Verse. 1732 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَالَّذِيْنَ يَنْقُضُوْنَ عَہْدَ اللہِ مِنْۢ بَعْدِ مِيْثَاقِہٖ وَيَقْطَعُوْنَ مَاۗ اَمَرَ اللہُ بِہٖۗ اَنْ يُّوْصَلَ وَيُفْسِدُوْنَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۙ اُولٰۗىِٕكَ لَہُمُ اللَّعْنَۃُ وَلَہُمْ سُوْۗءُ الدَّارِ۝۲۵
Waallatheena yanqudoona AAahda Allahi min baAAdi meethaqihi wayaqtaAAoona ma amara Allahu bihi an yoosala wayufsidoona fee alardi olaika lahumu allaAAnatu walahum sooo alddari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض» بالكفر والمعاصي «أولئك لهم اللعنة» البعد من رحمة الله «ولهم سوء الدار» العاقبة السيئة في الدار الآخرة وهي جهنم.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء وذكر ما ترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الأشقياء، وذكر ما يترتب عليها من الأحوال المخزية المكروهة، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب، ليكون البيان كاملاً فقال: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } وقد بينا أن عهد الله ما ألزم عباده بواسطة الدلائل العقلية والسمعية لأنها أوكد من كل عهد وكل يمين إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء بمقتضاها، والمراد من نقض هذه العهود أن لا ينظر المرء في الأدلة أصلاً، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو بأن ينظر في الشبهة، فيعتقد خلاف الحق والمراد من قوله: {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } أي من بعد أن وثق الله تلك الأدلة وأحكمها، لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أن ينفع فعله ويضر تركه. فإن قيل: إذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله: {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ }. قلنا: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف الله العبد، والمراد بالميثاق الأدلة المؤكدة لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية. ثم قال تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } وذلك في مقابلة قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } تفسير : [الرعد: 21] فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ويدخل فيه وصل الرسول بالموالاة والمعاونة ووصل المؤمنين، ووصل الأرحام، ووصل سائر من له حق، ثم قال: {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } وذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين الله وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال: {أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } واللعنة من الله الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة: {وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } لأن المراد جهنم، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} لما ذكر الموفين بعهده، والمواصلين لأمره، وذكر مالهم ذكر عكسهم. نقض الميثاق: ترك أمره. وقيل: إهمال عقولهم، فلا يتدبرون بها ليعرفوا الله تعالى. {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} أي من الأرحام. والإيمان بجميع الأنبياء. {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي بالكفر وٱرتكاب المعاصي {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} أي الطّرد والإبعاد من الرحمة. {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} أي سوء المنقلَب، وهو جهنم. وقال سعد بن أبي وقّاص: والله الذي لا إله إلا هوٰ إنهم الْحَرُورِية. قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} لما ذكر عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك بيّن أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا، لأنها دار ٱمتحان؛ فبَسْط الرزق على الكافر لا يدلّ على كرامته، والتّقتير على بعض المؤمنين لا يدلّ على إهانتهم. «وَيَقْدِرُ» أي يضيق؛ ومنه. {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] أي ضيّق. وقيل: «يقدر» يعطي بقدر الكفاية. {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني مشركي مكة؛ فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها، وجهلوا ما عند الله؛ وهو معطوف على «وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ». وفي الآية تقديم وتأخير؛ التقدير: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا. {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} أي في جنبها. {إِلاَّ مَتَاعٌ} أي متاع من الأمتعة، كالقَصْعة والسُّكُرُّجَة. وقال مجاهد: شيء قليل ذاهب؛ من مَتَعَ النهارُ إذا ارتفع، فلا بدّ له من زوال. ٱبن عباس: زَادٌ كزاد الراعي. وقيل: متاع الحياة الدنيا ما يُستمتع بها منها. وقيل: ما يتزود منها إلى الآخرة، من التقوى والعمل الصالح، «وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» ثم ٱبتدأ. «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ» أي يوسّع ويضيّق.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} يعني مقابلي الأولين. {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } من بعد ما أوثقوه به من الإقرار والقبول. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بالظلم وتهييج الفتن. {أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ ٱلدَّارِ} عذاب جهنم أو سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة {عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ }.

ابن كثير

تفسير : هذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء {يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} كما ثبت في الحديث: «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»تفسير : . وفي رواية: «حديث : وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»تفسير : ، ولهذا قال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} وهي الإبعاد عن الرحمة، {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} وهي سوء العاقبة والمآل، {أية : وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}تفسير : [الرعد: 18]. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} الآية، قال: هي ست خصال في المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم، أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } بالكفر والمعاصي {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } البعد من رحمة الله {وَلَهُمْ سُوءُ ٱلدَّارِ } العاقبة السيئة في الدار الآخرة وهي جهنم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى:{ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}وفيه وجهان: أحدهما: أي قليل ذاهب، قاله مجاهد. الثاني: زاد الراعي، قاله ابن مسعود. ويحتمل ثالثاً: وما جعلت الحياة الدنيا إلا متاعاً يتزود منها إلى الآخرة من التقوى والعمل الصالح.

