١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه الآيات وهي مشتملة على أمور ثلاثة، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه. واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أموراً أربعة. الأول: البرق وهو قوله تعالى: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» في انتصاب قوله: {خَوْفًا وَطَمَعًا } وجوه. الأول: لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة وإطماعاً. الثاني: يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير: ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافاً وإطماعاً. الثالث: أن يكونا حالاً من المخاطبين أي خائفين وطامعين. المسألة الثانية: في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه. الأول: أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث قال المتنبي: شعر : فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق تفسير : الثاني: أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له فيه نفع. الثالث: أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم، وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه، وشر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان. المسألة الثالثة: اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق؟ والجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه. الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال: أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد. الثاني: أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية؟ بل نقول: النيران العظيمة تنطفىء بصب الماء عليها، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية؟ الثالث: من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم. النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وَيُنْشِىء ٱلسَّحَابَ ٱلثّقَالَ } قال صاحب «الكشاف»: السحاب اسم جنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء. واعلم أن هذا أيضاً من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأن هذه الأجزاء المائية إما أن يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني، وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت إلى الأرض فنقول هذا باطل، وذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة وتارة تدوم مدة نزول المطر زماناً طويلاً وتارة قليلاً فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة، وطبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار وأيضاً فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً ولذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة والخاصية. النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله: {وَيُسَبّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } وفيه أقوال: القول الأول: إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال: « حديث : ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله » تفسير : . قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ قال: « حديث : زجره السحاب » تفسير : وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى وذلك الصوت أيضاً يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الله ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق » تفسير : . واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطاً لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار، والضفادع تتولد في الماء البارد، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، وأيضاً فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه وسلم «فكيف يستبعد تسبيح السحاب» وعلى هذا القول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، فقال: {وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } والمعطوف عليه مغاير للمعطوف. والثاني: وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله: { أية : وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } تفسير : [البقرة: 98] وفي قوله: { أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ ومِن نُوحٌ } تفسير : [الأحزاب: 7]. القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلاً على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً، وهو معنى قوله تعالى: { أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44]. القول الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه. القول الرابع: من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم. فإن قيل: وما حقيقة الرعد؟ قلنا: استقصينا القول في سورة «البقرة» في قوله: { أية : فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } تفسير : [البقرة: 19]. أما قوله: {وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } فاعلم أن من المفسرين من يقول: عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، فإنه سبحانه جعل له أعواناً، ومعنى قوله: {وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء. واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟ النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه، ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته، ورمى عامراً بغدة كغدة البعير، ومات في بيت سلولية. واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر، والحكماء بالغوا في وصف قوتها، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإنها أقوى نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ } والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله: { أية : يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ } تفسير : [الرعد: 8] وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات. ثم قال: {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ } يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد. وثانيها: أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر. وثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات. ورابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. وفي هذه الواو قولان: الأول: أنه للحال، والمعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة. والثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك: {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ }. ثم قال تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } وفي لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبة: الميم زائدة وهو من الحول، ونحوه ميم مكان، وقال الأزهري: هذا غلط، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية، نحو مهاد ومداس ومداد، واختلفوا مم أخذ على وجوه: الأول: قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، فكان المعنى: أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه. الثاني: أن المحال عبارة عن الشدة، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلاناً محالاً. أي قاومته أينا أشد، قال أبو مسلم: ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة والمقابلة، فكأن المعنى: أنه تعالى شديد المغالبة، وللمفسرين ههنا عبارات فقال مجاهد وقتادة: شديد القوة، وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة، وقال الحسن: شديد النقمة، وقال ابن عباس: شديد الحول. الثالث: قال ابن عرفة: يقال ماحل عن أمره أي جادل، فقوله: {شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } أي شديد الجدال. الرابع: روي عن بعضهم: {شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } أي شديد الحقد. قالوا: هذا لا يصح، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادىء الأعراض، فالمراد بالحقد ههنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} أي بالمطر. «والسَّحاب» جمع، والواحدة سَحَابة، وسُحُب وسَحَائب في الجمع أيضاً. {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ} قد مضى في «البقرة» القول في الرعد والبرق والصواعق فلا معنى للإعادة؛ والمراد بالآية بيان كمال قدرته؛ وأن تأخير العقوبة ليس عن عجز؛ أي يريكم البرق في السماء خوفاً للمسافر، فإنه يخاف أذاه لما يناله من المطر والهول والصواعق؛ قال الله تعالى: {أية : أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ} تفسير : [النساء: 102] وطمعاً للحاضر أن يكون عقِبه مطر وخِصْب؛ قال معناه قَتَادة ومجاهد وغيرهما. وقال الحسن: خوفاً من صواعق البرق، وطمعاً في غيثه المزيل للقحط. «وَيُنْشِىءُ السَّحَّابَ الثِّقَالَ» قال مجاهد: أي بالماء. «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» من قال إن الرّعد صوت السحاب فيجوز أن يُسبّح الرعد بدليل خلق الحياة فيه؛ ودليل صحة هذا القول قوله: «وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» فلو كان الرّعد مَلَكاً لدخل في جملة الملائكة. ومن قال إنه ملك قال: معنى. «مِنْ خِيفَتِهِ» من خيفة الله؛ قاله الطَّبَريّ وغيره. قال ابن عباس: إن الملائكة خائفون من الله ليس كخوف ٱبن آدم؛ لا يعرف واحدهم مَن على يمينه ومَن على يساره، لا يشغلهم عن عبادة الله طعام ولا شراب؛ وعنه قال: الرّعد ملَك يَسوق السّحاب، وإن بخار الماء لفي نُقْرة إبهامه، وأنه مُوَكّل بالسّحاب يصرفه حيث يؤمر، وأنه يسبّح الله؛ فإذا سبّح الرّعد لم يبق مَلَك في السّماء إلا رفع صوته بالتّسبيح، فعندها ينزل القَطْر، وعنه أيضاً كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي سَبَّحَت له. وروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه أنه كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي يُسَبِّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد. وقيل: إنه مَلَك جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، وعن يمينه سبعون ألف مَلَك، وعن يساره مثل ذلك؛ فإذا أقبل على يمينه وسبّح سبّح الجميع من خوف الله، وإذا أقبل على يساره وسَبّح سَبَّح الجميع من خوف الله. {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} ذكر الماورديّ عن ابن عباس وعليّ بن أبي طالب ومجاهد: نزلت في يهوديّ قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنيٰ مِن أيّ شيء ربّك، أمِن لؤلؤ أم من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. وقيل: نزلت في بعض كفّار العرب؛ قال الحسن: كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله عليه وسلم نَفَراً يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم: أخبروني عن ربّ محمد ما هو، ومِمّ هو، أمِن فضة أم من حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته؛ فقال: أُجِيبُ محمداً إلى ربّ لا يعرفه! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه مراراً وهو يقول مثل هذا؛ فبينا النَّفَر ينازعونه ويدعونه إذ ٱرتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة، فأحرقت الكافر وهم جلوس؛ فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ٱحترق صاحبكم، فقالوا: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. «وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ». ذكره الثعلبي عن الحسن؛ والقشيري بمعناه عن أنس، وسيأتي. وقيل: نزلت الآية في أربد بن ربيعة أخي لَبيد بن ربيعة، وفي عامر بن الطُّفَيْل؛ قال ابن عباس: حديث : أقبل عامر بن الطُّفَيْل وأَرْبَد بن ربيعة العامريان يريدان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور، وكان من أجمل الناس؛ فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا يا رسول الله عامر بن الطُّفَيْل قد أقبل نحوك؛ فقال: «دَعْه فإن يُرِد الله به خيراً يَهْدِه» فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين». قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: «ليس ذاك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء». قال: أفتجعلني على الوَبَر وأنت على المَدَر؟ قال: «لا». قال: فما تجعل لي؟ قال: «أجعل لك أَعِنّة الخيل تغزو عليها في سبيل الله». قال: أو ليس لي أعنّة الخيل اليوم؟ قم معي أكلمك؛ فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر أومأ إلى أَرْبَد: إذا رأيتني أكلمه فدُرْ من خلفه وٱضربه بالسيف؛ فجعل يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ويراجعه؛ فاخترط أَرْبَدْ من سيفه شبراً ثم حبسه الله، فلم يقدر على سَلّه، ويَبست يده على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائفٍ صاحٍ فأحرقته، وولّى عامر هارباً وقال: يا محمدٰ دعوت ربك على أربد حتى قتلته؛ والله لأملأنها عليك خيلاً جُرْداً، وفتياناً مُرْداً؛ فقال عليه السلام: «يمنعك الله من ذلك وأبناء قَيْلة» يعني الأوْس والخَزْرَج؛ فنزل عامر بيت ٱمرأة سَلولية؛ وأصبح وهو يقول: والله لئن أَصْحَرَ لي محمدٌ وصاحبه ـ يريد مَلَك الموت ـ لأنفذتهما برمحي؛ فأرسل الله مَلَكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب؛ وخرجت على ركبته غُدَّة عظيمة في الوقت؛ فعاد إلى بيت السَّلولية وهو يقول: غُدّة كغدة البعير، وموت في بيت سَلُولية؛ ثم ركب على فرسه فمات على ظهرهتفسير : . ورَثَى لَبيد بن ربيعة أخاه أَرْبَد فقال:شعر : يا عينُ هلاّ بَكَيتِ أَرْبَدَ إِذْ قُمْـ ـنَا وقَامَ الخُصُوم في كَبَد أَخْشَى على أَرْبَدَ الحُتُوفَ وَلاَ أَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاك وَالأَسَد فَجَّعنِي الرَّعْدُ والصَّوَاعِقُ بالفا رِسِ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النَّجِدِ تفسير : وفيه قال:شعر : إن الرّزيَّة لاَ رَزِيَّةَ مِثْلُهَا فِقْدَان كُلِّ أخٍ كضوء الْكَوْكَبِ يا أَرْبَدَ الخيرِ الكرِيمَ جُدُودُهُ أفردَتنِي أَمشِي بقَرْنٍ أعْضَب تفسير : وأسلم لبِيد بعد ذلك رضي الله عنه. مسألة: روى أَبَان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تأخذ الصاعقة ذاكراً لله عزّ وجلّ». تفسير : وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد يقول: «حديث : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خِيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعليّ ديته»تفسير : . وذكر الخطيب من حديث سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال: كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرّعد بحمده والملائكة من خِيفته ثلاثاً عوفي مما يكون في ذلك الرعد؛ ففعلنا فعوفينا؛ ثم لقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا بَرَدَة قد أصابت أنفه فأثّرت به، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ قال بَرَدَة أصابت أنفي فأثرت، فقلت: إن كعباً حين سمع الرعد قال لنا: من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثاً عُوفي مما يكون في ذلك الرعد؛ فقلنا فعوفِينا؛ فقال عمر: أفلا قلتم لنا حتى نقولها؟ وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». قوله تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ} يعني جدال اليهوديّ حين سأل عن الله تعالى: من أيّ شيء هو؟ قاله مجاهد. وقال ٱبن جُرَيج: جدال أَرْبَدَ فيما همّ به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون، «وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ» حالاً، ويجوز أن يكون منقطعاً. وروى أنس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله عز وجل، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن إلهك هذا! أهو من فضة أم من ذهب أم من نحاس؟ فاستعظم ذلك؛ فرجع إليه فأعلمه؛ فقال: «ٱرجع إليه فادعه» فرجع إليه وقد أصابته صاعقة، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل: «وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ»تفسير : . {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} قال ابن الأعرابي: «المِحال» المكر، والمكر من الله عزّ وجلّ التدبير بالحق. النحاس: المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. وروى ابن اليزيدي عن أبي زيد «وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ» أي النقمة. وقال الأزهريّ: «المحال» أي القوّة والشدّة. والْمَحْل: الشدّة؛ الميم أصلية، وماحَلْتُ فلاناً مِحَالاً أي قاويته حتى يتبيّن أينا أشدّ. وقال أبو عبيد: «المحال» العقوبة والمكروه. وقال ابن عَرَفة: «المِحال» الجدال؛ يقال: ماحَلَ عن أمره أي جادل. وقال القُتَيبِيّ: أي شديد الكيد؛ وأصله من الحيلة، جعل ميمه كميم المكان؛ وأصله من الكون، ثم يقال: تمكنت. وقال الأزهري: غلط ٱبن قتيبة أن الميم فيه زائدة؛ بل هي أصلية، وإذا رأيت الحرف على مثال فِعال أوّله ميم مكسورة فهي أصلية؛ مثل: مِهاد ومِلاك ومِرَاس، وغير ذلك من الحروف. ومِفْعَل إذا كانت من بنات الثلاثة فإنه يجيء بإظهار الواو مثل: مِزْوَد ومِحْوَل ومِحْوَر، وغيرها من الحروف؛ وقال: وقرأ الأعرج ـ «وَهُوَ شَدِيدُ الْمَحَال» بفتح الميم؛ وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه الحول؛ ذكر هذا كله أبو عبيد الْهَرَويّ، إلا ما ذكرناه أوّلاً عن ابن الأعرابيّ؛ وأقاويل الصحابة والتابعين بمعناها، وهي ثمانية: أولها: شديد العداوة، قاله ابن عباس. وثانيها: شديد الْحَوْل، قاله ابن عباس أيضاً. وثالثها: شديد الأخذ، قاله عليّ بن أبي طالب. ورابعها: شديد الحقد، قاله ابن عباس. وخامسها: شديد القوة، قاله مجاهد. وسادسها: شديد الغضب، قاله وهب بن مُنَبّه. وسابعها: شديد الهلاك بالمحل، وهو القحط؛ قاله الحسن أيضاً. وثامنها: شديد الحيلة؛ قاله قَتَادة. وقال أبو عبيدة مَعْمَر: المِحال والمماحلة المماكرة والمغالبة؛ وأنشد للأعشى:شعر : فرع نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ الْمَجْـ ـدِ كثير النَّدَى شديد المحال تفسير : وقال آخر:شعر : ولَبَّسَ بَيْنَ أقوَامٍ فكُلٌّ أَعَدَّ له الشَّغَازِبَ والْمِحَالاَ تفسير : وقال عبد المطلب: شعر : لا هُمَّ إنّ الْمَرْءَ يَمْـ ـنَعُ رَحْلَهُ فٱمْنَعْ حِلاَلَكَ لاَ يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُم وَمِحَا لُهُمْ عَدْواً مِحَالك
البيضاوي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا} من أذاه. {وَطَمَعًا } في الغيث وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف، أي إرادة خوف وطمع أو التأويل بالإِخافة والإِطماع، أو الحال من {ٱلْبَرْقَ} أو المخاطبين على إضمار ذو، أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة. وقيل يخاف المطر من يضره ويطمع فيه من ينفعه. {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ} الغيم المنسحب في الهواء. {ٱلثِّقَالَ} وهو جمع ثقيلة وإنما وصف به السحاب لأنه اسم جنس في معنى الجمع.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يُرى من النور اللامع ساطعاً من خلل السحاب. وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: البرق الماء. وقوله: {خَوْفًا وَطَمَعًا} قال قتادة: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله، {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} أي: ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء، قال: {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} كقوله: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي قال: كنت جالساً إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يابن أخي وسع فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له الشيخ: سمعت عن شيخ من بني غفار: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله ينشىء السحاب، فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» تفسير : والمراد - والله أعلم - أن نطقها الرعد، وضحكها البرق. وقال موسى بن عبيدة عن سعد ابن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث، فلا أحسن منه مضحكاً، ولا آنس منه منطقاً، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن مسلم قال: بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه، فذاك البرق. وقال الإمام أحمد، حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مطر عن سالم، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال: «حديث : اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»تفسير : ، ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر، ولم يسم به. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة رفعه: أنه كان إذا سمع الرعد قال: «حديث : سبحان من يسبح الرعد بحمده»تفسير : ؛ وروي عن علي رضي الله عنه: أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من سبحت له، وكذا روي عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد: أنهم كانوا يقولون ذلك. وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة، وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إِن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض، رواه مالك في موطئه، والبخاري في كتاب الأدب. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى حدثنا محمد بن واسع عن شتير ابن نهار، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال ربكم عز وجل: لو أن عبيدي أطاعوني، لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد»تفسير : . وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِذا سمعتم الرعد، فاذكروا الله؛ فإنه لا يصيب ذاكراً» تفسير : وقوله تعالى: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} أي: يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا عمارة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق قبلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان»تفسير : وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق، حدثنا علي بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: «حديث : اِذهب فادعه لي»تفسير : . قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: من رسول الله، وما الله، أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا، فقال لي: «حديث : ارجع إليه الثانية» تفسير : فذهب، فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: «حديث : ارجع إليه فادعه»تفسير : فرجع إليه الثالثة، قال: فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه، إذ بعث الله عز وجل سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهب بقحف رأسه، فأنزل الله عز وجل: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ} الآية، ورواه ابن جرير من حديث علي بن أبي سارة به. ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس، فذكر نحوه، وقال: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو عمران الجوني عن عبد الرحمن بن صحار العبدي: أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هو يجادلهم، إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل عليه صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية. وقال أبو بكر بن عياش عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من نحاس هو، أم من لؤلؤ، أو ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ} الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً أنكر القرآن، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ} الآية، وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة، لما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عامر بن الطفيل - لعنه الله -: أما والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً، ورجالاً مرداً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة» تفسير : يعني: الأنصار، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يخاطبه، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة، فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه عليه الصلاة والسلام، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل، فأرسل الله عليه الطاعون، فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية؟ حتى ماتا لعنهما الله، وأنزل الله في مثل ذلك: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ}، وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه:شعر : أَخْشى على أَرْبَدَ الحُتُوف ولا أَرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والأَسَد فَجَعَني الرَّعْدُ والصَّوَاعِقُ بالـ ـفارسِ يومَ الكَريهَةِ النَّجد تفسير : وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما، عن عطاء ابن يسار، عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن جَزْء بن جليد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم»تفسير : . قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل» تفسير : قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا»تفسير : ، فلما قفلا من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يمنعك الله»تفسير : ، فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد أنا أشغل عنك محمداً بالحديث، فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب، فنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل، فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلسا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على السيف، يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحَرَّة - حرة واقم - نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب، فخرجا، حتى إِذا كانا بالرقم، أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم، أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقة ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، ترغب أن يموت في بيتها؟ ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعاً، فأنزل الله فيهما: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} - إلى قوله - { وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ} الآية. وقوله: {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ} أي: يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} قال ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره، وهذه الآية شبيهة بقوله: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [النمل:50-51]، وعن علي رضي الله عنه: {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} أي: شديد الأخذ، وقال مجاهد: شديد القوة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا } للمسافرين من الصواعق {وَطَمَعًا } للمقيم في المطر {وَيُنْشِىءُ } يخلق {ٱلسَّحَابَ ٱلثّقَالَ } بالمطر.
