Verse. 1713 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَيَسْتَعْجِلُوْنَكَ بِالسَّيِّـئَۃِ قَبْلَ الْحَسَـنَۃِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِہِمُ الْمَثُلٰتُ۝۰ۭ وَاِنَّ رَبَّكَ لَذُوْ مَغْفِرَۃٍ لِّلنَّاسِ عَلٰي ظُلْمِہِمْ۝۰ۚ وَاِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيْدُ الْعِقَابِ۝۶
WayastaAAjiloonaka bialssayyiati qabla alhasanati waqad khalat min qablihimu almathulatu wainna rabbaka lathoo maghfiratin lilnnasi AAala thulmihim wainna rabbaka lashadeedu alAAiqabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في استعجالهم العذاب استهزاءً «ويستعجلونك بالسيئة» العذاب «قبل الحسنة» الرحمة «وقد خلت من قبلهم المثلات» جمع المثلة بوزن الثمرة أي عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها؟ «وإن ربك لذو مغفرة للناس على» مع «ظلمهم» وإلا لم يترك على ظهرها دابة «وإن ربك لشديد العقاب» لمن عصاه.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له: فجئنا بهذا العذاب وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن فيه، وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم يستعجلون الرسول بالسيئة قبل الحسنة والمراد بالسيئة ههنا نزول العذاب عليهم كما قال الله تعالى عنهم في قوله: { أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً } تفسير : [الأنفال: 32] وفي قوله: { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله: { أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء: 92] وإنما قالوا ذلك طعناً منهم فيما ذكره الرسول، وكان صلى الله عليه وسلم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة وبحصول النصر والظفر في الدنيا فالقوم طلبوا منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النصر والظفر فهذا هو المراد بقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } ومنهم من فسر الحسنة ههنا بالإمهال والتأخير وإنما سموا العذاب سيئة لأنه يسوءهم ويؤذيهم. أما قوله: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ } فاعلم أن العرب يقولون: العقوبة مثلة ومثلة صدقة وصدقة، فالأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم، فمن قال مثلة فجمعه مثلات، ومن قال مثلة فجمعه مثلات ومثلاث بإسكان التاء هكذا حكاه الفراء والزجاج، وقال ابن الأنباري رحمه الله: المثلة العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، وهو من قولهم، مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو سمل عينيه أو بقر بطنه فهذا هو الأصل، ثم يقال للعار الباقي، والخزي اللازم مثلة. قال الواحدي: وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب ومماثلاً له لا جرم سمي بهذا الاسم. قال صاحب «الكشاف»: قرىء (المثلات) بضمتين لاتباع الفاء العين، (والمثلات) بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال: السمرة، والمثلات، بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين، والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات. إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية: ويستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتباراً بحال من سلف. أما قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } فاعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، ووجه الاستدلال به أن قوله تعالى: {لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال: رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، ومعلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب قبل الاشتغال بالتوبة. ثم نقول: ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب، أو نقول: إنه تعالى لم يقتصر على قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } بل ذكر معه قوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولاً على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب. والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة، وإلا لوجب أن يقال: الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة، وعن الثاني: أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل. أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث: أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب؛ قيل هو قولهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآء} تفسير : [الأنفال: 32]. قال قتادة: طلبوا العقوبة قبل العافية؛ وقد حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقيل: «قَبْلَ الْحَسَنَةِ» أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات. و{ٱلْمَثُلاَتُ} العقوبات؛ الواحدة مَثُلَة. ورُوي عن الأعمش أنه قرأ «المُثْلاَت» بضم الميم وإسكان الثاء؛ وهذا جمع مُثْلَة، ويجوز «المَثْلاَت» تبدل من الضمة فتحة لثقلِها، وقيل: يُؤْتى بالفتحة عِوَضاً من الهاء. وروي عن ٱلأعمش أنه قرأ «ٱلْمَثْلاَت» بفتح الميم وإسكان الثاء؛ فهذا جمع مُثْلة، ثم حَذف الضمة لثقلها؛ ذكره جميعه النحاس رحمه الله. وعلى قراءة الجماعة واحدة مَثُلة، نحو صَدُقة (وصُدْقَة)؛ وتميم تضم الثاء وٱلميم جميعاً، واحدها على لغتهم مُثْلة، بضم الميم وجزم الثاء؛ مثل: غُرْفة وغُرُفات؛ والفعل منه مَثَلْتُ به أَمْثُلُ مَثْلا، بفتح الميم وسكون الثاء. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا. وقال ٱبن عباس: أرجى آية في كتاب الله تعالى {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إذا أصروا على الكفر. وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت: «وإن ربك لذو مغفرةٍ للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هَنَأَ أحداً عيشٌ ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتَّكَل كل أحد».تفسير : قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ} أي هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} لما ٱقترحوا الآيات وطلبوها قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} أي مُعْلِم. {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أي نبيّ يدعوهم إلى الله. وقيل: الهادي الله؛ أي عليك الإنذار، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم.