ابن عطية

تفسير : هذه صفة حالة مضادة للمتقدمة. وقال ابن جريج في قوله {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} إنه روي: إذا لم تمش إلى قريبك برجلك ولم تواسه بمالك فقد قطعته. وقال مصعب بن سعد: سألت أبي عن قوله تعالى: {أية : هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} تفسير : [الكهف: 103-104] هم الحرورية؟ قال: لا ولكن الحرورية: {هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} وأولئك هم الفاسقون، فكان سعد بن أبي وقاص يجعل فيهم الآيتين. و"اللعنة": الإبعاد من رحمة الله ومن الخير جملة. و {سوء الدار} ضد {أية : عقبى الدار} تفسير : [الرعد: 23] والأظهر في {الدار} هنا أنها دار الآخرة، ويحتمل أنها الدنيا على ضعف. وقوله: {الله يبسط الرزق لمن يشاء} الآية، لما أخبر عمن تقدمت صفته بأن {لهم اللعنة ولهم سوء الدار} أنحى بعد ذلك على أغنيائهم، وحقر شأنهم وشأن أموالهم، المعنى: أن هذا كله بمشيئة الله، يهب الكافر المال ليهلكه به، ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره. وقوله: {ويقدر} أي من التقدير، فهو مناقض يبسط. ثم استجهلهم في قوله: {وفرحوا بالحياة الدنيا} وهي بالإضافة إلى الآخرة متاع ذاهب مضمحل يستمتع به قليلاً ثم يفنى. و"المتاع": ما يتمتع به مما لا يبقى وقال الشاعر: [الوافر] شعر : تمتَّعْ يا مشعث إن شيئاً سبقت به الممات هو المتاع تفسير : وقوله تعالى: {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية} الآية، هذا رد على مقترحي الآيات من كفار قريش، كسقوط السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك من قولهم: سيَّر عنا الأخشبين واجعل لنا البطاح محارث ومغترساً كالأردن، وأحي لنا قصيّاً وأسلافنا، فلما لم يكن ذلك - بحسب أن آيات الاقتراح لم تجر عادة الأنبياء بالإتيان بها إلا إذا أراد الله تعذيب قوم - قالوا هذه المقالة، فرد الله عليهم {قل...} أي أن نزول الآية لا تكون معه ضرورة إيمانكم ولا هداكم، وإنما الأمر بيد الله {يضل من يشاء ويهدي} إلى طاعته والإيمان به {من أناب} إلى الطاعة وآمن بالآيات الدالة. ويحتمل أن يعود الضمير في {إليه} على القرآن الكريم، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام. و {الذين} بدل من {من} في قوله: {من أناب} و"طمأنينة القلوب" هي الاستكانة والسرور بذكر الله. والسكون به كمالاً به. ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين. ثم استفتح عز وجل الإخبار بأن طمأنينة القلوب بذكر الله تعالى.. وفي هذا الإخبار حض وترغيب في الإيمان، والمعنى: أن بهذا تقع الطمأنينة لا بالآيات المقترحة، بل ربما كفر بعدها، فنزل العذاب كما سلف في بعض الأمم. و {الذين} الثاني ابتداء وخبره: {طوبى لهم} ويصح أن يكون {الذين} بدلاً من الأول. و {طوبى} ابتداء و {لهم} خبره. و {طوبى} اسم، يدل على ذلك كونه ابتداء. وهي فعلى من الطيب في قول بعضهم، وذهب سيبويه بها مذهب الدعاء وقال: هي في موضع رفع، ويدل على ذلك رفع {وحسن}. وقال ثعلب: {طوبى} مصدر. وقرىء "وحسنَ" بالنصب فـ {طوبى} على هذا مصدر كما قالوا: سقياً لك، ونظيره من المصادر الرجعى والعقبى. قال ابن سيده: والطوبى جمع طيبة عن كراع. ونظيره كوسى في جمع كيسة وضوفى في جمع ضيفة. قال القاضي أبو محمد: والذي قرأ: "وحسنَ" بالنصب هو يحيى بن يعمر وابن أبي عبلة واختلف في معنى {طوبى} فقيل: خير لهم، وقال عكرمة: معناه نعم ما لهم، وقال الضحاك: معناه: غبطة لهم. وقال ابن عباس: {طوبى}: اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مسجوع: اسم الجنة {طوبى} بالهندية، وقيل {طوبى}: اسم شجرة في الجنة - وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبى شجرة في الجنة، يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم" : {أية : وظل ممدود} تفسير : [الواقعة: 30] وحكى الطبري عن أبي هريرة وعن مغيث بن سميّ وعتبة بن عبد يرفعه أخباراً مقتضاها: أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها ونحو هذا مما لم يثبت سنده. و"المآب": المرجع من آب يؤوب. ويقال في {طوبى} طيبى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ} مبتدأ، والجملة من قوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} خبره، والكلام في "اللعنة" تقدم في "عُقْبَى الدَّارِ". ولما ذكر صفة السعداء وما يترتب عليها من الأحوال الشريفة، ذكر صفة الأشقياء وما يترتب عليها من الأحوال المخزية، وأبتع الوعد بالوعيد فقال عز وجل {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} وقد تقدم أن عهد الله ما ألزم عباده مما يجب الوفاء به وهذا في الكفار، والمراد من نقض العهد: ألا ينظر في الأدلة وحينئذ لا يكون العمل بموجبها أو ينظر ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق، والمراد من قوله: "مِن بَعْدِ ميثاقهِ" أن وثق الله تلك الأدلة وأحكامها. فإن قيل: العهد لا يكون إلا مع الميثاق، فما فائدة اشتراطه بقوله: {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}؟. فالجواب: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف العبد به والمراد بالميثاق الأدلة؛ لأنه ـ تعالى ـ قد يؤكد [العهد] بدلائل أخر سواء كانت تلك المؤكدات دلائل عقلية أو سمعية. ثم قال {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} فيدخل فيه قطع كل ما أوجب الله وصله مثل: أن يؤمنوا ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض، ويقطعون وصل الرسول بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام وسائر ما تقدم. ثم قال: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} إما بالدعاء إلى غير دين الله وإما بالظلم كما في النفوس والأموال وتخريب البلاد ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} وهي الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} وهي جهنم. قوله {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} الآية لما حكى عن ناقضي العهد في التوحيد والنبوة بأنهم ملعونون ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل: لو كانوا أعداء الله لما أنعم عليهم في الدنيا؟ فأجاب الله ـ تعالى ـ عنه بهذه الآية وهو أنه ـ تعالى ـ يبسط الرزق على البعض، وبسط الرزق لا تعلق له بالكفر والإيمان، فقد يوجد الكافر موسعاً عليه دون المؤمن، والدنيا دار امتحان. قال الواحدي: "ومعنى القدر في اللغة: قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان". وقال المفسرون في معنى "يَقْدرُ" ههنا: يضيق، لقوله {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}تفسير : [الطلاق:7] ومعناه: أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء. وقرأ زيد بن علي: "ويَقْدُر" بضم العين. قوله: "وفَرِحُوا" هذا استئناف إخبار. وقيل: بل هو عطف على صلة "الذين" قبل. وفيه نظر؛ من حيث الفصل بين أبعاض الصلة بالخبر، وأيضاً: فإن هذا ماض وما قبله مستقبل ولا يدعي التوافق في الزمان إلا أن يقال: المقصود استمرارهم بذلك أو أن الماضي متى وقع صلة صلح [للماضي] والاستقبال. قوله "فِي الآخِرَةِ"، أي في جنب الآخرة. "إلاَّ مَتاعٌ" وهذا الجار في موضع الحال تقديره: وما الحياة القريبة الكائنة في جنب الآخرة إلا متاع ولا يجوز تعلقه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان إلا في الآخرة. ومعنى الآية: أن [مشركي] مكة أشروا