١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} اعلم أن الكفار قالوا: يا محمد إن كنت رسولاً فأتنا بآية ومعجزة قاهرة ظاهرة مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام. فأجاب عن هذا السؤال بقوله: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه: أحدها: كأنه تعالى يقول: إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، ولكن الإضلال والهداية من الله، فأضلكم عن تلك الآيات القاهرة الباهرة، وهدى أقواماً آخرين إليها، حتى عرفوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة، وإذا كان كذلك فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات، وثانيها: أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل، فلما طلبوا بعدها آيات أخرى كان موضعاً للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم {إن الله يضل من يشاء} من كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة على الكفر فلا سبيل إلى اهتدائكم وإن أنزلت كل آية {ويهدي} من كان على خلاف صفتكم. وثالثها: أنهم لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات، فإن الإضلال والهداية من الله فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية فإنه لم يحصل الانتفاع بها ولو حصلت آية واحدة فقط وحصلت الهداية من الله فإنه يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات. ورابعها: قال أبو علي الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب: {ويهدي إليه من أناب} أي يهدي إلى جنته من تاب وآمن قال وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث أنه عقبه بقوله: {من أناب} أي تاب والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب، لأنه يستحقه على إيمانه، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا. هذا تمام كلام أبي علي وقوله: (أناب) أي أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} بين في مواضع أن ٱقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تدلّ على الصدق، والقائل عبد الله بن أبي أمية وأصحابه حين طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ} عزّ وجلّ {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} أي كما أضلكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها يضلّكم عند نزول غيرها. {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي من رجع. والهاء في «إليه» للحق، أو للإسلام، أو لله عزّ وجلّ؛ على تقدير: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه. وقيل: هي للنبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} «الذين» في موضع نصب، لأنه مفعول؛ أي يهدي الله الذين آمنوا. وقيل بدل من قوله: «مَنْ أَنَابَ» فهو في محل نصب أيضاً. {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} أي تسكن وتستأنس بتوحيد الله فتطمئن؛ قال: أي وهم تطمئن قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم؛ قاله قَتَادة. وقال مجاهد وقَتَادة وغيرهما: بالقرآن. وقال سفيان بن عيينة: بأمره. مقاتل: بوعده. ٱبن عباس: بالحلف باسمه، أو تطمئن بذكر فضله وإنعامه؛ كما تَوْجل بذكر عدله وٱنتقامه وقضائه. وقيل: «بِذِكْرِ اللَّهِ» أي يذكرون الله ويتأملون آياته فيعرفون كمال قدرته عن بصيرة. {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} أي قلوب المؤمنين. قال ٱبن عباس: هذا في الحلف؛ فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه. وقيل: «بِذِكْرِ اللَّهِ» أي بطاعة الله. وقيل: بثواب الله. وقيل: بوعد الله. وقال مجاهد: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
البيضاوي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ} باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات. {وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أقبل إلى الحق ورجَع عن العناد، وهو جواب يجري مجرى التعجب من قولهم كأنه قال قل لهم ما أعظم عنادكم إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية، ويهدي إليه من أناب بما جئت به بل بأدنى منه من الآيات.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن قيل المشركين: {لَوْلاَ} أي: هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، كقولهم: {أية : فَلْيَأْتِنَا بِـآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 5]. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث: إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهباً، وأن يجري لهم ينبوعاً، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: «حديث : بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة»تفسير : ، ولهذا قال لرسوله: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: هو المضل والهادي، سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا، أو لم يجبهم إلى سؤالهم؛ فإن الهداية والإضلال ليس منوطاً بذلك، ولا عدمه، كما قال: {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس:96-97] وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 111]، ولهذا قال: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله، ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيراً، ولهذا قال: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} أي: هو حقيق بذلك. وقوله: { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـئَابٍ} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نِعْمَ ما لهم. وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم. وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيراً. وقال في رواية: طوبى لهم: حسنى لهم، { وَحُسْنُ مَـئَابٍ} أي: مرجع، وهذه الأقوال شيء واحد، لا منافاة بينها. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس {طُوبَىٰ لَهُمْ} قال: هي أرض الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مَسْجُوح: طوبى اسم الجنة بالهندية، وكذا روى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة، وبه قال مجاهد. وقال العوفي عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـئَابٍ} وذلك حين أعجبته. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال: {طوبى} شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سُمَيّ وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها. وذكر بعضهم أن الرحمن تبارك وتعالى غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث: أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، مرفوعاً: «حديث : طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح: أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: «حديث : طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني»تفسير : قال له رجل: وما طوبى؟ قال: «حديث : شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها»تفسير : . وروى البخاري ومسلم جميعاً عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي عن وهيب عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» تفسير : قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها»تفسير : وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} تفسير : [الواقعة: 30] قال: «حديث : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُود}» تفسير : . أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ لأحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة سنة - هي شجرة الخلد»تفسير : . وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر سدرة المنتهى، فقال: «حديث : يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة - أو قال: يستظل في الفنن منها مائة راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال» تفسير : رواه الترمذي. وقال إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها، فيأخذ من أي ذلك شاء، إن شاء أبيض، وإن شاء أحمر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود، مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن»تفسير : ، وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة. وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه ههنا أثراً غريباً عجيباً، قال وهب رحمه الله: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم، إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجباً مزمومة، بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسناً، ووبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجباً من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأَخرى، ولا برك راحلة برك الأخرى، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحباً بعبادي الذين خشوني بغيب، وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نَصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم، فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد، قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب، مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة متظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبلانه، ويعلقا به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له. وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذاً لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض، فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر، فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر، فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان فيها من الياقوت الأصفر، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر، والذهب الأحمر، والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة بِرْذَون من تلك البراذين، ولُجُمُها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم ببطن رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قعوداً على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم؛ كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم، وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم، وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تبوؤوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم وربنا قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال: برضاي عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم ملائكتي، فهنيئاً لكم، {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 108] ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور. وهذا سياق غريب، وأثر عجيب، ولبعضه شواهد، ففي الصحيحين: "حديث : أن الله تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولاً الجنة: تمنّ، فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني، يقول الله تعالى: تمن من كذا، وتمن من كذا؛ يذكره، ثم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله".تفسير : وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: «حديث : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر»تفسير : . الحديث بطوله، وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة، رواه ابن أبي حاتم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {لَوْلاَ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ } على محمد {ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ } كالعصا واليد والناقة {قُلْ } لهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئا {وَيَهْدِى } يرشد {إِلَيْهِ } إلى دينه {مَنْ أَنَابَ } رجع إليه، ويبدل مِن (مَن).