الشوكاني
تفسير : لما خوّف سبحانه عباده بإنزال مالاً مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه، ويخاف من بعضها، وهي البرق، والسحاب، والرعد، والصاعقة، وقد مر في أول البقرة تفسير هذه الألفاظ وأسبابها. وقد اختلف في وجه انتصاب {خَوْفًا وَطَمَعًا } فقيل: على المصدرية، أي: لتخافوا ولتطمعوا طمعاً، وقيل: على العلة بتقدير إرادة الخوف والطمع، لئلا يختلف فاعل الفعل المعلل وفاعل المفعول له، أو على الحالية من البرق، أو من المخاطبين بتقدير ذوي خوف. وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه. قيل: والمراد بالخوف هو الحاصل من الصواعق، وبالطمع هو الحاصل في المطر، وقال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر. لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر، الذي هو سبب الخصب {وَيُنْشِىء ٱلسَّحَابَ ٱلثّقَالَ } التعريف للجنس، والواحدة سحابة، والثقال: جمع ثقيلة، والمراد أن الله سبحانه يجعل السحاب التي ينشئها ثقالاً بما يجعله فيها من الماء. {وَيُسَبّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } أي: يسبح الرعد نفسه بحمد الله أي: متلبساً بحمده، وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44]. وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد في ذلك، ويكون ذكره على الإفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له، وعناية به، وقيل: المراد: ويسبح سامعو الرعد، أي يقولون: سبحان الله والحمدلله {وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } أي: ويسبح الملائكة من خيفة الله سبحانه. وقيل: من خيفة الرعد. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن هؤلاء الملائكة هم أعوان الرعد. وأن الله سبحانه جعل له أعواناً {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } من خلقه فيهلكه، وسياق هذه الأمور هنا للغرض الذي سيقت له الآيات التي قبلها، وهي الدلالة على كمال قدرته {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ } الضمير راجع إلى الكفار، المخاطبين في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } أي: وهؤلاء الكفرة مع هذه الآيات التي أراهم الله يجادلون في شأن الله سبحانه فينكرون البعث تارة، ويستعجلون العذاب أخرى، ويكذبون الرسل ويعصون الله، وهذه الجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة. {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } قال ابن الأعرابي: المحال المكر، والمكر من الله: التدبير بالحق. وقال النحاس: المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. وقال الأزهري: المحال: القوة والشدة، والميم أصلية، وما حلت فلاناً محالاً أينا أشد. وقال أبو عبيد: المحال: العقوبة والمكروه. قال الزجاج: يقال ما حلته محالاً: إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحْلُ في اللغة: الشدة. وقال ابن قتيبة: أي شديد الكيد، وأصله من الحيلة جعل الميم كميم المكان، وأصله من الكون، ثم يقال: تمكنت. قال الأزهري: غلط ابن قتيبة أن الميم فيه زائدة، بل هي أصلية. وإذا رأيت الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية، مثل مهاد وملاك ومراسي وغير ذلك من الحروف. وقرأ الأعرج "وهو شديد المحال" بفتح الميم. وقد فسرت هذه القراءة بالحول. وللصحابة والتابعين في تفسير المحال هنا أقوال ثمانية: الأول: العداوة. الثاني الحول. الثالث الأخذ. الرابع: الحقد. الخامس: القوة. السادس: الغضب. السابع: الهلاك. الثامن: الحيلة. {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } إضافة الدعوة إلى الحق للملابسة، أي: الدعوة الملابسة للحق المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه، كما يقال: كلمة الحق، والمعنى أنها دعوة مجابة واقعة في موقعها، لا كدعوة من دونه. وقيل: الحق هو الله سبحانه، والمعنى: أن لله سبحانه دعوة المدعو الحق، وهو الذي يسمع فيجيب، وقيل: المراد بدعوة الحق ها هنا: كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له. وقيل: دعوة الحق دعاؤه سبحانه عند الخوف فإنه لا يدعى فيه سواه كما قال تعالى: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } تفسير : [الإسراء: 67]. وقيل: الدعوة: العبادة، فإن عبادة الله هي الحق والصدق: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء } أي: والآلهة الذين يدعونهم - يعني الكفار - من دون الله - عزّ وجلّ - لا يستجيبون لهم بشيء مما يطلبونه منهم كائناً ما كان إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد فإنه لا يجيبه؛ لأنه جماد لا يشعر بحاجته إليه، ولا يدري أنه طلب منه أن يبلغ فاه. ولهذا قال: {وَمَا هُوَ } أي: الماء {بِبَالِغِهِ } أي: ببالغ فيه. قال الزجاج: إلاّ كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب، أعلم الله سبحانه أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان إلى الماء يدعوه إلى بلوغ فمه، وما الماء ببالغه. وقيل: المعنى: أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فلا يحصل في كفه شيء منه. وقد ضربت العرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلاً بالقبض على الماء كما قال الشاعر:شعر : فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد تفسير : وقال الآخر:شعر : ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع تفسير : وقال الفراء: إن المراد بالماء هنا ماء البئر، لأنها معدن للماء، وأنه شبهه بمن مد يده إلى البئر بغير رشاء، ضرب الله سبحانه هذا مثلاً لمن يدعو غيره من الأصنام. {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } أي: يضل عنهم ذلك الدعاء فلا يجدون منه شيئاً، ولا ينفعهم بوجه من الوجوه، بل هو ضائع ذاهب. {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ * طَوْعًا وَكَرْهًا } إن كان المراد بالسجود معناه الحقيقي، وهو وضع الجبهة على الأرض للتعظيم مع الخضوع والتذلل، فذلك ظاهر في المؤمنين والملائكة ومسلمي الجن، وأما في الكفار فلا يصح تأويل السجود بهذا في حقهم، فلا بدّ أن يحمل السجود المذكور في الآية على معنى: حق لله السجود ووجب، حتى يُناول السجود بالفعل وغيره، أو يفسر للسجود بالانقياد. لأن الكفار وإن لم يسجدوا لله سبحانه فهم منقادون لأمره، وحكمه فيهم بالصحة والمرض والحياة والموت والفقر والغنى. ويدل على إرادة هذا المعنى قوله: {طَوْعًا وَكَرْهًا } فإن الكفار ينقادون كرهاً كما ينقاد المؤمنون طوعاً، وهما منتصبان على المصدرية، أي: انقياد طوع وانقياد كره، أو على الحال، أي: طائعين وكارهين، وقال الفراء: الآية خاصة بالمؤمنين فإنهم يسجدون طوعاً، وبعض الكفار يسجدون إكراهاً وخوفاً كالمنافقين، فالآية محمولة على هؤلاء. وقيل: الآية في المؤمنين، فمنهم من سجد طوعاً لا يثقل عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه لأن التزام التكليف مشقة ولكنهم يتحملون المشقة إيماناً بالله وإخلاصاً له. {وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } وظلالهم: جمع ظل، والمراد به: ظل الإنسان الذي يتبعه، جعل ساجداً بسجوده حيث صار لازماً له لا ينفك عنه. قال الزجاج، وابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله سبحانه، كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه، فظل المؤمن يسجد لله طوعاً. وظل الكافر يسجد لله كرهاً. وخص الغدو والآصال بالذاكر، لأنه يزداد ظهور الظلال فيهما، وهما ظرف للسجود المقدر، أي: ويسجد ظلالهم في هذين الوقتين، وقد تقدّم تفسير الغدوّ والآصال في الأعراف، وفي معنى هذه الآية قوله سبحانه: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دٰخِرُونَ } تفسير : [النحل: 48] وجاء بمن في {من في السمٰوات والأرض} تغليباً للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعاً لسجودهم، ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد ما يفيده تقديم {لله} على الفعل من الاختصاص، فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم، ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي يقرّون على أنفسهم بأنها من الله، كالخلق والحياة والموت، ونحو ذلك. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أمر الله سبحانه رسوله أن يسأل الكفار: من رب السمٰوات والأرض؟ ثم لما كانوا يقرّون بذلك ويعترفون به كما حكاه الله سبحانه في قوله: {أية : ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [الزخرف: 9]. وقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزخرف: 87] أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب، فقال: {قُلِ ٱللَّهُ } فكأنه حكى جوابهم وما يعتقدونه، لأنهم ربما تلعثموا في الجواب حذراً مما يلزمهم، ثم أمره بأن يلزمهم الحجة ويبكتهم فقال: {قُلْ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} والاستفهام للإنكار، أي: إذا كان رب السمٰوات والأرض هو الله كما تقرون بذلك وتعترفون به كما حكاه سبحانه عنكم بقوله: {أية : قُلْ مَن رَّبُّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ * ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } تفسير : [المؤمنون: 86 - 87] فما بالكم اتخذتم لأنفسكم من دونه أولياء عاجزين {لاَ يَمْلِكُونَ لانْفُسِهِمْ نَفْعًا } ينفعونها به {وَلاَ ضَرّا } يضرون به غيرهم أو يدفعونه عن أنفسهم، فكيف ترجون منهم النفع والضر وهم لا يملكونهما لأنفسهم، والجملة في محل نصب على الحال، ثم ضرب الله سبحانه لهم مثلاً وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم. فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي: هل يستوي الأعمى في دينه وهو الكافر، والبصير فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه، والثاني عالم بذلك. قرأ ابن محيصن، وأبو بكر، والأعمش، وحمزة، والكسائي "أم هل يستوي الظلمات والنور" بالتحتية. وقرأ الباقون بالفوقية. واختار القراءة الثانية أبو عبيد، والمراد بالظلمات: الكفر، وبالنور: الإيمان، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: كيف يكونان مستويين وبينهما من التفاوت ما بين الأعمى والبصير، وما بين الظلمات والنور؟ ووحد النور وجمع الظلمات، لأن طريق الحق واحدة لا تختلف، وطرائق الباطل كثيرة غير منحصرة. {أَمْ جَعَلُواْ لله شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } "أم" هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، أي: بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، والاستفهام لإنكار الوقوع. قال ابن الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، أي: ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر عليهم، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون شيئاً، وجملة: {خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } في محل نصب صفة لشركاء، والمعنى: أنهم لم يجعلوا لله شركاء متصفين بأنهم خلقوا كخلقه {فَتَشَابَهَ } بهذا السبب {ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } حتى يستحقوا بذلك العبادة منهم، بل إنما جعلوا له شركاء الأصنام ونحوها، وهي بمعزل عن أن تكون كذلك، ثم أمره الله سبحانه بأن يوضح لهم الحق ويرشدهم إلى الصواب فقال: {قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } كائناً ما كان ليس لغيره في ذلك مشاركة بوجه من الوجوه. قال الزجاج: والمعنى: أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقاً، ألا ترى أنه تعالى شيء وهو غير مخلوق {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ } أي: المتفرّد بالربوبية {ٱلْقَهَّارُ } لما عداه، فكل ما عداه مربوب مقهور مغلوب. ثم ضرب سبحانه مثلاً آخر للحق وذويه، وللباطل ومنتحليه فقال: {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } أي: من جهتها، والتنكير للتكثير أو للنوعية {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } جمع وادٍ، وهو كل منفرج بين جبلين أو نحوهما. قال أبو علي الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة إلاّ هذا، وكأنه حمل على فعيل فجمع على أفعلة مثل جريب وأجربة. كما أن فعيلاً حمل على فاعل، فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف، كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. قال: وفي قوله: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } توسع أي: سال ماؤها، قال: ومعنى {بِقَدَرِهَا } بقدر مائها، لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها. قال الواحدي: والقدر مبلغ الشيء، والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قلّ الماء وإن اتسع كثر، وقال في الكشاف: {بقدرها} بمقدارها الذي يعرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ. قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعمّ كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب: إذ الأودية يستكنّ فيها الماء كما يستكنّ القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين. {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } الزبد: هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل، ويقال له: الغثاء والرغوة، والرابي: العالي المرتفع فوق الماء. قال الزجاج: هو الطافي فوق الماء، وقال غيره: هو الزائد بسبب انتفاخه، من ربا يربو إذا زاد. والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحلّ ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح. فكذلك يذهب الكفر ويضمحلّ. وقد تمّ المثل الأولّ، ثم شرح سبحانه في ذكر المثل الثاني فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ } "من" لابتداء الغاية، أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء، أو للتبعيض، بمعنى: وبعضه زبد مثله، والضمير للناس، أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره. هذا على قراءة {يوقدون}بالتحتية، وبها قرأ حميد وابن محيصن، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب، واختار القراءة الأولى أبو عبيد. والمعنى: ومما توقدون عليه في النار فيذوب من الأجسام المنطرقة الذائبة. {ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ } أي: لطلب اتخاذ حلية تتزينون بها وتتجملون كالذهب والفضة {أَوْ مَتَـٰعٍ } أي: أو طلب متاع تتمتعون به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص {زَبَدٌ مّثْلُهُ } المراد بالزبد هنا الخبث، فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك الأجسام كما يعلو الزبد على الماء فالضمير في {مثله} يعود إلى {زبداً رابياً} وارتفاع {زبد} على الابتداء وخبره {مما يوقدون}، {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ } أي: مثل ذلك الضرب البديع يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل، ثم شرع في تقسيم المثل فقال: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء } يقال: جفأ الوادي بالهمز جفاء: إذا رمى بالقذر والزبد. قال الفراء: الجفاء الرمي. يقال: جفأ الوادي غثاء جفاء: إذا رمى به، والجفاء بمنزلة الغثاء. وكذا قال أبو عمرو بن العلاء، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ "جفالاً". قال أبو عبيدة: يقال: أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها. وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته، قال أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر. واعلم أن وجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام المنطرقة، أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبداً رابياً فوقه. وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام المنطرقة، فإن أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب، فإذا أذبيت صار ذلك التراب الذي خالطها خبثاً مرتفعاً فوقها. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } منهما وهو الماء الصافي، والذائب الخالص من الخبث {فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ} أي: يثبت فيها. أما الماء فإنه يسلك في عروق الأرض فتنتفع الناس به، وأما ما أذيب من تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية وأمتعة. وهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للحق والباطل، يقول: إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سبحانه سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحلّ وكخبث هذه الأجسام فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه، فهذا مثل الباطل؛ وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعي فيمكث في الأرض، كذلك الصفو من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصاً لا شوب فيه، وهو مثل الحق. قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعاً بها، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به. وقد حكينا عن ابن الأنباري فيما تقدّم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ذكرناه فجعل ذلك مثلاً ضربه الله للقرآن. {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلاْمْثَالَ } أي: مثل ذلك الضرب العجيب يضرب الله الأمثال في كل باب لكمال العناية بعباده واللطف بهم، وهذا تأكيد لقوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ }. ثم بين سبحانه من ضرب له مثل الحق ومثل الباطل من عباده، فقال: فيمن ضرب له مثل الحق {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ } أي: أجابوا دعوته إذ دعاهم إلى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه، و{الحسنى} صفة موصوف محذوف، أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة، وقال سبحانه فيمن ضرب له مثل الباطل {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ } لدعوته إلى ما دعاهم إليه، والموصول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية، وهي {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } من أصناف الأموال التي يتملكها العباد ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم منها شيء {وَمِثْلَهُ مَعَهُ } أي: مثل ما في الأرض جميعاً كائناً معه ومنضماً إليه {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } أي: بمجموع ما ذكر وهو ما في الأرض ومثله. والمعنى: ليخلصوا به مما هم فيه من العذاب الكبير والهول العظيم، ثم بين الله سبحانه ما أعدّه لهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ } يعني: الذين لم يستجيبوا {لَهُمْ سُوء ٱلْحِسَـٰبِ } قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم، وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه؛ وقيل: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي: مرجعهم إليها {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي: المستقرّ الذي يستقرون فيه. والمخصوص بالذم محذوف. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } قال: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته،وطمعاً للمقيم يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: خوفاً لأهل البحر وطمعاً لأهل البر. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: الخوف ما يخاف من الصواعق، والطمع: الغيث. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي في سنّنه من طرق عن عليّ بن أبي طالب قال: البرق: مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب. وروي عن جماعة من السلف ما يوافق هذا ويخالفه، ولعلنا قد قدّمنا في سورة البقرة شيئاً من ذلك. وأخرج أحمد عن شيخ من بني غفار قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله ينشىء السحاب فتنطق أحسن النطق وتضحك أحسن الضحك»تفسير : قيل: والمراد بنطقها الرعد، وبضحكها البرق. وقد ثبت عند أحمد، والترمذي، والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال: «حديث : اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»تفسير : وأخرج العقيلي وضعفه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينشىء الله السحاب ثم ينزل فيه الماء، فلا شيء أحسن من ضحكه، ولا شيء أحسن من نطقه، ومنطقه الرعد وضحكه البرق»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله: «أن خزيمة بن ثابت، وليس بالأنصاري، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منشأ السحاب فقال: حديث : إن ملكاً موكلاً يلمّ القاصية ويلحم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع برقت وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت»تفسير : . وأخرج أحمد، والترمذي وصححه. والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: «أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنك نبيّ واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: {أية : الله على ما نقول وكيل} تفسير : [يوسف: 66]، قال "هاتوا"، قالوا: أخبرنا عن علامة النبيّ؟ قال: "حديث : تنام عيناه ولا ينام قلبه"تفسير : ، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: "حديث : يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت"تفسير : . قالوا: أخبرنا عمّا حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "حديث : كان يشتكي عرق النساء، فلم يجد شيئاً يلائمه إلاّ ألبان كذا وكذا: يعني: الإبل، فحرم لحومها" تفسير : قالوا: صدقت، قالوا أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: حديث : ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله"تفسير : ، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: "حديث : صوته"تفسير : ، قالوا: صدقت إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا، إنه ليس من نبيّ إلاّ له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "حديث : جبريل، »تفسير : قالوا: جبريل ذاك ينزل بالخراب والقتال والعذاب عدوّنا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فأنزل الله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } تفسير : [البقرة: 97] إلى آخر الآية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي الدنيا في المطر، وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان الذي سبحت له، وقال: إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه. وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن الرعد صوت الملك، وكذا أخرج نحوه أبو الشيخ عن ابن عمر. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: الرعد ملك اسمه الرعد، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتدّ زجره احتك السحاب واضطرم من خوفه، فتخرج الصواعق من بينه، وأخرج ابن أبي حاتم، والخرائطي، وأبو الشيخ في العظمة عن أبي عمران الجوني قال: إن بحوراً من نار دون العرش يكون منها الصواعق. وأخرج أبو الشيخ عن السدّي قال: الصواعق نار. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } قال: شديد القوّة. وأخرج ابن جرير عن علي قال: شديد الأخذ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه في قوله: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } قال: التوحيد: لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات من طرق عن ابن عباس في قوله {دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } قال: شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن جرير عن علي في قوله: {إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } قال: كان الرجل العطشان يمدّ يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: هذا مثل المشرك الذي عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه. وأخرج أبو الشيخ عنه في قوله: {هَلْ يَسْتَوِى ٱلاْعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } قال: المؤمن والكافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه أيضاً في قوله: {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } الآية قال: هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: {فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء } وهو الشك {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ } وهو اليقين، وكما يجعل الحليّ في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } قال: الصغير قدر صغره، والكبير قدر كبره.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: خوفاً للمسافر من أذيته، وطمعاً للمقيم في بركته، قاله قتادة. الثاني: خوفاً من صواعق البرق، وطمعاً في غيثه المزيل للقحط، قاله الحسن. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد قال: "حديث : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ". تفسير : الثالث: خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه. {وينشىء السحاب الثقال} قال مجاهد: ثقال بالماء. قوله عز وجل:{ويسبِّح الرعد بحمده}وفي الرعد قولان: أحدهما: أنه الصوت المسموع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : الرعد وعيد من الله فإذا سمعتموه فأمسكوا عن الذنوب ". تفسير : الثاني: أن الرعد ملك، والصوت المسموع تسبيحه، قاله عكرمة. {والملائكة مِن خيفته}فيه وجهان: أحدهما: وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى، قاله ابن جرير. الثاني: من خيفة الرعد، ولعله قول مجاهد. {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء}اختلف فيمن نزل ذلك فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في رجل أنكر القرآن وكذب النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته صاعقة، قاله قتادة. الثاني: في أربد بن ربيعة وقد كان همّ بقتل النبي صلى الله عليه وسلم مع عامر بن الطفيل فتيبست يده على سيفه، وعصمه الله تعالى منهما، ثم انصرف فأرسل الله تعالى عليه صاعقة أحرقته. قال ابن جرير: وفي ذلك يقول أخوه لبيد: شعر : أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السِّماك والأسد فجّعني البرق والصواعق بالفا رسِ يوم الكريمة النَّجُدِ تفسير : الثالث: أنها نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ربك من أي شيء، من لؤلؤ أو ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأخذته، قال علي وابن عباس ومجاهد. روى أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تأخذ الصاعقة ذاكراً لله عز وجل ". تفسير : {وهم يجادلون في الله}فيه وجهان: أحدهما: يعني جدال اليهودي حين سأل عن الله: من أي شيء هو؟ قاله مجاهد. الثاني: جدال أربد فيما همّ به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن جريج. {وهو شديد المِحالِ}فيه تسعة تأويلات: أحدها: يعني شديد العداوة، قاله ابن عباس. الثاني: شديد الحقد، قاله الحسن. الثالث: شديد القوة، قاله مجاهد. الرابع: شديد الغضب، قاله وهب بن منبه. الخامس: شديد الحيلة، قاله قتادة والسدي. السادس: شديد الحول، قاله ابن عباس أيضاً. السابع: شديد الإهلاك بالمحل وهو القحط، قاله الحسن أيضاً. الثامن: شديد الأخذ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. التاسع: شديد الانتقام والعقوبة، قاله أبو عبيدة وأنشد لأعشى بني ثعلبة. شعر : فرع نبع يهتز في غصن المجــ ــد كريم الندى عظيم المحال
ابن عبد السلام
تفسير : {خَوْفاً} من صواعقه {وَطَمَعاً} في نزول غيثه، أو خوفاً للمسافر من أذيته وطمعاً للمقيم في بركته. {الثِّقَالَ} بالماء.