وبطروا، والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام محال {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} أي قليل ذاهب. قوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} الآية اعلم أن كفار مكة قالوا: يا محمد إن كنت رسولاً فأتنا بآية ومعجزة مثل معجزات موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ فأجابهم الله بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}. وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه: أحدها: كأنه يقول: إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، لكن [الإضلال] والهداية من الله فأضلهم عن تلك الآيات وهدى إليها آخرين، فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات. وثانيها: أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل فلما طلبوا بعدها آيات أخر كان في موضع التعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم {إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} من كان على صنيعكم من التصميم على الكفر فلا سبيل إلى هدايتكم وإن نزلت كل آية: "ويَهْدِي" من كان على خلاف صنيعكم. وثالثها: لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قال لهم: لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات، فإن الإضلال والهداية من الله ـ تعالى ـ فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية من الله فإنه لم يحصل الانتفاع بها. ورابعها: قال الجبائي: المعنى: أنه يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله ـ تعالى ـ إلى ما يسأل لاستحقاقكم الإضلال عن الثواب {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}، أي: يهدي إلى جنته من [تاب] وآمن، قال: وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث إنه عقبه بقوله: "من أناب"، أي: من تاب. والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب؛ لأنه يستحقه على إيمانه وذلك يدل على أنه ـ تعالى ـ إنما يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا هذا تمام كلام الجبائي. والضمير في "إليه" عائد على الله، أي: إلى دينه وشرعه. وقيل على الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. وقيل: على القرآن. قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ خبره الموصول الثاني وما بينهما اعتراض. الثاني: أنه بدل من "مَنْ أنَابَ". والثالث: أنه عطف بيان له. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر. الخامس: أنه منصوب بإضمار فعل. فصل قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. فإن قيل: أليس قال في سورة الأنفال: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الأنفال:2] والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هنا بالاطمئنان؟. فالجواب من وجوه: أحدها: أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا أن [يقربوا] المعاصي فهناك الوجل وإذا ذكروا ما وعد الله به من الثواب والرحمة سكنت قلوبهم، فإن أحد الأمرين لا ينافي الآخر؛ لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب. وثانيها: أن المراد أن يكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً من عند الله، ولما شكوا في أنهم أتوا بالطاعات كاملة فيوجب حصول الوجل في قلوبهم. وثالثها: أنه حصل في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعات الموجبة للثواب أم لا؟ وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا؟. وقيل: الوجل عند ذكر الله: الوعيد والعقاب، الطمأنينة عند ذكر الله عزّ وجل: الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وكرمه {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيه اليقين. قال ابن عباس ـ رحمه الله ـ: "هذا في الحلف، يقول: إذا حلف السملم بالله على شيء تسكن قلوب المؤمنين إليه". قوله {بِذِكْرِ ٱللَّهِ} يجوز أن يتعلق بـ "تَطْمئِنُّ" فتكون الباء سببية، أي: بسبب ذكر الله. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مفعولاً به، أي: الطمأنينة تحصل لهم بذكر الله. الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من "قلوبهم"، أي: تطمئن وفيها ذكر الله. قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فيه أوجه: أن يكون بدلاً من "القُلوب" على حذف مضاف أي: قلوب الذين أمنوا وأن يكون بدلاً من "مَنْ أنَابَ"، وهذا على قول من لم يجعل الموصول الأول بدلاً من "مَنْ أنَابَ" وإلا كان يتوالى بدلان، وأن يكون مبتدأ، و"طُوبَى" جملة خبرية، وأن تكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوباً بإضمار فعل، والجملة من "طُوبى لَهُمْ" على هذين الوجهين حال مقدرة، العامل فيها "ءامَنُوا" و"عَمِلُوا". قوله "طُوبى لَهُم" واو "طُوبَى" منقلبة عن ياء، لأنها من الطيب وإنما قلبت لأجل الضمة قبلها، كموسر وموقن من اليسر واليقين واختلفوا فيها، فقيل: هي اسم مفرد مصدر، كبُشْرَى ورُجْعَى من طَابَ يطِيبُ. وقيل: بل هي جميع طيبة، كما قالوا: كوسى في جمع كيسة، وضُوقَى في جمع ضِيقَة. ويجوز أن يقال: طِيبى، بكسر الباء، وكذلك الكِيسَى والضِّيقَى. وهل هي اسم شجرة بعينها أو اسم للجنة بلغة الهند أو الحبشة؟. وجاز الابتداء بـ "طُوبَى" إما لأنها علم لشيء بعينه، وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء، كسلام عليك، وويل لك، كذا قال سيبويه. وقال ابن مالك ـ رحمه الله ـ: "إنه يلتزم رفعها بالابتداء، ولا يدخل عليها نواسخه" وهذا يرد عليه: أن بعضهم جعلها في هذا الآية منصوبة بإضمار فعل، أي: وجعل لهم طوبى، وقد تأيد ذلك بقراءة عيسى الثقفي "وحُسْنَ مآبٍ" بنصب النون، قال: إنه معطوف على "طُوبَى" وأنها في موضع نصب. قال ثعلب: و"طُوبَى" على هذا مصدر، كما قال: "سقيا". وخرج هذه القراءة صاحب اللوامح على النداء، كيا أسَفَى على الفوت، يعنى أن "طُوبَى" مضاف للضمير معه واللام مقحمة؛ كقوله: [البسيط] شعر : 3178ـ.............. يَا بُؤسَ لِلجَهْلِ ضَرَّاراً الأقْوامِ تفسير : وقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 3179ـ يَا بُؤسَ لِلحَرْبِ الَّتِي وضَعْتْ أرَاهِطَ قاستراحُوا تفسير : ولذلك سقط التنوين من "بُؤسَ" كأنه قيل: يا طيبا، أي: ما أطيبهم وأحسن مآبهم. قال الزمخشري: ومعنى "طُوبَى لَكَ": أصبت خيراً، و"طيبا" ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك وطيبٌ لك، وسلاماً لك وسلام لك والقراءة في قوله "وحُسن مَآبٍ" بالنصب والرفع يدل على محلها، واللام في "لَهُمْ" للبيان مثلها في "سقيا لك" فهذا يدل على أنها تتصرف، ولا يلزم الرفع بالابتداء. وقرأ مكوزة الأعرابي: "طِيبَى" بكسر الطاء لتسلم الياء، نحو: بيض ومعيشة. وقرىء: "وحُسْنَ مَآبٌ" بفتح النون ورفع "مآبٌ" على أنه فعل ماض، أصله حَسُنَ فنقلت ضمة العين إلى الفاء قصداً للمدح، كقوله: حسن ذا أدب، و"مَآبُ" فاعله. فصل قال ابن عباس رضي الله عنهما: طوبى، فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة: نعم ما لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيراً. وقال إبراهيم ـ رحمه الله ـ: خير لهم وكرامة. وقال الفراء: وفيه لغتان: تقول العرب: طوباك، وطوبى لك، أي لهم الطيب "وحُسْنُ مَآبٍ" أي: حسن المنقلب. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: "طُوبَى" اسم الجنة بالحبشية. وقال الربيع: البستان بلغة الهند. وقال الزجاج: العيش الطيب لهم وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها وقيل فيها غير ذلك.