Verse. 1712 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَاِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُہُمْ ءَ اِذَا كُنَّا تُرٰبًا ءَ اِنَّا لَفِيْ خَلْقٍ جَدِيْدٍ۝۰ۥۭ اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِرَبِّہِمْ۝۰ۚ وَاُولٰۗىِٕكَ الْاَغْلٰلُ فِيْۗ اَعْنَاقِہِمْ۝۰ۚ وَاُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ النَّارِ۝۰ۚ ہُمْ فِيْہَا خٰلِدُوْنَ۝۵
Wain taAAjab faAAajabun qawluhum aitha kunna turaban ainna lafee khalqin jadeedin olaika allatheena kafaroo birabbihim waolaika alaghlalu fee aAAnaqihim waolaika ashabu alnnari hum feeha khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن تعجب» يا محمد من تكذيب الكفار لك «فعجب» حقيق بالعجب «قولهم» منكرين للبعث «أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد» لأن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم، وفي الهمزتين في الموضعين، وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركها وفي قراءة بالاستفهام في الأول، والخبر في الثاني، وأخرى وعكسه «أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

5

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ، ذكر بعده مسألة المعاد فقال: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } وفيه أقوال: القول الأول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما: إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ما كانوا قد حكموا عليك أنك من الصادقين فهذا عجب. والثاني: إن تعجب يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً بعد ما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد فهذا عجب. والثالث: تقدير الكلام إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبر السموات والأرض وخالق الخلائق أجمعين، وأنه هو الذي رفع السموات بغير عمد، وهو الذي سخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته، لأن القادر على الأقوى الأكمل فإن يكون قادراً على الأقل الأضعف أولى، فهذا تقرير موضع التعجب. ثم إنه تعالى لما حكى هذا الكلام حكم عليهم بثلاثة أشياء: أولها: قوله: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة فهو كافر، وإنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم من حيث إن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة والعلم والصدق أما إنكار القدرة فكما إذا قيل: إن إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يقدر على الإعادة. أو قيل: إنه وإن كان قادراً لكنه ليس تام القدرة، فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثيرات الطبائع والأفلاك، وأما إنكار العلم فكما إذا قيل: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تمييز هذا المطيع عن العاصي وأما إنكار الصدق فكما إذا قيل: إنه وإن أخبر عنه لكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه ولما كان كل هذه الأشياء كفراً ثبت أن إنكار البعث كفر بالله. الصفة الثانية: قوله: {وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } وفيه قولان: الأول: قال أبو بكر الأصم: المراد بالأغلال: كفرهم وذلتهم وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى: { أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً } تفسير : [يس: 8] قال الشاعر: شعر : لهم عن الرشد أغلال وأقياد تفسير : ويقال للرجل: هذا غل في عنقك للعمل الرديء معناه: أنه لازم لك وأنك مجازى عليه بالعذاب. قال القاضي: هذا وإن كان محتملاً إلا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى، وأقول: يمكن نصرة قول الأصم بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحال وذلك غير حاصل وأنتم تحملون اللفظ على أنه سيحصل هذا المعنى ونحن نحمله على أنه حاصل في الحال إلا أن المراد بالأغلال ما ذكرناه، فكل واحد منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه فلم كان قولكم أولى من قولنا. والقول الثاني: المراد أنه تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ * فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } تفسير : [غافر: 71، 72]. والصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَأُوْلـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } والمراد منه التهديد بالعذاب المخلد المؤبد، واحتج أصحابنا رحمهم الله تعالى على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية فقالوا قوله: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يفيد أنهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم، وذلك يدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار. المسألة الثانية: قال المتكلمون العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حق الله تعالى محال، فكان المراد وإن تعجب فعجب عندك. ولقائل أن يقول: قرأ بعضهم في الآية الأخرى بإضافة العجب إلى نفسه تعالى فحينئذ يجب تأويله وقد بينا أن أمثال هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادىء الأعراض، ويجب حملها على نهايات الأعراض فإن الإنسان إذا تعجب من الشيء أنكره فكان هذا محمولاً على الإنكار. المسألة الثالثة: اختلف القراء في قوله: {أئذا كنا تراباً أئنا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وأمثاله إذا كان على صورة الاستفهام في الأول والثاني فمنهم من يجمع بين الاستفهامين في الحرفين وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة، ثم اختلف هؤلاء فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة إلا أنه لا يمد، وأبو عمرو يستفهم بهمزة مطولة يمد فيها وحمزة وعاصم بهمزتين في كل القرآن، ومنهم من لا يجمع بين الاستفهامين، ثم اختلفوا فنافع وابن عامر والكسائي يستفهم في الأول ويقرأ على الخبر في الثاني وابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فنافع بهمزة غير مطولة وابن عامر والكسائي بهمزتين أما نافع فكذلك إلا في الصافات وكذلك ابن عامر إلا في الواقعة، وكذلك الكسائي إلا في العنكبوت والصافات. المسألة الرابعة: قال الزجاج: العامل في {أَءذَا كُنَّا تُرَابًا } محذوف تقديره: أئذا كنا تراباً نبعث ودل ما بعده على المحذوف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث؛ والله تعالى لا يتَعجَّب، ولا يجوز عليه التعجّب؛ لأنه تَغيُّر النفس بما تخفى أسبابه، وإنما ذَكَر ذلك ليتعجّب منه نَبيُّه والمؤمنون. وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السموات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب منه الخلق؛ لأن الإعادة في معنى الابتداء. وقيل: الآية في منكري الصانع؛ أي إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بدّ له من مغيّر فهو محل التعجّب؛ ونظم الآية يدلّ على الأوّل والثاني؛ لقوله: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً} أي أنبعث إذا كنا تراباً؟ٰ. {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} وقرىء «إِنَّا». وَ{ٱلأَغْلاَلُ} جمع غلّ؛ وهو طَوْق تشد به اليد إلى العُنُق، أي يُغلّون يوم القيامة؛ بدليل قوله: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} تفسير : [غافر: 71] إلى قوله: {أية : ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر: 40]. وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن تَعْجَبْ} من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالم خلقاً جديداً، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم: {أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ}، وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأنَّ من بدأ الخلق، فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] ثم نعت المكذبين بهذا، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ} أي: يسحبون بها في النار {وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي: ماكثون فيها أبداً، لا يحولون عنها، ولا يزولون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن تَعْجَبْ } يا محمد من تكذيب الكفار لك {فَعَجَبٌ } حقيق بالعجب {قَوْلُهُمْ } منكرين للبعث {أَءَذَا كُنَّا تُرابَاً أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } لأنّ القادر على إنشاء الخلق وما تقدّم على غير مثال، قادر على إعادتهم، وفي الهمزتين في الموضعين التحقيق، وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركها، وفي قراءة بالاستفهام في الأوّل والخبر في الثاني وأخرى عكسه {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ ٱلأَغْلَٰلُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدونَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم من الصادقين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، والله تعالى لا يجوز عليه التعجب؛ لأنه تغير النفس بشيء تخفى أسبابه وإنما ذكر ذلك ليعجب منه رسوله وأتباعه. قال الزجاج: أي هذا موضوع عجب أيضاً أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة. وقيل: الآية في منكري الصانع، أي: إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بدّ له من مغير، فهو محل التعجب، والأول أولى لقوله: {أإذا كنا تراباً أئنا لفى خلق جديد} وهذه الجملة في محل رفع على البدلية من {قولهم}، ويجوز أن تكون في محل نصب على أنها مقول القول، والعجب على الأول كلامهم، وعلى الثاني تكلمهم بذلك، والعامل في «أإذا» ما يفيده قوله: {أإنا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو نبعث أو نعاد، والاستفهام منهم للإنكار المفيد لكمال الاستبعاد، وتقديم الظرف في قوله: {لَفِى خَلْقٍ } لتأكيد الإنكار بالبعث، وكذلك تكرير الهمزة في قوله: "أإنا". ثم لما حكى الله سبحانه ذلك عنهم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ} أي: أولئك المنكرون لقدرته سبحانه على البعث: هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه، والثاني {وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } الأغلال: جمع غلّ، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق، أي: يغلون بها يوم القيامة، وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق. والثالث: {وَأُوْلـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا ينفكون عنها بحال من الأحوال، وفي توسيط ضمير الفصل دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } السيئة: العقوبة المهلكة، والحسنة: العافية والسلامة. قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدّة تصميمهم وتهالكهم على الكفر. وقيل: معنى الآية: أنهم طلبوا العقوبة قبل الحسنة، وهي الإيمان {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ }. قرأ الجمهور "مثُلات" بفتح الميم وضمّ المثلثة جمع مثلة كسمرة، وهي العقوبة. قال ابن الأنباري: المثلة: العقوبة التي تبقى في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه. وقرأ الأعمش بفتح الميم وإسكان المثلثة تخفيفاً لثقل الضمة، وفي لغة تميم بضم الميم والمثلثة جميعاً، واحدتها على لغتهم: مُثلة، بضم الميم وسكون المثلثة مثل غُرفة وغُرفات. وحكي عن الأعمش في رواية أخرى أنه قرأ هذا الحرف بضمها على لغة تميم. والمعنى: أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم، وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لا يعتبرون بهم، ويحذرون من حلول ما حلّ بهم، والجملة في محل نصب على الحال، وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ }تفسير : [الأنفال: 32] الآية. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } أي: لذو تجاوز عظيم {لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } أنفسهم باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي إن تابوا عن ذلك، ورجعوا إلى الله سبحانه، والجارّ والمجرور أي: على ظلمهم في محل نصب على الحال أي: حال كونهم ظالمين، و"على" بمعنى: "مع" أي: مع ظلمهم، وفي الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير؛ لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً، ولهذا قيل: إنها في عصاة الموحدين خاصة. وقيل: المراد بالمغفرة هنا: تأخير العقاب إلى الآخرة ليطابق ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة. وكما تفيده الجملة المذكورة بعد هذه الآية. وهي {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } يعاقب العصاة المكذبين من الكافرين عقاباً شديداً على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ } أي: هلا أنزل عليه آية غير ما قد جاء به من الآيات، وهؤلاء الكفار القائلون هذه المقالة هم المستعجلون للعذاب. قال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى، فقال الله تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء. انتهى. وهذا مكابرة من الكفار وعناد، وإلاّ فقد أنزل الله على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه، وجاء في {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } بصيغة الحصر لبيان أنه صلى الله عليه وسلم مرسل لإنذار العباد، وبيان ما يحذرون عاقبته، وليس عليه غير ذلك، وقد فعل ما هو عليه، وأنذر أبلغ إنذار، ولم يدع شيئاً مما يحصل به ذلك إلاّ أتى به وأوضحه وكرره، فجزاه الله عن أمته خيراً. {وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: نبيّ يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ورشادهم. وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها، وآيات الرسل مختلفة هذا يأتي بآية أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم، فليس المراد من الآيات إلاّ الدلالة على النبوّة لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية، وذلك لا يختص بفرد منها، ولا بأفراد معينة. وقيل: إن المعنى {ولكل قوم هاد}، وهو الله - عزّ وجلّ - فإنه القادر على ذلك، وليس على أنبيائه إلاّ مجرد الإنذار. {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } الجملة مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته بالعلم سبحانه، وعلمه بالغيب الذي هذه الأمور المذكورة منه، قيل: ويجوز أن يكون الاسم الشريف خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ولكل قوم هاد وهو الله. وجملة {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } تفسير لهاد على الوجه الأخير، وهذا بعيد جداً، و"ما" موصولة، أي: يعلم الذي تحمله كل أنثى في بطنها من علقة، أو مضغة، أو ذكر، أو أنثى، أو صبيح، أو قبيح، أو سعيد، أو شقي. ويجوز أن تكون استفهامية، أيّ: يعلم أي شيء في بطنها، وعلى أيّ حال هو. ويجوز أن تكون مصدرية أي: يعلم حملها {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ } الغيض: النقص، أي: يعلم الذي تغيضه الأرحام، أي: تنقصه، ويعلم ما تزداده. فقيل: المراد نقص خلقة الحمل وزيادته كنقص إصبع أو زيادتها. وقيل: إن المراد نقص مدّة الحمل على تسعة أشهر، أو زيادتها، وقيل. إذا حاضت المرأة في حال حملها كان ذلك نقصاً في ولدها، وقيل: الغيض: ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداده منه، و «ما» في {ما تغيض} {وما تزداد} تحتمل الثلاثة الوجوه المتقدّمة في {ما تحمل كل أنثى} {وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } أي: كل شيء من الأشياء التي من جملتها الأشياء المذكورة عند الله سبحانه بمقدار، والمقدار: القدر الذي قدّره الله. وهو معنى قوله سبحانه: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] أي: كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه، لا يخرج عن ذلك شيء. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي: عالم كل غائب عن الحسّ، وكل مشهود حاضر، أو كل معدوم وموجود ولا مانع من حمل الكلام على ما هو أعمّ من ذلك {ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ } أي: العظيم الذي كل شيء دونه، المتعالي عما يقوله المشركون، أو المستعلي على كل شيء بقدرته وعظمته وقهره. ثم لما ذكر سبحانه أنه يعلم تلك المغيبات لا يغادره شيء منها، بين أنه عالم بما يسرّونه في أنفسهم وما يجهرون به لغيره، وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال: {سَوَاء مّنْكُمْ من أسرّ القول ومن جهر به} فهو يعلم ما أسرّه الإنسان كعلمه بما جهر به من خير وشر، وقوله: {منكم} متعلق بسواء على معنى: يستوي منكم من أسرّ ومن جهر، أو سرّ من أسرّ وجهر من جهر {ومن هو مستخف بالليل} أي: مستتر في الظلمة الكائنة في الليل متوار عن الأعين. يقال: خفي الشيء واستخفى أي: استتر وتوارى {وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } قال الكسائي: سرب يسرب سُرباً وسُروباً إذا ذهب. ومنه قول الشاعر:شعر : وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب تفسير : أي: ذهب. وقال القتيبي: سارب بالنهار متصرّف في حوائجه بسرعة، من قولهم: أسرب الماء. قال الأصمعي حلّ سربه أي: طريقته. وقال الزجاج: معنى الآية: الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات علم الله فيهم جميعاً سوّى، وهذا ألصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة بين المستخفي والسارب، فالمستخفي: المستتر، والسارب البارز الظاهر. {لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ } الضمير في «له» راجع إلى "من" في قوله: {من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف} أي: لكل من هؤلاء معقبات. والمعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلاً منه، وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين. قال الزجاج: المعقبات ملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض، وإنما قال: معقبات مع كون الملائكة ذكوراً؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها: معقبة، ثم جمع معقبة على معقبات: ذكر معناه الفراء، وقيل: أنث لكثرة ذلك منهم نحو نسابة وعلامة. قال الجوهري: والتعقب العود بعد البدء. قال الله تعالى: {أية : وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ } تفسير : [النمل: 10] وقرىء "معاقيب" جمع معقب {مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي: من بين يدي من له المعقبات، والمراد: أن الحفظة من الملائكة من جميع جوانبه. وقيل: المراد بالمعقبات: الأعمال، ومعنى {من بين يديه ومن خلفه}: ما تقدم منها وما تأخر. {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } أي: من أجل أمر الله، وقيل: يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستمهال له والاستغفار حتى يتوب. قال الفراء: في هذا قولان: أحدهما أنه على التقديم والتأخير. تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، والثاني أن كون الحفظة يحفظونه هو مما أمر الله به. قال الزجاج: المعنى: حفظهم إياه من أمر الله أي: مما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمرالله. قال ابن الأنباري: وفي هذا قول آخر، وهو أن «من» بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله. وقيل: إن "من" بمعنى عن، أي: يحفظونه عن أمر الله، بمعنى من عند الله، لا من عند أنفسهم، كقوله: {أية : أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ } تفسير : [قريش: 4] أي: عن جوع. وقيل: يحفظونه من ملائكة العذاب. وقيل: يحفظونه من الجن. واختار ابن جرير أن المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء، على معنى أن ذلك لا يدفع عنه القضاء. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والعافية {حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من طاعة الله، والمعنى: أنه لا يسلب قوماً نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة، أو يغيروا الفطرة التي فطرهم الله عليها. قيل: وليس المراد، أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى يتقدم له ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما في الحديث «حديث : أنه سأل رسول الله سائل فقال: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»تفسير : .{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا } أي: هلاكاً وعذاباً {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } أي فلا ردّ له. وقيل: المعنى إذا أراد الله بقوم سوءاً أعمى قلوبهم، حتى يختاروا ما فيه البلاء {وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ } يلي أمرهم ويلتجئون إليه، فيدفع عنهم ما ينزل بهم من الله سبحانه من العقاب، أو من ناصر ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله. والمعنى: أنه لا رادّ لعذاب الله ولا ناقص لحكمه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } قال: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فعجب قولهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم، وهم رأوا من قدرة الله وأمره، وما ضرب لهم من الأمثال وأراهم من حياة الموتى والأرض الميتة {فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفى خلق جديد} أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة، فالخلق من نطفة أشد من الخلق من تراب وعظام. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ } قال: العقوبات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في {المثلات} قال: وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {المثلات} ما أصاب القرون الماضية من العذاب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش: ولولا وعيده وعقابه لاتكل، كل أحد»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس {وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ} نبيّ يدعوهم إلى الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: محمد المنذر، والهادي الله - عزّ وجلّ - وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه أيضاً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنذر وهو الهادي. وأخرج ابن جرير عن عكرمة وأبي الضحى نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي، وابن عساكر، وابن النجار عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ }: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: "حديث : أنا المنذر"تفسير : ، وأومأ بيده إلى منكب عليّ فقال: "حديث : أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي"تفسير : قال ابن كثير في تفسيره: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة. وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وابن عساكر عن عليّ بن أبي طالب في الآية نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } قال: كل أنثى من خلق الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في الآية قال: يعلم ذكراً هو أو أنثى {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ } قال: هي المرأة ترى الدم في حملها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ } قال: خروج الدم {وَمَا تَزْدَادُ } قال: استمساكه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ } قال: أن ترى الدم في حملها {وَمَا تَزْدَادُ } قال: في التسعة أشهر، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه في الآية قال: ما تزداد على تسعة، وما تنقص من التسعة. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ عنه أيضاً في الآية {مَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ } قال: السقط {وَمَا تَزْدَادُ } ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهنّ من تحمل تسعة أشهر، ومنهنّ من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك بعلمه تعالى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } قال: السرّ والعلانية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله: {ومن هو مستخف بالليل} قال: راكب رأسه في المعاصي {وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } قال: ظاهر بالنهار بالمعاصي. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن عباس {وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } قال: الظاهر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن سبب نزول الآية قدوم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصة المشهورة، وأنه لما أصيب عامر بن الطفيل بالغدّة نزل قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } إلى قوله: {مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أربد بن قيس وما قتله، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } إلى قوله: {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {مُعَقّبَـٰتٌ } الآية قال: هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } قال: ذلك الحفظ من أمر الله بأمر الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } قال: بإذن الله. وأخرج ابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: وليّ السلطان يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، يقول: يحفظونه من أمري، فإني إذا أردت بقوم سوءاً فلا مردّ له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في الآية قال: الملوك يتخذون الحرس يحفظونه من أمامه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، يحفظونه من القتل، ألم تسمع أن الله يقول: {إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } أي: إذا أراد سوءاً لم يغن الحرس عنه شيئاً. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: هؤلاء الأمراء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هم الملائكة تعقب بالليل تكتب على ابن آدم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ عن عليّ في الآية قال: ليس من عبد إلاّ ومعه ملائكة يحفظونه من أن تقع عليه حائط، أو ينزوي في بئر، أو يأكله سبع، أو غرق أو حرق، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر. وقد ورد في ذكر الحفظة الموكلين بالإنسان أحاديث كثيرة مذكورة في كتب الحديث.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وإن تعجب فعجَبٌ قولهم}الآية. معناه وإن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك فأعجبُ منه تكذيبهم بالبعث. والله تعالى لا يتعجب ولا يجوز عليه التعجب، لأنه تغير النفس بما تخفى أسبابه، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون.