النسفي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } انتصبا على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع أو على ذا خوف وذا طمع أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين والمعنى يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق ويطمع في الغيث قال أبوالطيب شعر : فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجي يرجّى الحيا ومنه وتخشى الصواعق تفسير : أو يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له نفع فيه {وَيُنْشِيءُ ٱلسَّحَابَ } هو اسم جنس والواحدة سحابة {ٱلثِّقَالَ } بالماء وهو جميع ثقيلة، تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } قيل يسبح سامعو الرعد من العباد الراجين للمطر أي يصيحون بسبحان الله والحمد لله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الرعد ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب»تفسير : والصوت الذي يسمع زجره السحاب حتى ينتهي إلى حيث أمر {وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } الصاعقة: نار تسقط من السماء لما ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال: {وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ } يعني الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلون في الله حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم: {أية : مِنْ يَحْيَيٰ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ }تفسير : [يس:78] ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم الملائكة بنات الله. أو الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم وذلك أن أربد أخا لبيد بن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامراً بغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية وأرسل على أربد صاعقة فقتله أخبرني عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ } أي المماحلة وهي شدة المماكرة والمكايدة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعماله الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من يحث لا يحتسبون.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً} لما خوف الله عز وجل عباده بقوله: وإذا أراد الله بقوم سوءاً ذكر في هذه الآية من عظيم قدرته ما يشبه النعم من وجه يشبه العذاب من وجه، فقال تعالى: هو الذي يعني هو الذي يريكم البرق والبرق معروف، وهو لمعان يظهر من خلال السحاب وفي كونه خوفاً وطمعاً وجوه: الأول إن عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر ومن في جرينه يعني بيدره التمر والزبيب والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزارع ونحوه. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه فإن من البلاد ما إذا أمطرت قحطت وإذا لم تمطر أخصبت {وينشىء السحاب الثقال} يعني المطر. يقال: انشأ الله السحابة فنشأت أي أبداها فبدت والسحاب جمع سحابة، والسحاب غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: السحاب الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء. ولهذا قيل: سحاب جهام وهو الخالي من الماء وأصل السحب الجر وسمي السحاب سحاباً إما لجر الريح له أو لجره الماء أو لانجراره في سيره {ويسبح الرعد بحمده} أكثر المفسرين على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه. وأورد على هذا القول ما عطف عليه. وهو قوله {والملائكة من خيفته} وإذا كان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه وجب أن يكون غيره. وأجيب عنه أنه لا يبعد أن يكون الرعد اسماً لملك من الملائكة وإنما أفرده بالذكر تشريفاً له على غيره من الملائكة، فهو كقوله: وملائكته وجبريل وميكال. قال ابن عباس: حديث : أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله وسلم فقالوا أخبرنا عن الرعد ما هو قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث يشاء الله" قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "زجره السحاب حتى تنتهي حيث أمرت" قالوا صدقت تفسير : . أخرجه الترمذي مع زيادة فيه. المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً، وأراد به هنا آلة تزجر بها الملائكة السحاب. وقد جاء تفسيره في حديث آخر وهو صوت من نور تزجر الملائكة به السحاب، قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير. فإن أصابه صاعقة فعلي ديته، وكان عبد الله بن الزبير إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وكان يقول إن الوعيد لأهل الأرض شديد. وفي بعض الأخبار أن الله تعالى يقول: "حديث : لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد"تفسير : وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وإن بحور الماء في نقرة إبهامه، وإنه يسبح الله فإذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر، وقيل: إن الرعد اسم لصوت الملك الموكل بالسحاب، ومع ذلك فإن صوت الرعد يسبح الله عز وجل لأن التسبيح والتقديس عبارة عن تنزيه لله عز وجل عن جميع النقائص، ووجود هذا الصوت المسموع من الرعد وحدوثه دليل على وجود موجود خالق قادر متعال عن جميع النقائص، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة تسبيحاً ومنه قوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده وقيل المراد من تسبيح الرعد أن من سمعه سبح الله فلهذا المعنى أضيف التسبح إليه، وقوله والملائكة من خيفته يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وهيبته وخشيته، وقيل: المراد بهذه الملائكة أعوان السحاب جعل الله عز وجل مع الملك الموكل بالسحاب أعواناً من الملائكة، وهم خائفون خاضعون طائعون. وقيل: المراد بهم جميع الملائكة وحمله على العموم أولى {ويرسل الصواعق} جمع صاعقة، وهي العذاب النازل من البرق فيحترق من تصيبه وقيل: هي الصوت الشديد النازل من الجو ثم يكون فيه نار أو عذاب أو موت وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء الثلاثة تنشأ منها {فيصيب بها} يعني بالصواعق {من يشاء} يعني فيهلك بها كما أصاب أربد بن ربيعة. قال محمد الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر {وهم يجادلون في الله} يعني يخاصمون في الله. وقيل: المجادلة المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله نزلت في شأن أربد بن ربيعة حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مم ربك أمن درأم من ياقوت أم من ذهب فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته. وسئل الحسن عن قوله: ويرسل الصواعق الآية فقال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه يدعونه إلى الله، وإلى رسوله فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه، هل هو من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم كلامه فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ما رأينا رجلاً أكفر قلباً ولا أعتى على الله منه. فقال: ارجعوا إليه فرجعوا فلم يزدهم على مقالته الأولى شيئاً بل قال: أأجيب محمداً إلى رب لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما زادنا على مقالته شيئاً بل أخبث. فقال: ارجعوا إليه فرجعوا إليه فبينما هم عنده يدعونه وينازعونه، وهو لا يزيدهم على مقالته شيئاً إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر، وهم جلوس عنده فرجعوا ليخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا استقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم: احترق صاحبكم قالوا: من أين علمتم ذلك؟ قالوا قد أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويرسل الصواعق فيصب بها من يشاء وهم يجادلون في الله. واختلفوا في هذه الواو، فقيل: واو الحال فيكون المعنى فيصيب بها من يشاء في حال جداله في الله وذلك أن أربد لما جادل في الله، أهلكه الله بالصاعقة، وقيل: إنها واو الاستئناف فيكون المعنى أنه تعالى لما تمم ذكر الدلائل قال: بعد ذلك وهم يجادلون في الله {وهو شديد المحال} أي شديد الأخذ بالعقوبة، من قولهم يمحل به محلاً إذا أراد به سوءاً، وقيل: هو من قولهم يمحل به إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك وتمحل إذا تكلف استعمال الحيلة، واجتهد فيه فيكون المعنى أنه سبحانه وتعالى شديد المحال بأعدائه حتى يهلكهم بطريق لا يعرفونه ولا يتوقعونه. وقيل: المحل من المحول وهو الحيلة، والميم زائدة في اختلفت عبارات المفسرين في معنى قوله شديد المحال فقال الحسن: معناه شديد النقمة. وقال مجاهد وقتادة: شديد القوة. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقيل شديد العقوبة وقيل معناه شديد الجدال. وذلك أنه لما أخبر عنهم أنهم يجادلون في الله أخبر أنه أشد جدالاً منهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {كباسط} مثل {أية : بسطة}تفسير : [البقرة: 247] وقد مر في البقرة {أم هل يستوي} بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث. {يوقدون} على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: {قل أفاتخذتم} وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام. الوقوف: {الثقال} ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ {من خيفته} ج لذلك {في الله} ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف {المحال} ه ط للآية وانقطاع النظم {دعوة الحق} ط {يبالغه} ط {ضلال} ه {والآصال} ه {والأرض} ط {قل الله} ط {ولا ضراً} ط {والبصير} ه ط للعطف {والنور} ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل {عليهم} ط {القهار} ه {رابياً} ط {مثله} ط {والباطل} ط {جفاء} ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل {في الأرض} ط {الأمثال} ه ط {الحسنى} ط {لافتدوا به} ط {الحساب} ه لا {جهنم} ج {المهاد} ه {هو أعمى} ط {الألباب} ه لا {الميثاق} ط للعطف {سوء الحساب} ه ط {الدار} ه لأن قوله: {جنات عدن} بدل من {عقبى} {من كل باب} ه ج لحق المحذوف أي قائلين. {عقبى الدار} ط {في الأرض} لا {سوء الدار} ه {ويقدر} ط {الدنيا} ط {متاع} ز {من ربه} ط {أناب} ه {بذكر الله} الأوّل ط {القلوب} ه {مآب} ه. التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة. وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها. وانتصاب {خوفاً وطعماً} إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع. وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له. ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث. وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع. وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب. فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد. وعن الحسن. خلق الله ليس بملك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق"تفسير : . وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة. وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله. وعن علي رضي الله عنه: سبحان من سبحت له. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا اشتد الرعد: "حديث : اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"تفسير : . وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده}تفسير : [الإسراء: 44]. قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم. والمطر بكاؤهم. أما قوله: {والملائكة من خيفته} أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه سبحانه جعل له أعواناً. قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء. وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية. قوله: {ويرسل الصواعق} قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان. ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره. ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: {والله يعلم} ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: {وهم يجادلون في الله} لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من أصحابه. يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده. فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت. فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. قال تجعل لي الأمر بعدك. قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر. قال: لا. قال: فماذا تجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟ وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف. فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً. فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟ ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة. قوله: {وهو شديد المحال} معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "حديث : اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً"تفسير : . ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها. وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة. أبو عبيدة: شديد العقوبة. الحسن: شديد النقمة. وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: {له دعوة الحق} فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه. وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في الكافرين حين دعا عليهما. وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله. وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة. {والذين يدعون من دونه} أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله. {لا يستجيبون لهم بشيء} إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به. والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد. وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته. ثم أكد خيبتهم بقوله: {وما دعاء الكافرين إلى في ضلال} في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم. ثم زاد في الثناء فقال: {ولله يسجد من في السموات والأرض} فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له {طوعاً} أي بسهولة ونشاط {وكرهاً} أي على تعب واصطبار ومجاهدة. وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: {أية : وله أسلم من في السموات والأرض}تفسير : [آل عمران: 83] وقد مر في "آل عمران" أما قوله: {وظلالهم} فقد قال جمع المفسرين. كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً. وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال. وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين. ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف". واعلم أنه سبحانه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: {أية : ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة}تفسير : [الآية: 49] لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة. وقال في "الحج" {أية : ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض}تفسير : [الحج: 18] بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر {من في السموات} تعظيماً لهم ولها وذكر {من في الأرض} لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم. وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله تعالى أعلم بمراده. ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: {قل من رب السموات والأرض قل الله} وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: {قل أفاتخذتم} ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له. والهمزة في {أفاتخذتم} للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم {من دونه أولياء} جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم. وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد. ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: {أم جعلوا} والمراد بل جعلوا {لله شركاء} خالقين مثل خلقه {فتشابه الخلق} أي خلق الله وخلقهم {عليهم} أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور. قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله تعالى منزه عن ذلك. وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله تعالى وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً. ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل. وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه. قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية. ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. قال في الكشاف: معنى {بقدرها} بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: {وأما ما ينفع الناس} وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء. والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه. ومعنى {رابياً} قال الزجاج: طافياً فوق الماء. وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد. ثم قال سبحانه إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك {ومما يوقدون عليه} "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية. والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: {أية : أوقد لي ياهامان على الطين}تفسير : [القصص: 38] والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة {في النار} قال في الكشاف: فائدة قوله {ابتغاء حلية أو متاع} مثل فائدة قوله {بقدرها} لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: {وأما ما ينفع الناس} أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به. {وكذلك يضرب الله الحق والباطل} أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار. ثم شرع في تتميم المثل قائلاً {فأما الزبد فيذهب جفاء} نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل. يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة. وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه سبحانه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده. ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به. ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال {للذين استجابوا لربهم} أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف {الحسنى} أي المثوبة الحسنى وهي الجنة {والذين لم يستجيبوا له} مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده. وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين. وقوله: {الحسنى} صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى. وقوله: {لو أن لهم} كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله {أولئك لهم سوء الحساب} قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم. وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه. وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء. وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس. {ومأواهم جهنم} لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق. ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال {أفمن يعلم أنما} أي أن الذي {أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} القلب {إنما يتذكر} أي لا ينتفع بالأمثال إلا {أولوا الألباب} الذي يعبرون من القشر إلى الباب. ثم وصفهم بقوله: {الذين يوفون بعهد الله} ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره {أولئك} أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: {أية : وإذا أخذ ربك من بني آدم}تفسير : [الأعراف: 172] وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه {ولا ينقضون الميثاق} تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه. وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر. وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق"تفسير : {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم. وقيل: هو مؤازة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاونته ونصرته في الجهاد. وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج {ويخشون ربهم} وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله {ويخافون} خصوصاً {سوء الحساب} ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة {أية : يخافون ربهم من فوقهم}تفسير : [النحل: 50] وإلى هذا أشار بقوله: {ويخشون ربهم} وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها. وإليه الإشارة بقوله: {ويخافون سوء الحساب}. {والذين صبروا} عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب {ابتغاء وجه ربهم} لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء. وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه. {وأقاموا الصلاة} ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "حديث : ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه"تفسير : . {وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية} يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة {ويدرءُون بالحسنة السيئة} أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية. قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل "حديث : إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها"تفسير : وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم. يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟ قال: من بلخ. فقال: وهل تعرف شقيقاً؟ فقال: نعم. فقال: كيف طريقة أصحابه؟ فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره {أولئك لهم عقبى الدار} عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله تعالى أن تكون مرجع أهلها. والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة. ومعنى {جنات عدن} تقدم في سورة براءة {ومن صلح} معطوف على فاعل {يدخلونها} ويجوز أن يكون مفعولاً معه. قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة. قال الواحدي: والأول أصح لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع. ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي. والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم. وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك. قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله. وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى. وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس. وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم. ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: {بما صبرتم} يتعلق بالسلام. والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات. وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً. وقوله: {سوء الدار} في مقابلة {عقبى الدار} كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله {أية : والعاقبة للمتقين}تفسير : [الأعراف: 128] لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة. وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا. قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: {الله يبسط الرزق} والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان. والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و{يقدر} أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء {وفرحوا} يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم {وما الحياة الدنيا} ونعيمها في جنب نعيم الآخرة {إلا متاع} شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه. ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض. وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة. وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه. وقيل: المراد أنه تعالى أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات {الذين آمنوا} بدل ممن أناب {وتطمئن قلوبهم} عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال {أية : إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 2] أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه سبحانه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: شعر : أنا الغريق فما خوفي من البلل تفسير : وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال {الذين آمنوا} مبتدأ خبره {طوبى لهم} وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا. و{طوبى} مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك". والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر. عن ابن عباس: فرح وقرة عين. الضحاك: غبطة لهم. قتادة: حسنى لهم. الأصم: خير وكرامة. الزجاج: عيش طيب. والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم. وقيل: طوبى شجرة في الجنة. حكى الأصم أن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" تفسير : وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع. التأويل: {هو الذي يريكم} برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس {وينشىء السحاب} النوال والأفضال {الثقال} بمطر القبول والإقبال {ويسبح الرعد} وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر {فيصيب بها من يشاء} من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان. ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع {له دعوة الحق} أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق {والذين يدعون من دونه} أي بغير الحق {لا يستجيبون لهم بشيء} إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه {وما هو ببالغه} فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض} من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء {طوعاً} ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين {كرهاً} بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير {وظلالهم} أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح. معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها. آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة. {فسالت أودية} النفوس {فاحتمل السيل زبداً رابياً} من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال {فسالت أودية} القلوب {فاحتمل السيل زبداً رابياً} من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال {فسالت أودية} الأرواح {فاحتمل السيل زبداً رابياً} من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية {فسالت أودية} الأسرار بقدرها {فاحتمل السيل} زبد الوجود المجازي {ومما توقدون عليه} من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء {ابتغاء حلية} وهي التحلية بالبقاء الحقيقي {أو متاع} وهو التمتع به{زبد مثله} مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد {فأما الزبد} في الأحوال كلها {فيذهب جفاء} بالفناء {وأما ما ينفع الناس} من البقاء بالله {فيمكث في} أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي. {للذين استجابوا لربهم الحسنى} وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}تفسير : [الأنبياء: 101] {والذين لم يستجيبوا له} حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة {وأنفقوا مما رزقناهم} أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به {سراً} بالانقطاع عما يشغل بواطنهم {وعلانية} بالانفصال عما يشغل ظواهرهم {ويدرءُون} بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات {والملائكة يدخلون عليهم} تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله {سلام عليكم بما صبرتم} عن غير الله وعلى صدق الطلب {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: {أية : فنسي ولم نجد له عزماً}تفسير : [طه: 115] فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية. وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل صلى الله عليه وسلم {أية : ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : [البقرة: 260] أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب {ارجعي}[الفجر: 28] ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: {الذين آمنوا} الآية. فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة"تفسير : فافهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ...} الآية: قد تقدَّم في أول البَقَرة تفسيرُهُ، والظاهر أنَّ الخوف إِنما هو من صَوَاعِقِ البَرْق، والطَّمَع في الماء الذي يكونُ معه، وهو قولُ الحسن، و {السَّحَابَ }: جمع سحابَة؛ ولذلك جمع الصفة، والـــ {الثِّقَالَ}: معناه: بحملِ الماءِ، قاله قتادة ومجاهد، والعربُ تصفها بذلك، وروى أبو هريرة « حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ، قَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» » تفسير : ، وقال ابن أبي زكرياء: مَنْ قَالَ إِذا سَمِعَ الرعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ. * ت *: وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: "حديث : كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّواعِقَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ، لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك» »تفسير : ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ والحَاكِمُ في «المستدرك»، ولفظهم واحد انتهى من «السلاح»، قال الداووديُّ: وعن ابن عَبَّاس، قال: مَنْ سمع الرعْدَ، فقال: « سُبْحَانَ الذي يُسَبِّح الرعْد بحَمْده، والملائِكَةُ مِنْ خيفته، وهو على كلِّ شيء قدير»، فإِن أصابته صاعقةٌ، فعليَّ ديته، انتهى. وقوله سبحانه: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ...} الآية: قال ابن جُرَيْج: كان سبَبُ نزولها قصَّةَ أَرْبَدَ، وعَامِرِ بن الطُّفَيْلِ، سألا النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يجعلَ الأمْرَ بَعْده لعامِرِ بْنِ الطُّفَيْل، ويدخلا في دِينِهِ، فأبَى عليه السلام ثم تآمَرَا في قَتْل النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: أَنا أَشْغَلُه لَكَ بالحديثِ، وٱضْرِبْهُ أَنْتَ بالسَّيْف، فجعل عامرٌ يحدِّثه، وأَرْبَدُ لاَ يَصْنَعُ شيئاً، فلما ٱنصرفا، قَالَ له عَامِرٌ: وَاللَّهِ، يَا أَرْبَدُ، لاَ خِفْتُكَ أبداً، وَلَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قبل هذا، فقال له أَرْبَدُ: واللَّهِ، لَقَدْ أردتُّ إِخراج السَّيْفِ، فَمَا قَدَرْتُ على ذلك، ولَقَدْ كُنْتُ أَراك بَيْنِي وبَيْنَهُ، أَفَأَضْرِبُكَ، فمَضَيَا للحَشْدِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأصابَتْ أَربَدُ صَاعِقَةً، فقتلَتْهُ، و{ٱلْمِحَالِ }: القوَّة والإِهلاك. * ت *: وفي «صحيح البخاري»: {ٱلْمِحَالِ }: العقوبة. وقوله عز وجل: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}: الضمير في «له» عائدٌ على ٱسْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ. قال ابنُ عَبَّاس: و{دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}: «لا إِلٰه إِلا اللَّه»، يريد: وما كان من الشريعةِ في معناها. وقوله: {وَٱلَّذِينَ }: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في {يَدْعُونَ } لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائِجِهِم ومنافِعِهِم {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ}، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالاً لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا يبلغ فَمَهُ أَبداً، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ. وقوله: {هُوَ}: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في {بَالِغِهِ} للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضاً، والضمير في {بَالِغِهِ} للماء؛ لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبداً على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين؛ أنه في ٱنتلافٍ وضلالٍ لا يفيدُ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ} الآية لما خوَّف العباد بإنزال ما لا مرد له، أتبعه بذكر هذه الآيات المشتملة على قدرة الله ـ تعالى ـ وحكمته، وهي تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب، والقهر من بعض الوجوه. قوله: "خوفاً وطمعاً" يجوز أن يكونا مصدرين ناصبهما محذوف، أي: يخافون خوفاً، ويطمعون طمعاً، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحالِ، وفي صاحب الحال حينئذ وجهان: أحدهما: أنه مفعول: "يُرِيكُمْ" الأول، أي: خائفين طامعين، أي: تخافون صواعقه وتطمعون في مطره، كما قال المتنبي: [الطويل] شعر : 3170ـ فَتًى كالسَّحابِ الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجَى يُرجَّى الحَيَا مِنهَا وتُخْشَى الصَّواعِقُ تفسير : والثاني: أنَّه البرق، أي: يريكموه حالَ كيف ذا خوفٍ وطمعٍ، إذ هو في نفسه خوف وطمع على المبالغة، والمعنى كما تقدَّم. ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، ذكره أبو البقاء، ومنعه الزمخشريُّ لعدم اتِّحادِ الفاعل، يعني أنَّ "الإرادة" وهو الله ـ تعالى ـ غير فاعل الخوف، والطمع، وهو ضمير المخاطبين، فاخلتف فاعل الفعل المعلل، وفاعل العلة وهذا يمكن أن يجاب عنه: بأنَّ المفعول في قوَّة الفاعل، فإن معنى "يُرِيكُم" يجعلكم رائين، فتخافون، وتطمعون. ومثله في المعنى قول النابغة الذبياني: [الطويل] شعر : 3171ـ وحَلَّتْ بُيوتِي في يَفاعٍ مُمنَّعٍ تَخالُ بهِ رَاعِي الحَمُولةِ طَائِرَا حِذَاراً على ألاَّ تَنالَ مَقادَتِي ولا نِسْوتِي حتَّى يَمُتْنَ حَرائِرَا تفسير : فـ"حذارا" مفعول من أجله، فاعله هو المتكلم، والفعل المعلل الذي هو: "حَلَّت" فاعله "بُيُوتِي" فقد اختلف الفاعل، قالوا: لكن لما كان التقدير: وأحللت بيوتي حذاراً صحَّ ذلك. وقد جوَّز الزمخشريُّ ذلك أيضاً على حذف مضاف فقال: "إلاَّ على تقدير حذف مضاف، أي: إرادة خوفٍ، وطمع، وجوَّزه، أيضاً على أن بعض المصادر ناب عن بعض. يعني أن الأصل: يريكم البرق إخافة، وإطماعاً". فإنَّ المرئي، والمخيف، والمطمع هو الله ـ تعالى ـ فناب خوف عن إخافة، وطمع عن إطماع، نحو: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17] على أنه قد ذهب ابن خروف، وجماعة على أنَّ اتحاد الفعل ليس بشرط. فصل في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه: قيل: يخاف منه نزول الصَّواعق، وطمع في نزول الغيثِ. وقيل: يخافُ المطر من يتضرر به كالمسافر، ومن في جرابه التمر والزبيب، والحب، ويطمع فيه من له فيه نفعٌ. وقيل: يخاف منه في غير مكانه، وأمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وأمانه، ومن البلدان إذا مطروا، قحطوا، وإذا لم يمطروا خصبوا. قال ابن الخطيب: "البرقُ جسمٌ مركبٌ من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ولا شك أنَّ الغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسمٌ باردٌ رطبٌ، والنَّار جسم حار يابس فظُهورُ الضدِّ من الضد التام على خلافِ العقل، فلا بد من صانع مختار يظهر الضدّ من الضدّ". ثم قال: "ويُنْشِىءُ السَّحاب الثِّقَال" بالمطر، ويقال: أنشأ الله السحابة، فنشأت، أي: أبدأها فبدأت. قال الزمخشري: "السَّحابُ: اسم جنس الواحدة سحابة، والثقال: جمع ثقيلة؛ لأنَّك تقول: سحابةٌ ثقيلةٌ وسحابٌ ثِقَال، كما تقول: امرأةٌ كريمة، ونساءٌ كِرام". وقال البغوي: "السَّحاب جمع، واحدتها: سحابة، ويقال في الجمع: سُحُبٌ وسَحَائِبُ أيضاً، قال عليٌّ: السحاب غربال الماءِ". فصل قال ابن الخطيب: "وهذا من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأنَّ هذه الأجزاء المائية إمَّا أن يقال: حدثت في جو الهواءِ أو تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأوَّل وجب أن يكون [حدوثها] بأحداث محدث حكيم قادر، وهو المطلوب، وإن كان الثاني هو أن يقال: تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض، فلمَّا وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت، فثقلت، فرجعت إلى الأرض. فنقول: هذا باطلٌ؛ لأن الأمطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة، وتارة تكون صغيرة، وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة، وتارة تطول مدة نزول المطر، وتارة تقصر واختلاف الأمطار في هذه الصِّفات مع أنَّ طبيعة الأرض واحدة، وطبيعة الشمس واحدة فلا بد وأن يكون تخصيص الفاعل المختار، وأيضاً فالتَّجربة دلَّت على أنَّ للدعاء، والتَّضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً كما في الاستسقاء ومشروعيته، فعلمنا أنَّ المؤثر فيه [قدرة] الفاعل لا الطبيعة، والخاصية". قوله: {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} قال أكثر المفسرين: الرَّعدُ اسم ملكٍ يسوقُ السَّحاب، والصوت المسموع تسبيحه. قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ: "مَنْ سَمِعَ صوتَ الرَّعدِ فقال: سُبْحانَ الَّذي يُسبِّحُ الرَّعْدُ بحَمْدهِ والمَلائِكةُ مِنْ خِيفتهِ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قدير، فإنْ أصَابهُ صَاعِقةٌ فَعَلى دِينه". وعن ابن عبَّاس: أنَّ اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرَّعدِ ما هو؟. فقال صلى لله عليه وسلم "حديث : ملكٌ من الملائكةِ وُكِلَ بالسَّحابِ معهُ مخَارِيق من نَارِ يسُوقُ بِهَا السَّحابَ حيثُ شَاء اللهُ، قالوا: فَمَا الصَّوتُ الذي نَسْمَع؟ قال: زَجْرةُ السَّحابِ ". تفسير : وعن الحسن: أنَّه خلق من خلق الله ليس بملكٍ. قال ابن الخطيب: فعلى هذا القولِ: الرَّعدُ هو الملكُ الموكل بالسحاب، وذلك الصَّوت يسمّى بالرَّعدِ، ويؤكد هذا ما روي عن النبيِّ صلى الله عليه سلم أنه قال: "حديث : إنَّ اللهَ يُنشِىءُ السَّحاب، فتَنْطِقُ أحسنَ النُّطقِ وتَضحَكُ أحسن الضِّحكِ فنُطقه الرَّعدُ وضِحْكهُ برق ". تفسير : وهذا القول غير مستبعد؛ لأن ـ عند أهل السنة ـ البنية ليست شرطاً لحصولِ الحياةِ، فلا يبعد من الله ـ تعالى ـ أن يخلق الحياة، والعلم، والقدرة، والنُّطق في أجزاء السَّحاب، فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له، وكيف يستبعد ذلك، ونحن نرى أنَّ السمندل يتولد في النَّار، والضفادع تتولّد في الماءِ، والدُّودة العظيمة ربما تولدت في الثلوج القديمة، وأيضاً: فإذا لم يبعد تسبيحُ الجِبالِ في زمن داود ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ولا تسبيح الحصى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يبعدُ تسبيحُ السَّحاب؟. وعلى هذا القول ففي هذا المسموع قولان: أحدهما: أنه ليس بملك؛ لأنَّه عطف عليه الملائكة فقال: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} والمعطوف عليه مغايرٌ للمعطوف. والثاني: لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة، وإنَّما أفرده بالذِّكر تشريفاً كقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة:98] وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب:7]. وقيل: الرعدُ اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإنَّه يسبحُ، قال تعالى {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ}تفسير : [الإسراء:44]. وقيل: المراد من كون الرَّعد مسبحاً، أن من يسمع الرَّعد فإنَّه يسبح الله ـ تعالى ـ فلهذا المعنى أضيف التسبيح إليه. قوله: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}، أي: والملائكة يسبحون من خيفة الله، وخشيته، وقيل: أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله ـ تعالى ـ له أعواناً، فهم خائفون خاضعون طائعون. قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: "خائفون من الله لا كخوف بني آدم، فإنَّ أحدهم لا يعرف من على يمينه، ومن على يساره لا يشغله عن عبادة الله طعامٌ، ولا شراب ولا شيء". قال ابن الخطيب: "والمحققون من الحكماء يقولون: إنَّ هذه الآثار العلوية إنَّما هي تتمُّ بقوى روحانية فلكيَّة، فللسَّحاب روح معيَّن في الأرواح الفلكيَّة يدبره، وكذا الرِّياح، وسائر الآثار العلوية، وهذا عين ما قلنا: إنَّ الرعد اسمٌ لملك من الملائكة يسبِّح الله ـ تعالى ـ. فالذي قاله المفسِّرون بهذه العبارة، هو عين ما ذكره المحققون من الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟". قوله: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} كما أصاب أربد بن ربيعة. "الصَّواعِقَ" جمع صاعقة، وهي العذاب المهلك ينزل من البرقِ، فتحرق من تصيبه وتقدَّم الكلام عليه في أوَّل البقرةِ. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر الطُّفيل، وأربد بن ربيعة أخي أسد بن ربيعة كما قدمنا. واعلم أنَّ أمر الصاعقة عجيبٌ جدًّا؛ لأنَّها نارٌ تتولَّد في السَّحاب، وإذا نزلت من السَّحاب فربما غاصت في البحرِ، وأحرقت الحيتان. قال محمدُ بن عليّ الباقر: "الصَّاعقة تصيبُ المسلم، وغير المسلمِ، ولا تصيب الذَّاكر". قوله: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ} يجوز أن تكون الجملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك ويجوز أن تكون حالاً. وظاهر كلام الزمخشري أنَّها حال من مفعول "تَصِيبُ" فإنَّه قال: "وقيل: الواو للحال، أي: يصيب بها من يشاء في حال جدالهم" وجعلها غيره: حالاً من مفعول "يَشَاء". فصل معنى الكلام: أنه ـ تعالى ـ بيَّن دلائل العلم بقوله: {أية : يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ}تفسير : [الرعد:8]، ودلائل كمال القدرة في هذه الآية، ثم قال تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ} يعنى أنَّ الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله. قيل: المراد بها الرَّد على الكافر يعني أربد بن ربيعة الذي قال: أخبرنا عن ربِّنا، أهو من نحاسٍ، أم من حديد، أم من درٍّ، أم من ياقوت، أم من ذهب؟ فنزلت الصاعقة من السماء؛ فأحرقته. وقيل: المراد جدالهم في إنكار البعث، وقيل المراد الرد على جدالهم في طلب سائر المعجزات. وقيل: المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. حديث : وسئل الحسن عن قوله: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ} الآية قال: كان رجلٌ من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم يقرّ بدعوته إلى الله ورسوله، فقال لهم: أخبروني عن رب محمدٍ، هذا الذي تدعُوني إليه، مِمَّ هو؟ من ذهبٍ، أو فضةٍ، أو حديدٍ أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته، فانصرفوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: ما رأينا رجُلاً أكفر قلباً، ولا أعتى على الله منه، فقال: صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا إليه" فرجعوا إليه؛ فجعل لايزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيب محمداً إلى رب لا أراه، ولا أعرفه! وانصرفوا، وقالوا: يا رسول الله: ما زادنا على مقالته الأولى، وأخبث. فقال صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا إليه"، فرجعوا إليه، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول هذه المقالة، إذا ارتفعت سحابة، فكانت فوق رءوسهم، فرعدت، وبرقت ورمت بصاعقة؛ فأحرقت الكافر، وهم جلوسٌ، فجاءوا يسعون؛ ليخبروا رسول الله صلى الله عليه سلم؛ فاستقبلهم قومٌ من أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم فقالوا: "احْترَقَ صَاحبُكُم" فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} . تفسير : قوله: {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} هذه الجملة حال من الجلالة الكريمة، ويضعف استنافها. وقرأ العامة: بكسر الميم وهو القوَّة والإهلاكُ. قال عبدالمطلب: [الكامل] شعر : 3172ـ لا يَغْلبَنَّ صَلِيبُهُمْ ومِحَالُهُمْ عَدواً مِحَالَك تفسير : وقل الأعشى: [الخفيف] شعر : 3173ـ فَرْغُ نَبْغٍ يَهتزٌّ في غُصُنِ المَجْـ ـدِ عَظيمُ النَّدى شديدُ المحالِ تفسير : والمحال أيضاً: أشدُّ المكايدة، والمماكرة، يقال: ما حله، ومنه تمحَّل فلان بكذا أي: تكلَّف له استعمال الحيلة. وقال أبو زيدٍ: هو النِّقمةُ. وقال ابن عرفة: هو الجدالُ، وفيه على هذا مقابلة معنوية كأنه قيل: وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحالِ. وقال عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ: شديد الأخذ. وقال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ شديد المحول. وقال الحسن: شديد الحقدِ. قالوا: وهذا لا يصلح للحقد؛ لأن الحقد لا يمكن في حق الله ـ تعالى ـ إلاَّ أنَّه تقدم أنَّ أمثال هذه الكلمات إذا وردت في حقِّ الله ـ تعالى ـ فإنَّها تحمل على نهايات الأغراض لا على مبادي الأعراض، فيكون المراد بالحقد ههنا: هو أنه ـ تعالى ـ يريد إيصال الشَّر إليه، مع أنه أخفى عنه تلك الإرادة. وقال مجاهدٌ: شديد القوَّة. وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة. وقيل: شديد المكرِ، والمحال، والمماحلة، والمماكرة، والمغالبة. واختلفوا في ميمه: فالجمهور على أنَّها أصلية من المحل، وهو المكر، والكيد، وزنها فعال: كمِهَاد. وقال القتبيُّ: إنَّه من الحيلةِ، وميمه مزيدة، كـ"مكان" من الكون، ثم يقال: تمكنت، وقد غلَّطه الأزهريُّ، وقال: لو كان:"مِفْعَلاً" من الحيلة لظهرت الواو، مثل: مرودٍ، ومحولٍ، ومحودٍ. وقرأ الأعرج والضحاك بفتحها والظاهر أنه لغة في المكسورة، وهو مذهب ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ فإنه فسره بالحول كما تقدم، وفسره غيره: بالحيلة. وقال الزمخشري: "وقرأ الأعرج بفتح الميم على أنه مفعل من: من حال يحول محالاً إذا احتال، ومنه: "أحْوَل مِنْ ذئْبٍ" أي: أشد حيلة، ويجوز أن يكون المعنى شديد الفقار، ويكون مثلاً في القوة، والقدرة كما جاء: فساعد الله أشد، وموساه أحد؛ لأن الحيوان إذا اشتد محاله كان منعوتاً بشدة القوَّة، والإضطلاع بما يعجز عنه غيره ألا ترى إلى قولهم: فقَرَتْهُ الفَواقِر، وذلك أنَّ الفقار عمود الظَّهر، وقوامه". قوله: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، والأصل له الدعوة الحق، كقوله {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [يوسف:109] على أحد الوجهين. وقال الزمخشري فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيضُ الباطل، كما يضاف الكلمة إليه في قوله: "كَلمةُ الحَقِّ". الثاني: أن تضاف إلى "الحقِّ" الذي هو "الله" على معنى: دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب. قال أبو حيَّان: "وهذا الوجه الثاني لا يظهر؛ لأنه مآله إلى تقدير: لله دعوة الله، كما تقول: "لزيد دعوة زيد"، وهذا التركيب لا يصحُّ". قال شهاب الدين: "وأين هذا ممَّا قاله الزمخشريُّ حتى يرد عليه به"؟. فصل معنى قوله: "دَعْوةُ الحقِّ"، أي لله دعوة الصدق. قال عليُّ: دَعْوةُ الحقِّ: التَّوحيد. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدُّعاء بالإخلاص عند الخوف، فإنَّه لا يدعى فيه إلا أياه، كما قال: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء:67]. قال الماورديُّ: وهو أشبه لسياق الآية؛ لأنه قال: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعنى الأصنام: {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ}، أي لا يجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء. {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}. ضرب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ الماء مثلاً لما يأتيهم من الإجابة لدعائهم. قوله: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} يجوز أن يراد بـ"الَّذينَ" المشركون، فالواو في: "يَدعُونَ" عائدة، ومفعوله محذوف، وهو الأصنام، والواو في "لا يستجيبون" عائدة على مفعول "تَدْعَونَ" المحذوف، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إيّاه معاملتهم، والتقدير: والمشركون الذي يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام وإلا استجابة كاستجابة باسط كفيه أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد، ولا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه، ويبلغ فاه، قال معناه الزمخشريُّ. وما ذكره أبو البقاء قريب من هذا، وقدر التقدير المذكور، قال: "والمصدر في هذا التقدير مضاف إلى المفعول، كقوله: {أية : لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ}تفسير : [فصلت:49] وفاعل هذا المصدر مضمر، وهو ضمير الماءِ أي: لا يجيبونهم إلا كما يجيب الماء باسط كفيه إليه، والإجابة هنا كناية عن الانقياد". وقيل: ينزلون في قلَّة فائدة دعائهم لآلهتهم منزلة من أراد أن يغرف الماء بيده؛ ليشرب، فيبسطها ناشراً أصابعه، ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء، ولم يبلغ مطلوبه من شربه. قال الفراء: المراد بالماء هاهنا: البئر؛ لأنَّها معدن الماءِ، ويجوز أن يراد بـ"الَّذينَ" الأصنام أي: والآلهة، والذين يدعونهم من دون الله لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابة، والتقدير: كما تقدَّم في الوجه قبله. وإنَّما جمعهم جمع العقلاء؛ إمَّا للاختلاط، لأنَّ آلهتهم عقلاء وجماد، وإمَّا لمعاملتهم إيَّاها معاملة العقلاء في زعمهم، قالوا: الواو في "يَدعُونَ" للمشركين والعائد المحذوف للأصنام، وكذا واو: "يَسْتَجِيبون". وقرأ اليزيديُّ عن أبي عمرو: "تَدْعُونَ" بالخطاب: "كبَاسِطٍ كَفَّيْهِ" بالتنوين وهي مقوية للوجه الثاني، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره. قوله: "ليَبْلُغَ" اللام متعلقة بـ "بَاسط"، وفاعل: "يَبلُغَ" ضمير الماء. قوله: {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} في "هُوَ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير الماءِ، والهاء في: "بِبَالغِه" للفم، أي: وما الماء ببالغ فيه. الثاني: أنه ضمير الفم، والهاء في "بِبالغِهِ" للماء، أي: وما الفم ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحالِ، فنسبةُ الفعلِ إلى كل واحد وعدمه صحيحان. الثالث: أن يكون ضمير الباسط، والهاء في: "بِبالغِهِ" للماء، أي: وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء. ولا يجوز أن يكون "هُوَ" ضمير "البَاسط"، وفاعل "بِبَالغهِ" مضمراً والهاء في "بِبَالغهِ" للماء؛ لأنَّه حينئذٍ يكون من باب جريان الصِّفة على غير من هي له، ومتى كان كذلك لزم إبراز الفاعل، فكان التركيب هكذا: وما هو ببالغ الماء، فإن جعلنا الضمير في "ببَالغهِ" للماء؛ جاز أن يكون: "هُوَ" ضمير الباسط كما تقدَّم تقريره. والكاف في "كباسط" إما نعت لمصدر محذوف، وإما حال من ذلك المصدر، كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء: "والكاف في "كَباسطِ" إن جعلتها حرفاً كان فيها ضمير يعودُ على الموصوف المحذوف، وإن جعلتها اسماً لم يكن فيها ضمير". قال شهابُ الدِّين: "وكون الكاف اسماً في الكلام، لم يقل به الجمهور، بل الأخفش. ويعني بالموصوف ذلك المصدر، والذي قدره فيما تقدَّم". ثم قال: {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} أصنامهم: {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} يضلّ عنهم إذا احتاجوا إليه، كقوله تعالى: {أية : وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ}تفسير : [فصلت:48]. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} ربهم: {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله ـ عزَّ وجلَّ. وقيل: {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}؛ في ضياع لا منفعة فيه؛ لأنَّ الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم. قوله: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية في المراد بهذا السجود قولان: أحدهما: السجود بوضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا القول، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّ اللفظ، وإن كان عامًّا إلا أنَّ المراد المؤمنون، فبعضهم يسجدُ لله طوعاً بنشاط، وبعضهم يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه، ويتحمل مشقَّة العبادة. وقيل: المراد بقوله: "طَوْعاً" الملائكة، والمؤمنون، و"كَرْهاً" المنافقون، والكافرون الذين أكرهوا على السجود بالسَّيف. والثاني: أنَّ اللفظ عام. فإن قيل: ليس المراد: {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يسجد لله؛ لأن الكفَّار لا يسجدون. فالجواب من وجهين: الأول: أن المعنى أنه يجب على كلٍّ من في السموات، والأرض أن يعترف بعبودية الله، كما قال: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزمر:38]. والقول الثاني: أنَّ السُّجود عبارة عن الانقياد، والخضوع، وترك الامتناع، وكلُّ من في السموات، والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنَّ قدرته، ومشيئته نافذة في الكُل. قوله: {طَوْعاً وَكَرْهاً} إمَّا مفعول من أجله، وإمَّا حال، أي: طائعين، وكارهين وإمَّا منصوب على المصدر المؤكد بفعل مضمر. قوله: {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} قرأ أبو مجلز: والإيصال، بالياء قبل الصَّاد وخرَّجها ابن جني على أنه مصدر "آصل"، كضارب، أي: دخل في الأصيل، كأصبح أي: دخل في الصَّباح، و"ظِلالُهمْ" عطف على "من"، و"بِالغُدوِّ" متعلق بـ"يَسْجدُ" والباء بمعنى "فِي"، أي: في هذين الوقتين. قال المفسرون: كل شخص سواء كان مؤمناً، أو كافراً فإنَّ ظله يسجد للَّه. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرهاً وهو كاره. وقال الزجاج: "جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغيرِ الله، وظله يسجد لله". وعند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق ـ تعالى ـ للظلال عقولاً، وأفهاماً تسجد بها، وتخشع كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح الله وظهر اسم التجلي فيها، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً}تفسير : [الأعراف:143]. قال القشيري ـ رحمه الله ـ: "وفي نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكنُ أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأمَّا الظلال، فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير الحياة لها". وقيل: المراد من سجود الظلال [ميلانها] من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاطِ الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة [مستسلمة] في طولها، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب، وإنَّما خص الغدو، والآصال بالذِّكر؛ لأنَّ الظلال إنما تعظم، وتكثر في هذين الوقتين. و"الآصَال" جمع الأُصُل، والأُصل: جمع الأصيل، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. وقيل: "ظِلالُهمْ"، أي: أشخاصهم بالغدو، والآصال بالبكر والعشايا.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً} قال: خوفاً للمسافر، يخاف أذاه ومشقته {وطمعاً} للمقيم، يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {يريكم البرق خوفاً وطمعاً} قال {خوفاً} لأهل البحر {وطمعاً} لأهل البر. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {يريكم البرق خوفاً وطمعاً} قال: الخوف: ما يخاف من الصواعق، والطمع: الغيث. وأخرج ابن جرير، عن أبي جهضم موسى بن سالم مولى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق فقال: البرق: الماء. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {يريكم البرق} قال: شعيب الجياني في كتاب الله: الملائكة، حملة العرش أسماؤهم في كتاب الله الحيات، لكل ملك وجه إنسان واسد ونسر، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق. قال أمية بن أبي الصلت: شعر : رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {يريكم البرق} قال: ملائكة تمصع بأجنحتها، فذلك البرق. زعموا أنها تدعى الحيات. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم - رضي الله عنه - قال: بلغنا أن البرق له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذلك البرق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: البرق مصع ملك، يسوق السحاب. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: البرق ملك يترايا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي في سننه من طرق، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب، يزجرون به السحاب. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: البرق مخاريق يسوق به الرعد السحاب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: البرق اصطفاق البرد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن كعب - رضي الله عنه - قال: البرق تصفيق الملك البرد، ولو ظهر لأهل الأرض لصعقوا. وأخرج الشافعي عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق، فلا يشر إليه وليصف ولينعت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وينشئ السحاب الثقال} قال: الذي فيه الماء. وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك"تفسير : قال إبراهيم بن سعد: النطق، الرعد. والضحك، البرق. وأخرج العقيلي وضعفه وابن مردويه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ينشئ الله السحاب، ثم ينزل فيه الماء. فلا شيء أحسن من ضحكه؛ ولا شيء أحسن من منطقه، ومنطقه الرعد، وضحكه البرق ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن بجاد الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسم السحاب عند الله، العنان، والرعد، ملك يزجر السحاب. والبرق، طرف ملك يقال له روقيل ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن خزيمة بن ثابت - وليس بالأنصاري - رضي الله عنه، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن منشأ السحاب فقال: "حديث : إن ملكاً موكل بالسحاب يلم القاصية ويلحم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت ".
ابو السعود
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا} من الصاعقة {وَطَمَعًا} في المطر، فوجهُ تقديم الخوفِ على الطمع ظاهر لما أن المَخوفَ عليه النفسُ أو الرزق العتيدُ والمطموعُ فيه الرزقُ المترقَّبُ، وقيل: الخوف أيضاً من المطر لكنْ الخائفُ منه غيرُ الطامع فيه كالخزّاف والحرّاث، ويأباه الترتيبُ اللهم إلا أن يتكلف ما أشير إليه من أن المَخوفَ عتيدٌ والمطموعَ فيه مترقَّبٌ، وانتصابُهما إما على المصدرية أي فتخافون خوفاً وتطمعون طمعاً أو على الحالية من البرق أو المخاطبـين بإضمار ذوي أو بجعل المصدرِ بمعنى المفعول أو الفاعل مبالغةً أو على العِلّية بتقدير المضاف أي إرادةَ خوفٍ وطمعٍ، أو بتأويل الإخافة والإطماعِ ليتّحد فاعلُ العِلة والفعل المعلّل. وأما جعلُ المعلل هي الرؤية التي تتضمنها الإرادةُ ـ على طريقة قول النابغة شعر : وحلّت بـيوتي في يَفاعٍ ممنَّع تَخال به راعي الحَمولةِ طائرا حِذاراً على أن لا يُنال معاوني ولا نِسوتي حتى يمُتْن حرائرا تفسير : أي أحللت بـيوتي حِذاراً ـ فلا سبـيل إليه لأن ما وقع في معرِض العلةِ الغائية لا سيما الخوفُ لا يصلح علةً لرؤيتهم {وَيُنْشِىء ٱلسَّحَابَ} الغمامَ المنسحبَ في الجو {ٱلثّقَالَ} بالماء وهي جمعُ ثقيلةٍ وُصف بها السحابُ لكونها اسمَ جنسٍ في معنى الجمع والواحدةُ سحابة، يقال: سحابةٌ ثقيلة وسحاب ثِقال، كما يقال: امرأة كريمة ونسوة كرام. {وَيُسَبّحُ ٱلرَّعْدُ} أي سامعوه من العباد الراجين للمطر ملتبسين {بِحَمْدِهِ} أي يضِجّون بسبحان الله والحمد لله وإسنادُه إلى الرعد لحمله لهم على ذلك أو يسبح الرعدُ نفسه على أن تسبـيحه عبارةٌ عن دلالته على وحدانيته تعالى وفضلِه المستوجبِ لحمده. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: « حديث : سُبحانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحمدِهِ » تفسير : وإذا اشتد يقول: « حديث : اللهم لا تقتُلْنا بغضبك ولا تُهلِكنا بعذابك وعافِنا قبل ذلك ». تفسير : وعن علي رضي الله عنه: "سبحان من سبَّحْتَ له". وعن ابن عباس رضي الله عنهما « حديث : أن اليهود سألت النبـيَّ عليه الصلاة والسلام عن الرعد فقال: "ملَكٌ من الملائكة موكلٌ بالسحاب معه مخاريقُ من نار يسوق السحابَ" » تفسير : وعن الحسن: "خلقٌ من خلق الله تعالى ليس بملك" {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} أي يسبح الملائكة {مِنْ خِيفَتِهِ} من هيبته وإجلالِه جل جلاله، وقيل: الضمير للرعد. {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء} فيُهلكه بذلك {وَهُمْ} أي الكفرةُ المخاطبون في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } تفسير : [الرعد: 12] وقد التُفت إلى الغَيبة إيذاناً بإسقاطهم عن درجة الخِطاب وإعراضاً عنهم وتعديداً لجناياتهم لدى كلِّ من يستحق الخطابَ كأنه قيل: هو الذي يفعل أمثالَ هذه الأفاعيلِ العجيبةِ من إراءة البرقِ وإنشاء السحابِ الثقالِ وإرسالِ الصواعقِ الدالةِ على كمال علمِه وقدرتِه ويعقِلُها مَنْ يعقِلها من المؤمنين، أو الرعدُ نفسه أو الملكُ الموكلُ به والملائكةُ ويعملون بموجب ذلك من التسبـيح والحمد والخوفِ من هيبته تعالى وهم أي الكفرة الذين حُكيت هَناتُهم مع ذلهم وهوانهم وحقارةِ شأنهم {يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ} أي في شأنه تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من إنكار البعثِ واستعجالِ العذاب استهزاءً واقتراحِ الآيات، فالواو لعطف الجملةِ على ما قبلها من قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } تفسير : [الرعد: 12] الخ، أو على قوله: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ } تفسير : [الرعد: 8] الخ، وأما العطفُ على قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الرعد: 7] كما قيل فلا مجال له لأن قوله تعالى: {أية : ٱللَّهَ يَعْلَمُ } تفسير : الخ، استئنافٌ لبـيان بطلانِ قولهِم ذلك ونظائرِه من استعجال العذابِ وإنكار البعثِ قاطعٌ لعطف ما بعده على ما قبله، وقيل: للحال أي فيصيب بالصواعق من يشاء وهم في الجدال. (وقد أريد به ما أصاب «أربدَ بنَ ربـيعةَ» أخا لبـيد فإنه أقبل مع «عامر بن الطفيل» إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغيانه الغوائلَ فدخلا المسجد وهو عليه الصلاة والسلام جالسٌ في نفر من الأصحاب رضي الله عنهم فاستشرفوا لجمال عامر وكان من أجمل الناسِ وقد كان أوصى إلى أربد أنه إذا رأيتَني أكلم محمداً عليه الصلاة والسلام فدُرْ من خلفه واضرِبْه بالسيف، فجعل يكلمه عليه الصلاة والسلام فدار أربد من خلفه عليه الصلاة والسلام فاخترط من سيفه شبراً فحبسه الله تعالى فلم يقدِر على سلّه وجعل عامرٌ يومىء إليه فرأى النبـيُّ عليه الصلاة والسلام الحالَ، فقال: « حديث : اللهم اكفِنيهما بما شئت » تفسير : فأرسل الله عز وجل على أربد صاعقةً في يوم صحْوٍ صائفٍ فأحرقتْه وولى عامرٌ هارباً فنزل في بـيت امرأة سَلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحَه وتغيّر لونُه وركب فرسه فجعل يركُض في الصحراء ويقول: ابرُزْ يا ملكَ الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللاتِ لئن أصْحر لي محمد وصاحبُه ـ يعني ملك الموت ـ لأنفُذنَّهما برمحي، فأرسل الله تعالى ملكاً فلطَمه بجناحه فأرداه في التراب فخرجت على ركبته في الوقت غُدةٌ عظيمة فعاد إلى بـيت السَّلولية وهو يقول: غُدة كغدة البعير وموتٌ في بـيت سَلولية، ثم عاد بفرسه فركبه فأجراه حتى مات على ظهره). وقيل: أريد به ما روي عن الحسن حديث : (أنه كان رجلٌ من طواغيت العرب فبعث النبـيُّ عليه الصلاة والسلام نفراً من أصحابه يدعونه إلى الله عز وجل، فقال لهم: أخبروني عما تدعونني إليه ما هو ومم هو؟ من ذهب، أم من فضة، أم من نحاس، أم من حديد، أم من دُرّ؟ فاستعظموا مقالتَه فرجعوا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا رجلاً أكفرَ قلباً ولا أعتى على الله منه، فقال عليه الصلاة والسلام: "ارجعوا إليه" فما زاد إلا مقالتَه الأولى وأخبثَ، فرجعوا إليه عليه الصلاة والسلام وأخبَروه بما صنع، فقال عليه الصلاة والسلام: "ارجِعوا إليه" فبـينما هم عنده ينازعونه إذ ارتفعت سحابةٌ ورعَدت وبرِقت ورمَتْ بصاعقة فاحترق الكافرُ فجاءوا يسعَوْن ليخبروه عليه الصلاة والسلام بالخبر فاستقبلهم الأصحاب فقالوا: احترق صاحبُكم، قالوا: من أين علمتم؟ قالوا: أُوحيَ إلى النبـي صلى الله عليه وسلم) » تفسير : . {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} أي والحالُ أنه شديدُ المماحلة والمماكرةِ لأعدائه من مَحَله إذا كاده وعرّضه للهلاك، ومنه تمحّل إذا تلكف استعمال الحِيل، وقيل: هو مُحالٌ من المَحْل بمعنى القوة، وقيل: مُحوّل من الحول أو الحيلة أُعلَّ على غير قياس، ويعضُده أنه قرىء بفتح الميم على أنه مَفعَل من حال يحول إذا احتال ويجوز أن يكون بمعنى الفقار فيكون مثلاً في القوة والقدرة كقولهم: فساعدُ الله أشدُّ وموساه أحدّ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً}[12] قال: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الرعد ملك، وهو الذي تسمعون صوته، والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب، وكذا قال مجاهد. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: البرق مخاريق الملائكة، والرعد صوت ملك. وقال قتادة: الرعد صوت السحاب.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} [الآية: 12]. قال ابن عطاء: خوفًا للمسافر، وطمعًا للمقيم. قال ابن البرقى: يريكم أنوار محبته، فبين خائفٍ من استناره وطامعٍ فى تخليه. قال أبو على الثقفى: ورود الأحوال على الأسرار عندى كالبرق لا يمكث بل يلوح، فإذا لاح فربما أزعج من خائف خوفه، وربما جرى من محب حبه. قال أبو بكر بن طاهر: خوفًا من اعتراض الكدورة فى صفاء المعرفة، وطمعًا فى الملامة فى إخلاص المعاملة. قال أبو يعقوب الأبهرى: خوفًا من القطع والافتراق وطمعًا فى القرب والإتيان. وقال بعضهم: خوفًا من عقابه وطمعًا فى ثوابه.