البيضاوي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } بالعقوبة قبل العافية، وذلك لأنهم استعجلوا ما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء. {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ} عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها ولم يجوزوا حلول مثلها عليهم، والمثلة بفتح الثاء وضمها كالصَدُقَة والصُدْقَة، العقوبة لأنها مثل المعاقب عليه، ومنه المثال للقصاص وأمثلت الرجل من صاحبه إذا اقتصصته منه. وقرىء {ٱلمثلـٰت} بالتخفيف و {ٱلمثلـٰت} بإتباع الفاء العين و {ٱلمثلـٰت} بالتخفيف بعد الاتباع، و {ٱلْمَثُلَـٰتُ} بفتح الثاء على أنها جمع مثلة كركبة وركبات. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} مع ظلمهم أنفسهم، ومحله النصب على الحال والعامل فيه المغفرة والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة لمجتنب الكبائر، أو أول المغفرة بالستر والإِمهال. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } للكفار أو لمن شاء، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا عفو الله وتجاوزه لما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} أي: هؤلاء المكذبون {بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي: بالعقوبة؛ كما أخبر عنهم في قوله: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } تفسير : [الحجر:6-8]، وقال تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} تفسير : [الحج: 47] الآيتين، وقال تعالى:{أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [لمعارج:1]، وقال: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} تفسير : [الشورى: 18] {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} تفسير : [ص: 16] الآية، أي: عقابنا وحسابنا؛ كما قال مخبراً عنهم: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية، فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، قال الله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ} أي: قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية، وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم. ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه، لعاجلهم بالعقوبة؛ كما قال: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} أي: إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس، مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب؛ ليعتدل الرجاء والخوف؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 147] وقال: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 167]، وقال: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } تفسير : [الحجر:49-50] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا عفو الله وتجاوزه، ما هنأ أحداً العيش، ولولا وعيده وعقابه، لا تَّكل كل أحد» تفسير : وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي: أنه رأى رب العزة في النوم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}؟ قال: ثم انتبهت.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في استعجالهم العذاب استهزاء {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ } العذاب {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } الرحمة {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ } جمع (المثلة) بوزن (السمرة): أي عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها؟ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ } مع {ظُلْمِهِمْ } وإلا لم يترك على ظهرها مِنْ دابة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن عصاه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ويستعجلونَكَ بالسيئة قَبْل الحسنة}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني بالعقوبة قبل العافية، قاله قتادة. الثاني: بالشر قبل الخير، وهو قول رواه سعيد بن بشير. الثالث: بالكفر قبل الإجابة. رواه القاسم بن يحيى. ويحتمل رابعاً: بالقتال قبل الاسترشاد. {وقد خلت من قبلهم المثلاتُ}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الأمثال التي ضربها الله تعالى لهم، قاله مجاهد. الثاني: أنها العقوبات التي مثل الله تعالى بها الأمم الماضية، قاله ابن عباس. الثالث: أنها العقوبات المستأصلة التي لا تبقى معها باقية كعقوبات عاد وثمود حكاه ابن الأنباري والمثلات: جمع مثُلة. {وإن ربك لذو مغفرةٍ للناس على ظُلمِهم}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يغفر لهم ظلمهم السالف بتوبتهم في الآنف، قاله القاسم بن يحيى. الثاني: يغفر لهم بعفوه عن تعجيل العذاب مع ظلمهم بتعجيل المعصية. الثالث: يغفر لهم بالإنظار توقعاً للتوبة. {وإنّ ربّك لشديد العقاب}فروى سعيد ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية:" حديث : لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد. "

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالسَّيِّئَةِ} بالعقوبة قبل العافية، أو الشر قبل الخير، أو الكفر قبل الإجابة {الْمَثُلاتُ} الأمثال المضروبة لمن تقدم، أو العقوبات التي مثل الله بها من مضى من الأمم. وهي جمع مثلة {عَلَى ظُلْمِهِمْ} يغفر الظالم السالف للتوبة في المستأنف، أو يعفو عن تعجيل العذاب مع ظلمهم بتعجيل العصيان، أو يغفر لهم بالإنظار توقعاً للتوبة، ولما نزلت قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش، ولولا وعيده عقابه لاتكل كل أحد ".

النسفي

تفسير : َويسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } بالنقمة قبل العافية وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثُلَٰتُ} أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فمالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا والمثلة العقوبة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة. {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى:40] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب ومحله الحال أي ظالمين لأنفسهم قال السدي يعني المؤمنين وهي أرجى آية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع الظلم وهو بدون التوبة فإن التوبة تزيلها وترفعها {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } على الكافرين أو هما جميعاً في المؤمنين لكنه معلق بالمشيئة فيهما أي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ ايَةٌ مّن رَّبِّهِ } لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } إنما أنت رجل أرسلت منذراً مخوفاً لهم من سوء العاقبة وناصحاً كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوى بها {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها لا بما يريدون ويتحكمون. {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ } «ما» في هذه المواضع الثلاثة موصولة أي يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج وحسن وقبح وطول وقصر وغيره ذلك وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه يقال غاض الماء وغضته أنا وما تزداده والمراد عدد الولد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة أوجسد الولد فإنه يكون تاماً ومخدجاً أو مدة الولادة فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عندنا وإلى أربع عند الشافعي وإلى خمس عند مالك أو مصدرية أي يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } بقدر واحد لا يجازوه ولا ينقص عنه لقوله: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر:49]

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} قال: بالعقوبة قبل العافية {وقد خلت من قبلهم المثلات} قال: وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال {المثلات} ما أصاب القرون الماضية من العذاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وقد خلت من قبلهم المثلات} قال: الأمثال. وأخرج ابن جرير عن الشعبي - رضي الله عنه - في قوله {وقد خلت من قبلهم المثلات} قال: القردة والخنازير، هي المثلات. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا عفو الله وتجاوزه، ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده، وعقابه، لاتَّكَلَ كُلُّ أحد ".