ابن عطية

تفسير : هذه آية توبيخ للكفرة أي "وإن تعجب" يا محمد من جهالتهم وإعراضهم عن الحق - فهم أهل لذلك، وعجب وغريب ومزر بهم "قولهم": أنعود بعد كوننا "تراباً" - خلقاً جديداً - ويحتمل اللفظ منزعاً آخر أي وإن كنت تريد عجباً فلهم، فإن من أعجب العجب "قولهم". واختلف القراء في قراءة قوله: {أئذا كنا تراباً} فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد" جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع "أئذا كنا" مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ "إنا لفي خلق جديد" مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول عن الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة "أئذا كنا تراباً أئنا" بهمزتين فيهما. وقرأ ابن عامر "إذا كنا" مكسورة الألف من غير استفهام "ءائنا" يهمز ثم يمد ثم يهمز، فمن قرأ بالاستفهامين فذلك للتأكيد والتحفي والاهتبال بهذا التقدير، ومن استفهم في الأول فقط فإنما القصد بالاستفهام الموضع الثاني، و"إذا" ظرف له، و"إذا" في موضع نصب بفعل مضمر، تقديره: انبعث أو نحشر إذا. ومن استفهم في الثاني فقط فهو بين، - ولا حول ولا قوة إلا بالله -. والإشارة بـ {أولئك} إلى القوم القائلين: {أئذا كنا تراباً} وتلك المقالة إنما هي تقرير مصمم على الجحد والإنكار للبعث، فلذلك حكم عليهم بالكفر. وقوله: {وأولئك الأغلال} يحتمل معنيين: أحدهما: الحقيقة وأنه أخبر عن كون {الأغلال في أعناقهم} في الآخرة فهي كقوله تعالى: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} تفسير : [غافر: 71]. ويحتمل أن يكون مجازاً وأنه أخبر عن كونهم مغللين عن الإيمان، فهي إذن تجري مجرى الطبع والختم على القلوب، وهي كقوله تعالى: {أية : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فهم مقمحون} تفسير : [يس: 8] وباقي الآية بين. وقال بعض الناس {الأغلال} -هنا - عبارة عن الأعمال، أي أعمالهم الفاسدة في أعناقهم كالأغلال. قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا هو في التأويل الثاني الذي ذكرناه. وقوله تعالى: {ويستعجلونك بالسيئة...} الآية، هذه آية تبين تخطيئهم في أن يتمنوا المصائب، ويطلبوا سقوط كسف من السماء أو حجارة تمطر عليهم ونحو هذا مع خلو ذلك في الأمم ونزوله بأناس كثير؛ ولو كان ذلك لم ينزل قط لكانوا أعذر، و {المثلات} جمع مثلة، كسمرة وسمرات، وصدقة وصدقات. وقرأ الجمهور "المَثُلات" بفتح الميم وضم الثاء، وقرأ مجاهد "المَثَلات" بفتح الميم والثاء، وذلك جمع مثلة، أي الأخذة الفذة بالعقوبة، وقرأ عيسى بن عمر "المُثُلات" بضم الميم والثاء، ورويت عن أبي عمرو؛ وقرأ يحيى بن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وهاتان جمع مثلة، وقرأ طلحة بن مصرف "المَثْلات" بفتح الميم وسكون الثاء. ثم رجّى عز وجل بقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} قال الطبري: معناه في الآخرة، وقال قوم: المعنى: إذا تابوا، و"شديد العقاب" إذا كفروا. قال القاضي أبو محمد: والظاهر من معنى "المغفرة" هنا إنما هو ستره في الدنيا وإمهاله للكفرة، ألا ترى التيسير في لفظ {مغفرة}، وأنها منكرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله: {أية : وإني لغفار لمن تاب} تفسير : [طه: 82] ونمط الآية يعطي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار، ثم قال: {ويستعجلونك} فلما ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يرد في الشرع أن الله تعالى يغفر ظلم العباد. ثم خوف بقوله: {وإن ربك لشديد العقاب} قال ابن المسيب: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا عفو الله ومغفرته لما تمنى أحد عيشاً، ولولا عقابه لاتكل كل أحد" تفسير : . وقال ابن عباس: ليس في القرآن أرجى من هذه الآية. و {المثلات} هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلاً يتمثل به، ومنه التمثيل بالقتلى، ومنه المثلة بالعبيد. وقوله تعالى: {ويقول الذين كفروا} الآية، هذه آية غض من اقتراحاتهم المتشططة التي لم يجر الله به عادة إلا للأمم التي حتم بعذابها واستئصالها، و"الآية" هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش كالملك والكنز وغير ذلك، ثم أخبره الله تعالى بأنه {منذر} وهذا الخبر قصد هو بلفظه، والناس أجمعون بمعناه. واختلف المتأولون في قوله: {ولكل قوم هاد} فقال عكرمة وأبو الضحى: المراد بالهادي محمد عليه السلام، و {هادٍ} عطف على {منذر} كأنه قال: إنما أنت {منذر} و {هادٍ} لكل قوم. فيكون هذا المعنى يجري مع قوله عليه السلام: حديث : بعثت للأسود والأحمر تفسير : . و {هادٍ} - على هذا - في هذه الآية بمعنى داعٍ إلى طريق الهدى. وقال مجاهد وابن زيد: المعنى: إنما أنت "منذر" ولكل أمة سلفت "هادٍ" أي نبي يدعوهم. قال القاضي أبو محمد: والمقصد: فليس أمرك يا محمد ببدع ولا منكر، وهذا يشبه غرض الآية. وقالت فرقة: "الهادي" في هذه الآية الله عز وجل، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير، و {هادٍ} - على هذا - معناه مخترع للرشاد. قال القاضي أبو محمد: والألفاظ تطلق بهذا المعنى، ويعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع. وقالت فرقة "الهادي": علي بن أبي طالب، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس - أنه قرأ هذه الآية وعلي حاضر، فأومأ بيده إلى منكب علي وقال: حديث : أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي . تفسير : قال القاضي أبو محمد: والذي يشبهه - إن صح هذا - أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل علياً رضي الله عنه مثالاً من علماء الأمة وهداتها إلى الدين، كأنه قال: أنت يا علي وصنفك، فيدخل في هذا أبو بكر وعمر وعثمان وسائر علماء الصحابة، ثم كذلك من كل عصر، فيكون المعنى - على هذا - إنما أنت يا محمد ولكل قوم في القديم والحديث رعاة وهداة إلى الخير. قال القاضي أبو محمد: والقولان الأولان أرجح ما تأول في الآية.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإن تَعْجَبْ} من تكذيبهم لك فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، ذكر ذلك ليعجب رسوله صلى الله عليه وسلم والتعجب تغير النفس بما خفيت أسبابه ولا يجوز ذلك على الله عز وجل.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}، المعنى: وإِن تعجبْ، يا محمَّد، مِنْ جهالتهم وإِعراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فهم أهْلٌ لذلك، وَعَجَبٌ غريبٌ قولُهم: أنعود بعد كوننا تراباً، خلقاً جديداً؛ {أُوْلَٰـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ }؛ لتصميمهم على الجُحُود وإِنكارهم للبَعْث، {وَأُوْلَٰئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِي أَعْنَـاقِهِمْ }: أي: في الآخرة، ويحتملُ أنْ يكون خبراً عن كونهم مغلَّلين عن الإِيمان؛ كقوله تعالى: { أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً فَهِيَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ } تفسير : [يس:8]. وقوله سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ...} الآية: تبيينٌ لِخَطَئِهِمْ كطلبهم سقوطَ كِسَفٍ من السماء، وقولِهِمْ: { أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [الأنفال:32] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناسٍ كثيرٍ، وقرأ الجمهور: {المَثُلاَثُ} - بفتح الميم وضم الثاء -، وقرأ مجاهد «المَثَلاَثُ» - بفتح الميم والثاء - أي: الأخذة الفَذَّة بالعقوبة، ثم رجَّى سبحانه بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ }، ثم خوَّف بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}: قال ابن المسيِّب: لما نَزِلَتْ هذه الآية، قال رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: « حديث : لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ مَا تَهَنَّأَ أَحَدٌ عَيْشاً، وَلَوْلاَ عِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلَّ أَحَدٍ »تفسير : ، وقال ابن عبَّاس: ليس في القرآن أَرجَى من هذه الآية: {والمَثُلاَثُ}: هي العقوباتُ المنكِّلات التي تجعل الإِنسان مثلاً يُتَمَثَّلُ به؛ ومنه التمثيلُ بالقَتْلى؛ ومنه: المُثْلَةُ بالعبيد. ويقولون: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}: هذه من ٱقتراحاتهم، والآية هنا يرادُ بها الأشياءُ التي سمَّتها قريشٌ؛ كالمُلْكِ، والكَنْزِ، وغيرِ ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال عكرمةُ، وأبو الضُّحَى: المرادُ بـــ «الهادي» محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ فـــ «هَادٍ» عطفٌ على «منذر»؛ كأنه قال: إِنما أَنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ، و«هاد»؛ على هذا التأويل: بمعنى داعٍ إِلى طريق الهُدَى، وقال مجاهدٌ وابنُ زَيْد: المعنى: إِنما أَنْتَ منذِرٌ، ولكلِّ أُمَّة سَلَفَتْ هادٍ، أي: نبيٌّ يَدْعُوهم، أي: فليس أمرُكَ يا محمَّد ببدْعٍ، ولا مُنْكَر، وهذا يشبه غرَضَ الآية، وقالَتْ فرقة: «الهَادِي» في هذه الآية: اللَّه عزَّ وجلَّ، والألفاظ تَقْلَقُ بهذا المعنَى، ويعرف أنَّ اللَّه تعالَى هو الهادِي من غير هذا المَوْضِعِ، والقولانِ الأولان أَرْجَحُ ما تُؤُوِّلَ في الآية.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} الآية لما ذكر الدَّليل على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدلُّ على المعادِ. قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهماـ: "إنْ تعجب من تكذيبهم إيَّاك بعد ما حكموا عليك بأنَّك من الصَّادقين، فهذا عجبٌ". وقيل: إن تعجب يا محمَّدُ من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرًّا، ولا نفعاً بعد ما عرفوا الدلائل الدَّالة على التوحيد، فهذا عجبٌ. وقيل: تقدير الكلام: وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في موضع العجب، لأنهم لما اعترفوا بأنه ـ تعالى ـ مدبِّر السموات، والأرضيين، وخالق الخلق أجمعين، وأنَّه هو الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها، وأنَّه الذي سخر الشَّمس، والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب، والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته؛ لأنَّ القادر على الأقوى يكون قادراً على الأضعفِ بطريق الأولى، وهذا تقرير موضع التَّعجُّب. قوله: {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مقدم، و"قَوْلُهمْ" مبتدأ مؤخَّرٌ، ولا بد من حذف [صفة] لتتمْ الفائدة، أي: فعجب أي عجب، أو غريب، ونحوه. الثاني: أنه مبتدأ، وسوَّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر، ولا يضر حينئذٍ كون خبره معرفه، هذا كما أعرب سيبويه: كم مالك وخير من أقصد رجلاً خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما، وخبرهما معرفةٌ، قاله أبو حيَّان. وللنزاع فيه مجال؛ على أنَّ هناك علّة لا تتأتى هنا، وهي: أنَّ الذي حمل سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع "كَمْ"، وخبر "مَا" هو مبتدأ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحنُ فيه. الثالث: أنَّ "عَجَبٌ" مبتدأ بمعنى معجب، و"قَوْلُهمْ" فاعل به، قاله أبو البقاء. ورد عليه أبو حيَّان: بأنهم نصُّوا على أنَّ "فعلاً وفعَلة وفُعْلاً" ينوبُ عن "مَفْعُول" في المعنى، ولا يعمل عمله، فلا تقول: مَرَرْتُ بِرجُل [ذبح] كَبْشَهُ ولا غَرَفَ مَاءهُ ولا قَبضَ مالهُ، وأيضاً فإنَّ الصفات لا تعمل إلاَّ إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء. والعَجَبُ: تغير النَّفس برؤية المستبعد في العادة. وقال القرطبيُّ: العَجَبُ تغير النفس بما يخفى أسبابه. قوله تعالى: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان: أظهرهما: أنَّها منصوبة المحل لحكايتها بالقول. والثاني: أنَّها، وما في حيزها في محل رفع بدلاً من: "قَوْلهِمْ" وبه بدأ الزمخشريُّ وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكونُ بدل كلِّ من كُلِّ؛ لأنَّ هذا هو نفس "قَوْلُهُم"، و"إذَا" هنا ظرفٌ محضٌ، وليس فيها معنى الشَّرط، والعاملُ فيها مقدر يفسره {لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تقديره: أئذا كُنَّا تراباً نبعث، أو نحشر، ولا يعمل فيها: {خَلْقٍ جَدِيدٍ}؛ لأن ما بعد "إذَا" لا يعملُ فيما قبلها، ولا يعمل فيها "كُنَّا" لإضافتها إليها. واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافاً منتشراً، وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها، [وبيان] مراتب القرَّاء فيها، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله ـ تعالى ـ. فأولها: ما في هذه السورة. والثاني، والثالث: الإسراء وهما: {أية : أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}تفسير : [الإسراء:49] موضعان. الرابع في المؤمنون: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}تفسير : [المؤمنون:82]. الخامس في النمل: {أية : أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ}تفسير : [النمل:67]. السادس في العنكبوت: {أية : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ}تفسير : [العنكبوت:28، 29]. السابع في "الم" السجدة: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [السجدة:10]. الثامن، والتاسع في الصافات موضعان [الصافات:16]. العاشر: في الواقعة: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}تفسير : [الواقعة:47]. الحادي عشر في النازعات: {أية : أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً}تفسير : [النازعات:10، 11]. فهذه هي المواضع المختلف فيها، وأمَّا ضبط الخلاف فيها بالنِّسبة إلى القراء فيه طريقان: أحدهما: بالنِّسبة إلى ذكر القرَّاءِ. والثاني: بالنسبة إلى ذكر السُّور. فاعلم أنَّ هذه المواضعِ تنقسم قسمين: قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد، وقسم منها أربعة مواضع، لكلِّ منها حكم على حدته. أمَّا القسمُ الأوَّل فمنه في هذه السورة، والثاني، والثالث في: "سُبْحَانَ" والرابع: في "المؤمنون"، والخامس: في "الم" السجدة، والسادس، والسابع: في الصافات وحكمها: أنَّ نافعاً، والكسائي يستفهمان في الأول، ويخبران في الثاني، وأن ابن عامر يخبر في الأول، ويستفهم في الثاني، والباقين يستفهمون في الأول والثاني. وأما القسم الثاني، فأوله ما في سورة النمل، وحكمه: أن نافعاً يخبر في الأول، ويستفهم في الثاني، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه، وأن الباقين يستفهمون فيهما. الثاني: ما في العنكبوت، وحكمه: أن نافعاً، وابن كثير، وابن عامر، وحفصاً يخبرون في الأول، ويستفهمون في الثاني، والباقون، يستفهمون فيهما. الثالث: ما في سورة الواقعة، وحكمه: أن نافعاً، والكسائي يستهفمان في الأول، ويخبران في الثاني، والباقون يستفهمون فيهما. الرابع: ما في سورة النازعات، وحكمه: أن نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول، ويخبرون