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ويهدي إليه من أناب} أي من تاب. وفي قوله {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} قال: هشت إليه واستأنست به. وأخرج أبو الشيخ عن السدي - رضي الله عنه - {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} يقول: إذا حلف لهم بالله صدقوا {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} قال: تسكن القلوب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} قال: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ عن أنس - رضي الله عنه - قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حين نزلت هذه الآية {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}: "هل تدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: من أحب الله ورسوله، أحب أصحابي ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن علي - رضي الله عنه - حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآية {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} قال: "ذاك من أحب الله ورسوله، وأحب أهل بيتي صادقاً غير كاذب، وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً، ألا بذكر الله يتحابون ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {طوبى لهم} قال: فرح وقرة عين. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: نعم ما لهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: غبطة لهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: حسنى لهم. وهي كلمة من كلام العرب. وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: هذه كلمة عربية، يقول الرجل طوبى لك، أي أحببت خيراً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن إبراهيم - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: الخير والكرامة الذي أعطاهم الله سبحانه وتعالى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: الجنة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: الجنة بالحبشية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} وذلك حين أعجبته. وأخرج جرير وأبو الشيخ، عن سعيد بن مسجوح - رضي الله عنه - قال {طوبى} اسم الجنة بالهندية. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال {طوبى} اسم الجنة بالهندية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: {طوبى} اسم شجرة في الجنة. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: {طوبى} شجرة في الجنة، يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما شاء. فتنفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإِبل برحالها وأزمتها، وعما شاء من الكسوة. وأخرج ابن جرير من طريق معاوية بن قرة - رضي الله عنه - عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبى، شجرة غرسها الله تعالى بيده، ونفخ فيها من روحه، تنبت بالحلى والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة ". تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن عتبة بن عبد - رضي الله عنه - قال: حديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، في الجنة فاكهة؟ قال: نعم، فيها شجرة تدعى طوبى، هي نطاق الفردوس. قال: قال أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليس تشبه شيئاً من شجر أرضك. ولكن، أتيت الشام؟ قال: لا. قال: فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحد ثم ينشر أعلاها. قال: ما عظم أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً. قال فهل فيها عنب؟ قال: نعم. قال: ما عظم العنقود منه؟ قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك؟ قال: {طوبى} لمن رآني وآمن، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني. قال رجل: وما طوبى؟!... قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، تخرج من اكمامها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في صفة الجنة، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحد يدخل الجنة، إلا انطلق به إلى طوبى، فتنفتح له أكمامها فيأخذ له من أي ذلك شاء. إن شاء أبيض وإن شاء أحمر وإن شاء أخضر وإن شاء أصفر وإن شاء أسود. مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين - رضي الله عنه - قال: شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي، وليس في الجنة حجرة إلا وفيها غصن من أغصانها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ, عن أبي جعفر, رجل من أهل الشام قال إن ربك أخذ لؤلؤة فوضعها, ثم دملجها ثم فرشها وسط الجنة فقال لها امتدي حتى تبلغي مرضاتي. ففعلت, ثم أخذ شجرة فغرسها وسط اللؤلؤة, ثم قال لها: امتدي ففعلت, فلما استوت تفجرت من أصولها أنهار الجنة, وهي طوبى. وأخرج ابن أبي حاتم عن فرقد السبخي - رضي الله عنه - قال: أوحى الله إلى عيسى ابن مريم عليه السلام في الإِنجيل "يا عيسى، جد في أمري ولا تهزل، واسمع قولي وأطع أمري. يا ابن البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك وأمك آية للعالمين، فإياي فاعبدْ وعلي ّفتوكل، وخذ الكتاب بقوة. قال عيسى عليه السلام: أي رب، أي كتاب آخذ بقوّة؟... قال: خذ كتاب الإِنجيل بقوّة، ففسره لأهل السريانية، وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم البديع الدائم، الذي لا زوال له، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان، فصدقوه واتبعوه صاحب الجمل والمدرعة والهراوة والتاج، الانجل العين، المقرون الحاجبين، صاحب الكساء الذي إنما نسله من المباركة - يعني خديجة - يا عيسى، لها بيت من لؤلؤ من قصب موصل بالذهب، لا يسمع فيه أذى ولا نصب، لها ابنة - يعني فاطمة، ولها ابنان فيستشهدان يعني الحسن والحسين - طوبى لمن سمع كلامه وأدرك زمانه وشهد أيامه. قال عيسى عليه السلام: يا رب، وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة، أنا غرستها بيدي وأسكنتها ملائكتي، أصلها من رضوان، وماؤها من تسنيم". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: {طوبى} في الجنة، حملها مثال ثدي النساء، فيه حلل أهل الجنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء، وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان - رضي الله عنه - قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، ضروع كلها، ترضع صبيان أهل الجنة، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون، رضع من طوبى؛ وأنّ سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، وعن شهر بن حوشب قال: {طوبى} شجرة في الجنة، كل شجرة في الجنة منها أغصانها من وراء سور الجنة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس من مجالس أهل الجنة، ومتحدث بينهم. فبينما هم في مجلسهم، إذْ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون خيماً مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها ووبرها كخد المرعزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس واستبرق، فينيخونها ويقولون: ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه. فيركبوها، فهي أسرع من الطائر واوطأ من الفراش، نجباء من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا يصيب إذن راحلة منها إذن صاحبتها، ولا تزل راحلة بزلل صاحبتها، حتى أن الشجرة لتنحى عن طرقهم لئلا يفرق بين الرجل وأخيه، فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: "اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإِكرام. ويقول عز وجل، عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حققت رحمتي ومحبتي، مرحباً بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري. فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك. فيقول الله عز وجل: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته. فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربّ، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها. ربّ، فائتني كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله عز وجل: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني وسأتحفك بمنزلتي؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد، ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر على بال فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم: براذين مقرنة، على كل أربعة منهم سرير من ياقوتة واحدة، على كل منها قبة من ذهب مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة ألوان إلا وهو فيهما، ولا ريح طيبة إلا وقد عبقتا به ينفذ ضوء وجوهما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبة، يرى مخهما من فوق أسرتهما كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل. ويرى هو لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيجيئآنه ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثل ذلك. ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزله الذي أعد له". وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - عن محمد بن علي بن الحسين بن فاطمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، لو يسير الراكب الجواب في ظلها، لسار فيه مائة عام قبل أن يقطعه، وورقها برود خضر، وزهرها رياط صفر، وأقتادها سندس واستبرق، وثمرها حلل خضر، وصمغها زنجبيل وعسل، وبطحاؤها ياقوت أحمر وزمرد أخضر، وترابها مسك وعنبر، وكافور أصفر، وحشيشها زعفران منبع، والأجوج ناجحان في غير وقود، ينفجر من أصلها. أنهارها السلسبيل والمعين في الرحيق، وظلها مجلس من مجالس أهل الجنة يألفونه، ومتحدث يجمعهم. فبينما هم يوماً في ظلها يتحدثون، إذ جاءتهم ملائكة يقودون نجباً جبلت من الياقوت ثم نفخ فيها الروح، مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة، وبرها خز أحمر ومرعز أحمر يخترطان. لم ينظر الناظرون إلى مثله حسناً وبهاء، ولا من غير مهانة، عليها رحال ألواحها من الدر والياقوت، مفضضة باللؤلؤ والمرجان فأناخوا إليهم تلك النجائب، ثم قالوا لهم: ربكم يقرئكم السلام ويستزيركم لتنظروا إليه وينظر إليكم، وتحيونه ويحييكم، وتكلمونه ويكلمكم ويزيدكم من فضله وسعته إنه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم، فتحوّل كل رجل منهم على راحلته حتى انطلقوا صفاً واحداً معتدلاً، لا يفوت منه شيء ولا يفوت اذن ناقة إذن صاحبتها، ولا بركة ناقة بركة صاحبها، ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرها ورجلت لهم عن طريقها كراهية أن تثلم صفهم، أو تفرق بين رجل ورفيقه، فلما دفعوا إلى الجبار تعالى، سفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمته العظيم يحييهم بالسلام. فقالوا: "ربنا أنت السلام، ومنك السلام، لك حق الجلال والإِكرام. قال لهم ربهم: أنا السلام ومني السلام ولي حق الجلال والاكرام، فمرحباً بعبادي الذي حفظوا وصيتي ورعوا عهدي وخافوني بالغيب، وكانوا مني على كل حال مشفقين. قالوا: أما وعزتك وعظمتك وجلالك وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، ولا أدينا إليك كل حقك، فأذن لنا بالسجود لك. قال لهم ربهم: إني قد وضعت عنكم مؤنة العبادة وأرحت لكم أبدانكم طالما نصبتم لي الأبدان وأعنتم لي الوجوه، فالآن أفضتم إلى روحي ورحمتي وكرامتي وطولي وجلالي وعلو مكاني وعظمة شأني. فما يزالون في الأماني والعطايا والمواهب حتى أن المقصر منهم في أمنيته ليتمنى مثل جميع الدنيا منذ يوم خلقها الله تعالى إلى يوم يفنيها. قال لهم ربهم: لقد قصرتم في أمانيكم ورضيتم بدون ما يحق لكم، فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم وزدتكم ما قصرت عنه أمانيكم... فانظروا إلى مواهب ربكم التي وهبكم.... فإذا بقباب في الرفيق الأعلى وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب وسررها من ياقوت وفرشها من سندس واستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وأعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهر نورها. فلولا أنه مسخر إذن لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض، فهو مفروش بالحرير الأبيض. وما كان منها من الياقوت الأحمر، فهو مفروش بالعبقري. وما كان منها من الياقوت الأخضر، فهو مفروش بالسندس الأخضر. وما كان منها من الياقوت الأصفر، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء. قواعدها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان. فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض منفوخ فيها الروح، بجنبها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والاستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم وتطأ رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعوداً على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنوهم كرامة ربهم. فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم ربهم مما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان {جنتان} {ذواتا أفنان} وجنتان {مدهامتان} و {فيهما عينان نضاختان} [الرحمن: 66] وفيهما من كل فاكهة زوجان و {حور مقصورات في الخيام} [الرحمن: 72] فلما تبوأوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم وربنا. قال: هل رضيتم بثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال برضاي عنكم حللتم داري ونظرتم إلى وجهي وصافحتم ملائكتي، فهنيئاً لكم عطاء غير مجذوذ ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وأحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن زيد مولى بني مخزوم قال: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم {وظل ممدود} فبلغ ذلك كعباً - رضي الله عنه - فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم. لو أن رجلاً ركب حقة أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرماً. إن الله عز وجل غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها من وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا يخرج من أصل تلك الشجرة. وأخرج ابن جرير عن مغيث بن سميّ - رضي الله عنه - قال: {طوبى} شجرة في الجنة، لو أن رجلاً ركب قلوصاً جذعاً أو جذعة، ثم دار بها، لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرماً. وما من أهل الجنة منزل إلا غصن من تلك الشجرة متدل عليهم، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فيأكلون ما شاؤوا. ويجيء الطير فيأكلون منه قديداً وشوياً ما شاؤوا ثم يطير. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح - رضي الله عنه - قال: {طوبى} شجرة في الجنة، لو أن راكباً ركب حقة أو جذعة فأطاف بها، ما بلغ ذلك الموضع الذي ركب فيه حتى يقتله الهرم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم {طوبى} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا بكر، هل بلغك طوبى؟ قال: الله تعالى ورسوله أعلم. قال: {طوبى} شجرة في الجنة لا يعلم طولها إلا الله تعالى، يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفاً. ورقها الحلل، يقع عليها الطير كأمثال البخت. قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن ذلك الطير ناعم، قال: أنعم منه من يأكله، وأنت منهم يا أبا بكر إن شاء الله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : طوبى، شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة، تنبت الحلى، والثمار منهدلة على أفواهها ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مغيث بن سمي - رضي الله عنه - قال: {طوبى} شجرة في الجنة ليس في الجنة دار إلا يظلها غصن من أغصانها، فيه من ألوان الثمر. ويقع عليها طير أمثال البخت، فإذا اشتهى الرجل طيراً دعاه فيقع على خوانه، فيأكل من إحدى جانبيه شواء، والآخر قديداً، ثم يصير طائراً فيطير فيذهب. وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء، وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان - رضي الله عنه - قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، كلها ضروع، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {طوبى لهم} قال: غبطة {وحسن مآب} قال: حسن مرجع. وأخرج أبو الشيخ عن السدي - رضي الله عنه - {وحسن مآب} قال: حسن منقلب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك - رضي الله عنه - مثله.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الآية: 27]. قال بعضهم: يُضل من قام بنفسه، واعتمد عليها عن سبيل رشده ويهدى إلى سبيل رشده، من رجع إليه فى جميع أموره، وتبرأ من حوله وقوته. قال جعفر: يضل عن إدراكه ووجوده من قصره بنفسه، ويهدى أى يوصل إلى حقائقه من طلبه.