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} [الآية: 6]. قال بعضهم: إن ربك ليستر على أودائه ما أظهروا من المخالفات، ومن ظلمهم أنفسهم باتباع هواها، والسعى فى موافقة رضاها. قال ابو عثمان: إنما يرجو المغفرة من الله من يرتكب الذنوب على خطر وخوف وحذر، لا من يقتحم فيها من غير مبالاة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} وصف الحق اهل الدعاوى حين تعجلوا بالمجاهدات والرياضات واستقبالهم بليات الطريقة قبل ذوقهم شرف الاحوال ووصولهم الى عطم المواجيد البديهية من الحق بلا علة لاكتساب وبروز لمعات الغيب فى اسرارهم التى يتولد منه صدق الارادات فى المعاملات وذلك كلانهم سمعوا صيت اهل الكوامات فتمنوا جاههم عند الخلق ولا ينعقد لهم صدق النية فى طريقتهم فلا يفتح الله عليه الا طريق الهوى والنفس والشهوات وحب الجاه والمال وعاقبهم الله بسقوطهم من قلوب الخلق كما فعل سبحانه باهل الريام والسمعة بقوله {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} قال جعفر فى قوله ويستعجلونك بالسيئة اى بالعقوبة قبل العافية ثم بين ان من سبق لهم العناية من المريدين يسامحه بلطفه حيث نزل قهر قدمه فى مهوات طبيعته بقوله {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} قال جعفر فىقوله ويستعجلونك بالسيئة اى بالعقوبة قبل العافية ثم بين ان من سبق لهم العناية من المريدين يسامحه بلطفه حيث نزل قهر قدمه فى مهوات طبيعته بقوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} ظلمهم مخالفة عقائدهم واتباعهم هواهم بعد معرفتهم افات النفوس قال بعضهم ان ربك ليست على اوذائه ما اظهروا من المخالفات من ظلمهم === باتباع هواها والسعى فى موافقة رضاها قال ابو عثمان انما يرجوالمغفرة من الله من === الذنوب === وهزف وحذر لا يفتحم فيها من غير مبالاة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويستعجلونك} الاستعجال طلب تعجيل الامر قبل مجيئ وقته اى يطلب مشركوا مكة منك العجلة {بالسيئة} باتيان العقوبة المهلكة وسميت العقوبة سيئة لانها تسوؤهم {قبل الحسنة} متعلق بالاستعجال طرف له او بمحذوف على انه حال مقدرة من السيئة اى قبل العافية والاحسان اليهم بالامهال ومعنى قبل العافية قبل انقضاء الزمان المقدر لعافيتهم وذلك انه عليه السلام كان يهدد مشركى مكة تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا وكلما هددهم بعذاب القيامة انكروا القيامة والبعث وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه وقالوا متى تجيئنا به فيطلبون العقوبة والعذاب والشر بدل العافية والرحمة والخير استهزاء منهم واظهارا ان الذى يقوله لا اصل له ولذا قالوا {أية : اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم} تفسير : والله تعالى صرف عن هذه الامة عقوبة الاستئصال واخر تعذيب المكذبين الى يوم القيامة فذلك التأخير هو الحسنة فى حقهم. واعلم ان فى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة استعجالهم بالكفر والمعاصى قبل الايمان والطاعات فان منشأ كل سعادة ورحمة هو الايمان الكامل والعمل الصالح ومنشأ كل شقاوة وعذاب هو الكفر والشرك والعمل الفاسد {وقد خلت} حال من المستعجلين اى مضت رمن قبلهم المثلات} اى عقوبات امثالهم من المكذبين كالخسف والمسخ والرجفة فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بيند اندر بند بند كير مصائب دركران تانكيرند ديكران زتة بند تفسير : جمع مثلة بفتح الثاء وضمها وهى العقوبة لانها مثل المعاقب عليه وهو الجريمة. وفى التبيان اى العقوبات المهلكات يماثل بعضها بعضا {وان ربك لذو مغفرة} سترو تجاوز {للناس على ظلمهم} اى مع ظلمهم انفسهم بالذنوب والا لما ترك على ظهر الاض من دابة شعر : بس برده بيند عملهاى بد هم او برده يوشد بآلاى خود وكر برجفا بيشه بشتافتى هميشه زقهرش امان يافتى تفسير : وهو حال من الناس اى حال اشتغالهم بالظلم كما يقال رأيت فلانا على اكله والمراد حال اشتغاله بالاكل. فدلت الآية على جواز العقوبة بدون التوبة فى حق اهل الكبيرة من الموحدين. قال فى التأويلات النجمية هم الذين قال الله فيهم {أية : هؤلاء فى الجنة ولا ابالى} تفسير : {وان ربك لشديد العقاب} لمن شاء من العصاة. وفى التأويلات لمن قال فيهم {أية : هؤلاء فى النار ولا ابالى} تفسير : -روى- انها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لولا عفو الله وتجاوزه لما هنأ احد العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل احد" تفسير : وبالفارسية [اكر عفو خداى نبود عيش هيج احدى كوارنده نشدى واكر وعيد حق نبودى همه كس تكيه برعفو كرده از عمل بازماندى شعر : زحق مى ترس تا غافل نكردى مشو نوميد تابد دل نكردى تفسير : محققان بر آنندكه تمهيد قواعد خوف ورجا درين آيت است ميفر مايدكه آمر زنده است تا ازرحمت او نوميد نشوند عقوبت كننده استنا ازهيبت او ايمن نباشد] ونظير الآية قوله تعالى {أية : نبئ عبادى انى انا الغفور الرحيم وان عذابى هو العذاب الاليم } تفسير : لقى يحيى عيسى عليهما السلام فتبسم عيسى على وجه يحيى فقال مالى اراك لاهيا كأنك آمن فقال الآخر مالى اراك عابسا كأنك آيس فقال لا نبرح حتى ينزل علينا الوحى فاوحى الله تعالى احبكما الىّ احسنكما ظنا بى. يقال الخوف ما دام الرجل صحيحا افضل واذا مرض فالرجل افضل يعنى اذا كان الرجل صحيحا كان الخوف افضل حتى يجتهد فى الطاعات ويجتنب المعاصى فاذا مرض وعجز عن العمل كان الرجاء له افضل. واوحى الله تعالى الى داود عليه السلام يا داود بشر المذنبين وانذر الصديقين قال يا رب كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين قال بشر المذنبين انى لا يتعاظمنى ذنب الا اغفره وانذر الصديقين ان لا يعجبوا باعمالهم وانى لا اضع عدلى وحسابى على احد الا هلك شعر : كر بمحشر خطاب قهر كند انبيارا جه جاى معذرتست برده ازروى لطف كو بردار كاشقيارا اميد مغفر تست تفسير : واعلم ان الله تعالى ركب فى الانسان الجمال والجلال فرجاؤه ناظر الى الجمال وخوفه ناظر الى الجلال والى كليها الاشارة بالجسم والروح لكن رحجمته وهو الروح وحاله سبقت على غضبه وهو للجسد وما يتبعه والحكم للستبق لا اللاحق فعليك بالرجاء مع العمل الى حلول الاجل

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "المَثُلات": جمع مَثُلَة، كَسَمُرة، وهي العقوبة العظيمة، التي تجعل الإنسان مثلاً لمن بعده. وفيها لغات وقراءات شاذة. و(على ظلمهم): حال، والعامل فيه: المغفرة. يقول الحق جل جلاله: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} أي: بالنقمة قبل العافية، طلبوا نزول العذاب الذي أوعدهم به؛ استهزاء، {وقد خَلَتْ}: مَضَتْ {من قََبلِهم المَثُلات}: عقوبات أمثالهم من المكذبين، أو المصيبات الدواهي، حتى صاروا مثلاً لمن بعدهم. فما لهم لم يعتبروا، ولم يخافوا حلول مثلها عليهم؟ {وإنَّ ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي: مع ظلمهم أَنْفُسَهم بالكفر والمعاصي، فسترهم وأمهلهم في الدنيا. فالمغفرة هنا لغوية، وقيل: يغفر لهم بالتوبة. وقيل: بلا قيد التوبة، بل بمجرد الحلم. قال البيضاوي: وفيه جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. هـ. {وإنَّ ربك لشديدُ العقاب} لمن يريد تعذيبه، أو للكفار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُه مَا هنَأ أَحَد العَيْش، وَلَوْلاَ وَعِيدُهُ وعِقَابُه لاتَّكَلَ كُلُّ أحَد"تفسير : . قاله البيضاوي. الإشارة: ترى بعض المستهزئين بالأولياء يؤذيهم بلسانه، أو بغيره، ويقول: إن كان بيده ما يفعل يفعله بي، والله تعالى يقول: "حديث : مَنْ آذَى لِي ولياً فقد آذَنْتُهُ بالحَرْب"تفسير : . ولكن الحق تعالى يُمهل ولا يُهمل؛ {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب}. ثم طلبوا المعجزة