في الثاني، والباقين يستفهمون فيهما. وأما الطريق الآخر بالنسبة إلى القراء؛ فإنهم فيها على أربع مراتب: الأولى: أن نافعاً قرأ بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، إلا في النمل والعنكبوت فإنه عكس. المرتبة الثانية: أنَّ ابن كثير، وحفصاً قرآ بالاستفهام في الأول والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر. المرتبة الثالثة: أنَّ ابن عامرٍ قرأ بالخبر في الأوَّل، والاستفهام في الثَّاني إلا في النمل، والواقعة، والنازعات، فقرأ في النمل، والنازعات بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما. المرتبة الرابعة: الباقون وهم: أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ قرءوا بالاستفهام في الأول، والثاني، ولم يخالف أحدٌ منهم أصله. قال شهاب الدين: "وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما، وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات. فأمَّا وجه قراءة من استفهم في الأوَّل، والثاني؛ فقصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيداً له، ووجه من أتى به مرة واحدة: حصول المقصود به؛ لأنَّ كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكارُ في الأخرى، وأمَّا من خالف أصله في شيءٍ من ذلك، فلاتباع الأثر". فصل هذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: أنَّك تعجبُ من إنكارهم النَّشأة الأخرى مع إقرارهم بابتداءِ الخلق، فعجب أمرهم، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وقد تقرَّر في القلوب أنَّ الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} وهذا يدلُّ على أنَّ من أنكر البعث والقيامة فهو كافرٌ، وإنما لزم من إنكار البعثِ الكفر بالله تعالى؛ لأنَّ إنكار البعث لا يتمُّ إلا بإنكار القدرة، والعلم، والصدق، وأما إنكار القدرة فكقوله: الله غير قادر على الإعادة، وأما إنكار العلم فكقوله: الله غير عالم بالجزيئات، فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، وأمَّا إنكار الصِّدق فكقولهم: إنَّه أخبر عنه، ولكنه لا يفعل؛ لأنَّ الكذب جائز عليه، وكل ذلك كفرٌ بالله ـ تعالى ـ. ثم قال: {وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} قال الأصمُّ: المراد بالأغلالِ: كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً}تفسير : [يس:8]؛ وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 3165ـ.................. لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيَادُ تفسير : ويقال للرَّجلُ: هذا غلٌّ في عنقك للعمل الرَّديء، معناه: أنَّهُ [ملازم] لك، وأنت مُجازًى عليه بالعذابِ. قال القاضي: هذا وإن كان محتملاً؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى. قال ابن الخطيب: "أقول على نصرة الأصم، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحالِ، وذلك غير حاصل، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنَّه سيحصل هذا المعنى، ونحنُ نحمله على أنه حاصلٌ في الحالِ، والمراد بالأغلال ما ذكره فكلُّ واحدٍ منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه، فلمَ كَانَ قولكم أقوى؟". وقيل: المعنى: أنَّهُ ـ تعالى ـ يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ}تفسير : [غافر:71] إلى قوله: {أية : ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ}تفسير : [غافر:72]. ثم قال: {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} والمراد منه التَّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد، وذلك يدلُّ على أنَّ العذاب المؤبَّد ليس إلا للكفَّار؛ لأن قولهم: {هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} يدلُّ على أنَّهم هم الموصوفون بالخُلودِ لا غيرهم فدل على أنَّ أهل الكبائر لا يخلدون في النَّارِ. فإن قيل: العجبُ هو الذي لا يعرف بسبب، وذلك في حق الله ـ تعالى ـ محالٌ، فكيف قال: "فعجَبٌ قَولُهُمْ"؟. فالجواب: المعنى: فعجب عنك. فإن قيل: قرأ بعضهم: "بَل عَجِبْتُ" بإضافة العجب إلى نفسه. فالجواب: أنَّا قد بيَّنا أنَّ مثل هذه الألفاظ يجبُ تنزيهها عن مبادئ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره، فكان التعجب في حقِّ الله ـ تعالى ـ محمولاً على الإنكار. قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} واعلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة، وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلَّما هددهم بعذاب القيامة، أنكروا القيامة، والبعث، والنشر كما تقدَّم في الآية الأولى، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه، وذلك أنَّ مشركي مكَّة كانوا يطلبون العقوبة بدلاً من العافية استهزاء منهم يوقلون: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال:32]. قوله "قَبْلَ الحَسَنةِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بالاستعجالِ ظرفاً لهُ. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنَّه حال مقدرة من السيئة، قاله أبو البقاء. قوله: "وقَدْ خَلتْ" يجوز أن تكون حالاً وهو الظاهر، ويجوز أن تكون مستأنفة. والعامة على فتح الميم، وضم المثلثة الواحدة مثله، كـ"سَمُرَة، وسَمُرَات" و"صَدُقَة وصَدُقَات" وهي العقوبة الفاضحة. قال ابن عباس: "العقوبات المتأصلاتُ كمثلات قطع الأذن، والأنف، ونحوهما". سُمَّيت بذلك لما بين العقاب، والمعاقب عليه من المماثلة، كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]، ولأخذها من المثال بمعنى القصاصِ. يقال: أمثلتُ الرَّجل من صاحبه، وأقصصته بمعنى واحدٍ، أو لأخذها من ضربِ المثل لعظم شأنها. وقرأ ابن مصرف "المَثْلات" بفتح الميم، وسكون الثاء، وقيل: وهي لغة الحجاز في مثله. وقرأ ابن وثاب: بضم الميم، وسكون الثاء، وهي لغة تميم. وقرأ الأعمش، ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمرو، وأبو بكر في رواية بضمهما. فأما الضم، والإسكان: فيجوز أن يكون أصلاً بنفسه لغة، وأن يكون مخففاً في قراءة من ضمهما، وأما ضمهما فيحتمل أيضاً أن يكون أصلاً بنفسه لغة، وأن يكون اتباعاً من قراءة الضم، والإسكان نحو "العُشْر في العَشَر" وقد عرف ما فيه. قال ابنُ الأنباري: "المَثُلَة: العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، وهو من قولهم: مثل فلانٌ بفلانٍ: إذا قبح صورته إمَّا بقطع أنفه، أو أذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه؛ فهذا هو الأصل، ثم يقال للعار الباقي والخزي الدائم اللازم مُثْلَه". وقال الواحدي: "وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب عليه، ومماثلاً له سمي بهذا الاسم". والمعنى: يستعجلونك بالعذابِ الذي لم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، أفلا يعتبرون بها. ثم قال {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} وهذا يدلُّ على أنه ـ سبحانه وتعالى ـ قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، لأن قوله: {لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}، أي: حال اشتغالهم بالظلم كما يقال: رأيت الأمير على أكله، أي حال اشتغاله بالأكل، وهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، ومعلوم أنَّ حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً؛ فدلَّ هذا على أنه ـ تعالى ـ قد يغفر الذُّنوب قبل الاشتغالِ بالتوبة، وترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في حق غير الكفرة، وهو المطلوبُ. ويقال: إنَّهُ ـ تعالى ـ لم يقتصر على قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} بل عطف عليه قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}؛ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، ويحمل الثاني على الكفَّار. قال المفسريون: "لَذُو مَغْفرةٍ" لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وعن المذنبين إذا تابوا. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أرجى آية في القرآن هذه الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إذا أصرُّوا على الكفر. وروى حمَّاد بن سلمة عن عليِّ بن زيد عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: لما نزلت: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لَوْلاَ عَفْوُ اللهِ ورَحْمتهُ وتَجاوُزهُ لمَا هَنأ أحَدا عَيْشٌ ولوْلاَ عِقابهُ ووَعِيدهُ وعَذابَهُ لاتَّكلَ كُلُّ أحدٍ ". تفسير : فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصَّغائر لأجل أنَّ عقوبتهم مكفرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد إنَّ ربك لذو مغفرة إذا تابوا، وأنه ـ تعالى ـ إنَّما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتَّوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم، ويكون المراد من هذه المغفرة [تأخير العقاب] إلى الآخرة، بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه؛ لأنَّ القوم طلبوا تعجيل العذاب، فيجب أن تحمل المغفرة على تأخير العذاب حتى ينطبق الجواب على السُّؤال. ثم يقال: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بقوله: {لَذُو مَغْفِرَةٍ} إمهالهم بالتَّوبة، ولا يعجل بالعقوبة، فإن تابوا، فهو ذو مغفرة، وإن لم يتوبوا؛ فهو شديد العقاب؟. فالجواب عن الأوَّل: أن تأخير العذاب لا يسمى مغفرة، وإلاَّ لوجب أن يقال: إنَّ الكفار كلهم مغفور لهم؛ لأنَّ الله ـ تعالى ـ أخَّر عقابهم إلى الآخرة. وعن الثاني: أنَّ الله تمدَّح بهذا، التَّمدُّح إنما يحصل بالتفضيل، أما أداء الواجب، فلا تمدح فيه، وعندكم يجب غفران الصغائر. وعن الثالث: أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة؛ فسقطت الأسئلةُ. قوله: {عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} حال من "النَّاسِ" والعامل فيها، قال أبو البقاءِ "مَغْفرةٍ" يعني: أنه هو العامل في صاحبها. قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} الآية لما بين ـ تعالى أنَّهم طعنوا في النبوة بسبب طعنهم في الحشر والنشر ثم طعنوا في النبوَّة أيضاً بسبب طعنهم في صحَّة ما ينذرهم به من نزول العذابِ، بين أيضاً أنهم طعنوا في نبوَّته، وطلبوا منه المعجزة. والسَّببُ في كونهم أنكروا كون القرآن معجزة: أنهم قالوا هذا كتابٌ مثلُ سائر الكتب، وإتيان الإنسان بتصنيف معين لا يكون معجزاً، وإنَّما يكون المعجز مثل معجزات موسى. واعلم أنَّ من الناس من زعم أنَّهُ لم يظهر معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم سوى القرآن، قالوا: لأن هذا الكلام إنَّما يصحُّ إذا طعنوا في كونِ القرآنِ معجزاً ولم يظهر معجزاً غيره؛ لأنه لو ظهر معجز غيره لم يحسن أن يقال: {لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} وهذا يدلُّ على أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما كان له معجزة سوى القرآنِ. والجواب: عنه من وجهين: الأول: لعلََّ المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها من حنين الجزع، ونبع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير الطعام القليل؛ فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه، مثل: فلقِ البَحْرِ لموسى، وقلب العصا ثُعْبَاناً. فإن قيل: فما السبب في أنَّ الله منعهم، وما أعطاهم؟. فالجواب: أن الله ـ تعالى ـ لما أظهر المعجزة الواحدة، فقد تَمَّ الغرض، فيكون طلب الثاني تحكماً، وظهور القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة إلى معجزات آخر. وأيضاً: فلعلَّه ـ تعالى ـ علم أنَّهم يصرُّون على العناد بعد ظهور المعجزة الملتمسة وكونهم يصيرون حينئذٍ يستوجبون عذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم، وقد بين الله ـ تعالى ـ ذلك بقوله: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [الأنفال:23] فبيَّن أنَّه لم يعطهم مطلوبهم، لعلمه أنَّهم لا ينتفعون به. وأيضاً: ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو أنَّه كلَّما أتى بمعجزة جاء آخر، وطلب معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وهو باطلٌ. والوجه الثاني: لعلَّ الكفار قالوا ذلك قبل مشاهدة سائر المعجزات. ثم قال: "إنَّما أنْتَ منذرٌ" مخوف. قوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ هذا الكلام مستأنف مستقبل من مبتدأ، وخبر. والثاني: أنَّ "لكُلِّ قَوْمٍ" متعلقٌ ـ "هَادٍ"، و"هاد" نسق على "مُنْذِرٌ"، أي: إنَّما أنت منذرٌ وهادٍ لكل قوم، وفي هذا الوجه الفصل بين حرف العطف، والمعطوف بالجار وفيه خلاف تقدم. ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه، لم يذكر هذا الإشكال، ومن عادته ذكره ردًّا به على الزمخشري. الثالث: أنَّ "هادٍ" خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: إنَّما أنت منذرٌ، وهو لكلِّ قوم هادٍ، فـ "لكُلِّ" متعلقٌ به أيضاً. ووقف ابن كثير على "هَادٍ" [الرعد:33] [الزمر:23، 36] و"واقٍ" حيث وقعا، وعلى "والٍ" نا و "باقٍ" [النحل:96] [الرعد:34، 37] في النحل بإثبات الياء، وحذفها الباقون. ونقل ابن مجاهد عنه: أنه يقف بالياء في جميع الياءات. ونقل عن ورش: أنَّه خير في الوقف بين الياء، وحذفها. والباب: هو كل منقوصٍ منونٍ غير منصرف، واتفق القراء على التوحيد في "هَادٍ". فصل إذا جعلنا "ولكُلِّ قوم هادٍ" كلاماً مستأنفاً، فالمعنى: أنَّ الله ـ تعالى ـ خصَّ كلَّ قوم بنبيٍّ، ومعجزة تلائمهم، فَلمَّا كان الغالب في زمن موسى ـ عليه السلام ـ السحر؛ جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقهم، ولما كان الغالب في زمن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ الطب، جعل معجزته ما كان من تلك الطريقة، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمة، والأبرص، ولما كان الغالبُ في زمان محمد صلى الله عليه وسلم الفصاحة، والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان، وهو فصاحة القرآن، فلمَّا لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع أنَّها أليق بطبائعهم، فبأن لا يؤمنون بباقي المعجزات أولى، هذا تقرير القاضي، وبه ينتظم الكلام. وقيل: المعنى أنهم إذا جحدوا كون القرآن معجزة لا تضيق قلبك بسببه، و "إنَّما أنْتَ مُنذِرٌ"، أي ما عليك إلاَّ الإنذار، وأمَّا الهداية فليست إليك، فإنَّ: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} قادر على هدايتهم. والمعنى: أنَّ الهداية من الله. فصل قيل: المنذر، والهادي شيءٌ واحدٌ، والتقدير: إنَّما أنتَ مُنذِرٌ {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} منذر على حدةٍ، ومعجزة كل واحد غير معجزة الآخر. وقيل: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي: هو الله ـ تعالى ـ قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. وقال عكرمة: الهادي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: أنت منذر، وأنت هاد لكل قوم، أي: داع.

