١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الضمير من «له» عائد إلى «من» في قوله: { أية : سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } تفسير : [الرعد: 10] وقيل على اسم الله في عالم الغيب والشهادة، والمعنى: لله معقبات، وأما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله: { أية : وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } تفسير : [التوبة: 90] والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله، والمعنى في كلا الوجهين واحد. إذا عرفت هذا فنقول: في المراد بالمعقبات قولان. الأول: وهو المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس، وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والكتب، وكل من عمل عملاً ثم عاد إليه فقد عقب، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل وملائكة النهار. روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال عليه السلام: « حديث : ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين أكتب؟ فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثاً قال نعم أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله تعالى واستحياءه منا، وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى: {لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك وإن تجبرت قصمك، وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة علي، وملك علي فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكاً على كل آدمي » تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : يتعاقب فيكم ملاكئة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر » تفسير : . وهو المراد من قوله: { أية : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } تفسير : [الإسراء: 78] قيل: تصعد ملائكة الليل وهي عشرة وتنزل ملائكة النهار، وقال ابن جريج: هو مثل قوله تعالى: { أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ } تفسير : [ق: 17] صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته. وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الملائكة ذكور، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث وهو المعقبات؟ والجواب: فيه قولان. الأول: قال الفراء: المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة بمعقبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر جمع رجال، والذي يدل على التذكير قوله: {يَحْفَظُونَهُ }. والثاني: وهو قول الأخفش: إنما أنثت لكثرة ذلك منها، نحو: نسابة، وعلامة، وهو ذكر. السؤال الثاني: ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه؟ والجواب: أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون عليه أعماله وأقواله بتمامها، ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من حفظهم شيء أصلاً، وقال بعضهم: بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه، لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين يديه ومن خلفه. السؤال الثالث: ما المراد من قوله: {مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ }. والجواب: ذكر الفراء فيه قولين: القول الأول: أنه على التقديم والتأخير والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه. القول الثاني: أن فيه إضماراً أي ذلك الحفظ من أمر الله أي مما أمر الله به فحذف الاسم وأبقى خبره كما يكتب على الكيس، ألفان والمراد الذي فيه ألفان. والقول الثالث: ذكره ابن الأنباري أن كلمة «من» معناها الباء والتقدير: يحفظونه بأمر الله وباعانته، والدليل على أنه لا بد من المصير إليه أنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من أمر الله ومما قضاه عليه. السؤال الرابع: ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا؟ والجواب: أن هذا الكلام غير مستبعد، وذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح، وكذا القول في تدبير القمر والهيلاج والكدخدا على ما يقوله المنجمون. وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم ولذلك تراهم يقولون: أخبرني الطباعي التام. ومرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحاً فلكية يتولى إصلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع؟ وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها معزة، وبعضها مذلة، وبعضها قوية القهر والسلطان، وبعضها ضعيفة سخيفة. وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك، فكذا القول في الأرواح الفلكية، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وكل صفة أقوى من الأرواح البشرية وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، وتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي. ومتى كان الأمر كذلك كان ذلك الروح الفلكي معيناً لها على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً لها عن صنوف الآفات، فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة؟ ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل. الأول: أن الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات. والثاني: قال مجاهد: ما من عبد إلا ومعه ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته. الثالث: أنا نرى أن الإنسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سبباً من أسباب مصالحه وخيراته، وقد ينكشف أيضاً بالآخرة أنه كان سبباً لوقوعه في آفة أو في معصية، فيظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريداً للخير والراحة وإلى الأمر الثاني كان مريداً للفساد والمحنة، والأول هو الملك الهادي والثاني هو الشيطان المغوي. الرابع: أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب، لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره عنها إذا حضره من يعطيه من البشر. وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك أيضاً رادعاً له عنها وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل. السؤال الخامس: ما الفائدة في كتبة أعمال العباد؟ قلنا ههنا مقامات: المقام الأول: أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة. قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة، وإن كان بالضد فبالضد. قال القاضي: هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام وقال: لا يمتنع أيضاً ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة وبالضد من ذلك في أعداء الله. والمقام الثاني: وهو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل. إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت؛ وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت. إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير لما كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة. وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون، إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة، أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور وهذا كله إذا فسرنا قوله تعالى: {لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } بالملائكة. القول الثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره أبو مسلم الأصفهاني المراد: أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل، والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم الملوك والأمراء، فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله أمره، ومن سار نهاراً بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من الله تعالى، والمعقب العون، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلا بد أن يبصر ذاك هذا، فتصير بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة، فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ومن قدره، وهم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة، والمقصود من هذا الكلام بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ الله وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار، ولذلك قال تعالى بعده: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ }. أما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد. قال القاضي: والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا وقد يبتدىء به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنياً ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء، فالمراد مما ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب، ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا الكلام راجع إلى قوله: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [الرعد: 6] فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر والمعصية، حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه من يؤمن فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال وقال بعضهم: بل الكلام يجري على إطلاقه، والمراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم وينزل عليهم أنواعاً من العذاب، وقال بعضهم: إن المؤمن الذي يكون مختلطاً بأولئك الأقوام فربما دخل في ذلك العذاب. روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب » تفسير : واحتج أبو علي الجبائي والقاضي بهذه الآية في مسألتين: المسألة الأولى: أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله حالهم من النعمة إلى العذاب. المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدىء العبد بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب، مع أنه ما كان منه تغيير. والجواب: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد، إلا أن قوله تعالى: { أية : وَمَا يَشَآءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الإنسان: 30] يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله تعالى، فوقع التعارض. وأما قوله: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل. قالوا: وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان لكان قادراً على رد ما أراده الله تعالى، وحينئذ يبطل قوله: {وَإِذَا أراد اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فثبت أن الآية السابقة وإن أشعرت بمذهبهم، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا. قال الضحاك عن ابن عباس: لم تغن المعقبات شيئاً، وقال عطاء عنه: لا راد لعذابي ولا ناقض لحكمي: {وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ } أي ليس لهم من دون الله من يتولاهم، ويمنع قضاء الله عنهم، والمعنى: ما لهم والٍ يلي أمرهم، ويمنع العذاب عنهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار؛ فإذا صعِدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار. وقال: «مُعَقِّبَاتٌ» والملائكة ذُكْرَان لأنه جمع مُعقِّبة؛ يقال: مَلَك مُعقِّب، وملائكة مُعقِّبة، ثم مُعقِّبات جمع الجمع. وقرأ بعضهم ـ «لَهُ مَعَاقِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ». ومعاقيب جمع مُعْقِب؛ وقيل للملائكة معقّبة على لفظ الملائكة. وقيل: أنّث لكثرة ذلك منهم؛ نحو نسّابة وعلاّمة وراوية؛ قاله الجوهري وغيره. والتّعقب العود بعد البدء؛ قال الله تعالى: {أية : وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} تفسير : [النمل: 10] أي لم يَرجع؛ وفي الحديث: حديث : مُعَقِّباتٌ لا يَخِيبُ قائِلُهنّ ـ أو ـ فاعلُهنّ تفسير : فذكر التسبيح والتحميد والتكبير. قال أبو الهيثم: سُمّين «مُعقِّبات» لأنهن عادت مرّة بعد مرّة، فِعْل من عَمِل عَملاً ثم عاد إليه فقد عَقَّبَ. وٱلمعقّبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعترِكات على الحوض؛ فإذا ٱنصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى. وقوله: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار. {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} ٱختلف في (هذا) الحفظ؛ فقيل: يحتمل أن يكون توكيل الملائكة بهم لحفظهم من الوحوش والهوام والأشياء المضرّة، لطفاً منه به، فإذا جاء القَدَر خلّوا بينه وبينه؛ قاله ٱبن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. قال أبو مِجلَز: جاء رجل من مُرَاد إلى علي فقال: احترس فإن ناساً من مُرَاد يريدون قتلك؛ فقال: إن مع كل رجل مَلَكين يحفظانه ما لم يُقدَّر، فإذا جاء القَدَر خلَّيَا بينه وبين قَدَر الله، وإن الأجل حِصن حصينة؛ وعلى هذا، «يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» أي بأمر الله وبإذنه؛ فـ«ـمِن» بمعنى الباء؛ وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: «مِنْ» بمعنى «عن»؛ أي يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأوّل؛ أي حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم؛ وهذا قول الحسن؛ تقول: كسوته عن عُرْي ومن عُرْي؛ ومنه قوله عز وجل: {أية : ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } تفسير : [قريش: 4] أي عن جوع. وقيل: يحفظونه من ملائكة العذاب، حتى لا تحلّ به عقوبة؛ لأن الله لا يغير ما بقوم من النّعمة والعافية حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن أصرُّوا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النّقمة، وتزول عنهم الحَفَظَة المعقبات. وقيل: يحفظونه من الجِنّ؛ قال كعب: لولا أن الله وَكَّل بكم ملائكة يَذبُّون عنكم في مَطْعَمكم وَمَشْرَبِكم وعوراتكم لَتخطَّفتكم الجِنّ. وملائكة العذاب من أمر الله؛ وخصّهم بأن قال: «مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» لأنهم غير معايَنين؛ كما قال: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء: 85] أي ليس مما تشاهدونه أنتم. وقال الفرّاء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره، له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه؛ وهو مرويّ عن مجاهد وٱبن جُرَيج والنَّخعيّ؛ وعلى أن ملائكة العذاب والجِنّ من أمر الله لا تقديم فيه ولا تأخير، وقال ٱبن جريج: إن المعنى يحفظون عليه عمله، فحذف المضاف. وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله. ويجوز إذا كانت المعقّبات الملائكة أن تكون الهاء في «له» لله عزّ وجل، كما ذكرنا؛ ويجوز أن تكون للمستخفي، فهذا قول. وقيل: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» يعني به النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي أن الملائكة تحفظه من أعدائه؛ وقد جرى ذكر الرسول في قوله: «لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ» أي سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به في أنه لا يضرّ النبي صلى الله عليه وسلم، بل له معقبات يحفظونه عليه السلام؛ ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع الرسل؛ لأنه قد قال: «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» أي يحفظون الهادي من بين يديه ومن خلفه. وقول رابع: أن المراد بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم؛ فإذا جاء أمر الله لم يُغنوا عنهم من الله شيئاً؛ قاله ابن عباس وعِكْرِمة؛ وكذلك قال الضّحاك: هو السّلطان المتحرّس من أمر الله، المِشركُ. وقد قيل: إن في الكلام على هذا التأويل نفياً محذوفاً، تقديره: لا يحفظونه من أمر الله تعالى؛ ذكره الماورديّ. قال المهدويّ: ومن جعل المعقّبات الحرس فالمعنى: يحفظونه من أمر الله على ظنه وزعمه. وقيل: سواء من أسرّ القول ومن جهر به فله حرّاس وأعوان يتعاقبون عليه فيحملونه على المعاصي، ويحفظونه من أن ينجَع فيه وعظٌ؛ قال القُشَيريّ: وهذا لا يمنع الرّب من الإمهال إلى أن يحقّ العذاب؛ وهو إذا غَيَّرَ هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار فيصير ذلك سبباً للعقوبة؛ فكأنّه الذي يحلّ العقوبة بنفسه؛ فقوله: «يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» أي من ٱمتثال أمر الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: المعقّبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده؛ قال الماورديّ: ومن قال بهذا القول ففي تأويل قوله: «يَحَفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجل؛ قاله الضحاك. الثاني: يحفظونه من الجِنّ والهوامّ المؤذية، ما لم يأت قَدَرٌ؛ ـ قاله أبو أمامة وكعب الأحبار ـ فإذا جاء المقدور خلّوا عنه؛ والصحيح أن المعقّبات الملائكة، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة وٱبن جريج؛ ورُوي عن ابن عباس، واختاره النحاس، وٱحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» تفسير : الحديثَ، رواه الأئمة. وروى الأئمة عن عمرو عن ابن عباس قرأ ـ معقّبات من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه فهذا قد بيّن المعنى. وقال كِنَانة العَدَويّ: حديث : دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه من مَلَك؟ قال: «مَلَك عن يمينك يكتب الحسنات وآخر عن الشمال يكتب السيئات والذي على اليمين أمير على الذي على الشمال فإذا عَمِلت حسنة كُتبت عشراً وإذا عمِلت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أأكتب قال لا لعله يستغفر الله تعالى أو يتوب إليه فإذا قال ثلاثاً قال نعم ٱكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين هو ما أقلّ مراقبته لله عز وجل وأقل ٱستحياءه منا يقول الله تعالى {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [قۤ: 18] ومَلَكَان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحَفْظُونَهُ مِنَ أَمْرِ اللَّهِ» (وملَك قابض على ناصيتك فإذا تواضعتَ لله رفعك وإذا تَجَبَّرْتَ على الله قَصَمكَ) وملَكَان على شَفَتيك وليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد وآله ومَلَك قائم على فِيك لا يدع أن تدخل الحية في فِيك وملَكَان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة النهار فهؤلاء عشرون مَلكاً على كل آدمي وإبليس مع ٱبن آدم بالنهار وولده بالليل»تفسير : . ذكره الثعلبيّ. قال الحسن: المعقّبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر. وٱختيار الطَّبريّ: أن المعقّبات المواكب بين أيدي الأمراء وخَلْفهم؛ والهاء في «له» لهنّ؛ على ما تقدّم. وقال العلماء رضوان الله عليهم: إن الله سبحانه جعل أوامره على وجهين: أحدهما: قضى حلوله ووقوعه بصاحبه؛ فذلك لا يدفعه أحد ولا يغيره. والآخر: قضى مجيئه ولم يقض حلوله ووقوعه، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ. قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغيّر ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب؛ كما غيّر الله بالمنهزمين يوم أُحُد بسبب تغيير الرّماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشَّريعة؛ فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير؛ كما قال صلى الله عليه وسلم ـ وقد سُئل أَنَهلِك وفينا الصّالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُر الْخُبْثُ». والله أعلم. قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا} أي هلاكاً وعذاباً، {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}. وقيل: إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مردّ لبلائه. وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءاً أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه؛ فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفة بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} أي ملجأ؛ وهو معنى قول السُّدي. وقيل: من ناصر يمنعهم من عذابه؛ وقال الشاعر: * ما في السماء سوى الرحمنِ من وَالِ v ووَالٍ ووَليّ كقادر وقدير.
البيضاوي
تفسير : {لَهُ} لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب. {مُعَقِّبَـٰتٌ} ملائكة تعتقب في حفظه، جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها، أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة، أو لأن المراد بالمعقبات جماعات. وقرىء «مَعَاقِيبُ» جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين. {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر. {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له، أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى. وقد قرىء به وقيل من بمعنى الباء. وقيل من أمر الله صفة ثانية لـ {مُعَقّبَـٰتٌ}. وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من العافية والنعمة. {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فلا راد له فالعامل في {إِذَا } ما دل عليه الجواب. {وَمَا لَهُمْ مِّنْ دُونِهِ مِن وَالٍ} ممن يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء، وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَهُ } للإِنسان {مُعَقِّبَٰتٌ } ملائكة تَعْتَقِبَهُ {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } قدّامه {وَمِنْ خَلْفِهِ } ورائه {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } أي بأمره من الجنّ وغيرهم {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } لا يسلبهم نعمته {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من الحالة الجميلة بالمعصية {وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً } عذاباً {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } من المعقبات ولا غيرها {وَمَا لَهُمْ } لمن أراد الله بهم سوءاً {مِن دُونِهِ } أي غير الله {مِنْ } زائدة {وَالٍ } يمنعه عنهم.