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء الكفار يطلبون منك ما يسوؤهم ان يعجل لهم، كما قالوا {أية : أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : قبل ان يسألوا الاحسان بالانتظار لهم، وقد حكم الله تعالى ان يمهلهم التوبة. ثم يأخذ من أقام على القبح بالعقوبة. والاستعجال طلب التعجيل، والتعجيل تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له. والسيئة خصلة تسوء النفس، ساءه يسوءه سوءاً، وهو ساء وهي سايئة وسيء وسيئة قال الشاعر: شعر : ولا سيء يردي إذا ما تلبسوا الى حاجة يوماً مخلسه بزلا تفسير : والحسنة خصلة تسر النفس وقد يعبر بهما عن الطاعة، والمعصية. وقوله {خلت من قبلهم المثلات} أي مضت بانقضائها كمضي اهل الدار عنها، يقال: خلت الديار بهلاك أهلها وخلوهم بخلو مكانهم منها، والمثلات العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لاجله واحدها مثلة مثل سمرة وصدقة، وفي الجمع سمرات وصدقات، ويقال مثلت به أمثل مثلاً بفتح الميم وسكون الثاء، وأمثلته من صاحبه إمثالاً إذا قصصته منه وتميم تقول: مثلة على وزن غرفة، ثم قال {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} على وجه الاخبار عن نفسه بالرحمة بخلقه والتفضل عليهم بأنه يغفر للناس على كونهم ظالمين وذلك يدل على بطلان قول من قال إن اصحاب الكبائر لا يجوز ان يعفو الله عنهم إلا بالتوبة، لانه تعالى لم يشرط في ذلك التوبة ومن شرط في الآية التوبة اوخصها بالصغائر كان تاركاً للظاهر. وقوله {وإن ربك لشديد العقاب} اخبار منه تعالى بأنه كما يغفر تارة مع الظلم، كذلك قد يعاقب مع الاصرار عذاباً شديداً فلا تغتروا بذلك ولا تعولوا على مجرد العفو لانه يجوز ان لا يعفو.

الهواري

تفسير : قال الله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ}. والحسنة ما هم فيه من الرخاء والعافية، أي: أرادوا تعجيل العذاب: { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهمُ المَثُلاَثُ} قال بعضهم: يعني وقائع الله في الأمم السالفة. وقال مجاهد: {المَثُلاَثُ} الأمثال، وهذا مثل القول الأول. قال: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} أي: إذا تابوا إليه. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ} أي: إذا دامواعلى شركهم. قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ} هذا قول مشركي العرب. وقال الحسن: ولست من تأتيهم بآية في شيء. { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أي: داعٍ يَدعو إلى الله، يعني النبيين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنما أنا منذر والله هو الهاديتفسير : . وقال بعضهم: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، أي: نبي. قوله: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى} أي: من ذكر أو أنثى. { وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}. ذكروا عن الحسن قال: الغيضوضة أن تلد المرأة في تسعة أشهر، وما تزداد: أن تلد لأكثر من تسعة أشهر. قال عكرمة: الغيضوضة في الحمل: لا تغيض يوماً في حملها إلا ازدادته في طهورها. وقال مجاهد: الغيضوضة: إراقة المرأة تحبس الولد. {وَمَا تَزْدَادُ} أي: وإذا لم تهرق المرأة تمّ الولد وعظم. والغيضوضة: النقصان. وفي تفسير بعضهم: السقط الذي تسقط الأرحام من غير تمام، وإذا ولدته لتمام فهو الزيادة فوق السقط إلى التمام كقوله:{مُّخَلَّقَةٍ} أي: التمام، (أية : وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ)تفسير : [الحج:5] أي: السقط. قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي: بقدر.

