصغير والكبير أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك. وقيل: المعنى خلق في الأرض من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت، وتعقب أنه دعوى بلا دليل مع أن الظاهر خلافه فإن النوع الناطق المحتاج إلى زوجين خلق ذكره/ أولا فكيف في الثمرات وتكون واحد من كل أولا كاف في التكون والوجه ما ذكر أولا، وجوز أن يتعلق الجار ـ بجعل ـ الأول ويكون الثاني استئنافاً لبيان كيفية الجعل. وزعم بعضهم أن المراد بالزوجين على تقدير تعلق الجار بجعل السابق الشمس والقمر، وقيل: الليل والنهار وكلا القولين ليس بشيء. {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} أي يلبسه مكانه فيصير الجو مظلماً بعدما كان مضيئاً، ففيه إسناد ما لمكان الشيء إليه، وفي جعل الجو مكاناً للنهار تجوز لأن الزمان لا مكان له والمكان إنما هو للضوء الذي هو لازمه، وجوز في الآية استعارة كقوله تعالى: {أية : يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ } تفسير : [الزمر: 5] بجعله مغشياً للنهار ملفوفاً عليه كاللباس على الملبوس، قيل: والأول أوجه وأبلغ، واكتفى بذكر تغشية الليل النهار مع تحقق عكسه للعلم به منه مع أن اللفظ يحتملهما إلا أن التغشية بمعنى الستر وهي أنسب بالليل من النهار، وعد هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهراً باعتبار ظهوره في الأرض. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {يغشي} بالتشديد وقد تقدم تمام الكلام في ذلك. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذكر من مد الأرض وجعل الرواسي عليها وإجراء الأنهار فيها وخلق الثمرات وإغشاء الليل النهار، وفي الإشارة بذلك تنبيه على عظم المشار إليه في بابه {لآَيَـٰتٍ} باهرة قيل: هي آثار تلك الأفاعيل البديعة جلت حكمة صانعها - ففي - على معناها فإن تلك الآثار مستقرة في تلك الأفاعيل منوطة بها، وجوز أن يشار بذلك إلى تلك الآثار المدلول عليها بتلك الأفاعيل {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن التفكر فيها يؤدي إلى الحكم بأن يكون كل من ذلك على هذا النمط الرائق والأسلوب اللائق لا بد له من مكون قادر حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ((والفكرة - كما قال الراغب - قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال: إلا فيما (لا) يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تتفكروا في الله تعالى إذ كان الله سبحانه منزهاً أن يوصف بصورة. وقال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلباً للوصول إلى حقيتها))، والمشهور أنه ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول، وقد تقدم وجه جعل هذا مقطعاً في الآية. وذكر الإمام أن الأكثر في الآيات إذا ذكر فيها الدلائل الموجودة في العالم السفلي أن يجعل مقطعها {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وما يقرب منه وسببه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الإشكالات الكوكيبة فرده الله تعالى بقوله: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } لأن من تفكر فيها علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث تلك الحوادث من الاتصالات الفلكية فتفكر.
ابن عاشور