ابن عطية
تفسير : اختلف المتأولون في غير عود الضمير من {له}: فقالت فرقة: هو عائد على اسم الله عز وجل المتقدم ذكره، و"المعقبات" - على هذا الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضاً - قاله الحسن، وروى فيه عثمان بن عفان حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد والنخعي - والضمير على هذا في قوله: {يديه} وما بعده من الضمائر عائد على العبد المذكور في قوله: {أية : من هو مستخف} تفسير : [الرعد: 10] و{من أمر الله} يحتمل أن يكون صفة لـ {معقبات} ويحتمل أن يكون المعنى: يحفظونه من كل ما جرى القدر باندفاعه، فإذا جاء المقدور الواقع أسلم المرء إليه. وقال ابن عباس أيضاً: الضمير في {له} عائد على المذكور في قوله {أية : من هو مستخف بالليل} تفسير : [الرعد: 10] وكذلك باقي الضمائر التي في الآية، قالوا: و {معقبات} - على هذا - حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، قالوا: والآية - على هذا - في الرؤساء الكافرين، واختار هذا القول الطبري، وهو قول عكرمة وجماعة، قال عكرمة: هي المواكب خلفه وأمامه. قال القاضي أبو محمد: ويصح على التأويل الأول الذي قبل هذا أن يكون الضمير في {له} للعبد المؤمن على معنى جعل الله له. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل عندي أقوى، لأن غرض الآية إنما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء {أية : من هو مستخف} تفسير : [الرعد: 10] ومن هو {أية : سارب} تفسير : [الرعد: 10] وأن {له معقبات} من الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله تعالى لا يغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير ما بنفسه. قال القاضي أبو محمد: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعين من البشر. وقال عبد الرحمن بن زيد: الآية في النبي عليه السلام، ونزلت في حفظ الله له من أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل في القصة التي ستأتي بعد هذا في ذكر الصواعق. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت بألفاظها تنطبق على معنى القصة فيضعف القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في {له} عليه. و"المعقبات": الجماعات التي يعقب بعضها بعضاً، فعلى التأويل الأول هي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة المغرب والصبح" تفسير : ، وعلى التأويل الثاني: هي الحرس والوزعة الذين للملوك. و {معقبات} جمع معقبة وهي الجماعة التي تأتي بعد الأخرى، والتعقيب - بالجملة - أن تكون حال تعقبها حال أخرى من نوعها، وقد تكون من غير النوع، ومنه معاقبة الركوب ومعاقبة الجاني ومعقب عقبة القدر والمعاقبة في الأزواج، ومنه قول سلامة بن جندل: [البسيط] شعر : وكرّنا الخيل في آثارهم رجعاً كسر السنابك من بدء وتعقيب تفسير : وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر: "له معاقيب" قال أبو الفتح: هو تكسير معقب. قال القاضي أبو محمد: بسكون العين وكسر القاف كمطعم ومطاعيم، ومقدم ومقاديم. وهي قراءة أبي البرهسم - فكأن معقباً جمع على معاقبة ثم جعلت الياء في معاقيب عوضاً من الهاء المحذوفة في معاقبة، والمعقبة ليست جمع معقب - كما ذكر ذلك الطبري وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات، وليس الأمر كما ذكر لأن تلك كجمل وجمال وجمالات، ومعقبة ومعقبات إنما هي كضاربة وضاربات. وفي قراءة أبيّ بن كعب "من بين يديه ورقيب من خلفه"، وقرأ ابن عباس: "ورقباء من خلفه"، وذكر عنه أبو حاتم أنه قرأ: "معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله". وقوله: {يحفظونه} يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون بمعنى يحرسونه، ويذبون عنه: فالضمير محمول ليحفظ. والمعنى الثاني أن يكون بمعنى حفظ الأقوال وتحصيلها، ففي اللفظة حينئذ حذف مضاف تقديره: يحفظون أعماله، ويكون هذا حينئذ من باب {أية : واسأل القرية} تفسير : [يوسف: 82] وهذا قول ابن جريج. وقوله: {من أمر الله} من جعل {يحفظونه} بمعنى يحرسونه كان معنى قوله: {من أمر الله} يراد به "المعقبات"، فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي "له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه" قال أبو الفتح: فـ {من أمر الله} في موضع رفع لأنه صفة لمرفوع وهي "المعقبات". قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا التأويل في قوله: {من أمر الله} مع التأويل الأول في {يحفظونه}. ومن تأول الضمير في {له} عائد على العبد، وجعل "المعقبات" الحرس، وجعل الآية في رؤساء الكافرين - جعل قوله {من أمر الله} بمعنى يحفظونه بزعمه من قدر الله، ويدفعونه في ظنه، عنه، ذلك لجهالته بالله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل جعلها المتأول في الكافرين. قال أبو الفتح: فـ {من أمر الله} على هذا في موضع نصب، كقولك حفظت زيداً من الأسد، فمن الأسد معمول لحفظت وقال قتادة: معنى {من أمر الله}: بأمر الله، أي يحفظونه مما أمر الله، وهذا تحكم في التأويل، وقال قوم: المعنى الحفظ من أمر الله، وقد تقدم نحو هذا. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وجعفر بن محمد: "يحفظونه بأمر الله". ثم أخبر تعالى أنه لا يغير ما بقوم - بأن يعذبهم ويمتحنهم معاقباً - حتى يقع منهم تكسب للمعاصي وتغيير ما أمروا به من طاعة. وهذا موضع تأمل لأنه يداخل هذا الخبر ما قررت الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة، ومنه قوله تعالى: {أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} تفسير : [الأنفال: 25] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - وقد حديث : قيل له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ - قال: نعم إذا كثر الخبث تفسير : . إلى أشياء كثيرة من هذا. فقوله تعالى في هذه الآية: {لا يغير ما بقوم حتى يغيروا} معناه حتى يقع تغيير إما منهم وإما من الناظر إليهم أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله تعالى بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة. فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، وثم أيضاً مصائب يريد الله بها أجر المصائب فتلك ليست تغييراً. ثم أخبر تعالى أنه {إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له} ولا حفظ منه، وهذا جرى في طريقة التنبيه على قدرة الله تعالى وإحاطته، والسوء والخير بمنزلة واحدة في أنهما إذا أرادهما الله بعبد لم يردا، لكنه خص السوء بالذكر ليكون في الآية تخويف، واختلف القراء في - وال - فأماله بعضهم ولم يمله بعضهم، والوالي الذي يلي أمر الإنسان كالولي هما من الولاية كعليم وعالم من العلم. وقوله تعالى: {هو الذي يريكم} الآية، هذه آية تنبيه على القدرة، و {البرق} روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مخراق بيد ملك يزجر به السحاب، وهذا أصح ما روي فيه، وروي عن بعض العلماء أنه قال: البرق: اصطكاك الأجرام، وهذا عندي مردود، وقال أبو الجلد: البرق - في هذه الآية - الماء، وذكره مكي عن ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول: أنه لما كان داعية الماء، وكان خوف المسافرين من الماء وطمع المقيمين فيه عبر - في هذا القول - عنه بالماء. وقوله: {خوفاً وطمعاً} - من رأى ذلك في الماء فهو على ما تقدم، والظاهر أن الخوف إنما هو من صواعق البرق - والطمع في المطر الذي يكون معه، وهو قول الحسن، و {السحاب} جمع سحابة، ولذلك جمع الصفة - و {الثقال} معناه: بحمل الماء، وبذلك فسر قتادة ومجاهد، والعرب تصفها بذلك، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب]. شعر : فما روضة من رياض القطا كأن المصابيح حواذنُها بأحسن منها ولا مزنـة دلوح تكشف أدجانُهـا تفسير : والدلوح: المثقلة. و {الرعد} ملك يزجر {السحاب} بصوته، وصوته - هذا المسموع - تسبيح - و {الرعد} اسم الملك: وقيل: "الرعد" اسم صوت الملك وروي عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : أنه كان إذا سمع "الرعد" قال: "اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" تفسير : وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره: أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان من سبحت له وروي عن أبي هريرة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع "الرعد" قال: "سبحان من سبح الرعد بحمده" تفسير : . وقال ابن أبي زكرياء: من قال - إذا سمع الرعد - سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة. وقيل في الرعد أيضاً إنه ريح تختنق بين السحاب - روي ذلك عن ابن عباس في غير ما ديوان. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي فيه نظر، لأنها نزعات الطبيعيين وغيرهم. وروي أيضاً عن ابن عباس: أن الملك إذا غضب وزجر السحاب اصطدمت من خوفه فيكون البرق، وتحتكّ فتكون الصواعق. وقوله: {ويرسل الصواعق} الآية - قيل: إنه أدخلها في التنبيه على القدرة بغير سبب ساق ذلك. وقال ابن جريج: كان سبب نزولها حديث : قصة أربد أخي لبيد بن ربيعة لأمِّه وعامر بن الطفيل، وكان من أمرهما - فيما روي - أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى أن يجعل الأمر بعده إلى عامر ابن الطفيل ويدخلا في دينه - فأبى، فقال عامر: فتكون أنت على أهل الوبر، وأنا على أهل المدر - فأبى، فقال له عامر: فماذا تعطيني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطيك أعنة الخيل، فإنك رجل فارس؛ فقال له عامر: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً حتى آخذك؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأبى الله ذلك وابنا قيلة تفسير : ؛ فخرجا من عنده، فقال أحدهما لصاحبه: لو قتلناه ما انتطح فيه عنزان، فتآمر في الرجوع لذلك، فقال عامر لأربد: أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف؛ فجعل عامر يحدثه وأربد لا يصنع شيئاً؛ فلما انصرفا قال له عامر: والله يا أربد لا خفتك أبداً ولقد كنت أخافك قبل هذا، فقال له أربد: والله لقد أردت إخراج السيف فما قدرت على ذلك، ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك؟ فمضيا للحشد على النبي صلى الله عليه وسلم فأصابت أربد صاعقة فقتلته، ففي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخوه: شعر : أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعـق بالفارس يوم الكريهة النجد تفسير : فنزلت الآية في ذلك. وروي عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن جباراً من جبابرة العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال: أخبروني عن إله محمد أمن لؤلؤ هو أو من ذهب؟ فنزلت عليه صاعقة ونزلت الآية فيه. وقال مجاهد: إن بعض اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناظره، فبينما هو كذلك إذ نزلت صاعقة فأخذت قحف رأسه فنزلت الآية فيه. وقوله: {وهم يجادلون في الله} يجوز أن تكون إشارة إلى جدال اليهودي المذكور، وتكون الواو واو حال؛ أو إلى جدال الجبار المذكور. ويجوز - إن كانت الآية على غير سبب - أن يكون قوله: {وهم يجادلون في الله} إشارة إلى جميع الكفرة من العرب وغيرهم، الذين جلبت لهم هذه التنبيهات. و {المحال} : القوة والإهلاك، ومنه قول الأعشى: [الخفيف] شعر : فرع نبع يهتز في غصن المجد عظيم الندى شديد المحال تفسير : ومنه قول عبد المطلب: شعر : لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك تفسير : وقرأ الأعرج والضحاك "المَحال" بفتح الميم بمعنى المحالة، وهي الحيلة، ومنه قول العرب في مثل: المرء يعجز لا المحالة، وهذا كالاستدراج والمكر ونحوه وهذه استعارات في ذكر الله تعالى، والميم إذا كسرت أصلية، وإذا فتحت زائدة، ويقال: محل الرجل بالرجل إذا مكر به وأخذه بسعاية شديدة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُعَقِّبَاتٌ} ملاكة الليل والنهار يتعاقبون صعوداً ونزولاً، اثنان بالنهار واثنان بالليل يجتمعون عند صلاة الفجر، أو حراس الأمراء يتعاقبون الحرس "ع" أو ما يتعاقب من أوامر الله وقضائه في عبادة {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أمامه وورائه، أو هداه وضلاله. {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} بأمر الله، أو تقديره معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، أو معاقبته من الحرس يحفظونه عند نفسه من أمر الله ولا راد لأمره ولا دافع لقضائه"ع"، أو يحفظونه حتى يأتي أمر الله فيكفوا "ع"، أو أمر الله: الجن والهوام المؤذي تحفظه الملائكة منه ما لم يأتِ قدر، أو يحفظونه من أمر الله وهو الموت ما لم يأتِ أجل وهي عامة في جميع الخلائق عند الجمهور، أو خاصة في الرسول صلى الله عليه وسلم لما أزمع عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة على قتله فمنعه الله ـ تعالى ـ ونزلت {سُوءًا} عذاباً {وَالٍ} ملجأ، أو ناصر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، من طريق عطاء بن يسار - رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث : أن أربد بن قيس وعامر بن الطفيل، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه فقال عامر: ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. قال: أتجعل لي إن أسلمت، الأمر من بعدك؟ قال: ليس لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل. قال: فاجعل لي الوبر ولك المدر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا. فلما قفى من عنده قال لأمَلأَنَّها عليك خيلاً ورجالاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعك اللهتفسير : . فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد، إني سألهي محمداً عنك بالحديث، فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية. فقال أربد: أفعل. فأقبلا راجعين فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك. فقام معه فخليا إلى الجدار، ووقف معه عامر يكلمه وسل أربد السيف، فلما وضع يده على سيفه يبست على قائم السيف، فلا يستطيع سل سيفه. وأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما. وقال عامر لأربد: ما لك حشمت؟ قال وضعت يدي على قائم السيف فيبست، فلما خرج عامر واربد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كانا بحرة واقم، نزلا. فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال: اشخصا يا عدوَّي الله، لعنكما الله، ووقع بهما. فقال عامر: من هذا يا سعد؟ فقال سعد: هذا أسيد بن حضير الكتائب، قال: اما والله ان كان حضير صديقاً لي، حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل الله عليه قرحة فأدركه الموت فيها: فأنزل الله {الله يعلم ما تحمل كل أنثى ....} إلى قوله {... له معقبات من بين يديه} قال: المعقبات من أمر الله، يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر أربد وما قتله، فقال {هو الذي يريكم البرق ...} إلى قوله {... وهو شديد المحال}. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردوية, عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه} قال: هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {يحفظونه من أمر الله} قال: عن أمر الله، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {يحفظونه من أمر الله} قال: ذلك الحفظ من أمر الله بأمر الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له معقبات} قال: الملائكة {يحفظونه من أمر الله} قال: باذن الله. وأخرج ابن جرير عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {له معقبات} قال: الملائكة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {له معقبات...