اطفيش

تفسير : {ويسْتعجلونكَ بالسِّيئةِ} أى بالفعلة السيئة المضرة {قَبْلَ الحسَنة} أى قبل الفعلة الحسنة النافعة، أى يكتفون بالسيئة عن الحسنة فى الطلب، وذلك أنه استجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هددهم به من عذاب الدنيا والآخرة عموما وخصوصا، كقولهم{أية : ربنا عجل لنا قِطَّنا قبل يوم الحساب}تفسير : وقولهم:{أية : اللهم إن كان هذا هو الحق عندك فأمطرعلينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : وقولهم:{أية : فأسقط علينا كسفا من السماء}. تفسير : {وقَدْ خَلت} مضت {من قبلهم} فى الأمم السالفة المكذبة {المثلاثُ} جمع مثله بفتح فضم، وهى العقوبة، سميت بذلك لأنها مثل السيئة المعاقب عليها، ومنه سمى القصاص مثلا، وأمثلة الرجل من صاحبه إذا قصصته منه، قال الله تعالى:{أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : وقرأ مجاهد بفتح الميم والتاء جمع مثلة بفتحها أيضا، وقرئ بضمهما اتباعا للفاء العين، وقرئ بضم الميم وإسكان التاء تخفيفا من ضمهما بعد الاتباع او بالنقل شذوذا وقرئ بضم الميم وفتح التاء جمع مثل بضم ففتح، الذى هو جمع مثلة بضم فإسكان، أو جمع مثلة بضم فإسكان علىغير قياس، وقرئ بفتح الميم وإسكان التاء تخفيفا عن الضم فى القراءة المشهورة، والمعنى لم كانوا مستعجلين العذاب ولم يخافوا أن ينزل عليهم مع أنه قد نزل على المكذبين قبلهم. {وإنَّ ربك لذو مغْفرةٍ للناس} مسامحة {على ظُلمهم} أى مع ظلمهم لأنفسهم وغيرها، أو لأنفسهم بعد التوبة كما تدل عليه الآية الأخرى، ولا يقال: إن التائب لا يصدق عليه أنه على ظلم، لأنا نقول معنى كونه على ظلم أنه صادر منه، ولأنه ولو تاب لكن ليست توبته بمخرجة له عن عقاب الظلم ووباله، حتى تقبل وقبولها هو الغفران، فالغفران وارد على ما لم يخرج عنه، لأن مجرد توبته ليست خروجا عنه ما لم تقبل، فلا دليل فى الآية على جواز مغفرة الكبيرة بلا توبة. ومن باب ما ذكرته قول ابن عباس: إن المعنى إن ربك لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، ولا دليل أيضا فى الآية على ذلك الاحتمال، أن يكون المراد بالمغفرة الإمهال والستر كقوله:{أية : ولو يعجل الله للناس الشر}تفسير : الآية، وقوله{أية : لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب}تفسير : وقوله:{أية : ما ترك على ظهرها من دابة}تفسير : والاحتمال أن يكون المراد مغفرة الصغار فإنها تغفر ولو بلا توبة من فاعلها المجتنب للكبائر والاصرار. وإن قلت: كيف تسمى الصغيرة ظلما؟ قلت: ليست شيئا من الذنوب غير ظلم للنفس صغيرا أو كبيرا فى الحقيقة، ولا غير ظلم لحق الله، أى قدح فيه، ونقص منه، وتهاون به، وإنما يفرق بين الذنب الصغير والكبير فى كتب الفقه لابتناء أحكام على أحدهما لا تبتنى على الآخر. وزعم الضحاك أن الظلم الشرك، وأن ذلك منسوخ بقوله عز وجلّ:{أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : وعلى ظلمهم متعلق بمحذوف حال من الناس، وعامله مغفرة لأن الناس مفعول لمغفرة توصل إليه بلام الجر، وعلى بمعنى مع كما علمت، وذكره ابن هشام، ويجوز كونها بمعنى اللام الداخلة على الناس، أو كون اللام للاستعلاء مع على، فيكون على ظلمهم بدل اشتمال من قوله للناس. {وإنَّ ربَّك لشديدُ العقابِ} لمن لم يتب عن ظلمه من مشرك ومنافق، وقد شاء بحكمته أن لا يغفر لغير التائب ولو كان موحدا، وأن يشدد عقابه، قال سعيد بن المسيب: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لولا عفو الله ومغفرته لما هنأ أحدا عيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد"تفسير : ورووا عن ابن عباس: ليس فى القرآن أرجى من هذه الآية.

اطفيش

تفسير : {وَيسْتَعْجِلُونَكَ} حين أنكروا ما أَنذروا به من النار على إنكارهم وذلك قولهم: "أية : متى هذا الوعد"تفسير : [يونس: 48] {بَالسَّيِّئَةِ} العذاب {قَبْلَ الْحَسَنةِ} وهى الإِبقاءُ بلا عذاب، والقبيلة اختياره كأَنه قبل قدموا فى اختيارهم العذاب، وتركوا الإِبقاءَ بدونه، وهو الإمهال فإن العذاب منتف فيه، والتوبة ممكنة فيه أو الحسنة خير الدنيا والآخرة لو آمنوا، والمضارع للاستمرار أو الحكاية الحالة الماضية ما زالوا فى إِنكار إِذا خبروا بالبعث قالوا أَئِذا متنا، وإِذا هددوا بالعذاب قالوا متى هذا الوعد {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ} العقوبات لأَمثالهم من المكذبين الفاضحة أَو المبقية أَثراً كقطع أَنف أَو يد أَو فقء عين فما لهم لا يخافون أن تنزل عليهم لتكذيبهم، سمى العقاب مثله لأَنه مثل ما يعاقب عليه {وَإنَّ ربَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى} أى مع {ظُلْمِهِمْ} كبائِرهم وصغائِرهم إِذا لم يصروا، ولا تعجزه معصية ولو بلغت ما بلغت، والآية زجر عن الإِياس لا مغفرة بلا توبة، أَو هى فى الصغائِر لمن اجتنب الكبائر، أَو المغفرة الستر فى الإِمهال وهو بعيد فلا دليل فيها على مغفرة المصر، فلنا إِحباط الحسنات بالسيئَات، ولنا قيد التوبة فى الآى الأُخر، فالعمل به لا بالإِطلاق، ومن الجهالة الغفلة عن أَن الآية قضية مطلقة عامة بظاهرها فيلزم أَن كل ظالم مُصر يغفر له، ولا يقول ذلكَ إلا من تبرءوا من مذهبه وهم المرجئَة ويكرهون الانتساب إِليهم، وتشمل بظاهرها المشركين، ولا يقولون به هم ولا غيرهم لقيام الدليل والإِجماع على أَن لا مغفرة للشرك غير التائِب من شركه "أية : إِن الله لا يغفر أَن يشرك به"تفسير : [النساء: 48، 116] وعلى ظلمهم حال من الناس، أَو متعلق بمفغرة،والظلم شامل لظلم نفسه ولظلم غيره، ولا يعجزه غفران الظلم ولو لغيره مع التخلص من اتباعه، ويقضى الله عنه إن تاب نصوحاً ولم يجد ما يعطى قيل: قال الله - عز وجل -: "لذو مغفرة للناس" للمبالغة فى الرحمة، ولذلك لم يقل: وإن ربك لذو عقاب شديد، مع أَنه أَوفق للفاصلة، روى ابن أَبى حاتم من رواية حماد بن سلمة عن على بن زيد بن سعيد بن المسيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا عفو الله وتجاوزه لما هنأَ أَحدا العيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أَحد"تفسير : أَى على عفوه فقوله: لولا عفو الله عائد إلى قوله: إن ربك لذو مغفرة، وقوله: لولا وعيده عائِد إلى قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشدِيدُ الْعِقَابِ} لمن اَصر.