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر ما للناجين، ذكر مآل الهالكين فقال: {والذين ينقضون عهد الله} أي الملك الأعلى فيعملون بخلاف موجبه؛ والنقض: التفريق الذي ينفي تأليف البناء. ولما كان النقض ضاراً ولو كان في أيسر جزء، أدخل الجار فقال: {من بعد ميثاقه} أي الذي أوثقه عليهم بما أعطاهم من العقول وأودعها من القوة على ترتيب المقدمات المنتجة للمقاصد الصالحة الدالة على صحة جميع ما أخبرت به رسله عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ والميثاق: إحكام العقد بأبلغ ما يكون في مثله {ويقطعون ما} أي الشيء الذي {أمر الله} أي غير ناظرين إلى ما له من العظمة والجلال، وعدل عن أن يوصله لما تقدم قريباً فقال: {به أن يوصل} أي لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين الصلاح {ويفسدون} أي يوقعون الإفساد {في الأرض} أي في أيِّ جزء كان منهم بوصل ما أمر الله به أن يقطع اتباعاً لأهوائهم، معرضين عن أدلة عقولهم، مستهينين بانتقام الكبير المتعال. ولما كانوا كذلك، استحقوا ضد ما تقدم للمتقين، وذلك هو الطرد والعقاب والغضب والنكال وشؤم اللقاء، فقال سبحانه وتعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {لهم اللعنة} أي الطرد والبعد {ولهم سوء الدار *} أي أن يكون دارهم الآخرة سيئة بلحاق ما يسوء فيها دون ما يسر. ولما تقدم الحث العظيم على الإنفاق، وأشير إلى أنه من أوثق الأسباب في الوصلة لجميع أوامر الله، وختم بأن للكافر البعد والطرد عن كل خير والسوء، كان موضع أن يقول الكفار: ما لنا يوسع علينا مع بعدنا ويضيق على المؤمن مع وصله واتصاله، وما له لا يبسط له رزقه ليتمكن من إنفاذ ما أمر به إن كان ذلك حقاً؟ فقيل: {الله} أي الذي له الكمال كله {يبسط الرزق} ودل على تمام قدرته سبحانه وتعالى بقوله - جلت قدرته -: {لمن يشاء} فيطيع في رزقه أو يعصي {ويقدر} على من يشاء فيجعل رزقه بقدر ضرورته فيصبر أو يجزع لِحكَم دقت عن الأفكار، ثم يجعل ما للكافر سبباً في خذلانه، وفقر المؤمن موجباً لعلو شأنه، فليس الغنى مما يمدح به، ولا الفقر مما يذم به، وإنما يمدح ويذم بالآثار. ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من أخلصه الله وهم أقل من القليل، قال عائباً لمن اطمأن إليها: {وفرحوا} أي فبسط لهؤلاء الرزق فبطروا وكفروا وفرحوا {بالحياة الدنيا} أي بكمالها؛ والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى. ولما كانت الدنيا متلاشية في جنب الدار التي ختم بها للمتقين، قال زيادة في الترغيب والترهيب: {وما الحياة الدنيا في الآخرة} أي في جنبها {إلا متاع *} أي حقير متلاش؛ قال الرماني: والمتاع: ما يقع به الانتفاع في العاجل، وأصله: التمتع وهو التلذذ بالأمر الحاضر. ولما كان العقل أعظم الأدلة، وتقدم أنه مقصور على المتذكرين، إشارة إلى أن من عداهم بقر سارحة، وعرف أن ما دعا إليه الشرع هو الصلاح، وضده هو الفساد، وكان العقل إنما هو لمعرفة الصلاح فيتبع، والفساد فيجتنب، وكان الطالب لإنزال آية إلى غير ذلك لا سيما بعد آيات متكاثرة ودلالات ظاهرة موضعاً لأن يعجب منه، قال على سبيل التعجب عطفاً على قوله {وفرحوا} مظهراً لما من شأنه الإضمار تنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم التعنت: {ويقول الذين كفروا} أي ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما لله من الآيات عناداً {لولا} أي هلا ولم لا. ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك لا يحتاج إلى السؤال عن الآتي به، بني للمفعول قوله: {أنزل عليه} أي هذا الرسول صلى الله عليه وسلم {آية} أي علامة بينة {من ربه} أي المحسن إليه بالإجابة لما يسأله لنهتدي بها فنؤمن به، وأمره بالجواب عن ذلك بقوله: {قل} أي لهؤلاء المعاندين: ما أشد عنادكم حيث قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم لأن يكون نزل إلي آية مع أنه لم يؤت أحد من الآيات مثل ما أوتيت، فعلم قطعاً أنه ليس إنزال الآيات سبباً للايمان بل أمره إلى الله {إن الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {يضل من يشاء} إضلاله ممن لم ينب، بل أعرض عن دلالة العقل ونقض ما أحكمه من ميثاق المقدمات المنتجة للقطع بحقية ما دعت إليه الرسل لما جبل عليه قلبه من الغلظة، فصار بحيث لا يؤمن ولو نزلت عليه كل آية، لأنها كلها متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه العقل لمن له عقل، وقد نزل قبل هذا آيات متكاثرة دالات أعظم دلالة على المراد {ويهدي} عند دعاء الداعين {إليه} أي طاعته. بمجرد دليل العقل من غير طلب آية {من أناب} أي من كان قلبه ميالاً مع الأدلة رجاعاً إليها لأنه شاء إنابته كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم، ثم أبدل منهم {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف {وتطمئن قلوبهم} أي تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد الاضطراب بالشكوك لإيجادهم الطمأنينة بعد صفة الإيمان إيجاداً مستمراً دالاً على ثبات إيمانهم لترك العناد، وهذا المضارع في هذا التركيب مما لا يراد به حال ولا استقبال، إنما يراد به الاستمرار على المعنى مع قطع النظر عن الأزمنة {بذكر الله} الذي هو أعظم الآيات في أن المذكور مستجمع لصفات الكمال، فالآية من الاحتباك: ذكر المشيئة أولاً دال على حذفها ثانياً، وذكر الإنابة ثانياً دال على حذف ضدها أولاً. ولما كان ذلك موضع أن يقول المعاند: ومن يطمئن بذلك؟ فقال: {ألا بذكر الله} أي الذي له الجلال والإكرام، لا بذكر غيره {تطمئن القلوب *} فتسكن عن طلب غيره آية غيره، والذكر: حضور المعنى للنفس، وذلك إشارة إلى أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلاً عن أن يكون في قلبه عقل، بل هو من الجمادات، أو إلى أن كل قلب يطمئن به، فمن أخبر عن قلبه بخلاف ذلك فهو كاذب معاند، ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو مؤمن، ثم أخبر عما لهذا القسم بقوله: {الذين آمنوا} أي أوجدوا وصف الإيمان {وعملوا} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات} لطمأنينة قلوبهم إلى الذكر {طوبى لهم} أي خير وطيب وسرور وقرة عين {وحسن مآب *} فكان ذلك مفهماً لحال القسم الآخر، فكأنه قيل: ومن لم يطمئن أو اطمأن قلبه ولم يذعن بؤسي لهم وسوء مآب.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران - رضي الله عنه - قال: قال لي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: لا تؤاخين قاطع رحم؛ فإني سمعت الله لعنهم في سورتين: في سورة الرعد وسورة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ولهم سوء الدار} قال: سوء العاقبة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن سابط - رضي الله عنه - في قوله {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} قال: كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله أو غنمه، فيقول لأهله: متعوني. فيمتعونه، فلقلة الخبز أو التمر. فهذا مثل ضربه الله للدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {إلا متاع} قال: قليل ذاهب. وأخرج الترمذي والحاكم، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال حديث : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله، لو اتخذنا لك. فقال: ما لي وللدنيا!... ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ".