القشيري
تفسير : كما يريهم البرقَ - في الظاهر - فيكونون بين خوفٍ وطمعٍ؛ خوفٍ من إحباس المطر وطمع في مجيئه. أو خوفٍ للمسافر من ضرر مجيء المطر، وطمعٍ للمقيم في نفعه.. كذلك يُرِيهم البرقَ في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم كالبرق في الصفاء، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة. {خَوْفاً}: من أن ينقطع ولا يبقى، {وَطَمَعاً}: في أن يدومَ فيه نقلُ صاحبِه من المحاضرة إلى المكاشفة، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة، ثم إلى الوجود ثم دوام الوجود ثم إلى كمال الخمود. ويقال: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ}: من حيث البرهان، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان، ثم يصير إلى نهار العرفان. فإذا طلعت شموسُ التوحيدِ فلا خفاءَ بعدها ولا استتار ولا غروب لتلك الشموس،كما قيل: شعر : هي الشمسُ إلا أَنَّ للشمس غيبةً وهذا الذي نَعْنيه ليس يغيب تفسير : ويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجنَّ عليهم ليالي الفرقة، فَقَلَّمَا تخلو فرحةُ الوصال من أن تعقبها موجة الفراق، كما قيل: شعر : أي يومٍ سررتني بوصالٍ لم تَدَعْني ثلاثةً بصدود؟! تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}. إذا انتاب السحابةَ في السماء ظلامٌ في وقتٍ فإنه يعقبه بعد ذلك ضحكُ الرياض، فَمَا لَمْ تَبْكِ السماءُ لا يضحكُ الروضُ، كما قيل: شعر : ومأتمٌ فيه السماءُ تبكي والأرضُ من تحتها عَرُوسُ تفسير : كذلك تنشأ في القلب سحابة الطلب، فيحصل للقلب ترددُ الخاطر، ثم يلوح وجهُ الحقيقة، فتضحكُ الروح لفنونِ راحاتِ الأُنْس وصنوفِ ازهارِ القُرْب.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} بين سبحانه ههنا مقامات المريدين والمتوسطين حيث ذكر البرق والخوف والطمع واين العارفون من مقام الخوف والرجاء وهم فى قنوط النكرة وامن المعرفة واين هم من مقام الخوف وهم فى بحر الاجلال مستفرقون واين هم من مقام الرجاء وهم فى مجالس الانبساط منبسطون واين هم من مقام البرق وهم محترقون فى بروق شموس مشاهدة القدم والازل هذا حال سلاك الطريقة اذا سافروا فى بيداء المحبة والشوق وهم عطاش فى سراب الحيرة فيتلطف بهم تعالى وينشئ شمال الشفقة وسحاب الالفة ويريهم برق تجلى المشاهدة ويمطر عليهم وبال الوصال من مزن الجمال فيخافون من فوته تارة ويطمعون بقاءه تارة وايضا هو الذى يرى المحبين برق المكاشفة ويكشف لهم نور المشاهدة وينشئ للعارفين سحاب العظمة الثقال بانوار الهيبة ويمطر عليهم طوفان بحر الازل والاباد فيفنيهم بطوارق العظمة ويحييهم بماء حيوة الالوهية فسقر الارادة تحت سحاب المنة وكشف برق المشاهدة وخوف الفرقة وطمع الوصلة كما انشد الشبلى شعر : اظلت علينا منك يوما عمامت اضاءت لنا برقا وابطار شاشها فى قاره غيمها يحلوا فيانس طامع ولا غيثها ياتى فيروى عطاشها تفسير : ثم وصف سبحانه اهل كمال بيداء توحيده الذين قاموا عليه بشرط الفناء من مشاهدة قدمه ورؤية بقائه بالوجد والاحوال والزفرات والعبرات والفناء والبقاء بقوله {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} الرعد ههنا شهقات الصديقين من الوجد والهيجان فى بحار العظمة من وقوع انوار تنزيه القدم فى قلوبهم فرعد شهقاتهم لسان الربوبية تقدس ساحة كبريائه عن غبار حوادث الحدثان والملائكة ارواح العارفين وهى فانية من اجلال عظمته ناطق بنطق ازليته بوصف ديموميته واذا اشرق شوامخ القدم والبقاء من طلوع شمس الذات والصفات فيقع صواعق الكبرياء على اهل التجريد والتفريج فيفينهم عن الحدثان وتحرقهم عن نفوسهم هكذا يفعل بهم سطوات القدوسية وسبحات الالوهية غيره على مشاهدة القدم قال ابن البرقى فى هذه الاية يريكم انوار محبته فمن خائف فى استناره وطامع فى تجليه وقال ابو على الثقفى ورود الاحوال على الاسرار كالبروق لا يمكث بل تلوح فاذا لاح فربما ازعج من خائف خوفه وربما حرك من محب حبه قال ابو بكر بن طاهر خوفا من اعتراض الكدورة فى صفا المعرفة وطمعا فى الملازمة فى اخلاص المعاملة وقال ابو يعقوب الابهرى خوفا من القطع والافتراق وطمعا فى القرب والاستباق وقال بعضهم خوفا من عقابه وطمعا فى ثوابه قال ابن عطا خوفا للمسافر وطمعا للمقيم وقال ابن الزنجانى الرعد صعقات الملائكة والبرق زفرات افئدتهم والمطر بكاءهم وقال الاستاد كما يريهم البرق فى الظاهر فيرددهم بين خوف وطمع خوفا من احتباس المطر وطمعا فى محبته وخوفا للمسافر فى مجئ املطر وطمعا للمقيم فى مجيئه كذلك يريهم البرق فى اسرارهم بما يبدوا فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع ثم كالبرق فى الضياء وهذه انوار المحاضرة ثم انوار المكاشفة خوفا من ان ينقطع ولا يبقى وطمعا فى ان تدوم فيها تقى صاحبه عن المحاضرة الى المكاشفة ثم من المكاشفة الى المشاهدة ثم الى الوجود ثم من دقام الوجود الى كمال الخمود ويقال البروق من حيث البرهان ثم يزيد فيصير كاقمار البيان ثم يصير الى نها ر العرفان فان طلعت شموس التوحيد فلا خفاء بعده ولا استتار ولا غروب لتلك الشموس كما قيل هى الشمس الا ان للشمس غيبة وهذا الذى يفنيه ليس يغيب ويقال يبدوا لهم انوار الوصف فتخافون ان يحن عليهم ليالى الفرقة قيل ما بخلوا فرحة الوصاف من ان يعقبه ترجة الفراق كما قيل شعر : اى يوم سررتنى بوصال لم ترعنى بليلة بصدوده تفسير : وقال الاستاد فى قوله وينشئ السحاب الثقال اذا انشيت السحابة فى السماء اظلم فى الوقت الجو لكن يعقبه بعد ذلك ضحك الرياض وما لم يبك السحاب لا يضحك الرياض من قبل شعر : وما تم فى السماء يبكى والارض من تحتها عروس تفسير : كذلك تنشئ فى القلب سحابة الطلب فيضحك طلب تردد الخواطر ثم يلوح وجه التحقيق فيضحك الروح بفنون انوار الانس وصنوف ازهار القرب وقال فى قوله ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته قد يكون فى القلب حنين وانين وزفير وشهيق والملائكة اذا حصل لهم على قلوب المريدين خصوصا اطلاع يبكون وما لاجلهم لا سيما اذا لواحد منهم فترة والفترات فى هذه الطريقة الصواعق التى يصبب بها من يشاء وما قيل ما كان اوليت من وصلنا الا سراجا لاح ثم انطفى.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو} تعالى وحده {الذى يريكم البرق} هو الذى يلمع من السحاب من برق الشئ بريقا اذا لمع {خوفا} اى ارادة خوف او اخافة من الصاعقة وخراب البيوت {وطمعا} اى ارداة طمع او اطماعا فى الغيث ورجاء بركته وزوال المشقة والمطر يكون لبعض الاشياء ضررا ولبعضها رحمة فيخاف منه المسافر ومن فى خزينته التمر والزبيب ومن له بيت لا يكف ويطمع فيه المقيم واهل الزرع والبساتين ومن البلاد ما لا ينتفع اهله بالمطر كاهل مصر فان انتفاعم انما هو بالنيل وبالمطر يحصل الوطر. وفيه اشارة الى ان فى باطن جمال الله تعالى جلالا وفى باطن جلاله جمالا واسندا الاراءة الى ذاته لانه الخالق فى الابصار نورا يحصل به الرؤية للخلائق وهذه الاراءة اما متعلقة بعالم الملك وهى ظاهرة واما متعلقة بعالم الملكوت فمعناها ان الله تعالى اذا ارى السائر برقا من لمعان انوار الجلال يغلب عليه خوف الانقطاع واليأس واذا اراه برقامن تلألؤ انوار الجمال يغلب عليه الرجاء والاستثناء {وينشئ السحاب} اي يبتدئ انشاء السحاب اى خلقه وفيه دلالة على ان السحاب يعدمه الله تعالى ثم يخلقه جديدا والسحاب اسم جنس والواحدة سحابة ولذا وصف بقوله {الثقال} بالماء جمع. واختلف فى ان الماء ينزل من السماء الى السحاب او يخلقه الله فى السحاب فيمطر. وفى حواشى ابن الشيخ السحاب جسم مركب من اجزاء رطبة مائية ومن اجزاء هوائية وهذه الاجزاء المائية المشوبة بالاجزاء الهوائية انما حدثت وتكونت فى جو الهواء بقدرة المحدث القادر على ما شاء والقول بان تلك الاجزاء تصاعدت من الارض فلما وصلت الى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت الى الارض باطل لان الامطار مختلفة فتارة تكون قطراتها كبيرة وتارة تكون صغيرة وتارة متقاربة وتارة متباعدة وتارة تدوم زمانا طويلا وتارة لا تدوم فاختلاف الامطار فى هذه الصفات مع ان طبيعة الارض واحدة وكذا طبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لا بد ان يكون بتخصيص الفاعل المختار. وايضا فالتجربة دلت على ان للدعاء والتضرع فى نزول الغيث اثرا عظيما ولذلك كان صلاة الاستسقاء مشروعة فعلمنا ان المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة والخاصية. يقول الفقير ان المردود هو اسناد الحوادث الى الكون من غير ملاحظة تأثير الله تعالى فيها واما اذا اسندت الى الاسباب مع ملاحظة المسبب فهو مقبول لان هذا العالم عالم الاسباب والحكمة وما هو ادخل فى القدرة الالهية فهو اولى بالاعتبار.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه هو الذي يرى الخلق البرق اي يجعلهم على صفة الرؤية بايجاد المرئي لهم وجعله إياهم على هذه الصفة التي يرون معها المرتيات من كونهم احياء ورفع الموانع والافات منهم يقال: أراه يريه إراءة إذا جعله رائياً مثل أقامه يقيمه إقامة، وهو مشتق من الرؤية. والبرق ما ينقدح من السحاب من اللمعان كعمود النار وجمعه بروق وفيه معنى السرعة، يقال: امض في حاجتك كالبرق، والخوف انزعاج النفس بتوهم وقوع الضرر، خاف من كذا يخاف خوفاً فهو خائف. والشيء مخوف. والطمع تقدير النفس لوقوع ما يتوهم من المحبوب. ومثله الرجاء والامل. وقيل في معنى قوله {خوفاً وطمعاً} قولان: احدهما - قال الحسن: خوفاً من الصواعق التي تكون مع البرق وطمعاً في الغيث الذي يزيل الجدب والقحط. وقال قتادة: خوفاً للمسافرين من اذاه وطمعاً للمقيم في الرزق به، وهما منصوبان على أنه مفعول له. وقوله {وينشىء السحاب الثقال} والانشاء فعل الشيء من غير سبب مولد، ولذلك قيل النشأة الاولى، والنشأة الثانية. ومثله الاختراع والابتداع. والسحاب هو الغيم، سمي به، لانه ينسحب في السماء. واذا قيل سحابة جمعت على سحائب, كقولك غمامة وغمائم والسحاب جمع سحابة، والثقال جمع ثقيل مثل شريف وشراف وكريم وكرام. والثقل الاعتماد الى جهة السفل؛ والمعنى إن السحاب ثقال بالماء، وهو قول مجاهد. وقوله {ويسبح الرعد بحمده} فالتسبيح تنزيه الله عز وجل عما لا يجوز عليه، والتنزيه له من كل صفة نقْص تضاف اليه، واصله البراءة من الشيء قال الشاعر: شعر : اقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : اي براءة منه. و {الرعد} اصطكاك اجرام السحاب بقدرة الله تعالى وفيه أعظم العبرة واوضح الدلالة، لانه مع ثقله وهو له، وغلظ جرمه حتى يسمع مثل الرعد في عظمه معلق بقدرته تعالى لا يسقط الى الارض منه شيء ثم ينقشع كأنه لم يكن، ولا شيء منه، وقد ذكرنا اختلاف المفسرين في الرعد في سورة البقرة. والحمد الوصف بالجميل من الاحسان على وجه التعظيم. وقيل في معنى قوله {ويسبح الرعد بحمده} ثلاثة اقوال: احدها - يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله ووجوب حمده، فكأنه هو المسبح لله عز وجل. الثاني - انه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو الى تسبيح الله تعالى. الثالث ان الرعد ملك يزجر السحاب بالصوت الذي يسمع، وهو تسبيح الله بما يذكره من تعظيم الله. وقوله {والملائكة من خيفته} تقديره ويسبحه الملائكة من خيفته. والفرق بين الخيفة والخوف، ان الخيفة صفة للحال مثل قولك: هذه ركبة اي حال من الركوب الحسن، وكذلك هذه خفية شديدة. والخوف مصدره مطلق غير مضمن بالحال. وقوله {ويرسل الصواعق} وهي جمع صاعقة وهي نار لطيفة تسقط من السماء بحال هائلة من شدة الرعد وعظم الامر يقال: إنها قد تسقط على النخلة وكثير من الاشجار تحرقها، وعلى الحيوان فتقتله. وقوله {فيصيب بها} يعني بالصاعقة من يشاء من عباده. وقوله {وهم يجادلون في الله} يعني هؤلاء الجهال مع مشاهدتهم لهذه الآيات يخاصمون اهل التوحيد، ويحاولون فتلهم عن مذهبهم بجدالهم. والجدال فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج. وقوله {وهو شديد المحال} فالشدة قوة العقدة وفي بدن فلان شدة اي قوة كقوة العقدة، وشدة العقاب قوته يغلظ على النفس، كقوة العقدة، والمحال الأخذ بالعقاب، يقال ما حلت فلاناً اماحله مماحلة ومحالاً، ومحلت به أمحل محلاً إذا فتلته الى هلكه. والميم أصلية في المحل يقال محّلني يا فلان اي قوّني. وقال الجبائي: شديد الكيد للكفار، وسني المحل سني الهلاك بالقحط. واصله الفتل الى الهلاك قال الاعشي: شعر : فرع نبع يهتز في غصن المجـ ـــد غزير الندى شديد المحال تفسير : وقيل فيمن نزلت هذه الآية قولان: احدهما - قال أنس بن مالك وعبد الرحمن صحار العبدي، ومجاهد: انها نزلت في رجل من الطغاة جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم يجادله، فقال يا محمد ممّ ربك أمن لؤلؤ ام ياقوت أم من ذهب ام من فضة؟ فأرسل الله عليه صاعقة، فذهبت بقحفه. وقال ابن جريج: نزلت في أربد، لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجفت يده على قائم سيفه، فرجع خائباً، فارسل الله (عز وجل) عليه في طريقه صاعقة فأحرقته وابتلى عامراً بغدة كغدة البعير قتلته حتى قال عند موته: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. وفي ذلك يقول لبيد ابن ربيعة في أربد، وكان اخاه: شعر : اخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والاسد ففجعني البرق والصواعق بالــ ــفارس يوم الكريهة النجد
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} خائفين وطامعين او اراءة خوف وطمع او يريكم من البرق خوفاً وطمعاً يعنى يظهر فيكم ذلك {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} بالماء يعنى يرفعها الى السّماء.