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَـٰراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} عطف على جملة {الله الذي رفع السماوات} فبين الجملتين شبه التضاد. اشتملت الأولى على ذكر العوالم العلوية وأحوالها، واشتملت الثانية على ذكر العوالم السفلية. والمعنى: أنه خالق جميع العوالم وأعراضها. والمد: البسط والسعة، ومنه: ظل مديد، ومنه مد البحر وجزره، ومد يده إذا بسطها. والمعنى: خلق الأرض ممدودة متسعة للسير والزرع لأنه لو خلقها أسنمة من حجر أو جبالاً شاهقة متلاصقة لما تيسّر للأحياء التي عليها الانتفاع بها والسير من مكان إلى آخر في طلب الرزق وغيره. وليس المراد أنها كانت غير ممدودة فمدّها بل هو كقوله: {الله الذي رفع السماوات}، فهذه خلقة دالة على القدرة وعلى اللطف بعباده فهي آية ومنة. والرواسي: جمع رَاسٍ، وهو الثابت المستقر. أي جبالاً رواسي. وقد حذف موصوفه لظهوره فهو كقوله: {وله الجواري}، أي السفن الجارية. وسيأتي في قوله: { أية : وألقى في الأرض رواسي } تفسير : في سورة النحل (15) بأبسط مما هنا. وجيء في جمع راسٍ بوزن فواعل لأن الموصوف به غير عاقل، ووزن فواعل يطرد فيما مفرده صفة لغير عاقل مثل: صاهل وبازل. والاستدلال بخلق الجبال على عظيم القدرة لما في خلقها من العظمة المشاهدة بخلاف خلقة المعادن والتراب فهي خفية، كما قال تعالى: { أية : وإلى الجبال كيف نصبت } تفسير : [الغاشية: 19]. والأنهار: جمع نهر، وهو الوادي العظيم. وتقدم في سورة البقرة: { أية : إن الله مبتليكم بنهر } تفسير : (249). وقوله: {ومن كل الثمرات} عطف على {أنهاراً} فهو معمول لــــ {جَعل فيها رواسِيَ}. ودخول {مِن} على {كلّ} جرى على الاستعمال العربي في ذكر أجناس غير العاقل كقوله: {وبث فيها من كل دابة}. و{مِن} هذه تُحمل على التبعيض لأن حقائق الأجناس لا تنحصر والموجود منها ما هو إلا بعض جزئيات الماهية لأن منها جزئيات انقضت ومنها جزئيات ستوجد. والمراد بــــ{الثمرات} هيَ وأشجارُها. وإنما ذكرت {الثمرات} لأنها موقع منة مع العبرة كقوله: { أية : فأخرجنا به من كل الثمرات } تفسير : [سورة الأعراف: 57]. فينبغي الوقف على {ومن كل الثمرات}، وبذلك انتهى تعداد المخلوقات المتصلة بالأرض. وهذا أحسن تفسيراً. ويعضده نظيره في قوله تعالى: { أية : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } تفسير : في سورة النحل (11). وقيل إن قوله: {ومن كل الثمرات} ابتداء كلام. وتتعلق {من كل الثمرات} بــــ {جعل فيها زوجين اثنين}، وبهذا فسر أكثر المفسرين. ويبعده أنه لا نكتة في تقديم الجار والمجرور على عامله على ذلك التقدير، لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا، ولأن الثمرات لا يتحقق فيها وجود أزواج ولا كون الزوجين اثنين. وأيضاً فيه فوات المنة بخلق الحيوان وتناسله مع أن منه معظم نفعهم ومعاشهم. ومما يقرب ذلك قوله تعالى في نحو هذا المعنى { أية : ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً } تفسير : [النبأ: 6 - 8]. والمعروف أن الزوجين هما الذكر والأنثى قال تعالى: { أية : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } تفسير : [سورة القيامة: 39]. والظاهر أن جملة {جعل فيها زوجين} مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات وهو جنس الحيوان المخلوق صنفين ذكراً وأنثى أحدهما زوج مع الآخر. وشاع إطلاق الزوج على الذكر والأنثى من الحيوان كما تقدم في قوله تعالى: { أية : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } تفسير : في سورة البقرة (35)، وقوله: { أية : وخلق منها زوجها } تفسير : في أول سورة النساء (1)، وقوله: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}. وأما قوله تعالى: { أية : وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } تفسير : [ق: 7] فذلك إطلاق