} الآية قال: الملائكة من أمر الله. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {له معقبات} قال: الملائكة {يحفظونه من أمر الله} قال: حفظهم إياه بأمر الله. وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {يحفظونه من أمر الله} قال: بأمر الله. قال: وفي بعض القراءة [يحفظونه بأمر الله]. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له معقبات} الآية. يعني ولي السلطان، يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، يقول الله "يحفظونه من أمري؟!.. فإني إذا أردت بقوم سوءاً فلا مرد له". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له معقبات} الآية. قال: الملوك يتخذون الحرس يحفظونه من أمامه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله يحفظونه من القتل. ألم تسمع أن الله تعالى يقول {وإذا أراد الله بقوم سوءاً} لم يغن الحرس عنه شيئاً. وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {له معقبات} قال: هؤلاء الأمراء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له معقبات} قال: هم الملائكة، تعقب بالليل والنهار وتكتب على بني آدم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {له معقبات} قال: الحفظة. وأخرج ابن المنذر من وجه آخر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {له معقبات} قال: الملائكة تعقب الليل والنهار، تكتب على ابن آدم. وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجتمعون فيكم عند صلاة الصبح وصلاة العصر من بين يديه" تفسير : مثله قوله {أية : عن اليمين وعن الشمال} تفسير : [ق: 17] الحسنات من بين يديه، والسيئات من خلفه. الذي على يمينه يكتب الحسنات، والذي على يساره لا يكتب إلا بشهادة الذي على يمينه، فإذا مشى كان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه {يحفظونه من أمر الله} قال: يحفظون عليه. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء - رضي الله عنه - {له معقبات} قال: هم الكرام الكاتبون، حفظة من الله على ابن آدم أمروا به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم - رضي الله عنه - في قوله {يحفظونه من أمر الله} قال: من الجن وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {له معقبات} قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: ما من عبد إلا به ملك موكل, يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام. فما منها شيء يأتيه يريده, إلا قال وراءك. إلا شيئاً يأذن الله فيه فيصيبه. وأخرج ابن جرير عن كعب الأحبار - رضي الله عنه - قال: لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن، لرأى على كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، إذاً لَتَخَطَّفَتْكُم. وأخرج ابن جرير، عن أبي مجلز - رضي الله عنه - قال: جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه - وهو يصلي فقال: احترس؛ فإن ناساً من مراد يريدون قتلك. فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر! فإذا جاء القدر، خليا بينه وبينه، وأن الأجل جنة حصينة. وأخرج ابن جرير عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه، حتى يسلمه للذي قدر له. وأخرج أبو الشيخ عن السدي - رضي الله عنه - في الآية قال: ليس من عبد إلا له معقبات من الملائكة، ملكان يكونان معه في النهار، فإذا جاء الليل صعدا وأعقبهما ملكان، فكانا معه ليله حتى يصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، ولا يصيبه شيء لم يكتب عليه، إذا غشي من ذلك شيء دفعاه عنه. ألم تره يمر بالحائط فإذا جاز سقط؟ فإذا جاء الكتاب خلوا بينه وبين ما كتب له. وهم {من أمر الله} أمرهم أن يحفظوه. وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه [له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه يحفظونه من أمر الله]. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ [له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه]. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الجارود بن أبي سبرة - رضي الله عنه - قال: سمعني ابن عباس - رضي الله عنهما - اقرأ {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} فقال: ليست هناك، ولكن [له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه]. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن علي - رضي الله عنه - {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} قال: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط، أو يتردى في بئر، أو يأكله سبع، أو غرق أو حرق، فإذا جاء القدر، خلوا بينه وبين القدر. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، والطبراني والصابوني في المائتين، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وكل بالمؤمن ثلثمائة وستون ملكاً، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك تفسير : . للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل، كلهم باسط يديه فاغر فاه، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين، لاختطفته الشياطين. وأخرج أبو داود في القدر، وابن أبي الدنيا وابن عساكر، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لكل عبد حفظة يحفظونه، لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة، حتى إذا جاء القدر الذي قدّر له، خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله أن يصيبه. وفي لفظ لأبي داود: وليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك، فلا تريده دابة ولا شيء إلا قال اتقه اتقه، فإذا جاء القدر خلى عنه. وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي - رضي الله عنه - قال: حديث : دخل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله، أخبرني عن العبد، كم معه من ملك؟ فقال: ملك عن يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على الشمال، إذا عملت حسنة كتبت عشراً، فإذا عملت سيئة، قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب، فإذا قال ثلاثاً قال: نعم اكتبه، أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منه؟! يقول الله {وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على يمينك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل بني آدم، ينزل ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل . تفسير : وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} لا يغير ما بهم من النعمة حتى يعملوا بالمعاصي، فيرفع الله عنهم النعم. وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب العرش، وأبو الشيخ وابن مردويه، عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله "حديث : وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية، كانوا على ما كرهته من معصيتي، ثم تحوّلوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحوّلت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي؛ وما من أهل بيت ولا قرية ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي، ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي، إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من غضبي ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال: حديث : أتى عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عامر:"ما تجعل لي إن اتبعتك؟ قال: أنت فارس، أعطيك أعنة الخيل. قال: فقط؟ قال: فما تبغي؟ قال: لي الشرق ولك الغرب، ولي الوبر ولك المدر. قال: لا. قال: لأملأنها إذاً عليك خيلاً ورجالاً. قال: يمنعك الله ذلكتفسير : . وأتيا قبيلة تدعى الأوس والخزرج، فخرجا، فقال عامر لأربد: إن كان الرجل لنا يمكنا لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان، ولرضوا بأن نعقله لهم، وأحبوا السلم وكرهوا الحرب إذا رأوا أمراً قد وقع، فقال الآخر: إن شئت. فتشاورا وقال: أرجع، أنا أشغله عنك بالمجادلة، وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة، فكانا كذلك، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر قال: أقصص عليّ قصصك. قال: ما تقول؟ قال: قرأتك، فجعل يجادله ويستبطئه، حتى قال له ما لك، أحشمت؟ قال: وضعت يدي على قائم السيف فيبست، فما قدرت على أن أحلي ولا أمري، فجعل يحركها ولا تتحرك، فخرجا، فلما كانا بالحرة سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن خضير، فخرجا إليه على كل واحد منهما لأمته ورمحه بيده، وهو متقلد سيفه، فقال أسيد لعامر بن الطفيل: يا أعور الخبيث، أنت الذي تشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لولا أنك في أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رمت المنزل حتى ضربت عنقك. فقال: من هذا؟ قالوا: أسيد ابن حضير. قال: لو كان أبوه حياً لم يفعل بي هذا، ثم قال عامر لأربد: أخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة، وأخرج أنا إلى محمد فأجمع الرجال فنلتقي عليه، فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم، بعث الله سحابة من الصيف فيها صاعقة فأحرقته، وخرج عامر حتى إذا كان بوادي الحريد، أرسل الله عليه الطاعون، فجعل يصيح: يا آل عامر، اغدة كغدة البعير تقتلني، وموت أيضاً في بيت سلولية، وهي امرأة من قيس، فذلك قول الله {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ...} إلى قوله {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} هذا مقدم ومؤخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك المعقبات من أمر الله {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ...} حتى بلغ {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} وقال لبيد في أخيه أربد وهو يبكيه: شعر : أخشى علـى أربـد الحتـوف ولا أرهب نوء السماء والأسد فجعتني الرعد والصواعق بالفا رس يوم الكريهـة النجـــد تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} قال: إنما يجيء التغيير من الناس، والتيسير من الله، فلا تغيروا ما بكم من نعم الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم - رضي الله عنه - قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، أن قل لقومك أنه ليس من أهل قرية ولا من أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحوّلون إلى معصية الله، إلا تحوّل الله مما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي هلال - رضي الله عنه - قال: بلغني أن نبياً من الأنبياء عليهم السلام، لما أسرع قومه في المعاصي قال لهم: اجتمعوا إلي لأبلغكم رسالة ربي، فاجتمعوا إليه وفي يده فخارة فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول لكم إنكم قد عملتم ذنوباً قد بلغت السماء، وإنكم لا تتوبون منها وتنزعون عنها إلا إن كسرتم كما تكسر هذه. فألقاها فانكسرت وتفرقت، ثم قال: وأفرقكم حتى لا ينتفع بكم، ثم أبعث عليكم من لا حظ له فينتقم لي منكم، ثم أكون الذي أنتقم لنفسي بعد. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - قال: إن الحجاج عقوبة، فلا تستقبلوا عقوبة الله بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرع واستكانة. وأخرج أبو الشيخ، عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - قال: كلما أحدثتم ذنباً، أحدث الله لكم من سلطانكم عقوبة. وأخرج أبو الشيخ، عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - قال: قرأت في بعض الكتب: "إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فلا تشغلوا قلوبكم بسبب الملوك، وادعوني أعطفهم عليكم". وأخرج أبو الشيخ عن السدي - رضي الله عنه - {وما لهم من دونه من وال} قال: هو الذي تولاهم فينصرهم ويلجئهم إليه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}[11] يعني ملائكة الليل والنهار يعقب بعضهم بعضاً {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}[11] مقاديره على عبده من خير وشر، ويشهدون له بالوفاء، وعليه بالجفاء يوم القيامة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 11]. قال بعضهم: المحفوظ بالأسباب محفوظ بالمسبب وأمره فالعلماء رأوا السبب، والعارفون رأوا المسبب. قال الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ}. قال ابن عطاء: الأسباب تحفظك من أمره فإذا جاء القضاء خلا بينك وبينه وكيف يكون محفوظًا من هو محفوظ من حافظه، والمحفوظ بالحقيقة من هو محفوظ بالحافظ لا محفوظ من الحافظ. قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الآية: 11]. قال الصادق: لا يوفقهم لتغيير أسرارهم ولا يغير عليهم أحوالهم ولو وصفهم لتغيير أحوالهم، أسرارهم ومشاهدة البلوى، لذلوا وافتقروا فنالوا به النجاة. قال النصرآباذى: لكل قوم تغيير وتبديل لكن لا يناقش العوام على ما يناقش عليه أهل الصفوة. وقال بعضهم: غيروا ألسنتهم عن حقائق ذكره فغير قلوبهم عن لطائف بره، وغيروا أنفسهم عن معانى العبودية فغير قلوبهم عن دلائل الربوبية. قوله عز وجل: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} [الآية: 11]. قال القاسم: إذا أراد هلاك قومٍ حَسَّنَ فى أعينهم موارد الهلاك حتى يمشون إليه بأرجلهم وتدبيرهم، وهو الذى أتى بهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}. الكناية في: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} راجعةٌ إلى العبد، أي أن الله وَكَلَ بكلِّ واحدٍ منهم معقباتٍ وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضاً بالليل والنهار يحفظون هذا المكلَّف وذَاكَ من أمر الله، أي من البلاء الذي بقدرة الله. يحفظونهم بأمر الله من أمر الله، وذلك أن الله - سبحانه - وَكَلَ لكلِّ واحدٍ من الخَلقْ ملائكةً يدفعون عنهم البلاَءَ إذا ناموا وغفلوا، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا... وفي جميع أحوالهم. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}. إذا غيَّروا ما بهم إلى الطاعات غيَّر الله ما بهم منه من الإحسان والنعمة، وإذا كانوا في نعمة فغيَّروا ما بهم من الشكر لله تغيَّر عليهم ما مَنَّ به من الإنعام فيسلبهم ما وهبهم من ذلك، وإذا كانوا في شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أخذوا في التضرع، وأظهروا العجز غيَّر ما بهم من المحنة بالتبديل والتحويل. ويقال إذا غيَّروا ما بألسنتهم من الذِّكْرِ غيَّر الله ما بقلوبهم من الحظوظ فأبدلهم به النسيانَ والغفلة، فإذا كان العبد في بسطةٍ وتقريب، وكشفٍ بالقلب وترقب.. فاللَّهُ لا يُغَيِّر ما بأنفسهم بترك أدبٍ، أو إخلال بحقٍ، أو إلمام بذنبٍ. ويقال لا يَكُفُّ ما أتَاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يتركَ ويُغَيِّر ما هو به من الشكر والحمد. فإذا قابل النعمة بالكفران، وأبدل حضور القلب بالنسيان وما يُطيح به من العصيان.. أبدل اللَّهُ تعالى ما به من النعمة بالحرمان والخذلان، وسَلَبَه ما كان يعطيه من الإحسان. ويقال إذا توالت المحنُ وأراد العبدُ زوالَها فلا يصل إليه النَّفْضُ منها إلاَّ بأَنْ يغير ما هو به؛ فيأخذ في السؤال بعد السكوت، وفي إظهار الجَزَع بعد السكون، فإذا أخذ في التضرع غيَّر ما به من الصبر. قوله: {وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}: يقال إذا أراد اللَّهِ بقومٍ بلاءً وفتنة فما تعلَّقَتْ به المشيئة لا محالة يجري. ويقال إذا أراد الله بقوم سوءاً (...) أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ما فيه بلاؤهم، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، ويسعون - في الحقيقة - في دَمِهِم كما قال قائلهم: شعر : إلى حَتْفِي مَشَى قدمي إذا قَدَمِي أراق دمي