الالوسي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ } بالعقوبة التي هددوا بها على الإصرار على الكفر استهزاءً وتكذيباً {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } أي العافية والسلامة منها، والمراد بكونها قبلها أن سؤالها قبل سؤالها أو أن سؤالها قبل انقضاء الزمان المقدر لها، وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: هؤلاء مشركو العرب استعجلوا بالشر قبل الخير فقالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32] {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ } جمع مثلة كسمرة وسمرات وهي العقوبة الفاضحة، وفسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالعقوبة المستأصلة للعضو كقطع الأذن ونحوه سميت بها لما بين العقاب والمعاقب به من المماثلة كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص يقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته بمعنى واحد أو هي من المثل المضروب لعظمها. والجملة في موضع الحال لبيان ركاكة رأيهم في الاستعجال بطريق الاستهزاء أي يستعجلونك بذلك مستهزئين بإنذارك منكرين لوقوع ما أنذرتهم إياه والحال أنه قد مضت العقوبات الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذبين المستهزئين. وقرأ مجاهد والأعمش {المثلات} بفتح الميم والثاء، وعيسى بن عمرو في رواية الأعمش؛ وأبو بكر بضمهما وهو لغة أصلية، ويحتمل أنه اتبع فيه العين للفاء، وابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء وهي لغة تميم، وابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء وهي لغة الحجازيين. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } عظيمة {لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } أنفسهم بالذنوب والمعاصي، والجار والمجرور في موضع الحال من الناس والعامل فيها هو العامل في صاحبها وهو {مَغْفِرَةٍ } أي أنه تعالى لغفور للناس مع كونهم ظالمين. قيل: وهذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة وهو جواز مغفرة الكبائر والصغائر بدون توبة لأنه سبحانه ذكر المغفرة مع الظلم أي الذنب ولا يكون معه إلا قبل التوبة لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأول ذلك المعتزلة بأن المراد مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر أو مغفرتها لمن تاب أو المراد بالمغفرة معناها اللغوي وهو الستر بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة كأنه قيل: إنه تعالى لا يعجل للناس العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يستر عليهم بتأخيرها. واعترض التأويل بالتخصيص بأنه تخصيص للعامل من غير دليل. وأجيب بأن الكفر قد خص بالإجماع فيسري التخصيص إلى ذلك. وتعقب الأخير بأنه في غاية البعد لأنه كما قال الإمام لا يسمى مثله مغفرة وإلا لصح أن يقال: الكفار مغفورون. ورد بأن المغفرة حقيقتها في اللغة الستر وكونهم مغفورين بمعنى/ مؤخر عذابهم إلى الآخرة لا محذور فيه وهو المناسب لاستعجالهم العذاب. وأجيب بأن المراد أن ذلك مخالف للظاهر ولإستعمال القرآن، وذكر العلامة الطيبـي أنه يجب تأويل الآية بأحد الأوجه الثلاثة لأنها بظاهرها كالحث على الظلم لأنه سبحانه وعد المغفرة البالغة مع وجود الظلم. وتعقب ذلك في «الكشف» فقال: فيه نظر لأن الأسلوب يدل على أنه تعالى بليغ المغفرة لهم مع استحقاقهم لخلافها لتلبسهم بما العقاب أولى بهم عنده، والظاهر أن التأويل بتاء على مذهب الاعتزال. وأما على مذهب أهل السنة فإنما يؤول لو عم الظلم الكفر، ثم قال: والتأويل بالستر والإمهال أحسن فيكون قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لتحقيق الوعيد بهم وإن كانوا تحت ستره وإمهاله، ففيه إشارة إلى أن ذلك إمهال لا إهمال. والمراد بالناس أما المعهودون وهم المستعجلون المذكورون قبل أو الجنس دلالة على كثرة الهالكين لتناولهم وأضرابهم وهذا جار على المذهبين، وكذا اختار الطيبـي هذا التأويل وقال هو الوجه. والآية على وزان قوله تعالى: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [الفرقان: 6] على ما ذكره الزمخشري في "تفسيره" وأنت قد سمعت ما له وما عليه فتدبر. واختار غير واحد إرادة الجنس من الناس وهو مراد أيضاً في {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }. التخصيص بالكفار غير مختار. ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية {وَإِنَّ رَبَّكَ } الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا عفو الله تعالى وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد».

