Verse. 1715 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

اَللہُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ اُنْثٰى وَمَا تَغِيْضُ الْاَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ۝۰ۭ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَہٗ بِمِقْدَارٍ۝۸
Allahu yaAAlamu ma tahmilu kullu ontha wama tagheedu alarhamu wama tazdadu wakullu shayin AAindahu bimiqdarin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله يعلم ما تحمل كل أنثى» من ذكر وأنثى وواحد ومتعدد وغير ذلك «وما تغيض» تنقص «الأرحام» من مدة الحمل «وما تزداد» منه «وكل شيء عنده بمقدار» بقدر وحدٍّ لا يتجاوزه.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في وجه النظم وجوه، الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد وطلب البيان أو لأجل التعنت والعناد، وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات، أو يزداد إصرارهم واستكبارهم، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه، لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك وهو كقوله تعالى: { أية : وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُواْ } تفسير : [يونس: 20] وقوله: { أية : قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [العنكبوت: 50] والثاني: أن وجه النظم أنه تعالى لما قال: { أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } تفسير : [الرعد: 5] في إنكار البعث وذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها وتفتتها يختلط بعضها ببعض ولا يبقى الامتياز فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات، أما في حق من كان عالماً بجميع المعلومات، فإنه يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض، ثم احتج على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام. الثالث: أن هذا متصل بقوله: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [الرعد: 6] والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة، والله أعلم. المسألة الثانية: لفظ «ما» في قوله: {مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ } إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية، فإن كانت موصولة، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه. ثم قال: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ } والغيض هو النقصان سواء كان لازماً أو متعدياً يقال: غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى: { أية : وَغِيضَ ٱلْمَاء } تفسير : [هود: 44] والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع وقوله: {وَمَا تَزْدَادُ } أي تأخذه زيادة تقول: أخذت منه حقي وازددت منه كذا، ومنه قوله تعالى: { أية : وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } تفسير : [الكهف: 25] ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه. الأول: عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه. الثاني: الولد قد يكون مخدجاً، وقد يكون تاماً. الثالث: مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك، وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرماً. الرابع: الدم فإنه تارة يقل وتارة يكثر. الخامس: ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام. السادس: ما ينقص بظهور دم الحيض، وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص. وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما سال الحيض في وقت الحمل يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل به الجبر ويعتدل الأمر. السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى هذا كله إذا قلنا إن كلمة «ما» موصولة. أما إذا قلنا: إنها مصدرية فالمعنى: أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله. وأما قوله تعالى: {وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } فمعناه: بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله: { أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] وقوله في أول الفرقان: { أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } تفسير : [الفرقان: 2]. واعلم أن قوله: {كُلّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة. ثم قال تعالى: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه. قال الواحدي: فعلى هذا (الغيب) مصدر يريد به الغائب، (والشهادة) أراد بها الشاهد. واختلفوا في المراد بالغائب والشاهد. قال بعضهم: الغائب هو المعلوم، والشاهد هو الموجود، وقال آخرون: الغائب ما غاب عن الحس، والشاهد ما حضر، وقال آخرون: الغائب ما لا يعرفه الخلق، والشاهد ما يعرفه الخلق. ونقول: المعلومات قسمان: المعلومات والموجودات، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ومنها معدومات لا يمتنع وجودها، والموجودات أيضاً قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص، والكل معلوم لله تعالى، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين - رحمهم الله تعالى - أنه كان يقول لله تعالى معلومات لا نهاية لها، وله في كل واحد من تلك المعلومات، معلومات أخرى لا نهاية لها، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفاً بصفات لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ }. ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله: {ٱلْكَبِيرُ } وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثة والحجم والمقدار، فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة والمقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال وهو المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزهاً في ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفاً بالعلم الكامل والقدرة التامة، ومنزهاً عن كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على كونه تعالى قادراً على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات التي اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الإلهية عند قوم وبحسب المصلحة عند آخرين، وقرأ ابن كثير (المتعالي) بإثبات الياء في الوقف والوصل على الأصل. والباقون بحذف الياء في الحالتين للتخفيف ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال: {سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ (سواء) يطلب اثنين تقول سواء زيد وعمرو ثم فيه وجهان. الأول: أن سواء مصدر والمعنى: ذو سواء كما تقول: عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل. الثاني: أن يكون سواء بمعنى مستو وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى الإضمار إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول مستو زيد وعمرو لأن أسماء الفاعلين إذا كانت نكرات لا يبدأ بها. ولقائل أن يقول: بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام الإضمار الذي هو خلاف الأصل. المسألة الثانية: في المستخفي والسارب قولان: القول الأول: يقال: أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي واستخفى فلان من فلان أي توارى واستتر. وقوله: {وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } قال الفراء والزجاج: ظاهر بالنهار في سربه أي طريقه. يقال: خلا له سربه، أي طريقه. وقال الأزهري: تقول العرب سربت الإبل تسرب سرباً، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت، فإذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء كان الإنسان مستخفياً في الظلمات أو كان ظاهراً في الطرقات، فعلم الله تعالى محيط بالكل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة. وقال مجاهد: سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي. والقول الثاني: نقله الواحدي عن الأخفش وقطرب أنه قال: المستخفي الظاهر والسارب المتواري ومنه يقال: خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته. واختفيت الشيء استخرجته ويسمى النباش المستخفي والسارب المتواري ومنه يقال: للداخل سرباً، والسرب الوحش إذا دخل في السرب أي في كناسة. قال الواحدي: وهذا الوجه صحيح في اللغة، إلا أن الاختيار هو الوجه الأول لاطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضاً فالليل يدل على الاستتار، والنهار على الظهور والانتشار.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} أي من ذكر وأنثى، صبيح وقبيح، صالح وطالح؛ وقد تقدّم في سورة «الأنعام» أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب وحده لا شريك له؛ وذكرنا هناك حديث البخاري عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مفاتيح الغيب خمس»تفسير : الحديث. وفيه «حديث : لا يعلم ما تغِيض الأرحام إلا الله»تفسير : . وٱختلف العلماء في تأويل قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} فقال قَتَادة: المعنى ما تُسقِط قبل التسعة الأشهر، وما تزداد فوق التسعة؛ وكذلك قال ٱبن عباس. وقال مجاهد: إذا حاضت ٱلمرأة في حملها كان ذلك نقصاناً في ولدها؛ فإن زادت على التسعة كان تماما لما نقص؛ وعنه: الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداد منه. وقيل: الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع أو غيرها، وزيادة إصبع أو غيرها. وقيل: الغيض ٱنقطاع دم الحيض. «وَمَا تَزْدَادُ» بدم النفاس بعد الوضع. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الحامل تحيض؛ وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض؛ وبه قال أبو حنيفة؛ ودليله الآية. قال ابن عباس في تأويلها: إنه حيض الحبالى، وكذلك روي عن عِكْرمة ومجاهد؛ وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حِضْن أن يتركن الصلاة؛ والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد عليها، فصار كالإجماع؛ قاله ابن القصّار. وذكر أن رجلين تنازعا ولداً، فترافعا إلى عمر رضي الله عنه فعرضه على القَافَة، فألحقه القَافَة بهما، فَعَلاه عمر بالدرة، وسأل نِسوة من قريش فقال: ٱنظُرْن ما شأن هذا الولد؟ فقلن: إن الأوّل خلا بها وخلاّها، فحاضت على الحمل، فظنّت أن عِدّتها انقضت؛ فدخل بها الثاني، فانتعش الولد بماء الثاني؛ فقال عمر: الله أكبر! وألحقه بالأول، ولم يقل إن الحامل لا تحيض، ولا قال ذلك أحد من الصحابة؛ فدلّ أنه إجماع، والله أعلم. احتجّ المخالف بأن قال لو كان الحامل تحيض، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضاً لما صَحّ استبراء الأمة بحيض؛ وهو إجماع. ورُوي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض. الثالثة: في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. الرابعة: وهذه الستة الأشهر هي بالأهِلّة كسائر أشهر الشريعة؛ ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها؛ حكاه ابن عطية. الخامسة: وٱختلف العلماء في أكثر الحمل؛ فروى ابن جُرَيج عن جَميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحوّل ظِل المِغزَل؛ ذكره الدَّارَقُطْنِي. وقالت جَميلة بنت سعد ـ أخت عبيد بن سعد، وعن الليث بن سعد ـ: إن أكثره ثلاث سنين. وعن الشافعي أربع سنين؛ وروي عن مالك في إحدى روايتيه، والمشهور عنه خمس سنين؛ وروي عنه لا حدّ له، ولو زاد على العشرة الأعوام؛ وهي الرواية الثالثة عنه. وعن الزّهري ست وسبع. قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع؛ والشافعي: مُدَّةٌ الغاية منها أربع سنين. والكوفيون يقولون: سنتان لا غير. ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر. وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها. قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرّد إلى ما عُرف من أمر النّساء وبالله التوفيق. رَوى الدَّارَقُطْنِيّ عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس إني حدّثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قَدْر ظِلّ المِغْزَل، فقال: سبحان الله! مَن يقول هذا؟ هذه جارتنا ٱمرأة محمد بن عَجْلاَن، تحمل وتضع في أربع سنين، ٱمرأة صدق، وزوجها رجل صدق؛ حملت ثلاث أبطن في ٱثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين. وذكره عن المبارك ابنُ مجاهد قال: مشهور عندنا كانت ٱمرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل. وروي أيضاً قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيـىٰ ٱدع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أَنَّا أنبياء! ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها (بها) غلاماً، فإنك تَمْحُو ما تشاء وتُثْبِت، وعندك أمّ الكتاب، ورفع مالك يده، ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أدرك ٱمرأتك، فذهب الرجل؛ فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جَعْد قَطَطٌ ٱبن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قُطِعت سراره؛ ورُوي أيضاً أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! إني غبت عن ٱمرأتي سنتين فجئت وهي حبلى؛ فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل؛ فاتركها حتى تضع، فتركها، فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه؛ فعرف الرجل الشبه فقال: ابني وربّ الكعبةٰ فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ؛ لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحّاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سِنّي. ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أُمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين. ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أُمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشُقّ بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه. وقال حمّاد بن سلمة: إنما سمي هَرِم بن حيان هَرِماً لأنه بقي في بطن أُمه أربع سنين. وذكر الغَزْنَوي أن الضحّاك وُلد لسنتين، وقد طلعت سِنّه فُسمّي ضحّاكاً. عبّاد بن العوّام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه، فمرّ به طير فقال: كش. السادسة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: أقل الحيض والنفاس وأكثره وأقل الحمل وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد؛ لأن علم ذلك استأثر الله به، فلا يجوز أن يحكم في شيء منه إلا بقَدْرِ ما أظهره لنا، ووُجد ظاهراً في النساء نادراً أو معتاداً؛ ولمّا وجدنا ٱمرأة قد حملت أربع سنين وخمس سنين حكمنا بذلك، والنفاس والحيض لَمّا لم نجد فيه أمراً مستقراً رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهنّ. السابعة: قال ابن العربي: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر الحمل تسعة أشهر؛ وهذا ما لم ينطق به قطّ إلا هالكيّ، وهم الطبائعيون الذين يزعمون أن مدبّر الحمل في الرَّحِم الكواكب السبعة؛ تأخذه شهراً شهراً، ويكون الشهر الرابع منها للشمس؛ ولذلك يتحرّك ويضطرب، وإذا تكامل التداول في السبعة الأشهر بين الكواكب السبعة عاد في الشهر الثامن إلى زُحل، فيُبْقِله بِبَرْده؛ فيا ليتني تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهمٰ ما بال المرجع بعد تمام الدّور يكون إلى زُحل دون غيره؟ آلله أخبركم بهذا أم على الله تفترون؟ٰ وإذا جاز أن يعود إلى اثنين منها لم لا يجوز أن يعود التدبير إلى ثلاث أو أربع، أو يعود إلى جميعها مرتين أو ثلاثاً؟ٰ ما هذا التحكم بالظنون الباطلة على الأمور الباطنةٰ. الثامنة: قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} يعني من النقصان والزيادة. ويقال: «بمقدار» قدر خروج الولد من بطن أمّه، وقَدْر مكثه في بطنها إلى خروجه. وقال قَتَادة: في الرزق والأجل. والمقدار الْقَدْر؛ وعموم الآية يتناول كل ذلك، والله سبحانه أعلم. قلت: هذه الآية تمدّح الله سبحانه وتعالى بها بأنه {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي هو عالم بما غاب عن الخلق، وبما شهِدوه. فالغيب مصدر بمعنى الغائب. والشهادة مصدر بمعنى الشاهد؛ فنبّه سبحانه على ٱنفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد؛ فأما أهل الطبّ الذين يستدلّون بالأمارات والعلامات فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا إنها تجربة تُرِكوا وما هم عليه، ولم يَقدَح ذلك في الممدوح؛ فإن العادة يجوز ٱنكسارها، والعلم لا يجوز تبدّله. و{ٱلْكَبِيرُ} الذي كل شيء دونه. {ٱلْمُتَعَالِ} عما يقول المشركون، المستعلي على كل شيء بقدرته وقَهْره؛ وقد ذكرناهما في شرح الأسماء مستوفى، والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} أي: ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره؛ كقوله تعالى: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلاَْرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} تفسير : [النجم: 32] الآية، وقال تعالى: {أية : يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَٰثٍ} تفسير : [الزمر: 6] أي: خلقكم طوراً من بعد طور؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون:12-14] وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن خلق إحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد»تفسير : . وفي الحديث الآخر «حديث : فيقول الملك أي: رب أذكر أم أنثى؟ أي: رب أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك»تفسير : وقوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» تفسير : وقال العوفي عن ابن عباس: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} يعني: السقط،{وَمَا تَزْدَادُ} يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومن تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها، وقال الضحاك: وضعتني أمي، وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي. وقال ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ظل مغزل، وقال مجاهد: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} قال: ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد على تسعة أشهر، وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك، وقال مجاهد أيضاً: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض، وقاله عكرمة وسعيد ابن جبير وابن زيد. وقال مجاهد أيضاً: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} إراقة الدم حتى يخس الولد، {وَمَا تَزْدَادُ} إن لم تهرق المرأة، تم الولد وعظم. وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض، استهل، واستهلاله استنكاره لمكانه، فإذا قطعت سرته، حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل، أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول: ياويلك غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل، أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} الآية. وقال قتادة: {وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلاً معلوماً. وفي الحديث الصحيح: أن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم بعثت إليه أن ابناً لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره، فبعث إليها يقول: «حديث : إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب» تفسير : الحديث بتمامه. وقوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء {ٱلْكَبِيرُ} الذي هو أكبر من كل شيء، {ٱلْمُتَعَالِ} أي: على كل شيء {أية : قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} تفسير : [الطلاق: 12] وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعاً وكرهاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } من ذكر وأنثى وواحد ومتعدّد وغير ذلك {وَمَا تَغِيضُ } تنقص {ٱلأَرْحَامِ } من مدّة الحمل {وَمَا تَزْدَادُ } منه {وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } بقدر وحدٍّ لا يتجاوزه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{الله يعلم ما تحمل كل أنثى}قال ابن أبي نجيح يعلم أذكر هو أم أنثى. ويحتمل وجهاً آخر: يعلم أصالح هو أَم طالح. {وما تغيض الأرحام وما تزداد}فيه خمسة تأويلات: أحدها: {وما تغيض الأرحام}بالسقط الناقص{وما تزداد}بالولد التام، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: {وما تغيض الأرحام}بالوضع لأقل من تسعة أشهر، {وما تزداد} بالوضع لأكثر من تسعة أشهر، قاله سعيد بن جبير والضحاك. وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين وولدتني وق خرجت سني. الثالث: {وما تغيض الأرحام}بانقطاع الحيض في الحمل{ما تزداد}بدم النفاس بعد الوضع. قال مكحول: جعل الله تعالى دم الحيض غذاء للحمل. الرابع:{وما تغيض الأرحام}بظهور الحيض من أيام على الحمل، وفي ذلك نقص في الولد{وما تزداد}في مقابلة أيام الحيض من أيام الحمل، لأنها كلما حاضت على حملها يوماً ازدادت في طهرها يوماً حتى يستكمل حملها تسعة أشهر طهراً، قال عكرمة وقتادة. الخامس: {وما تغيض الأرحام}من ولدته قبل{وما تزداد}من تلده من بعد، حكاه السدي وقتادة. {وكُلُّ شيءٍ عنده بمقدار}فيه وجهان: أحدهما: في الرزق والأجل، قاله قتادة. الثاني: فيما تغيض الأرحام وما تزداد، قاله الضحاك. ويحتمل ثالثاً: أن كل شيء عنده من ثواب وعقاب بمقدار الطاعة والمعصية.