اسماعيل حقي
تفسير : {له} اى لله تعالى او للانسان الموصوف بما ذكر {معقبات من بين يديه ومن خلفه} جمع معقبة والتاء للمبالغة كما فى علامة لا للتأنيث فان الملك لا يوصف بالذكورة ولا بالانوثة وصيغة التفعيل للمبالغة والتكثير كما فى قولك طوف البيت لا للتعدية. والتعقيب [در عقب كسى بيامدن] كما فى التهذيب يقال عقبه تعقيبا جاء بعقبه. والمعقبات ملائكة الليل والنهار كما فى القاموس. وقيل للملائكة الحفظة معقبات لكثرة تعاقب بعضهم بعضا فى النزول الى الارض بعضهم بالليل وبعضهم بالنهار اذا مضى فريق خلفه فريق اى يعقب ملائكة الليل وملائكة النهار وملائكة النهار ملائكة الليل ويجتمعون فى صلاة الفجر والعصر. والمعنى له ملائكة يتعاقب بعضهم بعضا كائنون من امام الانسان ووراء ظهره اى يحيطون من جوانبه {يحفظونه من امر الله} من بأسه ونقمته اذا اذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم ان يمهله رجاء ان يتوب من ذنبه وينيب او يحفظونه من المضار التى امر الله بالحفظ منها. قال مجاهد ما من عبد الاله ملك موكل به يحفظه فى نومه ويقظته من الجن والانس والهوام فما يأتيه منهم شئ يريده الا قال وراءك الا شئ يأذن الله فيه فيصيبه - وروى - عن عمرو بن ابى جندب قال كنا جلوسا عند سعيد بن قيس بصفين فاقبل على رضى الله عنه يتوكأ على عنزة له بعدما اختلط الظلام فقال سعيدا امير المؤمنين قال نعم قال أما تخاف ان يغتالك احد قال انه ليس من احد الا ومعه من الله حفظة من ان يتردى فى بئر او يخر من جبل او يصيبه حجر او تصيبه دابة فاذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر. قال فى اسئلة الحكم اختلف العلماء فى عدد الملائكة التى وكلت على كل انسان فقيل عشرون ملكا وقيل اكثر والاول اصح لان عثمان رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فذكر عشرين ملكا وقال ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الملك الذى عن يسارك كما قال تعالى {أية : عن اليمين وعن الشمال قعيد} تفسير : وملكان بين يديك ومن خلفك لقوله تعالى {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله} وملك قائم على ناصيته اذا تواضع لله رفعه واذا تجبر على الله قصمه وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلاة على النبى عليه السلام وملك على فيك لا يدع الحية تدخل فيك وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة املاك على كل آدمى فتنزل ملائكة الليل على ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمى وابليس بالنهار واولاده بالليل. قال بعض الائمة ان قلت الملائكة التى ترفع عمل العبد فى اليوم هم الذين يأتون ام غيرهم قلت الظاهر انهم هم وان ملكى الانسان لا يتغيران عليه ما دام حيا فاذا مات قالا يا رب قد قبضت عبدك فالى اين نذهب قال تعالى "حديث : سمائى مملوءة من ملائكتى وارضى مملوءة من خلقى يطيعوننى اذهبا الى قبر عبدى فسبحانى وحمدانى وهللانى وكبرانى ومجدانى وعظمانى واكتبا ذلك كله لعبدى الى يوم القيامة" تفسير : وقيل المعقبات اعوان السلطان فهو توبيخ الغافل المتمادى فى غروره والتهكم به على اتخاذه الحراس بناء على توهم انهم يحفظونه من امر الله وقضائه كما يشاهد من بعض الملوك والسلاطين. والعاقل يعلم ان القضايا الالهية والنوازل المقدرة مما لا يمكن التحفظ منه فانظروا رأيهم وما ذهبوا اليه شعر : از كمان قضا جوتير قدر بدر آمد نشد مفيد سير تفسير : ويقال للمؤمنين طاعات وصدقات يحفظونه من عذاب الله عند الموت وفى القبر وفى القيامة. قال بعض السلف اذا احتضر المؤمن يقال للملك شم رأسه فيقول اجد فى رأسه القرآن فيقال شم قلبه فيقول اجد فى قلبه الصيام فيقال شم قدميه فيقول اجد فى قدميه القيام فيقال حفظ نفسه حفظه الله {ان الله لا يغير ما بقوم} من العافية والنعمة {حتى يغيروا ما بانفسهم} حتى يتركوا الشكر وينقلبوا من الاحوال الجميلة الى القبيحة شعر : كرت هواست معشوق نكساد بيوند نكاه دار سر رشته تانكه دارد تفسير : وفى التأويلات النجمية {ان الله لا يغير ما بقوم} من الوجود والعدم {حتى يغيروا ما بانفسهم} باستدعاء الوجود والعدم بلسان الاستحقاق للوجود والعدم على مقضتى حكمته ووفق مشيئة انتهى. وفى الآية تنبيه لجميع الناس ليعرفوا نعمة الله عليهم ويشكروا له كيلا تزول فدوران اللسان بالذكر والجنان بالفكر من الامور الجميلة فاذا تحول المرء من الذكر الى النسيان فقد تحول الى الحالة القبيحة فاذا لا يجد من الفيض الالهى ما يجده قبل وقد غير الله بشؤم المعصية اشياء كثيرة غير ابليس وكان اسمه عزرائيل فسماه ابليس. قال ابراهيم بن ادهم مشيت فى زرع انسان فنادانى صاحبه يا بقر فقلت غير اسمى بزلة فلو كثرت لغير الله معرفتى وكذا غير اسمى هاروت وماروت وكان اسمهما قبل اقتراف الذنب عزا وعزايا وكذا غير لون حام بن نوح اذ نظر الى عورة ابيه وكان نائما فاخبر نوح بذلك فدعا عليه فسوده الله فالهند والحبشة من نسله وقيل ان نوحا قال لاهل السفينة وهى تطوف بالبيت العتيق انكم فى حرم الله وحول بيته لا يمس احد امرأة وجعل بينهم وبين النساء حاجزا فتعدى ولده حام ووطئ زوجه فدعا الله عليه بان يسود لون بنيه فاجاب الله دعاءه وغير الصورة على داود بزلة واحدة وغير الصورة على قوم موسى لاخذهم الحيتان فصيرهم قردة وعلى قوم عيسى فصيرهم خنازير وغير المال والبساطين على آل القطروس حيث منعوا الناس عنها فاحرقتها نار وكذلك هلاك اموال القبط بدعاء موسى {أية : ربنا اطمس على اموالهم} تفسير : الآية فصار ماؤهم دما واموالهم حجرا وغير العلم على امية بن ابى الصلت كان نائما فاتاه طائر وادخل منقاره فى فيه فلما استيقظ نسى جميع علومه وكان من بلغاء قريش وكان يرجو ان يكون هو نبى آخر الزمان او وعد الايمان به فلما بعث نبينا صلى الله عليه وسلم انكره وغير المكان على آدم بزلة واحدة وخسف بقارون الارض حيث منع الزكاة: قال الحافظ شعر : كنج قارون فروميرود ازقهر هنوز خوانده باشى كه هم ازغيرت دوريشانست تفسير : وغير اللسان على رجل بسبب العقوق نادته والدته فلم يجبها فصار اخرس وغير الايمان على برصيصا بعد ما عبد الله مائتين وعشرين سنة ولم يعص الله فيها طرفة عين لانه لم يشكر يوما على نعمة الاسلام شعر : شكر نعمت نعمتت افزون كند كفر نعمت از كفت بيرون كند تفسير : {واذا اراد الله بقوم سوأ} عذابا وهلاكا {فلا مرد له} فلا رد له والعامل فى اذا ما دل عليه قوله فلا مرد له وهو لا يرد واذا عند نحاة البصرة حقيقة فى الظرف وقد تجئ للشرط من غير سقوط معنى الظرف نحو اذا قمت اى اقوم وقت قيامك تعليقا لقيامك بقيامه بمنزلة تعليق الجزاء بالشرط ودخوله اما فى امر كائن متحقق فى الحال نحو شعر : اذا ارى الدنيا وابناءها استعصم الرحمن من شرها تفسير : اوامر منتظر لا محالة مثل {أية : اذا وقعت الواقعة} تفسير : و {أية : اذا الشمس كورت} تفسير : فهى ترد الماضى الى المستقبل لانها حقيقة فى الاستقبال وعند الكوفيين يجئ للظرف والشرط نحو شعر : واذا يحاس الحيس يدعى جندب تفسير : ونحو شعر : واذا تصبك خصاصة فتحمل تفسير : {ومالهم} اى لمن اراد تعالى هلاكه {من دونه} سوى الله تعالى {من وال} ممن يلي امرهم ويدفع عنهم السوء. والوالى من اسماء الله تعالى وهو من ولى الامور وملك الجمهور والولاية تنفيذ القبول على الغير شاء الغير او ابى. وفيه دليل على ان خلاف مراد الله محال فانه المتفرد بتدبير الاشياء المنفذ للتدبير ولا معقب لحكمه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (وإذا): ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه الجواب، أي: لا يُرد ما قضى إذا أراد إنفاده. و(خوفاً وطعماً): منصوبان على العلة بتقدير المضاف، أي: إرادة الخوف والطمع؛ ليتحد الفاعل، أو بتأويل: يجعلكم ترون البرق خوفاً وطمعاً. و(الثقال): نعت للسحاب، وجَمَعَه؛ لأن السحاب جنس بمعنى الجمع. وجملة: {وهم يجادلون}: إما استئنافية، أو حال من الموصول، و(المِحال): المكر والخديعة. من مَحَل بفلان إذا كاده وعرَّضه للهلاك، ومنه تَحَمَّلَ: إذا تكلَّف استعمال الحيلة، فالميم أصلية، ووزنه: فِعَال، وقيل: مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه: مِفْعَل، وأصله: مِحْيَل. يقول الحق جل جلاله: {إن الله لا يُغَيّر ما بِقومٍ} من النعم والعافية إلى النقمة والبلية {حتى يُغَيِّروا} هم {ما بأنفسهم} من الطاعة وترك المعصية، إلى ارتكاب الذنوب. فلا يسلب النعم عن قوم إلا بارتكاب ذنب، ولو من البعض إذا سكت الكل. {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له} أي فلا رادّ له ولا معقب لحكمه، {وما لهم من دونه من وَالٍ} أي: ليس لهم من يلي أمرهم، ويدفع عنهم السوء الذي قضاه الله عليهم، وأراد نزوله بهم؛ لأن وقوع خلاف مراد الله تعالى محال. {هو الذي يُريكم البَرق خوفاً وطمعاً} أي: خوفاً مما ينشأ عن البرق من الصواعق والأمور الهائلة، وطمعاً في نزول الغيث الذي يكون معه غالباً، {ويُنشئ} أي: يخلق {السحاب}؛ الغيم المسْحب، {الثِّقال}: المثقل بالمطر الحاملة له، {ويُسبحُ الرعدُ بحمده} أي: متلبساً بحمده. أو: يدل الرعد بنفسه على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ملتبساً بالدلالة على كمال فضله، ونزول رحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد؛ فقال: "حديث : مَلَكٌ مَوَكَّلُ بالسَّحابِ، له مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ السَّحَاب ". تفسير : {و} تسبح أيضاً {الملائكة من خِيفَته} أي: من خوفه وإجلاله، {ويُرسل الصواعقَ}؛ نار تنزل من السماء وقت ضرب الرعد، {فيصيب بها ما يشاء} فيهلكه {وهم يجادلون في الله} أي: الكفار، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة، {وهو شديد المِحَال} أي: شديد المكر بأعدائه، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ. رُوي أن عامر بن الطُفَيل وأرْبَدَ بن ربيعة وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغله، ودار أرْبَدُ من خلفه؛ ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقال: "حديث : اللَّهُمَّ اكفنيهما بِمَا شِئتَ" تفسير : ، فأرسل الله على أرْبد صاعقة فقتلته، ورُمي عامرٌ بغدة، فمات في بيت امرأة سلُوليَّة، فكان يقول: غُدة كغُدَّة البعير، وموت في بيت امرأة سلُولِيَّة! فنزلت الآية من أولها، وهو قوله: {له معقبات...} إلخ، على قول. الإشارة: من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدبٍ منهم، كلٌّ على قدر مقامه، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة، أو بالمخالفة الظاهرة، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة، فلكل مقام حقوق آداب؛ فمن أَخَلَّ بحقوق مقام نقص له منه، إلا أن يتوب. وقد يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيظن أنه لم يُسْلب. ولو لم يكن إلا ترك المزيد. وقد يبعد، وهو لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد. كما في الحِكَم: "إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب". وهذا ما لم يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع الله في المعرفة. وإلا فالرعاية والعناية محفوفة بقلبه، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له: افعل ما شئت فقد غفرتُ لك، كما وقع لأهل بدر، وراجعٌ ما تقدم عند قوله:{أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 82] وقد يُغير الله قلب عبده اختباراً له، فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة، فإن هو اضطرب وتضرع ردَّ له حاله، وإن لم يضطرب ولم يفزع إلى الله لم يرد له شيئاً. وإليه الإشارة بقوله: {وإذا اراد الله بقوم سوءاً فلا مَردَّ له...} الآية. هو الذي يُريكم بَرْقَ لمعان أنوار المشاهدة، عند الاستشراف على الحضرة القدسية، خوفاً من الرجوع؛ لعدم إطاقة ذلك النور، وطمعاً في الوصول إلى التمكين، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل، وهي أنوار المواجهة، وينشئ سحاب الواردات ثقالاً بالعلوم والأسرار، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني، فيصيب بها من يشاء ممن سبقتَ له العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار، وهو شديد المحال، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البُعد، وهم لا يشعرون. ومن جملة التغيير الذي يسلب النعم ويوجب العظم الركون إلى غير الله بالدعاء وغيره.
الطوسي
تفسير : اختلفوا في الهاء في قوله {له} الى من ترجع، فقال ابن زيد: على اسم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إنما أنت منذر} وقال غيره: على اسم الله في قوله {عالم الغيب والشهادة} وقال قوم: على (من) في قوله {من أسر القول ومن جهر} فكأنه قال للانسان معقبات. وهو الأقوى. والمعقبات في هذا الموضع هم الملائكة، فقال الحسن وقتادة ومجاهد: ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار، وقال ابن عباس - في رواية - انهم الامراء والولاة لهم حرس واعوان يحفظونهم. وقال الحسن: هم اربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر، والمعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلاً منه. وأصل التعقيب كون شيء بعد آخر، فالمعقبات الكائنات على خلف بعضها لبعض بعد ذهابه، والمعقب الطالب دينه مرة بعد اخرى قال لبيد: شعر : حتى تهجر في الرواح وهاجه طلب المعقب حقه المظلوم تفسير : ومنه العقاب لانه يستحق عقيب المعصية. والعقاب لانه يعقب بطلبه لصيده مرة بعد مرة، والعقب لانه يعقب به لشده على الشيء مرة بعد مرة، وهو جمع الجمع، لان واحده معقب مثل رجالة ورجالات. وفي قراة أهل البيت {له معقبات من خلفه ورقيب بين يديه} قالوا لان المعقب لا يكون الا من خلفه. وقوله {يحفظونه من أمر الله} قيل في معناه اقول: احدها - قال الحسن وقتادة: المعنى بأمر الله، كما تقول جئتك من دعائك اياي اي بدعائك، وفي قراءة اهل البيت {بأمر الله}. وقال مجاهد وابراهيم: يحفظونه من امر الله من الجن والهوام. والمعنى ذلك الحفظ من امر الله. وقال قوم: معناه عن أمر الله، كما يقال أطعمه عن جوع ومن جوع. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال له معقبات من بين يديه ومن خلفه من أمر الله يحفظونه، وانما قال يحفظونه على التذكير مع قوله {له معقبات} على التأنيث حملاً على المعنى، وفي تفسير اهل البيت إن معناه يحفظونه بأمر الله. وقوله {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} معناه ان الله لا يسلب قوماً نعمة حتى يعملوا بمعاصيه التي يستوجبون بها العقاب فانه حينئذ يعاقبهم ويغير نعمه عليهم. وفي ذلك دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله يعذب الاطفال، لانهم لم يغيروا ما بأنفسهم بمعصية كانت منهم. والتغيير تصيير الشيء على خلاف ما كان مما لو شوهد شوهد على خلاف ما كان. وقوله {وإذا أراد الله بقوم سوءاً} يعنى هلاكاً {فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال} معناه لا يقدر أحد على دفعه ولا نصرته عليه بل هو تعالى الغالب لكل شيء القاهر لمن يريد قهره، والوالي فاعل من ولي يلي فهو وال ووليّ مثل عالم وعليم، والله ولي المؤمن اي ناصره، والمعنى لا يتولاهم أحد الا الله.
فرات الكوفي
تفسير : {له معقبات من بين يديه ومن خلفه11} فرات قال: حدّثنا إِسماعيل بن إبراهيم معنعناً: عن أبي الجوازة في قوله تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} قال: هذه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.