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الآية: 25]. قال القاسم: نقض العهد هو الخروج من العبودية والدخول فى الربوبية. قال بعضهم: نقض العهد هو لزوم التدبير والاختيار وترك التفويض والتسليم بعد أن أخبرك أن ليس لك من الأمر شىء. قال أبو القاسم الحكيم: نقض العهد هو السكون إلى غير مسكون إليه والفرح إلى غير مفروح به.

القشيري

تفسير : مَنْ كفر بعد إيمانه نَقَضَ عهدَ الإسلام في الظاهر، ومن رجع إلى أحكام العادة بعد سلوكه طريق الإرادة، فقد نقض عَهْدَه في السَّرَّاء...فهذا مُرْتَدٌّ جهراً، وهذا مرتَدٌّ سِرَّاً، والمرتد جهراً عقوبته قطعُ رأسِه، والمرتد سِرَّاً عقوبته قَطْعُ سِرِّه. وقوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}، هو نقض قوله: {أية : يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}تفسير : [الرعد: 21]. ويقال نقض العهد هو الاستعانة بالأغيار، وتَرْكُ الاكتفاء بالله الجبّار. ويقال نَقْضُ العهد الرجوع إلى الاختيار والتدبير بعد شهودِ الأقدار، وملاحظة التقدير. ويقال نقض العهد بِتَرْكِ نَفْسِه، ثم يعود إلى ما قال بتركه.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين} هم الكفار {ينقضون عهد الله} المأخوذ عليهم بالطاعة والايمان {من بعد ميثاقه} اى من بعد توكيد ذلك العهد بالاقرار والقبول وهو العهد الذى جرى بينهم اذا اخرجهم من ظهر آدم وعاهدهم على التوحيد والعبودية كقوله {أية : ألم أعهد اليكم يا بنى آدم ان لا تعبدوا الشيطان} تفسير : الآية فالعهد عهدان عهد على المحبة وهو للخواص وعهد على العبودية وهو للعوام فاهل عهد المحبة ما نقضوا عهودهم ابدا وهل عهد العبودية من كان عهدهم مؤكدا بعهد المحبة ما نقضوه ومن لم يكن عهدهم مؤكدا نقضوه وعبدوا غيره واشركوا به الاشياء واحبوها للهوى. واعلم ان هذا العهد يتذكره اهل اليقظة الكاملة المنسلخون عن كل لباس وغاشية كما قال ذو النون المصرى وقد سئل عن سر ميثاق ألست بربكم هل تذكره فقال نعم كأنه فى اذنى وكما قال بعضم مستقربا اى عادا لعهد ألست قريبا كأنه بالامس كان ولذا ما نسوه واما غيرهم وهم اهل الحجاب فاستبعدوه ولم يذكروا منه شيئا {ويقطعون ما امر الله به ان يوصل} سبق اعرابه اي يقطعون الارحام وموالاة المؤمنين وما بين الانبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق حيث آمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم {ويفسدون فى الارض} بالدعاء الى عبادة غير الله تعالى وبالظلم وتهييج الحروب والفتن وفى الحديث "حديث : الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها" تفسير : وهى ايقاع الناس فى الاضطراب والاختلال والاختلاف والمحنة والبلية بلا فائدة دينية وذلك حرام لانه فساد فى الارض واضرار المسلمين وزيغ والحاد فى الدين: قال السعدى قدس سره شعر : زان همنشين تاتوانى كريز كه مرفتنه خفته را كفت خيز تفسير : فمن الفتنة ان يعزى الناس على البغى والخروج على السلطان وذلك لا يجوز وان كان ظالما لكونه فتنة وفسادا فى الارض وكذا معاونة المظلومين اذا ارادوا الخروج عليه وكذا المعاونة له لكونه اعانة على الظلم وذلك لا يجوز. ومنها ان يقول لناس ما لا تصل عقولهم اليه وفى الحديث "حديث : امرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم"تفسير : . ومنها ان يذكر للناس ما لا يعرفه بكنهه ولا يقدر على استخراجه فيوقعهم فى الاختلاف والاختلال والفتنة والبلية كما هو شأن بعض الوعاظ فى زماننا. ومنها ان يحكم ويفتى بقول مهجور او ضعيف او قوى يعلم ان الناس لا يعلمون به بل ينكرونه او يتركون بسببه طاعة اخرى كمن يقول لاهل القرى والبوادى والعجائز والعبيد والاماء لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد فيتركون الصلاة رأسا وهى جائزة عند البعض وان كان ضعيفا فالعمل به واجب وكمن يقول للناس لا يجوز البيع والشراء والاستقراض بالدراهم والدنانير الا بالوزن لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نص عليها بالوزن فهو وزنى ابدا وان ترك الناس فيه الوزن فهذا القول قوى فى نفسه وهو قول الامام ابى حنيفة ومحمد مطلقا وقول ابى يوسف فى غير ظاهر الرواية وهى خروجها عن الوزنية بتعامل الناس الى العددية فهذه الرواية وان كانت ضعيفة فالقول بها واجب ولازم فرارا من الفتنة فيجب على القضاة والمفتين والوعاظ معرفة احوال الناس وعاداتهم فى القبول والرد والسعى والكسل ونحوها فيكلمونهم بالاصلح والاوفق لهم حتى لا يكون كلامهم فتنة للناس وكذا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فانه يجب على الآمر والناهى معرفة احوال الناس وعاداتهم وطبائعهم ومذاهبهم لئلا يكون فتنة للناس وتهييجا للشر وسببا لزيادة المنكر واشاعة المكروه {اولئك لهم اللعنة} فى الآخرة والجملة خبر والذين ينقضون. واللعنة الابعاد من الرحمة والطرد من باب القرب {ولهم سوء الدار} اى سوء عاقبة الدنيا وهى جهنم فاللعنة وسوء العاقبة لاصقان بهم لا يعدو انهم الى غيرهم وفيه تنفير للمسلمين عن هذه الخصال الثلاث وان لا ترفع همتهم حول ذلك الحمى وفى الحديث "حديث : ما نقض قوم العهد الا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة الا سلط الله عليهم الموت ولا منع قوم الزكاة الا حبس عنهم القطر" تفسير : وفى الحديث "حديث : من اخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدلا ولا صرفا" تفسير : اي فريضة ونافلة كما فى الاسرار المحمدية شعر : وفا وعهد نكو باشد ار بياموزى وكرنه همر كه توبينى ستمكرى داند تفسير : واعلم ان اللعنة لعنتان طرد عن الجنة وهو للكافرين وطرد عن ساحة القربة والوصلة وهو للمؤمنين الناقصين فمن قصر فى العبودية وسعى فى افساد الارض الاستعداد وقع فى دار القطيعة والهجران وان كان صورة فى الجنان ورب كامل فى الصورة ناقص فى المعنى وبالعكس: قال المولى الجامى شعر : جه غم زمنقصت صورت أهل معنى را جوجان زروم بود كوتن از حبش مى باشى تفسير : ألا ترى ان ابراهيم عليه السلام اذ القى فى النار كانت بردا وسلاما فلم يضره كونه فى صورة النار والنمرود كان فى صورة النعمة فلم ينفعه ذلك بل وجد فى النعمة نقمة نسأل الله تعالى ان يجعلنا من اهل الجنة والقربة والوصلة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {والذين ينقُضُون عهد اللهِ...} الذي اخذه عليهم في عالم الذر، حيث قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، ثم كفروا به بعد بعث الرسل المنبهين عليه. أو ينقضون العهود فيما بينهم وبين عباد الله، أن أعطوا ذلك من أنفسهم، {ويقطعونَ ما أمر اللهُ به أن يُوصل} من الأرحام، أو ممن يدل على الله من الأنبياء، والعلماء الأتقياء؛ فإنَّ الله أمر بوصلهم، {ويُفسدون في الأرض} بالظلم والمعاصي، وتهييج الفتن، {أولئك لهم اللعنةُ}: البُعد والطرد من رحمة الله، {ولهم سُوءُ الدَّارِ}: سوء عاقبة الدار، وهو العذاب والهوان، حيث اغتروا في الدنيا بسعة الأرزاق، وظنوا أن ذلك من علامة إقبال الحق. ولم يدروا أن الله {يبسُطُ الرزقَ لمن يشاءُ}، ولو كان من أهل الشقاء، {ويَقْدِرُ} يُضيقه على من يشاء، ولو كان من أهل السعادة والعناية، {وفرحُوا بالحياة الدنيا} واطمأنوا بها، وقنعوا بنعيمها الفاني، {وما الحياةُ الدنيا} في جنب الآخرة {إلا متاعٌ}؛ إلا متعة لا تدوم، كعُجَالة الراكب وزاد الراعي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا لي وللدُّنْيَا إِنَّما مثلي ومَثَلُ الدُّنيا كَرَاكبٍ سَافَرَ في يَوْمٍ صائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرةٍ، ثم رَاحَ عَنْها وَتَركَهَا"تفسير : . والمعنى: أنهم أشِروا بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوها فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع، سريع الزوال. قاله البيضاوي. الإشارة: لا شيء أفسد على المريد من نقض عهود المشايخ، والرجوع عن صحبتهم؛ فإنه لمَّا دخل في حماهم انقبض عنه الشيطان والدنيا والهوى، وأسفوا عليه، فإذا رجع إليهم، واتصلوا به، فعلوا به ما لم يفعلوا بغيره؛ كمن هرب من عدوه ثم اتصل به. وتنسحب عليه الآية من قوله: {والذين ينقضون عهد الله} إلى قوله: {أولئك لهم اللعنة}؛ أي: البُعد عن الحضرة، {ولهم سوء الدار} وهو: غم الحجاب والبقاء من وراء الباب. فإذا رجعت إليه الدنيا يقال له: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}؛ فلا تغتر ولا تفرح بالعرض الفاني، فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع قليل، ثم التحسر الوبيل. ثمَّ أجاب عن طلب المعجزة ليؤمن فقال: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ...}