البقاعي

تفسير : ولما ثبت قطعاً بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي الطبائع اتحاده، كان إنكار شيء من قدرته عجباً، فقال عطفاً على قوله:{ أية : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} تفسير : [هود: 17] مشيراً إلى أنهم يقولون: إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له {* إن تعجب} أي يوماً من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث {فعجب} عظيم لا تتناهى درجاته في العظم {قولهم} بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والدلالات الناطقة بعظيم القدرة على كل شيء منكرين: {أَءِذا كنا تراباً} واختلط التراب الذي تحولنا إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز، ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانياً فقالوا: {أَءِنَّا لفي خلق جديد} هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون، وهذا الاستفهام الثاني مفسر لما نصب الأول بما فيه من معنى "أنبعث"، والعجب: تغير النفس بما خفي سببه عن العادة، والجديد: المهيا بالقطع إلى التكوين قبل التصريف في الأعمال، وأصل الصفة القطع؛ قال الرماني: وقد قيل: لا خير فيمن لا يتعجب من العجب، وأرذل منه من يتعجب من غير عجب - انتهى، يعني: فالكفار تعجبوا من غير عجب: ومن تعجبهم فقد تعجب من العجب. ولما كان هذا إنكار المحسوس من القدرة، استحقوا ما يستحق من يطعن في ملك الملك، فقال: {أولئك} أي الذين جمعوا أنواعاً من البعد مع كل خير {الذين كفروا بربهم} أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم {وأولئك} أي البعداء البغضاء {الأغلال} أي الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى إلى أعناقهم، ويقال لها: جوامع، وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب بها الناس؛ ولما كان طرفا العنق غليظين، فلا تكون إحاطة الجامعة منها إذا كانت ضيقة إلا بالوسط، جعل الأعناق ظروفاً باعتبار أنها على بعض منها، وذلك كناية عن ضيقها، فقال: {في أعناقهم} أي بكفرهم وإن لم تكن الأغلال مشاهدة الآن، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة، وهم منقادون لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده، والغل: طوق تقيد به اليد في العنق، وأصله: انغل في الشيء - إذا انتشب فيه، وغل المال - إذا خان بانتشابه في المال الحرام {وأولئك} أي الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم {أصحاب النار}. ولما كانت الصحبة تقتضي الملازمة، صرح بها فقال: {هم} أي خاصة {فيها} أي متمحضة لا يخلطها نعيم {خالدون *} أي ثابت خلودهم دائماً. ولما تضمنت هذه الآية إثبات القدرة التامة مع ما سبق من أدلتها المحسوسة المشاهدة، كان أيضاً من العجب العجيب والنبأ الغريب استهزاءهم بها، فقال معجباً منهم: {ويستعجلونك} أي استهزاء وتكذيباً؛ والاستعجال: طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له {بالسيئة} من العذاب المتوعد به من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جرأة منهم تشير إلى أنهم لا يبالون بشيء منه ولا يوهن قولهم شيء {قبل الحسنة} من الخير الذي تبشرهم به {و} الحال أنه {قد خلت} ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض الزمان، أدخل الجار فقال: {من قبلهم المثلات} جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وهي العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين اتصلت بهم أخبارهم، وخاطبتهم بعظيم ما اتفق لهم آثارهم وديارهم، وما يؤخرهم الله إلا لاستيفاء آجالهم التي ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم. ولما كانوا ربما قالوا: ما نرى إلا تهديداً لا يتحقق شيء منه: قال مؤكداً لإنكارهم واعتقادهم أن المسار والمضار إنما هي عادة الدهر، عطفاً على ما تقديره: فإن ربك حليم لا يخاف الفوت فلا يستعجل في الأخذ: {وإن ربك} أي المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة {لذو مغفرة} أي عظيمة ثابتة {للناس} حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم مستقلين {على ظلمهم} وهو إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها، فلا يؤاخذهم بجميع ماكسبوا {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} تفسير : [النحل:61] فلذلك يقيم الناس دهراً طويلاً يكفرون ولا يعاقبون حلماً منه سبحانه، والآية مقيدة بآية النساء { أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [ النساء:48] وإن لم يكن توبة، فإن التائب ليس على ظلمه. ولما كان يمهل سبحانه ولا يهمل وذكر إمهاله، ذكر أخذه مؤكداً لمثل ما مضى فقال: {وإن ربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك بغاية الإحسان {لشديد العقاب *} للكفار ولمن شاء من غيرهم، فلذلك يأخذ أخذ عزيز مقتدر إذا جاء الأجل الذي قدره.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {وإن تعجب فعجب قولهم} قال: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك، {فعجب قولهم}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في الآية قال: إن تعجب من تكذيبهم وهم رأوا من قدرة الله وأمره، وما ضرب لهم من الأمثال وأراهم حياة الموتى والأرض الميتة، فتعجب من قولهم {أءِذا كنا تراباً أءِنَّا لفي خلق جديد} أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة أشد من الخلق من تراب وعظام؟؟.. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وإن تعجب فعجب قولهم} قال: عجب الرحمن من تكذيبهم بالبعث. أما قوله تعالى {وأولئك الأغلال في أعناقهم}. أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والخطيب، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب، ولكنها جعلت في أعناقهم، لكي إذا طغا بهم اللهب أرسبتهم في النار.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن تَعْجَبْ} يا محمد من شيء {فَعَجَبٌ} لا أعجبُ منه حقيقٌ بأن يُقصَرَ عليه التعجب {قَوْلُهُمْ} بعد مشاهدةِ ما عدد لك من الآيات الشاهدةِ بأنه تعالى على كل شيء قدير {أَءذَا كُنَّا تُرَابًا} على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ المفيدِ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ، وهو في محل الرفعِ على البدلية من (قولهم) على أنه بمعنى المقول أو في محل النصبِ على المفعولية منه على أنه مصدرٌ فالعجبُ على الأول كلامُهم وعلى الثاني تكلّمُهم بذلك والعاملُ في (إذا) ما دل عليه قوله: {إِءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو نُبعث أو نعاد، وتقديمُ الظرف لتقوية الإنكارِ بالبعث بتوجيهه إليه في حالة منافيةٍ له، وتكريرُ الهمزة في قولهم: أئنا لتأكيد الإنكارِ، وليس مدارُ إنكارهم كونَهم ثابتين في الخلق الجديد بالفعل عند كونِهم تراباً بل كونَهم بعريضة ذلك واستعدادِهم له، وفيه من الدَلالة على عتوّهم وتماديهم في النكير ما لا يخفى، وقيل: وإن تعجب من قولهم في إنكار البعثِ فعجبٌ قولُهم، والمآلُ وإن تعجبْ فقد تعجّبت في موضع التعجّبِ، وقيل: وإن تعجب من إنكارِهم البعثَ فعجبٌ قولُهم الدالُّ عليه فتأمل. وقد جُوّز كونُ الخطاب لكل من يصلُح له أي إن تعجبْ يا من ينظُر في هذه الآياتِ من قدرة مَنْ هذه أفعالُه فازددْ تعجباً ممن ينكر مع هذه الدلائلِ قدرتَه تعالى على البعث وهو أهونُ من هذه، والأنسبُ بقوله: ويستعجلونك بالسيئة هو الأولُ وقوله تعالى: {فَعَجَبٌ} خبرٌ قُدّم على المبتدأ للقصر والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم ذاك أمراً عجيباً، ويجوز أن يكون مبتدأً لكونه موصوفاً بالوصف المقدر كما أشير إليه فالمعنى وإن تعجب فالعجب الذي لا عجب وراءه قولُهم هذا فاعجب منه، وعلى الأول وإن تعجب فقولُهم هذا عجبٌ لا عجبَ فوقه. {أُوْلَـٰئِكَ} مبتدأٌ والموصولُ خبرُه أي أولئك المنكرون لقدرته تعالى على البعث ريثما عاينوا ما فُصّل من الآيات الباهرةِ المُلْجئة لهم إلى الإيمان لو كانوا يبصرون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ} وتمادَوْا في ذلك فإن إنكارَهم لقدرته عز وجل كفرٌ به وأيُّ كفر {وَأُوْلـئِكَ} مبتدأ خبرُه قوله: {ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ} أي مقيّدون بقيود الضلال لا يُرجىٰ خلاصُهم أو مغلولون يوم القيامة {وَأُوْلـئِكَ} الموصوفون بما ذكر من الصفات {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} لا ينفكوّن عنها، وتوسيطُ ضمير الفصلِ ليس لتخصيص الخلودِ بمنكري البعثِ خاصةً بل بالجمع المدلولِ عليه بقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ}. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ} بالعقوبة التي أُنذِروها وذلك حين سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيَهم بالعذاب استهزاءً منهم بإنذاره {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي العافيةِ والإحسانِ إليهم بالإمهال {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ} أي عقوباتُ أمثالِهم من المكذبـين فما لهم لا يعتبرون بها ولا يحترزون حلولَ مثلها بهم والجملة الحاليةُ لبـيان ركاكةِ رأيِهم في الاستعجال بطريق الاستهزاءِ أي يستعجلونك بها مستهزئين بإنذارك منكِرين لوقوع ما أنذرتَهم إياه والحالُ أنه قد مضت العقوباتُ النازلةُ على أمثالهم من المكذبـين والمستهزئين، والمُثْلة بوزن السُّمْرة العقوبةُ، سميت بها لما بـينها وبـين المعاقَب عليه من المماثلة ومنه المِثال للقِصاص، وقرىء المُثُلات بضمتين بإتباع الفاء العين، والمَثْلات بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال: السَّمْرة، والمُثْلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المُثُلات جمع مُثْلة كرُكبة ورُكْبات {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} عظيمةٍ {لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} أنفسهم بالذنوب والمعاصي ومحلُّه النصبُ على الحالية أي ظالمين والعاملُ فيه المغفرة والمعنى إن ربك لغفورٌ للناس لا يعجّل لهم العقوبةَ وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يعاقب من يشاء منهم حين يشاء فتأخيرُ ما استعجلوه ليس للإهمال. وعنه عليه الصلاة والسلام: " حديث : لولا عفوُ الله وتجاوزُه ما هنأ لأحد العيشُ ولولا وعيدُه وعقابه لائتَّكَلَ كُلُّ أحد".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} [الآية: 5]. قال الجنيد: ذهب العجب بقوة سلطان العجب، وكل العجب من العجب أن لا عجب. قال الله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ}. قال الترمذى: ليس العجُب من العجَب ممن يتعجب إذ لا عجب.

القشيري

تفسير : وإن تعجبْ - يا محمد - لقولهم فهذا موضعٌ يَتَعَجَّبُ منه الخَلْق، فالعَجَبُ لا يجوز في صفة الحقِّ، إذ إن التعجبَ الاستبعادُ والحقُّ لا يَسْتَبْعِدُ شيئاً، وإنما أثبت موضعَ التعجب للخَلْق، وحَسَنٌ ما قالوا: "إنما تعجب من حجب" لأنَّ مَنْ يَنَلْ عيونَ البصيرةِ لا يتعجَّبُ مِنْ شيء. وقومٌ أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب موافقتك له. وإطلاق هذا - وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة - لا يجوز، والأدبُ السكوتُ عن أمثال هذا. والقوم عبّروا عن ذلك فقالوا: أعجبُ العجبِ قول ما لا يجوز في وصفه العجب.. وإِنْ تعجَّب. وقوله تعالى: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}: استبعادُهم النشأةَ الثانيةَ - مع إقرارهم بالخَلْقِ الأولِ وهما في معنًى واحد - موضعُ التعجب، إذ هو صريح في المناقضة، وكان القومُ أَصحابَ تمييز وتحصيل، فقياسٌ مثل هذا يدعو إلى العجب. ولكن لولا أن الله - سبحانه - لَبَّسَ عليهم كما قال: {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [يس: 9] - وإلا ما كان ينبغي أَنْ يخفي عليهم جواز هذا مع وضوحه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان تعجب} اى ان يقع منك عجب وتعجب من شيء يا محمد او ايها السامع {فعجب قولهم} خبر ومبتدأ اى فليكن ذلك العجب من قول المشركين {ءاذا كنا ترابا} [آيا آن وقت كه ما باشيم خاك يعنى بعد ازمرك كه ما خاك باشيم] والجملة الاستفهامية منصوبة المحل على انها محكية بالقول واذا ظرف محض ليس فيها معنى الشرط والعامل محذوف دل عليه قوله {أئنا} [اياما] {لفى خلق جديد} [باشيم در آفرينش نو] والتقدير اذا كنا ترابا أنبعث ونخلق لا كنا لانه مضاف اليه فلا يعمل ولا خلق جديد لان ما بعد اداة الاستفهام وكذا ان لا يعمل فيما قبله. وقال بعضهم وان تعجب من انكار المشركين البعث وعبادتهم الاصنام بعد اعترافهم بالقدرة على ابتداء الخلق فحقيق بان تتعجب منه اى فقد وضعت التعجب فى موضعه لكونه جديرا لان يتعجب منه فان من قدر على ابداء هذه المخلوقات قدر على اعادتها شعر : آنكه بيدا ساختن كارش بود زندى دادن جه رشوارش بود تفسير : والتعجب حالة انفعالية تعرض للنفس عند ادراك ما لا يعرف سببه فهو مستحيل فى حق الله تعالى فكان المراد ان تعجب فعجب عندك. قال فى التأويلات النجمية {وان تعجب} اى تعلم انك يا محمد لا تعجب شيئا لانك ترى الاشياء منا ومن قدرتنا وانك تعلم انى على كل شيء قدير ولكن ان تعجب على عادة اهل الطبيعة اذا رأوا شيئا غير معتاد لهم او شيئا ينافى نظر عقولهم {فعجب قولهم} اى فتعجب من قولهم {ءاذا كنا ترابا} اى صرنا ترابا بعد الموت {أئنا لفى خلق جديد} اى بعود تراب اجسادنا اجسادا كما كان وتعود اليها ارواحنا فنحيى مرة اخرى. معنى الآية انهم يتعجبون من قدرة الله لان الله هو الذى خلقهم من لا شيء فى البداية اذ لم تكن الارواح والاجساد ولا التراب فالآن اهون عليه ان يخلقهم من شيء وهو التراب والارواح ولكن العجب تعجبهم بعد أن رأوا ان الله خلقهم من لا شيء من ان يخلقهم مرة اخرى من شيء {اولئك} {آن كروه كه منكرينند] {الذين كفروا بربهم} لانهم كفروا بقدرته على البعث. وفى التأويلات {كفروا بربهم} انه خلقهم من لا شيء اذا انكروا انه لا يخلقهم من شيء {اولئك الاغلال فى اعناقهم} [وآن كروهندكه غلها دركردنهاى ايشانست] اى مقيدون بالكفر والضلال ر يرجى خلاصهم يقال للرجل هذا غل فى عنقك للعمل الرديئ ومعناه انه لازم لك لا يرجى خلاصك منه والغل طوق يقيد به اليد الى العنق. وفى التأويلات هى اغلال الشقاوة التى جعلها التقدير الازلى فى اعناقهم كما قال {أية : وكل انسان الزمناه طائره فى عنقه} تفسير : ويجوز ان يكون على حقيقته اى يغلون يوم القيامة [يعنى روز قيامت غل آتشين بركردن ايشان نهند وعلامت كفار در دوزخ اين باشد] وفى الحديث "حديث : ينشئ الله سحابة سوداء مظلمة فيقال يا اهل النار أى شيء تطلبون فيذكرون بها سحابة الدنيا فيقولون يا ربنا الشراب فتمطرهم اغلالا تزيد فى اغلاقهم وسلاسل تزيد فى سلاسلهم وجمرا يلتهب عليهم" تفسير : {واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون} توسيط ضمير الفصيل وتقديم فيها يفيد الحصر اى هم الموصوفون بالخلود فى النار لا غيرهم وان خلودهم انما هو فى النار لا فى غيرها فثبت ان اهل الكبائر لا يخلدون فى النار. وفى التأويلات هم الذين قال الله تعالى فيهم فى الازل وهؤلاء فى النار ولا ابالى فآل امرهم لى ان يكونوا اصحاب النار الى الابد فالشرك والانكار من اعظم المعاصى والاوزار وعن النبى عليه السلام مخبرا عن الله تعالى انه قال "حديث : عبدى ما عبدتنى رجوتنى ولم تشرك بى شيئا غفرت لك على ما كان منك ولو استقبلتنى بملئ الارض خطايا وذنوبا لاستقبلتك بملئها مغفرة واغفر لك ولا ابالى" تفسير : اى ان لم تشرك بى شيئا غفرت لك على ما كان منك من نفى جميع الاشراك لان النكرة اذا وقعت فى سياق النفى تفيد العموم وهذا لا يحصل الا بعد اصلاح النفس فالمرء اسير فى يد نفسه والهوى كالغل فى عنقه وهذا الغل الملازم له فى دنياه معنوى وسيصير الى الحس يوم القيامة اذ الباطن يصير هناك ظاهرا - كما حكى - عن بعض العصاة انه مات فلما حفروا قبره وجدوا فيه حية عظيمة فحفورا له قبرا آخر فوجدوها فيه ثم كذلك قبرا بعد قبر الى ان حفروا نحوا من ثلاثين قبرا وفى كل قبر يجدونها فلما رأوا انه لا يهرب من الله هارب ولا يغلب الله غالب دفنوه معها وهذه الحية هى عمله: قال السعدى قدس سره شعر : برادر زكار بدان شرم دار كه درروى نيكان شوى شر مسار ترا خود بماند سراز ننك بيش كه كرت برآيد عملهاى خويش