الهواري
تفسير : قوله: { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} يخاف أذاه [ومعرته] والنصب فيه، وطمعاً للمقيم يرجوا منفعته وبركته ويطمع في رزق الله. وبعضهم يقول: خوفاً من البَرَدْ أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر أن يُنتَفَع به في الزرع. وتفسير الحسن: خوفاً: يخيف به عباده لما فيه من الخوف والصواعق، وطمعاً يرجون به المطر. وقال: والبرق ضوء خلقه الله عَلَماً للمطر. قوله: { وَيُنشِىءُ السَّحَابَ الثَّقَالَ} قال مجاهد: هي التي فيها الماء. وهو مثل قوله: (أية : حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً) تفسير : [الأعراف:57]. قوله: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي: والملائكة أيضاً يسبّحون بحمده من خيفته. قال بعضهم: والرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح. وكان بعض الصحابة إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. وقال الكلبي: هو ملك اسمه الرعد، والصوت الذي يسمع هو تسبيحه، يؤلف به السحاب بعضَه إلى بعض، ثم يسوقه حيث أمر. وبعضهم يقول: كما يسوق الحادي الإِبل. ذكرواعن عبدالله بن عمر قال: ليس شيء أشد سياقاً من السحاب. ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: البرق مخاريق الملائكة. ذكروا عن ابن عباس أنه كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فكتب إليه أن البرق ماء. وقال بعضهم: إن البرق لمحة يلمحها الملك إلى الأرض، وهو الملك الذي يزجر السحاب. وذكر بعضهم قال: من سمع الرعد فقال: سبحان ربي وبحمده لم تصبه صاعقة. قوله: { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَّشَاءُ}. ذكروا عن الحسن أن الملك يزجر السحاب بسوط من نار، وربما انقطع السوط، وهو الصاعقة. قوله: { وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ} أي: المشركون يجادلون نبي الله، أي: يخاصمونه في عبادتهم الأوثانَ دون الله { وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ}. ذكروا أن رجلاً أنكر القرآن وكَذَّب بالنبي عليه السلام، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته، فأنزل الله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَّشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ}. قال بعضهم: المِحال: القوة والحيلة. وقال مجاهد: شديد القوى. وقال الحسن: شديد النقمة. وقال الكلبي: شديد الجدال.
اطفيش
تفسير : {هُو الذِى يُريكم البرْقَ} النور من خلال السحاب، خلقه الله علامة للمطر، وقيل: سوط من نار يسوق به الملك السحاب ويزجره، وروى من نور، أو قيل: نار تخرج من تضارب الماء، كما تخرج من حافر الدابة مع الحجر، وقيل: ملك يظهر للخلق، وقيل لمحة يلمحها الملك الموكل بالسحاب إلى الأرض، وقيل: مخراق حديد يسوق به السحاب. {خَوفا وطَمعا} حال من الكاف على المبالغة فى خوفهم وطمعهم، كأنهم نفس الخوف من إيذاء البرق وإيذاء الصواعق ويخافونها، أو المطر إذا يخاف منه المسافر ومن ثماره فى الأنذر، أو تتضرر غلته بالمطر، أو لا تخصب أرضه إن أمطرت، فإن من الأرضين ما هو كذلك، ولا تحتاج للمطر كأرض مصر، المطر فى غير أوانه، ونحو ذلك، وكأنهم نفس الطمع فى نفع البرق وهو المطر لمن له فيه نفع لا ضر، أو حال من الكاف على تقدير مضاف، أى ذوى خوف وطمع، أو على التأويل باسم الفاعل، أى خائفين وطامعين، أو باسم المفعول أى مخوفين ومطمعين على ضعف، لأنهما مصدران من الثلاثى، واسم المفعول المقدر من الرباعى. وإن جعلا اسمى مصدر هو الإخافة والإطماع، وجعلا بمعنى مخيفين ومطمعين ففيه تكلف بتأويلين، أو حال من البرق مبالغة كأنه نفس المخرق والطمع، أو بتقدير مضاف، أى ذا خوف وطمع، وإنما أضيف للخوف والطمع، لأنهما ولو كانا للناس لكنهما بسببه أو بتأويلهما باسم مفعول الثلاثى، أى مخوفا منه بضم الخاء وإسكان الواو، ومطموعا فيه، أو حال من المستتر فى يرى على أنهما اسما مصدر بتقدير مضاف، أى ذا إخافة وذا إطماع أو بتأويل باسم الفاعل من الرباعى، أى مخوفا بكسر الواو مشددة أو مخيفا بإسكان الياء ومطمعا، وفى ذلك تكلف بتأويلين، أو مفعول لأجله على التأويل باسم المصدر، أى لأجل الإخافة والأطماع من لم يشترط اتحاد فاعل المفعول لأجله، وفاعل عامله أجاز كون ذلك مفعولا لأجله بلا تأويل باسم المصدر، فإن الإراءة فعل الله تعالى، والخوف والطمع فعلان للخلق. وقال ابن مالك: إنه مفعول لأجله ولو على اشتراط الاتحاد، إذا المعنى يجعلكم ترون البرق خوفا وطمعا، قلت: يلزم عليه أن هذه الرؤية الثلاثية لم تكن فى لفظ الكلام، ولم تكن شيئا محذوفا مقدرا، بل المذكور يرى الرباعى، وبه تعلقت الأحكام النحوية، وأنهم ليسوا يرونه ليخافوا ويطمعوا، بل يريهم الله ليخافوا ويطمعوا، ثم رأيت الصبان رد عليه بذلك، ويجوز كونه مفعولا مطلقا لحال محذوفة، أى خائفين أو تخافون خوفا أو طامعين أو تطمعون طمعا، وهذه الحال من الكاف. {ويُنشئ} يوجد {السَّحابَ} اسم جمع واحدة سحابة، ولذلك وصف بالجمع ويطلق أيضا على الواحد فيكون اسم جنس، وهو الغنم فيه ماء، أو لم يكن، قال على: هو غربال الماء اشتكت الأرض لله تعالى من ماء الطوفان إذ نزل بلا كيل ولا وزن، فخددها وخدشها، فأوحى الله إليها أنه لا ينزل بعد إلا مغربلا موزونا، فخلق السحاب غربالا لها، قيل: هو ثمرة شجرة فى الجنة، وقيل: السحاب مركب من أجزاء حللتها الشمس من أرض وماء لطيفة، فتداخل، فالأجزاء الأرضية تسمى دخانا والمائية بخارا فتدافع، وفوقها الزمهرير، وقيل: رغوة البحر الأكبر الضاربة لها أمواجه الملقية لها على الساحل، الحاملة لها الريح، بعد جفافها إلى الجو الخالق الله المطر فيها، وقيل المطر من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض، قيل: من السحاب، وسمى سماء لعلوه، وقيل: هو ماء السيل تحمله الملائكة للسحاب، وقيل: من ثمار الجنة تتشقق فيخرج منها، وقيل: سمى لانسحابه فى الهواء، أو لأن الريح تسحبه، أو لأنه يحسب الماء والسحب الجر. {الثِّقالَ} بالماء جمع ثقيلة، سحابة ثقيلة، وسحاب ثقال، ولا يمطر من السحاب إلا ما استوى.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} ذوى خوف وطمع، أَو نفس الخوف والطمع مبالغة، أَو خائِفين خوفا وطامعين طعما، أَو خائِفين وطامعين، أَو لأَجل خوفهم وطمعهم؛ لأَن الإِِرادة تتضمن، الرؤية فقد اتحد فاعلها وفاعل الرؤية، أَو إِرادة خوف وطمع، أَو هما اسما مصدرين أَى إِخافة وإِطماعا أَى ذا إِخافة وإِطماع أَو مخيفا ومطمعا، أَو للإِخافة والإِطماع، والمراد خوفا من أَذى يأْتى من جهة البرق وطمعا فى مطره، والخائِف والطامع واحد، وقيل: يخاف من المطر من يضره ويطمع فيه من ينفعه، وكل واحد غير الآخر، والمطر وإِن ضر لكن نفعه أَكثر فيخاف منه فى غير أَوان الصلاح فيه كحال تجفيف التمر والحبوب وفساد الثمار به أَو سقوطها، والمضارع للاستمرار التجددى {ويُنْشِىءُ السَّحَاب الثَّقَالَ} الغيث المنسحب فى الهواءِ الثقيل بالماءِ، والسحاب جمع أَو اسم جنس جمعى والواحد سحابة ولذلك وصف بالجمع.
الالوسي
تفسير : . {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا} من الصاعقة {وَطَمَعًا } في الغيث قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنه قال: خوفاً لأهل البحر وطمعاً لأهل البر. وعن قتادة خوفاً للمسافر من أذى المطر وطمعاً للمقيم في نفعه، وعن الماوردي خوفاً من العقاب وطمعاً في الثواب، والمراد من البرق معناه المتبادر وعن ابن عباس أن المراد به الماء فهو مجاز من باب إطلاق الشيء على ما يقارنه غالباً. ونصب {خَوْفًا وَطَمَعًا} على أنهما مفعول له ـ ليريكم ـ واتحاد فاعل العلة والفعل المعلل ليس شرطاً للنصب مجمعاً، ففي "شرح الكافية" للرضي وبعض النحاة لا يشترط تشاركهما في الفاعل وهو الذي يقوي في ظني وإن كان الأغلب هو الأول. واستدل على جواز عدم التشارك بما ذكرناه في "حواشينا على شرح القطر" للمصنف. وفي «همع الهوامع» و شرط الأعلم والمتأخرون المشاركة للفعل في الوقت والفاعل ولم يشترط ذلك سيبويه ولا أحد من المتقدمين، واحتاج المشترطون إلى تأويل هذا للاختلاف في الفاعل فإن فاعل الإراءة هو الله تعالى وفاعل الطمع والخوف غيره سبحانه فقيل: في الكلام مضاف مقدر وهو إرادة أي يريكم ذلك إرادة أن تخافوا وتطمعوا فالمفعول له المضاف المقدر وفاعله وفاعل الفعل المعلل به واحد، وقيل: الخوف والطمع موضوعان/ موضع الإخافة والإطماع كما وضع النبات موضع الإنبات في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] والمصادر ينوب بعضها عن بعض أو هما مصدران محذوفا الزوائد كما في «شرح التسهيل»، وقيل: إنهما مفعول له باعتبار أن المخاطبين رائين لأن إراءتهم متضمنة لرؤيتهم والخوف والطمع من أفعالهم فهم فعلوا الفعل المعلل بذلك وهو الرؤية فيرجع إلى معنى قعدت عن الحرب جبناً وهذا على طريقة قول النابغة الذبياني:شعر : وحلت بيوتي في يفاع ممنع يخال به راعي الحمولة طائراً حذارا على أن لا تنال مقادتي ولانسوتي حتى يمتن حرائرا تفسير : حيث قيل: إنه على معنى أحللت بيوتي حذاراً، ورد ذلك المولى أبو السعود بأنه لا سبيل إليه لأن ما وقع في معرض العلة الغائية لا سيما الخوف لا يصلح علة لرؤيتهم. وتعقبه عزمي زاده وغيره بأنه كلام واه لأن القائل صرح بأنه من قبيل قعدت عن الحرب جبناً ويريد أن المفعول له حامل على الفعل وموجود قبله وليس مما جعل في معرض العلة الغائية كما قالوا في ضربته تأديباً فلا وجه للرد عليه بما ذكر، وقيل: التعليل هنا مثله في لام العاقبة لا أن ذلك من قبيل قعدت عن الحرب جبناً كما ظن لأن الجبن باعث على القعود دونهما للرؤية وهو غير وارد لأنه باعث بلا شبهة، واعترض عليه العزمي بأن اللام المقدرة في المفعول له لم يقل أحد بأنها تكون لام العاقبة ولا يساعده الاستعمال وهو ليس بشيء، كيف وقد قال النحاة كما في "الدر المصون": إنه كقول النابغة السابق، وقال أيضاً: بقي هٰهنا بحث وهو أن مقتضى جعل الآية نحو قعدت إلى آخره على ما قاله ذلك القائل أن يكون الخوف والطمع مقدمين في الوجود على الرؤية وليس كذلك بل هما إنما يحصلان منها ويمكن أن يقال: المراد بكل من الخوف والطمع على ما قاله ما هو من الملكات النفسانية كالجبن في المثال المذكور ويصح تعليل الرؤية من الإراءة بهما يعني أن الرؤية من الإراءة بهما يعني أن الرؤية التي تقع بإراءة الله سبحانه إنما كانت لما فيهم من الخوف والطمع إذ لو لم يكن في جبلتهم ذلك لما كان لتلك الرؤية فائدة اهـ، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وقد علمت أنه غير وارد، وقيل: إن النصب على الحالية من {ٱلْبَرْقَ } أو المخاطبين بتقدير مضاف أو تأويل المصدر باسم المفعول أو الفاعل أو إبقاء المصدر على ما هو عليه للمبالغة كما قيل في زيد عدل. {وَيُنْشِىء ٱلسَّحَابَ} أي الغمام المنسحب في الهواء { ٱلثّقَالَ } بالماء وهي جمع ثقيلة وصف بها السحاب لكونه اسم جنس في معنى الجمع ويذكر ويؤنث فكأنه جمع سحابة ثقيلة لا أنه جمع أو اسم جنس جمعي لإطلاقه على الواحد وغيره.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي على أسلوب تعداد الحجج الواحدة تلوى الأخرى، فلأجل أسلوب التعداد إذ كان كالتكرير لم يعطف على جملة { أية : سواء منكم من أسر القول } تفسير : [الرعد: 10]. وقد أعرب هذا عن مظهر من مظاهر قدرة الله وعجيب صنعه. وفيه من المناسبة للإنذار بقوله: { أية : إن الله لا يغير ما بقوم } تفسير : [سورة الرعد: 11] الخ أنه مثال لتصرف الله بالإنعام والانتقام في تصرف واحد مع تذكيرهم بالنعمة التي هم فيها. وكل ذلك مناسب لمقاصد الآيات الماضية في قوله: { أية : الله يعلم ما تحمل كل أنثى } تفسير : [سورة الرعد: 8] وقوله: {أية : وكل شيء عنده بمقدار} تفسير : [سورة الرعد: 8]، فكانت هذه الجملة جديرة بالاستقلال وأن يجاء بها مستأنفة لتكون مستقلة في عداد الجمل المستقلة الواردة في غرض السورة. وجاء هنا بطريق الخطاب على أسلوب قوله: { أية : سواء منكم من أسر القول } تفسير : [سورة الرعد: 10] لأن الخوف والطمع يصدران من المؤمنين ويهدد بهما الكفرة. وافتتحت الجملة بضمير الجلالة دون اسم الجلالة المفتتح به في الجمل السابقة، فجاءت على أسلوب مختلف. وأحسب أن ذلك مراعاة لكون هاته الجملة مفرعة عن أغراض الجمل السابقة فإن جُمل فواتح الأغراض افتتحت بالاسم العلم كقوله: { أية : الله الذي رفع السماوات بغير عَمد } تفسير : [سورة الرعد: 2] وقوله: { أية : الله يعلم ما تحمل كل أنثى } تفسير : [سورة الرعد: 8] وقوله: { أية : إن الله لا يغير ما بقوم } تفسير : [سورة الرعد: 11]، وجمل التفاريع افتتحت بالضمائر كقوله: { أية : يدبر الأمر } تفسير : [سورة الرعد: 4] وقوله: { أية : وهو الذي مد الأرض } تفسير : [سورة الرعد: 3] وقوله: {جعل فيها زوجين}. و{خوفاً وطمعاً} مصدران بمعنى التخويف والإطماع، فهما في محل المفعول لأجله لظهور المراد. وجعل البرق آية نذارة وبشارة معاً لأنهم كانوا يَسِمون البرق فيتوسمون الغيث وكانوا يخشون صواعقه. وإنشاء السحاب: تكوينه من عدم بإثارة الأبْخرة التي تتجمع سحاباً. والسحاب: اسم جمع لسحابة. والثقال: جمع ثقيلة. والثقل كون الجسم أكثر كمية أجزاء من أمثاله، فالثقل أمر نسبي يختلف باختلاف أنواع الأجسام، فرب شيء يعد ثقيلاً في نوعه وهو خفيف بالنسبة لنوع آخر. والسحاب يكون ثقيلاً بمقدار ما في خلاله من البخار. وعلامة ثقله قربه من الأرض وبطء تنقله بالرياح. والخفيف منه يُسمى جهاماً. وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارنهما في كثير من الأحوال. ولما كان الرعد صوتاً عظيماً جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم عقلية على أن الله منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء، وكان شأن تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه الله عن الشريك جعل صوت الرعد دليلاً على تنزيه الله تعالى، فإسناد التسبيح إلى الرعد مجاز عقلي. ولك أن تجعله استعارة مكنية بأن شبه الرعد بآدمي يُسبح الله تعالى، وأثبت شيء من علائق المشبّه به وهو التسبيح، أي قول سبحان الله. والباء في {بحمده} للملابسة، أي ينزه الله تنزيهاً ملابساً لحمده من حيث إنه دال على اقتراب نزول الغيث وهو نعمة تستوجبُ الحمد. فالقول في ملابسة الرعد للحمد مساوٍ للقول في إسناد التسبيح إلى الرعد. فالملابسة مجازية عقلية أو استعارة مكنية. و{الملائكة} عطف على الرعد، أي وتسبح الملائكة من خيفته، أي من خوف الله. و{من} للتعليل، أي ينزهون الله لأجل الخوف منه، أي الخوف مما لا يرضى به وهو التقصير في تنزيهه. وهذا اعتراض بين تعداد المواعظ لمناسبة التعريض بالمشركين، أي أن التنزيه الذي دلت عليه آيات الجو يقوم به الملائكة، فالله غني عن تنزيهكم إياه، كقوله: { أية : إن تكفروا فإن الله غني عنكم } تفسير : [سورة الزمر: 7]، وقوله: { أية : وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد } تفسير : [سورة إبراهيم: 8]. واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن النعمة حاصلة بالسحاب وأما الرعد فآلة من آلات التخويف والإنذار. كما قال في آية سورة البقرة { أية : أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } تفسير : [سورة البقرة: 19]. وكان العرب يخافون الصواعق. ولقبوا خويلد بن نفيل الصَعِق لأنه أصابته صاعقة أحرقته. ومن هذا القبيل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده"تفسير : ، أي بكسوفهما فاقتصر في آيتهما على الإنذار إذ لا يترقب الناس من كسوفهما نفعاً. وجملة {وهم يجادلون في الله} في موضع الحال لأنه من متممات التعجب الذي في قوله: { أية : وإن تعجب فعجب قولهم } تفسير : [الرعد: 5] الخ. فضمائر الغيبة كلها عائدة إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة بقوله: { أية : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } تفسير : [الرعد: 1] وقوله: { أية : أولئك الذين كفروا بربهم } تفسير : [الرعد: 5] وقوله: { أية : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } تفسير : [الرعد: 7]. وقد أعيد الأسلوب هنا إلى ضمائر الغيبة لانقضاء الكلام على ما يصلح لموعظة المؤمنين والكافرين فتمحض تخويف الكافرين. والمجادلة: المخاصمة والمراجعة بالقول. وتقدم في قوله تعالى: { أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } تفسير : في سورة النساء (107). وقد فهم أن مفعول {يجادلون} هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. فالتقدير: يجادلونك أو يجادلونكم، كقوله: { أية : يجادلونك في الحق بعد ما تبين } تفسير : في سورة الأنفال (6). والمجادلة إنما تكون في الشؤون والأحوال، فتعليق اسم الجلالة المجرور بفعل {يجادلون} يتعين أن يكون على تقدير مضاف تدل عليه القرينة، أي في توحيد الله أو في قدرته على البعث. ومن جدلهم ما حكاه قوله: { أية : أو لم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم }. تفسير : في سورة يس (77، 78). والمِحال: بكسر الميم يحتمل هنا معنيين، لأنه إن كانت الميم فيه أصلية فهو فِعال بمعنى الكيد وفعله مَحَل، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل. جعل جدالهم في الله جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو قولهم: {من يُحيي العظام وهي رميم} فقوبل بــــ {شديد المحال} على طريقة المشاكلة، أي وهو شديد المحال لا يغلبونه، ونظيره { أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } تفسير : [سورة آل عمران: 54]. وقال نفطويه: هو من ماحل عن أمره، أي جَادل. والمعنى: وهو شديد المجادلة، أي قوي الحجة. وإن كانت الميم زائدة فهو مفعل من الحول بمعنى القوة، وعلى هذا فإبدال الواو ألفاً على غير قياس لأنه لا موجب للقلب لأن ما قبل الواو ساكن سكوناً حياً. فلعلهم قلبوها ألفاً للتفرقة بينه وبين مِحول بمعنى صبي ذي حول، أي سنة. وذكر الواحدي والطبري أخباراً عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في قضية عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة حين وردا المدينة يشترطان لدخولهما في الإسلام شروطاً لم يقبلها منهما النبي صلى الله عليه وسلم. فهمّ أرْبَد بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فصرفه الله، فخرج هو وعامر بن الطفيل قاصدين قومهما وتواعدا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجلبا عليه خيل بني عامر. فأهلك الله أربَد بصاعقة أصابته وأهلك عامراً بِغُدة نبتت في جسمه فمات منها وهو في بيت امرأة من بني سلول في طريقه إلى أرض قومه، فنزلت في أربد {ويرسل الصواعق} وفي عامر {وهم يجادلون في الله}. وذكر الطبري عن صحار العبدي: أنها نزلت في جبار آخر. وعن مجاهد: أنها نزلت في يهودي جادل في الله فأصابته صاعقة. ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة وكان جدال اليهود لا يكون إلا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية أوْ أن هذه الآيات منها مدنية، وهي أخبار ترجع إلى قول بعض الناس بالرأي في أسباب النزول. ولم يثبت في ذلك خبر صحيح صريح فلا اعتداد بما قالوه فيها ولا يخرج السورة عن عداد السور المكية. وفي هذه القصة أرسل عامر بن الطفيل قوله: «أغُدّة كغدة البعير وموت في بيت سلولية» مثلاً. ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربدَ بأبيات منها: شعر : أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نَوْء السِماك والأسد فجّعَني الرعد والصواعق بالفــــ ــــارس يوم الكريهة النّجِدِ
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يرى خلقه البرق خوفاً وطمعاً. قال قتادة: خوفاً للمسافر. يخاف أذاه ومشقته، وطمعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله. وعن الحسن: الخوف لأهل البحر، والطمع لأهل البر. وعن الضحاك: الخوف من الصواعق والطمع في الغيث. وبين في موضع آخر: أن إراءته خلقه البرق خوفاً وطمعاً من آياته جل وعلا، الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. وذلك في قوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تفسير : [الروم: 24] الآية.