ابن عطية

تفسير : لما تقدم تعجب الكفار واستبعادهم البعث من القبور - قص في هذه الآيات المثل المنبهة على قدرة الله تعالى القاضية بتجويز البعث: فمن ذلك هذه الواحدة من الخمس التي هي من مفاتيح الغيب، وهي أن الله تعالى انفرد بمعرفة ما تحمل به الإناث، من الأجنة من كل نوع من الحيوان؛ وهذه البدأة تبين أنه لا تتعذر على القادر عليها الإعادة. و {ما} في قوله: {ما تحمل} يصح أن تكون بمعنى الذي، مفعولة {يعلم} ويصح أن تكون مصدرية، مفعولة أيضاً بـ {يعلم} ، ويصح أن تكون استفهاماً في موضع رفع بالابتداء، والخبر: {تحمل} وفي هذا الوجه ضعف. وفي مصحف أبي بن كعب: "ما تحمل كل أنثى وما تضع". وقوله: {وما تغيض الأرحام} معناه: ما تنقص، وذلك أنه من معنى قوله: {أية : وغيض الماء} تفسير : [هود: 44] وهو بمعنى النضوب فهي - هاهنا - بمعنى زوال شيء عن الرحم وذهابه، فلما قابله قوله: {وما تزداد} فسر بمعنى النقصان: ثم اختلف المتأولون في صورة الزيادة والنقصان: فقال مجاهد "غيض الرحم" أن يهرق دماً على الحمل، وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا أكملت الحامل تسعة أشهر لم تضع وبقي الولد في بطنها زيادة من الزمن يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بمهراقة الدم، فهذا هو معنى قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم الدم على الحمل. وذهب بعض الناس إلى أن غيضه هو نضوب الدم فيه وامتساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون قوله: {وما تزداد} - بعد ذلك - جارياً مجرى {تغيض} على غير مقابلة، بل غيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. وقال الضحاك: غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد، والزيادة أن تضعه لمدة كاملة تاماً في خلقه. وقال قتادة: الغيض: السقط، والزيادة: البقاء بعد تسعة أشهر. وقوله: {وكل شيء عنده بمقدار} لفظ عام في كل ما يدخله التقدير، و {الغيب} : ما غاب عن الإدراكات، و {الشهادة}: ما شوهد من الأمور، ووضع المصادر موضع الأشياء التي كل واحد منها لا بد أن يتصف بإحدى الحالتين. وقوله: {الكبير} صفة تعظيم على الإطلاق، و "المتعالي" من العلو. واختلفت القراءة في الوقف على "المتعال": فأثبت ابن كثير وأبو عمرو - في بعض ما روي عنه - الياء في الوصل والوقف، ولم يثبتها الباقون في وصل ولا وقف. وإثباتها هو الوجه والباب. واستسهل سيبويه حذفها في الفواصل - كهذه الآية - قياساً على القوافي في الشعر، ويقبح حذفها في غير فاصلة ولا شعر، ولكن وجهه أنه لما كان التنوين يعاقب الألف واللام أبداً، وكانت هذه الياء تحذف مع التنوين، حسن أن تحذف مع معاقبه. قال القاضي أبو محمد: ويتصل بهذه الآية فقه يحسن ذكره. فمن ذلك اختلاف الفقهاء في الدم الذي تراه الحامل، فذهب مالك رحمه الله وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وجماعة، إلى أنه حيض. وقالت فرقة عظيمة: ليس حيض، ولو كان حيضاً لما صح استبراء الأمة بحيض وهو إجماع. وروي عن مالك - في كتاب محمد - ما يقتضي أنه ليس بحيض، ومن ذلك أن الأمة مجمعة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك منتزع من قوله تعالى: {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} تفسير : [الأحقاف: 15] مع قوله تعالى: {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} تفسير : [البقرة: 233]. وهذه الستة أشهر هي بالأهلة - كسائر أشهر الشريعة - ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك - وأظنه في كتاب ابن حارث - أنه إن نقص من الأشهر الستة ثلاثة أيام، فإن الولد يلحق لعلة نقص الشهور وزيادتها واختلف في أكثر الحمل فقيل تسعة أشهر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقالت عائشة وجماعة من العلماء أكثره حولان، وقالت فرقة: ثلاثة أعوام وفي المدونة: أربعة أعوام وخمسة أعوام. وقال ابن شهاب وغيره: سبعة أعوام، ويروى أن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام، وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولين - قال: وولدت وقد نبتت ثناياي، وروي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. وقوله تعالى: {سواء منكم} الآية: {سواء} مصدر وهو يطلب بعده شيئين يتماثلان. ورفعه على خبر الابتداء الذي هو "من" والمصدر لا يكون خبراً إلا بإضمار كما قالت الخنساء: [البسيط]: شعر : .................. فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : أي ذات إقبال وإدبار. فقالت فرقة هنا: المعنى: ذو سواء، وقال الزجاج كثر استعمال سواء في كلام العرب حتى جرى مجرى اسم الفاعل فلا يحتاج إلى إضمار. قال القاضي أبو محمد: هو عندي كعدل وزور وضيف. وقالت فرقة: المعنى: مستوٍ منكم، فلا يحتاج إلى إضمار. قال القاضي أبو محمد: وضعف هذا سيبويه بأنه ابتداء بنكرة. ومعنى هذه الآية: معتدل منكم في إحاطة الله تعالى وعلمه من أسر قوله فهمس به في نفسه، {ومن جهر به} فأسمع، لا يخفى على الله تعالى شيء. وقوله تعالى: {ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} معناه: من هو بالليل في غاية الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما. وذهب ابن عباس ومجاهد إلى معنى مقتضاه: أن "المستخفي والسارب" هو رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع الناس. قال القاضي أبو محمد: فهذا قسم واحد جعل الليل نهار راحته، والمعنى: هذا والذي أمره كله واحد بريء من الريب سواء في اطلاع الله تعالى على الكل، ويؤيد هذا التأويل عطف السارب دون تكرار {من} ولا يأتي حذفها إلا في الشعر و "السارب" - في اللغة - المتصرف كيف شاء، ومن ذلك قول الشاعر: [الأخنس بن شهاب الثعلبي] [الطويل] شعر : أرى كل قوم كاربوا قيد محلهم ونحن حللنا قيده فهو سارب تفسير : أي متصرف غير مدفوع عن جهة، هذا رجل يفتخر بعزة قومه، ومن ذلك قول الآخر: [قيس بن الخطيم] [الكامل] شعر : إني سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب تفسير : وتحتمل الآية أن تتضمن ثلاثة أصناف: فالذي يسر طرف، والذي يجهر طرف مضاد للأول، والثالث: متوسط متلون: يعصي بالليل مستخفياً، ويظهر البراءة بالنهار. و {القول} في الآية يطرد معناه في الأعمال. وقال قطرب - فيما حكى الزجاج - {مستخف} معناه: الظاهر من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته. قال القاضي أبو محمد: قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلّب تفسير : قال: و {سارب} معناه: متوار في سرب. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول - وإن كان تعلقه باللغة بيناً- فضعيف، لأن اقتران الليل بـ "المستخفي"، والنهار بـ "السارب" - يرد على هذا القول.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا تَحْمِلُ} من ذكر أو أنثى {وَمَا تَغِيَضُ} بالسقط الناقص. {وَمَا تَزْدَادُ} بالولد التام "ع"، أو بالوضع لأقل من تسعة أشهر {وَمَا تَزْدَادُ} بالوضع لأكثر من التسعة، قال الضحاك حملتني أمي سنتين ووضعتني وقد خرجت سني، أو بانقطاع الحيض مدة الحمل غذاء للولد {وَمَا تَزْدَادُ} بدم النفاس بعد الوضع، أو بظهور الحيض على الحمل، لأنه ينقص الولد {وَمَا تَزْدَادُ} في مقابلة أيام الحيض من أيام الحمل، لأنها كلما حاضت على حملها يوماً زادت في طهرها يوماً حتى يستكمل حملها تسعة أشهر طهراً قاله عكرمة وقتادة {وَكُلُّ شَىْءٍ} من الرزق والأجل {عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات أخبرهم الله عز وجل عن عظيم قدرته، وكمال علمه وأنه عالم بما تحمل كل أنثى يعني من ذكر أو أنثى سويّ الخلق أو ناقص الخلق واحداً أو اثنين أو كثر {وما تغيض} يعني وما تنقص {الأرحام وما تزداد} قال أهل التفسير: غيض الأرحام الحيض على الحمل فإذا حاضت الحامل كان ذلك نقصاناً في الولد لأن دم الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج الدم نقص الغذاء فينقص الولد، واذا لم تحض يزداد الولد ويتم فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم، وقيل: إذا حاضت المرأة في وقت حملها ينقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرة فإن رأت خمسة أيام دماً، وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام فالنقصان في الغذاء زيادة في مدة الحمل. وقيل: النقصان السقط والزيادة تمام الخلق. وقال الحسن: غيضها نقصانها من تسعة اشهر والزيادة زيادتها على تسعة اشهر فأقل مدة الحمل ستة أشهر وقد يولد لهذه المدة ويعيش. واختلفوا في أكثره فقال قوم: أكثر مدة الحمل سنتان، وهو قول عائشة، وبه قال أبو حنيفة وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين. وقال جماعة: أكثرها أربع سنين وإليه ذهب الشافعي. وقال حماد بن أبي سلمة: إنما سمي هرم بن حيان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين، وعند مالك أن أكثر مدة الحمل خمس سنين {وكل شيء عنده بمقدار} يعني بتقدير واحد لا يجاوزه، ولا ينقص منه. وقيل: إنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على أكمل الوجوه. وقيل: معناه إنه تعالى خصص كل حادثة من الحوادث بوقت معين وحالة معينة وذلك بمشيئته الأزلية وإرادته وتقديره الذي لا يقدر عليه غيره {عالم الغيب والشهادة} يعني أنه تعالى يعلم ما غاب عن خلقه، وما يشاهدونه. وقيل: الغيب هو المعدوم والشاهد هو الموجود. وقيل: الغيب ما غاب عن الحس والشاهد ما حضر في الحس {الكبير} أي العظيم الذي يصغر كل كبير بالإضافة إلى عظمته وكبريائه فهو يعود إلى معنى كبر قدرته، وأنه تعالى المستحق لصفات الكمال {المتعال} يعني المنزه عن صفات النقص المتعالي عن الخلق، وفيه دليل على أنه تعالى موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامة وتنزيهه عن جميع النقائص. قوله تعالى {سواء منكم من أسرَّ القول ومن جهر به} أي مستو منكم من أخفى القول وكتمه ومن أظهره وأعلنه، والمعنى أنه قد استوى في علم الله تعالى المسرّ بالقول والجاهر به {ومن هو مستخف بالليل} أي مستتر بظلمته {وسارب بالنهار} أي ذاهب بالنهار في سربه ظاهر. والسرب بفتح السين وسكون الراء الطريق. وقال القتيبي: السارب المتصرف في حوائجه. قال ابن عباس في هذه الآية: هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم. وقيل: مستخف بالليل ظاهر من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا كتمته وسارب بالنهار أي متوارٍ دخل في السرب مستخفياً، ومعنى الآية: سواء ما أضمرت به القلوب أو نطقت به الألسن، وسواء من أقدم على القبائح مستتراً في ظلمات الليل أو أتى بها ظاهراً في النهار فإن علمه تعالى محيط بالكل {له معقبات} يعني: لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل عقبتها ملائكة النهار والتعقيب العود بعد البدء وإنما ذكر معقبات بلفظ التأنيث، وإن كان الملائكة ذكوراً لأن واحدها معقب، وجمعها معقبة ثم جمع المعقبة معقبات. كما قيل أبناوات سعد ورجالات بكر (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يتعقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون. وقيل: إن مع كل واحد من بني آدم ملكين ملك عن يمينه، وهو صاحب الحسنات وملك عن شمال وهو كاتب السيئات وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل العبد حسنة كتبها له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة قال صاحب الشمال لصاحب اليمين أكتبها عليه فيقول: انظره لعله يتوب أو يستغفر فيستأذنه ثلاث مرات، فإن هو تاب منها وإلا قال: اكتبها عليه سيئة واحدة وملك موكل بناصية العبد فإذا تواضع العبد لله عز وجل رفعه بها، وإن تجبر على الله عز وجل وضعه بها وملك موكل بعينيه يحفظهما من الأذى وملك موكل بفيه لا يدعه يدخل فيه شيء من الهوام يؤذيه فهؤلاء خمسة أملاك موكلون بالعبد في ليله وخمسة غيرهم في نهاره، فانظر إلى عظمة الله تعالى وقدرته وكمال شفقته عليك أيها العبد المسكين"تفسير : . وهو قوله تعالى {من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} يعني: يحفظون العبد من بين يديه ومن وراء ظهره، ومعنى من أمر الله بأمر الله وإذنه ما لم يجىء القدر فإذا جاء خلوا عنه. وقيل: معناه إنهم يحفظونه، بما أمر الله به من الحفظ له. قال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شيء يأتيه يؤذيه إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. وقال كعب الأحبار: لولا أن الله تعالى وكلَّ بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن. وقال ابن جريج: معنى يحفظونه أي يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وهذا على قول من يقول: إن الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات، وقال عكرمة: الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم، ومن خلفهم والضمير في قوله له راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس في معنى هذه الآية: لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من شر الجن وطوارق الليل والنهار. وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما من بني عامر بن زيد وكانت قصتهما على ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. قال:حديث : "أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وهما من بني عامر بن زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه فدخل المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان من أجمل الناس وكان أعور فقال: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: دعه فإن يرد الله به خيراً يهده فأقبل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين. قال: تجعل الأمر لي بعدك؟ قال ليس ذلك لي إنما ذلك إلى الله تعالى يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر؟ قال: لا قال: فما تجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك لي اليوم قم معي أكلمك فقال معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر قد أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل عامر يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه ودار أربد من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط شبراً من سيفه ثم حبسه الله تعالى عليه فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته فولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وشباباً مرداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعني الله من ذلك" تفسير : وابنا قيلة يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم إليه سلاحه، فخرج له خراج في أصل أذنه أخذه منه مثل النار فاشتد عليه فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم ركب فرسه وجعل يركض في الصحراء، ويقول: ادن يا ملك الموت وجعل يقول الشعر، ويقول لئن أبصرت محمداً وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه، فأرداه في التراب ثم عاد فركب جواده حتى مات على ظهره، وأجاب الله عز وجل دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عامر بن الطفيل فمات بالطعن، وأربد بن ربيعة مات بالصاعقة وأنزل الله عز وجل في شأن هذه القصة سواء منكم من أسر القول، ومن جهر به إلى قوله له معقبات من بين يديه، ومن خلفه يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه من أمر الله أي بأمر الله وقيل: إن تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم وتأخير تقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، وقوله {إن الله لا يغير ما بقوم} خطاب لهذين عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، يعني لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة التي أنعم بها عليهم {حتى يغيروا ما بأنفسهم} يعني: من الحالة الجميلة فيعصون ربهم، ويجحدون نعمه عليهم فعند ذلك تحل نقمته بهم، وهو قوله تعالى {وإذا أراد الله بقوم سوءاً} يعني هلاكاً وعذاباً {فلا مرد له} يعني لا يقدر أحد أن يرد ما أنزل الله بهم من قضائه وقدره {وما لهم من دونه من وال} يعني وليس لهم من دون الله من وال يلي أمرهم ونصرهم ويمنع العذاب عنهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}: هذه الآيات أمثالٌ منبِّهات على قدرة اللَّه تعالَى القاضِيَةِ بتجويزِ البَعْثِ، {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ }: معناه: ما تنقُصُ، ثم ٱختلف المتأوِّلون في صُورَةِ الزِّيادة والنُّقْصَان، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ غَيْضَ الرحِمِ وهو نقْصُ الدمِ على الحَمْل، وقال الضَّحَّاك: غَيْضُ الرَّحِمِ: أنْ تسقط المرأة الوَلَدَ، والزيادة أنْ تضعه لمدَّةٍ كاملةٍ، ونحوُه لقتادة. وقوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}: عامٌّ في كل ما يدخلُهُ التقديرُ، و{ٱلْغَيْبِ}: ما غاب عن الإِدراكات، و{ٱلشَّهَـٰدَةِ}: ما شُوهِدَ من الأمور. وقوله: {ٱلْكَبِيرُ }: صفةُ تعظيمٍ، و{ٱلْمُتَعَالِ }: من العلو. وقوله سبحانه: {سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ...} الآية: أيْ: لا يخفى على اللَّه شيءٌ، والـــ {سَارِبٌ}؛ في اللغة: المتصرِّف كيف شاء. وقوله سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}: المعنى: جعل اللَّه للعبد معقِّباتٍ يحفظونه في كلِّ حالٍ من كلِّ ما جرى القَدَرُ بٱندفاعه، فإِذا جاء المَقْدُور الواقعُ، أسلم المَرْءُ إِليه، والـــ {مُعَقِّبَـٰتٌ }؛ على هذا التأويل: الحَفَظَةُ على العِبَادِ أَعمالهم، والحَفَظَةُ لهم أيضاً؛ قاله الحسن، وروى فيه عن عثمانَ بْنِ عَفَّان حديثاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارةُ البخاريِّ: {مُعَقِّبَـٰتٌ }: ملائكةٌ حَفَظَةٌ يَعْقُبُ الأَوَّلُ منها الآخِرَ. انتهى. وقالَتْ فرقةٌ: الضمير في «له» عائدٌ على ٱسمِ اللَّه المتقدِّم ذكره، أي: للَّه معقِّبات يحفظون عَبْده، والضمير في قوله: {يَدَيْهِ} وما بعده عن الضمائر عائدٌ على العَبْد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغيِّر هذه الحالة مِنَ الحفْظِ للعبدِ؛ حتَّى يغير العبد ما بنَفْسِهِ، والــ {مُعَقِّبَـٰتٌ }: الجماعاتُ التي يَعْقَب بعضُها بعضاً، وهي الملائكةُ، وينظر هذا إِلى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ... » تفسير : الحديث، وفي قراءة أُبيِّ بْنِ كَعْب: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ»، وقرأ ابن عباس: «وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ»، وقوله: {يَحْفَظُونَهُ }: أي: يحرسونه ويذبُّون عنه، ويحفظونَ أيضاً أعماله، ثم أخبر تعالى؛ أَنه إِذا أَراد بقومٍ سوءاً، فلا مردَّ له، ولا حِفْظَ منه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} الآية في النَّظم وجوهٌ: أحدها: أنَّ الكفار لما طلبوا آيات أخر غير ما أتى به الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بين أنَّه ـ تعالى ـ عالم بجميع المعلومات، فلو علم من حالهم أنهم إنما طلبوا الآية الآخرى للاسترشاد، وطلب البيان أظهرها، وما منعهم، لكنه ـ تعالى ـ عالم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لمحض العناد؛ فلذلك منعهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ}تفسير : [يونس:20]، وقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [العنكبوت:50]. وثانيها: أنه ـ تعالى لما قال: {أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ}تفسير : [الرعد:5] في إنكار البعث بسبب أنَّ أجزاء أبدان الحيوانات تتفرَّق، وتختلط بعضها ببعض، ولا يتميَّز، فبين الله ـ تعالى ـ أنه إنما لم يتميز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات فأمَّا من: {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} كيف لا يميزها؟. وثالثها: أنَّه متصلٌ بقوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [الرعد:6]. والمعنى: أنه ـ تعالى ـ عالم بجميع المعلومات، فهو إنَّما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه مصلحة فيه. قوله: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ} يجوز في الجلالة وجهان: أحدهما: أنَّها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو الله، وهذا على قول من فسَّر "هادٍ" بأنه هو الله [تعالى، فكان هذه الجملة تفسير له، وهذا [ما] عنى الزمخشري بقوله: وأن يكون المعنى: هو الله] تفسيراً لـ"هادٍ" على الوجه الأخير، ثم ابتدأ فقال: "يَعْلمُ". والثاني: أنَّ الجلالة مبتدأ "ويَعْلمُ" خبرها، وهو كلامٌ مستأنفٌ مستقلٌّ. قال أبو حيَّان، "و "يَعْلمُ" هاهنا متعدية إلى واحدٍ؛ لأنَّه لا يراد هنا النسبة إنَّما المراد تعلق العلم بالمفردات". قال شهاب الدين ـ رحمه الله ـ: "وإذا كانت كذلك، كانت غير فائتة" وقد تقدَّم أنه لا ينبغي أنه يجوز نسبة هذا إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وتقدم تحقيقه في الأنفال فالتفت إليه. قوله: "مَا تَحْمِلُ" "مَا" تحتمل ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف، أي: ما تحمله. والثاني: أن تكون مصدرية، فلا عائد. والثالث: أن تكون استفهامية، وفي محلها وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفع بالابتداء، و"تَحْمِلُ" خبره، والجملة معلقة للعلم. والثاني: أنها في محلِّ نصب بـ"تَحْمِلُ" قاله أبو البقاء. وهو أولى؛ لأنَّه لا يحتاج إلى حذف عائد لا سيَّما عند البصريين؛ فإنهم لا يجيزون زيداً ضَرَبتُ. ولم يذكر أبو حيان غير هذا، ولم يتعرض لهذا الاعتراض. و"مَا" في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} محتملة للأوجه المتقدِّمة و"غاض، وزاد" سمع تعدِّيهما، ولزومهما، ولك أن تدَّعي حذف العائد على القول بتعديهما، وأن تجعلها مصدريّة على القول بمصدريتها. فصل إذا كانت "مَا" موصولة فالمعنى: أنه تعالى ـ يعلم ما تحمل كل أنثى من الولد أهو ذكرٌ، أم أنثى، وتامٌّ، أم ناقصٌ، وحسنٌ، أم قبيحٌ، وطويلٌ، أم قصيرٌ أو غير ذلك من الأحوال. وقوله سبحانه: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} الغيضُ: النقصان سواء كان لازماً، أو متعدياً فيقال: غاض الماء وغضته أنا، ومنه قوله تعالى: {أية : وَغِيضَ ٱلْمَآءُ}تفسير : [هود:44] والمعنى: ما تغيضه الأرحام إلاَّ أنه حذف الرَّافع. و"مَا تَزْدادُ"، أي تأخذه زيادة، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}تفسير : [الكهف:25]. ثم اختلفوا فيما تفيضه الرحم، وما تزداده على وجوهٍ: الأول: عدد الولد فإنَّ الرَّحم قد يشتمل على واحدٍ، وعلى اثنين، وثلاثة، وأربعة. يروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه. الثاني: عند الولادة قد تكون زائدة، وقد تكون ناقصة. الثالث: [مدة ولادته] قد تكون تسعة أشهر [فأزيد] إلى سنتين عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ وإلى أربع عند الشافعي ـ رضي الله عنه ـ، وإلى خمس عند مالكٍ ـ رضي الله عنه ـ. قيل: إنَّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمِّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً. الرابع: الدم؛ فإنه تارة يقلُّ، وتارة يكثرُ. الخامس: ما ينقصُ بالسَّقط من غير أن يتم، وما يزداد بالتَّمامِ. السادس: ما ينقصُ بظهور دم الحيض؛ لأنَّه إذا سال الدَّم في وقت الحمل ضعف الولد، ونقص بمقدار ذلك النقصان، وتزداد أيام الحمل، لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النُّقصان. قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: "كلَّما سال الحيضُ في وقت الحمل يوماً، زاد في مدَّة الحمل يوماً، ليحصل الجبرُ، ويعتدلُ الأمر". وهذا يدلُّ على أنَّ الحامل تحيضُ، وهو مذهب مالكٍ، وأحد قولي الشَّافعي لقول ابن عباس في تأويل هذه الآية: إنَّه حيض الحبالى، وهو قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ وأنها كانت تفتي النِّساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصَّلاة. وقال المخالف: لو كانت الحاملُ تحيض مكان ما تراه المرأة من الدَّم حيضاً، لما صحَّ استراءُ الأمة بحيضة، وهذا بالإجماع. السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في [بطن] المرأة، فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات؛ فاضت، وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك المواد، امتلأت تلك العروق مرَّة أخرى. هذا كلُّه إذا قلنا: إن "ما" موصولة. فإذا قلنا: إنَّها مصدرية: فالمعنى أنَّه ـ تعالى ـ يعلمُ حمل كلَّ شيءٍ، ويعلم غيض الأرحام، وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا أوقاته، وأحواله. ثم قال: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} يحتمل أن يكون المراد بالعنديَّة: العلم ومعناه: أنَّه تعالى يعلم كمية كل شيء، وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات، ويحتمل أن يكون المراد من العنديَّة أنه ـ تعالى ـ خصَّص كل حادث بوقت معين، وحال معينة بمشيئته الأزليَّة وإرادته السرمدية. وعند حكماء الإسلام: أنه ـ تعالى ـ وضع أشياء كلّيّة، وأودع فيها قوى، وخواصَّ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية متعينة ومناسبات مخصوصة [مقدرة]، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العبادِ، وأحوالهم، وخواطرهم، وهي من أدلِّ الدَّلائلِ على بطلان قول المعتزلةِ. قوله: "عِنْدَهُ" يجوز أن يكون مجرور المحل صفة لـ "شَيْءٍ"، أو مرفوعه صفة لـ "كُلُّ"، أو منصوبة ظرفاً لقوله: "بِمقْدارٍ"، أو ظرفاً للاستقرار الذي تعلق به الجار لوقوعه خبراً. قوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: "الكَبيرُ المتعَالِ"، وأن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالمٌ. وقرأ زيد بن علي "عَالِمَ" نصباً على المدحِ. ووقف ابنُ كثير، وأبو عمرو في رواية على ياءِ "المُتعَالِ" وصلاً ووقفاً، وهذا هو الأشهر في لسانهم، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً لحذفها في الرَّسم. واستسهل سيبويه حذفها في الفواصل، والقوافي، ولأنَّ "ألْ" تعاقب التنوين، فحذفت معها إجراء لها مجراها. فصل قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شاهدوه. قال الواحديُّ: "فعلى هذا "الغَيْب" مصدر يرادُ به الغائب، والشهادة أراد بها الشَّاهد". واختلفوا في المراد بالغائب، والشَّاهد؛ فقيل: المراد بالغائب: [المعدوم]، وبالشَّاهد: الموجود. وقيل: الغائب مالا يعرفه الخلق. واعلم أنَّ المعلومات قسمان: المعدومات، والموجودات. والمعدومات منها معدوماتٌ يمتنع وجودها، ومعدومات لا يمتنع وجودها. والموجودات قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل واحدٍ من هذه الأقسام الأربعة له أحكام، وخواص، والكل معلوم لله ـ تعالى ـ. قال إمامُ الحرمين: لله ـ تعالى ـ معلوماتٌ لا نهاية لها وله في كل واحد من تلك المعلومات معلومات أخرى لا نهاية لها؛ لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، وموصوف بأوصاف لا نهاية لها على البدل، وهو ـ تعالى ـ عالمٌ بكلِّ الأحوال على التفصيل وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}. ثم قال: "الكَبِيرُ المُتعَالِ" وهو ـ تعالى ـ يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثَّة والمقدار؛ فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة الإلهيَّة، و"المُتعَالِ" المتنزه عن كلِّ ما لا يجوز عليه في ذاته، وصفاته. قوله تعالى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}. في "سَواءٌ" وجهان: أحدهما: أنه خبرٌ مقدمٌ، و:"مَنْ أسرَّ"، و"مَنْ جَهرَ" هو المبتدأ، وإنما لم يثن الخبر؛ لأنَّه في الأصل مصدر، وهو ههنا بمعنى مستوٍ، و"مِنْكُمْ" على هذا حالٌ من الضمير المستتر في "سَواءٌ"؛ لأنه بمعنى مستوٍ. قال أبو البقاء: "ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في "أسرَّ"، و"جَهَرَ" لوجهين: أحدهما: تقديم ما في الصلة على الموصول، أو الصِّفة على الموصوف. والثاني: تقديم الخبر على "مِنْكُم" وحقُّه أن يقع بعده". قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: "وحقُّه أن يقع بعده يعني: بعدهُ، وبعد المبتدأ، ولا يصير كلامه لا معنى له". والثاني: أنه مبتدأ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله: "مِنْكُم". وأعرب سيبويه: "سواءٌ" عليه الجهر والسِّر كذلك، وقول بن عطيَّة: إنَّ سيبويه ضعَّف ذلك بأنه ابتداء بنكرة غلط عليه. قال ابنُ الخطيب: لفظ "سواء" يطلب اثنين، تقول: "سواء زيد، وعمرو"، ثم فيه وجهان: الأول: أنَّ "سواءٌ" مصدر، والمعنى: ذو سواء، كما تقول: عدل زيد وعمرو، أي: ذو عدلٍ. الثاني: أن يكون "سواءٌ" بمعنى مستوٍ، وعلى هذا التقدير، فلا حاجة إلى الإضمار، إلا أنَّ سيبويه يستقبحُ أن يقال: مستو زيد وعمرو؛ لأنَّ اسماء الفاعل إذا كانت نكرة لا يبتدأ بها. ولقائلٍ أن يقول: بل هذا الوجه أولى؛ لأنَّ حمل الكلام عليه يغني عن التزامِ الإضمار الذي هو خلاف الأصل. قوله: {وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفاً على "مُسْتَخْفٍ"، ويراد بـ "مَنْ" حينئذ اثنان، وحمل المبتدأ الذي هو لفظ "هُوَ" على لفظها، فأفرده، والخبر على معناها فثناه. والوجه الثاني: أن يكون عطفاً على "من هُوَ" في "ومَنْ هُو مُسْتخْفٍ" لا على: "مُستَخفٍ" وحده. ويوضح هذين الوجهين ما قاله الزمخشريُّ قال: "فإن قلت: كان حق العبارةِ أن يقال: ومن هو مستخف باللَّيل، ومن هو ساربٌ بالنَّهار حتَّى يتناول معنى الاستواء المستخفي، والسارب، وإلا فقد تناول واحد هو مستخف وسارب. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن قوله: "سَارِبٌ" عطف على: "مَنْ هُو مُسْتَخْفٍ" [لا على: "مُسْتَخْفٍ". والثاني: أنَّه عطف على: "مُسْتَخْفٍ"] إلا أنَّ: "مَنْ" في معنى الاثنين؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3166ـ................ نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطحِبَانِ تفسير : كأنه قيل: سواء منكم اثنان مستخف بالليل، وسارب بالنَّهار". قال شهابُ الدِّين: وفي عبارته بقوله: كان حق العبارة كذا سوء أدب، وقوله كقوله: "نَكُنْ مِثلَ مَنْ يا ذئب" يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضهم مع ذئبٍ يخاطبه: [الطويل] شعر : 3167ـ تَعَشَّ فإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئبُ يَصْطحِبَانِ تفسير : وليس في البيت حملٌ على اللفظ والمعنى، وإنَّما فيه حملٌ على المعنى فقط، وهو مقصوده. وقوله: "وإلا فقد تناول واحدٌ هو مستخف وسارب" لو قال بهذا قائل لأصاب الصَّواب وهو مذهب ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ومجاهد ذهبا إلى أن المستخفي والسَّارب شخص واحد يستخفي بالليل، ويسرب بالنَّهار، ليري تصرفه في النَّاس. الثالث: أن يكون على حذف "مَنْ" الموصولة، أي: ومن هو سارب، وهذا إنَّما يتمشى عند الكوفيين، فإنهم يجيزون حذف الموصول، وقد تقدَّم استدلالهم على ذلك. والسَّاربُ: اسم فاعل من "سَرَبَ، يَسْرُبُ"، أي: تصرف كيف يشاء؛ قال: [الكامل] شعر : 3168ـ أنَّى سَربْتِ وكُنْتِ غَيرَ سَرُوبِ وتُقرَّبُ الأحلامُ غَيْرَ قَريبِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 3169ـ وكُلُّ أنَاسٍ قَاربُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ونَحْنُ خَلعْنَا قَيْدهُ فهو سَارِبُ تفسير : أي: متصرف كيف توجَّه، ولا يدفعه أحدٌ عن مرعى قومه بالمنعة، والقوة. فصل معنى الكلام: أي: يستوي في علم الله المسر في القول، والجاهر به. وفي المستخفي، والسَّارب وجهان: الأول: يقال: أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي، واستخفى فلان من فلان، أي: توارى واستتر منه. والسَّارب: قال الفراء والزجاج: أي: ظاهر بالنهار في سربه، أي: طريقه يقال: خلا له سربه، أي: طريقه، والسَّرب ـ بفتح السِّين، وسكون الراء ـ الطريق. وقال الأزهري: "تقول العرب: سَربتِ الإبلُ تسرب سَرَباً، أي: مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت". فمعنى الآية: سواء كان الإنسان مستخفياً في الظُّلماتِ، وكان ظاهراً في الطرقاتِ فعلم الله تعالى محيطٌ بالكلِّ. قال ابن عباس: "سواء ما أضمرته القلوب، أو أظهرته الألسنة". وقال مجاهد: سواء من أقدم على القبائح في ظلمات الليل، ومن أتى بها في النهار الظاهر على سبيل التَّوالي. وقال ابن عباس أيضاً: "هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى النَّاس أنه بريء من الإثم". والقول الثاني: نقل الواحدي عن الأخفش، وقطرب قال: المستخفي: الظاهر والسارب: المتواري، ومنه يقال: خفيت الشيء، أي: أظهرته، وأخفيت الشيء أي: استخرجته، ويسمى النَّبَّاش: المستخفي، والسَّارب: المتواري، أي: الداخل سرباً، وانسرب الوحش: إذا دخل في السِّرب، أي: في كناسه. قال الواحديُّ: "وهذا الوجه صحيح في اللغة إلا أنَّ الأول هو المختارُ لإطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضاً: فالليل يدلُّ على الاستتار، والنهار على الظهور". قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} الضمير فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه عائد على "مِنْ" المكررة، أي: لمن أسرّ القول، ولمن جهر به ولمن استخفى: "مُعَقباتٌ"، أي: جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضاً. الثاني: أنه يعود على "مِنْ" الأخيرة، وهو قول ابن عبَّاسٍ. قال ابن عطية: والمعقبات على هذا: حرسُ الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، قالوا: والآية على هذا في الرؤساء الكفار، واختاره الطبريُّ وآخرون إلاَّ أنَّ الماوردي ذكر على هذا التأويل: أنَّ الكلام نفي، والتقدير: لا يحفظونه، وهذا ينبغي ألاّ يسمع ألبتة، كيف يبرز كلام موجب، ويراد به نفي، وحذف "لا" إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعاً في جواب قسم، نحو {أية : تَالله تَفْتَأُ}تفسير : [يوسف:85] وقد تقدَّم تحريره وإنَّما معنى الكلام كما قال المهدويُّ: يحفظونه من أمر الله في ظنه، وزعمه. الثالث: أن الضمير في "لهُ" يعود على الله ـ تعالى ـ وفي "يَحْفظُونَهُ" للعبد أي: للهِ ملائكة يحفظون العبد من الآفات، ويحفظون عليه أعماله قاله الحسن ـ رضي الله عنه ـ. الرابع: عود الضميرين على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر قريب، ولتقدُّم ما يشعر به في قوله: "لوْلاَ أنْزِلَ عليْهِ". و"مُعقِّباتٌ" جمع معقب بزنة مفعل، من عقب الرجل إذا جاء على عقب الآخر؛ لأن بعضهم يعقبُ بعضاً، أو لأنَّهم يعقبون ما يتكلَّم به. وقال الزمخشري: "والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله: {أية : وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ}تفسير : [التوبة:90]، أي: المعتذِّرون، ويجوز "مُعقِّبات" بكسر العين ولم يقرأ به". وقال أبو حيَّان: "وهذا وهمٌ فاحش، لا تدغم التَّاء في القافِ، ولا القاف في التَّاء لا من كلمة، ولا من كلمتين، وقد نصَّ التصريفيُّون على أنَّ القاف، والكاف كلُّ منهما تدغمُ في الأخرى، ولا يدغمان في غيرهما، ولا يدغم غيرهما فيهما، وأمَّا تشبيهه بقوله: {أية : وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ} تفسير : [التوبة:90] فلا يتعيَّن أن يكون أصله "المُتعذِّرُون" وقد تقدَّم توجيهه، وأنه لا يتعيَّن ذلك فيه. وأما قوله: ويجوز "مُعقِّبات" بكسر العين، فهذا لا يجوز؛ لأنه بناه على أن أصله: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، وقد بيَّنا أن ذلك وهم فاحشٌ وفي"مُعَقِّباتٌ" احتمالان: أحدهما: أن يكون معقبة بمعنى معقب، والتَّاء للمبالغة، كعلاَّمة، ونسَّابة. أي: ملك معقب، ثم جمع هذا كعلامات، ونسَّابات. والثاني: أن يكون معقبة صفة لجماعة، ثم جمع هذا الوصف، وذكر ابنُ جريرٍ: أن معقبة جمع معقب، وشبه ذلك بـ"رَجُلٍ، ورجالٍ، ورِجَالاتٍ". قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر، إنما ذلك كـ"جَمَلٍ، وجِمَالٍ، وجمالاتٍ" ومعقب، ومعقبات إنَّما هو كضارب، وضاربات. ويمكن أن يجاب عنه: بأنه يمكن أن يريد بذلك أنَّه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقب، وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث "معقب"، فصار مثل: "الواردة" للجماعة الذين يريدون، وإن كان أصله للمؤنثة من جهة أنَّ جموع التَّكسير في العقلاء تعامل معاملة المؤنثة في الإخبار، وعود الضَّمير، ومنه قولهم: الرِّجالُ وأعضادها، والعلماء ذاهبةٌ إلى كذا، وتشبيهه ذلك برجل، ورجالات من حيثُ المعنى لا الصناعة". وقرأ أبي، وإبراهيم، وعبيد الله بن زيادٍ: له معاقيب. قال الزمخشريُّ: "جمع معقب، أو معقبة، والياء عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير". ويوضح هذا ما قاله ابنُ جنِّي؛ فإنه قال: "مَعَاقِيب" تكسير مَعْقِب ـ بسكون العين، وكسر القاف، كـ"مُطْعِم، ومطاعم" و"مَقْدِم، ومَقَادِيم"، فكأن "مُعْقباً" جمع على معاقبة، ثم جعلت الياء في "معاقيب" عوضاً من الهاء المحذوفة في "مُعَاقبةٍ". فصل قال: المعقب من كلِّ شيء ما خلف يعقب ما قبله، ويجوز أن يكون عقبه، إذا جاء على عقب، والمعنى في كلا الوجهين واحد. والتَّعقيب: العود بعد البدءِ، وإنَّما ذكر بلفظ التَّأنيث؛ لأن واحدها معقب وجمعه معقبة، ثم جمع المعقبة معقبات، كقولك: رجالات مكسر، وقد تقدَّم. وفي المراد بـ"المعقبات" قولان: أشهرهما: أن المراد الحفظة، وإنَّما وصفوا بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة اللَّيل تعقب ملائكة النَّهار، وبالعكس، وإما لأجل أنهم يعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ، والكتابة، وكل من عمل عملاً ثم معاد إليه؛ فقد عقَّبهُ. فعلى هذا المراد من المعقبات: ملائكة الليل، والنَّهار، قال ـ تعالى جلَّ ذكره ـ {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}تفسير : [الانفطار:10، 11، 12،13]. قوله: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ} يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه صفة لـ"مُعقِّباتٌ" ويجوز أن يتعلق بـ "مُعقِّباتٌ"، و"مِنْ" لابتداء الغاية، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير الذي هو الظرف الواقع خبراً والكلام على هذه الأوجه تام عند قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِ}. وقد عبَّر ِأبو البقاء ـ رحمه الله ـ عن هذه الأوجه بعبارة مشكلة، وهي قوله: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ} يجوز أن يكون صفة لـ"مُعقِّباتٌ"، وأن يكون ظرفاً، وأن يكون حالاً من الضمير الذي فيه، فعلى هذا يتمُّ الكلام عنده "انتهى". ويجوز أن يتعلق بـ"يَحْفَظُونَه" أي: يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه. فإن قيل: كيف يتعلَّق حرفان متحدان لفظاً ومعنى بعاملٍ واحدٍ، وهما "مِنْ" الداخلة على "بَيْنِ" و"مِنْ" الداخلة على: "أمْرِ اللهِ"؟. فالجواب: أنَّ "مِنْ" الثانية مغايرة للأولى في المعنى كما ستعرفه. قوله: "يَحْفَظُونهُ" يجوز أن يكون صفة لـ"مُعقِّباتٌ"، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار الواقع [خبراً]، و"مِنْ أمْرِ اللهِ" متعلق به، و"مِنْ" إمَّا للسَّببِ أي: بسبب أمر الله. ويدل له على قراءة عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن عليّ، وعكرمة ـ رضي الله عنهم ـ: بأمر الله. وقيل: المعنى على هذا يحفظون عمله بإذن الله، فحذف المضاف. قال ابن الأنباري: كلمة "مِنْ" معناها الباء، وتقديره: يحفظونه بأمر الله وإعانته، والدَّليل عليه: أنه لا بد من المصير إليه؛ لأنَّه لا قدرة للملائكة، ولا لأحد من الخلقِ على أن يحفظوا أحداً من أمر الله، وممَّا قضاه الله عليه؛ وإمَّا أن تكون على بابها. قال أبُو البقاء: "مِنْ أمْرِ اللهِ" من الجنِّ، والإنس، فتكون "مِنْ" على بابها. "يعني: أن يراد بأمر الله: نفس ما يحفظ منه كمردة الإنس، والجن، فتكون "مِنْ" لابتداء الغاية". ويجوز أن تكون بمعنى "عَنْ"، وليس عليه معنى يليق بالآية الكريمة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه صفة لـ: "مُعقِّباتٍ" أيضاً فيجيء الوصف بثلاثة أشياء في بعض الأوجه المتقدمة بكونها {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} وبكونها "يَحفظه"، وبكونها "مِنْ أمْرِ اللهِ" ولكن يتقدَّم الوصف بالجملة على الوصف بالجار، وهو جائزٌ فصيحٌ، وقد ذكر الفراء فيه وجهين: الأول: أنه على التَّقديم، والتأخير، والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه. قال شهاب الدِّين ـ رحمه الله ـ: "والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه". والثاني: أن فيه إضماراً، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: ممَّا أمر الله به، فحذف الاسم، وأبقى خبره، كما يكتب على الكيس: ألفان، والمراد الذي فيه ألفان. فصل ذكر المفسرون: أن للهِ ملائكة يتعاقبون بالليل، والنهار؛ فإذا صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النَّهار، جاء في عقبها ملائكة الليل، لما روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال "حديث : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللَّيلِ ومَلائكِةٌ بالنَّهارِ يَجْتمِعُونَ عِنْدَ صلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرجُ الَّذينَ باتُوا فيكُم؛ فيَسْألهُم وعو أعلمُ بِهِم: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادي؟ فَيقُولُون: تَركْنَاهُم، وهُمْ يُصَلُّونَ، وأتَيْنَاهُمْ، وهُمْ يُصَلُّون ". تفسير : وقوله: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} يعنى من قدام، هذا استخفى باللَّيل والسَّارب بالنَّهار، ومن وراء ظهره يحفظونه من أمر الله يعني بإذنِ الله ما لم يجىء القدر، فإذا جاء القدر خلوا عنه. وقيل: يحفظونه ممَّا أمر الله به من الحفظ عنه. قال مجاهدٌ: ما من عبدٍ إلا وله ملك موكلٌ به يحفظه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس، والهوام. وقيل: المراد بالآية الملكين القاعدين على اليمين، وعلى الشمال يكتبان الحسنات والسيئات "يحفظونه" أي يحفظون عليه، "من أمر الله" يعني الحسنات والسيئات قال الله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق.18]. وقال عبدالرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطُّفيل وأربد بن ربيعة، وكانت قصَّتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "حديث : أقبل عامر بن الطُّفيل، وأربد بن ربيعة، وهما عامريان يريدان رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفرٍ من أصحابه، فدخلا المسجد، فاسْتشْرَفَ الناسُ لجمالِ عامرٍ، وكان أعورَ، وكان من أجمل النَّاس، فقال رجل: يا رسول الله هذا عامر بن الطُّفيل قد أقبل نحوك فقال: دعه؛ فإن يرد الله به خيراً يهده، فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؛ فقال صلى الله عليه وسلم: لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك؛ قال: ليس ذلك إليَّ، إنما ذلك إلى الله ـ عز وجل ـ يجعله حيث يشاءُ، فقال: تجعلني على الوبر وأنت على المدرِ، قال: لا، قال: فما تجعل لي؟ قال أجعل لك أعنَّة الخيل تغزُو عليها قال: أوليس ذلك لي اليوم، قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة: إذا رأيتني أكلمه فدُرْ من خلفه، فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه، فدار أربدُ من خلف النبي ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً، ثمَّ حبسه الله ـ عزَّ وجلَّ ـ عنده، فلم يقدر على سلّه، وجعل عامرُ يومىء إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: "اللَّهُمَّ أكْفِنِيهما بِمَا شِئْتَ" فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحوٍ صائفٍ، فأحرقته، وولّى عامر بنُ الطفيل هارباً، وقال: يا محمد! دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنَّها عليك خيلاً جرداً، وفتياناً مرداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَمْنَعُكَ اللهُ مِنْ هذا، وأبْناءُ قيْلة" يريد الأوس، والخزرج؛ فنزل عامرٌ بيت امرأة سلوليّة فلما أصبح، ضم عليه سلاحه، وقد تغير لونه، فخرج يركض في الصحراء ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشِّعر، ويقول: واللات لئن أصبح لي محمدٌ وصاحبه ـ يعني ملك الموت ـ لأنفذتهما برمحي؛ فأرسل الله ـ تبارك وتعالى ـ ملكاً فلطمه بجناحه، فأذراه في التراب، وخرجت على ركبته في الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول: "غُدَّةٌ كغُدةِ البَعيرِ، ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُوليَّة"، ثم دعا بفرسه، فركبه، ثمَّ أجراه حتَّى مات على ظهره، فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتلَ عامرٌ بالطعن، وأربد بالصَّاعقة"تفسير : ، وأنزل الله في هذه القصَّة: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} يعنى للرسول صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله، يعني: تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم وتأخير. ونقل عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ واختاره أبو مسلم الأصفهاني ـ رحمه الله ـ أن المراد يستوي في علم الله السرُّ، والجهر، والمستخفي في ظلمة اللَّيل والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين، والأنصار، وهم الملوك، والأمراء فمن لجأ إلى الله فلن يفوِّت الله سبحانه وتعالى أمره، ومن سار نهاراً بالمعقبات، وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه حراسه من الله ـ تعالى ـ والمعقب هو العون؛ لأنه إذا نصر هذا ذاك؛ فلا بد وأن ينصر ذاك هذا؛ فنصر كل واحد منهما معاقبة لنصرة الآخر؛ فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله، وقدره، وهم وإن ظنُّوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله، ومن قضائه؛ فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتَّة. والمقصود من الكلام: بعث السلاطين، والأمراء، والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره من الله، ويعولوا على حفظه وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار؛ ولذلك قال تعالى ـ جل ذكره ـ بعده: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}. قال القرطبي: "قيل: إن في الكلام نفياً محذوفاً تقديره: لا يحفظونه من أمر الله ـ تعالى ـ ذكره الماورديُّ. قال المهدوي: ومن جعل المعقِّبات: الحرس، فالمعنى: يحفظونه من أمر الله على ظنه، وزعمه. وقيل: سواء من أسر القول، ومن جهر، فله حراس، وأعوان يتعاقبون عليه، فيحملونه على المعاصي، و"يَحْفظُونَهُ" من أن ينجع فيه وعظٌ. قال القشيريُّ: وهذا لا يمنع الرب من الإمهال إلى أن يحق العذاب، وهو إذا غير هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار، فيصير ذلك سبباً للعقوبة، فكأنه الذي يحل العقوبة". وقال عبد الرحمن بن زيد: "المعقِّبات: ما تعاقب من أمر الله ـ تعالى ـ وقضائه في عباده". قال الماورديُّ: "ومن قال بهذا القول، ففي تأويل قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجله، قاله الضحاك. الثاني: يحفظونه من الجنِّ، والهوام المؤذية، ما لم يأت قدرٌ، قاله أبو أمامة، وكعب الأحبارـ رضي الله عنهما ـ فإذا جاء القدر خلوا عنه". قوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ}: من العافية والنعمة {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من [الحالة الجميلة] فيعصون ربَّهم. قال الجبائي، والقاضي: هذه الآية تدلُّ على مسألتين: الأولى: أنَّه سبحانه لا يعاقبُ أطفال المشركين بذنوب آبائهم؛ لأنَّهم لم يغيِّروا ما بأنفسهم من نعمه، فيغير الله حالهم من النِّعمة إلى العذاب. الثانية: قالوا: الآية تدلُّ على بطلان قول المجبرة: إنَّه تعالى ابتدأ العبد بالضَّلال، والخذلان أوَّل ما يبلغ؛ لأنَّ ذلك أبلغ في العقاب، مع أنَّه ما كان منه تغيير. قال ابن الخطيب: "والجواب أن ظاهر الآية يدل على أن فعل الله تعالى في التغيير يترتب على فعل العبد، وقوله {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [التكوير:29] يدلُّ على أن فعله مقدم على فعل العبد، فوقع التَّعارض. وقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} يدلُّ على أنَّ العبد غير مستقل بالفعل، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان، لكان قادراً على ردّ ما أراد الله ـ تعالى ـ من كفره، وحينئذٍ يبطل قوله: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}؛ فثبت أنَّ الآية السابقة، وإن أشعرت بمذهبهم إلا أن هذا من أقوى الدلائل على مذهبنا. روى الضحاك عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: لم تغن المعقبات شيئاً وقال عطاء عنه: لا رادّ لعذابي، و لا ناقض لحكمي: {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}، أي: ليس لهم من دون الله من يتولاهم، ويمنع قضاء الله عنهم، أي: ما لهم والٍ يتولَّى أمرهم، ويمنع العذاب عنهم. قوله: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ} "العامل في "إذَا" محذوف لدلالة جوابها عليه تقديره: لم يرد أو وقع، أو نحوهما، ولا يعمل فيها جوابها؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعملُ فيما قبلها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن الضحاك - رضي الله عنه - {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} قال: يعلم ذكر هو أو أنثى {وما تغيض الأرحام} قال: هي المرأة ترى الدم في حملها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وما تغيض الأرحام} قال خروج الدم {وما تزداد} قال: استمساكه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما تغيض الأرحام} قال: أن ترى الدم في حملها {وما تزداد} قال: في التسعة أشهر. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك - رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال: ما تزداد على التسعة، وما تنقص من التسعة. قال الضحاك - رضي الله عنه -: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني قد خرجت ثنيتي. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما تغيض الأرحام} قال: ما دون تسعة أشهر، وما تزداد فوق التسعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام} يعني السقط {وما تزداد} يقول: ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص. فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - قال: ما دون التسعة أشهر فهو غيض، وما فوقها فهو زيادة. وأخرج ابن جرير عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدرٌ ما يتحول فلكة مغْزَل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: ما غاضت الرحم بالدم يوماً، إلا زاد في الحمل يوماً حتى تستكمل تسعة أشهر طاهراً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {وما تغيض الأرحام} قال: السقط. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في الآية قال: إذا رأت الدم، هش الولد. وإذا لم تر الدم، عظم الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول - رضي الله عنه - قال: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل. واستهلاله استنكار لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه، حتى لا يطلب ولا يغتم ولا يحزن، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا بلغ قال: أنى لي بالرزق، يا ويحك، غَذَّاكَ وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: أنى لي بالرزق؟! ثم قرأ مكحول - رضي الله عنه - {يعلم ما تحمل كل أنثى ....} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله {وكل شيء عنده بمقدار} أي بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلاً معلوماً.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الآية: 8]. قال الحسين: كل ربط يحده، وأوقف مع وقته فلا يجاوز قدره، ولا يعدو طوره. قال بعضهم: وكل شىء يوزن ومن لم يزن نفسه، ولم يطالع أنفاسه فهو فى حيز الغافلين، ومن لم يعرف مقداره وقدر عظيم النعمة عليه، أعجب بنفسه، أو بما يبدو منه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله} وحده {يعلم ما تحمل كل انثى} اى حملها على ان ما مصدرية والحمل بمعنى المحمول او ما تحمله من الولدان ذكر او انثى تام او ناقص حسن او قبيح طويل او قصير سعيد او شقى ولى او عدو جواد او بخيل عالم او جاهل عاقل او سيفه كريم او لئيم حسن الخلق او سيءالخلق الى غير ذلك من الاحوال الحاضرة والمترقبة فما موصولة والعائد محذوف كما فى قوله {وما تغيض الارحام وما تزداد} اى نقض جميع الرحام وزيادتها او ما تغيضه وما تزداده فان كلا من غاض وازداد يستعمل لازما ومتعديا. يقال غاض الماء يغيض غيضا اذا قل ونضب وغاضه الله ومنه قوله {أية : وغيض الماء} تفسير : ويقال زدته فزاد بنفسه وازداد واخذت منه حقى وازددت منه كذا فان كان لازما فالغيوض والزيادة لنفس الارحام فى الظاهر ولما فيها الحقيقة وان كان متعديا فهما لله تعالى وعلى كلا التقديرين فالاسناد مجازى. والارحام جمع رحم وهو مبيت للولد فى البطن ووعاؤه. واعلم ان رحم المرأة عضلة وعصب وعروق ورأس عصبها فى الدماغ وهى على هيئة الكيس ولها فم بازاء قبلها ولها قرنان شبه الجناحين تجذب بهما النطفة وفيها قوة الامساك لئلا ينزل من المنى شيء وقد اودع الله فى ماء الرجل قوة الفعل وفى ماء المرأة قوة الانفعال فعند الامتزاج يصير منى الرجل كالانفحة الممتزجة. بالبن واختلفوا فيما تغيضه الارحام وما تزداده فقيل هو جثة الولد فانه قد يكون كبيرا وقد يكون صغيرا وقد يكون تام الاعضاء وقد يكون ناقصها. وقيل هو مدة ولادته فان اقلها ستة اشهر عند الكل وقد تكون تسعة اشهر وازيد عليها الى سنتين عند ابى حنيفة والى اربع عند الشافعى والى خمس عند مالك - روى - ان الضحاك بن مزاحم التابعى مكث فى بطن امه سنتين وان مالكا مكث فى بطن امه ثلاث سنين على ما فى المحاضرات للجلال السيوطى واخبر مالك ان جارة له ولدت ثلاثة اولاد فى اثنتى عشرة سنة تحمل اربع سنين وهرم ابن حبان بقى فى بطن امه اربع سنين ولذلك تسمى هرما. وعن الحسن الغيوضة ان تضع لثمانية اشهر او اقل من ذلك والازدياد ان تزيد على تسعة اشهر. وعنه الغيض الجنين الذى يكون سقطا لغير تمام والازدياد ما ولد لتمام. وفى انسان العيون وقع الاختلاف فى مدة حمله صلى الله عليه وسلم فقيل بقى فى بطن امه تسعة اشهر كملا وقيل عشرة اشهر وقيل ستة اشهر وقيل سبعة اشهر وقيل ثمانية اشهر فيكون ذلك آية كما ان عيسى عليه السلام ولد فى الشهر الثامن كما قيل به مع نص الحكماء والمنجمين على ان من يولد فى لشهر الثامن لا يعيش بخلاف التاسع والسابع والسادس الذى هو اقل مدة حمل. وقد قال الحكماء فى بيان سبب ذلك ان الولد عند استكماله سبعة اشهر يتحرك للخروج حركة عنيفة اقوى من حركته فى الشهر السادس فان خرج عاش وان لم يخرج استراح فى البطن عقيب تلك الحركة المضعفة فلا يتحرك فى الشهر الثامن ولذلك تقل حركته فى البطن فى ذلك الشهر فاذا تحرك للخروج وخرج فقد ضعف غاية الضعف فلا يعيش لاستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضعفه. وفى كلام الشيخ محيى الدين ابن العربى قدس سره لم ار للثمانية صورة فى نجوم المنازل ولهذا كان المولود اذا ولد فى الشهر الثامن يموت ولا يعيش وعلى فرض ان يعيش يكون مغلولا لا ينتفع بنفسه وذلك لان الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس وهو طبع الموت انتهى. وقيل هو عدة الولد فان الرحم قد يشتمل على ولد واحد على اثنين وثلاثة واربعة -روى- ان شريكا التابعى وهو احد فقهاء المدينة كان رابع اربعة فى بطن امه. وقال الشافعى اخبرنى شيخ باليمن ان امرأته ولدت بطونا فى كل بطن خمسة وقيل هو دم الحيض فانه يقل ويكثر وقيل غيض الارحام فى الرحم فاذا اهراقت الدم ينتقص الغذاء فينتقص الولد واذا لم تحض يزداد الولد ويتم النقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم {وكل شيء عنده} تعالى {بمقدار} [باندازه است كه ازان زياده وكم نشود]. وفى بحر العلوم مقدر مكتوب فى اللوح معلوم قبل كونه قد علم حاله وزمانه ومتعلقه. وفى التبيان اى بحد لا يجاوزه من رزق واجل