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (فعجب): خبر، و(قولهم): مبتدأ، و(أئذا كنا...) الخ ـ محكي به. واختلف القراء هنا، وفي مواضع من القرآن، فمنهم من قرأ بالاستفهام في الأول دون الثاني، ومنهم بالعكس، ومنهم من قرأ بالاستفهام فيهما. فمن قرأ بالاستفهام في الأول دون الثاني فإنما القصد هو الثاني؛ لأنهم إنما أنكروا كون الإنسان يصير تراباً ثم يُبعث، وأما كونهم يصيرون تراباً فلا إنكار عندهم فيه. ومن قرأ بالاستفهام في الثاني فعلى الأصل، ومن قرأ بالاستفهام فيهما فزيادة تأكيد. والعامل في (إذا) محذوف دل عليه: {لفي خلق جديد} أي: أُنجَدد إذا... الخ. يقول الحق جل جلاله: {وإن تعجب} يا محمد من إنكارهم البعث {فعجبٌ قولُهم} أي: فقولهم حقيق بأن يتعجب منه، فإنَّ من قدر على إنشاء ما قصَّ عليك من عجائب السماوات والأرض، وأنواع الثمار على اختلاف أصنافها وألوانها، كانت الإعادة أيسر شيء عليه، فالآيات المعدودة، كما هي دالة على وجود المبدأ، فهي دالة على إمكان الإعادة، لأنها دالة على كمال قدرته تعالى. ثم فسر قولهم في الإنكار قالوا: {أَئذا كنا تراباً أئنا لفي خَلْقٍ جديد} أي: أَنُجَدِّدُ إذا متنا، وكنا تراباً، {أولئك} القائلون ذلك، أو المنكرون البعث، {الذين كفروا بربهم}؛ لأنهم كفروا صفة القدرة، {وأولئك الأغلالُ في أعناقهم} أي: مقيدون بالضلال، قد أحاط بهم الشقاء، ولا يُرجى خلاصهم. أو: يُغلّون يوم القيامة. {وأولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون} لا ينفكون عنها. وتوسط ضمير الفصل؛ لتخصيص الخلود بالكفار، ففيه رد على المعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنكار بعث الأرواح من غفلاتها وجهلها، كإنكار بعث الأشباح بعد موتها، يُتعجب من الأول كما يتعجب من الثاني؛ فالقدرة صالحة، فمن قدر على بعث الأشباح بعد موتها الحسي قدر على بعث الأرواح بعد موتها المعنوي: "من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية؛ {وكان الله على كل شيء مقتدراً} "، وقد أحيا الله أرواحاً كثيرة كانت ميتة بالجهل والمعاصي، فصارت عارفة بالله، من خواص أولياء الله مَنْ كانوا لصوصاً فصاروا خُصوصاً، ومنهم من كانوا كفاراً فصاروا أبراراً. وبالله التوفيق. ثم استمد بهم الإنكار حتى أستعجلوا ممن أوعدهم بذلك العذاب

الطوسي

تفسير : في الكوفي. وفي المدنيين والبصري آيتان تمام الاولى قوله {لفي خلق جديد}. قرأ ابن عامر وابو جعفر {إذا} بهمزة واحدة على الخبر. الباقون بهمزتين على الاستفهام. وحقق الهمزتين اهل الكوفة وروح. وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو ورويس بتخفيف الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بالف نافع الا ورشاً وابو عمرو. واما {إنا} فقرأه بهمزة واحدة على الخبر نافع والكسائي ويعقوب. الباقون بهمزتين على الاستفهام. وحقق الهمزتين ابن عامر وعاصم وحمزة وخلف الا ان هشاما يفصل بينهما بالف. وقرأ ابن كثير وابو عمرو، وابو جعفر بتحقيق الاولى وتليين الثانية إلا ان ابا عمرو وابا جعفر يفصلان بينهما بالف، وابن كثير لا يفصل. وكذلك اختلافهم في الموضعين في (سبحان) وسورة المؤمنين والسجدة ولقمان. والثاني من اللذين في الصافات. وما سوى ذلك من الاستفهامين يذكر في موضعه ان شاء الله قال ابو علي الفارسي من قرأ (أإذا، أإنا) بالاستفهام فيهما، فموضع (اذا) نصب بفعل مضمر يدل عليه قوله {أءنا لفي خلق جديد} لان هذا الكلام يدل على نبعث ونحشر، فكأنه قال أنبعث اذا كنا تراباً. ومن لم يدخل الاستفهام في الجملة الثانية كان موضع (اذا) نصباً بما دل عليه قوله {انا لفي خلق جديد} فكأنه قال انبعث اذا كنا تراباً، وما بعد (ان) لا يعمل فيما قبله بمنزلة الاستفهام، فكما قدرت هذا الناصب في (اذا) مع الاستفهام، لان الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله كذلك نقدره في (إنا) لان ما بعدها ايضاً لا يعمل فيما قبلها. وقراءة ابن عباس {اذا كنا تراباً} على الخبر (أإنا) على الاستفهام ينبغي ان يكون على مضمر كما حمل ما تقدم على ذلك، لان بعد الاستفهام منقطع مما قبله. فاما ابو عمرو، فأنه يفصل بين الهمزتين بألف، كما يفصل في {أأنذرتهم} وكما يفصل بين النونات في (اخشينان) ويأتي بعد ذلك بالهمزة بين بين، وليست (يا) ياء محضة، كما ان الهمزة في السائل ليست ياء محضة، وانما هي همزة بين بين، وابن كثير ان اتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد فليس ذلك على التخفيف القياسي، لانه لو كان كذلك، لوجب ان يجعل الهمزة بين بين، كما فعل في سم في المتصل وفي اذ قال ابراهيم - في المنفصل لذلك، ولكنه يبدل من الهمزة ابدالاً محضاً كما حكى سيبويه انه سمع من العرب من يقول (بئس) وقد جاء في الشعر يومئذ على القلب. مدح الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم تعجُّبه من الكفار في عبادتهم ما لا يملك لهم نفعاً ولا ضرّاً. ثم اخبر ان هذا موضع العجب، وذمهم بعجبهم من اعادتهم ثانية مع علمهم بالنشأة الاولى، وفيما بين الله تعالى من خلق السموات والارض، وما بينهما من عجائب افعاله التي تدل على انه قادر على الاعادة، كما دلت على الانشاء، لان هذا مما ينبغي ان يتدبره العاقل، وقد قيل: (لا خير فيمن لا يتعجب من العجب وأرذل منه المتعجب من غير عجب) والعجب والتعجب واحد. وهو تغير النفس بما خفي سببه عن الكافر وخرج عن العادة، فهؤلاء الجهال توهموا انهم اذا صاروا تراباً لا يمكن ان يصيروا حيواناً. والذي انشأهم اول مرة قادر ان يعيدهم ثانية. ثم اخبر تعالى عنهم، فقال: هؤلاء هم الذين جحدوا نعم الله، وكفروا بآياته ودلالاته، وهم الذين يحشرهم الله يوم القيامة، والاغلال في اعناقهم. والغل طوق يقيد به اليد في العنق، وأصله الغل في الشيء إذا انتسب فيه. وغل: اذا خان بانتسابه في مال الحرام والاعناق جمع عنق، وهو مغرز الرأس. وقيل ان المعنى في ذلك انهم يؤاخذون بأعمالهم، وهي الاغلال، كما قال {أية : اذ الأغلال في أعناقهم}تفسير : فكأنهم بمنزلة من الغلّ في عنقه لما لزمهم من الكفر به، فقال و {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} اخبار منه تعالى انهم بعد الغل في اعناقهم يجعلون في النار مؤبدين فيها معذبين بأنواع العذاب.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وإن تعجب} يا محمد أو أيها السامع من قول هؤلاء الكفار في إنكار البعث فقولهم عجب عندك {أئذا كنا تراباً أءنا لفي خلق جديد} {وأولئك الأغلال في أعناقهم} والأغلال جمع غلّ وهو القيد يجمع اليمين والعنق وذلك يكون يوم القيامة {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} بالنقمة قبل العافية والإِحسان إليهم الإِمهال وقد سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم العذاب استهزاء منهم، وقيل: بالشر قبل الخير، وقيل: بالكفر قبل الإِجابة {وقد خلت من قبلهم المثلات} يعني عقوبات المكذبين من قبلهم فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} يريد بالمغفرة الستر والامهال، وقيل: إذا تابوا، وقيل: تأخير الجزاء إلى يوم القيامة {وإن ربك لشديد العقاب} لمن أصر {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} لم يعتبروا بالآيات المنزلة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى (عليهما السلام) فقيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {إنما أنت منذر} يعني رجل أرسل منذراً مخوفاً لهم من سوء العاقبة وناصحاً لهم كغيرك من الرسل {ولكل قوم هاد} قيل: تقديره إنما أنت يا محمد منذر وهاد لكل قوم، وقيل: لكل قوم هاد من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إليه، وروي في الحاكم أيضاً أن المنذر والهادي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: قال الهادي هو الله تعالى والمنذر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: المنذر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والهادي علي (عليه السلام) وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضع يده على منكب علي (عليه السلام) ثم قال: "حديث : أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي"تفسير : . وروي ذلك أيضاً في الحاكم والغرائب.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فَعَجب لتكذيبهم بالبعث حين قالوا: {أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}. وهذا على الاستفهام. أي: إنا لا نبعث، وهذا استفهام على إنكار، أي: قولهم ذلك عَجَبٌ. قال الله: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ} أي: بالعذاب. وذلك قولهم: (أية : اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)تفسير : [الأنفال:32]، وقولهم: (أية : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ) تفسير : [سورة ص:16]. وذلك منهم تكذيب واستهزاء.

اطفيش

تفسير : {وإنْ تَعْجبْ} يا محمد من تكذيبهم إياك بعد أن سموك الصادق الأمين، وعرفوك بالصدق والأمانة، أو من إنكارهم البعث مع إقرارهم بأن الخالق الله، وقد تقرر فى النفوس أن البدء أصعب من الإعادة، ولو كانا سواء عند الله تعالى وأمراً هينا. {فعَجبٌ} خبر مقدم {قَولُهم} أى قول قومك المنكرين للبعث مبتدأ، أى فقولهم عجب أى حقيق بأن تتعجب منه، لاتضاح دلائل رسالتك، ودلائل البعث من إخبارك إياهم بالغيوب بلا دراسة كتب، ولا سماع ولا مشاهدة، وإجراء معجزة على يديك، ومن إنشاء السمٰوات ورفعها، والأرض والعرش، وما فى ذلك، والقطع المتجاورات، والزرع والشجر، والثمرات المختلفة، مع اتحاد الماء، وكون الكل من التراب، فإن إنشاء ذلك فى النفوس أصعب من إعادة ميت بعد إنشائه، وإماتته، ودليل على كمال العلم والقدرة فى كل شئ، والإشكال فى ذلك. فإذن المراد إن أعجبك واقع موقعه وصادف [محله] ولم يكن تعجبا مما لا يتعجب منه كقولك: إن تعجبت من قيام زيد فقيامه عجب، أى فتعجبك صادف محل التعجب، وعلى قبول الأشياء التى تمد منها بقدرته أشياء أخرى لأنواع تصرفاته، وقيل: إن تعجب من اتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة مع إقرارهم بأن الخالق الرازق النافع الضار الله، فقولهم حقيق بأن تتعجب منه، كأنه قيل: إن تعجب من ذلك فليس الأمر العجيب منهم ببدع، فإن قولهم بإنكار البعث عجب عظيم، والعجب على كل حال مصروف إلى المخلوق، لأنه حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشئ، والله سبحانه لا يخفى عنه شئ ويطلق العجب على نفس الأمر المستبعد فى العادة وعلى نفس الأمر الذى لا يعرف له سبب، وقال بعض شراح الهمزية: هو الأمر المستغرب الخارج عن قياس المعقول. {أئِذَا} بتحقيق الهمزة الأولى وهى للاستفهام الإنكارى، وتسهيل الثانية بلا إدخال ألف بينهما، أو بإدخالها، أو بتحقيق الهمزتين بلا إدخالها أو به، وكذا فى قوله: {أئنا} وقرئ بهمزة واحدة مكسورة هنا، وبالهمزتين فى قوله: {أئنا} وقرئ بالعكس، وجواب إذا محذوف دل عليه {أئنا لفى خلق جديد} وإذا وشرطها وجوابها ودليله بدل من القول، أو بيان له أنه بمعنى المقول، ومفعول به على أنه باق على المعنى المصدرى، وقوله: {أئنا لفى خلق جديد} فى نية التقديم على إذا، ويقدر الجواب منه مقرونا بالفاء بدون استفهام أو به، أو يقدر مضارعا من البعث. {كُنَّا تُراباً أئنا لَفِى خَلقٍ جَديدٍ} بالبعث غير الخلق الأول {أولئكَ الَّذين كفَروا بربِّهم} أى بقدرته على البعث، أى هؤلاء البعداء من مظان الخير هم الكاملون فى الكفر بالبعث {أولئك الإْغلالُ فى أعناقِهِم} أى ثابتة فى أعناقهم يوم القيامة، وهذا الوصف الذى قدرت للاستقبال، ويقدر المضارع أى تثبيت فى أعناقهم، أو يقدر الوصف أو المضارع للحال، ويقدر الماضى تنزيلا للمستقبل منزلة الحاضر الواقع لتحقق الوقوع، وتهويلا للأمر، وذلك عبارة عن خذلانهم وإصرارهم، أى لا يتخلصون من الكفر إلى الإيمان، كما لا يجد المغلول التصرف، وهذا باختبارهم الكفر المانع للهدى، أو عبارة عن ذلهم يوم القيامة، وكناية عنه سواء اعتبرته قبل تقييدهم فى ذلك اليوم بالأغلال وبعده، والغل طوق من حديد يجعل فى العنق، وتضم إليه اليد أو اليدان، أو فى اليدين أو نحو ذلك. {وأولئكَ أصْحاب النارِ هُم فيها خالِدُون} ولا حصر فى قوله: {هم فيها خالدون} لعدم تعريف الطرفين ونحوه من مقيدات الحصر، فضلا عن أن يقال: إن فى الآية دليلا على اختصاص المشركين بالخلود، كما زعم بعض، وليس هم ضمير فصل على الصحيح لعدم المعرفة بعده، بل ولا قباله، لأن الكلام مستأنف منه فإنه مبتدأ خبره خالدون، نعم لو أسقطه فيكون خالدون خبرا ثانيا لأولئك، فصح الكلام ولكن جئ به لتأكيد وصفهم بالخلود لا للحصر، ولو سلمنا الحصر لزم نفى الخلود عن أهل الكتاب، لأن الآية عند ذلك القائل فى منكرى البعث، وأما أولئك أصحاب النار فصيغت حصر، لكن حصرها إضافى لظهور أن النار لا تختص بمنكرى البعث.