ابن عاشور

تفسير : جملة {ويستعجلونك} عطفٌ على جملة { أية : وإن تعجب } تفسير : [الرعد: 5]، لأن كلتا الجملتين حكاية لغريب أحوالهم في المكابرة والعناد والاستخفاف بالوعيد. فابتدأ بذكر تكذيبهم بوعيد الآخرة لإنكارهم البعث، ثم عطف عليه تكذيبهم بوعيد الدنيا لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الاستخفاف بوعيد نزول العذاب وعَدّهم إياه مستحيلاً في حال أنهم شاهدوا آثار العذاب النازل بالأمم قبلهم، وما ذلك إلا لذهولهم عن قدرة الله تعالى التي سيق الكلام للاستدلال عليها والتفريع عنها، فهم يستعجلون بنزوله بهم استخفافاً واستهزاء كقولهم: { أية : فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } تفسير : [الأنفال: 32]، وقولهم: { أية : أو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفا } تفسير : [الإسراء: 92]. والباء في {بالسيئة} لتعدية الفعل إلى ما لم يكن يتعدى إليه. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ما عندي ما تستعجلون به } تفسير : في سورة الأنعام (57). والسيئة: الحالة السيئة. وهي هنا المصيبة التي تسوء من تحل به. والحسنة ضدها، أي أنهم سألوا من الآيات ما فيه عذاب بسوء، كقولهم: { أية : إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطِر علينا حجارةً من السماء } تفسير : [الأنفال: 32] دون أن يسألوا آية من الحسنات. فهذه الآية نزلت حكاية لبعض أحوال سؤالهم الظّانين أنه تعجيز، والدالين به على التهكم بالعذاب. وقبْليّة السيئة قبلية اعتبارية، أي مختارين السيئة دون الحسنة. وسيأتي تحقيقه عند قوله تعالى: { أية : قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } تفسير : في سورة النمل (46) فانظره. وجملة {وقد خلت من قبلهم المثلات} في موضع الحال. وهو محل زيادة التعجيب لأن ذلك قد يعذرون فيه لو كانوا لم يروا آثار الأمم المعذبة مثل عاد وثمود. والمَثُلات ــــ بفتح الميم وضم المثلثة ــــ: جمع مَثُلة ــــ بفتح الميم وضم الثاء ــــ كسَمُرة، ــــ وبضم الميم وسكون الثاء ــــ كعُرْفة: وهي العقوبة الشديدة التي تكون مثالاً تُمثل به العقوبات. وجملة {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} عطف على جملة {وقد خلت من قبلهم المثلات}. وهذا كشف لغرورهم بتأخير العذاب عنهم لأنهم لمّا استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعرضوا لسؤال حلول العذاب بهم ورأوا أنه لم يعجل لهم حلوله اعترتهم ضراوة بالتكذيب وحسبوا تأخير العذاب عَجْزاً من المتوعد وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم يجهلون أن الله حليم يُمهل عباده لعلهم يرجعون، فالمغفرة هنا مستعملة في المغفرة الموقتة، وهي التجاوز عن ضراوة تكذيبهم وتأخير العذاب إلى أجل، كما قال تعالى: { أية : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } تفسير : [سورة هود: 8]. وقرينة ذلك أن الكلام جار على عذاب الدنيا وهو الذي يقبل التأخير كما قال تعالى: { أية : إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون } تفسير : [الدخان: 15]، أي عذاب الدنيا، وهو الجوع الذي أصيب به قريش بعد أن كان يطعمهم من جوع. و{على} في قوله: {على ظلمهم} بمعنى {مع}. وسياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب، وأن المراد بالعقاب في قوله: {وإن ربك لشديد العقاب} ضد تلك المغفرة وهو العقاب المؤجل في الدنيا أو عقاب يوم الحساب، فمحمل الظلم على ما هو المشهور في اصطلاح القرآن من إطلاقه على الشرك. ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في قوله تعالى: { أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } تفسير : [سورة النساء: 160] فلا تعارض أصلاً بين هذا المحمل وبين قوله: { أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } تفسير : [النساء: 48] كما هو ظاهر. وفائدة هذه العلاوة إظهار شدة رحمة الله بعباده في الدنيا كما قال: { أية : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } تفسير : [فاطر: 45]. وجملة {وإن ربك لشديد العقاب} احتراس لئلا يحسبوا أن المغفرة المذكورة مغفرة دائمة تعريضاً بأن العقاب حال بهم من بعد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} الآية. المراد بالسيئة هنا: العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة، أي قبل العافية، وقيل الإيمان، وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}تفسير : [الحج: 47]، وكقوله {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [العنكبوت: 53]، وكقوله {أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 54]، وقوله {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ}تفسير : [المعارج: 2]، وقوله: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية. وقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ}تفسير : [الشورى: 18]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [ص: 16] إلى غير ذلك من الآيات. وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد، وزعم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كذاب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه، كما قال تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} تفسير : [هود: 8]، وكقوله {أية : يَا صَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِين} تفسير : [الأعراف: 77]، {أية : قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [هود: 32]، كما تقدمت الإشارة إلى هذا. والمثلات: العقوبات واحدتها مثلة. والمعنى: أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمرداً وطغياناً، ولم يتعظوا بما أوقع الله بالأمم السالفة من المثلات - أي العقوبات - كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه وغيرهم. قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَاب}. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب. فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد. لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضر، فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة وقد بيّن هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 147]، وقوله {أية : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الأنعام: 165]، وقوله جل وعلا: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [الحجر: 49 - 50]، وقوله: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ} تفسير : [غافر: 3] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَثُلاَتُ} (6) - وَهؤلاءِ الذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالحَشْرِ وَالمَعَادِ، يَسْتَعْجِلُونَكَ بِأَنْ تُنْزِلَ عَلَيْهِمْ العَذَابَ الذِي هُدِّدوا بِهِ إِذا مَا أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى هَذَا التَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزَاءِ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوا الثَّوَابَ وَالحَسَنَةَ وَالسَّلاَمَةَ مِنَ العُقُوبَةِ، مَعَ أَنَّ كَثيراً مِنَ الأَمْثِلَةِ سَبَقَتْ عَلَى إِنْزَالِ اللهِ تَعَالَى العَذَابَ وَالعِقَابَ بِالأُمَمِ الخَالِيَةِ، التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَاسْتَهْزَأَتْ بِهِمْ، وَجَعْلِهِ إِيَّاهُمْ عِظَةً لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِمْ. وَلَوْلاَ حِلْمُ اللهِ تَعَالَى وَعَفْوُهُ لَعَاجَلَهُمْ بِالعُقُوبَةِ ِحَالَ اجْتِرَاحِهِمْ الذُّنُوبَ، وَاكْتِسَابِهِم المَعَاصِيَ، وَلكِنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لِلنَّاسِ ذُنُوبَهُمْ وَتَجَاوُزَهُم إِذا تَابُوا إِلَيْهِ وَأَصْلَحُوا، وَهُوَ شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعِدُهُمْ بِأَنَّهُمْ إِذَا آمَنُوا، وَأَقْلَعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ وَسُخْرِيَتِهِمْ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، فَإِنَّ اللهَ سَيُكَفِّرُ سَيِّئَاتِهِمْ، وَسَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ). المَثُلاَتُ - العُقُوبَاتُ الفَاضِحَاتُ لأَِمْثَالِهِمْ. مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ - سِتْرٍ وَإِمْهَالٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والاستعجال أن تطلب الشيء قبل زمنه، وتقصير الزمن عن الغاية، فأنت حين تريد غاية ما؛ فأنت تحتاج لزمن يختلف من غاية لأخرى، وحين تتعجل غايةً، فأنت تريد أنْ تصل إليها قبل زمنها. وكل اختيار للتعجُّل أو الاستبطاء له مميزاته وعيوبه، فهل الاستعجال هنا لمصلحة أمر مطلوب؟ إنهم هنا يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، وهذا دليل على اختلال وخُلْف موازين تفكيرهم، وقد سبق لهم أنْ قالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..} تفسير : [الإسراء: 90-92]. وهكذا نجد هؤلاء الكافرين وهم يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، كما استعجلوا أنْ تنزل عليهم الحجارة، وهم لا يعرفون أنْ كل عذاب له مدة، وله ميعاد موقوت. ولم يفكروا في أنْ يقولوا: "اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه". بل إنهم قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]. وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه ما وصلوا إليه من خَلل في نفوسهم وفسادها؛ ذلك أن مقاييسهم انتهت إلى الكفر، وليس أدلّ على فساد المقاييس إلا استعجالهم للسيئة قبل الحسنة؛ لأن العاقل حين يُخيَّر بين أمرين؛ فهو يستعجل الحسنة؛ لأنها تنفع، ويستبعد السيئة. وما دامت نفوس هؤلاء الكافرين فاسدة؛ وما دامت مقاييسهم مُخْتلة، فلا بد أن السبب في ذلك هو الكفر. إذن: فاستعجال السيئة قبل الحسنة بالنسبة للشخص أو للجماعة؛ دليلُ حُمْق الاختيار في البدائل؛ فلو أنهم أرادوا الاستعجال الحقيقي للنافع لهم؛ لاستعجلوا الحسنة ولم يستعجلوا السيئة. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ..} [الرعد: 6]. فلماذا يستعجلون العذاب؟ ألم ينظروا ما الذي حاق بالذين كذَّبوا الرسل من قبلهم؟ وحين يقول الرسول: احذروا أن يصيبكم عذاب، أو احذروا أنْ كذا وكذا؛ فهل في ذلك كذب؟ ولماذا لم ينظروا للعِبَر التي حدثتْ عَبْر التاريخ للأقوام التي كذبتْ الرسل من قبلهم؟ و"المَثُلات" جمع "مُثْلة"؛ وفي قول آخر "مَثُلَة". والحق سبحانه يقول لنا: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 126]. ويقول أيضاً: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40]. وهكذا تكون "مَثُلات" من المثل؛ أي: أن تكون العقوبة مُمَاثلة للفعل. وقول الحق سبحانه: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ..} [الرعد: 6]. يعني: أنه سبحانه سبق وأنزل العذاب بالمثيل لهم من الأمم السابقة التي كذبتْ الرسل؛ إما بالإبادة إن كان ميئوساً من إيمانهم، وإما بالقهر والنصر عليهم. ويتابع سبحانه في نفس الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} [الرعد: 6]. أي: أنه سبحانه لا يُعجِّل العذاب لِمَنْ يكفرون؛ لعل رجلاً صالحاً يوجد فيهم، وقد صبر سبحانه على أبي جهل؛ فخرج منه عكرمة بن أبي جهل؛ وهو الصحابي الصالح؛ وصبر على خالد بن الوليد فصار سيفَ الله المسلول، بعد أن كان أحد المقاتلين الأشداء في معسكر الكفر. وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف قاتل عكرمة بن أبي جهل؛ إلى أن أصيب إصابة بالغة، فينظر إلى خالد بن الوليد قائلاً: أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله؟ وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف حزن واحد من المقاتلين المسلمين لحظة أنْ أفلتَ منه خالد بن الوليد أيام أنْ كان على الكفر؛ وهو لا يعلم أن الحق سبحانه قد ادخر خالداً ليكون سيف الله المسلول من بعد إسلامه. وهكذا شاء الحق أن يُفلت بعض من صناديد قريش من القتل أيام أنْ كانوا على الكفر، كي يكونوا من خيرة أهل الإسلام بعد ذلك. ويتابع سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ..} [الرعد: 6]. فمع أن الناس ظالمون؛ فسبحانه يغفر لهم؛ لأنه سبحانه أفرح بعبده التائب المؤمن من أحدكم، وقد وقع على بعيره، وقد أضلَّه في فَلاة. ولذلك أرى أن مَنْ يُعيِّر عبداً بذنب استغفر منه الله؛ هو إنسان آثم؛ ذلك أن العبد قد استغفر الله؛ فلا يجب أنْ يحشر أحد أنفه في هذا الأمر. ونلحظ هنا قول الحق سبحانه: {عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} [الرعد: 6]. وفي هذا القول يجد بعض العلماء أن الله قد استعمل حرفاً بدلاً من حرف آخر؛ فجاءت "على" بدلاً من "مع". ونلحظ أن "على" هي ثلاثة حروف؛ و"مع" مكونة من حرفين؛ فلماذا حذف الحق سبحانه الأخفَّ وأتى بـ"على"؟ لا بد أن وراء ذلك غاية. أقول: جاء الحق سبحانه بـ"على" في قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} [الرعد: 6]. ليؤكد لنا أن ظلم الناس كان يقتضي العقوبة؛ ولكن رحمته سبحانه تسيطر على العقوبة. وهكذا أدت كلمة "على" معنى "مع"، وأضافت لنا أن الحق سبحانه هو المسيطر على العقوبة؛ وأن رحمة الله تَطْغَى على ظلم العباد. ومِثْل ذلك قوله سبحانه: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ..} تفسير : [الإنسان: 8]. أي: أنهم يُحِبون الطعام حَبَّاً جَمَّاً؛ لكن إرادة الحفاوة والكرم تَطْغى على حُبِّ الطعام. ولكن لا يجب أن يظن الناس أن رحمة الله تطغى على عقابه دائماً؛ فلو ظن البعض من المجترئين هذا الظن؛ وتوهموا أنها قضية عامة؛ لَفسد الكون؛ ولذلك يُنِهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الرعد: 6]. أي: أنه سبحانه قادر على العقاب العظيم، وهكذا جمعت الآية بين الرجاء والتخويف. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} معناه مَضَتْ مِن قَبْلِهِمْ الأَمْثَالُ. ويقالُ الأَنباءُ: الأَمثَالُ. ويقالُ المَثُلاتُ: النَّقَماتُ فِي الأَمَمِ التي عَصَتْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن جهل المكذبين لرسوله المشركين به، الذين وعظوا فلم يتعظوا، وأقيمت عليهم الأدلة فلم ينقادوا لها، بل جاهروا بالإنكار، واستدلوا بحلم [الله] الواحد القهار عنهم، وعدم معاجلتهم بذنوبهم أنهم على حق، وجعلوا يستعجلون الرسول بالعذاب، ويقول قائلهم: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم }. تفسير : { و } الحال أنه { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ } أي: وقائع الله وأيامه في الأمم المكذبين، أفلا يتفكرون في حالهم ويتركون جهلهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ } أي: لا يزال خيره إليهم، وإحسانه وبره وعفوه نازلا إلى العباد، وهم لا يزال شرهم وعصيانهم إليه صاعدًا. يعصونه فيدعوهم إلى بابه، ويجرمون فلا يحرمهم خيره وإحسانه، فإن تابوا إليه فهو حبيبهم لأنه يحب التوابين، ويحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب، ليطهرهم من المعايب {أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم }. تفسير : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } على من لم يزل مصرا على الذنوب، قد أبى التوبة والاستغفار والالتجاء إلى العزيز الغفار، فليحذر العباد عقوباته بأهل الجرائم، فإن أخذه أليم شديد.

همام الصنعاني

تفسير : 1352- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}: [الآية: 6]، قال: بالعقوبة قبل العافية. 1353- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ}: [الآية: 6]، قال: الْعُقوبَات.