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير "المتعالي" بياء في الوصل والوقف الا المالكي والعطار عن الزبيبى ويعقوب، وروى المالكي والعطار عن الزبيبي بياء في الوقف دون الوصل. الباقون بغير ياء في الحالين. وروي عن ابي عمير - في رواية شاذة - مثل ابن كثير، قال أبو علي: اثبات الياء في الحالين هو القياس، وليس ما فيه الالف واللام من هذا الباب كما لا الف فيه ولام نحو قاض وغاز. قال سيبويه إذا لم يكن في موضع تنوين يعنى اسم الفاعل فان الاثبات اجود في الوقف نحو هذا القاضي، وهذا الغازي، لانها ثابتة في الوصل يريد ان الياء مع الالف واللام تثبت ولا تحذف كما تحذف من اسم الفاعل إذا لم يكن فيه الالف واللام، نحو هذا قاض، فاعلم، فالياء مع غير الالف واللام تحذف في الوصل، فاذا حذفت في الوصل كان القياس ان تحذف في الوقف. وهي اللغة والأقيس. فأما إذا حذفت الالف واللام، ولا يحذف اللام - في اللغة التي هي اكثر عند سيبويه، فأما من حذف في الوصل والوقف فلأن سيبويه زعم ان من العرب من يحذف هذا في الوقف شبهه بما ليس فيه الف ولام إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين لو لم يكن الف ولام. واما حذفهم لها في الوصل فلم يكن القياس، لانه لم يضطر الى حذفه لشيء كما اضطر ما لا الف ولام فيه للتقاء الساكنين، فكرهوا حركة الياء بالضم والكسر لكن حذف؛ كما حذف في الفواصل وما اشبه الفواصل تشبيهاً بالقوافي. اخبر الله تعالى انه عز وجل {يعلم ما تحمل كل أنثى} من علقة او مضغة ومن ذكر او انثى ومن زائد او ناقص وعلى جميع احواله وصفاته، لانه عالم لنفسه. (والحمل) بفتح الحاء ما كان في البطن - وبكسرها - ما كان على الظهر. وقوله "وما تغيض الأرحام" وما تزداد، وقيل فيه ثلاثة اقوال: الأول ما ينقص من ستة أشهر وما يزداد لان الولد يولد لستة اشهر فيعيش ويولد لسنتين فيعيش ذهب اليه الضحاك. الثاني - قال الحسن ما ينقص بالسقط وما يزداد بالتمام. الثالث قال ابن زيد ما ينقص بغور النطفة وظهور دم الحيض فينقص تلك الايام، لانه لا يعتد بها في الحمل وينقص حال الولد وما يزداد من الاشهر، وفي حال الولد. وقال الفراء الغيض النقصان، تقولون: غاضت المياه اي نقصت، وفي الحديث"حديث : اذا كان الشتاء غيضاً والولد غيضاً وغاضت الكرم غيضاً وفاضت اللئام فيضاً"تفسير : وقال الزجاج الغيض النقصان. وقوله {وكل شيء عنده بمقدار} قيل في معناه قولان: احدهما - ان جميع ما يفعله الله على مقدار ما تدعو اليه الحكمة من غير نقصان ولا زيادة، وقال قتادة: معناه كل شيء عنده بمقدار في الرزق والاجل. والمقدار مثال يقدر به غيره. ثم اخبر تعالى أنه عالم بما غاب عن الحواس وبما ظهر لها فالغيب كون الشيء بحيث يخفى عن الحس، يقال غاب يغيب، فهو غائب. والشهادة حصول الشيء بحيث يظهر للحس ومنه الشاهد خلاف الغائب. ويقال شهد في المصر اذا حضر فيه. ومنه قوله {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : اي من حضر المصر فيه، وانما قال {عالم الغيب} مع ان الله تعالى لا يغيب عنه شيء، لأنه اراد ما غاب عن احساس العباد. وقيل انه اراد انه يعلم المعدوم والموجود، فالغيب هو المعدوم. وقال الحسن: الغيب السر، والشهادة العلانية. وقوله {الكبير المتعال} فالكبير هو السيد المقتدر. ومعناه الاكبر بسعة مقدوره. والمتعالي المقتدر بما يستحيل ان يكون أعلى منه في الاقتدار أو مساوياً له، فهو أقدر من كل قادر، ولهذا استحالت مساواته في المقدور، لان من لا يساويه أحد في المقدور فهو أعلى في المقدور، كأنه قال: تعالى مقدوره الى ما يستحيل ان يكون اعلى منه. وقال الحسن: المتعالي عما يقول المشركون فيه.