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ تَعْجَبْ} من كفرهم وإنكار البعث مع وضوح الحجة، والعجب حالة انفعالية تعرض للنفس عند إدراك ما لا يعرف سببه، أَو تغيير النفس برؤْية خلاف المعتاد أو الاستعظام، وذلك كله محال فى حق الله عز وجل - إِلآ إِن أَريد مطلق العظمة {فَعَجَبٌ} عندك {قَوْلُهُمْ} أَى وقع تعجبك فى محله، أَو إِن تعده عظيماً فهو عظيم عندى وعندك، والمتعجب منه واحد وهو قوله: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِى خَلقٍ جدِيدٍ} والذى تعجب صلى الله عيله وسلم منه وعظمه الله هو نفى كونهم فى خلق جديد بالبعث.. ومقتضى الظاهر، وإن تعجب من حالهم فهو عجيب ولكن أَظهره تأَكيدا فى إِظهار قبحه والنعى عليهم بأَن القادر على الخلق الأَول قادر على الجديدة، أَو المعنى إِن تحقق عجبك فقد أَصبت، وهذه الإِصابة مرادة بقوله: فعجب إٍلخ، فأُقيمت العلة وهى قولهم مقام المعلول، وهو قوله فقد أَصبت، أو المعنى إِن تحقق عجبك فتعجبك كامل واقع موقعه، والتعجب أَو تحققه لا بد واقع من قولهم فكذلك هو معظم، فذلك تأكيد، أَو المعنى إِن يكن منك تعجب فليكن من قولهم: أَإِذا كنا إِلخ، أَو إِن تعجب يا من ينظر فى هذه الآيات فازدد تعجباً ممن ينكر الإِنشاءِ الجديد، وعجب خبر وقولهم مبتدأٌ وقدم للحصر وطريق الاهتمام فيتصور من ذلك معنى آخر هو إن تعجب من حالهم فما هو إلا عجب، وقوله: أَإِذا كنا إلخ مفعول به للقول على معنى المصدر أَو بدل مطابق على معنى مفعول، والاستفهام للإِنكار والتعجب من الإِمكان والوقوع، وإِذا متعلق بمحذوف أى أنبعث إذا كنا إلخ أو إذا كنا إلخ نبعث لا بكنا لأن المضاف إِليه لا يعمل فيما قبل المضاف إِلا على قول من يدعى أن مدخول إِذا غير مضاف إليه ولا بما تعلق به فى لأَن معمول خبر إن لا يتقدم عليها، ولا بخلق لأَنه من خبرها. {أُولَئِكَ} المنكرون للبعث أو لرسالته صلى الله عليه وسلم {الَّذِينَ كَفرُوا بِرّبِِّهِمْ} الكفر بقدرة الله على البعث أَو بصفة من صفاته كفر به كما قال فى منكر البعث " أية : أَكفرت بالذى خلقك من تراب"تفسير : [الكهف: 37] ومنكر البعث ومنكر إمكانه كافران مشركان لأَنهما ردا على الله ما أثبت، والبعث فعل، والقدرة عليه صفة، ولا نسلم أَن إِعادة المعدوم بذاته مستحيلة إذ هى من جنس إيجاد المعدوم بلا وجود له قبل بل أسهل لبادى الرأْى وعند الله سواءٌ{وُأُولِئِكَ} الكفرة {الأَغْلاَلُ فِى أَعْنَاقِهِمْ} تثبت فى أَعناقهم، يقدر المضارع للاستقبال، أَو يقدر ثابتة للاستقبال؛ لأَن ذلك يوم القيامة، ويجوز تقديرهما للحال أَو للماضى المستمر تنزيلا للواجب منزلة الواقع، وإِن أَريد بالأَغلال الموانع عن الإيمان من دواعى النفس والشيطان والخذلان قدر ثبتت أو ثابتة للماضى، وجاز تقدير الحال، شبه الموانع بأَغلال الحديد على الاستعارة التصريحية، والأَغلال ترشيح أَو هيئة بهيئة على التمثيلية، بجامع عدم رجاءِ الخلاص والتمكن فى الهلاك، فإِن وجود تلك الموانع للقلب والحواس، وتسلطها عليها كوجود الأَغلال ووضعها فى الأًعناق يقادون بها ولا يمتنعون، أَو يربط أَيضاً الأَرجل والأَيدى ولا يجدون التصرف حيث شاءُوا {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا ضمير فصل هنا لأن أولئِك أَصحاب النار جملة، وهم فيها خالدون جملة أَخرى فلا تهم.

الالوسي

تفسير : {وَإِن تَعْجَبْ } أي إن يقع منك عجب يا محمد {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } بعد مشاهدة الآيات الدالة على عظيم قدرته تعالى أي فليكن عجبك من قولهم: {أَءذَا كُنَّا تُرَابًا } إلى آخره فإنه الذي ينبغي أن يتعجب منه، ورفع {عَجَبٌ} على أنه خبر مقدم و {قَوْلُهُمْ } مبتدأ مؤخر، وقدم الخبر للقصر والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم أمراً عجيباً، وفي "البحر" أنه لا بد من تقدير صفة ـ لعجب ـ لأنه لا يتمكن المعنى بمطلق فيقدر والله تعالى أعلم فعجب أي عجب أو فعجب غريب، وإذا قدرناه موصوفاً جاز أن يعرب مبتدأ للمسوغ وهو الوصف ولا يضر كون الخبر معرفة، وذلك كما قال سيبويه في ـ كم مالك ـ إن كم مبتدأ لوجود المسوغ فيه وهو الاستفهام، وفي نحو اقصد رجلاً خير منه أبوه إن خير مبتدأ للمسوغ أيضاً وهو العمل، ونقل أبو البقاء القول بأن عجب بمعنى معجب ثم قال: فعلى هذا يجوز أن يرتفع {قَوْلُهُمْ } به. وتعقب بأنه لا يجوز ذلك لأنه لا يلزم من كون شيء بمعنى شيء أن يكون حكمه في العمل حكمه فمعجب يعمل و {عجب} لا يعمل، ألا ترى أن فعلا كذبح وفعلة كقبض وفعلة كغرفة بمعنى مفعول ولا يعمل عمله فلا تقول مررت برجل ذبح كبشه أو قبض ماله أو غرفة ماؤه، بمعنى مذبوح كبشه ومقبوض ما له ومغروف ماؤه وقد نصوا على أن هذه تنوب في الدلالة لا العمل عن المفعول، وحصر النحويون ما يرفع الفاعل في أشياء ولم يعدوا المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل منها. والظاهر أن {أََئِذا كُنَّا } إلى آخره في محل نصب مقول لقول محكي به، والاستفهام إنكاري مفيد لكمال الاستبعاد والاستنكار، وجوز أن يكون في محل رفع على البدلية من {قَوْلُهُمْ } على أنه بمعنى المقول وهو على ما قال أبو حيان: إعراب متكلف وعدول عن الظاهر، وعليه فالعجب تكلمهم بذلك وعلى الأول كلامهم ذلك، والعامل في {إِذَا } ما دل عليه قوله تعالى: {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو نبعث أو نعاد، والجديد ضد الخلق والبالي، ويقال: ثوب جديد أي كما فرغ من عمله وهو فعيل بمعنى مفعول كأنه قطع من نسجه، وتقديم الظرف لتقوية الإنكار بالبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له، وتكرير الهمزة في {أئنا} لتأكيد الإنكار، وليس مدار إنكارهم كونهم ثابتين في الخلق الجديد بالفعل عند كونهم تراباً بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم له، وفيه من الدلالة على عتوهم وتماديهم في النكير ما لا يخفى. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تنتصب {إِذَا} بكنا لأنها مضافة إليها ولا بجديد لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها وكذا الاستفهام. ورد الأول في "المغني" بأن {إِذَا } عند من يقول بأن العامل فيها شرطها وهو المشهور غير مضافة كما يقوله الجميع إذا جزمت كما في قوله:شعر : وإذا تصبك خاصة فتحمل تفسير : قيل: فالوجه في رد ذلك أن عمله فيها موقوف على تعيين مدلولها وتعيينه ليس إلا بشرطها فيدور، ونظر فيه الشهاب بأنها عندهم بمنزلة متى وأيان غير معينة بل مبهمة كما ذكره القائلون به وبه صرح في "المغني" أيضاً. وقيل: معنى الآية إن تعجب يا محمد من قولهم في إنكار البعث فقولهم عجيب حقيق أن يتعجب منه./ وتعقبه في «البحر» بأنه ليس مدلول اللفظ لأنه جعل فيه متعلق عجبه صلى الله عليه وسلم هو قولهم في إنكار البعث وجواب الشرط هو ذلك القول فيتحد الشرط والجزاء إذ تقديره إن تعجب من إنكارهم البعث فأعجب من قولهم في إنكار البعث وهو غير صحيح. ورد بأن ذلك مما اتحد فيه الشرط والجزاء صورة وتغايرا حقيقة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت هجرته إلى الله تعالى ورسوله فهجرته إلى الله تعالى ورسوله»تفسير : وقولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى وهو أبلغ في الكلام لأن معناه أنه أمر لا يكتنه كنهه ولا تدرك حقيقته وأنه أمر عظيم. وذهب بعض إلى أن الخطاب في {إن تَعْجَبْ} عام، والمعنى إن تعجب يا من نظر ما في هذه الآيات وعلم قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجباً ممن ينكر مع هذا قدرته على البعث وهو أهون شيء عليه، وقيل: المعنى إن تجدد منك التعجب لإنكارهم البعث فاستمر عليه فإن إنكارهم ذلك من الأعاجيب، وقيل: المراد إن كنت تريد أيها المريد عجباً فهلم فإن من أعجب العجب إنكارهم البعث. واختلف القراء في الاستفهامين إذا اجتمعا في أحد عشر موضعاً هذا وفي المؤمنين والعنكبوت والنمل والسجدة والواقعة والنازعات وبني إسرائيل في موضعين وكذا في الصافات، فقرأ نافع والكسائي بجعل الأول استفهاماً والثاني خبراً إلا في العنكبوت والنمل فعكس نافع وجمع الكسائي بين الاستفهامين في العنكبوت وأما في النمل فعلى أصله إلا أنه زاد نوناً. وقرأ ابن عامر بجعل الأول خبراً والثاني استفهاماً إلا في النمل والنازعات فعكس وزاد في النمل نوناً كالكسائي وإلا في الواقعة فقرأ باستفهامين وهي قراءة باقي السبعة في هذا الباب إلا ابن كثير وحفصاً فإنهما قرآ في العنكبوت بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني وهم على أصولهم في اجتماع الهمزتين من تخفيف وتحقيق وفصل بين الهمزتين. {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ والموصول خبره أي أولئك المنكرون للبعث ريثما عاينوا من آيات ربهم الكبرى ما يرشدهم إلى الإيمان لو كانوا يبصرون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } وتمادوا في ذلك فإن إنكار قدرته عز وجل إنكار له سبحانه لأن الإله لا يكون عاجزاً مع ما في ذلك من تكذيبه جل شأنه وتكذيب رسله المتفقون عليه عليهم السلام {وَأُوْلـئِكَ } مبتدأ خبره جملة قوله تعالى: {ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ} وفيه احتمالان: الأول أن يكون المراد وصفهم بذلك في الدنيا فهو تشبيه وتمثيل لحالهم في امتناعهم عن الإيمان وعدم الالتفات إلى الحق بحال طائفة في أعناقهم أغلال وقيود لا يمكنهم الالتفات معها كقوله:شعر : كيف الرشاد وقد خلفت في نفر لهم عن الرشد أغلال وأقياد تفسير : كأنه قيل: أولئك مقيدون بقيود الضلالة لا يرجى خلاصهم. الثاني أن يكون المراد وصفهم به في الآخرة والكلام إما باق على حقيقته كما قال سبحانه: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ } تفسير : [غافر: 71] وروي ذلك عن الحسن قال: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب سبحانه ولكنما جعلت في أعناقهم لكي إذا طغا بهم اللهب أرستهم في النار، وأما مخرج مخرج التشبيه لحالهم بحال من يقدم للسياسة. وقيل: المراد من الأغلال أعمالهم الفاسدة التي تقلدوها كالأغلال، وهو جار على احتمال أن يكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة والأول ناظر إلى ما قبل والثاني إلى قوله تعالى: {وَأُوْلـئِكَ } أي الموصوفون بما ذكر/ {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا ينفكون عنها، قيل: وتوسيط [ضمير] الفصل ليس لتخصيص الخلود بمنكري البعث خاصة بل بالجميع المدلول عليه بقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ }. وأورد على ذلك أن {هُمْ } ليس ضمير فصل لأن شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر يكون اسماً معرفة أو مثل المعرفة في أنه لا يقبل حرف التعريف كأفعل التفضيل وهذا ليس كذلك، وأجيب بأن المراد بالفصل الضمير المنفصل وأنه أتى به وجعل الخبر جملة مع أن الأصل فيه الإفراد لقصد الحصر والتخصيص المذكور كما في هو عارف. وقال بعضهم: لعل القائل بما ذكر لا يتبع النحاة في الاشتراط المذكور كما أن الجرجاني والسهيلي جوزا ذلك إذا كان الخبر مضارعاً واسم الفاعل مثله.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد } تفسير : [الرعد: 2] فلما قُضِي حق الاستدلال على الوحدانية نقل الكلام إلى الردّ على منكري البعث وهو غرض مستقل مقصود من هذه السورة. وقد أدمج ابتداءً خلال الاستدلال على الوحدانية بقوله: { أية : لعلكم بلقاء ربكم توقنون } تفسير : [الرعد: 2] تمهيداً لما هنا، ثم نقل الكلام إليه باستقلاله بمناسبة التدليل على عظيم القدرة مستخرجاً من الأدلة السابقة عليه أيضاً كقوله: { أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } تفسير : [ق: 15] وقوله: { أية : إنه على رَجعه لقادر } تفسير : [سورة الطارق: 8] فصيغ بصيغة التعجيب من إنكار منكري البعث لأن الأدلة السالفة لم تبق عذراً لهم في ذلك فصار في إنكارهم محل عجب المتعجب. فليس المقصود من الشرط في مثل هذا تعليق حصول مضمون جواب الشرط على حصول فعل الشرط كما هو شأن الشروط لأن كون قولهم: {أإذا كنا تراباً} عجباً أمر ثابت سواء عجب منه المتعجب أم لم يعجب، ولكن المقصود أنه إن كان اتصاف بتعجب فقولهم ذلك هو أسبق من كل عجب لكل متعجب، ولذلك فالخطاب يجوز أن يكون موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو المناسب بما وقع بعده من قوله: { أية : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } تفسير : [الرعد: 6] وما بعده من الخطاب الذي لا يصلُحُ لغير النبي. ويجوز أن يكون الخطاب هنا لغير معين مثل { أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } تفسير : [السجدة: 12]. والفعل الواقع في سياق الشرط لا يقصد تعلقه بمعمول معين فلا يقدر: إن تعجب من قول أو إن تعجب من إنكار، بل ينزل الفعل منزلة اللازم ولا يقدر له مفعول. والتقدير: إن يكن منك تعجب فاعجب من قولهم الخ.... على أن وقوع الفعل في سياق الشرط يشبه وقوعه في سياق النفي فيكون لعموم المفاعيل في المقام الخَطابي، أي إن تعجب من شيء فعجب قولهم. ويجوز أن تكون جملة {وإن تعجب} الخ عطفاً على جملة { أية : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } تفسير : [سورة الرعد: 1]. فالتقدير: إن تعجب من عدم إيمانهم بأن القرآن منزل من الله، فعجب إنكارهم البعث. وفائدة هذا هو التشويق لمعرفة المتعجب منه تهويلاً له أو نحوه، ولذلك فالتنكير في قوله: {فعجب} للتنويع لأن المقصود أن قولهم ذلك صالح للتعجيب منه، ثم هو يفيد معنى التعظيم في بابه تبعاً لما أفاده التعليق بالشرط من التشويق. والاستفهام في {أإذا كنا تراباً} إنكاري، لأنهم موقنون بأنهم لا يكونون في خلق جديد بعد أن يكونوا تراباً. والقول المحكي عنهم فهو في معنى الاستفهام عن مجموع أمرين وهما كونهم: تراباً، وتجديد خلقهم ثانية. والمقصود من ذلك العجب والإحالة. وقرأ الجمهور: {أإذا كنا} بهمزة استفهام في أوله قبل همزة {إذا}. وقرأه ابن عامر بحذف همزة الاستفهام. وقرأ الجمهور: {أإنا لفي خلق جديد} بهمزة استفهام قبل همزة {إنّا}. وقرأه نافع وابن عامر وأبو جعفر بحذف همزة الاستفهام. والإشارة بقوله: {أولئك الذين كفروا بربهم} للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخبَر لأجْل ما سبق اسمَ الإشارة من قولهم: {أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد} بعد أن رأوا دلائل الخلق الأول فحق عليهم بقولهم ذلك حكمان: أحدهما أنهم كفروا بربهم لأن قولهم: {أإذا كنا تراباً أإنا لفي خلق جديد} لا يقوله إلا كافر بالله. أي بصفات إلٰهيته إذ جعلوه غير قادر على إعادة خلقه؛ وثانيهما استحقاقهم العذاب. وعطف على هذه الجملة جملة {وأولئك الأغلال في أعناقهم} مفتتحة باسم الإشارة لمثل الغرض الذي افتتحت به الجملة قبلها فإن مضمون الجملتين اللتين قبلها يحقق أنهم أحرياء بوضع الأغلال في أعناقهم وذلك جزاء الإهانة. وكذلك عطف جملة {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. وقوله: {الأغلال في أعناقهم} وعيد بسوقهم إلى الحساب سوق المذلة والقهر، وكانوا يضعون الأغلال للأسرى المثقلين، قال النابغة: شعر : أو حُرّة كمهاة الرمل قد كُبلت فوق المعاصم منها والعراقيب تدعو قعينا وقد عض الحديد بها عض الثقاف على صمّ الأنابيب تفسير : والأغلال: جمع غُل بضم الغين، وهو القيد الذي يوضع في العنق، وهو أشد التقييد. قال تعالى: { أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } تفسير : [غافر: 71]. وإعادة اسم الإشارة ثلاثاً للتهويل. وجملة {هم فيها خالدون} بيان لجملة أصحاب النار.