القشيري
تفسير : {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ}: وهم الذين لم يشهدوا ما أعطى نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الشواهد والبرهان حتى (...) الزيادة. {أية : يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 46]: وهم الذين أبصروا بعيون أسرارهم ما خُصَّ به من الأنوار فسكنوا بنور استبصارهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويقول الذين كفروا} ثبتوا واستمروا على كفرهم وعنادهم وهم كفار مكة {لولا} هلا وبالفارسية [جرا] {انزل عليه} على محمد {آية} عظيمة كائنة {من ربه} [بران وجهى كه ميخواهيم] مثل آيات موسى وعيسى عليهما السلام من العصا واحياء الموتى ونحوهما لتكون دليلا وعلامة على صدقه {قل ان الله يضل من يشاء} اضلاله باقتراح الآيات تعنتا بعد تبين الحق وظهور المعجزات فلا تغنى عنه كثرة المعجزات شيئا اذا لم يهده الله {ويهدى اليه من اناب} من اقبل الى الحق ورجع عن العناد فضمير اليه راجع الى الحق. قال فى القاموس ناب الى الله تاب كاناب والاضلال خق الضلالة فى العبد والهداية خلق الاهتداء والدلالة على طريق يوصل الى المطلوب مطلقا وقد يسند كل منهما الى الغير مجازا بطريق السبب والقرآن ناطق بكلا المعنيين فيسند الاضلال الى الشيطان فى مرتبة الشريعة والى النفس فى مرتبة الطريقة والى الله فى مرتبة الحقيقة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ويقولُ الذين كفروا} من أهل مكة: {لولا أنزل عليه آيةٌ} ظاهرة {من ربه} كما أنزلتْ على مَنْ قبله فنؤمن حينئذٍ؟ {قل} لهم: {إنَّ اللَّهَ يُضلُّ مَن يشاء} بعد ظهور الآيات والمعجزات. وليس الإيمان والهداية بيد العبد في الحقيقة. {ويهدي إليه من أناب} أي: من أقْبل ورجع عن عناده من غير احتياج إلى معجزة. قال البيضاوي: وهو جواب، يجري التعجب من قولهم، كأنه قال: قل لهم ما أعظم عنادكم! {إن الله يُضِلُّ من يشاء} ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائه، وإن نزلت كل آية، ويهدي إليه من أناب لما جئت به، بل بأدنى منه من الآيات. هـ. الإشارة: تقدم مراراً أن من سبقت له من عند الله عناية الخصوصية، لم يتوقف على ظهور آية. ومن لم يسبق له شيء في الخصوصية لا ينفع فيه ألف آية. فالله يضل من يشاء عن دخول حضرته، ولو رأى من أولياء زمانه ما رأى، ويهدي إلى حضرته من أناب، ورجع بلا سبب. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى في هذه الآية عن الكفار الذين وصفهم انهم يقولون {لولا أنزل} على محمد {آية} يعني علامة ومعجزة. والمعنى هلا انزل عليه آية من ربه يقترحونها، ويعلمون انها انزلت من ربه، وذلك لما لم يستدلوا، فيعلموا مدلول الآيات التي اتى بها لم يعتدوا بتلك الآيات، فقالوا هذا القول جهلاً منهم بها، فأمر الله نبيه ان يقول لهم {إن الله يضل من يشاء} بمعنى انه يحكم على من يشاء بالضلال اذا ضل عن طريق الحق، ويجوز ان يكون المراد {يضل من يشاء} عن طريق الجنة بسوء أفعالهم وعظم معاصيهم، ولا يجوز ان يريد بذلك الاضلال عن الحق، لان ذلك سفه لا يفعله الله تعالى. وقوله {ويهدي إليه من أناب} اي يحكم لمن رجع الى طاعة الله والعمل بها بالجنة ويهديه اليها. والهداية الدلالة التي تؤدي الى طريق الرشد بدلاً من طريق الغي، والمراد بها - ها هنا - الحكم له بسلوك طريق الجنة رفعاً لقدره، ومدحاً لصاحبه. والاضلال العدول بالمارّ عن طريق النجاة الى طريق الهلاك، والمراد - ها هنا - الحكم له بالعدول عن طريق الجنة وسلوك طريق النار، والإنابة الرجوع الى الحق بالتوبة، يقال: ناب ينوب نوبة اذا رجع مرة بعد مرة.
الجنابذي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} كأنّهم لم يروا منه شيئاً من الآيات لعماهم وحملهم ما رأوا على السّحر والعادات {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} بجعله اعمى عن النّظر فى العواقب وفى دعوة الدّاعى وفى آياته؛ وليست الهداية والضّلالة بالآية وعدمها {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} ورجع عن جهنّام الطّبع وفرّ من سجن النّفس.
اطفيش
تفسير : {ويقُولُ الَّذينَ كفرُوا} أهل مكة {لوْلا} توبيخ وتعيير، وإن جعلت الماضى بعدها بمعنى المضارع كانت للتخصيص {أنزِلَ عَليهِ} على محمد {آيةٌ من ربِّه} كعصى موسى وناقة صالح. {قلْ} لهم {إنَّ الله يُضلُّ مَنْ يَشاءُ} إضلاله، فلا يؤمن ولو أنزلت آية مثل عصى موسى وناقة صالح، فإن الآيات كلها سواء فى الدلالة على صدق الرسول، فكما لم تؤمنوا بما أنزل من الآيات لا تؤمنوا بالآية التى اقترحتم لو نزلت مع الآية المقترحة أو نزلت ولم يؤمن مقترحها لاستؤصل كقوم موسى، أو مسخ كقوم عيسى، أو يضل من يشاء باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات الكثيرة، وكفى بالقرآن وحده آية، فما أعظم عنادكم فمن أضله الله لا تؤثر فيه كثرة المعجزات ولا عظمها. {ويَهْدى إليه} إلى الله إلى دينه ولو بأدنى آية {مَنْ أنابَ} رجع إليه عن العناد، وهو موافق ناب، أو بمعنى دخل فى نوبة الدين كقولك: أعرقت أى دخلت العراق.