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهُ يَعْلَمُ} استيناف كلامٍ لاظهار كمال علمه وقدرته فى مقابل الآلهة الّتى هى فى كمال العجز والجهل ليكون حجّة على صحّة دعوته وبطلان دعوتها {مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} من كلّ نوع من الحيوان يعلم عدد المحمول وذكره وانثاه وحسنه وقبيحه {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} قد فسّر فى الاخبار غيض الارحام بنقصان عدد الايّام عن تسعة اشهر وبعدم الحمل، وفسّر بمطلق النّقص سواء كان فى عدد الايّام او الخلقة او فى نقص الرّحم بعدم الحمل او فى اسقاط الجنين قبل التّمام، وعلى هذا يجوز حمل ما تحمل على مدّة تحمل فيها يكون ما مصدريّة او موصولة {وَمَا تَزْدَادُ} على تسعة اشهر او مطلق الزّيادة فى الخلقة او فى عدد الايّام او فى عدد المحمول بان يكون اثنين او ثلاثة، وقد ورد فى الاخبار انّ المرأة ما رأت الدّم فى ايّام الحمل يزداد عدد الايّام على تسعة اشهر بعدده {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} لا يتجاوزه ولا ينقص عنه.

الأعقم

تفسير : {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} يعني ذكر أو أنثى واحد أو أكثر يتم أو لا يتم {وما تغيض الأرحام وما تزداد} ما ينقص عن مدة الحمل وهي تسعة أشهر {وما تزداد} على تسعة أشهر من السنة والسنتين، وقيل: ما تغيض عن الواحد من الأخداج والاسقاه، وما تزداد على الواحد والاثنين، وقد يشتمل على واحد، وقد يشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة، وروي أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه، وعن الشافعي قد يكون إلى أربع سنين وإلى خمس عند مالك {وكل شيء عنده بمقدار} من الأرزاق والآجال، وقيل: هو عام في كل شيء {عالم الغيب} أي السر {والشهادة} ما ظهر {الكبير} الشأن فكل دونه {المتعال} المستعلي على كل شيء بقدرته. {سواء منكم من أسر القول} كتم وأخفى {ومن جهر به} أي أظهر {ومن هو مستخف بالليل} أي مستتر بالظلمات {له معقِّبات من بين يديه ومن خلفه} الآية نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أتى عامر بن الطفيل وأربد بن قيس هما بقتله فكفاهما الله تعالى فهلك أربد بالصاعقة وعامر، وقيل: هو عام يعني جماعات من الملائكة يعتقب في حفظه بأمر الله تعالى، وهي قراءة علي وابن عباس لأن بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم} من العافية والنعمة والحالة الجميلة بكثرة المعاصي، وقيل: حتى يغيّروا ما بأنفسهم من الطاعة فيجعلونها معصية {وإذا أراد الله بقوم سوءاً} أي عذاباً {فلا مردّ له} أي لا يردّه أحد {وما لهم من دونه من وال}، قيل: ملجأ، وقيل: ما يلي أمرهم ويمنع عنهم العذاب {هو الذي يريكم البرق} وهو النار التي خلقها الله في السحاب، وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الرعد ما هو؟ فقال: "حديث : ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب" تفسير : وعن الحسن خلق من خلق الله تعالى ليس بملك، وقيل: الرعد هو صوت ذلك الملك {خوفاً} من الصواعق {وطمعاً} في الغيث، وقيل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم {ويسبح الرعد بحمده}، قيل: الرعد هو الصوت المسموع من ناحية السحاب، وقيل: الرعد اسم الملك وكذلك البرق {والملائكة من خيفته} أي من خيفة الله سبحانه يعني ينزهون الله تعالى ويحمدونه خوفاً من عقابه {ويرسل الصواعق} أي ينزلها من السماء وهي النار الساقطة {فيصيب بها من يشاء} أي يهلك {وهم يجادلون في الله} أي يحاجون أهل التوحيد، وقيل: كان جدالهم قولهم أنه ذهب أو فضة، وقيل: جدالهم قولهم في القرآن والرسول سحر {وهو شديد المحال} أي شديد القوة، وقيل: الأخذ والانتقام.