الزوج على الصنف بناءً على شيوع إطلاقه على صنف الذكر وصنف الأنثى فأطلق مجازاً على مطلق صنف من غير ما يتصف بالذكورة والأنوثة بعلاقة الإطلاق، والقرينة قوله: {أنبتنا} مع عدم التثنية، كذلك قوله تعالى: { أية : فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى } تفسير : في سورة طه (53). وتنكير {زوجين} للتنويع، أي جعل زوجين من كل نوع. ومعنى التثنية في زوجين أن كل فرد من الزوج يطلق عليه زوج كما تقدم في قوله تعالى: { أية : ثمانية أزواج من الضّأن اثنين ومن المعز اثنين } تفسير : الآية في سورة الأنعام (143). والوصف بقوله: {اثنين} للتأكيد تحقيقاً للامتنان. {يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} جملة {يغشي} حال من ضمير {جعل}. وجيء فيه بالمضارع لما يدل عليه من التجدد لأن جعل الأشياء المتقدم ذكرها جعل ثابت مستمر، وأما إغشاء الليل والنهار فهو أمرٌ متجدّد كل يوم وليلة. وهذا استدلال بأعراض أحوال الأرض. وذكرُه مع آيات العالم السفلي في غاية الدقة العلمية لأن الليل والنهار من أعراض الكرة الأرضية بحسب اتجاهها إلى الشمس وليسَا من أحوال السماوات إذ الشمس والكواكب لا يتغير حالها بضياء وظلمة. وتقدم الكلام على نظير قوله: { أية : يغشي الليل والنهار } تفسير : في أوائل سورة الأعراف (54). وقرأه الجمهور بسكون الغين وتخفيف الشين مضارع أغشى. وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوبُ، وخلف بتشديد الشين مضارع غَشّى. وقوله: {إن في ذلك لآيات} الإشارة إلى ما تقدم من قوله: { أية : الله الذي رفع السماوات } تفسير : [الرعد: 2] إلى هنا بتأويل المذكور. وجَعل الأشياء المذكورات ظروفاً {لآيات} لأن كل واحدة من الأمور المذكورة تتضمن آيات عظيمة يجلوها النظر الصحيح والتفكير المجرد عن الأوهام. ولذلك أجرى صفة التفكير على لفظ قَوم إشارة إلى أن التفكير المتكرر المتجدد هو صفة راسخة فيهم بحيث جعلت من مقومات قوميتهم، أي جبلتهم كما بيناه في دلالة لفظ {قوم} على ذلك عند قوله تعالى: { أية : لآيات لقوم يعقلون } تفسير : في سورة البقرة (164). وفي هذا إيماء إلى أن الذين نسبوا أنفسهم إلى التفكير من الطبائعيين فعللوا صدور الموجودات عن المادة ونفوا الفاعل المختار ما فكروا إلا تفكيراً قاصراً مخلوطاً بالأوهام ليس ما تقتضيه جبلة العقل إذْ اشتبهت عليهم العلل والمواليد، بأصل الخلق والإيجاد. وجيء في التفكير بالصيغة الدالة على التكلف وبصيغة المضارع للإشارة إلى تفكير شديد ومُكرر. والتفكير تقدم عند قوله تعالى: { أية : أفلا تتفكرون } تفسير : في سورة الأنعام (50).
د. أسعد حومد
تفسير : {رَوَاسِيَ} {وَأَنْهَاراً} {ٱلثَّمَرَاتِ} {ٱلْلَّيْلَ} {لآيَاتٍ} (3) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى العَالَمَ العُلْوِيَّ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فِي العَالَمِ السُّفْلِيِّ، فَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ وَبَسَطَها، وَجَعَلَهَا مُمْتَدَّةً طُولاً وَعَرْضاً، وَأَرْسَاهَا بِجِبَالٍ رَاسِيَاتٍ لِكَيْ يَحْفَظَ تَوَازُنَهَا، وَيَجْعَلَ اسْتِقْرَارَ الخَلْقِ عَلَيْها أَمْراً هَيِّناً مَيْسُوراً فَلاَ تَمِيدَ بِهِمْ، وَأَجْرَى فِيهَا الأَنْهَارَ وَالعُيُونَ لِيَسْقِيَ مَا فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ، يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ الثَمَرَاتِ. وَجَعَلَ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ زَوْجِينِ اثْنَيْنِ ذَكَراً وَأُنْثَى حِينَ تَكَوُّنِهَا. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ اللَّيْلَ يَتْبَعُ النَّهَارَ حَثِيثاً (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)، بِدُونِ انْفِصَالٍ. وَفِي كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ اللهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ لَدَلائِلُ وَحُجَجٌ لِمَنْ يَتَفَكَّرُ وَيَعْتَبِرُ. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ لِكَيْلاَ تَمِيدَ. زَوْجَيْن - نَوْعَيْنَ وَضَرْبَيْنِ. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ - يُلْبِسُ النَّهَارَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويتابع الحق سبحانه سَرْد آياته الكونية في هذه الآية: {مَدَّ ٱلأَرْضَ ..} [الرعد: 3]. يعني أنها موجودة أمامك ومُمْتدة، وبعض الناس يفهمون المَدَّ بمعنى البسط، ونقول: إن البَسْطَ تابع للمَدِّ. ولذلك وقف بعض العلماء وقالوا: ومن قال إن الأرض كُرَويّة؟ إن الحق سبحانه قال: إنها مبسوطة، وهو سبحانه الذي قال: إنه قد مَدَّ الأرض. وقلتُ لهؤلاء العلماء: فَلْنفهم كلمة المَدِّ أولاً، وَلنْفهَمْ أيضاً كلمة "الأرض" وهي التي تقف عليها أنت وغيرك، وتعيش عليها الكائنات، وتمتد شمالاً إلى القُطْب الشمالي، وجنوباً إلى القُطْب الجنوبي، أيّاً ما كُنْت في أيِّ موقع فهي مَمْدودة شرقاً وغرباً. ومعنى: {مَدَّ ٱلأَرْضَ ..} [الرعد: 3]. تعني أنك إنْ وقفتَ في مكان وتقدمتَ منه؛ تجد الأرض ممدودة أمامك؛ ولا توجد حَافّة تنتهي لها، ولو أنها كانت مبسوطة لَكانَ لها نهاية، ولكانت على شكل مُثلّث أو مُربع أو مستطيل؛ ولكانَ لها حافة؛ ولوجدنا مَنْ يسير إلى تلك الحافة، هو يقول: "لقد وصلتُ لحافة الأرض؛ وأمامي الفراغ" ولم يحدث أنْ قال ذلك واحد من البشر. وإذا ما سار إنسان على خط الاستواء مثلاً؛ فسيظل ماشياً على اليابسة أو راكباً لمركب تقطع به البحر أو المحيط ليصل إلى نفس النقطة التي بدأ منها سَيْره. وهكذا نجد الأرض ممدودة غير محدودة، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض مُكوَّرة، بحيث إذا مشيت مُتتبِّعاً أيَّ خط من خطوط العرض أو خطوط الطول لانتهتْ إلى النقطة التي بدأت منها سَيْركَ. وكان هذا هو الدليل الذي يقدمه العلماء على كروية الأرض؛ قبل أن يخترعوا فكرة التصوير من خارج الغلاف الجوي. ونأخذ من قول الحق سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ..} [الرعد: 3]. معنًى آخر هو ضرورة أن ينظر الإنسانُ في هذا الامتداد؛ ومَنْ تضيق به الحياة في مكان يُمكنه أن يرحلَ إلى مكان آخر، فأرضُ الله واسعة، والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. ونعلم أن فساد العالم في زمننا إنما ينشأ من فساد السياسات وزيادة الاضطرابات، وذلك واحد من نتائج تعويق مَدِّ الأرض، فساعة يحاول إنسان أن يترك حدود موطنه؛ يجد الحراسات والعوائق عند حدود البلاد المجاورة، وتناسَى الجميع قَوْل الحق سبحانه: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. فسبحانه قد سَخَّر الأرض وأخضعها للأنام كل الأنام، وإذا لم يتحقق هذا المبدأ القرآني؛ سيظل العالم في صراع؛ وستظلُّ بعض من البلاد في حاجة للبشر، وبعض من البلاد في ضِيق من الرزق؛ لزيادة السكان عن إمكانات الأرض التي يعيشون عليها. وستظل هناك أرض بلا رجال؛ ورجال بلا أرض، نتيجة للحواجز المصطنعة بين البلاد. وحتى تُحل هذه القضية - كما قلنا في الأمم المتحدة - لا بد من تطبيق المبدأ القرآني: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. ومَنْ تضيق به الأرض التي نشأ فيها فليسمح له بالهجرة. ويتابع سبحانه في نفس الآية: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً ..} [الرعد: 3]. والرواسي هي جمع "رَاسٍ" وهو الشيء الثابت. وسبحانه يقول: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} تفسير : [النازعات: 32]. وهكذا جاء الحق بالحكم الذي شاء أن تكون عليه الجبال، وفي آية أخرى يأتينا الله بعلة كونها رواسي؛ فيقول: {أية : وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 31]. أي: لا تضطرب بكم الأرض، ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الثبات؛ لما احتجْنَا إلى الجبال الرواسي كي تُثبِّتها، ولكن الأرض مخلوقة متحركة، وهي عُرْضة للاضطراب، ولولا الجبال الرواسي لَمَادتْ الأرض. ولسائل أن يقول: ولكننا نقطع الآن الجبال، ونأخذ الجرانيت من جبل لِنُزيِّن به أرضية بعض المناطق؛ ونقطع الرخام من جبل آخر لنصنع منه حماماتٍ وأحواضاً ودرجات السلالم، ونقتطع بعض أحجار أنواع معينة من الجبال؛ لنستخلص اليورانيوم منها؟ ونقول: انظر إلى حكمة الحق تبارك وتعالى حين خلق؛ وحكمته حين دَبَّر، فهذه الأرض لها محيط؛ ولها مركز؛ ولها أقطار، وكلما اقتربتْ من مركز الأرض فالقطر يَقِلّ. ومثال هذا هو البطيخة؛ فأنت إن استخلصتَ القشرة الخارجية لها يكون لديْكَ كرة من القشرة الخضراء؛ وكرة أخرى من مُكوِّنات البطيخة التي نأكلها، ولو استخلصتَ كرة أخرى من مكونات الألياف الحمراء التي تتكون منها البطيخة، لصار عندك كرة أخرى، ولصار قُطْر الكرة الجديدة أصغر بطبيعة الحال من الكرة الخضراء. وكلما استخلصتَ كُريّات أخرى من مُكوِّنات البطيخة؛ صَغُرَتْ الأقطار؛ لأنك تقترب من مركز الدائرة، والمحيط الأخضر الذي يحيط بالبطيخة وهو القشرة؛ يشبه المحيط الذي يوجد على الكرة الأرضية؛ وهذه القشرة التي توجد حول الكرة الأرضية صُلْبة؛ أما ما بداخل الأرض وجَوْفها؛ فهو مُكوَّن من أشياء ومواد متعددة، منها ما هو سائل ومنها ما هو صَلْب. وكلما اقتربنا من مركز الأرض؛ وجدنا ارتفاعاً في درجة الحرارة؛ وتدلُّنا على ذلك كُتَل الحُمَم التي تخرج فوَّارة من فُوَّهات البراكين؛ وهي حُمَم ذات حرارة مرتفعة للغاية؛ وهي حُمَم مُحْرِقة. وقد شاء الحق سبحانه أن يجعل بطن الأرض سائلاً، رحمةً بنا؛ ذلك أننا حين نبني بيوتاً؛ أو نقتطع أحجاراً من الجبال؛ أو نستخدم مُكوِّنات الجبال في أي غرض؛ إنما ننقل بعضاً من مُكوِّنات الأرض من موقع إلى آخر. وحين ينتقل ثقل من مكان على سطح الأرض إلى مكان آخر؛ فالسائل الذي في باطن الأرض ينتقل من المنطقة التي زاد عليها الثقل إلى المنطقة التي خَفَّ من فوقها الثقل ليتحقق التوازن، ولو لم يحدث ذلك لَتسَاقطتْ العمارات الشاهقة التي نراها أثناء دوران الأرض. والمَثَلُ الذي يُوضِّح ذلك أنك لو وضعتَ قطعة من العجين على سطح بطيخة أو كرة، وجعلت البطيخة أو الكرة في حالة دوران لَطردتْ الكرة أو البطيخة قطعة العجين من على سطحها. وقد شرح العلماء في "علم الحركة" ذلك فقالوا: إن كل شيء مستدير يتحرك؛ إنما تنشأ عن حركته عملية اسمها الطرد الذاتي؛ لأن قطعة العجين أو أيَّ شيء نضعه على شيء مستدير يتحرك تكون له كثافة وثقل على المنطقة التي يوجد فيها، ويصل هذا الثقل إلى المركز، ولكي تستمر الحركة الدائرية متوازنة لا بد أن يطرد الشيء المستدير ما فوقه من ثُقْل زائد. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل نِصْفي الكرة الأرضية من أي موقع تتخيله، متساوياً في الوزن مع النصف الآخر، ومهما أخذتَ من مواد ونقلتَها من موقع إلى آخر، فالوزن يتعادل نتيجة لحركة السوائل التي في بطن الأرض. وهذا يدلُّ على عظمة الخالق الذي خلق بتدبير دقيق، ويكفي أن ننظر إلى عظمة الحق الذي لم يجعل الجبال رواسيَ ليمنع الأرض من أنْ تميدَ بنا، بل جعل في الجبال والصحاري ما استنجدنا به حين ضاقت الأرض بنا؛ فذهبنا إلى الجبال؛ لنستخرج منها المواد الخام؛ ونُصدِّرها؛ ثم نشتري بثمنها القمح. ونرى من حولنا الصحاري حيث كان المقيمون فيها يلهثون قديماً من العطش، ولا يجدون شجرة يستظلون بها؛ فيُفجِّر فيها الحق آبار البترول. وهكذا نرى أن كل قطاع من الأرض فيه خير مُسَاوٍ لأي قطاع آخر من الأرض، وجعل الله لكل أمر زمناً يمكن للبشر أن يستفيدوا من هذا الأمر في ذلك الزمن. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الجبال: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10]. أي: أنه سبحانه بارك في الجبال، وهي جزء من الأرض، وشاء أن يُقدِّر الأقواتَ في الجبال والأرض؛ ويكفي أن نعلم أن المطر حين يتساقط من السماء على الجبال؛ فيحمل المطر بعضاً من الطَّمْي من على أسطُح تلك الجبال، فتتجدد خُصوبة الأرض. ولو كانت الجبال هَشَّة لذابتْ الجبال من عدد قليل من مراتِ سقوط المطر، ولَذابتْ القشرة الخِصْبة التي تُغذِّي النبات حين نزرعه في الأرض. ولكنه سبحانه شاء أنْ تمُرَّ الظروف الجوية باختلافها وتنوُّعها في تتابع يُوفِّر من الحرارة والرطوبة ما يجعل الأرض تتشقق؛ فيصير سطح الجبال الصّلْبة هَشَّاً لينزل مع المطر؛ ولِيُغذِّي الأرض بالخُصوبة من أجل أن يستمر استبقاء الحياة بإنتاج ما نحتاجه من نباتات مزروعة. ونلحظ قوله سبحانه في نفس الآية: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً ..} [الرعد: 3]. وهنا يجمع الحق بين الرواسي وهي الثوابت، وبين الأنهار وهي التي تحمل الماء السائل، وهذا جَمْعٌ بين الأضداد. والنهر يُطلق على ما يحمل المياه العَذْبة؛ أما البحر فهو المُكوَّن من الماء المالح، وأنت إذا استعرضت أنهار الدنيا كلها؛ ستجد أن مجاريها تصبُّ في البحار، وهذا دليل على أن منسوب النهر أعلى دائماً من منسوب البحر، ولو كان الأمر بالعكس؛ لَطَغى ماء البحر على مياه النهر، ولَمَا استطعنا أن نشرب أو نزرع. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الماء العذب هو الأعلى؛ لأن له مهمة يُؤدِّيها قبل أن يصُبَّ في البحر. أقول ذلك حتى نعلم الحكمة في قول الحق سبحانه: {أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 20]. ومن العجيب أن البرزخ الذي يفصل بين النهر والبحر يكون انسيابياً، يتدرج نزول مياه النهر في مياه البحر بما يُحقِّق سهولة في هذا الانتقال، ومن العجيب أيضاً أنك إنْ حفرتَ عند شاطئ البحر قد تعثر على الماء العذب. ولذلك حين نزور العريش نجد شاطئاً باسم شاطئ النخيل؛ ونحن نعلم أن النخيل يحتاج إلى الماء العَذْب، وكأن الحق سبحانه قد جعل في هذا النخيل خاصية استخلاص الماء العَذْب من هذا المكان الذي يوجد على البحر؛ وقد تكون له جداول عذبة. فسبحانه القائل: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الزمر: 21]. ونحن في الريف نجد من يحفر بئراً ويكون ماؤه عَذْباً؛ وآخر يحفر بئراً ويكون ماؤه مالحاً. وهذا دليل على أن الماء في بطن الأرض غير مختلط، بل لكل ماء مسارب تختلف باختلاف نوعية المياه. ويُرتِّب الحق سبحانه في نفس الآية مجيء الثمرات كنتيجة على وجود الثابت - الجبال - كمصدر للغِرْيَن وخصوبة الأرض، وعلى وجود الأنهار التي تحمل الماء اللازم للري، وهكذا يكون مجيء