الواحدي

تفسير : {وإن تعجب} يا محمد من عبادتهم ما لا يضرُّ ولا ينفع، وتكذيبك بعد البيان فتعجَّبْ أيضاً من إنكارهم البعث، وهو معنى قوله: {فعجب قولهم أإذا كنا تراباً...} الآية. {وأولئك الأغلال} جمع غُلٍّ، وهو طوقٌ تقيَّد به اليد إلى العنق. {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} يعني: مشركي مكَّة حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاءً. يقول: ويستعجلونك بالعذاب الذي لم أُعاجلهم به، وهو قوله: {قبل الحسنة} . يعني: إحسانه إليهم في تأخير العقوبة عنهم إلى يوم القيامة {وقد خلت من قبلهم المَثُلاتُ} وقد مضت من قبلهم العقوبات في الأمم المُكذِّبة، فلم يعتبروا بها {وإنَّ ربَّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} بالتَّوبة. يعني: يتجاوز عن المشركين إذا آمنوا {وإنَّ ربك لشديد العقاب} يعني: لمَنْ أصرَّ على الكفر. {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آيةٌ من ربِّه} هلاَّ أتانا بآيةٍ كما أتى به موسى من العصا واليد {إنما أنت منذر} بالنَّار لمَنْ عصى، وليس إليك من الآيات شيءٌ {ولكلِّ قومٍ هاد} نبيٌّ وَدَاعٍ إلى الله عزَّ وجلَّ يدعوهم لما يُعطَى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكَّمون. {الله يعلم ما تحملُ كلُّ أنثى} من علقةٍ ومضغةٍ، وزائدٍ وناقصٍ، وذَكَرٍ وأنثى {وما تَغِيضُ الأرحام} تنقصه من مدَّة الحمل التي هي تسعة أشهر {وما تزداد} على ذلك {وكلُّ شيءٍ عنده بمقدار} علم كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديراً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 5- وإن أمر المشركين مع هذه الدلائل لعجب، فإن كنت يا محمد تعجب، فالعجب هو قولهم: أبعد الموت وبعد أن نصير تراباً نكون أحياء من جديد؟ وهذا شأن الذين يكفرون بخالقهم، عقولهم قيدت بالضلال، ومآلهم النار التى يخلدون فيها، فهم جاحدون، مع أن مَنْ يقدر على الإنشاء يقدر على الإعادة. 6- ويذهب بهم فرط ضلالهم أن يطلبوا إنزال العذاب عاجلا بدل أن يطلبوا الهداية التى تنقذهم، ويتوهمون أن الله لا ينزل بهم العقوبة فى الدنيا إن أراد، وقد مضت عقوبات أمثالهم على ذلك، فيمن أهلكهم الله قبلهم، وشأن الله أن يغفر الظلم لمن يتوب ويعود إلى الحق، وينزل العقاب الشديد بمن يستمر على ضلاله. 7- ويقول هؤلاء الجاحدون غير معتدين بالمعجزة الكبرى، وهى القرآن: هلا أنزل عليه ربه علامة على نبوته من الحس كتحريك الجبال، فيبين الله لنبيه الحق فى القضية؟ ويقول له سبحانه: إنما أنت - أيها النبى - منذر لهم بسوء العاقبة، إن استمروا على ضلالهم، ولكل قوم رسول يهديهم إلى الحق، ومعجزة تبين رسالته، وليس لهم أن يختاروا، إنما عليهم أن يجيبوا التحدى وأن يأتوا بمثله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإن تعجب: أي يأخذك العجب من إنكارهم نبوتك والتوحيد. فعجب: أي فأعجب منه إنكارهم للبعث والحياة الثانية مع وضوح الأدلة وقوة الحجج. لفي خلق جديد: أي نرجع كما كنا بشراً أحياء. الأغلال في أعناقهم: أي موانع من الإِيمان والاهتداء في الدنيا، وأغلال تشد بها أيديهم إلى أعناقهم في الآخرة. بالسيئة: أي بالعذاب. قبل الحسنة: أي الرحمة وما يحسن بهم من العاقبة والرخاء والخصب. المثلاث: أي العقوبات واحدها مَثُلة التي قد أصابت المكذبين في الأمم الماضية. لولا أنزل عليه: أي هلاَّ أنزل، ولولا أداة تحضيض كهلاَّ. آية من ربه: أي معجزة كعصا موسى وناقة صالح مثلاً. ولكل قومٍ هاد: أي نبي يدعوهم إلى ربهم ليعبدوه وحده ولا يشركون به غيره. ما تحمل كل أنثى: أي من ذكر أو أنثى واحداً أو أكثر أبيض أو أسمر. وما تغيض الأرحام: أي تنقص من دم الحيض، وما تزداد منه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى الإِيمان بالتوحيد والنبوة المحمدية والبعث يوم القيامة للحساب والجزاء، فقوله تعالى في الآية الأولى [5] {وَإِن تَعْجَبْ} يا نبينا من عدم إيمانهم برسالتك وتوحيد ربك فعجب أكبر هو عدم إيمانهم بالبعث الآخر، إذ قالوا في إنكار وتعجب: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي يحصل لنا بعد الفناء والبلى، قال تعالى مشيراً إليهم مسجلاً الكفر عليهم ولازمه وهو الهداية كالتقليد الأعمى والكبر والمجاحدة والعناد، وفي الآخرة أغلال توضع في أعناقهم من حديد تشد بها أيديهم إلى أعناقهم، {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي أهلها {هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} أي ماكثون ابداً لا يخرجون منها بحال من الأحوال. وقوله تعالى في الآية الثانية [6] {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} يخبر تعالى رسوله مقرراً ما قال أولئك الكافرون بربهم ولقائه ونبي الله وما جاء به، ما قالوه استخفافاً واستعجالاً وهو طلبهم العذاب الدنيوي، اذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخوفهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فهم يطالبون به كقول بعضهم: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] قبل طلبهم الحسنة وهذا لجهلهم وكفرهم، وإلا لطالبوا بالحسنة التي هي العافية والرخاء والخصب قبل السيئة التي هي الدمار والعذاب. وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} أي والحال أن العقوبات قد مضت في الأمم من قبلهم كعقوبة الله لعاد وثمود وأصحاب الأيكة والمؤتفكات فما لهم يطالبون بها استبعاداً لها واستخفافاً بها أين ذهبت عقولهم؟ وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} وهو ظاهر مشاهد اذ لو كان يؤاخذ بالظلم لمجرد وقوعه فلم يغفر لأصحابه لما ترك على الأرض من دابة، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي على من عصاه بعد أن أنذره وبين له ما يتقي فلم يتق ما يوجب له العذاب من الشرك والمعاصي. وقوله تعالى في الآية الثالثة [7] {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}! يخبر تعالى رسوله والمؤمنين عن قيل الكافرين بالتوحيد والبعث والنبوة: {لَوْلاۤ} أي هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية من ربه كعصا موسى وناقة صالح، حتى نؤمن بنبوته ونصدق برسالته، فيرد تعالى عليهم بقوله: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} والمنذر المخوف من العذاب وليس لازماً أن تنزل معه الآيات، وعليه فلا تلتفت إلى ما يطالبون به من الآيات، واستمر على دعوتك فإن لكل قوم هادياً وأنت هادي هذه الأمة، وداعيها إلى ربها فادع واصبر. وقوله تعالى في الآية الرابعة [8] {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} أي من ذكر أو أنثى واحداً أو أثنين أبيض أو أسمر سعيداً أو شقياً، وقوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} أي ويعلم ما تغيض الأرحام من دماء الحيض وما تزداد منها إذ غيضها ينقص من مدة الحمل وازديادها يزيد في مدة الحمل فقد تبلغ السنة أو أكثر، وقوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي وكل شيء في حكمه وقضائه وتدبيره بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص في ذات ولا صفة ولا حال، ولا زمان ولا مكان، وقوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي كل ما غاب عن الخلق، وما لم يغب مما يشاهدونه أي العليم بكل شيء، وقوله: {ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} أي الذي لا أكبر منه وكل كبير أمامه صغير المتعال على خلقه المنزه عن الشريك والشبيه والصاحبة والولد هذا هو الله وهذه صفاته فهل يليق بعاقل أن ينكر استحقاقه للعبادة دون سواه؟ فهل يليق بعاقل أن ينكر عليه أن يوحي بما شاء على من يشاء من عباده؟ فهل يليق بعاقل أن ينكر على من هذه قدرته وعلمه أن يحيي العباد بعد أن يميتهم ليسألهم عن كسبهم ويحاسبهم عليه ويجزيهم به؟ اللهم لا إذاً فالمنكرون على الله ما دعاهم إلى الإِيمان به لا يعتبرون عقلاء وإن طاروا في السماء وغاصوا في الماء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير أصول العقيدة الثلاثة: التوحيد والنبوة البعث والجزاء الآخر. 2- صوارف الإِيمان والتي هي كالأغلال هي التقليد الأعمى، والكبر والعناد. 3- عظيم قدرة الله تعالى وسعة علمه. 4- تقرير عقيدة القضاء والقدر.