اطفيش
تفسير : {لهُ} أى للمذكور من مسر وجاهر، ومستخف وسارب، أو للإنسان {معقِّباتٌ} جماعات معقبات، فهو جمع معقبة، ولذلك جمع بألف وتاء، مع أن المراد الملائكة، أو هو جمع معقبة بتاء المبالغة والكثرة، كراوية لكثير الرواية، أو جمع معقب شذوذا وهو من عقبه بالشديد للمبالغة بمعنى جاء عقبه، أو التشديد لكثرة المعقب عليه، ولأن الأصل متعقبات، نقلت فتحة التاء للعين، وأبدلت قافا وأدغمت فى القاف، وذلك أن الملائكة يجئ بعضها عقب بعض لحفظ ابن آدم، أو أنه يعقبون كلامه وفعله بالكتابة. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر فيسألهم ربهم وهو أعلم كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون ". تفسير : وروى"حديث : أن مع كل آدمى ملكين: ملك عن يمينه وملك عن شماله إذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين فى حينه عشرا، وإذا عمل سيئة قال لصاحب الشمال وهو أمين عليه: لا تكتبها حتى تمضى ساعات لعله يستغفر، وإذا مضت ولم يتب فاكتبها واحدة"تفسير : وقرئ معاقب جمع معقب أو معقبة بالتاء على توجيهها المذكور، والباء فى الجمع عوض عن إحدى القافين. {مِنْ بَين يَديه ومن خَلْفه} عبر بالجهتين عن تعميم الجهات، وفى مصحف أبى ورقيب من خلفه، وعن ابن عباس ورقباء من خلفه. {يحْفظونَه مِنْ أمر اللّهِ} من بمعنى الباء، وقد قرأ بالباء: على، وابن عباس، وزيد بن على، وجعفر بن محمد، وعكرمة أى يحفظونه عما يضره، أو يحفظونه عمله بإذن الله، فإن لكل آدمى ملكين يكتبان عمله، وملكا آخذا بناصيته إذا تواضع لله عز وجل رفعه بها، وإذا تكبر وضعه بها، وملكا موكلا بعينيه يحفظهما من الأذى، وملكا موكلا بفيه، ولا يدع شيئا يدخل فيه من الهوام وغيرها، وكذا لا يدع ما يضره بجسده كلما أراده شئ قال: إليك حتى يأتى القدر. وعن بعض الصحابة: ملك يحفظه عما لم يقدر له، وملك يحفظ عمله، وعن الحسن: المعقبات ملكان بالليل وملكان بالنهار، قال كعب الأحبار رضى الله عنه: لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم لتخطفكم الجن. وقيل له: معقبات مما قدم من عمل، ومما أخر يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بأن يطلبوا له المهلة والمغفرة، فمِنْ على أصلها، وكذا إذا فسرنا أمر الله بالمضار فإنه تكون مِنْ على أصلها، ومعنى حفظه منها وهى أمر الله حفظه منها وهى مخلوقة لله تعالى فى الجملة، وليس المراد أن الله جل وعلا يوجهها إليه فتصرفها الملائكة إذ هذا محال لا طاقة به، وقيل: من للتعليل، أى يحفظونه من أجل أمر الله لهم بحفظه، وتحتمل هذا المعنى قراءة الباء، وقيل: من أمر الله نعت ثان لمعقبات، والأول من بين يديه. وقال عكرمة: المعقبات حرس السلطان يحفظونه عن المضار التى هى أمر من أمور الله، أو يحفظونه من قضاء الله فيما توهم، أو قيل ذلك تهكما به، والسابق إلى فهمى أول مرة أن الهاء فى له عائدة إلى الله سبحانه وتعالى، وفيما بعد ذلك للإنسان المذكور بالإسرار أو الجهر، والاستخفاء والسروب، ثم رأيته قولا لفرقه. وعن ابن عباس: الهاءات لمحمد صلى الله عليه وسلم، أى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن، من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه من الجن والإنس وغيرهما. وقال عبد الرحمن بن زيد كذلك، وقال: إنها نزلت فى حفظة عن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة، لقنهما الله إذا أرادا به غدرا، وفيه نقص بعد، وإنما الأولى فى مثل ذلك أن يقال: نزلت بسبب قصة كذا وأن المعنى على العموم والسابق فى حفظى أن الذى نزل فيهما هو قوله تعالى:{أية : هو الذى يريكم البرق}تفسير : إلى قوله:{أية : دعوة الحق}. تفسير : {إنَّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ} أى ما فى قوم من العافية والنعمة {حتَّى يُغيروا ما بأنفسِهِم} أى ما فيهم من الأحوال الجميلة بالمعاصى، وهذا فى الموحد ظاهر، وأما فى غيره فوجهه أن المشرك قد تصدر عنه أحوال جميلة كالعدل بين الخلق، والرحمة والصدقة، وإذا تركوها او أكثروا الفواحش أو أعظموها كوصف الله بأنه إنما يكون من نحو حديد أو رصاص أو نحاس، وكإرادة الغدر بالنبى أزيلت عنهم النعم بعد استدراجهم بها، وأن العقل داع إلى الأحوال الجميلة، فإذا غيروها بترك اتباعها زالت عنهم النعم، وإن دين الله كالشئ الثابت فيهم، ولو لم يؤمنوا به لظهوره كالشمس، فإذا غيروه بالإعراض عنه زالت. {وإذا أرادَ الله بقوم سُوءاً} هلاكا وما دونه {فَلا مردَّ له} أى فلا راد له من المعقبات، ولا من غيرها، والمراد مصدر ميمى، والجملة جواب إذا، أو الجواب محذوف أى أصابهم بالجملة دليل عليه وفاؤها للتعليل. {وَما لهم مِنْ دُونه} من دون الله، أو من دون السوء {مِنْ} صلة للتأكيد ومجرورها مبتدأ، والخبر لهم أو فاعل لقوله: {لهم} لاعتماد على النفى {والٍ} أحد يلى أمرهم بالنصر ودفع السوء.
اطفيش
تفسير : {لَهُ مُعَقِّباتٌ} جمع معقبة، والمعقبة جماعة فكأنه قيل له جماعات معقبات، أَو جمع معقبة والمعقبة مفرد وتاره على هذا للمبالغة وهاءٌ له للمخلوق - أَو لله عز وجل - ومعقبات الملائِكة والتشديد للمبالغة إذ يكفى أن يقال عاقبات اسم فاعل عقب بالتخفيف، وإذا قلنا إنه جمع معقبة للواحد والتاءُ للمبالغة اجتمع تأكيدان وذلك أن الملائِكة أَشداءُ التعقب على الإنس والجن فى كتب ما يعقلون وما يقولون، قيل وما يعتقدون على أن الله - جل وعلا - يطلعهم عليه يعقبون ذلك منهم بالكتب له أَو أَشداءُ التعقب عليه يحفظونه مما أَمرهم الله بالحفظ عنه كما قال: {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} يحفظونه من المضار بأَمر الله، ومن بمعنى الباءِ، أَو لأَجل أَمر الله لهم بالحفظ، ويجوز أن تكون للابتداءِ، والمعنى يحفظونه مما هو ملك لله لو وقع أَو من أَمر الله الواقع على غيره، والضر خلق لله وفعل له، أَما الإنس فمضرتهم من بعض لبعض، ومن الجن والهوام وغير ذلك كالتردى والاحتراق والشوكة والصاعقة فى النوم واليقظة، وأما الجن فمن بعض لبعض ومن الناس، ومما ذكر وما لم يؤمروا بالحفظ عنه لم يحفظوا أَحدا عنه، وأمرهم إنما هو بالإلهام فيقع الإنسان فى بئْر أَو عند سبع أَو نحو ذلك من المضار فليحقه الضر إذ لم يقع لهم إلهام وانكشاف لذلك، قال كعب الأحبار رضى الله عنه: لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكةً يذبون عنكم فى مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لاختطفتكم الجن، ومعنى من بين يديه ومن خلفه من جهاته كلها فأَشار إليها كلها بالجهتين كما يشار بالأَول والآخر إلى الوسط معهما، أَو معناه من الأعمال ما قدم وما أُخر، وذلك فى الملكين الكاتبين، وقيل: الكاتبون لكل أحد أربعة فصاعدا، روى أنه تطلع خمسة باتوا معنا فيقول الله لهم كيف تركتم عبادى فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، ويصبح معنا خمسة فيقال لهم فيقولون ذلك لأَنهم يجتمعون عند العصر، وقيل عند المغرب وفى قرب الفجر، وقيل فى الفجر، وقال اللقانى: عشرة ليلا وعشرة نهارا، وقيل خمسة ليلا وخمسة نهار، الأول على اليمين لكتابة الحسنات، والثانى على اليسار لكتابة السيئات، والثالث على الناصية يرفعه إن تواضع، ويضعه إن ترفع وآخر يقيه عن الأذى وآخر يقيه عن الهوام، ومن بين يديه إلخ متعلق بما قبله، وإن علق بيحفظونه فلا بأْس لأنها بمعنى فى، ومن فى من الله للابتداء أو السببية أَو الاستعانة كما مر {إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ} فى قوم أو لقوم أو مع قوم من نعم الصحة والمال والجاه والستر ونحو ذلك {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من الحالة الحسنة بالمعصية، وكل أحد يولد على الفطرة حتى يبلغ فيكفر أَو يبقى على الخير، أَو من حال حسنة كالجود والعدل، ولو كان كافرا فإِذا جار سلب ماله مما يستحسنه، وقد يبقيه أو يزيده مما يحب استدراجا، والشكر يبقى النعم والكفر يزيلها {وَإِذَا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً} ضرا {فَلاَ مَرَدَّ لهُ} لا رد له، قيل: المعقبات، الحرس حول السلطان يحفظونه بإذن الله، وإذا أراد الله به سوءاً لم يدفعوه بل إن شاءَ سلطهم عليه وذلك كالتهكم بهم {وَمَا لَهُمْ مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَّالٍ} يليهم يدفع العذاب أو بعضه قبل وقوعه أو بعده.
الالوسي
تفسير : {لَهُ } الضمير راجع إلى من تقدم ممن أسر بالقول وجهر به إلى آخره باعتبار تأويله بالمذكور وإجرائه مجرى اسم الإشارة وكذا المذكورة بعده {مُعَقّبَـٰتٌ } ملائكة تعتقب في حفظه وكلائته جمع معقبة من عقب مبالغة في عقبه إذا جاء على عقبه واصله من العقب وهو مؤخر الرجل ثم تجوز به عن كون الفعل بغير فاصل ومهلة/ كأن أحدهم يطأ عقب الآخر، فالتفعيل للتكثير وهو إما في الفاعل أو في الفعل لا للتعدية لأن ثلاثيه متعد بنفسه، ويجوز أن يكون إطلاق المعقبات على الملائكة عليهم السلام باعتبار أنهم يعقبون أقوال الشخص وأفعاله أي يتبعونها ويحفظونها بالكتابة. وقال الزمخشري: إن أصله معتقبات فهو من باب الافتعال فأدغمت التاء في القاف كقوله تعالى: {أية : وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ } تفسير : [التوبة: 90] أي المعتذرون. وتعقب بأنه وهم فاحش فإن التاء لا تدغم في القاف من كلمة أو كلمتين، وقد نص الصرفيون على أن القاف والكاف كل منهما لا يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما، والتاء في معقبة للمبالغة كتاء ـ نسابة ـ لأن الملائكة عليهم السلام غير مؤنثين، وقيل: هي للتأنيث بمعنى أن معقبة صفة جماعة منهم، فمعنى معقبات جماعات كل جماعة منها معقبة وليس معقبة جمع معقب، وذكر الطبري أنه جمعه وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات وهو كما ترى لكن أوله أبو حيان بأنه أراد بقوله: جمع معقب أنه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقب وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث معقب فصار مثل الواردة للجماعة الذين يردون وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث وارد؛ وتشبيه ذلك بما ذكر من حيث المعنى لا من حيث صناعة النحو، فبين أن معقبة من حيث أريد به الجمع كرجال من حيث وضع للجمع وإن معقبات من حيث استعمل جمعاً لمعقبة المستعمل في الجمع كرجالات الذي هو جمع رجال. وقرأ أبـي وإبراهيم {معاقيب} وهو جمع كما قال الزمخشري جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير، وقال ابن جني: إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم ومقدم ومقاديم كأنه جمع على معاقبة ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها ولعله الأظهر، وقرىء {معتقبات} من اعتقب {مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } متعلق بمحذوف وقع صفة لمعقبات أو حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً له، فالمعنى أن المعقبات محيطة بجميع جوانبه أو هو متعلق بمعقبات و {مِنْ } لابتداء الغاية، فالمعنى أن المعقبات تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال أي تحفظ جميع أعماله، وجوز أن يكون متعلقاً بقوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ } والجملة صفة معقبات أو حال من الضمير في الظرف. وقرأ أبـي {من بين يديه ورقيب من خلفه} وابن عباس {ورقباء من خلفه} وروى مجاهد عنه أنه قرأ {له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه}. {مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } متعلق بما عنده و {مِنْ } للسببية أي يحفظونه من المضار بسبب أمر الله تعالى لهم بذلك، ويؤيد ذلك أن علياً كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وزيد بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة رضي الله تعالى عنهم قرؤا {بأمر الله} بالباء وهي ظاهرة في السببية. وجوز أن يتعلق بذلك أيضاً لكن على معنى يحفظونه من بأسه تعالى متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له أي يحفظونه باستدعائهم من الله تعالى أن يمهله ويؤخر عقابه ليتوب أو يطلبون من الله تعالى أن يغفر له ولا يعذبه أصلاً، وقال في «البحر»: إن معنى الكلام يصير على هذا الوجه إلى التضمين أي يدعون له بالحفظ من نقمات الله تعالى. وقال الفراء وجماعة: في الكلام تقديم وتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن/ خلفه، وروى هذا عن مجاهد والنخعي وابن جريج فيكون {مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمعقبات أي كانئة من أمره تعالى، وقيل: إنه لا يحتاج في هذا المعنى إلى دعوى تقديم وتأخير بأن يقال: إنه سبحانه وصف المعقبات بثلاث صفات. إحداها: كونها كائنة من بين يديه ومن خلفه. وثانيتها: كونها حافظة له. وثالثتها: كونها كائنة من أمره سبحانه، وإن جعل {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } متعلقاً ـ بيحفظونه ـ يكون هناك صفتان الجملة والجار والمجرور، وتقديم الوصف بالجملة على الوصف به سائغ شائع في الفصيح، وكأن الوصف بالجملة الدالة على الديمومة في الحفظ لكونه آكد قدم على الوصف الآخر. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أن المراد بالمعقبات الحرس الذين يتخذهم الأمراء لحفظهم من القتل ونحوه، وروى مثله عن عكرمة، ومعنى {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } أنهم يحفظونهم من قضاء الله تعالى وقدره ويدفعون عنه ذلك في توهمه لجهله بالله تعالى. ويجوز أن يكون من باب الاستعارة التهكمية على حد ما اشتهر في قوله تعالى: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] فهو مستعار لضده وحقيقته لا يحفظونه. وعلى ذلك يخرج قول بعضهم: إن المراد لا يحفظونه لا على أن هناك نفياً مقدراً كما يتوهم، والأكثرون على أن المراد بالمعقبات الملائكة. وفي «الصحيح» «حديث : يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر»تفسير : وذكروا أن مع العبد غير الملائكة الكرام الكاتبين ملائكة حفظة، فقد أخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبـي الدنيا وغيرهم عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لكل عبد حفظة يحفظونه لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة حتى إذا جاء القدر الذي قدر له خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله تعالى أن يصيبه. وأخرج ابن أبـي الدنيا والطبراني والصابوني عن أبـي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وكل بالمؤمن ثلاثمائة وستون ملكاً يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كلهم باسط يديه فاغر فاه وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي قال: حديث : دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الذي على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشراً فإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أأكتب؟ قال: لا لعله يستغفر الله تعالى ويتوب فإذا قال ثلاثاً قال: نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول الله جل وعلا: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق: 18] وملكان من بين يديك وملكان من خلفك يقول الله تعالى: {لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله تعالى رفعك وإذا تجبرت على الله تعالى قصمك وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية فيه وملكان على عينك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على بني آدم في النهار وينزل مثلهم في الليل»تفسير : . والأخبار في هذا الباب كثيرة. واستشكل أمر الحفظ بأن المقدر لا بد من أن يكون وغير المقدر لا يكون/ أبداً فالحفظ من أي شيء. وأجيب بأن من القضاء والقدر ما هو معلق فيكون الحفظ منه ولهذا حسن تعاطي الأسباب وإلا فمثل ذلك وارد فيها بأن يقال: إن الأمر الذي نريد أن نتعاطاه إما أن يكون مقدراً وجوده فلا بد أن يكون أو مقدراً عدمه فلا بد أن لا يكون فما الفائدة في تعاطيه والتشبث بأسبابه. وتعقب هذا بأن ما ذكر إنما حسن منا لجهلنا بأن ما نطلبه من المعلق أو من غيره والمسألة المستشكلة ليست كذلك، وأنت تعلم أن الله تعالى جعل في المحسوسات أسباباً محسوسة وربط بها مسبباتها حسبما تقضيه حكمته الباهرة ولو شاء لأوجد المسببات من غير أسباب لغناه جل شأنه الذاتي، ولا مانع من أن يجعل في الأمور الغير المحسوسة أسباباً يربط بها المسببات كذلك، وحينئذ يقال: إنه جلت عظمته جعل أولئك الحفظة أسباباً للحفظ كما جعل في المحسوس نحو الجفن للعين سبباً لحفظها مع أنه ليس سبباً إلا للحفظ مما لم يبرم من قضائه وقدره جل جلاله، والوقوف على الحكم بأعيانها مما لم نكلف به، والعلم بأن أفعاله تعالى لا تخلو عن الحكم والمصالح على الإجمال مما يكفي المؤمن، ويقال نحو هذا في أمر الكرام الكاتبين فهم موجودون بالنص وقد جعلهم الله تعالى حفظة لأعمال العبد كاتبين لها ونحن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم وكيف كتابتهم وأين محلهم وما حكمة ذلك مع أن علمه تعالى كاف في الثواب والعقاب عليها وكذا تذكر الإنسان لها وعلمه بها يوم القيامة كاف في دفع ما عسى أن يختلج في صدره عند معاينة ما يترتب عليها. ومن الناس من خاض في بيان الحكمة وهو أسهل من بيان ما معها. وذكر الإمام الرازي في جواب السؤال عن فائدة جعل الملائكة عليهم السلام موكلين علينا كلاماً طويلاً فقال: ((إعلم أن ذلك غير مستبعد لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن لتلك الكواكب أرواحاً عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك الأرواح في الحقيقة، وكذا القول في تدبير الهيلاج والكدخداه على ما يقولون. وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور على ألسنتهم فإنهم يقولون: أخبرنا الطباع التام بكذا، ومرادهم به أن لكل إنسان روحاً فلكية تتولى صلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئة في الشرع؟ وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة وبعضها شريرة وبعضها حرة وبعضها نذلة وبعضها قوية القهر وبعضها ضعيفته، وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك فكذلك القول في الأرواح الفلكية، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وصفة أقوى من الأرواح البشرية، وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة (وتكون في مرتبة) روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، فتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي وإذا كان الأمر كذلك فإن ذلك الروح الفلكي يكون معيناً على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً إياها عن صنوف الآفات، وهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وبذلك يعلم أن ما وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل فلا يمكن استنكاره)) اهـ. ولعل مقصوده بذلك تنظير أمر الحفظة مع العبد بأمر الأرواح الفلكية معه على زعم الفلاسفة في الجملة، وإلا فما يقوله المسلمون في أمرهم أمر وما يقوله الفلاسفة في أمر تلك الأرواح أمر آخر وهيهات هيهات أن نقول بما قالوا فإنه بعيد عما جاء عن الشارع عليه الصلاة والسلام بمراحل، ثم ذكر عليه الرحمة من فوائد الحفظة للأعمال/ ((أن العبد إذا علم أن الملائكة عليهم السلام يحضرونه ويحصون عليه أعماله وهم ـ هم ـ كان أقرب إلى الحذر عن ارتكاب المعاصي، كمن يكون بين يدي أناس أجلاء من خدام الملك موكلين عليه فإنه لا يكاد يحاول معصية بينهم، وقد ذكر ذلك غيره ولا يخلو عن حسن، ثم نقل عن المتكلمين في فائدة الصحف المكتوبة أنها وزنها يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، ويظهر كل من الأمرين للخلائق. وتعقبه القاضي بأن ذلك بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء والعياذ بالله تعالى فلا يجوز توقف حصول المعرفة على الميزان، ثم أجاب بأنه لا يمتنع أيضاً ما ذكرناه لأمر يرجع إلى حصول سرور العبد عند الخلق العظيم بظهور أنه من أولياء الله تعالى لهم وحصول ضد ذلك لمن كان من أعداء الله تعالى، ولا يخفى أن هذا مبني على أن الذي يوزن هو الصحف وهو أحد أقوال في المسئلة. نعم ذهب إليه جمع من الأجلة لحديث البطاقة والسجلات المشهور، وكذا على أن الكتابة على معناها الظاهر وهو الذي ذهب إليه أهل الحديث بل وغيرهم فيما أعلم ونقل عن حكماء الإسلام: معنى آخر فقال: إن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف بعض المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني بأعيانها وذواتها كانت تلك الكتابة أقوى وأكمل، وحينئذ نقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب ذلك ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة [سارة] في أعمال نافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بعد الموت، وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد، ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير إن كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة، وإذا عرف هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة وآثار الشقاوة قل أو كثر، وهذا هو المراد من كتب الأعمال عند حكماء الإسلام والله تعالى العالم بحقائق الأمور)) انتهى، وقد رأيت ذلك لبعض الصوفية. وأنت تعلم أنه خلاف ما نطقت به الآيات والأخبار، ونحن في أمثال هذه الأمور لا نعدل عن الظاهر ما أمكن، والحق أبلج وما بعد الحق إلا الضلال. هذا ومن الناس من جعل ضمير {لَهُ } لمن الأخير والأول أولى، ومنهم من جعله لله تعالى وما بعده ـ لمن ـ وفيه تفكيك للضمائر من غير داع، ومنهم من جعله للنبـي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام معلوم من السياق وقد تقدم الإخبار عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } تفسير : [يونس: 20] الآية. واستدل على ذلك بما أخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني في "الكبير" وابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل" من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد ابن قيس وعامر بن الطفيل قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو عليه الصلاة والسلام جالس فجلسا بين يديه فقال عامر: ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم قال: أتجعل لي إن أسلمت الأمر بعدك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل قال: فاجعل لي الوبر ولك المدر فقال صلى الله عليه وسلم: لا فلما قفى من عنده قال: لأملأنها عليك خيلاً ورجلاً فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: يمنعك الله تعالى، وفي رواية وابناء قيلة ـ يريد الأوس والخزرج ـ فلما خرجا قال عامر: يا أربد/ أنى سألهي محمداً عنك بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلته لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية فقال أربد: افعل فأقبلا راجعين فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك فقام عليه الصلاة والسلام معه فخليا إليَّ الجدار ووقف عامر يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده عليك يبست على قائمه فلم يستطع سله وأبطأ على عامر فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما وقال عامر لأربد: ما لك؟ قال: وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فلما خرجا حتى إذا كانا بالرقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فوقع بهما أسيد قال: اشخصا يا عدوي الله تعالى لعنكم الله تعالى فقال عامر: من هذا يا سعد؟ فقال: هذا أسيد بن حضير الكتائب فقال: أما والله إن كان حضير صديقاً لي، ثم إن الله سبحانه أرسل على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بوادي الجريد أرسل الله تعالى عليه قرحة فأدركه الموت، وفي رواية أنه كان يصيح يا لعامر أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فأنزل الله تعالى فيهما: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } تفسير : [الرعد: 8] إلى قوله سبحانه: {لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ } إلى آخره ثم قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم، وجاء في رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذه للنبـي عليه الصلاة والسلام خاصة، والأكثرون على اعتبار العموم، وسبب النزول لا يأبى ذلك والله تعالى أعلم. ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر إحاطة علمه بالعباد وأن لهم معقبات يحفظونهم من أمره جل شأنه نبه على لزوم الطاعة ووبال المعصية فقال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والعافية {حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } ما اتصفت به ذواتهم من الأحوال الجميلة لا ما أضمروه ونووه فقط، والمراد بتغيير ذلك تبديله بخلافه لا مجرد تركه، وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً يقول الله تعالى: «حديث : وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابـي إلى ما يحبون من رحمتي وما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من عذابـي» تفسير : أخرجه ابن أبـي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه. واستشكل ظاهر الآية حيث أفادت أنه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي مع أن ذلك خلاف ما قررته الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة ومنه قوله سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25] «حديث : وقوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ نعم إذا كثر الخبث»تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله سبحانه بعقاب»تفسير : في أشياء كثيرة وأيضاً قد ينزل الله تعالى بالعبد مصائب يزيد بها أجره، وقد يستدرج المذنب بترك ذلك. وأولها ابن عطية لذلك بأن المراد حتى يقع تغيير ما منهم أو ممن هو منهم كما غير سبحانه بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم والحق أن المراد أن ذلك عادة الله تعالى الجارية في الأكثر لا أنه سبحانه لا يصيب قوماً إلا بتقدم ذنب منهم فلا إشكال، قيل: ولك أن تقول: إن قوله سبحانه: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } تتميم لتدارك ما ذكر وفيه تأمل، والسوء يجمع كل ما يسوء من مرض وفقر وغيرهما من أنواع البلاء، و {مَرَدَّ } مصدر ميمي أي فلا رد له، والعامل في {إِذَا } ما دل/ عليه الجواب لأن معمول المصدر وكذا ما بعد الفاء لا يتقدم عليه، والتقدير كما قال أبو البقاء وقع أو لم يرد أو نحو ذلك، والظاهر أن {إِذَا } للكلية، وقد جاءت كذلك في أكثر الآيات {وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ } سبحانه {مِن وَالٍ } يلي أمورهم من ضرر ونفع ويدخل في ذلك دخولاً أولياً دفع السوء عنهم، وقيل: الأول إشارة إلى نفي الدافع بالدال وهذا إشارة إلى نفي الرافع بالراء لئلا يتكرر ولا حاجة إلى ذلك كما لا يخفى. واستدل بالآية على أن خلاف مراد الله تعالى محال. واعترض بأنها إنما تدل على أنه تعالى إذا أراد بقوم سوءاً وجب وقوعه ولا تدل على أن كل مراد له تعالى كذلك ولا على استحالة خلافه بل على عدم وقوعه، وأجيب بأنه لا فرق بين إرادة السوء وإرادة غيره لكن اقتصر على إرادة الأول لأن الكلام في الانتقام من الكفار وهو أبلغ في تخويفهم فإذا امتنع رد السوء فغيره كذلك، والمراد بالاستحالة عدم الإمكان الوقوعي لا الذاتي ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر، ومن أعجب ما قيل: إن الجمهور احتجوا بالآية على أن المعاصي مما يشملها السوء وأنها بخلقه تعالى، ومن الناس من جعل الآية متعلقة بقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ } تفسير : [الرعد: 6] إلى آخره وبين ذلك أبو حيان بما لا يرتضيه إنسان، وقيل: إن فيها إيذاناً بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح الآية قد غيروا ما في أنفسهم من الفطرة فاستحقوا لذلك حلول غضب الله تعالى. هذا ووقف ابن كثير على {أية : هَادٍ } تفسير : [الرعد: 7] وكذا {أية : وَاقٍ } تفسير : [الرعد: 34] حيث وقع وعلى {وَالٍ } هنا و {بَاقٍ } في النحل [96] بإثبات الياء وباقي السبعة وقفوا بحذفها. وفي "الإقناع" لأبـي جعفر ابن الباذش عن ابن مجاهد الوقف في جميع الباب لابن كثير بالياء وهذا لا يعرفه المكيون، وفيه أيضاً عن أبـي يعقوب الأزرق عن ورش أنه خيره في الوقف في جميع الباب بين أن يقف بالياء وأن يقف بحذفها كذا في «البحر» وفيه أنه أثبت ابن كثير وأبو عمرو في رواية ياء {ٱلْمُتَعَالِ } وقفاً ووصلاً وهو الكثير في لسان العرب وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً لأنها كذلك رسمت في الإمام. واستشهد سيبويه لحذفها في الفواصل والقوافي وأجاز غيره حذفها مطلقاً ووجه حذفها مع أنها تحذف مع التنوين وأل معاقبة له إجراء المعاقب مجرى المعاقب.
ابن عاشور
تفسير : {لَهُ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} جملة {له معقبات} إلى آخرها، يجوز أن تكون متصلة بــــ{من} الموصولة من قوله: { أية : من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } تفسير : [الرعد: 10]. على أن الجملة خبر ثانٍ عن {من أسر القول} وما عطف عليه. والضمير في {له} والضمير المنصوب في {يحفظونه}، وضميرا {من بين يديه ومن خلفه} جاءت مفردة لأن كلا منها عائد إلى أحد أصحاب تلك الصلات حيث إن ذكرهم ذكر أقسام من الذين جعلوا سواء في علم الله تعالى، أي لكل من أسرّ القول ومنْ جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنّهار معقبات يحفظونه من غوائل تلك الأوقات. ويجوز أن تتصل الجملة بــــ { أية : من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } تفسير : [الرعد: 10]، وإفراد الضمير لمراعاة عطف صلة على صلة دون إعادة الموصول. والمعنى كالوجه الأول. و(المعقبات) جمع معَقّبة بفتح العين وتشديد القاف مكسورة اسم فاعل عَقّبه إذا تبعه. وصيغة التفعيل فيه للمبالغة في العقب. يقال: عقبه إذا اتبعه واشتقاته من العقب يقال فكسر وهو اسم لمؤخّر الرجل فهو فَعِل مشتق من الاسم الجامد لأنّ الّذي يتبع غيره كأنّه يطأ على عقبه، والمراد: ملائكة معقّبات. والواحد معقب. وإنما جمع جمع مؤنث بتأويل الجماعات. والحفظ: المراقبة، ومنه سمي الرقيب حفيظاً. والمعنى: يراقبون كلّ أحد في أحواله من إسرار وإعلان، وسكون وحركة، أي في أحوال ذلك، قال تعالى: { أية : وإن عليكم لحافظين } تفسير : [الانفطار: 10]. و{من بين يديه ومن خلفه} مستعمل في معنى الإحاطة من الجهات كلها. وقوله: {من أمر الله} صفة {معقبات}، أي جماعات من جند الله وأمره، كقوله تعالى: { أية : قل الروح من أمر ربي } تفسير : [الإسراء: 85] وقوله: { أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } تفسير : [الشورى: 52] يعني القرآن. ويجوز أن يكون الحفظ على الوجه الثاني مراداً به الوقاية والصيانة، أي يحفظون من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، أي يقونه أضرار الليل من اللصوص وذوات السموم، وأضرارَ النّهار نحو الزحام والقتال، فيكون {من أمر الله} جاراً ومجروراً لغواً متعلقاً بـــ {يحفظونه}، أي يقُونه من مخلوقات الله. وهذا منّة على العباد بلطف الله بهم وإلا لكان أدنى شيء يضر بهم. قال تعالى: { أية : الله لطيف بعباده } تفسير : [سورة الشورى: 19]. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} جملة معترضة بين الجمل المتقدمة المسوقة للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وعلمه بمصنوعاته وبين التذكير بقوة قدرته وبين جملة { أية : هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً } تفسير : [سورة الرعد: 12]. والمقصود تحذيرهم من الإصرار على الشّرك بتحذيرهم من حلول العقاب في الدنيا في مقابلة استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة، ذلك أنهم كانوا في نعمة من العيش فبطروا النعمة وقابلوا دعوة الرسول بالهزء وعاملوا المؤمنين بالتّحقير { أية : وقالوا لو نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31] { أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } تفسير : [المزمل: 11]. فذكرهم الله بنعمته عليهم ونبههم إلى أنّ زوالها لا يكون إلاّ بسبب أعمالهم السيّئة بعد ما أنذرهم ودعاهم. والتغيير: التبديل بالمُغاير، فلا جرم أنه تديد لأولي النعمة من المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغييرها. فما صدقُ {ما} الموصولة حالة، والباء للملابسة، أي حالة ملابسة لقوم، أي حالة نعمة لأنها محل التحذير من التغيير، وأما غيرها فتغييره مطلوب. وأطلق التغيير في قوله: {حتى يغيروا} على التسبب فيه على طريقة المجاز العقلي. وجملة {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له} تصريح بمفهوم الغاية المسْتفاد من {حتى يغيروا ما بأنفسهم} تأكيداً للتحذير. لأن المقام لكونه مقام خوف ووجل يقتضي التصريح دون التعريض ولا ما يقرب منه، أي إذا أراد الله أن يغيّر ما بقوم حين يغيرون ما بأنفهسم لا يَردّ إرادته شيء. وذلك تحذير من الغرور أن يقولوا: سنسترسل على ما نحن فيه فإذا رأينا العذاب آمنا. وهذا كقوله: { أية : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس } تفسير : [سورة يونس: 98] الآية. وجملة {وما لهم من دونه من وال} زيادة في التحذير من الغرور لئلا يحسبوا أن أصنامهم شفعاؤهم عند الله. والوالي: الذي يلي أمر أحد، أي يشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع، مشتق من ولي إذا قَرب، وهو قرب ملابسة ومعالجة. وقرأ الجمهور {من وال} بتنوين {وال} دون ياء في الوصل والوقف. وقرأه ابن كثير ــــ بياء بعد اللام ــــ وقفا فقط دون الوصل كما علمته في قوله تعالى { أية : ومن يضلل الله فما له من هاد } تفسير : في هذه السورة الرعد (33).