الثمرات أمراً طبيعياً. والثمرة كما نعلم هي الغاية من أي زرع. وفي نفس الآية يواصل الحق ذكر عطائه، فيقول سبحانه: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [الرعد: 3]. ويستعمل البعض كلمة "زوج" ويراد به شيئان كقولنا "زوج أحذية" مع أن التعبير الدقيق يقتضي أن نقول "زوجان من الأحذية" كتوصيف لفردة حذاء يُمْنى وفردة حذاء يُسْرى؛ لأن كلمة "زوج" مفرد، وتستخدم في الشيء الذي له مثْل؛ ولذلك نجد العدد الفردي والعدد الزوجي؛ والعدد الزوجي مُفْرد له مثيل؛ وفي الإنسان هو الذكر والأنثى. وسبحانه القائل: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..} تفسير : [الذاريات: 49]. ويخطئ الناس أيضاً في فهم كلمة التوأم، ويظنون أنها تعني الاثنين اللذين يولدان معاً، ولكن المعنى الدقيق للتوأم وهو الفرد الذي يُولَد مع آخر، ويقال لاثنين معاً "التوأمان". وهنا يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [الرعد: 3]. ولم يخلق الحق سبحانه أيَّ شيء إلا وشاء له أن يتكاثر، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. وكُلُّ تكاثر إنما يحتاج إلى زوجين، وكنا نعتقد قديماً أن التكاثر يحدث فقط في النبات؛ مثلما نُلقِّح النخلة بالذَّكَر، وفي الحيوان يخصب الفَحْل الأنثى، ثم كشف لنا العلم بعد ذلك أن الكهرباء - على سبيل المثال لا الحصر - تتكون من سالب وموجب وغير ذلك كثير، وكل ما قدمه العلم من كشوف يؤيد صِدْقه سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ..} تفسير : [يس: 36]. ويتابع سبحانه في نفس الآية: {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ..} [الرعد: 3]. أي: أن تأتي الظُّلْمة على النهار فتُغطيه؛ وهو القائل في موقع آخر من القرآن: {أية : فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..} تفسير : [الإسراء: 12]. وذلك تحقيقاً لمشيئته التي قالها: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ..} تفسير : [الفرقان: 62]. وإنْ سأل سائل: هل الليل هو الذي خُلِقَ أولاً أم النهار؟ أقول: نحن نرى الآن الليل والنهار، كُلٌّ منهما يُؤدِّي مُهِمَّته في نصفٍ ما في الكرة الأرضية، وكل منهما يخلف الآخر، ولا بد أن الأمر كذلك من أول الخلق. فإنْ كان سبحانه قد أوجد الأرض مبسوطة وفي مواجهتها الشمس، لَكان النهار هو الأسبق في الخَلْق، وإنْ كان قد خلق الشمس غير مواجهة للأرض؛ يكون الليل هو الذي سبق النهار في الخَلْق. ويوضح الحق سبحانه هذا الأمر قليلاً في سورة يس حين يقول: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. وكان العرب قديماً يظنُّون أن الليل هو الذي سبق النهار في الخَلْق؛ لأنهم كانوا يُؤرِّخون الشهور بالقمر؛ فيدخل الشهر بليله لا بنهاره، ونحن نعلم أن رمضان يأتينا بأول ليلة فيه. وقد أوضح الحق سبحانه لهم على قَدْر معارفهم، ثم ثبت لنا أن الليل والنهار قد وُجِدا في وقت واحد بعد أن وضحتْ لنا أن صورة الأرض كروية، وأنه سبحانه قد خلقها كذلك، فما واجه الشمس كان نهاراً؛ وما غابتْ عنه الشمس كان ليلاً، ويخلف كل منهما الآخر. وهكذا وضَّح لنا أنهما موجودان في آنٍ واحد. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3]. أي: أن على الإنسان مسئولية التفكُّر فيما يراه من حوله ليصل إلى لُبِّ الحقائق. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} معناهُ بَسَطَها وعَرَّضَها. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} معناهُ جِبالٌ ثَابتاتٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):