اطفيش

تفسير : {الله يعْلَم ما تحْمِل كلُّ أنثى} ما موصول اسمى، أى يعلم ما تحمله الأنثى قبل أن تحمله فى حال الحمل على أى حال من أحواله الحاضرة والمترقبة، كذكورة وأنوثة، وتمام ونقصان، وحسن وقبح، وطول وقصر، وبياض وسواد، أو موصول حرفى أى يعلم حمل كل أنثى. {وما تَغيضُ الأرْحامُ وما تزْدادُ} ما فى الموضعين موصول اسمى، أى وما تنقصه وما تزداده من عدد الولد وجسده، فإنه يكون عظيما وغير عظيم، ومدة الولادة والدم، فإنه يقل ويكثر، وأدخل بعضهم عدد الولد فى قوله: {ما تحمل كل أنثى} أو موصول حرفى، أى وغيض الأرحام وازديادها، والغيض النقص، يستعمل متعديا كقوله تعالى: {وغيض الماء} فالماء مفعول به ناب عن الفاعل، ولازما نحو: غاض الماء، أى نقص بنفسه، وكذا ازداد يكون مطاوع زاد المتعدى لاثنين، فيتعدى لواحد، أو يكون موافق المجرد المتعدى لواحد فيتعدى لواحد نحو: {وازدادوا تسعا} ويكون مطاوع المتعدى لواحد فيكون لازما، إذ يكون موافقا لزاد اللام فيكون لازما، وإذا جعلتهما لازمين تعين كون ما فى الموضعين موصولا حرفياً. إسناد الفيض والازدياد للأرحام مجاز عقلى فإنهما لله أو للولد، إلا إذا فسرا بنقص الدم وازدياده، فإسنادهما إلى الأرحام حقيقة، والدال الأولى من تزداد بدل التاء، ووزنه تفتعل، وأصله تزتيد، قلبت دالا ثم الياء ألفا لترحكها بعد فتح. وقيل: غيض الأرحام حيض الحامل، فإنه نقصان من الدم من داخل لخارج، ويلزم منه نقصان الولد، لأنه غذاؤه، وازديادها بقاء الدم فيها بعد مجيئه إليها من عروق الحامل، أو من حيث شاء الله، فلزم ازدياد الولد لوفور غذائه، وذلك قول الجمهور. وقيل: إذا حاضت فى وقت الحمل نقص الغذاء وازدادت مدة الحمل حتى يستكمل تسعة أشهر، وإن زادت على التسعة فالنقص فى الغذاء والزيادة تمام الحمل، ولعل هذا مذهب عكرمة، وقال الضحاك: غيض الرحم أن تسقط الولد والزيادة أن تضعه لمدة كاملة ونحوه عن قتادة، وقال الحسن: الغيض النقص عن تسعة أشهر، والزيادة زيادتها على التسعة، وأقل ما يوضع الولد إليه، ويعيش تمام ستة أشهر وخروجهن لا مع التمام، وأكثره سنتان عند أهل العراق، وأبى عبيدة، مسلم، وسفيان الثورى، وأهل الرأى، وأبى حنيفة، وعائشة. قال أبو يعقوب يوسف بن خلفون: ذكروا عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما ولدا على سنتين سنتين، وقال محمد بن عبد الله ابن الحكم: أكثره سنة، وقال مالك، والشافعى، وجماعة: أربع سنين، قال حماد بن أبى سلمة: سمى هرم بن حيان هرما لأنه بقى فى بطن أمه أربع سنين. وروى عن مالك أن أكثره خمس سنين لما بلغه أن امرأة ابن عجلان ولدت على خمس سنين، وقيل: لا حد لذلك، قال الزهرى: تحمل المرأة ست سنين وسبع سنين، ويكون الولد محشوشا، فى بطنها، وقد روى أن امرأة ولدت لعشرين سنة، وذلك نادر جدا، ومرجع ذلك أنه لا حد لأكثر عدد الولد فى البطن، فقد ولدت امرأة أربعة من بطن، وأخرى خمسة، وأخرى سبعة، وأخرى اثنى عشر، وأخرى سبعة عشر، وأخرى أربعين. قال الشافعى: جالست شيخا فى اليمن لأستفيد منه، فإذا بخمسة كهول قبلوا رأسه ودخلوا الخباء، ثم بخمسة شبان ففعلوا كذلك، ثم بخمسة ممنحطين، ثم بخمسة أحداث، فسألته عنهم فقال: كلهم أولادى وكل خمسة فى بطن، وأمهم واحدة، يجيئون كل يوم يسلمون على ويزورونها وخمسة أخرى فى المهد. ويقال: إن امرأة ولدت اثنى عشر فى بطن واحد، فرفع أمرها للسلطان فطلبها وأولادها، ولما ردهم عليها إلا واحد لم تعلم به حتى خرجت من القصر صاحت صيحة ارتج منها حيطان القصر، فقيل لها فى ذلك فقال: فُقد ولد من أولادى، فقيل: أليس لك فى هؤلاء الأحد عشر كفاية؟ قالت: والله ما صحت أنا وإنما صاحت الأحشاء التى ربوا فيها. وقال الماوردى: أخبرنى رجل ورد علىَّ من اليمن، وكان من أهل الفضل والدين، أن امرأة باليمن وضعت حملا كرشا فظن أن لا ولد فيه، فألقى فى الطريق، ولما طلعت عليه الشمس حمى فانشق عن سبعة ذكور عاشوا، وكانوا خلفا سويا، إلا أن فى أعضائهم قصرا وصارعت رجلا منهم فصرعنى، فكنت أعير باليمن، ويقال: أنت صرعك سُبْع رجل. وحكى القاضى حسين: أن واحد من السلاطين ببغداد تلد امرأته الإناث، فحملت مرة فقال لها: إن ولدْت أنثى قتلتك، فلما قرب ولادتها دعت الله تعالى فولدت أربعين ذكرا كل منهم كالأصبع وركبوا فرسانا مع أبيهم فى سوق بغداد. والآية دليل على كمال قدرة الله تعالى، فلو شاء إنزال ما اقترحوه أو هدايتهم لم يعجزه شئ عن ذلك ومن كتبها إلى {المتعال} فى خرقة خضراء بزعفران وماء ورد خالص، ثم يبخر الخرقة بزعفران وعود وعنبر، ويجعلها فى حق ويغطيها بحيث لا يراه أحد ولا شمس ولا قمر، فإذا كانت ليلة الأربعاء بعد صلاة العشاء الآخر فليأخذ مضجعه وليقل يا عالم بخفيات الأمور، يا من هو على كل شئ قدير أطلعنى على كل ما أريد إنك على كل شئ قدير، ثم يذكر الله تعالى حتى ينام فإنه يأتيه ليلة الجمعة من يخبره بما فى بطن الحامل أو موضع الدفين أو الخبيئة أو متى يقدم الغائب، أو متى يبرأ المريض، وما أشبه ذلك، والكتاب صبيحة الثلاثاء قبل طلوع الشمس مع صوم يوم الاثنين فى تطهر وتعطر ومبيت ليلة الثلاثاء على طهارة. {وكلُّ شىءٍ عنْدهُ بمقْدارٍ} كمية وكيفية، وزمان ومكان، وسبب لا يزيد ولا ينقص، ولا يقدم ويؤخر ويبدل.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } استئناف جواباً عن سؤال من يقول: لماذا لم يجابوا إلى المقترح فتنقطع حجتهم ولعلهم يهتدون؟ بأن ذلك أمر مدبر ببالغ العلم ونافذ القدرة لا عن الجزاف واتباع آرائهم السخاف، وجوز أن يراد بالهادي هو الله تعالى وروي ذلك عن ابن عباس والضحاك وابن جبير، فالتنوين فيه للتفخيم والتعظيم، وتوجيه الآية على ذلك أنهم لما أنكروا الآيات عناداً لكفرهم الناشىء عن التقليد ولم يتدبروا الآيات قيل: إنما أنت منذر لا هاد مثبت للإيمان في صدورهم صاد لهم عن جحودهم فإن ذلك إلى الله تعالى وحده وهو سبحانه القادر عليه، وعلى هذا قيل: يجوز أن يكون قوله سبحانه: {ٱللَّه} خبر مبتدأ محذوف أي هو الله ويكون ذلك تفسيراً ـ لهاد ـ و {يَعْلَم} جملة مقررة/ لاستقلاله تعالى بالهداية كالعلة لذلك، ويجوز أن يكون جملة {ٱللَّهُ يَعْلَمُ } مقررة ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر كأنه هو تعالى يعلم أي ذلك الهادي، والأول بعيد جداً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن جرير عن عكرمة وأبـي الضحى أن المنذر والهادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجه ذلك بأن {هَادٍ } عطف على {أية : مُنذِرٌ}تفسير : [الرعد: 7] و {لِكُلّ قَوْمٍ} متعلق به قدم عليه للفاصلة. وفي ذلك دليل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وشمول دعوته، وفيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجار والمجرور والنحويون في جوازه مختلفون، وقد يجعل {هَادٍ } خبر مبتدأ مقدر أي وهو هاد أو وأنت هاد، وعلى الأول فيه التفات، وقال أبو العالية: الهادي العمل، وقال علي بن عيسى: هو السابق إلى الهدى ولكل قوم سابق سبقهم إلى الهدى. قال أبو حيان: وهذا يرجع إلى أن الهادي هو النبـي لأنه الذي يسبق إلى ذلك وعن أبـي صالح أنه القائد إلى الخير أو إلى الشر والكل كما ترى. وقالت الشيعة: إنه علي كرم الله تعالى وجهه ورووا في ذلك أخباراً، وذكر ذلك القشيري منا. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والديلمي وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما نزلت {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ } تفسير : [الرعد:7] الآية حديث : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي كرم الله تعالى وجهه فقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعديتفسير : . وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» وابن أبـي حاتم والطبراني في "الأوسط" والحاكم وصححه وابن عساكر أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر وأنا الهادي، وفي لفظ والهادي رجل من بني هاشم ـ يعني نفسه ـ. واستدل بذلك الشيعة على خلافة علي كرم الله تعالى وجهه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل. وأجيب بأنا لا نسلم صحة الخبر، وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند أهل الأثر، وليس في الآية دلالة على ما تضمنه بوجه من الوجوه، على أن قصارى ما فيه كونه كرم الله تعالى وجهه به يهتدي المهتدون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يستدعي إلا إثبات مرتبة الإرشاد وهو أمر والخلافة التي نقول بها أمر لا تلازم بينهما عندنا. وقال بعضهم: إن صح الخبر يلزم القول بصحة خلافة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم حيث دل على أنه كرم الله تعالى وجهه على الحق فيما يأتي ويذر وأنه الذي يهتدى به وهو قد بايع أولئك الخلفاء طوعاً ومدحهم وأثنى عليهم خيراً ولم يطعن في خلافتهم فينبغي الاقتداء به والجري على سننه في ذلك ودون إثبات خلاف ما أظهر خرط القتاد. وقال أبو حيان: إنه صلى الله عليه وسلم على فرض صحة الرواية إنما جعل علياً كرم الله تعالى وجهه مثالاً من علماء الأمة وهداتها إلى الدين فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: يا علي هذا وصفك فيدخل الخلفاء الثلاث وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل وسائر علماء الأمة، وعليه فيكون معنى الآية إنما أنت منذر ولكل قوم في القديم والحديث إلى ما شاء الله تعالى هداة دعاة إلى الخير اهـ وظاهره أنه لم يحمل تقديم المعمول في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على الحصر الحقيقي وحينئذٍ لا مانع من القول بكثرة من يهتدي به، ويؤيد عدم الحصر ما جاء عندنا من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبـي بكر وعمر» تفسير : وأخبار أخر متضمنة لإثبات من يهتدي به غير علي كرم الله تعالى وجهه، وأنا أظنك لا تلتفت إلى التأويل ولا تعبأ بما قيل وتكتفي بمنع صحة الخبر وتقول ليس في الآية مما يدل عليه عين ولا أثر. هذا و {مَا } يحتمل أن تكون مصدرية أي يعلم حمل كل أنثى من أي الإناث كانت، والحمل على هذا بمعنى المحمول، وأن تكون موصولة والعائد محذوف أي/ الذي تحمله في بطنها من حين العلوق إلى زمن الولادة لا بعد تكامل الخلق فقط، وجوز أن تكون نكرة موصوفة و {يَعْلَم} قيل متعدية إلى واحد فهي عرفانية، ونظر فيه بأن المعرفة لا يصح استعمالها في علم الله تعالى وهو ناشىء من عدم المعرفة بتحقيق ذلك وقد تقدم، وجوز أن تكون استفهامية معلقة ـ ليعلم ـ وهي مبتدأ أو مفعول مقدم والجملة سادة مسد المفعولين، أي يعلم أي شيء تحمل وعلى أي حال هو من الأحوال المتواردة عليه طوراً فطوراً، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر المتبادر، وكما جوز في {مَا } هذه الأوجه جوزت في ما بعدها أيضاً، ووجه مناسبة الآية لما قبلها قد علم مما سبق، وقيل: وجهها أنه لما تقدم إنكارهم البعث وكان من شبههم تفرق الأجزاء واختلاط بعضها ببعض بحيث لا يتهيأ الامتياز بينها نبه سبحانه بهذه الآية على إحاطة علمه جل شأنه إزاحة لشبهتهم؛ وقيل: وجهها أنهم لما استعجلوا بالسيئة نبه عز وجل على إحاطة علمه تعالى ليفيد أنه جلت حكمته إنما ينزل العذاب حسبما يعلم من المصلحة والحكمة، وفي مصحف أبـي ومر ما قيل في نظيره {مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَضَعُ }. {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ } أي ما تنقصه وما تزداده في الجثة كالخديج والتام وروي ذلك عن ابن عباس، وفي المدة كالمولود في أقل مدة الحمل والمولود في أكثرها وفيما بينهما وهو رواية أخرى عن الحبر، قيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وإن هرم بن حيان لأربع ومن ذلك سمي هرماً، وإلى كون أقصى مدة الحمل أربع سنين ذهب الشافعي، وعند مالك أقصاها خمس، وعند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أقصاها سنتان وهو المروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج ابن جرير عنها لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما تتحرك فلكة مغزل، وفي العدد كالواحد فما فوق، قيل: ونهاية ما عرف أربعة فإنه يروى أن شريك بن عبد الله ابن أبـي نمير القرشي كان رابع أربعة وهو الذي وقف عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال الشافعي عليه الرحمة: أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطوناً في كل بطن خمسة وهذا من النوادر، وقد اتفق مثله لكن ما زاد على اثنين لضعفه لا يعيش إلا نادراً. وما يحكى أنه ولد لبعضهم أربعون في بطن واحدة كل منهم مثل الإصبع وأنهم عاشوا كلهم فالظاهر أنه كذب، وقيل: المراد نقصان دم الحيض وازدياده وروي ذلك عن جماعة، وفيه جعل الدم في الرحم كالماء في الأرض يغيض تارة ويظهر أخرى، وغاض جاء متعدياً ولازماً كنقص وكذا ازداد وهو مما اتفق عليه أهل اللغة، فإن جعلتهما لازمين لا يجوز أن تكون {مَا } موصولة أو موصوفة لعدم العائد، وإسناد الفعلين كيفما كانا إلى الأرحام فإنهما على اللزوم لما فيها وعلى التعدي لله جل شأنه وعظم سلطانه. {وَكُلُّ شىْء } من الأشياء {عِندَهُ } سبحانه {بِمِقْدَارٍ } بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] فإن كل حادث من الأعراض والجواهر له في كل مرتبة من مراتب التكوين ومباديها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد يجاوزه ولعل حال المعدوم معلوم بالدلالة إذا قلنا: إن الشيء هو الموجود و {عِندَ } ظرف متعلق بمحذوف وقع صفة لشيء أو لكل و {بِمِقْدَارٍ } خبر {كُلٌّ } وجوز أن يكون الظرف متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من ـ مقدار ـ وهو في الأصل صفة له لكنه لما قدم أعرب حالاً وفاءً بالقاعدة؛ وأن يكون ظرفاً لما يتعلق به الجار، والمراد بالعندية الحضور العلمي بل العلم الحضوري على ما قيل، فإن تحقق الأشياء في أنفسها في أي مرتبة كانت من مراتب الوجود/ والاستعداد لذلك علم بالنسبة إليه تعالى، وقيل: معنى عنده في حكمه.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية، فهو متصل بجملة { أية : الله الذي رفع السماوات } تفسير : [الرعد: 2] الخ. وهذه الجملة استئناف ابتدائي. فلما قامت البراهين العديدة بالآيات السابقة على وحدانية الله تعالى بالخلق والتدبير وعلى عظيم قدرته التي أودع بها في المخلوقات دقائق الخلقة انتقل الكلام إلى إثبات العلم له تعالى علماً عاماً بدقائق الأشياء وعظائمها، ولذلك جاء افتتاحه على الأسلوب الذي افتتح به الغرض السابق بأن ابتدىء باسم الجلالة كما ابتدىء به هنالك في قوله: { أية : اللّهُ الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها } تفسير : [الرعد: 2]. وجعلت هذه الجملة في هذا الموقع لأن لها مناسبة بقولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه}، فإن ما ذكر فيها من علم الله وعظيم صنعه صالح لأن يكون دليلاً على أنه لا يعجزه الإتيان بما اقترحوا من الآيات؛ ولكن بعثة الرسول ليس المقصد منها المنازعات بل هي دعوة للنظر في الأدلة. وإذ قد كان خلق الله العوالم وغيرها معلوماً لدى المشركين ولكنّ الإقبال على عبادة الأصنام يذهلهم عن تذكره كانوا غير محتاجين لأكثر من التذكير بذلك وبالتنبيه إلى ما قد يخفى من دقائق التكوين كقوله آنفاً { أية : بغير عَمد } تفسير : [الرعد: 2] ــــ وقوله: { أية : وفي الأرض قِطع متجاورات } تفسير : [الرعد: 4] الخ؛ صيغ الإخبار عن الخلق في آية: { أية : الله الذي رفع السماوات } تفسير : [الرعد: 2] الخ بطريقة الموصول للعلم بثبوت مضمون الصلة للمخبر عنه. وجيء في تلك الصلة بفعل المضي فقال: {الله الذي رفع السماوات} كما أشرنا إليه آنفاً. فأما هنا فصيغ الخبر بصيغة المضارع المفيد للتجدد والتكرير لإفادة أن ذلك العلم متكرر متجدد التعلق بمقتضى أحوال المعلومات المتنوعة والمتكاثرة على نحو ما قرر في قوله: { أية : يدبر الأمر يفصل الآيات } تفسير : [الرعد: 2]. وذُكر من معلومات الله ما لا نزاع في أنه لا يعلمه أحد من الخلق يومئذٍ ولا تستشار فيه آلهتهم على وجه المثال بإثبات الجُزئي لإثبات الكلّي، فما تحمل كل أنثى هي أجنة الإنسان والحيوان. ولذلك جيء بفعل الحمل دون الحَبْل لاختصاص الحبل بحمل المرأة. و{ما} موصولة، وعمومها يقتضي علم الله بحال الحل الموجود من ذكورة وأنوثة، وتمام ونقص، وحسن وقبح، وطول وقصر، ولون. وتغيض: تنقص، والظاهر أنه كناية عن العلوق لأن غيض الرحم انحباس دم الحيض عنها، وازديادها: فيضان الحيض منها. ويجوز أن يكون الغيض مستعاراً لعدم التعدد. والازدياد: التعدد أي ما يكون في الأرحام من جنين واحد أو عدة أجنة وذلك في الإنسان والحيوان. وجملة {وكل شيء عنده بمقدار} معطوفة على جملة {يعلم ما تحمل كل أنثى}. فالمراد بالشيء الشيء من المعلومات. و{عنده} يجوز أن يكون خبراً عن {وكل شيء} و{بمقدار} في موضع الحال من {وكل شيء}. ويجوز أن يكون {بمقدار} في موضع الحال من مقدار ويكون {بمقدار} خبراً عن {كل شيء}. والمقدار: مصدر ميمي بقرينة الباء، أي بتقدير، ومعناه: التحديد والضبط. والمعنى أنه يعلم كلّ شيء علماً مفصّلاً لا شيوع فيه ولا إبهام. وفي هذا ردّ على الفلاسفة غير المسلمين القائلين إنّ واجب الوجود يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات فراراً من تعلّق العلم بالحوادث. وقد أبطل مذهبهم علماءُ الكلام بما ليس فوقه مرام. وهذه قضية كلية أثبتت عموم علمه تعالى بعد أن وقع إثبات العموم بطريقة التمثيل بعلمه بالجزئيات الخفية في قوله: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد}. وجملة {عالم الغيب والشهادة} تذييل وفذلكة لتعميم العلم بالخفيات والظواهر وهما قسما الموجودات. وقد تقدم ذكر { أية : الغيب } تفسير : في صدر سورة البقرة (4). وأما {الشهادة} فهي هنا مصدر بمعنى المفعول، أي الأشياء المشهودة، وهي الظاهرة المحسوسة، المرئيات وغيرها من المحسوسات، فالمقصود من {الغيب والشهادة} تعميم الموجودات كقوله: { أية : فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون } تفسير : [الحاقة: 38 - 39]. والكبير: مجاز في العظمة، إذ قد شاع استعمال أسماء الكثرة وألفاظ الكبر في العظمة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس وشاع ذلك حتى صار كالحقيقة. والمتعالي: المترفع. وصيغت الصفة بصيغة التفاعل للدلالة على أن العلو صفة ذاتية له لا من غيره، أي الرفيع رفعة واجبة له عقلاً. والمراد بالرفعة هنا المجاز عن العزة التامة بحيث لا يستطيع موجود أن يغلبه أو يكرهه، أو المنزه عن النقائص كقوله عزّ وجلّ { أية : تعالى عما يشركون } تفسير : [النحل: 3]. وحذف الياء من {المتعال} لمرعاة الفواصل الساكنة لأن الأفصح في المنقوص غير المُنوّن إثبات الياء في الوقف إلاّ إذا وقعت في القافية أو في الفواصل كما في هذه الآية لمراعاة { أية : من وال } تفسير : [الرعد: 11]، و { أية : الآصال } تفسير : [الرعد: 15]. وقد ذكر سيبويه أن ما يختار إثباته من الياءات والواوات يحذف في الفواصل والقوافي، والإثبات أقيس والحذف عربي كثير.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ}. لفظة ما في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى وعلى هذا فالمعنى: يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح، وطول وقصر، وسعادة وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال. وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله: {أية : وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} تفسير : [لقمان: 34]. لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}تفسير : [النجم: 32]، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 6] الآية. ويحتمل أيضاً أن تكون لفظة ما في هذه الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل انثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضاً على هذا المعنى، كقوله: {أية : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} تفسير : [فاطر: 11]، وقوله: {أية : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}تفسير : [فصلت: 47] الآية. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع. وأما احتمال كون لفظة ما في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فيما يظهر لي، وإن قال به بعض اهل العلم، وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأعراف: 59] الخمس المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}تفسير : [لقمان: 34]، والاحتمالان المذكوران في لفظة ما من قوله: {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ} الآية، جاريان أيضاً في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد:8]، فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها. واختلف العلماء في المراد بقوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل "صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور": أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} قال: "هي المرأة ترى الدم في حملها". وأخرج ابن ابي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} قال: "خروج الدم" {وَمَا تَزْدَادُ} قال: "استمساكه". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} قال: "أن ترى الدم في حملها" {وَمَا تَزْدَادُ} قال: "في التسعة أشهر". وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} قال: "ما تزداد على التسعة وما تنقص من التسعة". وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُُ} قال: "ما دون تسعة أشهر {وَمَا تَزْدَاد} فوق التسعة". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُُ} يعني "السقط" {وَمَا تَزْدَاد} يقول: "ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومنهن من تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: "ما دون التسعة أشهر فهو غيض وما فوقها فهو زيادة". واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال: "ما غاضت الرحم بالدم يوماً إلا زاد في الحمل يوماً حتى تكمل تسعة أشهر طاهراً". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} قال: "السقط" وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: "إذا رأت الدم هش الولد وإذا لم تر الدم عظم الولد" اهـ "من الدر المنثور في التفسير بالمأثور". وقيل الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد كنقصان إصبع وغيرها وزيادة إصبع وغيرها. وقيل الغيض: انقطاع دم الحيض وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع. ذكر هذين القولين القرطبي: وقيل تغيض تشتمل على واحد وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر. قال مقيده - عفا الله عنه: مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده لأن معنى تغيض تنقص وتزداد أي تأخذه زائداً فيشمل النقص المذكور نقص العدد ونقص العضو من الجنين ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد، كما أن الازدياد يشمل زيادة العضو وزيادة العدد وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل وزيادة أمد الحمل عن القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله والآية تشمله كله. تنبيه. أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن أقل أمد الحمل وأكثره وأقل أمد الحيض وأكثر مأخوذ من طريق الاجتهاد لأن الله استأثر بعلم ذلك لقوله: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} الآية. ولا يجوز أن يحكم في شيء من ذلك إلا بقدر ما أظهره الله لنا ووجد ظاهراً في النساء نادراً أو معتاداً وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في أقل الحمل وأكثره، وأقل الحيض، وأكثره، ونرجح ما يظهر رجحانه بالدليل. فنقول وبالله تعالى نستعين. اعلم أن العلماء أجمعوا على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر وسيأتي بيان أن القرآن دل على ذلك لأن قوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] إن ضممت إليه قوله تعالى {أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}تفسير : [لقمان: 14] بقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهراً لمدة الحمل ستة أشهر فدل ذلك على أنها أمد للحمل يولد فيه الجنين كاملاً كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. وقد ولد عبد الملك بن مروان لستة أشهر وهذه الأشهر الستة بالأهلة كسائر أشهر الشريعة لقوله تعالى {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 189] الآية. قال القرطبي: "ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها حكاه ابن عطية اهـ". قال مقيده - عفا الله عنه: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن الشهر المعدود من أوله يعتبر على حاله من كمال أو نقصان وأن المنكسر يتمم ثلاثين، أما أكثر أمد الحمل فلم يرد في تحديده شيء من كتاب ولا سنة والعلماء مختلفون فيه وكلهم يقول بحسب ما ظهر له من أحوال النساء. فذهب الإمام أحمد والشافعي: إلى أن أقصى أمد الحمل أربع سنين وهو إحدى الروايتين المشهورتين عن مالك والرواية المشهورة الأخرى عن مالك خمس سنين وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقصاه سنتان وهو رواية عن أحمد وهو مذهب الثوري وبه قالت عائشة رضي الله عنها وعن الليث ثلاث سنين وعن الزهري ست وسبع وعن محمد بن الحكم سنة لا أكثر وعن داود تسعة أشهر. وقال ابن عبد البر هذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء وقال القرطبي "روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل فقال: سبحان الله من يقول هذا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين وكانت تسمى حاملة الفيل". وروي أيضاً بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ جاءه رجل فقال: "يا أبا يحيى ادع لامرأتي حبلى منذ أربع سنين قد أًصبحت في كرب شديد" فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: "ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء" ثم قرأ ثم دعا ثم قال: "اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها وإن كان كان في بطنها جارية فأبدلها غلاماً فإنك تمحو وتثبت وعند أم الكتاب" ورفع مالك يده ورفع الناس أيديهم وجاء الرسول إلى الرجل فقال أدرك امرأتك فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت سراره. وروي أيضاً أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين: "إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى" فشاور عمر الناس في رجمها فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع" فتركها فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه فعرف الرجل الشبه فقال: "ابني ورب الكعبة" فقال عمر: "عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر". وقال الضحاك: "وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني". ويذكر عن مالك أنه حمل به بطن أمه سنتان وقيل ثلاث سنين، ويقال إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه، وقال حماد بن سلمة إنما سمي هرم بن حيان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين. وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين وقد طلعت سنه فسمي ضحاكاً. وعن عباد بن العوام قال: "ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه فمر به طير فقال له كش" اهـ كلام القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه: أظهر الأقوال دليلاً أنه لا حد لأكثر أمد الحمل وهو الرواية الثالثة عن مالك كما نقله عنه القرطبي لأن كل تحديد بزمن معين لا أصل له ولا دليل عليه وتحديد زمن بلا مستند صحيح لا يخفى سقوطه والعلم عند الله تعالى. وأما أقل الحيض وأكثره فقد اختلف فيه العلماء أيضاً فذهب مالك إلى أن أقل الحيض بالنسبة إلى العبادة كالصوم ووجوب الغسل لا حد له بل لو نزلت من المرأة قطرة دم واحدة لكان حيضة بالنسبة إلى العبادة، أما بالنسبة إلى الاستبراء والعدة فقيل كذلك أيضاً، والمشهور أنه يرجع في قدر ذلك للنساء العارفات بالقدر الذي يدل على براءة الرحم من الحيض قال خليل بن إسحاق في مختصره الذي قال فيه مبيناً لما به الفتوى ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه إلى قوله للنساء أي رجع في ذلك كله للنساء اهـ. والظاهر أنه عند مالك من قبيل تحقيق المناط والنساء أدرى بالمناط في ذلك. أما أكثر الحيض عند مالك فهو بالنسبة إلى الحيضة الأولى التي لم تحض قبلها نصف شهر، ثم إن تمادى عليها الدم بعد نصف الشهر فهي مستحاضة وأما المرأة التي اعتادت الحيض فأكثر مدة حيضها عنده هو زيادة ثلاثة أيام استظهاراً على أكثر أزمنة عادتها إن تفاوت زمن حيضها فإن حاضت مرة ستاً ومرة خمساً ومرة سبعاً استظهرت بالثلاثة على السبعة لأنها أكثر عادتها ومحل هذا إذا لم يزد ذلك على نصف الشهر فإن زاد على نصف الشهر فهي طاهر عند مضي نصف الشهر وكل هذا في غير الحامل وسيأتي الكلام في هذا المبحث إن شاء الله على الدم الذي تراه الحامل. هذا حاصل مذهب مالك في أقل الحيض وأكثره وأما أكثر الطهر فلا حد له ولا خلاف في ذلك بين العلماء وأقل الطهر في مذهب مالك لم يصرح به مالك بل قال يسأل النساء عن عدد أيام الطهر. وقال الشيخ أبو محمد في رسالته إنه نحو ثمانية أيام أو عشرة أيام. وقال ابن سراج: "ينبغي أن تكون الفتوى بذلك" لأن الشيخ أبا محمد استقرأ ذلك من "المدونه" وهو قول سحنون وقال ابن مسلمة "أقل الطهر في مذهب مالك خمسة عشر يوماً" واعتمده صاحب "التلقين" وجعله ابن شاس المشهور وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره حيث قال وأكثره لمبتدئه نصف شهر كأقل الطهر. وذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله في المشهور الصحيح عنهما أن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً وهو قول عطاء وأبي ثور وأقل الطهر عند الشافعي باتفاق أصحابه خمسة عشر يوماً ونقل الماوردي عن أكثر أهل العلم أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً وقال الثوري أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً. قال أبو ثور وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم. وذهب الإمام أحمد إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً. روى عنه ذلك الأثرم وأبو طالب. وقد قدمنا مراراً أن أكثر الطهر لا حد له إجماعاً. قال النووي في شرح المهذب: ودليل الإجماع الاستقراء: لأن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال: "أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يوماً وليلة وهي صحيحة تحبل وتلد ونفاسها أربعون يوما". وذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة. وعن أبي يوسف: أقله يومان وأكثر الثالث. وأقل الطهر عند أبي حنيفة وأصحابه: خمسة عشر يوماً ولا حد لأكثره عنده، كما قدمنا حكاية الإجماع عليه مراراً، ويستثنى من ذلك مراعاة المعتادة المستحاضة لزمن طهرها وحيضها. وعن يحيى بن أكثم: أقل الطهر تسعة عشر يوماً. وحكى الماوردي عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض. إحداها: خمسة عشر، والثانية: سبعة عشر، والثالثة: غير محدودة. وعن مكحول: أكثر الحيض سبعة أيام، وعن عبد الملك بن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام. ويحكى عن نساء الماجشون: أنهن كن يحضن سبع عشرة. قال أحمد: "وأكثر ما سمعنا سبع عشرة". هذا حاصل أقوال العلماء في أقل الحيض وأكثره، وهذه أدلتهم. أما أبو حنيفة ومن وافقه، فاحتجوا لمذهبهم أن أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة بحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ". تفسير : وبما روي عن ابي أمامة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام ولا أقل من ثلاثة أيام"تفسير : وبما روي عن أنس رضي الله عنه قال: "الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر" قالوا: وأنس لا يقول هذا إلا توقيفاً. قالوا: ولأن هذا تقدير، والتقدير لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق، وإنما حصل الاتفاق على ثلاثة، ورد الجمهور الاستدلال بالأحاديث المذكورة بأنها ضعيفة لا تثبت بمثلها حجة. قال النووي في شرح المهذب ما نصه: "وأما حديث واثلة وأبي أمامة وأنس، فكلها ضعيفة متفق على ضعفها عند المحدثين. وقد أوضح ضعفها الدارقطني ثم البيهقي في كتاب الخلافيات ثم السنن الكبير" اهـ. وقال ابن قدامة في المغني: حديث واثلة يرويه محمد بن أحمد الشامي وهو ضعيف عن حماد بن المنهال وهو مجهول. وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب وهو ضعيف. قال ابن عيينة هو حديث لا أصل له. وقال أحمد في حديث أنس: ليس هو شيئاً هذا من قبل الجلد بن أيوب قيل إن محمد بن إسحاق رواه. قال ما أراه سمعه إلا من الحسن بن دينار وضعفه جداً. وقال يزيد بن زريع ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا بالجلد بن أيوب وحديث الجلد قد روي عن علي رضي الله عنه ما يعارضه، فإنه قال ما زاد على خمسة عشر استحاضة وأقل الحيض يوم وليلة. وقال البيهقي في السنن الكبرى فهذا حديث يعرف بالجلد بن أيوب، وقد أنكر عليه ذلك. وقال البيهقي أيضاً قال ابن علية الجلد أعرابي لا يعرف الحديث. وقال أيضاً قال الشافعي نحن وأنت لا نثبت مثل حديث الجلد، ونستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا. وقال أيضاً قال سليمان بن حرب كان حماد يعني ابن زيد يضعف الجلد ويقول لم يكن يعقل الحديث. وروى البيهقي أيضاَ بإسناده عن حماد بن زيد قال ذهبت أنا وجرير بن حازم إلى الجلد بن أيوب فحدثنا بحديث معاوية بن قرة عن أنس في الحائض، فذهبنا نوقفه، فإذا هو لا يفصل بين الحائض والمستحاضة. وروي أيضاً بإسناده عن أحمد بن سعيد الدارمي قال سألت أبا عاصم عن الجلد بن أيوب فضعفه جداً وقال كان شيخاً من مشايخ العرب تساهل أصحابنا في الرواية عنه. وروى البيهقي أيضاً عن عبد الله بن المبارك أن أهل البصرة كانوا ينكرون حديث الجلد بن أيوب ويقولون شيخ من شيوخ العرب ليس بصاحب حديث. قال ابن المبارك وأهل مصره أعلم به من غيرهم. قال يعقوب وسمعت سليمان بن حرب وصدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنهم كانوا يضعفون الجلد بن أيوب ولا يرونه في موضع الحجة. وروي بإسناده أيضاً عن ابن عيينة أنه كان يقول ما جلد ومن جلد ومن كان جلد. وروي بإسناده أيضاً عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي ذكر الجلد بن أيوب فقال: ليس يسوي حديثه شيئاً ضعيف الحديث اهـ. وإنما أطلنا الكلام في تضعيف هذا الأثر. لأنه أقوى ما جاء في الباب على ضعفه كما ترى. وقد قال البيهقي في السنن الكبرى "روي في أقل الحيض وأكثره أحاديث ضعاف قد بينت ضعفها في الخلافيات". وأما حجة من قال إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر، كالشافعي وأحمد ومن وافقهما، فهي أنه لم يثبت في ذلك تحديد من الشرع فوجب الرجوع إلى المشاهد في الوجود. والمشاهد أن الحيض لا يقل عن يوم وليلة ولا يزيد على نصف شهر. قالوا وثبت مستفيضاً عن السلف من التابعين فمن بعدهم وجود ذلك عيانا، ورواه البيهقي وغيره عن عطاء والحسن وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وربيعة وشريك والحسن بن صالح وعبد الرحمن بن مهدي رحمهم الله تعالى. قال النووي "فإن قيل روى إسحاق بن راهوية عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يوماً وعن ميمون بن مهران أن بنت سعيد بن جبير كانت تحته وكانت تحيض من السنة شهرين، فجوابه بما أجاب به المصنف في كتابه النكت أن هذين النقلين ضعيفان. فالأول عن بعضهم وهو مجهول وقد أنكره بعضهم، وقد أنكره الإمام مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة. والثاني رواه الوليد بن مسلم عن رجل عن ميمون، والرجل مجهول. والله أعلم" اهـ. وأما حجة مالك في أكثر الحيض للمبتدئة، فكحجة الشافعي وأحمد وحجته في أكثره للمعتادة ما رواه الإمام مالك وأحمد والشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال "حديث : لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهم من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغسل ولتستشفر ثم تصلي" تفسير : اهـ. وهذا الحديث نص في الرجوع إلى عادة الحائض. قال ابن حجر في التلخيص "في هذا الحديث قال النووي إسناده على شرطهما" وقال البيهقي "هو حديث مشهور، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة" وفي رواية لأبي داود عن سليمان أن رجلاً أخبره عن أم سلمة، وقال المنذري لم يسمعه سليمان منها. وقد رواه موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان عن مرجانة عنها، وساقه الدارقطني من طريق صخر بن جويرة عن نافع عن سليمان أنه حدثه رجل عنها. اهـ. وللحديث شواهد متعددة تقوي رجوع النساء إلى عادتهن في الحيض كحديث حمنة بنت جحش، وحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأما زيادة ثلاثة أيام، فهي لأجل الاستظهار والتحري في انقضاء الحيضة ولا أعلم لها مستنداً من نصوص الوحي الثابتة، وأما حجة مالك في أقل الحيض بالنسبة إلى العبادات فهي التمسك بظاهر إطلاق النصوص ولم يرد نص صحيح في التحديد. وأما أقله بالنسبة إلى العدة والاستبراء فحجته فيه أنه من قبيل تحقيق المناط لأن الحيض دليل عادي على براءة الرحم فلا بد فيما طلبت فيه بالحيض الدلالة على براءة الرحم من حيض يدل على ذلك بحسب العادة المطردة، ولذا جعل الرجوع في ذلك إلى النساء العارفات بذلك لأن تحقيق المناط يرجع فيه لمن هو أعرف به وإن كان لاحظ له من علوم الوحي، وحجة يحيى بن أكثم في قوله "إن أقل الطهر تسعة عشر" هي أنه يرى أن أكثر الحيض عشرة ايام وأن الشهر يشتمل على طهر وحيض، فعشرة منه للحيض والباقي طهر. وقد يكون الشهر تسعاً وعشرين فالباقي بعد عشرة الحيض تسعة عشر. هذا هو حاصل أدلتهم وليس على شيء منها دليل من كتاب ولا سنة يجب الرجوع إليه. وأقرب المذاهب في ذلك هو أكثرها موافقة للمشاهد ككون الحيض لا يقل عن يوم وليلة ولا يكثر عن نصف شهر، وكون أقل الطهر نصف شهر والله تعالى أعلم. مسألة اختلف العلماء في الدم الذي تراه الحامل هل هو حيض أو دم فساد فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه إلى أنه حيض وبه قال قتادة والليت وروي عن الزهري وإسحاق وهو الصحيح عن عائشة. وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد إلى أنه دم فساد وعلة، وأن الحامل لا تحيض وبه قال جمهور التابعين منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن المنكدر، والشعبي ومكحول، وحماد والثوري والأوزاعي وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ثور، واحتج من قال إن الدم الذي تراه الحامل حيض بأنه دم بصفات الحيض في زمن إمكانه، وبأنه متردد بين كونه فساداً لعلة أو حيضاً، والأصل السلامة من العلة، فيجب استصحاب الأصل. واحتج من قال بأنه دم فساد بأدلة منها: ما جاء في بعض "حديث : روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته في الحيض أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً"تفسير : . وهذه الرواية أخرجها أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. قالوا: قد جعل صلى الله عليه وسلم الحمل علامة على عدم الحيض، كما جعل الطهر علامة لذلك. ومنها: حديث "حديث : لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة" تفسير : رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وصححه الحاكم وله شواهد، قالوا: فجعل صلى الله عليه وسلم الحيض علامة على براءة الرحم فدل ذلك على أنه لا يجتمع مع الحمل. ومنها أنه دم في زمن لا يعتاد فيه الحيض غالباً فكان غير حيض قياساً على ما تراه اليائسة بجامع غلبة عدم الحيض في كل منهما. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله "إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم". ومنها: أنه لو كان دم حيض ما انتفت عنه لوازم الحيض. فلما انتفت عنه دل ذلك على أنه غير حيض، لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، فمن لازم الحيض حرمة الطلاق، ودم الحامل لا يمنع طلاقها، للحديث المذكور آنفاً الدال على إباحة طلاق الحامل والطاهر، ومن لازم الحيض أيضاً انقضاء العدة به ودم الحامل لا أثر له في انقضاء عدتها لأنها تعتد بوضع حملها لقوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] وفي هذه الأدلة مناقشات ذكر بعضها النووي في شرح المهذب. واعلم أن مذهب مالك التفصيل في أكثر حيض الحامل فإن رأته في شهرها الثالث إلى انتهاء الخامس تركت الصلاة نصف شهر ونحوه وفسروا نحوه بزيادة خمسة أيام فتجلس عشرين يوماً، فإن حاضت في شهرها السادس فما بعده تركت الصلاة عشرين يوماً ونحوها، وفسروا نحوها بزيادة خمسة أيام فتجلس خمساً وعشرين. وفسره بعضهم بزيادة عشرة، فتجلس شهراً، فإن حاضت الحامل قبل الدخول في الشهر الثالث. فقيل حكمه حكم الحيض في الثالث وقد تقدم. وقيل حكمه حكم حيض غير الحامل، فتجلس قدر عادتها وثلاثة أيام استظهاراً. وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله: والحامل بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عشرون يوماً ونحوها وهل ما قبل الثلاثة كما بعدها أو كالمعتادة: قولان. هذا هو حاصل كلام العلماء في أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر وأكثره وأدلتهم في ذلك ومسائل الحيض كثيرة، وقد بسط العلماء الكلام عليها في كتب الفروع. مسأله اختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره أيضاً فذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يوماً، وبه قال عطاء والأوزاعي والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطاة وأبو ثور وداود، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال أدركت الناس يقولون أكثر النفاس ستون يوماً، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن أكثره أربعون يوماً وعليه أكثر العلماء. قال أبو عيسى الترمذي أجمع أهل العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي اهـ. قال الخطابي وقال أبو عبيد وعلى هذا جماعة الناس وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة وابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد اهـ. وحكى الترمذي وابن المنذر وابن جرير وغيرهم عن الحسن البصري أنه خمسون. وروي عن الليث أنه قال: قال بعض الناس: إنه سبعون يوماً. وذكر ابن المنذر عن الأوزاعي عن أهل دمشق: أن أكثر النفاس من الغلام ثلاثون يوماً، ومن الجارية أربعون. وعن الضحاك: أكثره أربعة عشر يوماً. قاله النووي. وأما أقل النفاس فهو عند مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في أصح الروايات عنه لا حد له وهو قول الجمهور العلماء. وعن أبي حنيفة: أقله أحد عشر يوماً. وعنه أيضاً. خمسة وعشرون. وحكى الماوردي عن الثوري أقله ثلاثة أيام. وقال المزني: أقله أربعة أيام، وأما أدلة العلماء في أكثر النفاس وأقله، فإن حجة كل من حدد أكثره بغير الأربعين هي الاعتماد على المشاهد في الخارج، وأكثر ما شاهدوه في الخارج ستون يوماً، وكذلك حججهم في أقله فهي أيضاً الاعتماد على المشاهد في الخارج، وقد يشاهد الولد يخرج ولا دم معه، ولذا كان جمهور العلماء على أن أقله لا حد له، وأما حجة من حدده بأربعين، فهي ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلس أربعين يوماً" الحديث. روي هذا الحديث من طريق علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل واسمه كثير بن زياد عن مسة الأزدية عن أم سلمة وعلي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل وثقه البخاري وضعفه ابن حبان. وقال ابن حجر: لم يصب في تضعيفه. وقال في التقريب في أبي سهل المذكور ثقة. وقال في التقريب في مسة المذكورة مقبولة. وقال النووي في شرح المهذب في حديث أم سلمة هذا حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. قال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث ويعتضد هذا الحديث بأحاديث بمعناه من رواية أبي الدرداء وأنس ومعاذ وعثمان بن أبي العاص وأبي هريرة رضي الله عنهم. وقال النووي أيضاً بعد هذا الكلام: "واعتمد أكثر أصحابنا جواباً آخر وهو تضعيف الحديث. وهذا الجواب مردود، بل الحديث جيد كما سبق". وأجاب القائلون بأن أكثر النفاس ستون عن هذا الحديث الدال على أنه أربعون بأجوبة أوجهها عندي أن الحديث إنما يدل على أنها تجلس أربعين ولا دلالة فيه على أن الدم إن تمادى بها لم تجلس أكثر من الأربعين فمن الممكن أن تكون النساء المذكورة في الحديث لم يتماد الحيض بها إلا أربعين فنص الحديث على أنها تجلس الأربعين ولا ينافي أن الدم لو تمادى عليها أكثر من الأربعين لجلست أكثر من الأربعين ويؤيده أن الأوزاعي رحمه الله قال: "عندنا امرأة ترى النفاس شهرين" وذلك مشاهد كثيراً في النساء. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 8- الذى أعطى الرسول تلك المعجزة الكبرى هو الذى يعلم كل شئ، ويعلم النفوس الإنسانية من وجودها نطفة فى الرحم إلى موتها، فيعلم ما تحمل كل أنثى من أجنة ليس فقط من ذكورة أو من أنوثة، وما تنقصهُ الأرحام وما تزداد به وقتاً بعد آخر حتى تنتهي مدة الحمل ويتكامل نمو الجنين ويظهر في الوجود كل شيء عنده سبحانه بقدر معلوم وله زمان معلوم وإنما يعلم حال الجنين ومستقبله فى حياته الدنيا شقى أم سعيد، مؤمن أم كافر، غنى أم فقير، ومقدار أجله فى الدنيا وكل ما يتصل بشئونه فى الحياة. 9- هو الذى يعلم ما يغيب عن حسنا، ويعلم ما نشاهده علماً، أعظم مما نشاهد ونرى، وهو سبحانه العظيم الشأن الذى يعلم كل ما فى الوجود. 10- يعلم كل أحوالكم فى حياتكم، وكل أقوالكم وأعمالكم، فيعلم ما تسرون، وما تعلنون من أفعال وأقوال، ويعلم استخفاءكم بالليل وبروزكم بالنهار، والكل فى علمه سواء. 11- وأن الله سبحانه هو الذى يحفظكم، فكل واحد من الناس له ملائكة تحفظه بأمر الله وتتناوب على حفظه من أمامه ومن خلفه، وأن الله سبحانه لا يغير حال قوم من شدة إلى رخاء، ومن قوة إلى ضعف، حتى يغيروا ما بأنفسهم بما يتناسب مع الحال التى يصيرون إليها، وإذا أراد الله أن ينزل بقوم ما يسوؤهم فليس لهم ناصر يحميهم من أمره، ولا من يتولى أمورهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم. 12- وإن قدرة الله تعالى فى الكون بارزة آثارها ظاهرة، فهو الذى يريكم البرق فترهبون منظره، أو تخافون أن ينزل عليكم المطر من غير حاجة إليه فيفسد الزرع، أو تطمعون من وراء البرق فى مطر غزير تحتاجون إليه ليصلح الزرع. وهو الذى يكوِّن السحب المملوءة بالأمطار.