القطان
تفسير : شديد المحال: شديد القوة والكيد. الضلال: جمع ظل وهو خيال الشيء. الغدو: اول النهار. الآصال: جمع اصيل، وهو ما بين العصر والمغرب. {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}. ان آثاره قدرةِ الله في الكون ظاهرة، والبرقُ من هذه الظواهر الكونية العجيبة، فهو الذي يسخّر البرقَ فيخافه بعضُ الناس خشية الضرر على محصوله من نزولِ المطر او ما يترتّب عليه من الصواعق، ويطمع فيه بعضُهم رجاءَ نزول الغيث لسقي الزرع.. فبعضهم يخاف وبعضُهم يطمع في الخير من ورائه، والله تعالى هو الذي ينشىء السحابَ المملوءة بالأمطار فيغيث بها الزرعَ والضرع. {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ}. ويسبِّح الرعدُ بدَلالتِه على وحدانية الله بحمدِه وتقديسه، فهذا الصوتُ المدوِّي في السماوات إنما هو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرةِ التي صاغت هذا النظام، ويسبِّح الملائكةُ الكرامُ من هيبته وجلالِه. ثم تتم الصورةُ الرهيبة المشمولة بالرهبة والابتهال والبرقِ والرعدِ والسحابِ الثقال، بإرسال الصواعقِ، فيُصيب الله بها من يشاء. ومع كل هذه الآياتِ والظواهر الكونية العجيبة يجادلُ الكفّار في شأن الله ووحدانيتِه وتفرُّدِه بالمُلْك، وهو سبحانه لا يغالب، فهو شديدٌ في عقوبة من طغى عليه وتمادى في كفره. روى الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنَّسائي عن ابن عمر: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سمعَ صوتَ الرعد والصواعق يقول: اللهمَّ لا تقتلْنا بغضَبك، ولا تُهلكنا بعذابك وعافِنا قبلَ ذلك . تفسير : {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. المشرِكون المعاندون يجادلون في الله وينسبُون إليه شركاءَ يدْعونهم معه، ودعوةُ الله هي وحدَها الحق، وما عداها باطلٌ ذاهب. وفي هذا وعيدٌ للكفار على مجادَلَتهم الرسولَ الكريمَ في الله. هذا مع ان الّذين يدعونهم من الآلهة المزيَّفة من دونِ الله لا يَستجِيبون دعاءَهم ولا يُنجِدونهم بشيء، ومثلُهم في ذلك كَمَن يبسُط كفّيه ليأخذَ بهما ماءً الى فمه، وهياتً ان يحصَل على شيء. {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. في ضياعٍ وخسارة بدون فائدة. ثم بيَّن الله تعالى عظيم قدرته فقال: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}. في الوقت الذي يتّخذ الجاحدون آلهة من دونِ الله، ويتوجَّهون إليهم بالرّجاءِ والدعاء، نرى كلَّ من في هذا الكون يخضعُ لإرادته ويعنُو لعَظَمته من أناس وجِنّ وملائكةٍ طائعين أو كارهين، حتى ظِلالُهم خاضعةٌ لأمرِ الله ونَهْيِهِ في جميع أوقات النهار، وفي هذا تعميم لكل شيء. عند قراءة هذه الآية يُسَنّ للقارئ والمستمع ان يسجد.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - وَقُدْرَةُ اللهِ تَعَالَى فِي الكَوْنِ ظَاهِرَةٌ بَارِزَةٌ لِلْعيَانِ، فَهُوَ الذِي يُسَخِّرُ البَرْقَ الذِي يَخَافُ ضَرَرَهُ المُسَافِرُ، وَمَنْ يَتَضَرَّرُونَ مِنَ المَطَرِ وَالصَّوَاعِقِ، وَيَطْمَعُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ اللهِ، كَالمُقِيمِ وَصَاحِبِ الزُّرُوعِ وَالمَاشِيَةِ، رَجَاءَ أَنْ يَهْطِلَ المَطَرُ فَيَسْقُوا حَرْثَهُمْ وَضَرْعَهُمْ. وَهُوَ تَعَالَى الذِي يَخْلُقُ خَلْقاً مُبْتدأً (يُنْشِيءُ) السَّحَابَ المُثْقَلَ بِالمَاءِ لِيُنْزِلَهُ مَطَراً حَيْثُ يَشَاءُ. السَّحَابَ الثِّقَالَ - المُوقَرةَ بِالمَاءِ المُثْقَلَةَ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكُلُّنا يعرف البَرْق، ونحن نستقبله بالخوف مما يُزعِج وبالطمع فيما يُحَبّ ويُرْغَب، فساعةَ يأتي البرق فنحن نخاف من الصواعق؛ لأن الصواعقَ عادةً تأتي بعد البَرْق؛ أو تأتي السحابات المُمْطِرة. وهكذا يأتي الخَوْف والطَّمَع من الظاهرة الواحدة. أو: أنْ يكون الخوف لقوم؛ والرجاء والطمع لقوم آخرين. والمثل الذي أضربه لذلك دائماً هو قول أحد المقاتلين العرب وصف سيفه بأنه "فَتْح لأحبابه، وحَتْفٌ لأعدائه". والمثل الآخر الذي أضربه ما رواه لنا أمير بلدة اسمها "الشريعة" وهي تقع بين الطائف ومكة؛ وقد حدثنا أمير الشريعة عام 1953 عن امرأة صالحة تحفظ القرآن؛ اسمها "آمنة". هذه المرأة كان لها بنتان؛ تزوَّجتا؛ وأخذ كُلُّ زَوْجٍ زوجته إلى مَحَلِّ إقامته؛ وكان أحدُ زَوْجَي البنتين يعمل في الزراعة؛ والآخر يعمل بصناعة "الشُّرُك". وقالت آمنة لزوجها: أَلاَ تذهب لمعرفة أحوال البنتين؟ فذهب الرجل لمعرفة أحوال البنتين، فكان أول مَنْ لقي في رحلته هي ابنته المتزوجة مِمَّنْ يحرث ويبذر، فقال لها: كيف حالك وحال زوجك وحال الدنيا معك أنت وزوجك؟ قالت: يا أَبتِ، أنا معه على خير، وهو معي على خير، وأما حال الدنيا؛ فَادْعُ لنا الله أنْ يُنزِل المطر؛ لأننا حرثنا الأرض وبذرْنَا البذور؛ وفي انتظار رَيِّ السماء. فرفع الأب يديه إلى السماء وقال: اللهم إنِّي أسألك الغَيْث لها. وذهب إلى الأخرى؛ وقال لها: ما حالك؟ وما حال زوجك؟ فقالت: خير، وأرجوك يا أبي أن تدعوَ لنا الله أنْ يمنع المطر؛ لأننا قد صنعنا الشِّرَاك من الطين؛ ولو أمطرتْ لَفسدتِ الشُّرُك، فَدَعا لها. وعاد إلى امرأته التي سألته عن حال البنتين؛ فبدا عليه الضيق وقال: هي سَنة سيئة على واحدة منهما، وروى لها حال البنتين؛ وأضاف: ستكون سنة مُرْهِقة لواحدة منهما. فقالت له آمنة: لو صبرت؛ لَقُلْتُ لك: إن ما تقوله قد لا يتحقق؛ وسبحانه قادر على ذلك. قال لها: ونعم بالله، قولي لي كيف؟ فقالت آمنة: ألم تقرأ قول الله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ..} تفسير : [النور: 43]. فسجد الرجل لله شكراً أن رزقه بزوج تُعينه على أمر دينه، ودعا: اللهم اصْرِف عن صاحب الشِّراكِ المطر؛ وأفِضْ بالمطر على صاحب الحَرْث. وقد كان. وهذا المثل يوضح جيداً معنى الخوف والطمع عند رؤية الرعد: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ..} [الرعد: 12]. إما من النفس الواحدة بأن يخافَ الإنسانُ من الصواعق، ويطمع في نزول المطر، أو من متقابلين؛ واحد ينفعه هذا؛ وواحد يضره هذا. ويضيف الحق سبحانه: {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} [الرعد: 12]. ونحن نعلم أن السحاب هو الغَيْم المُتَراكم؛ ويكون ثقيلاً حين يكون مُعَبئاً؛ وهو عكس السحاب الخفيف الذي يبدو كَنُتَفِ القطن. ويُقال عند العرب: "لا تستبطئ الخَيْل؛ لأن أبطأَ الدِّلاء فَيْضاً أملؤها، وأثقلَ السحابِ مَشْياً أَحْفلُهَا". فحين تنزل الدَّلْو في البئر؛ وترفعه؛ فالدَّلْو المَلآن هو الذي يُرهقك حين تشدُّه من البئر؛ أما الدلو الفارغ فهو خفيفٌ لحظة جَذْبه خارج البئر؛ وكذلك السحاب الثِّقَال تكون بطيئة لِمَا تحمله من ماء. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} معناه يُبدي السَّحابَ.
الجيلاني
تفسير : كيف يرجعون إلى غير الله ويستردون مراده سبحانه مع أنه {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ} بغتة ويورث منه فيكم {خَوْفاً} من أن تصابوا به {وَطَمَعاً} بما هو مستتبع له من المطر {وَ} أيضاً {يُنْشِىءُ} من الأبخرة المتصاعدة {ٱلسَّحَابَ} المتراكم من الأبخرة {ٱلثِّقَالَ} [الرعد: 12] بالمياه المتكثرة. {وَ} حين إراءة البروق وإنشاء السحب {يُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ} المتكون من اصطكاك الأبخرة والأدخنة المحتبسة بين السحب المتراكمة {بِحَمْدِهِ} أي: بحمد الله، بإلقاء الملائكة الموكلين عليه، المعاقبين الممدين له {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} أيضاً يسبحون بحمده {مِنْ خِيفَتِهِ} أي: من خوف الله وسطوة جلاله وقهره {وَ} أيضاً {يُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ} الكائنة من الأبخرة والأدخنة المحترقة بالأجزاء النارية {فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} إهلاكه وقتله زجراً له وانتقاماً عليه {وَهُمْ} من غاية ضعفهم وعدم قدرتهم وقوتهم {يُجَٰدِلُونَ} ويكابرون {فِي} توحيد {ٱللَّهِ} وفيما جاءت به رسله من عنده من الأوامر والنواهي المتعلقة بالنشأة الأولى والأخرى {وَ} الحال أن لكمال قدرته وبسطته وسلطنته القاهرة وجلاله {هُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} [الرعد: 13] صعب المكابدة والانتقام لن جادل معه وكذب رسله بالباطل. لكن {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} أي: قبولها وإجابتها وإنجاحها لمن دعا بها، مخلصاً في دعائه وتوجهه نحو الحق {وَ} المشركون {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: من دون الله من الأصنام والأوثان {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} قليل مما يطلبونه، بل ما مثلهم في دعوة الأصنام ودعائهم إياهم {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ} أي: كمثل عطشان بسط كفيه إلى الله يدعوه {لِيَبْلُغَ فَاهُ} ويرويه {وَ} الحال إنه غائر عميق {مَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وبسبب ذلك زاد عطشه وحرقة قلبه وزفره صدره، كذلك المشركون يدعون إلى أصنامهم؛ ليشفعوا لهم ويصلوا إلى مرامهم، وهم جماد لا يقدرون على الاتصال والقبول أصلاً {وَ} بالجملة: {مَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} الساترين بأباطيلهم وأوثانهم نور الحق الحقيق بالحقية، الوحيد في الألوهية، الفريد بالعبودية {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [الرعد: 14] خسران وحرمان وخذلان وبطلان. {وَ} كيف يتوجه ويدعي لغير الحق، مع أنه لا إله إلا الله، هو ولا شيء سواه؛ إذ {لِلَّهِ} المتأصل في الوجود، المتصف بالقيومية، لا لغيره من الأظلال الهالكة في أنفسها {يَسْجُدُ} أي: يتذلل ويتضرع {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} أي: عالم الأسماء والصفات المسمى بالأعيان الثابتة {وَ} من في {ٱلأَرْضِ} أي: عالم الطبيعة من الصور والهياكل المنعكسة من الأسماء والصفات {طَوْعاً} أي: طائعين راغبين عن خبرة واستبصار {وَكَرْهاً} كارهين عن حيرة وضلال {وَ} أيضاً يسجد له {ظِلالُهُم} أي: لوازم هوياتهم وما يترتب علياه ملتبسين {بِٱلْغُدُوِّ} أي: أول الظهور والبروز {وَٱلآصَالِ} [الرعد: 15] أي: وقت الانمحاء والانقضاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه، { وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ } بالمطر الغزير الذي به نفع العباد والبلاد. { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } وهو الصوت الذي يسمع من السحاب المزعج للعباد، فهو خاضع لربه مسبح بحمده، { و } تسبح { الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } أي: خشعا لربهم خائفين من سطوته، { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ } وهي هذه النار التي تخرج من السحاب، { فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ } من عباده بحسب ما شاءه وأراده وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ أي: شديد الحول والقوة فلا يريد شيئا إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء ولا يفوته هارب. فإذا كان هو وحده الذي يسوق للعباد الأمطار والسحب التي فيها مادة أرزاقهم، وهو الذي يدبر الأمور، وتخضع له المخلوقات العظام التي يخاف منها، وتزعج العباد وهو شديد القوة - فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له. ولهذا قال: { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 444 : 12 : 20 - سفين في قوله {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} قال، خوفا للمسافر وطمعاً للمقيم. [الآية 12]. 445 : 13 : 21 - سفين في قوله {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} قال، الذي فيه المطر. [الآية 12].
همام الصنعاني
تفسير : 1361- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً}: [الآية: 12]، قال: خَوْفاً للمسافر، وطَمعاً لِلْمُقيمِ..
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):