الطوسي

تفسير : لما ذكر الله تعالى الذين يوفون بعهده، ولا ينقضون ميثاقه، ووصفهم بالصفات التي يستحقون بها الجنة، وهي عقبى الدار، اخبر بعد ذلك عن حال من ينقض عهده من بعد اعطائه المواثيق، ويقطع ما امر الله به ان يوصل، وهو ما بيّناه من صلة الرحم اوصله النبي صلى الله عليه وسلم ويفسد مع ذلك في الارض، ومعناه ان يعمل فيها بمعاصي الله والظلم لعباده، واخراب بلاده، فهؤلاء لهم اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله، والتبعيد من جنته، {ولهم سوء الدار} يعني عذاب النار، والخلود فيها. وقد بينا معنى النقض، وأنه التفريق بين شيئين متآلفين، ومثله الهدم، ونقض العهد هو العمل بخلاف موجبه، والعهد عقد يتقدم به في الامر وعهد الله عقده، وهو لزوم العمل بالحق في جميع ما اوجبه عليه، والميثاق احكام العقد بأبلغ ما يكون مثله، وميثاق العهد توثيقه بأوكد ما يكون من الأمر. والقطع نقيض الوصل، وقطع ما امر الله به ان يوصل؛ في كل عمل يجب تنميته، من صلة رحم او غيره من الفروض اللازمة، والافساد نقيض الاصلاح.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} اى عهد النّبوّة من بعد ميثاقه وتأكّده بعهد الولاية فانّه مرتدٌّ فطرىّ لا يقبل له توبة لا ظاهراً ولا باطناً، وامّا النّاقض لعهد النّبوّة والبيعة العامّة فانّه يقبل توبته ظاهراً وباطناً وهو مرتدٌّ ملّىّ لا فطرىّ وقد مضى تحقيقٌ وافٍٍ للاتردادين فى سورة آل عمران عند قوله: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً} تفسير : [آل عمران: 85] {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} ويحصل اصل القطع بنقض العهد كما سبق {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} ارض العالم الكبير والعالم الصّغير وقد مضى فى سورة البقرة تحقيق تامّ لقطع ما امر الله به ان يوصل وللافساد فى الارض عند قوله ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ} النّباتّى والحيوانّى والانسانّى {لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} فى جنب الآخرة او بين الحياة الآخرة {إِلاَّ مَتَاعٌ} الاّ شيءٌ قليل يتمتّع به يسيراً.