اطفيش
تفسير : {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَهل مكة {لَوْلاَ أُنْزِلَ علَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} تستعظمها العقول وتحسونها وتكون معهم فى الأرض كعصا موسى واليد، والناقة {قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَّشَاءُ} من الكفار باختيارهم فلا تغنى عنهم الآيات شيئا ولو كن ملكن لبلوغهم غاية العناد والمكابرة فلا سبيل لهدايتهم، وكأَنه أُنزلت الآية تعجيباً منهم فإِن ما نزل عليهم من الآيات غير قليل ولا حقير، ومما يستعظم انشقاق القمر {وَيهْدِى إِلَيْهِ} إلى دينه {مَنْ أَنَابَ} رجع إليه بالتوبة أَى يزيده هدى، أَو يديمه على الهدى، أَو يهدى إِليه من أراد الله إِنابته.
الالوسي
تفسير : . {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي أهل مكة عبد الله بن أبـي أمية وأصحابه، وإيثار هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم بناءاً على أن ضمير {أية : فَرِحُواْ } تفسير : [الرعد:26] لهم لذمهم والتسجيل عليهم بالكفر فيما حكى عنهم من قولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد كأن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العظام الباهرة ليست عندهم بآية حتى اقترحوا ما لا تقتضيه الحكمة من الآيات كسقوط السماء عليهم كسفاً وسير الأخشبين وجعل البطاح محارث ومغترساً كالأردن وإحياء قصي لهم إلى غير ذلك. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء} إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها، ((وهو كلام جار مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبـي قبله، وكفى بالقرآن وحده آية فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها كان ذلك موضعاً للتعجب والإنكار، وكان الظاهر أن يقال في الجواب: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على الكفر ونحوه إلا أنه وضع هذا موضعه للإشارة إلى أن المتعجب منه يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ } الخ أي أنه تعالى يخلق فيمن يشاء الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد لسوء استعداده كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية)). {وَيَهْدِى إِلَيْهِ } أي إلى جنابه العلي الكبير. وقال أبو حيان: أي إلى دينه وشرعه سبحانه هداية مواصلة إليه لا دلالة مطلقة إلى ما يوصل فإن ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم ما لا يوصف، وقيل: الضمير للقرآن أو للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خلاف الظاهر جداً {مَنْ أَنَابَ } أي أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة الرجوع إلى نوبة الخير، وإيثارها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة الأولى على ما قال مولانا شيخ الإسلام للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة، وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد، وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم. والآية صريحة في مذهب أهل السنة في نسبة الخير والشر إليه عز وجل وأولها المعتزلة فقال أبو علي الجبائي: ((المعنى يضل من يشاء عن ثوابه ورحمته عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب ويهدي إلى جنته من تاب وآمن، ثم قال: وبهذا تبين أن الهدى هو الثواب من حيث (إنه عقبه) بقوله تعالى: {مَنْ أَنَابَ } والهدى الذي يفعله سبحانه بالمؤمن هو الثواب لأنه يستحقه على إيمانه، وذلك يدل على أنه تعالى يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا)) اهـ ولا يخفى ما فيه.
ابن عاشور
تفسير : عطف غرض على غرض وقصةٍ على قصة. والمناسبة ذكر فرحهم بحياتهم الدنيا وقد اغتروا بما هم عليه من الرزق فسألوا تعجيل الضرّ في قولهم: { أية : اللّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } تفسير : [سورة الأنفال: 32]. وهذه الجملة تكرير لنظيرتها السابقة { أية : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر } تفسير : [سورة الرعد: 7]. فأعيدت تلك الجملة إعادةَ الخطيب كلمةً من خطبته ليأتي بما بقي عليه في ذلك الغرض بعد أن يفصل بما اقتضى المقام الفصل به ثم يتفرغ إلى ما تركه من قبل، فإنه بعد أن بَينتْ الآيات السابقة أنّ الله قادر على أن يعجل لهم العذاب ولكن حكمته اقتضت عدم التنازل ليتحدى عبيده فتبين ذلك كله كمال التبيين. وكل ذلك لاحق بقوله: {أية : وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا تراباً إنا لفي خلق جديد} تفسير : [سورة الرعد: 5]، وعود إلى المهم من غرض التنويه بآية القرآن ودلالته على صدق الرسول، ولهذا أطيل الكلام على هدي القرآن عقب هذه الجملة. ولذلك تعين أن موقع جملة {إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} موقع الخبر المستعمل في تعجيب الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ من شدة ضلالهم بحيث يوقن من شاهد حالهم أن الضلال والاهتداء بيد الله وأنهم لولا أنهم جبلوا من خلقة عقولهم على اتباع الضلال لكانوا مُهتدين لأن أسباب الهداية واضحة. وتحت هذا التعجيب معان أخرى: أحدها: أن آيات صدق النبي صلى الله عليه وسلم واضحة لولا أن عقولهم لم تدركها لفساد إدراكهم. الثاني: أن الآيات الواضحة الحسية قد جاءت لأمم أخرى فرأوها ولم يؤمنوا، كما قال تعالى: { أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } تفسير : [سورة الإسراء: 59]. الثالث: أن لعدم إيمانهم أسباباً خفية يعلمها الله قد أبهمت بالتعليق على المشيئة في قوله: {يضل من يشاء} منها ما يُومىء إليه قوله في مقابلة {ويهدي إليه من أناب}. وذلك أنهم تكبروا وأعرضوا حين سمعوا الدعوة إلى التوحيد فلم يتأملوا، وقد ألقيت إليهم الأدلة القاطعة فأعرضوا عنها ولو أنابوا وأذعنوا لهداهم الله ولكنهم نفروا. وبهذا يظهر موقع ما أمر الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ أن يجيب به عن قولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه} بأن يقول: {إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب}، وأن ذلك تعريض بأنهم ممن شاء الله أن يكونوا ضالين وبأن حالهم مثار تعجب. والإنابة: حقيقتها الرجوع. وأطلقت هنا على الاعتراف بالحق عند ظهور دلائله لأن النفس تنفر من الحق ابتداء ثم ترجع إليه، فالإنابة هنا ضد النفور.
الشنقيطي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا عليه صلى الله عليه وسلم الإتيان بآية ينزلها عليه ربه وبين هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله {أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 5] إلى غير ذلك من الآيات وبين تعالى في موضع آخر أن في القرآن العظيم كفاية عن جميع الآيات في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 51] وبين في موضع آخر حكمة عدم إنزال آية كناقة صالح ونحوها بقوله {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} تفسير : [الإسراء: 59] الآية كما تقدمت الإشارة إليه.