القطان

تفسير : الاغلال: واحدها غُل وهو طوق من حديد. السيئة: النقمة. الحسنة: النعمة. المثلات: مفردها مثلة بفتح الميم وضم الثاء. العقوبة والتنكيل بحيث تترك اثرا من تشويه ونحوه. {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟}. ان أمْرَ المشركين مع كل هذه الدلائل لَعَجَب، فإن كنت تعجب يا محمد، فالعجب هو قولُهم: أبعدَ الموت وبعد ان نصير ترابا سوف نخلق من جديد؟ ان الذي خلق هذا الكون ودبره قادر على إعادة الناس في بعث جديد. {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}. كل هذه أوصافٌ للمنْكِرين للبعثِ، فمثل هذه الاقوال لا تصدر الا عن الذين كفروا بربِّهم، لقد أغلقوا عقولهم وقيدّوها بالضلال وجزاؤهم يوم القيامة أغلالٌ في أعناقِهم يقادون فيها إلى النار. قراءات: قرأ ابن عامر: "إذا كنا" بهمزة واحدة والباقون "أإذا" بهمزتين على الاستفهام. وقرأ نافع وابن كثير ورويس "أاذا" بتخفيف الهمزة الأولى وتليين الثانية. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. ثم العجبُ منهم أنهم يستعْجِلونك يا محمد أن تأتيَهم بعذابِ الله، بدلاً من ان يطلبوا هدايتَه ورحمته. لقد مضت العقوباتُ الفاضحة النازلةُ على أمثالهم ممّن أهلكهم الله، وان ربَّك لذُوا عفوٍ وصفحٍ عن ذنوب التّوابين من عباده وان ظَلموا أنفسَهم فترة، لكنه شديد العقاب لِمَن يستمر على ضلاله. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}. وهم يطلبون منك آيةً خارقة، والخوارق ليست من عَمَلِ الرسل ولا اختصاصهم. انما يبعث الله بها مع الرسولِ حين يرى بحكمتِه أنها لازمة. ولستَ ايها النبي الا منذراً لهم ومحذراً ولكل قومٍ هادٍ يهديهم الى الحق ويدعوهم الى سبيل الخير.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَإِذَا} {تُرَاباً} {أَإِنَّا} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلأَغْلاَلُ} {أَصْحَابُ} {خَالِدونَ} (5) - وَإِنْ تَعْجَبْ مِنْ عِبَادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، بَعْدَ أَنْ قَامَتِ الحُجَّةُ وَالأَدِلَّةُ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، فَأَعْجَبُ مِنْهُ تَكْذِيبُهُمْ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَاسْتِبْعَادُهُمْ وُقُوعَهُ، وَقَوْلُهُمْ: أَبَعْدَ أَنْ نَمُوتَ، وَتُصْبِحَ عِظَامُنَا رُفَاتاً وَتُرَاباً، هَلْ سَيُعِيدُنَا اللهُ إِلى الحَيَاةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيَخْلُقُنَا خَلْقاً جَدِيداً؟ مَعَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ إِعَادَةَ الشَّيءِ أَسْهَلُ مِنِ ابْتِدَائِهِ، وَأَنَّ خَلْقَ الكَوْنِ العَظِيمِ أَصْعَبُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ. فَهؤلاءِ الذِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ إِنْكَاراً لِلْبَعْثِ وَالمَعَادِ، هُمُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ يُسْحَبونَ فِيهَا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَالسَّلاَسِلُ وَالأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَيَبْقَوْنَ فِي النَّارِ خَالِدِينَ أَبَداً. الأَغْلاَلُ - الأَطْوَاقُ مِنَ الحَدِيدِ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِن تَعْجَبْ} يا محمد من تكذيب هؤلاء المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهةً يعبدونها من دون الله، وهم قراؤ تعبدون من الله وامره وما ضرب الله من الأمثال {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} فتعجب أيضاً من قيلهم {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً} بعد الموت {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} فيعاد خلقنا جديداً كما كنا قبل الوجود. قال الله: {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ}ْ يوم القيامة {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} جهنم {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} يعني مشركي مكة {بِٱلسَّيِّئَةِ} بالبلاء والعقوبة {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} الرخاء والعافية، وذلك أنّهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جاءهم العذاب فاستهزأ منهم بذلك. وقالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] الآية {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} وقد مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها، العقوبات المنكلات واحدتها: مَثُلة بفتح الميم وضم التاء مثل صدُقة وصدُقات. وتميم: بضم التاء والميم جميعاً، وواحدتها على لغتهم مُثْلَة بضم الميم وجزم الثاء مثل عُرُفة وعُرْفات والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وسكون الثاء. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. أحمد بن منبه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: ولما نزلت هذه الآية {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد ". تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ} يعني على محمد صلى الله عليه وسلم {آيَةٌ} علامة وحجة على نبوته، قال الله: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} مخوف {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} داع يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ إمام يأتمون به. وقال الكلبي: داع يدعوهم إلى الضلالة أو إلى الحق. أبو العالية: قائد، أبو صالح قتادة مجاهد: نبي يدعوهم إلى الله. سعيد بن جبير: يعني بالهادي الله عزّ وجلّ. وهي رواية العوفي، عن ابن عباس قال: المنذر محمد، والهادي الله. عكرمة وأبو الضحى: الهادي محمد ( صلى الله عليه وسلم ). وروى السدي عن عبدالله بن علي قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المنذر أنا، الهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه ". تفسير : وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: حديث : "أنا المنذر" وأومأ بيده إلى منكب علي (رضي الله عنه) فقال: "فأنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي" . تفسير : ودليل هذا التأويل: ما روي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد عن ربيع عن حذيفة: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا راغب في الآخرة وفي جسمه ضعف، وإن وليتموها عمر فقوي أمين لا تأخذه في الله لومة لائم، وإن وليتموها علياً فهاد مهدي يقيلمكم على طريق مستقيم ". تفسير : رداً على منكري البعث القائلين أءذا كنا تراباً أءنا لفي خلق جديد فقال سبحانه: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} يعني تنقص. قال المفسرون: غيض الأرحام الحيض على الحمل، فإذا حاضت الحامل كان نقصاناً في غذاء الولد وزيادة في مدة الحمل، فإنها بكل يوم حاضت على حملها يوم تزداد في طهرها حتى يستكمل ستة أشهر ظاهراً. فإن رأت الدم خمسة أيام ومضت التسعة أشهر وخمسة أيام،وهو قوله: {وَمَا تَزْدَادُ}. روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ما تغيض الأرحام خروج الدم حتى تَحِضْ، يعني حين المولد، وما تزداد استمساك الدم إذا لم تهرق المرأة تم الولد وعظم، وفي هذه الآية دليل على أنّ الحامل تحيض وإليه ذهب الشافعي. وقال الحسن: غيضها ما تنقص من التسعة الأشهر وزيادتها ما تزداد على التسعة الأشهر. الربيع بن أنس: ما يغيض الأرحام يعني السقط وما تزداد يعني توءمين إلى أربعة. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: ما تغيض الأرحام يعني به السقط. وروى عبيد بن سليمان عن الضحاك قال: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أنّ النساء لا يلدْنَ لعدّة واحدة ولا لأجل معلوم وقَدْ يُولد الولد لستة أشهر فيعيش ويولد لسنتين ويعيش. قال: وسمعت الضحاك يقول: ولدت لسنتين قد نبتت ثناياي، وروى هيثم عن حصين قال: مكث الضحاك في بطن أُمه سنتين. وروى ابن جريح عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحو ظل المغزل، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وجماعة من الفقهاء. وقال الشافعي وجماعة من الفقهاء: أكثر الحمل أربع سنين، يدل عليه ما أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ، أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن محمد قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الفرج الأحمري سمعت عباس بن نصر البغدادي سمعت صفوان ابن عيسى يقول: مكث محمد بن عجلان في بطن أُمه ثلاث سنين فشق بطن أُمه وأُخرج وقد نبتت أسنانه. وروى ابن عائشة عن حماد بن سلمة قال: إنما سمي هرم بن حيان هرماً؛ لأنه بقي في بطن أُمه أربع سنين. {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} بحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والمقدار مفعال من القدر {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْكَبِيرُ} الذي كل شيء دونه {ٱلْمُتَعَالِ} المستعلي على كل شيء بقدرته {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ} في ظلمته {وَسَارِبٌ} ظاهر {بِٱلنَّهَارِ} ضوءه لا يخفى عليه من ذلك. وقال أبو عبيدة: سارب بالنهار أي سالك في سربه أي مذهب ووجهة، يقال: سارب سَربه بفتح السين أي طريقه. قال قيس بن الحطيم: شعر : إني سربتُ وكنتُ غيرَ سروبِ وتقربُ الأحلامِ غيرُ قريبِ تفسير : الشعبي: سارب بالنهار منصرف في حوائجه يقال: سرب يسرب. قال الشاعر: شعر : أرى كلَّ قوم قاربوا قيدَ فحلهم ونحن خلعنا قيدَهُ فهو ساربُ تفسير : أي ذاهب. قال ابن عباس: في هذه الآية هو صاحب ريبة مستخف بالليل، فإذا خرج بالنهار رأى الناس أنه بريء من الإثم. وقال بعضهم: مستخف بالليل أي ظاهر، من قولهم: خفيت الشيء إذا أظهرته، وسارب بالنهار أي متوار داخل في سرب.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والعجب هو أن تُبدي دهشة من شيء لا تعرف سببه، وهذا التعجب لا يتأتَّى من الله؛ لأنه سبحانه يعلم كل شيء، فإذا صدر عجب من الله مثل قوله الحق: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 28]. فمعنى هذا أنه سبحانه يُنكِر أن يكفر الإنسان مع قيام الأدلة على الإيمان؛ لكن بعضاً من الناس - رغم ذلك - يكفر بالله. وقول الحق سبحانه: {وَإِن تَعْجَبْ ..} [الرعد: 5]. هو خطاب مُوجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعجّب من أنهم كانوا يُسمُّونه قبل أن يبعثه الله رسولاً بالصادق الأمين؛ وبعد ما جاءت الرسالة قالوا: إنه ساحر كذاب. فكيف يكون صادقاً أميناً ببشريته وذاتيته؛ ثم إذا أمدّه الحق سبحانه بالمَدَد الرِّسَالي تتهمونه بالكذب؟ ألم يَكُنْ من الأجدر أنْ تقولوا إنه صار أكثر صِدْقاً؟ وهل من المُمْكن أن يكون صادقاً عندكم، ثم يكذب على الله؟ والتعجُّب أيضاً من أنهم أنكروا البعث من بعد الموت، رغم أنه سبحانه أوضح الأدلة على ذلك؛ ولكن المؤمنين وحدهم هم الذين استقبلوا أمر البَحْث بالتصديق؛ بمجرد أن أبلغهم به رسول الله مُبلِّغاً عن ربِّه. ونجد الحقَّ سبحانه وتعالى قد احترم فُضُول العقل البشري، فأوضح سبحانه ذلك ونَصَبَ الأدلة عليه؛ وأبلغنا أنه لم يعجز عن الخَلْق الأول؛ لذلك لن يعجز عن البعث. فقد جاء بنا سبحانه من عدم، وفي البعث سيأتي بنا من موجود، ومن الغباء إذنْ أن يتشكَّك أحد في البعث، والمُسْرِف على نفسه إنما يُنكِر البعث؛ لأنه لا يقدر على ضبْط النفس؛ ويظن أنه بإنكار البعث لن يَلْقَى المصير الأسود الذي سيلقاه في الآخرة. ولذلك تجد المسرفين على أنفسهم يحاولون التشكيك في البعث ويأتي الحق سبحانه بتشكيكهم هذا في قَوْل الحق سبحانه: {أية : وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..} تفسير : [الجاثية: 24]. ولو أن الواحد منهم وضع مسألة البَعْث في يقينه لانصرف عن شهواته، بينما هو يريد أن ينطلق بالشهوات؛ ولذلك نجدهم يقولون: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [السجدة: 10]. وهم يقصدون بذلك أنهم بعد الموت سيصيرون تراباً، ويعودون إلى الأرض كعناصر وتراب تَذْروه الرياح، فكيف سيأتي بهم الله للبعث، ويُنشئهم من جديد؟ ويقول سبحانه: {أية : قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 78-79]. ومن الكافرين مَنْ قال: سنصير تراباً، ثم نختلط بالتربة، ويتم زراعة هذه التربة، فتمتزج عناصرنا بما تنبته الأرض من فواكه وخُضر وأشجار؛ ثم يأكل طفل من الثمرة التي تغذَّتْ بعناصرنا؛ فيصير بعضٌ مِنَّا في مكونات هذا الطفل؛ والقياس يُوضِّح أننا سوف نتناثر؛ فكيف يأتي بنا الله؟ كل ذلك بطبيعة الحال من وسوسة الشيطان ووحيه: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ..} تفسير : [الأنعام: 121]. وأقول: لنفترض أن إنساناً قد مرض؛ وأصابه هُزَال، وفقد ثلاثين كيلوجراماً من وزنه، وما نزل من هذا الوزن لا بُدَّ أنه قد ذهب إلى الأرض كعناصر اختلطتْ بها، ثم جاء طبيب قام بتشخيص الداء وكتب الدواء، وشاء الله لهذا المريض الشفاء واستردَّ وزنه، وعاد مرة أخرى لحالته الطبيعية؛ فهل الثلاثين كيلو جراماً التي استردَّها هي هي نفس الكمية بنوعيتها وخصوصيتها التي سبق أنْ فقدها؟ طبعاً لا. وهكذا نفهم أن التكوين هو تكوين نسبيّ للعناصر، كذا من الحديد؛ كذا من الصوديوم؛ كذا من المغنسيوم؛ وهكذا. إذن: فالجزاء في اليوم الآخر عملية عقلية لازمة، يقول الحق: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 28]. ما دام هناك أمر؛ وهناك نهي؛ وهناك منهج واضح يُبيِّن كل شيء. وإنْ كنت تعجبُ يا محمد من الكفار وما يثيرونه من أقضية، فَلَكَ أنْ تعجب لأنها أمور تستحق العجب. والحق سبحانه حين يخاطب الخَلْق فهو يخاطبهم إمَّا في أمر يشكُّون فيه، أو في أمر لا يشكُّ فيه أحد. والمَثَل من حياتنا - ولله المَثَلُ الأعلى - حين تخاطب أنت واحداً في أمر يَشُكُّ هو فيه؛ فأنت تحاول أن تؤكد هذا الأمر بكل الطرق، وهكذا وجدنا بعضاً من الناس ينكرون البعث والحساب؛ ووجدنا الحق سبحانه وتعالى يُذكِّرهم به عبر رسوله ويؤكده لهم. وأيضاً خاطبهم الحق سبحانه فيما لم يَشكُّوا فيه؛ وهو الموت؛ وقال: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما رأيت يقيناً أشبه بالشكِّ من يقين الناس بالموت ". تفسير : فالموت يقين، ولكن لا أحد يحاول التفكير في أنه قادم، وسبحانه يقول: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} تفسير : [المؤمنون: 15]. وهذا تأكيد لأمر يُجمع الناس على أنه واقع، لكنهم لغفلتهم عنه بَدَوْا كالمنكرين له، لذلك خاطبهم خطابَ المنكرين، ثم قال بعد ذلك: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 16]. ولم يَقُل: "ولتبعثون" لأن البعث مسألة لا تحتاج إلى تأكيد، وعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد، لأن أمر الموت واضح جداً رغم الغفلة عنه، أما البعث فهو واقع لا محالة بحيث لا يحتاج إلى تأكيد. والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى - يذهب الإنسان إلى الطبيب؛ فيقول له الطبيب بعد الكشف عليه "اذهب فلن أكتب لك دواء". وهذا القول يعني أن هذا الإنسان في تمام الصحة؛ وكأن كتابة الدواء يحمل شبهة أن هناك مرضاً. وكذلك الحق سبحانه يخاطب الخَلْق في الشيء الذي ينكرونه وعليه دليل واضح؛ فيأتي خطابه لهم بلا تأكيد؛ وهو يوضح بتلك الطريقة أنهم على غير حق في الإنكار، أما الشيء الذي يتأكدون منه وهم غافلون عنه؛ فهو يؤكده لهم؛ كي لا يغفلوا عنه. وكذلك في القَسَم؛ فنجده سبحانه قد أقسم بالتين والزيتون؛ وأقسم بالقرآن الحكيم؛ وأقسم بغير ذلك، ونجده في مواقع أخرى يقول: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} تفسير : [البلد: 1-3]. والعجيب أنه يأتي بجواب القسم، فيقول: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} تفسير : [البلد: 4]. وقد يقول قائل: كيف يقول: {أية : لاَ أُقْسِمُ ..} تفسير : [البلد: 1]. ثم يأتي بجواب القسم؟ وأقول: لقد جاء هنا بقوله: {أية : لاَ أُقْسِمُ ..} تفسير : [البلد: 1]. وكأنه يُوضِّح ألاَّ حقَّ لكم في الإنكار؛ ولذلك ما كان يصحّ أنْ أقسم لكم، ولو كنت مُقْسِماً؛ لأقسمتُ بكذا وكذا وكذا. وسبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} [الرعد: 5]. وهو جَلَّ وعلا يُذكِّرهم بما كان يجب ألاَّ ينسوه؛ فقد خلقهم من تراب؛ وخلق التراب من عدم، وهو القائل: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق: 15]. إذن: فسبحانه يتعجب من أمر هؤلاء؛ ويزيد من العجب أنهم كذَّبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بعد أن جرَّبوا فيه الصدق، ولمسوا منه الأمانة؛ وقالوا عنه ذلك من قبل أن يُبعث؛ وفوق ذلك أنكروا البعث مع قيام الدليل عليه. ويصفهم الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ..} [الرعد: 5]. أي: أن هؤلاء المُكذِّبين لك يا محمد والمُنْكِرين للبعث لم يكفروا فقط بالله الذي أوجب التكليف العبادي؛ بل هم يكفرون بالربوبية التي تعطي المؤمن والكافر؛ والطائع والعاصي، وتأتمر بأمرها الأسباب لتستجيب لأيِّ مجتهد يتبع قوانين الاجتهاد، فيأخذ من عطاءات الربوبية؛ وهي عطاءات التشريف التي تضمن الرزق، بينما عطاءات الألوهية؛ هي تكليفاتٌ بالطاعة للأوامر التعبدية؛ الممثلة في "افعل" و"لا تفعل". وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا بعد أنْ يبلغ الإنسان درجة النضج التي تؤهله؛ لأن ينجب مثيلاً له؛ وقد ترك الحق سبحانه كل إنسان يرتع في خير النعم التي أسبغها سبحانه على البشر، وكان على الإنسان أن يسعى إلى الإيمان فَوْر أن تصله الدعوة من الرسول المُبلِّغ عن الله؛ هذا الرسول المشهود له بالصدق والأمانة. ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يصف المنكرين للإيمان: {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ..} [الرعد: 5]. ويضيف: {وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} [الرعد: 5]. والغُّلّ: هو طَوْق الحديد الذي له طرف في كل يد لِيُقيدها؛ وطرف مُعلَّق في الرقبة لِيُقلل من مساحة حركة اليدين، ولمزيد من الإذلال. وهم أصحاب النار؛ وكلمة "صاحب" تُطلق على مَنْ تعرفه معرفةً تروق كيانك وذاتك؛ فهناك مَنْ تصاحبه؛ وهناك مَنْ تصادقه؛ وهناك مَنْ تُؤاخيه؛ وهناك مَنْ تعرفه معرفة سطحية، ولا تقيم علاقة عميقة معه. إن المعرفة مراتب، والصحبة تآلف وتجاذب بين اثنين؛ ومَنْ يصاحب النار فهو مَنْ تعشقه النار، ويعشق هو النار، ويجب كل منهما ملازمة الآخر؛ أَلاَ تقول النار لربها يوم القيامة: {أية : هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. أي: أن العذاب نفسه يكون مَشُوقاً أنْ يصلَ إلى العاصي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَإِن تَعْجَبْ} [الرعد: 5] أي: تعلم أنك يا محمد لا تعجب شيئاً؛ لأنك ترى الأشياء منها ومن قدرتها، وإنك تعلم أنا على كل شيء قدير، ولكن تعجب على عباده أهل الطبيعة إذا رأوا شيئاً غير معتاد لهم أو شيئاً ينافي نظر عقولهم {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي: فتعجب من قولهم: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً} [الرعد: 5] أي: صرنا تراباً بعد الموت. {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5] أي: يعود تراب أجسادنا أجساداً كما كان، ويعود إليها أرواحنا فنحيى مرة أخرى، فمعنى الآية أنهم يتعجبون من قدرة الله بأن يكونوا خلقاً جديداً بعد الموت، وليس هذا تعجب من قدرة الله؛ لأن الله هو الذي خلقهم من لا شيء في البداية إذا لم تكن الأرواح والأجساد ولا التراب فلا أهون عليه أن يجعلهم من شيء وهو التراب والأرواح، ولكن العجب تعجبهم بعدأن رأوا الله خلقهم من لا شيء. {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} [الرعد: 5] وهي أغلال الشقاوة التي جعل التقدير الأزلي في أعناقهم كما قال: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}تفسير : [الإسراء: 13] {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} [الرعد: 5] أي: هم الذين قال الله تعالى فيهم في الأزل: "حديث : هؤلاء في النار ولا أبالي وهؤلاء في الجنة ولا أبالي"تفسير : قال أمرهم إلى أن يكونوا أصحاب النار إلى الأبد. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ} [الرعد: 6] أي: من أمارة هؤلاء القوم استعجالهم بالكفر والمعاصي {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} [الرعد: 6] أي: قبل الإيمان والطاعة؛ لأنهم أهل الخذلان {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} [الرعد: 6] أي: مضت من قبلهم وجودهم في التقدير الأزلي العقوبات {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: "حديث : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ". تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} [الرعد: 7] أي: علامة يستدل بها على نبوتك يا محمد {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} [الرعد: 7] على الفريقين أي: ليس عليك هدايتهم، {وَلِكُلِّ قَوْمٍ} من الفريقين {هَادٍ} [الرعد: 7] يهديهم إلى الجنة، وإلى النار وهو الله الذي قال لهم: "حديث : هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي"تفسير : هاد لأهل العناية بالإيمان، والطاعة إلى الجنة، وهاد لأهل الخذلان بالكفر والعصيان إلى النار {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} [الرعد: 8] من السعيد والشقي والولي والعدو والجواد والبخيل والعالم والجاهل والعاقل والسيد الكريم واللئيم وحسن الخلق وسيئ الخلق، وأيضاً: {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} [الرعد: 8] ذرة من ذرات المكونات من الآيات الدالة على وحدانيته؛ لأنه أودعه فيها وقال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]، وقال الشاعر: شعر : ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد تفسير : أيضاً يعلم أنه ما أودع فيها من الخواص والطباع {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} [الرعد: 8] أي: أرحام الموجودات وأرحام المعدومات أي: وما تغيض من المقدرات أرحام الموجودات المعدومات بحيث يبقى في الأرحام ولا يخرج منها {وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد: 8]، وما يخرج منها. {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] أي: {وَكُلُّ شَيْءٍ} مما يخرج من أرحام الموجودات والمعدومات، وما يبقى فيها عند علمه، وحكمته {بِمِقْدَارٍ} معين أي: معين موافق لحكمة خروج ما خرج، وبقاء ما بقي؛ لأنه {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [الرعد: 9] أي: {عَالِمُ} بما غاب عن الوجود والخروج بحكمته، وبما شهد في الوجود والخروج {ٱلْكَبِيرُ} [الرعد: 9] في ذاته، وأحاط علمه بالموجودات والمعدومات وبما في أرحامها {ٱلْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] في صفاته بأنه منفرد بها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يحتمل أن معنى قوله { وَإِنْ تَعْجَبْ } من عظمة الله تعالى وكثرة أدلة توحيده، فإن العجب -مع هذا- إنكار المكذبين وتكذيبهم بالبعث، وقولهم { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: هذا بعيد في غاية الامتناع بزعمهم، أنهم بعد ما كانوا ترابا، أن الله يعيدهم، فإنهم -من جهلهم- قاسوا قدرة الخالق بقدرة المخلوق. فلما رأوا هذا ممتنعا في قدرة المخلوق ظنوا أنه ممتنع على قدرة الخالق، ونسوا أن الله خلقهم أول مرة ولم يكونوا شيئا. ويحتمل أن معناه: وإن تعجب من قولهم وتكذيبهم للبعث، فإن ذلك من العجائب، فإن الذي توضح له الآيات، ويرى من الأدلة القاطعة على البعث ما لا يقبل الشك والريب، ثم ينكر ذلك فإن قوله من العجائب. ولكن ذلك لا يستغرب على { الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ } وجحدوا وحدانيته، وهي أظهر الأشياء وأجلاها، { وَأُولَئِكَ الأغْلالُ } المانعة لهم من الهدى { فِي أَعْنَاقِهِمْ } حيث دعوا إلى الإيمان فلم يؤمنوا، وعرض عليهم الهدى فلم يهتدوا، فقلبت قلوبهم وأفئدتهم عقوبة على أنهم لم يؤمنوا به أول مرة، { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يخرجون منها أبدا.