الأعقم

تفسير : {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}، قيل: عهد الله وأمره وما ألزم العبد كالتكليف ونقضه أن لا يتفكر فيه ولا يعمل به من بعد ميثاقه، قيل: من بعد ما أحكمه الله عليه بما دل على وجوبه، وقيل: من بعد ما أحكموه على أنفسهم بالعهد مع الرسول، وقيل: هم الخوارج {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل}، قيل: قطعوا الأرحام وقد أمروا بصلتها، وقيل: قطعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أمروا بصلته، وقيل: هو صلة المؤمنين {و} الذين {يفسدون في الأرض}، قيل: بالدعاء إلى غير الله والقتال لرسوله والمؤمنين {ولهم سوء الدار} أي جهنم والنار {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يوسع له ويقدر أي يرزقه دون غيره، والآية نزلت في أهل مكة {وفرحوا} بما بسط الله لهم من الدنيا فرح بطَر وأشَر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوا بالشكر حتى يستوجبوا نعم الآخرة، يعني {فرحوا بالحياة الدنيا} أي بما أوتوا من الرزق من حطام الدنيا ونسوا الآخرة {وما الحياة الدنيا في} حب {الآخرة إلا متاع} أي قليل ذاهب {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} الآية نزلت في أهل مكة {قل إن الله يضل من يشاء} ممن هو على صفتكم بسلبه الألطاف {ويهدي اليه من أناب} أي من رجع إلى الله تعالى وتاب {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} يعني تسكن قلوبهم إلى القرآن إذا تدبروا فيه، وقيل: تطمئن قلوبهم عند وعده ووعيده {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} قلوب المؤمنين {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني ما أمروا به من الطاعات {طوبى لهم}، قيل: قرة عين عن ابن عباس، وقيل: طوبى لهم مدينة في الجنة، وقيل: خير وكرامة، وقيل: شجرة في الجنة روي أن أصلها في دار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي دار كل مؤمن منها غصن، وقيل: العيش الطيب لهم {وحسن مآب} أي مرجع {كذلك أرسلناك} يا محمد {في أمة قد خلت} الآية نزلت في عبد الله بن أميَّة المخزومي وأصحابه حين نزل {اسجدوا للرحمان} قالوا: وما نعرف الرحمان إلاَّ صاحب اليمامة يعني مسيلمة، وقيل: نزلت في مشركي العرب قالوا: أما الله فنعرفه وأما الرحمان فلا نعرفه، وقيل:"حديث : نزلت في صلح الحديبية لما كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسم الله الرحمان الرحيم فقال سهيل: لا نعرف الرحمان اكتب يا محمد باسمك اللهم وكذلك كانوا يكتبون فقال (صلى الله عليه وسلم): "أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" فقال لإن كتب رسول الله وأنكرناك لقد ظلمناك اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله"تفسير : ، وقوله: كذلك أرسلناك أي هكذا أرسلناك يا محمد، وقيل: كما أرسلنا في الأمم {أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم} قرون وجماعات {لتتلوا عليهم} القرآن {الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمان} يجحدونه {قل} يا محمد {هو ربي} أي الرحمان الذي أنكرتموه ربي ومبدئي {لا إله إلا هو عليه توكلت} فوّضت أمري إليه {وإليه متاب} مرجعي.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي: ينقضون الميثاق الذي وثقوه على أنفسهم لله، إذا أقروا بالسمع والطاعة. قال: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ}. وقد فسّرناه قبل هذا. { أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي: الدار الآخرة. وسوءها النار، يعني منازلهم في النار. قوله: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ} أي: يوسّع عليه { وَيَقْدِرُ} أي: ويقترّ عليه الرزق { وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني المشركين {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} أي: ذاهب زائل يستمتع به ثم يذهب. وإن الآخرة باقية. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر تفسير : قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ} أي: هلا { أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: إلى الله فأخلص له. وقال بعضهم: أي: من تاب.

اطفيش

تفسير : {والَّذِينَ ينقُضُون عَهد الله من بَعْد مِيثاقِه} أى بعد الميثاق الواقع فى شأنه وهو الإقرار والقبول اللذان أوثقوا بهما العهد، والمراد فقائلو للمذكورين أولا، شبه العهد بالحبل بجامع التوصل بكل إلى المقصود، وبجامع الارتباط، ولم يذكر المشبه به بل، ذكر المشبه فهو استعارة مكنية، وينقض رمز وقرينة لأنه من لوازم الحبل باق على حقيقته، تابع للاستعارة، أو استعارة تصريحية لما يلائم العهد وهو يتركه تبعية لاستعارة النقض للترك، والعهد قرينة، ولى فى ذلك بحث فى غير هذا. {ويقْطعُون ما أمر الله به أن يُوصَل} هو ما مر {ويفْسِدون فى الأرْض} بالكفر والمعاصى والظلم وتهييج الفتن {أولئكَ لَهم اللَّعنةُ} البعد من رحمة الله {ولَهم سُوء الدَّار} أى عذاب جهنم، الدار هى جهنم، أو سوء عاقبة الدنيا، فالدار الدنيا، وحذف المضاف وهو عاقبة وسوؤها هى عذاب جهنم، ودل على ذلك أن الكلام فى مقابلة عقبى الدار، ويجوز أن يراد بالدار فى الموضعين مطلق المرجع أى عقبى المرجع، وسوء المرجع، وعبر بالدار لأن منقلب الناس فى العرف إلى دورهم.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بِعْدِ مِيثَاقِهِ} هما ما تقدم فى قوله: " أية : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق"تفسير : [الرعد: 20] فى الأَوجه السابقة، وزاد معنى آخر هنا فى الميثاق، وهو التأْكيد كأَنه قيل من بعد تأْكيد بالاعتراف والقبول، وهم فاعل الميثاق، أَو من بعد تأْكيد الله له بالدلائل العقلية والسمعية ففاعله الله أَو الميثاق اسم آلة، وهو ما يوثق به الشىءُ فعهد الله قوله: "أية : أَلست بربكم" تفسير : [الأعراف: 172]، والميثاق قولهم: بلى {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} هو ما مر فى قوله: "أية : والذين يصلون ما أَمر الله به أَن يوصل"تفسير : [الرعد: 21] {ويُفْسِدُونَ} يعتادون عمل الفساد {فِى الأَرْضِ} فلا مفعول له، أَو يقدر يفسدون ما صلح وهو التوحيد وعبادة الله وعدم الجور، وذلك بالشرك والمعاصى فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الخلق كتهييج الفتن وإِفشاءِ أَسرار المسلمين إِلى الكفار {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} البعد عن الجنة وولاية الله {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} الآخرة وسوءُها جهنم، أَو سوءُ الدار الدنيا، أَو سوءُ عاقبة الدنيا وهى جهنم؛ لأَنه فى مقابلة عقبى الدار، على أَن عقبى الدار عقب دار الدنيا، أَو الدار جهنم وسوءَها عذابها، واللام فى الموضعين للاستحقاق، وقدم للحصر، وكل واحدة من تلك الصفات على حدة توجب اللعنة وسوءَ الدار، وأَخر سوءَ الدار للفاصلة.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ } أريد بهم من يقابل الأولين ويعاندهم بالاتصاف بنقائص أوصافهم {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } الاعتراف به، قيل: المراد بالعهد قوله سبحانه: {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 172] وبالميثاق ما هو اسم آلة أعني ما يوثق به الشيء وأريد به الاعتراف بقول: {بَلَىٰ } وقد يسمى العهد من الطرفين ميثاقاً لتوثيقه بين المتعاهدين؛ وفسر الإمام ((عهد الله تعالى بما ألزمه عباده بواسطة الدلائل العقلية [والسمعية] لأن ذلك أوكد [من] كل عهد وكل أيمان إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء بمقتضاها، ثم قال: والمراد من نقضها أن لا ينظر المرء فيها فلا يمكنه حينئذٍ العمل بموجبها أو بأن ينظر [فيها] ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعلمه أو بأن ينظر في (الشبه فلا يعتقد الحق)، والمراد بقوله سبحانه: {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } من بعد أن أوثق إليه تلك الأدلة وأحكمها لأنه لا شيء أقوى مما دل الله تعالى على وجوبه في أنه ينفع فعله ويضر تركه. وأورد أنه إذا كان العهد لا يكون إلا بالميثاق فما فائدة {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ }؟ وأجاب بأنه لا يمتنع أن يكون المراد (مفارقة من تمكن من معرفته بالحلف لمن لم يتمكن أو لا يمتنع أن يكون المراد) الأدلة المؤكدة لأنه تعالى: قد يؤكد إليك [العهد] بدلائل أخرى سواء كانت عقلية أو سمعية)) اهـ ولا يخفى أنه إذا أريد بالعهد ذلك القول وبالميثاق الاعتراف به لم يحتج إلى القيل والقال، وحمل بعضهم العهد هنا على سائر ما وصى الله تعالى به عباده كالعهد فيما سبق والميثاق على الإقرار والقبول. والآية كما روي عن مقاتل نزلت في أهل الكتاب. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } من الإيمان بجميع الأنبياء عليهم السلام المجتمعين على الحق حيث يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومن حقوق الأرحام وموالاة المؤمنين وغير ذلك، وإنما لم يتعرض ـ كما قال بعض المحققين ـ لنفي الخشية والخوف عنهم صريحاً لدلالة النقض والقطع على ذلك. وأما عدم التعرض لنفي الصبر المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققه في ضمن الحسنات المعدودة ليقعن معتداً بهن فلا وجه لنفيه عمن بينه وبين الحسنات بعد المشرقين لا سيما بعد تقييده بكونه ابتغاء وجهه تعالى، كما لا وجه لنفي الصلاة والإنفاق بناءً على أن المراد منه إعطاء الزكاة ممن لا يحوم حول الإيمان بالله تعالى فضلاً عن فروع الشرائع، وإن أريد بالإنفاق ما يشمل ذلك وغيره فنفيه مندرج تحت قطع ما أمر الله تعالى بوصله بل قد يقال باندراج نفي الصلاة أيضاً تحت ذلك، وأما درء السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهر مما سبق ولحق فإن من يجازي إحسانه عز وجل بنقض عهده سبحانه ومخالفة الأمر ويباشر الفساد حسبما يحكيه قوله عز وجل: {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } بالظلم لأنفسهم وغيرهم وتهييج الفتن بمخالفة دعوة الحق وإثارة الحرب على المسلمين كيف يتصور منه الدرء المذكور. على أنه قيل: إن ذلك يشعر بأن له دخلاً في الإفضاء إلى العقوبة التي ينبـىء عنها قوله سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ } الخ أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح {لَهُمْ } بسبب ذلك {ٱللَّعْنَةُ} أي الإبعاد من رحمة الله تعالى {وَلَهُمْ } مع ذلك {سُوء ٱلدَّارِ } أي سوء عاقبة الدار، والمراد بها الدنيا وسوء عاقبتها عذاب جهنم أو جهنم نفسها، ولم يقل: سوء عاقبة الدار تفادياً أن يجعلها عاقبة حيث جعل العاقبة المطلقة هي الجنة، وجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها، والأول/ أوجه لرعاية التقابل ولأن المبادر إلى الفهم من الدار الدنيا بقرينة السابق ولأنها الحاضر في أذهانهم ولما ذكر من النكتة السرية وذلك لأن ترتيب الحكم على الموصول يشعر بعلية الصلة له، ولا يخفى أنه لا دخل له في ذلك على أكثر التفاسير فإن مجازاة السيئة بمثلها مأذون فيها، ودفع الكلام السيء بالحسن وكذا الإعطاء عند المنع والعفو عند الظلم والوصل عند القطع ليس مما يورث تركه تبعة؛ وأما ما اعتبر اندراجه تحت الصلة الثانية من الإخلال ببعض الحقوق المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتباره من حيث إنه من مستتبعات الإخلال بالعزائم كالكفر ببعض الأنبياء عليهم السلام وعقوق الوالدين وترك سائر الحقوق الواجبة، وقيد بالأكثر لأنه على الكثير مما ذكرناه في تفسيره المدخلية ظاهرة، وقيل: إنه سلك في وصف الكفرة وذمهم وذكر مالهم في مآلهم ما لم يسلك في وصف المؤمنين ومدحهم وشرح ما أعد لهم وما ينتهي إليه أمرهم فأتى في أحدهما بموصولات متعددة وصلات متنوعة إلى غير ذلك ولم يؤت بنحو ذلك في الآخر تنبيهاً على مزيد الاعتناء بشأن المؤمنين قولاً وفعلاً وعدم الاعتناء بشأن أضدادهم فإنهم أنجاس يتمضمض من ذكرهم هذا، مع الجزم بأن مقتضى الحال هو هذا، وقيل: إن المسلكين من آثار الرحمة الواسعة فتأمل، وتكرير {لَهُمْ } للتأكيد والإيذان باختلافهما واستقلال كل منهما في الثبوت.