الواحدي
تفسير : {ويقول الذين كفروا لولا} هلاَّ {أنزل عليه آيةٌ من ربه} نزلت في مشركي مكَّة حين طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآيات {قل إنَّ الله يضلُّ مَنْ يشاء} عن دينه، كما أضلَّكم بعدما أنزل من الآيات، وحرمكم الاستدلال بها {ويهدي إليه} يرشد إلى دينه {مَنْ أناب} رجع إلى الحقِّ. {الذين آمنوا} بدلٌ من قوله: {مَنْ أناب} {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} إذا سمعوا ذكر الله سبحانه وتعالى أحبُّوه واستأنسوا به {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} يريد: قلوب المؤمنين. {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم} وهي شجرةٌ غرسها الله سبحانه بيده. وقيل: فرحٌ لهم وقُرَّة أعينٍ. {كذٰلك} كما أرسلنا الأنبياء قبلك {أرسلناك في أمة} في قرنٍ {قد خلت} قد مضت {من قبلها أمم} قرونٌ {لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك} يعني: القرآن {وهم يكفرون بالرحمن} وذلك أنَّهم قالوا: ما نعرف الرَّحمن إلاَّ صاحب اليمامة {قل هو ربي} أَي: الرَّحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيِّدي {لا إله إلاَّ هو}.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةٌ} (27) - وَيَقُولُ المُشْرِكُونَ الذِينَ بَطِرُوا وَاغْتَرُّوا بِالدُّنيا: هَلاّ أُنْزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ مُعْجِزَاتٌ مِنْ رَبِّهِ (آيَةٌ): (كَسُقُوطِ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ كِسَفاً، أَوِ الرُّقِيِّ فِي السَّمَاءِ ..) فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ هُوَ المُضِلُّ وَهُوَ الهَادِي، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَلَكِنَّ هِدَايَتَهُمْ وَضَلاَلَهُمْ لَيْسَا مُتَعَلِّقَيْنِ بِإِجَابَةِ طَلَبِهِمْ بِإِنْزَالِ الآيَةِ أَوْ عَدَمِ إِجَابَتِهِ، وَإِنَّ الأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِإِرَادَةِ اللهِ، وَهُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ أَخْلَصَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ، وَرَجَعَ عَنْ غَيِّهِ، وَاسْتَعَانَ بِرَبِّهِ. أَنَابَ - رَجَعَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعلم أن "لولا" إذا دخلت على جملة اسمية فلها وَضْع يختلف عنه وَضْعها إذا دخلتْ على جملة فعلية، فحين نقول: "لولا زيد عندك لَزُرْتُكَ" يعني امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر. وحين نقول: لولا تُذاكِر دروسك. فهذا يعني حضاً على الفعل. والحق سبحانه يقول: {أية : لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [النور: 13]. والجملة التي دخلت عليها "لولا" في هذه الآية هي جملة فعلية، وكأن الحق سبحانه يحضُّنا هنا على أن نلتفتَ إلى الآية الكبرى التي نزلت عليه صلى الله عليه وسلم، وهي القرآن. وقد تساءل الكافرون - كَذِباً - عن مجيء آية؛ وكان تساؤلهم بعد مجيء القرآن، وهذا كذب واقع؛ يناقضون به أنفسهم؛ فقد قالوا: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وهم بذلك قد اعترفوا أن القرآن بلغ حَدَّ الإعجاز وتمنَّوْا لو أنه نزل على واحد من عظماء القريتين - مكة أو الطائف. وهم مَنْ قالوا أيضاً: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6]. ثم يعودون هنا لينكروا الاعتراف بالقرآن كمعجزة، على الرغم من أنه قد جاء من جنس ما نبغوا فيه، فهم يتذوقون الأدب، ويتذوقون البيان، ويتذوقون الفصاحة؛ ويقيمون الأسواق ليعرضوا إنتاجهم في البلاغة والقصائد، فهم أمة تطرَبُ فيها الأذن لما ينطقه اللسان. ولكنهم هنا يطلبون آية كونية كالتي نزلت على الرسل السابقين عليهم السلام، ونَسُوا أن الآية الكونية عمرها مَقْصور على وقت حدوثها؛ ومَنْ رآها هو مَنْ يصدقها، أو يصدقها مَنْ يُخبره بها مصدر موثوق به. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبعوث لتنظيم حركة الحياة في دنيا الناس إلى أنْ تقوم الساعة؛ ولو أنه قد جاء بآية كونية؛ لأخذتْ زمانها فقط. ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يأتي بآية معجزة باقية إلى أنْ تقومَ الساعةُ، فضلاً عن أنه صلى الله عليه وسلم قد جاءتْ له معجزات حِسيِّة؛ كتفجُّر الماء من بين أصابعه؛ وحفنة الطعام التي أشبعتْ جيشاً؛ وأظلَّتْه السحابة؛ وحَنَّ جِذْع الشجرة حنيناً إليه ليقف من فوقه خطيباً وجاءه الضَّبُّ مسلماً. كل تلك آيات كونية هي حُجَّة على مَنْ رآها، وكذلك معجزات الرُّسل السابقين، ولولا أنَّ رواها لنا القرآن لَمَا آمنَّا بها، وكانت الآيات الكونية التي جاءت مع الرسل هي مجرد إثبات لِمَنْ عاشوا في أزمان الرسل السابقين على أن هؤلاء الرسل مُبلِّغون عن الله. وقد شرح الحق سبحانه هذا الأمر بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ...} تفسير : [الإسراء: 59]. أي: أن الرسل السابقين الذين نزلوا في أقوامهم وصحبتْهم الآياتُ الكونية قابلوا أيضاً المُكذِّبين بتلك الآيات، وقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا أيضاً: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 90-92]. ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ ..} تفسير : [الأنعام: 111]. وهكذا يُبيِّن لنا الحق سبحانه أنهم غارقون في العِنَاد ولن يؤمنوا، وأن أقوالهم تلك هي مجرد حُجَج يتلكئون بها. وهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقولون: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ..} [الرعد: 27]. وهكذا نجد أنهم يعترفون أن له رباً؛ على الرغم من أنهم قد اتهموه من قبل أنه ساحر، وأنه - والعياذ بالله - كاذب، وحين فَتَر عنه الوحي قالوا: "إن ربَّ محمد قد قَلاَه". وأنزل الحق سبحانه الوحي: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 3-5]. أي: أن الوَحْي سوف يستمر، وهكذا فضح الله كَذِبهم على مَرِّ سنوات الرسالة المحمدية. وهم هنا يتعنتون في طَلبِ الآية الحِسِّية الكونية؛ وكلمة آية كما عرفنا من قبل هي: إما آية كونية تُلفِت إلى وجود الخالق. أو: آية من القرآن فيها تفصيلٌ للأحكام؛ وليستْ تلك هي الآية التي كانوا يطلبونها. أو: آية معجزة تدلُّ على صِدقْ الرسالة. وكأنَّ طلبَ الآيات إنما جاء لأنهم لم يقتنعوا بآية القرآن؛ وهذا دليل غبائهم في استقبال أدلَّة اليقين بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن جاء معجزةً، وجاء منهجاً. والمعجزة - كما أوضحنا - إنما تأتي من جنس ما نبغ فيه القوم، ولا يأتي سبحانه بمعجزة لقوم لم يُحْسِنوا شيئاً مثلها ولم ينبغُوا فيه. فالذين كانوا يمارسون السِّحْر جاءتْ المعجزة مع الرسول المرْسَل إليهم من نفس النوع، والذين كانوا يعرفون الطبَّ، جاء لهم رسول، ومعه معجزة مِمَّا نبغُوا فيه. وقد جاءت معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغُوا فيه؛ فضلاً عن أن القرآن معجزة ومنهج في آنٍ واحد، بخلاف معجزة التوقيت والتقيد في زمن. ومع ذلك، فإن كفار مكة تعنتُوا، ولم يكتفُوا بالقرآن معجزةً وآيات تدلُّهم إلى سواء السبيل؛ بل اقترحوا هم الآية حسب أهوائهم؛ ولذلك نجدهم قد ضَلُّوا. ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27]. وهنا نقف وَقْفة؛ لأن البعض يحاول أن يُسقِط عن الإنسان مسئولية التكليف؛ ويدَّعي أن الله هو الذي يمنع هداية هؤلاء الكافرين. ونقول: إننا إن استقرأنا آياتِ القرآن؛ سنجد قَوْل الحق سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]. ونجد قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [المائدة: 51]. ويقول سبحانه أيضاً: {أية : ...وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 108]. ومن كل ذلك نفهم أن العمل السابق منهم هو الذي يجعله سبحانه لا يهديهم، لأن الإنسان ما دام قد جاء له حُكْم أعلى، ويؤمن بمصدر الحكم؛ فمن أنزل هذا الحكم يُعطِي للإنسان معونة، لكن مَنْ يُكذِّب بمصدر الحُكْم الأعلى فسبحانه يتركه بلا معونة. أما مَنْ يرجع إلى الله؛ فسبحانه يهديه ويدلُّه ويعينه بكل المَدَد. ويواصل الحق ما يمنحه سبحانه من اطمئنان لمن يُنيب إليه، فيقول: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، لما نزلت هذه الآية في مشركي مكة طلبوا مثل آيات الأنبياء والملتمس ذلك هو عبد الله بن أبي أمية وأصحابه رد تعالى على مقترحي الآيات من كفار قريش ان الأمر بيد الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ومفعول يشاء محذوف تقديره من يشاء إضلاله وإليه متعلق بيهدي أي إلى طاعته. و{ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بدل من اناب واطمئنان القلوب سكونها بعد الاضطراب من خشيته وذكر تعالى ذكر مغفرته ورحمته. {ٱلَّذِينَ} بدل من الذين أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين أو مبتدأ خبره ما بعده. و{طُوبَىٰ} فعلى من الطيب قلبت ياؤه والضمة ما قبلها كما قلبت في موسى وطوبى مبتدأ خبره لهم. {وَحُسْنُ مَآبٍ} معطوف عليه وطوبى تأنيث إلا طيب وكان القياس أن يكون بالألف واللام وقد جاء نظيرها بغير ألف ولام كقولهم: شعر : في سعي دنيا طال ما قد مدت تفسير : وقول الآخر: شعر : وان دعوت إلى جلي ومكرمة يوماً إليك كرام الناس فادعينا تفسير : وتأنيث الأفعل مما عينه ياء أن يأتي على فعلى فتارة تبدل ياؤه واواً قالوا: الحوراء وتارة يقرونها ياء، قالوا: الحيرى فطوبى جاءت على أحد الوجهين. {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ} الآية، الكاف للتشبيه وذلك إشارة لإِرسال من تقدم من الرسل أي مثل إرسالهم أرسلناك ويدل على ذلك قوله فدخلت من قبلها أم أي رسل أمم ولتتلوا متعلق بأرسلناك وهم يكفرون بالرحمن جملة حالية أي أرسلناك في أمة رحمة لها مني وهم يكفرون بي أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن بالبليغ الرحمة والظاهر أن الضمير في قوله: وهم عائد على أمة المرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم أعاد على المعنى إذ لو أعاد على اللفظ لكان التركيب وهي تكفر والمعنى أرسلناك إليهم وهم يدينون دين الكفر فهدى الله تعالى بك من أراد هدايته والمعنى الاخبار بأن الأمم السالفة المرسل إليهم الرسل والأمة التي أرسلت إليها جميعهم جاءتهم الرسل وهم يدينون دين الكفر فيكون في ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمته مثل الأمم السالفة ونبه على الوصف الموجب لإِرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة الموجبة لشكر الله على إنعامه عليهم ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم والإِيمان به. {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} الآية، قال ابن عباس وغيره أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم سير جبلي مكة فقد ضيقا علينا واجعل لنا أرضاً قطعاً غراسه وأحيي لنا آباءنا وأجدادنا وفلاناً وفلاناً فنزلت معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله ولما ذكر تعالى علة إرساله وهي تلاوته ما أوحاه إليه ذكر تعظيم هذه الموحى وأنه لو كان قرآناً تسير به الجبال عن مقارها أو تقطع به الأرض حتى تتزايل قطعاً قطعاً أو تكلم به الموتى فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإِنذار والتخويف كما قال تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ}تفسير : [الحشر: 21]. الآية. فجواب لو محذوف وهو ما قدرناه ويجوز أن يكون جواب لو ما آمنوا. {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} بل هنا الانتقال أي أن الإِيمان والكفر بيد الله يخلقهما فيمن يشاء واليأس القنوط من الشىء وهو هنا في قول الأكثرين بمعنى العلم كأنه قيل أفلم يعلم الذين آمنوا قال القاسم بن معن هي لغة هوازن. وقال ابن الكلبي هي لغة حي من النخع وأنشد: شعر : والسحيم بن وثيل الرياحي أقول لهم بالشعب إذ يسرونني ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم تفسير : وان لو يشأ قبله قسم محذوف تقديره وأقسم ان لو يشاء الله وقد صرح بالقسم قبل أن ولو في قول الشاعر: شعر : وأقسم ان لو التقينا وأنتم لكان لنا يوم من الشر مظلم تفسير : وان زائدة في هذا التركيب نص على ذلك سيبويه ومفعول يشاء محذوف تقديره الهداية وجواب لو لهدى الناس. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ} من كفرهم وسوء أعمالهم. {قَارِعَةٌ} داهية تقرعهم بما يحل الله تعالى بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم أو تحل القارعة قريباً منهم فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها ويتعدى إليهم شرورها. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} وهو موتهم أو القيامة. {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تقدم الكلام عليه. {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} استفهام معناه التعجب مما حل بهم والتقرير وفي ضمنه وعيد معاصري الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفار. {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ} الآية، من موصولة صلة ما بعدها وهي مبتدأ والخبر محذوف تقديره كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع كما حذف من قوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الزمر: 22]، تقديره كالقاسي قلبه الذي هو في ظلمة ودل عليه قوله: وجعلوا لله شركاء كما دل على كالقاسي قوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الزمر: 22]، ويحسن حذف هذا الخبر كون المبتدأ يكون مقابله الخبر المحذوف وقد جاء مثبتاً كثيراً كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}تفسير : [النحل: 17] {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ}تفسير : [الرعد: 19] ثم قال: {أية : كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}تفسير : [الرعد: 19] والظاهر أن قوله: وجعلوا لله شركاء، استئناف اخبار عن سوء صنيعهم وكونهم أشركوا مع الله ما لا يصلح للألوهية نعى عليهم هذا الفعل القبيح هذا والباري تعالى محيط بأحوال النفوس جليها وخفيها ونبه على بعض حالاتها وهو الكسب ليتفكر الإِنسان فيما يكسب من خير وشر وما يترتب على الكسب من الجزاء وعبر بقائم عن الإِحاطة والمراقبة التي لا يغفل عنها ثم أمره تعالى أن يقول لهم سموهم أي اذكروهم بأسمائهم والمعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ولا يسمى إنما يذكر ويسمى من ينفع ويضر وأم في قوله: أم تنبئونه منقطعة تتقدر ببل والهمزة تقديره بل أتنبئونه والضمير في أتنبئونه عائد على الله تعالى وما في بما موصولة والعائد محذوف تقديره يعلمه والضمير في يعلم عائد على الله والمعنى اتنبئون الله لشركة الأصنام التي لا تتصف بعلم البتة وذكر نفي العلم في الأرض إذ الأرض هي مقر تلك الأصنام فإِذا انتفى علمها في المقر التي هي فيه فانتفاؤه في السماوات أحرى وعلى هذا التأويل يكون الفاعل بيعلم ضمير يعود على ما وعلى الأول ذكرنا أنه عائد على الله تعالى والمعنى على هذا استفهام التوبيخ على أنهم عندهم لا يكون علمه في السماوات ولا في الأرض بل علمه تعالى محيط بجميع الأشياء والظاهر في أم من قوله أم بظاهر أنها منقطعة أيضاً أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة أي أنكم تنطقون بتلك الأسماء وتسمونها آلهة ولا حقيقة لها إذ أنتم تعلمون أنها لا تتصف بشىء من أوصاف الإِله لقوله تعالى: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً}تفسير : [يوسف: 40] والظاهر أن قوله: أم بظاهر معطوف على قوله: بما لا يعلم والعذاب في الدنيا هو ما يصيبهم بسبب كفرهم من القتل والأسر والنهب والذلة والحروب والبلايا في أجسامهم وغير ذلك مما يمتحن به الكفار وكان عذاب الآخرة أشق على النفوس لأنه إحراق بالنار دائماً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ومن واق من ساتر يحفظهم عن العذاب ويحميهم ولما ذكر ما أعد للكفار في الآخرة ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} أي صفتها التي هي في غرابة المثل وارتفع مثل على الابتداء في مذهب سيبويه والخبر محذوف أي فيما قصصنا عليكم مثل الجنة. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير لذلك المثل وتقول مثلت الشىء إذا وصفته وقربته للفهم وليس هنا ضرب مثل فهو كقوله: {أية : وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الروم: 27]، أي الصفة العليا والأكل ما يؤكل فيها ومعنى دوامه أنه لا ينقطع أبداً كما قال: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} تفسير : [الواقعة: 33] تلك أي تلك الجنة عاقبة الذين اتقوا الشرك. {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} نزلت في مؤمني أهل الكتاب من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً أربعون بنجران واثنان وثلاثون بأرض الحبشة. {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} يعني ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب اسقفي نجران وأشياعها. {مَن يُنكرُ بَعْضَهُ} لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم غير محرف وكانوا ينكرون ما هو نعت الإِسلام ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه. {إِلَيْهِ أَدْعُو} أي إلى شرعه ودينه وإليه مرجعي عند البعث يوم القيامة أو إليه مرجعي في جميع الأحوال في الدنيا والآخرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن الذين كفروا بآيات الله يتعنتون على رسول الله، ويقترحون ويقولون: { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } وبزعمهم أنها لو جاءت لآمنوا فأجابهم الله بقوله: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } أي: طلب رضوانه، فليست الهداية والضلال بأيديهم حتى يجعلوا ذلك متوقفا على الآيات، ومع ذلك فهم كاذبون، {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون }. تفسير : ولا يلزم أن يأتي الرسول بالآية التي يعينونها ويقترحونها، بل إذا جاءهم بآية تبين ما جاء به من الحق، كفى ذلك وحصل المقصود، وكان أنفع لهم من طلبهم الآيات التي يعينونها، فإنها لو جاءتهم طبق ما اقترحوا فلم يؤمنوا بها لعاجلهم العذاب. ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين فقال: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها. { أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك. وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين والعلم، وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة وتضاد الأحكام. {أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } تفسير : وهذا إنما يعرفه من خبر كتاب الله وتدبره، وتدبر غيره من أنواع العلوم، فإنه يجد بينها وبينه فرقا عظيما. ثم قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: آمنوا بقلوبهم بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وصدقوا هذا الإيمان بالأعمال الصالحة، أعمال القلوب كمحبة الله وخشيته ورجائه، وأعمال الجوارح كالصلاة ونحوها. { طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } أي: لهم حالة طيبة ومرجع حسن. وذلك بما ينالون من رضوان الله وكرامته في الدنيا والآخرة، وأن لهم كمال الراحة وتمام الطمأنينة، ومن جملة ذلك شجرة طوبى التي في الجنة، التي يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، كما وردت بها الأحاديث الصحيحة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):