القطان

تفسير : وما تغيض الارحام: ما تنقص. غاض: نقص وغاب. عالم الغيب والشهادة: الغيب كل ما هو غائب عنا، والشهادة: الحاضر المشاهد. المتعالي: المستعلي على كل شيء. سارب: ذاهب على وجهه، ويقال سرب في حاجته. معقبات: ملائكة يحفظونه. من وال: من ناصر. الله يعلم ما تحمله كل انثى في غيابات الأرحام من ذَكرٍ أو أنثى، واحداً أو اكثر، وما تنقصه تلك الارحام من خلوِّها من الولد، وما تزداد بولادتها وقتاً بعد آخر.. كلُّ شيء عنده بقَدْرٍ معلوم وله زمان معلوم. {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ}. هو الذي يعمل ما احتجَبَ وغاب عن حِسِّنا، كما يعلم ما نشاهده في حاضِرنا عِلماً أعظمَ مما نشاهد ونرى، وهو سبحانه الكبيرُ العظيمُ المستعلي على كل شيء. قراءات: قرأ ابن كثير: "المتعالي" باثبات الياء. ثم بين الله تعالى ان عِلْمه شاملٌ لجميع الأشياء فقال: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ}. ان عِلْمَه شاملٌ لكلّ شيء في هذا الوجود، يعلَم كلَّ أحوالِكم وأقوالكم في حياتكم، ومن أسرَّ القولَ او جَهَر به عندَه، سواءٌ، لأنه يعلم استخفاءَكم باللَّيل، وظهروكم بالنهار. {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ...}. كل واحدٍ من الناس له ملائكة تحفَظه بأمرِ الله، وتتناوبُ على حفظه في كل حال. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. ان الله تعالى لا يغير النعمة على قوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهِم، وكذلك لا يغير ذلة او مهانة الا ان يغير الناس من اعمالهم وواقع حياتهم، وأكبر دليلٍ على ذلك واقُعنا اليوم من تفكّك وتمزق.. فنحن العربَ والمسلمين نملك اكبر ثروة في العالم، ونعيش على أعظم بقاع الارض، ومع ذلك نعاني من الذل والفقر والمرض والجهل وكل ذلك بسبب تردي أحوالِنا وبُعدِنا عن ربّنا، وفي ذلك عبرة كبيرة لنا. {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }. اذا أراد اللهُ ان يُنزلَ بقومٍ ما يسوءهم فليس لهم ناصرٌ يحمِيهم من أمْرِه، ولا من يتولّى امورَهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عِلْمِهِ الذِي لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ، فَإِنَّهُ مُحِيطٌ بِمَا تَحْمِلُهُ الحَوَامِلُ مِنْ إِنَاثِ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ. وَيَعْلَمُ مَا تُنْقِصُهُ الأًَرْحَامُ (تَغِيضُهُ) وَمَا تَزْدَادُهُ مِنْ عَدَدٍ فِي الوَلَدِ (فَقَدْ يَكُونُ وَاحِداً أَوْ أَكْثَرَ) وَقَدْ يَكُونُ تَامّاً فِي الخَلْقِ، أَوْ نَاقِصاً فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، وَشَقِيّاً أَوْ سَعِيداً، وَحَسَناً أَوْ قَبِيحاً ... وَمَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ الجَنِينِ فِي حَيَاتِهِ، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَ اللهِ بِأَجَلٍ وَتَقْدِيرٍ. لَقَدْ حَفِظَ اللهُ آجَالَ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ، وَقَدَّرَ أَرْزَاقَهُمْ، وَجَعَلَ لُكِلِّ ذَلِكَ أَجَلاً مَعْلُوماً، وَمِقْدَاراً مَقْسُوماً. مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ - مَا تُسْقِطُهُ أَوْ تُنْقِصُهُ. بِمِقْدَارٍ - بِقَدَرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَعَدَّاهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما المناسبة التي يقول فيها الحق ذلك؟ لقد شاء الحق سبحانه أن يؤكد مسألة أن لكل قوم هادياً، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو منذر، وأن طلبهم للآيات المعجزة هو ابنٌ لرغبتهم في تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم. ولو جاء لهم الرسول بآية مما طلبوها لأصرُّوا على الكفر، فهو سبحانه العَالِم بما سوف يفعلون، لأنه يعلم ما هو أخفى من ذلك؛ يعلم - على سبيل المثال - ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. ونحن نعلم أن كُلَّ أنثى حين يشاء الله لها أن تحبل؛ فهي تحمل الجنين في رحمها؛ لأن الرحم هو مُسْتقرُّ الجنين في بطن الأم. وقوله تعالى: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ..} [الرعد: 8]. أي: ما تُنقص وما تُذهب من السَّقْط في أي إجهاض، أو ما ينقص من المواليد بالموت؛ فغاضت الأرحام، أي: نزلتْ المواليد قبل أن تكتمل خِلْقتها؛ كأن ينقص المولود عيناً أو إصبعاً؛ أو تحمل الخِلْقة زيادة تختلف عما نألفه من الخَلْق الطبيعي؛ كأن يزيد إصبع أو أن يكون برأسين. أو أن تكون الزيادة في العدد؛ أي: أن تلد المرأة تَوْأماً أو أكثر، أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن الحَمْل. وهكذا نعلم أنه سبحانه يعلم ما تغيض الأرحام. أي: ما تنقصه في التكوين العادي أو تزيده، أو يكون النظر إلى الزمن؛ كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم أو شهر أو شهران، ثم إلى ستة أشهر؛ وعند ذلك لا يقال إجهاض؛ بل يقال ولادة. وهناك مَنْ يولد بعد ستة شهور من الحمل أو بعد سبعة شهور أو ثمانية شهور؛ وقد يمتد الميلاد لسنتين عند أبي حنيفة؛ وإلى أربع سنوات عند الشافعي؛ أو لخمس سنين عند الإمام مالك، ذلك أن مدة الحمل قد تنقص أو تزيد. ويُقال: إن الضحاك وُلِد لسنتين في بطن أمه، وهرم بن حيان وُلِد لأربع سنين؛ وظل أهل أمه يلاحظون كِبَر بطنها؛ واختفاء الطَّمْث الشهري طوال تلك المدة؛ ثم ولدتْ صاحبنا؛ ولذلك سموه "هرم" أي: شاب وهو في بطنها. وهكذا نفهم معنى "تغيض" نَقْصاً أو زيادة؛ سواء في الخِلْقة أو للمدة الزمنية. ويقول الحق سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8]. والمقدار هو الكمية أو الكيف؛ زماناً أو مكاناً، أو مواهب ومؤهلات. وقد عَدَّد الحق سبحانه مفاتيح الغيب الخمس حين قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ..} تفسير : [لقمان: 34]. وقد حاول البعض أن يقيموا إشكالاً هنا، ونسبوه إلى الحضارة والتقدم العلمي، وهذا التقدم يتطرق إليه الاحتمال، وكل شيء يتطرق إليه الاحتمال يبطل به الاستدلال، وذلك بمعرفة نوعية الجنين قبل الميلاد، أهو ذكر أم أنثى؟ وتناسَوْا أن العلم لم يعرف أهو طويل أم قصير؟ ذكي أم غبي؟ شقي أم سعيد؟ وهذا ما أعجز الأطباء والباحثين إلى اليوم وما بعد اليوم. ثم إنْ سألتَ كيف عرف الطبيب ذلك؟ إنه يعرف هذا الأمر من بعد أن يحدث الحَمْل؛ ويأخذ عينة من السائل المحيط بالجنين، ثم يقوم بتحليلها، لكن الله يعلم دون أخذ عينة، وهو سبحانه الذي قال لواحد من عباده: {أية : يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ ..} تفسير : [مريم: 7]. وهكذا نعلم أن عِلْم الله لا ينتظر عيِّنة أو تجربة، فعِلْمه سبحانه أزليّ؛ مُنزَّه عن القصور، وهو يعلم ما في الأرحام على أي شكل هو أو لون أو جنس أو ذكاء أو سعادة أو شقاء أو عدد. وشاء سبحانه أن يجلي طلاقة قدرته في أنْ تحمل امرأة زكريا عليه السلام في يحيى عليه السلام، وهو الذي خلق آدم بلا أب أو أم؛ ثم خلق حواء من أب دون أم؛ وخلق عيسى من أم دون أب، وخلقنا كلنا من أب وأم، وحين تشاء طلاقة القدرة؛ يقول سبحانه: {أية : كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. والمثل - كما قلت - هو في دخول زكريا المحرابَ على مريم عليها السلام؛ فوجد عندها رزقاً؛ فسألها: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ..} تفسير : [آل عمران: 37]. قالت: {أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. وكان زكريا يعلم أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب؛ ولكن هذا العلم كان في حاشية شعوره؛ واستدعاه قول مريم إلى بُؤْرة الشعور، فزكريا يعلم عِلْم اليقين أن الله هو وحده مَنْ يرزق بغير حساب. وما أنْ يأتي هذا القول مُحرِّكاً لتلك الحقيقة الإيمانية من حافة الشعور إلى بُؤْرة الشعور؛ حتى يدعو زكريا ربه في نفس المكان ليرزقه بالولد؛ فيبشره الحق بالولد. وحين يتذكر زكريا أنه قد بلغ من الكبر عتياً، وأن امرأته عاقر؛ فيُذكِّره الحق سبحانه بأن عطاء الولد أمر هَيِّن عليه سبحانه: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} فالغَيضُ: نُقصانُ الوَلدِ، ما زَادتْ عَلَى تِسعَةِ أَشهرٍ؛ فَهو تَامٌ لِذَلِكَ النُّقْصَانُ، وهي الزِّيادَةُ! ويقالُ: ما تَغِيضُ الأَرْحامُ معناهُ مَا تُخرِجُ مِن الأَولادِ. وَما كَانَ فِيها وَمَا تَزدَادُ معناهُ مَا يَحدُثُ فِيها. تفسير : وقوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} معناهُ بِقَدرٍ.

الأندلسي

تفسير : {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما تقدم إنكارهم البعث لتفرق الأجزاء واختلاط بعضها ببعض بحيث لا يتهيأ الامتياز بينها نبه على إحاطة علمه تعالى وان من كان عالماً بجميع المعلومات هو قادر على إعادة ما أنشأ أولاً. الله يعلم كلام مستأنف مبتدأ وخبر وما موصولة والعائد عليها محذوف تقديره تحمله وهو هنا من حمل البطن لا من حمل الظهر. {وَمَا تَغِيضُ} قال ابن عباس: تنقص من الخلقة وتزداد تتم ظاهر عموم قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي بحد لا يتجاوزه ولا يقصر عنه والمراد من العندية العلم أي هو عالم بكمية كل شىء وكيفيته على وجه المفصل المبين فامتنع وقوع اللبس في تلك المعلومات ولما ذكر تعالى أنه عالم بأشياء خفية لا يعلمها إلا هو وكانت أشياء جزئية من خفايا علمه ذكر أن علمه محيط بجميع الأشياء فعلمه تعالى متعلق بما يشاهده العالم تعلقه بما يغيب عنهم والكبير العظيم الشأن الذي كل شىء دونه المتعال المستعلي على كل شىء بقدرته الذي كبر عن صفات المحدثين وتعالى عنها ولما ذكر تعالى أنه عالم الغيب والشهادة على العموم ذكر تعالى تعلق علمه بشىء خاص من أحوال المكلفين فقال: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ} الآية، والمعنى سواء في علمه المسر بالقول والجاهز به لا يخفى عليه شىء من أقواله وسواء تقدم الكلام فيه وفي معانيه وهو هنا بمعنى مستو وأعربوا سواء خبراً مقدماً ومن أسر والمعطوف عليه مبتدأ مؤخراً ويجوز أن يكون سواء مبتدأ لأنه موصوف بقوله: منكم المعطوف عليه الخبر. قال ابن عباس: مستخف مستتر، وسارب ظاهر وسارب معطوف على مستخف ومن موصول يراد به التثنية وحمل على المعنى في تقسيم خبر المبتدأ الذي هو وعلى لفظ من في أفراد هو والمعنى سواء اللذان هما مستخف بالليل وسارب بالنهار وانظر إلى حسن هذه المقابلات في قوله تعالى: تغيص وتزداد والغيب والشهادة وأسر وجهر ومستخف وسارب والليل والنهار. {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} الضمير في له عائد على الله تعالى أي لله معقبات ملائكة من بين يدي العبد ومن خلفه والمعقبات على هذه الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم والحفظة لهم أيضاً قاله الحسن. وروي حديث عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الزمخشري: والأصل معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله: وجاء المعذرون ويجوز معقبات بكسر العين ولم يقرأ به "انتهى". وهذا وهم فاحش لا تدغم التاء في القاف ولا القاف في التاء لا من كلمتين ولا من كلمة وقد نص التصريفيون على أن القاف والكاف كل منهما يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما ولا يدغم غيرهما فيهما واما تشبيهه بقوله: وجاء المعذرون فلا يتعين أن يكون أصله المعتذرون. وأما قوله: ويجوز معقبات بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناء على أن أصله معتقبات فأدغمت التاء في القاف وقد ذكرنا أن ذلك وهم فاحش. ولما ذكر تعالى إحاطة علمه بخفايا الأشياء وجلاياها وان الملائكة تعتقب على المكلفين لحفظ ما يصدر منهم كان الصادر منهم خيراً أو شراً ذكر تعالى أن ما خولهم فيه من النعم وأسبغ عليهم من الإِحسان لا يزيله عنهم إلى الانتقام منهم إلا بكفر تلك النعمة وإهمال أمره بالطاعة واستبدالها بالمعصية فكان في ذكر ذلك تنبيه على لزوم الطاعة وتحذير لوبال المعصية والظاهر أنه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع تغيير فهم بالمعاصي والسوء يجمع كل ما يسوء من مرض وفقر وعذاب وغير ذلك من البلاء ومن وال أي من ملجأ. {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} لما خوف تعالى العباد بقوله: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} اتبعه بما يشتمل على أمور دالة على قدرة الله وحكمته تشبه النعم من وجه النعم من وجه وتقدم الكلام في البرق والرعد والصواعق والسحاب في البقرة. قال ابن عباس: خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث. وقال أبو عبد الله الرازي: اعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون ان هذه الآثار العلوية إنما تنم بقوى روحانية فلكية وللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية وهذا عين ما قلناه ان الرعد اسم لملك من الملائكة يسبح الله تعالى فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة وهو عين ما ذكره المحققون من الحكماء فكيف بالعاقل الإِنكار "انتهى". وهذا الرجل غرضه جريان ما تنتحله الفلاسفة على مناهج الشريعة ولن يكون ذلك أبداً وقد تقدم أقوال المفسرين في الرعد في البقرة ولم يجمعوا على أن الرعد اسم لملك وعلى تقدير أن يكون ذلك الملك يدبر لا السحاب ولا غيره إذ لا يستفاد مثل هذا إلا من النبي المشهود له بالعصمة لا من الفلاسفة الضلال والظاهر عود الضمير في قوله في خيفته على الله تعالى كما عاد عليه في قوله: بحمده ومعنى من خيفته من هيبته وإجلاله ومن مفعول بيصيب وهو من باب الاعمال أعمل فيه الثاني إذ يرسل بطلب من وفيصيب ولو أعمل الأول لكان التركيب في غير القرآن ويرسل الصواعق فيصيبه بها على من يشاء لكن جاء على الكثير في لسان العرب المختار عند البصريين وهو إعمال الثاني ومفعول يشاء محذوف تقديره من يشاء إصابته والضمير في وهم عائد على الكفار المكذبين الرسول عليه السلام المنكرين الآيات يجادلون في قدرة الله تعالى على البعث وإعادة الخلق بقولهم: من يحيي العظام وهي رميم وفي وحدانيته باتخاذ الشركاء والأنداد ونسبة التوالد إليه بقولهم: الملائكة بنات الله والمحال بكسر الميم العداوة يعني لمن جادل في الله قاله ابن عباس: والضمير في له عائد على الله ودعوة الحق قال ابن عباس: دعوة الحق لا إله إلا هو وما كان من الشريعة في معناها. قال الزمخشري: له دعوة الحق فيه وجهان أحدهما أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما يضاف الكلمة إليه في قوله كلمة الحق للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به فإِنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله تعالى يدعي فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤاله إن كان مصلحة وكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقياً بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله عز وجل على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب وعن الحسن الحق هو الله وكل دعاء إليه دعوة الحق "انتهى". هذا الوجه الثاني الذي ذكره الزمخشري لا يظهر والظاهر أن هذه الإِضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله تعالى: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}تفسير : [يوسف: 109]. والتقدير لله الدعوة المحق بخلاف غيره فإِن دعوته باطلة والمعنى أن الله تعالى الدعوة له هي الدعوة الحق ولما ذكر تعالى جدال الكفار لله تعالى وكان جدالهم في إثبات آلهة معه ذكر تعالى أن له الدعوة الحق أي من يدعو له فدعوته هي الحق بخلاف أصنامهم التي جادلوا في الله لأجلها فإِن دعاءها باطل لا يتحصل منه شىء فقال: والذين تدعون والضمير في تدعون عائد على الكفار والعائد على الذين محذوف أي تدعونهم من دونه أي الله. {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ} شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم من أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلم تبق كفاه منه شيئاً ولم يبلغ مراده من شربه وهذا مبالغة عظيمة في الخيبة لدعائهم آلهتهم. {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} آلهتهم. {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي حيرة واضمحلال لأنه لا يجدي شيئاً ولا يفيد فقد ضل ذلك الدعاء عنهم كما ضل المدعون قال تعالى: {أية : أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} تفسير : [الأعراف: 37]. {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية، إن كان السجود بمعنى الخضوع والانقياد فمن على عمومها ينقاد كلهم لما أراده تعالى بهم شاؤا أو أبوا وينقاد له تعالى ضلالهم حيث على مشيئته من الامتداد والتقلص والفيء والزوال وان كان السجود عبارة عن الهيئة المخصوصة وهو وضع الجبهة بالمكان الذي يكون فيه الواضع فيكون عاماً مخصوصاً إذ يخرج منه من لا يسجد ويكون قد عبر بالطوع عن سجود الملائكة المؤمنين وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإِسلام والذي يظهر أن مساق هذه الآية إنما هو أن العالم كله مقهور لله تعالى خاضع لما أراد منه مقصور على مشيئته لا يكون منه إلا ما قدر تعالى، فالذين يعبدونهم كائناً ما كانوا داخلون تحت القهر ويدل على هذا المعنى تشريك الضلال في السجود والظلال ليست أشخاصاً يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة ولكنها داخلة تحت مشيئته يصرفها على ما أراد إذ هي من العالم والعالم جواهره وأعراضه داخلة تحت إرادته كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ}تفسير : [النحل: 48] الآية، قال الفراء: الظل مصدر يعني في الأصل ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم وطوله بسبب انحطاط الشمس وقصره بسبب ارتفاعها فهو لله في طوله وقصره وميله من جانب إلى جانب وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الظلال إنما تعظم وتكبر فيهما وتقدم شرح الغدو والآصال في آخر الاعراف. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل يا محمد للكفار من رب السماوات والأرض استفهام تقرير واستنطاق فإِنهم يقولون الله فإِذا قالوها قل الله أي هو كما قلتم وروي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه فقالوا: أجب أنت فأمره الله فقال: قل الله واستفهم بقوله: قل أما اتخذتم على سبيل التوبيخ والإِنكار أي بعد أن علمتم أنه تعالى هو رب السماوات والأرض تتخذون من دونه أولياء وتتركونه فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبباً للتوحيد من علمكم وقراركم سبباً للإِشراك ثم وصف تلك الأولياء بصفة العجز وهي كونها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ومن بهذه المثابة فكيف يملك لكم نفعاً أو ضراً ثم مثل ذلك حالة الكافر والمؤمن ثم حالة الكفر والإِيمان وأبرز ذلك في صورة الاستفهام الذي يبادر المخاطب إلى الجواب فيه من غير فكر ولا روية بقوله: {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} ثم انتقل إلى الاستفهام عن الوصفين القائمين بالكافر وهو الظلمات وبالمؤمن وهو النور وتقدم الكلام في جمع الظلمات وافراد النور في البقرة وأم في قوله: أم هل منقطعة تتقدر ببل والهمزة على المختار والتقدير بل أهل يستوي وهل وان نابت عن همزة الاستفهام في كثير من المواضع فقد جامعتها في قول الشاعر: شعر : أهل رأونا بواد القفر ذي الأكم تفسير : ومثال قوله تعالى: {أَمْ هَلْ} في الجمع أم وهل قول علقمة: شعر : أم هل كثير بكى لم تقض عبرته تفسير : ثم انتقل من خطابهم إلى الاخبار عنهم غائباً إعراضاً عنهم وتنبيهاً على توبيخهم في جعلهم شركاء وتعجباً منهم وإنكاراً عليهم وتضمن هذا الاستفهام التهكم بهم لأنه معلوم بالضرورة ان هذه الأصنام وما اتخذوا من دون الله أولياء وجعلوهم شركاء لا يقدر على خلق ذرة ولا إيجاد شىء البتة والمعنى أن هؤلاء الشركاء هم خالقون شيئاً حتى يستحقوا العبادة وجعلهم شركاء لله تعالى؟ أي جعلوا لله شركاء موصوفين بالخلق مثل خلق الله فيتشابه ذلك عليهم فيعبدونهم ومعلوم أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون فكيف يشركون في العبادة أفمن يخلق كمن لا يخلق ثم أمره تعالى قال: {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي موجد الأشياء كلها معبوداتهم وغيرهم وهم أيضاً مقرون بذلك ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله واحتمل أن يكون قوله: وهو الواحد القهار داخلاً تحت الأمر بقل فيكون قد أمر أن يخبر بأنه تعالى الواحد المنفرد بالألوهية القهار الذي جميع الأشياء تحت قدرته وقهره واحتمل أن يكون استئناف اخبار منه تعالى بهذين الوصفين الوحدانية والقهر فهو تعالى لا يغالب وما سواه مقهور مربوب له تعالى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى بعموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء فقال: { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى } من بني آدم وغيرهم، { وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ } أي: تنقص مما فيها إما أن يهلك الحمل أو يتضاءل أو يضمحل { وَمَا تَزْدَادُ } الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } لا يتقدم عليه ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه. فإنه { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ } في ذاته وأسمائه وصفاته { الْمُتَعَالِ } على جميع خلقه بذاته وقدرته وقهره. { سَوَاءٌ مِنْكُمْ } في علمه وسمعه وبصره. { مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } أي: مستقر بمكان خفي فيه، { وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } أي: داخل سربه في النهار والسرب هو ما يختفي فيه الإنسان إما جوف بيته أو غار أو مغارة أو نحو ذلك. { لَهُ } أي: للإنسان { مُعَقِّبَاتٌ } من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار. { مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } أي: يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ملازمون له دائما، فكما أن علم الله محيط به، فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم، ولا ينسى منها شيء، { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والإحسان ورغد العيش { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها. وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة، { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } أي: عذابا وشدة وأمرا يكرهونه، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم. { فَ } إنه { لا مَرَدَّ لَهُ } ولا أحد يمنعهم منه، { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 442 : 10 : 8 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ} قال، خروج الدم {وَمَا تَزْدَادُ} قال، استمساك الدم. [الآية 8]. 443 : 11 : 9 - سفين عن بن جريج عن الضحاك قال، خروج الدم ما بين تسعة أشهر. {وَمَا تَزْدَادُ} قال، ما فوق ذلك.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} [8] 278- أنا علي بن حجر، عن إسماعيل - وهو: ابن جعفر - عن عبد الله بن دينار، عن أبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله؛ لا يعلم ما تغيض الأرحام أحدٌ إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله عزَّ وجل ".

همام الصنعاني

تفسير : 1355- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}: [الآية: 8]، قال: الغَيْضُ: السقط {وَمَا تَزْدَادُ} فوق التِّسْعة الأشهُرِ. 1356- قال معمر وقال سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدم على الحمل فهو الغيض للولد، يقول: نقصان في غذاء الولد، وهو زيادة في الحمل.