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا. والمعنى: أنه لا يسلب قوماً نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الأنفال: 53] الآية. وقوله: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}تفسير : [الشورى: 30]. وقد بين في هذه الآية أيضاً: أنه إذا أراد قوماً بسوء فلا مرد له، وبين ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله: {أية : وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 147] ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعّمت البلية الجميع، "حديث : وقد سئل صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"تفسير : والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مُعَقِّبَاتٌ} (11) - لِلْعَبْدِ مَلاَئِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ وَحِرَاسَتِهِ، وَيَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضَارِّ فِي نَوْمِهِ، وَفِي حَال يَقَظَتِهِ، بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَإِذْنِهِ، فَلاَ يَصِلُ إِلَيْهِ شَيءٌ إِلاّ إِذا كَانَ قَدْ قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ، مِنْ خَيْرٍ إِلى سُوءٍ، إِلاَّ إِذا غَيَّرُوا مَا هُمْ عَلَيهِ، وَلا يُغَيِّرُ اللهُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ سُوءٍ إِلى خَيْرٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بَأَنْفُسِهِمْ. (وَرُوِيَ: أَنَّهُ أُوحِيَ إِلى نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ، وَلاَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكُونُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَيَتَحَوَّلُونَ مِنْهَا إِلى مَعْصِيَتِهِ، إِلاَّ حَوَّلَ اللهُ عَنْهُمْ مَا يُحِبُّونَ إِلى مَا يَكْرَهُونَ). وَإِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُصِيبَ قَوْماً بِشَرٍّ عِقَاباً لَهُمْ، فَلاَ رَادَّ لإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ يَنْصُرُهُمْ مِنْ دُوْنِ اللهِ، أَوْ يَرُدُّ قَضَاءَ اللهِ عَنْهُمْ. لَهُ مُعَقباتٌ - لَهُ مَلاَئِكَةٌ تَعْتَقِبُ فِي حِفْظِهِ. مِنْ أَمْر اللهِ - بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَبِحِفْظِهِ. مِنْ وَالٍ - مِنْ نَاصِرٍ أَوْ وَالٍ يَلِي أُمُورَهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {لَهُ} أي لله تعالى {مُعَقِّبَاتٌ} ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار أعقبتها ملائكة الليل، والتعقيب العود بعد المبدأ، قال الله ولم يعقب وإنما ذكرها هنا بلفظ جمع التأنيث؛ لأنّ واحدهما معقب وجمعه عقبة، ثم جمع المعقبة معقبات فهي جمع الجمع. كما قيل أما قال قد حالات بكم وقوله: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ} يعني من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ومن خلفه من وراء ظهره. قال ابن عباس: ملائكة يحفظونه من أمر الله من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء القدر خلوا عنه. حماد بن سلمة عن عبدالله بن جعفر عن كنانه العمري قالوا: "حديث : دخل عثمان بن عفان (رضي الله عنه) على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أسألك عن العبد كم معه من ملك؟ قال: ملك على يمينك يكتب حسناتك، وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أأكتب؟ قال: لا، لعله يستغفر الله أو يتوب فإذا قال ثلاثاً قال: نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين هو ما أقل مراقبته لله عزّ وجلّ وأقل استحياء منا يقول الله {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلاّ الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وآله، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحيّة في فيك، وملكان على عينيك هؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار؛ لأن ملائكة الليل أي ليسوا من ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي وإبليس مع بني آدم بالنهار وولده بالليل ". تفسير : قتادة وابن جريح: هذه ملائكة الله عزّ وجلّ يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، وذكر لنا أنّهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح. همام بن منبه عن أبي هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ". تفسير : وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: ذكر [أنّ] ملكاً من ملوك الدنيا له حرس من دونه حرس فإذا جاء أمر الله لم ينفعوا شيئاً. عكرمة: هؤلاء ملائكة من بين أيديهم ومن خلفهم لحفظهم. شعبة عن شرفي عن عكرمة قال: الجلاوزة. الضحاك: هو السلطان المحترس من الله وهم أهل الشرك، وقوله {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} اختلفوا فيه فقال قوم: يعني: بأمر الله، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وهذا قول مجاهد وقتادة ورواية الوالبي عن ابن عباس، وقال الآخرون: يحفظونه من أمر الله ما لم يجئ القدر. لبيد عن مجاهد: ما من عبد إلاّ به ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس الهوام فما منهم شيء بأمره يريده إلاّ قال فذاك لا يأتي بإذن الله عزّ وجلّ فيه فيصيبه. وقال كعب الأحبار: لولا وكل الله بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا يحيطكم الجن. وروى عمار بن أبي حفصة عن أبي مجلز قال: جاء رجل من مراد إلى علي (رضي الله عنه) وهو يصلي، فقال: احترس فإنّ ناساً من مراد يريدون قتلك. فقال: إنّ مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإنّ الأجل جنة حصينة، وقال أهل المعاني: إنّ أوامر الله عزّ وجلّ على وجهين أحدهما قضى حلوله ووقوعه بصاحبه، فذلك ما لا يدفعه أحد ولا يغيره بشر ولا حتى الجن ولم يقض حلوله ووقوعه، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظة كقصة يونس (عليه السلام)، وقال ابن جريج: معناه كنصون من الله أمر الله يعني يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وقال بعض المفسرين أن هذه الآية أنّ الهاء في قوله: {لَهُ} راجعة إلى رسول الله (عليه السلام). جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} يعني محمد (عليه السلام)من الرحمن حراس من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، يعني من شر الجن والإنس ومن شر طارق الليل والنهار، وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وزيد بن ربيعة وكانت قصتهما على ما روى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح حديث : عن ابن عباس قال: أقبل علينا. زيد بن ربيعة هو وعامر بن الطفيل يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور، وكان من أجمل الناس. وقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل وهو مشرك. فقال: دعه فإن يرد الله به خيراً بهذه، فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك. قال: ليس ذلك إليَّ إنما ذاك إلى الله يجعله حيث يشاء. قال: فاجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال الرجل: فماذا يجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك لي اليوم؟ قال: لا. قال: قم معي أُكلمك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يوصي إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فَدُرْ من ورائهِ بالسيف فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدار أربد بن ربيعة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله عنه فلم يقدر على قتله وعامر يومئ إليه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما منع بسيفه. فقال: اللهم أكفنيهمابما شئت،فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صاح صائف وولى عامر هارباً. وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جرداً وفتياناً مرداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة" تفسير : يعني الأوس والخزرج، فنزل عامر ببيت امرأة سلولية فأنشأ يقول: شعر : بخير أبيت اللعن إن شئت ودّنا فإن شئت حرباً بأس ومصدق وإن شئت فنسيا ما يكفي أمرهم يكبون كبش العارفين متألق تفسير : فلما أصبح ضم إليه سلاحه وقد تغير لونه، وهو يقول: واللات لئن أصحر محمد إلي وصاحبه عني ملك الموت لأُنفذنهما برمحي، فلما رأى الله تعالى ذلك منه أرسل ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التارب، وخرجت على ركبته غدة في الوقت كغدة البعير فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في السلولية ثم مات على ظهر فرسه. شعر : لعمري وما عمري علي بهين لقد شان حمر الوجه طعنة مسهر قد علم المزنوق أني أكرّ على جمعهم كرّ المنيح المشهر وأزود من وقع السنان زجرته وأخبرته أني امرؤ غير مقصر وأخبرته أن الفرار خزاية على المرء ما لم يبل عذراً فيعذر. لقد علمت عليا هوازن أنني أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر تفسير : فجعل يركض في الصحراء ويقول: أبرز يا ملك الموت، ثم أنشأ يقول: شعر : لاقرب المزنوق ولتجد ما أرى لنفر من يوم شره غير حامد. إلا قرباه إن غاية حرمناه إذا قرب المزنوق بين الصفايد هو من عامر قدن إذا ما دعوتهم أجابوا ولبى منهم كل ماجد تفسير : وكان بعضهم يعيّر بعضاً النزول على سلولية ولذلك ركب فرسه ليموت خارجاً من بيتها ما أحس بالموت، ثم دعا بفرسه يركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره. فأجاب الله تعالى دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم وقتل عامراً بالطاعون وأربد بالصاعقة، فرثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد بجملة من المراثي فمنها هذه: شعر : وانالك فاذهب والحق بأسرتك الكرام الغيب ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب، يتآكلون مغالة وملاذة ويعاب قائلهم وإن لم يشغب فنعد في هذا وقل في غيره واذكر شمائل من أخ لك معجب إنّ الرزيئة لا رزيئة بعدها مثلها فقدان كل أخ كضوء الكوكب من معشر بنت لهم آباؤهم والعز لا يأتي بغير تطلب يا أربد الخير الكريم جدوده أفردتني أمشري بقرن أعضب تفسير : ومنها قوله: شعر : ما أن تعزي المنون من أحد لا والد مشنق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف أرهب نوأ السماك والأسد فعين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام النساء في كبد فجعني البرق والصواعق بالفارس يوم الكريهة النجد تفسير : فأنزل الله تعالى في هذه القصة {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ} الآية {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} يحفظونه {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} يعني تلك المعقبات من أمر الله وهي مقدم ومؤخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه تلك المعقبات من أمر الله وقال الذين [آمنوا: ] {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. وقرأ {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} حتى بلغ {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من العافية والنعمة {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من الحال لا [.........] فيعصون ربهم ويظلمون بعضهم بعضاً. {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا} عذاباً وهلاكاً {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} علمها المخاوف بالله وقيل: وال ولي أمرهم ما يدفع العذاب عنهم {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً} يخاف أذاه ومشقته {وَطَمَعاً} للمقيم يرجو بركته وشفعته أن يمطر {وَيُنْشِىءُ} بينهم {ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} يعني قال إن شاء الله السحابة فيشاء أي أبدأها فبدلت وأسحاب جمع واحدتها سحابة {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حديث : أقبلت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم نسألك خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك قال: فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 28]. قال صلى الله عليه وسلم: "هاتوا"، قالوا: أخبرنا عن الرعد ماهو؟ قال: "ملك من الملائكة الموكلة بالسحاب معه مخاريف من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله". قالوا: فما هذا الذي نسمع؟ قال: "زجر السحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث أمر". قالوا: صدقتتفسير : . قال عطية: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق سوطه الذي يزجر به السحاب فقال: لذلك الملك رعد وقد ذكرنا معنى الرعد والبرق بما أغنى عن إعادته. وقال أبو هريرة: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [إذا سمع صوت الرعد] قال سبحانه من يسبح الرعد بحمده . تفسير : عكرمة عن ابن عباس: حديث : إنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له . تفسير : وقال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة في خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقه فعلى ذنبه. وروى مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد. وروى حجاج بن أرطأة عن أبي مطر عن سالم يحدث عن أبيه قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ". تفسير : {وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، وقيل أراد هو أنّ الملائكة أعوان الرعد، جعل لله تعالى له أعواناً فهم جميعاً خائفون، خاضعون طائعون به يرسل الصواعق. عن الضحاك عن ابن عباس قال: الرعد ملك يسوق السحاب، وإنّ بحور الماء لفي نقرة إبهامه وإنه موكل بالسحاب يصرفه حيث ويؤمر وإنه يسبح الله فإذا سبح الرعد لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته التسبيح فعندها ينزل المطر {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} أصاب أربد بن ربيعة. قال أبو جعفر الباقر: الصواعق تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب ذاكراً. {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ} وقد أصابت أربد وعامر، وقيل نزلت هذه الآية في بعض كفار العرب. حديث إسحاق الحنظلي عن ريحان بن سعيد الشامي عن عماد بن منصور عن عباس بن الناجي قالت: سألت الحسن عن قوله: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} الآية. فقال كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفراً يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام، فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي يدعوني إليه وما هو، ومم هو أمن فضة أم حديد أم نحاس، فاستعظم القوم مقالته وانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا رجلاً آخر أكفر منه، ولا أعتى على الله منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا إليه"، فرجعوا إليه فجعل يزيدهم على مثل مقالته الأُولى وقال: أُجيب محمداً إلى ربّ لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا إليه، فقالوا: يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأُولى إلاّ قوله: أُجيب محمداً إلى رب لا يعرفه، فقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجعوا إليه، فرجعوا إليه فبينا هم عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه، وهو يقول: هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت ثم برقت فرمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ليخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم: احترق صاحبكم. قالوا: من أين علمتم؟ قال: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} فقال الحسن: ما شديد المحال؟ قال: شديد الحمل. قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: شديد الأخذ. مجاهد: شديد القوة. أبو عبيدة: شديد العقوبة، والمحال والمماحلة المماكرة والمغالبة. وأنشد أبو عبيدة للأعشى: شعر : فرع نبع يهتز في غصن المج د غزير الندي شديد المحال تفسير : وقال الآخر: شعر : ولبس بين أقوام كلّ أعد له الشغازب والمحالا تفسير : {لَهُ} لله عزّ وجلّ {دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} الصدق وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف الإسمين وقد مضت هذه المسألة. قال علي (رضي الله عنه): دعوة الحق التوحيد. ابن عباس (رضي الله عنه): شهادة أن لا إله إلاّ الله. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني المشركين الذين يعبدون الأصنام من دون الله {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} يريدونه منهم من نفع أو دفع {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ} إلاّ كما ينفع باسط كفيه إلى الماء من العطش يبسطه إياهما إليه يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبداً. علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هذا مثل لمشرك عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي نظر إلى خياله في الماء من بعيد فتصور أن يتناوله فلا يقدر عليه، عطية عنه يقول: مثل الأوثان التي يعبدون من دون الله كمثل رجل قد بلغه العطش حتى كربه الموت وكفاه في الماء وقد وضعهم الا يبلغان تناوله. الضحاك عنه يقول: كما أنّ العطشان إذا يبسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ما لم يحفظهما ويروي بهما الماء ولا يبلغ الماء فاه مادام باسط كفيه إلى الماء ليقبض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده. قال ضاني بن الحرث المزني: شعر : فإني وأيّاكم وشوقاً إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله تفسير : وقال الشاعر: شعر : وأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد تفسير : {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} أصنامهم {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} يضل عنهم إذا أحتاجوا إليه. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: ما دعاء الكافرين ربهم إلاّ في ضلال؛ لأن أصواتهم تحجب عن الله تعالى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة (له) تفيد النفعية، فإذا قلت "لك كذا" فهي عكس أن نقول "عليك كذا". وحين يقول سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ..} [الرعد: 11]. فكأنَّ المُعقِّبات لصالح الإنسان. و"مُعقِّبات" جمع مؤنث، والمفرد "مُعقِّبة"، أي: أن للحق سبحانه وتعالى ملائكة يتناوبون على حراسة الإنسان وحِفْظه ليلاً ونهاراً من الأشياء التي لا يمكن الاحتراز منها. والمَثَلُ هو تلك الإحصاءات التي خرجت عن البشر الذين تلدغهم الثعابين، فقد ثبت أنها لا تلدغهم وهم نائمون؛ بل في أثناء صَحْوتهم؛ أي: ساعةَ يكونون في ستْر النوم فهناك ما يحفظهم؛ أما في اليقظة فقد يتصرَّف الإنسان بطَيْشٍ وغَفْلة فتلدغه الأفعى. ونحن نقول في أمثالنا الشعبية: "العين عليها حارس"؛ ونلحظ كثيراً من الأحداث التي تبدو لنا غريبة كأنْ يسقط طفل من نافذة دور عُلوي؛ فلا يُصَاب بسوء؛ لأن الحق سبحانه شاء أن تحفظه الملائكة المُعقِّبات من السُّوء؛ لأن مهمة الحَفَظة أنْ يحفظوا الإنسان من كُلِّ سوء. وهكذا نرى أن الحق سبحانه قد أعدَّ للإنسان الكونَ قبل أن يخلقه ليستخلفه فيه؛ أعدَّ السماوات وأعدَّ الأرض؛ وسَخَّر الشمس والقمر؛ وأخرج الثمراتِ؛ وجعل الليل يَغْشَى النهارَ. كُلُّ ذلك أعدَّه سبحانه للخليفة قبل أن يوجد الخليفة؛ وهو سبحانه قَيُّوم على هذا الخليفة؛ فيصونه أيضاً بعد الخَلْق، ولا يَدَعُه لمقومات نفسه ليدافع عنها فيما لا يستطيع الدفاع عنها، ويُكلِّف الله الملائكة المُعقِّبات بذلك. وقد ينصرف معنى المُعقِّبات إلى الملائكة الذين يتعقَّبون أفعال الإنسان وكتابة حسناته وكتابة سيئاته، ويمكن أن يقوما بالعملين معاً؛ حِفْظه وكتابة أعماله، فإن كتبوا له الحسنات فهذا لصالحه. ولقائل أن يقول: ولكنهم سيكتبون السيئات؛ وهذه على الإنسان وليست له. وأقول: لا؛ ويَحْسُن أن نفهم جيداً عن المُشرِّع الأعلى؛ ونعلم أن الإنسان إذا ما عرف أن السيئة ستُحْسب عليه وتُحْصى؛ وتُكتب؛ يمسك كتابه ليقرأه؛ فلسوف يبتعد عن فعل السيئات. وهكذا يكون الأمر في مصلحته، مَثَلُه مَثَلُ الطالب الذي يرى المراقب في لجنة الامتحان، فلا يكرهه؛ لأنه يحمي حَقَّه في الحصول على التقدير الصحيح؛ بدلاً من أن يِِغُشَّ غيره، فيأخذ فرصة أكبر منه في التقدير والنجاح؛ فضلاً عن أن كل الطلبة يعلمون أن وجود المراقب اليَقِظ هو دافعٌ لهم لِلمُذَاكرة. ولذلك أقول دائماً: إياك أنْ تكره أن يكون لك أعداء؛ لأن الذي يَغُرُّ الإنسانَ في سلوكه هو نفاقُ أصحابه له، أما عدوك فهو يفتح عينيه عليك طوال الوقت؛ ولذلك فأنت تحذر أن تقع في الخطأ. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: شعر : عِدَاي لَهُمْ فَضْل عليَّ ومَيْزَةٌ فتعدَّى لَهُم شُكْر عَلى نَفْعِهم لِياَ فَهم كَالدَّواءِ والشِّفَاءِ لِمُزْمنٍ فَلا أبعدَ الرحْمَانُ عنِّي الأعَادِيَا هُمْ بَحثُوا عَنْ زَلَّتي فاجتْنبْتُهَا فَأصْبَحتُ مِمَّا ذله العربُ خَاليَا تفسير : إذن: فكتابة الحسنات والسيئات هي مسألةٌ لصالح الإنسان؛ وحين يتَعاقبُونَ على الإنسان؛ فكأنهم يصنعون دَوْريَّاتٍ لحماية الفرد؛ ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر؛ فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بكم -: كيف تركتُم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهُمْ يصلون، وتركناهم وهُمْ يُصلُّون ". تفسير : وكأن الملائكة دوريات. ويقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78]. أي: أن ملائكة الليل يشهدون؛ ومعهم ملائكة النهار. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحوظ فيه الوقت الزمني للحركة الإنسانية؛ فَكُلُّ حركات الإنسان وعمله يكون من الصبح إلى العصر، ثم يرتاح الإنسان غالباً من بعد ذلك؛ ثم ينام. والمُعقِّبات يَكُنَّ من بين يدي الإنسان ومن خلفه؛ و (من بين يديه) من أجل الرصد، ولذلك وجدنا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أثناء الهجرة النبوية كان يسير بعض الوقت أمام النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان يسير البعض الآخر خلف النبي صلى الله عليه وسلم. كان أبو بكر - رضي الله عنه - يتقدم ليرقب: هل هناك مَنْ يرصد الرسول أم لا؟ ثم يتراجع إلى الخلف ليمسح كل المكان بنظره ليرقب: أهناك مَنْ يتتبعهما؟ وهكذا حرص أبو بكر على أنْ يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم من الرَّصد أو التربُّص. ويقول الحق سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} [الرعد: 11]. والسطحيّ يقول: إن تلك الملائكة يحفظون الإنسان من الأمر المراد به من الله. ونقول: إن الله لم يُنزِل الملائكة ليعارضوا قَدَره؛ وهذا الحفظ لا يكون من ذات الإنسان لنفسه، أو من الملائكة ضد قَدَر الله؛ والمعنى هنا ينصرف إلى أن الملائكة إنما يحفظون الإنسان بأمر الله. ولذلك نجد في القرآن قول الحق سبحانه: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ ..} تفسير : [نوح: 25]. أي: بسبب خطيئتهم أغرقوا، فإياك أنْ تظن أنَّ الملائكة يحفظون الإنسان من قَََدَر الله؛ لأننا نعلم أن الحق سبحانه إذا أراد أمراً فلا رَادَّ له. ويتابع سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ..} [الرعد: 11]. وهو سبحانه الذي خلق الكون الواسع بكل أجناسه؛ جماداً ونباتاً وحيواناً وأفلاكاً وأملاكاً؛ وجعل كل ذلك مُسخَّراً للإنسان؛ ثم يحفظ الحق سبحانه الإنسان ويصونه بقيوميته. وقد يقول قائل: ولماذا إذن تحدث الابتلاءات لبعض من الناس؛ رغم أنه سبحانه قد قال إنه يحفظهم؟ ونقول: إن تلك الابتلاءات إنما تجري إذا ما غَيَّر البشر من منهج الله؛ لأن الصيانة تُقوِّم ما قام بالمنهج. واقرءوا قَوْل الحق سبحانه: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. وهكذا نعلم أن الصيانة للإنسان والحفظ له والإمداد له من قبل أن يُولَد؛ كُلُّ ذلك لن يرجع عنه الله ما دام الإنسان يمشي على صراط مستقيم؛ لكن إذا ما حَادَ الإنسان عن الصراط المستقيم؛ فيلفته الله ببعض من العِبَر والعظات ليعود إلى الصراط المستقيم. والتغيير الذي يُجرِيه الله على البشر حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم؛ يشمل الإمدادات الفرعية؛ أما الإمدادات الأصلية فلا يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء؛ ولم يمنع الأرض أن تُخرِج لهم المياه. ويصيبهم في الأشياء التي من الممكن أن يسير الكون في انتظامه رغم حدوثها؛ كالمصيبة في المال أو المصيبة في النفس؛ ويظل الكون على مسيرته المنتظمة. ولهذا نجد أحد الفلاسفة وقد قال: "إن الله لا يتغير من أجلكم؛ ولكن يجب أن تتغيروا أنتم من أجل الله". وسبق أن قال الحق سبحانه: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123]. وهو القائل سبحانه: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ..} تفسير : [طه: 124]. وأنت ترى في عالمنا المعاصر مجتمعاتٍ مُتْرَفة؛ نستورد منهم أدوات الحضارة المعاصرة؛ لكنهم يعيشون في الضَّنْك النفسي البالغ؛ وهذا ما يُثبت أن الثراءَ المادي بالنقود أو أدوات الحضارة؛ لا يُحقِّق للإنسان التوازن النفسي أو السعادة؛ وينطبق عليهم ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله: شعر : ليسَ الحمْلُ مَا أَطَاقَ الظَّهْرُ مَا الحمْلُ إلاَّ مَا وَعَاهُ الصَّدْر تفسير : فقد يكون الثراء المادي في ظَنِّ البعض هو الحُلْم؛ فيجنح الإنسان إلى الطريق غير السَّوي بما فيه من عُمولات؛ وعدم أمانة؛ ورغم النقود التي قد يكتنزها هذا الإنسان، إلا أن الأمراض النفسية أو الأمراض العضوية تفتِكُ به. وهكذا نجد الحق سبحانه وهو يُغيِّر ولا يتغيَّر؛ فهو المُغيِّر لا المُتغيِّر. وقول الحق سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. يُوضِّح لنا أن أعمال الجوارح ناشئةٌ من نَبْعِ نفس تُحرِّك الجوارح؛ وحين تصلح النفس؛ تصبح الجوارح مستقيمة؛ وحين تفسد النفس تصير الجوارح غير مستقيمة. فالحق سبحانه وتعالى أخضع كل الجوارح لِمُرادَات النفس، فلو كانت النفسُ مخالفةً لمنهج الله؛ فاللسان خاضع لها؛ ولا ينطق رغم إرادته بالتوحيد؛ لأن النفسَ التي تديره مخالفةٌ للإيمان. والمَثَل: هم هؤلاء الذين نسبوا الرسل الذين اختارهم الله؛ فادَّعَوْا أنهم أبناءُ الله؛ وسبحانه مُنزَّهٌ عن ذلك؛ أما إذا كانت النفس مؤمنةً فهي تأمرُ اللسان أن يقول كلمة التوحيد؛ ويسعد هو بذلك؛ لكنه في الحالتين لا يعصي النفس التي سَخَّره لها الله. وهكذا تكون الجوارح مُنفعِلَة لإرادة صاحبها، ولا تنحلُّ الإرادة البشرية عن الجوارح إلا حين يشاء الله ذلك في اليوم الآخر، وفي الموقف الحق. ولحظتَها لن يستطيع أحد أنْ يسيطر على جوارحه؛ لأن المُلْك يومئذ للواحد القهار؛ وسقطتْ ولاية الفَرْد على جوارحه؛ وتشهد هذه الجوارح على صاحبها بما فعلتْه وَقْتَ أنْ كانت مقهورة لإرادته. وهكذا نعلم أن التغيير كله في النفس التي تدير الجوارح. وقَوْل الحق سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ..} [الرعد: 11]. يَدلُّنا أنه سبحانه لا يتدخَّل إلا إذا عَنَّت الأمور؛ وفسد كل المجتمع؛ واختفتْ النفس اللوَّامة من هذا المجتمع؛ واختفى مَنْ يَقْدِرون على الرَّدْع - ولو بالكلمة - من هذا المجتمع؛ هنا يتدخل الحق سبحانه. وحين يُغيِّر الناس ما بأنفسهم، ويُصحِّحون إطلاق الإرادة على الجوارح؛ فتنصلح أعمالهم؛ وإياكم أنْ تظنوا أنَّ هناك شيئاً يتأبَّى على الله. ولذلك يتابع سبحانه في نفس الآية: {إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ..} [الرعد: 11]. وعليكم أن تأخذوا الأمرين معاً: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ..} [الرعد: 11]. و {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ..} [الرعد: 11]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: 11]. إياك أن تفهم أن هناك سلطة تحُول دون أن يُغيِّر الله ما يريد تغييره؛ ولن يجدوا صَدْراً حَنُوناً آخر يُربِّت عليهم إذا ما أراد الله بهم السُّوء، فليس هناك وَالٍ آخر يأخذهم من الله ويتولَّى شئونهم وأمورهم من جَلْبِ الخير ودَفْعِ الشر. ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: 11]. وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن ظاهرة في الكون لها وجهان وتُسْتقبل استقبالين؛ أحدهما: سَارّ، والآخر: مُزْعِج؛ سواء في النفس الواحدة أو في الجماعة الواحدة. فيقول الحق سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الآية: 11] يعني: من الملائكة. أَخبرنا / 35و / عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 11] يعني: بأَمر الله. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} [الآية: 12]. يعني: الذي فيه الماءُ. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ} [الآية: 14]. يقول: يدعو الماءَ بلسانه، وَيُشير إِليه بيديه، فلا يأْتيه أَبداً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} يُريدُ من المَلائِكةِ. حَفظَةُ الليلِ وحَفَظةِ النَّهارِ. ويُقالُ حرسٌ دُونَ حَرسٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 1358- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 11]، ملائكة يتعاقبونه بالليل والنهار يحفظونه من أمر الله، أي بأمر الله. 1359- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ}: [الآية: 11]، أي من أمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه. 1360- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حفص، عن يعلى بن مُرَّة، قال: اجتَمَعْنَا أصْحَابُ عليّ، فقُلْنَا لو حَرَسَنَا أمير المؤمنينَ فإنه محاربٌ، وَلاَ نأمَنْ عليه أن يُغْتال، قال: فبتنا عند باب حجرته حتى خرج لصلاة الصُّبح، قال، فقال: ما شأنُكُمْ! فقلنا: لَوْ حرسناك يا أمير المؤمنين، فإنك محارب وخشينا أن تُغْتَال فَحَرسْنَاك فقال: أفمن أهل السَّمَاءِ تحرسُوني أم مِنْ أهْلِ الأرْضِ؟ قال: فقُلْنا: بَلْ من أهل الأرض، وكيف نستطيع أن نحرسك من أهل السَّمَاءِ؟ قال: فإنه لا يكمون في الأرض ضيء حتى يقدر في السَّمَاءِ، وليس من أحَدٍ إلا وقد وكّل به ملكان يدفعان عَنْهُ، ويكلانه حتى يَجيء قَدَرُه، فإذا جاء قدره خَلَّيا بينه وبين قَدَرِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):