ابن عاشور

تفسير : هذا شرح حال أضداد الذين يوفون بعهد الله، وهو ينظر إلى شرح مجمل قوله: { أية : كمن هو أعمى } تفسير : [سورة الرعد: 19]. والجملة معطوفة على جملة { أية : الذين يوفون } تفسير : [الرعد: 20]. ونقض العهد: إبطاله وعدم الوفاء به. وزيادة {من بعد ميثاقه} زيادة في تشنيع النقض، أي من بعد توثيق العهد وتأكيده. وتقدم نظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : وما يضلّ به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض } تفسير : في أوائل سورة البقرة: (26- 27). وجملة {أولئك لهم اللعنة} خبر عن {والذين ينقضون} وهي مقابل جملة {أولئك لهم عقبى الدار}. والبعد عن الرحمة والخزي وإضافة سوء الدار كإضافة عقبى الدار. والسوء ضد العقبى كما تقدم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والذين ينقضون عهد الله: أي يحلونه ولا يلتزمون به فلم يعبدوا ربهم وحده. ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل: أي من الإِيمان والأرحام. ويفسدون في الأرض: أي بترك الصلاة ومنع الزكاة، وبارتكاب السيئات وترك الحسنات. لهم اللعنة: أي البعد من رحمة الله تعالى. ولهم سوء الدار: أي جهنم وبئس المهاد. ويقدر: أي يضيق ويقتر. إلا متاع: قدر يسير يتمتع به زمناً ثم ينقضي. طوبى لهم وحسن مآب: أي لهم طوبى شجرة في الجنة وحسن منقلب وهو دار السلام. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ} الآيات، هذا هو الطرف المقابل أو الشخصية الثانية وهو من لم يعلم ولم يؤمن كأبي جهل المقابل لحمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه ذكر تعالى هنا صفاته الموجبة لعذابه وحرمانه فذكر له ولمن على شاكلته الصفات التالية: (1) نقض العهد فلم يعبدوا الله ولم يوحدوه وهو العهد الذي أخذ عليهم في عالم الأرواح: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}. (2) قطع ما أمر الله به أن يوصل من الإِيمان وصلة الأرحام: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}. (3) الإفساد في الأرض بالشرك والمعاصي: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بهذه الصفات استوجبوا هذا الجزاء، قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} أي البعد من الرحمة {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} أي جهنم وبئس المهاد، وقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} يخبر تعالى عن سنة من سننه في خلقه وهي أنه يبسط الرزق أي يوسعه على من يشاء امتحاناً هل يشكر أم يكفر ويضيِّق ويقتِّر على من يشاء ابتلاء هل يصبر أو يجزع، وقد يبسط الرزق لبعض إذ لا يصلحهم إلا ذاك، وقد يضيق على بعض إذ لا يصلحهم إلا ذاك، فلن يكون الغنى دالاً على رضى الله، ولا الفقر دالاً على سخطه تعالى على عباده، وقوله {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي فرح أولئك الكافرون بالحياة الدنيا لجهلهم بمقدارها وعاقبتها وسوء آثارها وما الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وهم أهل الإِيمان به وطاعته إلا متاع قليل كَكَفِّ التمر أو قرص الخبز يعطاه الراعي غذاء له طول النهار ثم ينفذ، وقوله تعالى في الآية [27]: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} فقد تقدم مثل هذا الطلب من المشركين وهو مطالبة المشركين النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون له آية كناقة صالح أو عصا موسى ليؤمنوا به وهم في ذلك كاذبون فلم يحملهم على هذا الطلب الا الاستخفاف والعناد وإلا آيات القرآن أعظم من آية الناقة والعصا، فلذا قال تعالى لرسوله: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} إضلاله ولو رأى وشاهد ألوف الآيات {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} ولو لم ير آية واحدة إلا أنه أناب إلى الله فهداه إليه وقبله وجعله من أهل ولايته، وقوله تعالى في الآية [28] {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} أولئك الذين أنابوا إليه تعالى إيماناً وتوحيداً فهداهم إليه صراطاً مستقيماً هؤلاء تطئمن قلوبهم أي تسكن وتستأنس بذكر الله وذكر وعده وذكر صالحي عباده محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} أي قلوب المؤمنين أما قلوب الكافرين فإنها تطمئن لذكر الدنيا وملاذها وقلوب المشركين تطمئن لذكر أصنامهم، وقوله تعالى {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} إخبار من الله تعالى بما أعد لأهل الإيمان والعمل الصالح وهو طوبى حال من الحسن الطيب يعجز البيان عن وصفها أو شجرة في الجنة وحسن منقلب وهو الجنة دار السلام والنعيم المقيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الاتصاف بصفات أهل الشقاء وهي نقض العهد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل والإفساد في الأرض بالشرك والمعاصي. 2- بيان أن الغنى والفقر يتمان حسب علم الله تعالى امتحاناً وابتلاء فلا يدلان على رضا الله ولا على سخطه. 3- حقارة الدنيا وضآلة ما فيها من المتاع. 4- فضل ذكر الله وسكون القلب إليه. 5- وعد الله تعالى لأهل الإيمان والعمل الصالح بطوبى وحسن المآب.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقِهِ} {أُوْلَـٰئِكَ} (25) - أَمَّا الذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ الذِي أَلْزَمَ بِهِ عِبَادَهُ، وَأَقاَمَ الأَدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ عَلَى صِحَّتِهِ (كَالتَّوْحِيدِ وَالإِيمَانِ وَالقَدَرِ) إِمَّا بِإِهْمَالِهِم النَّظَرَ فِيهِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَنْظُرُوا فِيهِ وَيَعْلَمُوا صِحَّتَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يُعَانِدُونَ فِيهِ، وَالذِينَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (مِنْ صِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالتَّحَابِّ بَيْنَ المُؤْمِنينَ...)، وَالذِينَ يَخُونُونَ أَمَانَاتِهِمْ، وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ، وَيَرْتَكِبُونَ المُوبِقَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ ... فَأُولئِكَ هُمُ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ، وَيُبْعِدُهُمْ عَنْ رَحْمَتِهِ، وَيُعِدُّ لَهُمْ سُوءَ العَاقِبَةِ وَالمَآلِ. سُوءُ الدَّارِ - عَاقِبَتُهَا السَّيِّئَةُ وَهِيَ النَّارُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولقائل أنْ يسأل: وهل آمن هؤلاء وكان بينهم وبين الله عهد ونَقَضوه؟ ونقول: يصح أنهم قد آمنوا ثم كفروا، أو: أن الكلام هنا ينصرف إلى عهد الله الأزلي. يقول سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. وهنا يوضح سبحانه أن مَنْ ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وتأكيده بالآيات الكونية التي تدل على وجود الخالق الواحد: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ..} [الرعد: 25]. والمقابل لهم هم أُولو الألباب الذين كانوا يَصِلون ما أمر سبحانه أن يُوصل - وهؤلاء الكفرة نقضة العهد: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الرعد: 25]. ولم يَأْتِ الحق سبحانه بالمقابل لكُلِّ عمل أدَّاه أولو الألباب؛ فلم يَقُل: "ولا يخشون ربهم"؛ لأنهم لا يؤمنون بإله؛ ولم يَقُلْ: "لا يخافون سوء الحساب" لأنهم لا يؤمنون بالبعث. وهكذا يتضح لنا أن كل شيء في القرآن جاء بِقَدرٍ، وفي تمام موقعه. ونحن نعلم أن الإفساد في الأرض هو إخراجُ الصَّالح عن صلاحه، فأنت قد أقبلتَ على الكون، وهو مُعَدٌّ لاستقبالك بكل مُقوِّمات الحياة من مأكل ومَشْرب وتنفس؛ وغير ذلك من الرزق، واستبقاء النوع بأن أحلَّ لنا سبحانه أن نتزاوج ذكراً وأنثى. والفساد في الكون أن تأتي إلى صالح في ذاته فتفسده؛ ونقول دائماً: إن كنت لا تعرف كيف تزيد الصالح صلاحاً؛ فاتركه على حاله؛ واسمع قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} تفسير : [الإسراء: 36]. فلا تنظر في أيِّ أمر إلى الخير العاجل منه؛ بل انظر إلى ما يؤول إليه الأمر من بعد ذلك؛ أيضرُّ أم ينفع؟ لأن الضُّرَّ الآجل قد يتلصص ويتسلل ببطء وأنَاة؛ فلا تستطيع له دَفْعاً من بعد ذلك. ويقول الحق سبحانه في آخر الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [الرعد: 25]. ونلحظ أن التعبير هنا جاء باللام مِمَّا يدل على أن اللعنة عشقتهم عِشْق المالك للملوك: {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [الرعد: 25]. أي: عذابها، وهي النار والعياذ بالله. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] يشير إلى ما عاهدهم عليه يوم الميثاق حين أخرج ذرات ذرياتهم من صلب آدم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ويحبونه ولا يحبوا معه شيئاً إلا له، فنقضوا العهد وعبدوا غيره، وأشركوا به الأشياء وأحبوها للهوى {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الرعد: 25] أي: صلة رحم العبودية في طلب وصال الربوبية {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} [الرعد: 25]؛ أي: يسعون في إفساد أرض الاستعداد الإنسانية لقبول الفيض الربانية، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] أي: الطرد والبعد والفراق {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [الرعد: 25] أي: دار القطيعة والهجران وأليم عذابها. {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ} [الرعد: 26] الكشوف والشهود {لِمَنْ يَشَآءُ} من عباده المحبين والمحبوبين {وَيَقَدِرُ} [الرعد: 26] أي: يضيق لمن فتح عليهم أبواب الدنيا وشهواتها؛ فأغرقهم فيها {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الرعد: 26] أي: باستيفاء لذاتها {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} [الرعد: 26] أي باستيفاء لذاتها في الآخرة بالنسيبة إلى من عبر عنها، ولم يلتفت إليها فيجد في آخرها ما يجد {إِلاَّ مَتَاعٌ} أي: متاع أيام قلائل بأدنى شيء خسيس، فإن به {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الرعد: 27] كفروا الحق بالباطل {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ} [أي: على من يدعو الخلق إلى الحق به {آيَةٌ} [الرعد: 27] ظهرة {مِّن رَّبِّهِ} من المعجزات والكرامات، كما نزل على بعض ليستدلوا بها على صدق دعوتهم. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} [الرعد: 27] أي: يضله إليه مطالباً مشتاقاً بجماله {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] أي: يرشد الطالب وهو من أهل الهداية في البداية، وليس ممن يشاء الله ضلالته في الأزل {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28] يعني: أهل الهداية هم الذين آمنوا، ولتعلم أن القلوب أربعة: قلب قاسٍ: وهو قلب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها؛ لقوله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الرعد: 26] واطمأنوا بها. وقلب ناسٍ: وهو قلب المسلم كقوله تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115] فاطمئنانه بذكر الله؛ كقوله تعالى بالتوبة ونعيم الجنة؛ كقوله تعالى: {أية : فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}تفسير : [طه: 122]. وقلب مشتاق: وهو قلب المؤمن المطيع، فاطمئنانه بذكر الله كقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} [الرعد: 28]. وقلب وجداني: وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقوله تعالى لخليله عليه السلام في جواب قوله: {أية : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة: 260] بإراءتك بأي كيفية إحياء الموتى إذا تجلى لقلبي بصفة محبتك فأكون يحيي الموتى؛ ولهذا إذا تجلى الله تبارك وتعالى على قلب العبد يطمئن به، فينعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير النفس مطمئنة أيضاً فتستحق بجذبات العناية، وهي خطاب {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] فافهم جدّاً. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الرعد: 29] يشير إلى الذين غرسوا غرس الإيمان، وهي كلمة لا إله إلا الله في أرض القلب، وربوه بماء الشريعة ومذهب الطريقة، وهي الأعمال الصالحة حتى صار شجرة طيبة كما ضرب الله بها مثلاً فقال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}تفسير : [إبراهيم: 24] فلما كملت الشجرة وأثمرت ثمرة الحقيقة كانت {طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} وهو الرجوع والإنابة إلى الله بنفسه لا إلى ماسواه، وهذا ثمرة الحقيقة يدل عليه قوله: {أية : فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}تفسير : [المزمل: 19] على هذا يشير بطوبى إلى حقيقة شجرة لا إله إلا الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبي شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة"،تفسير : فإن حقيقته لشجرة لا إله إلا الله في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي قلب كل مؤمن منها غصن، فافهم جدّاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر حال أهل الجنة ذكر أن أهل النار بعكس ما وصفهم به، فقال عنهم: { والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } أي: من بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله، وغلظ عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم، بل قابلوه بالإعراض والنقص، { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا وصلوا الأرحام ولا أدوا الحقوق، بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي، والصد عن سبيل الله وابتغائها عوجا، { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ } أي: البعد والذم من الله وملائكته وعباده المؤمنين، { وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } وهي: الجحيم بما فيها من العذاب الأليم.