١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : [28] {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [29] {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَئَابٍ} اعلم أن قوله: {الذين آمنوا} بدل من قوله: {من أناب} قال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} تفسير : [الأنفال: 2] والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان؟ والجواب من وجوه: الأول، أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة، سكنت قلوبهم إلى ذلك، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر، لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي،وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات. الثاني: أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً من عند الله. أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم. الثالث: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا. واعلم أن لنا في قوله: {ألا بذكر تطمئن القلوب} أبحاثاً دقيقة غامضة وهي من وجوه: الوجه الأول: أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يتأثر، ومتأثر لا يؤثر، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله سبحانه وتعالى، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية، وليس له خاصية إلا القبول فقط. وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر أخرى، فهي الموجودات الروحانية، وذلك لأنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده وإذا توجهت إلى عالم الأجسام اشتقات إلى التصرف فيها، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام. وإذا عرفت هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرف فيها، أما إذا توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء الإلهية، فهناك يكون ساكناً فلهذا السبب قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. الوجه الثاني: أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة أخرى أشرف منها، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا وفوقها مرتبة أخرى في اللذة والغبطة. أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه ألبتة، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل؛ فلهذا المعنى قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. والوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمة أن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهباً باقياً على كر الدهور والأزمان، صابراً على الذوبان الحاصل بالنار، فإكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهراً باقياً صافياً نورانياً لا يقبل التغيير والتبدل، فلهذا قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. ثم قال تعالى: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير كلمة {طوبى} ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها اسم شجرة في الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» تفسير : ، وحكى أبو بكر الأصم رضي الله عنه: أن أصل هذه الشجرة في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن. والقول الثاني: وهو قول أهل اللغة إن طوبى مصدر من طاب، كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك، أصبت طيباً، ثم اختلفوا على وجوه: فقيل: فرح وقرة عين لهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما وقيل: نعم ما لهم عن عكرمة، وقيل غبطة لهم عن الضحاك. وقيل: حسنى لهم عن قتادة. وقيل: خير وكرامة عن أبي بكر الأصم، وقيل: العيش الطيب لهم عن الزجاج. واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ. والحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات ويدخل فيه جميع اللذات، وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم. والقول الثالث: أن هذه اللفظة ليست عربية، ثم اختلفوا فقال بعضهم: طوبى اسم الجنة بالحبشية، وقيل اسم الجنة بالهندية. وقيل البستان بالهندية، وهذا القول ضعيف، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: {الذين آمنوا} مبتدأ و{طوبى لهم} خبره، معنى طوبى لك أي أصبت طيباً، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك طيباً لك وطيب لك وسلاماً لك وسلام لك، والقراءة في قوله: {وحسن مآب} بالرفع والنصب تدلك على محلها، وقرأ مكوزة الأعرابي (طيب لهم). أما قوله: {وحسن مآب} فالمراد حسن المرجع والمقر وكل ذلك وعد من الله بأعظم النعيم ترغيباً في طاعته وتحذيراً عن المعصية.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بدل {من} أو خبر مبتدأ محذوف. {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} أنساً به واعتماداً عليه ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات. {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تسكن إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ } تسكن {قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ } أي وعده {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } أي قلوب المؤمنين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{والذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله}فيه أربعة أوجه: أحدها: بذكر الله بأفواههم، قاله قتادة. الثاني: بنعمة الله عليهم. الثالث: بوعد الله لهم، ذكره ابن عيسى. الرابع: بالقرآن، قاله مجاهد. {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: بطاعة الله. الثاني: بثواب الله. الثالث: بوعد الله تعالى لهم. قوله عز وجل: {والذين ءامنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب}فيه تسعة تأويلات: أحدها: أن طوبى اسم من أسماء الجنة، قاله مجاهد. الثالث: معنى طوبى لهم حسنى لهم، قاله قتادة. الرابع: معناه نِعَم مالهم، قاله عكرمة. الخامس: معناه خير لهم، قاله إبراهيم. السادس: معناه غبطة لهم، قاله الضحاك. السابع: معناه فرح لهم وقرة عين، قاله ابن عباس. الثامن: العيش الطيب لهم، قاله الزجاج. التاسع: أن طوبى فُعلى من الطيب كما قيل أفضل وفضلى، ذكره ابن عيسى. وهذه معان أكثرها متقاربة. وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كلمة حبشية، قاله ابن عباس. الثاني: كلمة هندية، قاله عبدالله بن مسعود. الثالث: عربية، قاله الجمهور.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِذِكْرِ اللَّهِ} بأفواههم، أو بنعمه عليهم، أو بوعده لهم، أو بالقرآن.
النسفي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آمنوا } هم الذين أو محله النصب بدل مِن {مِن} {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ } تسكن {بِذِكْرِ ٱللَّهِ } على الدوام أو بالقرآن أو بوعده {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } بسبب ذكره تطمئن قلوب المؤمنين {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } مبتدأ {طُوبَىٰ لَهُمْ } خبره وهو مصدر من طاب كبشرى ومعنى طوبى لك أصبت خيراً وطيباً ومحلها النصب أو الرفع كقولك طيباً لك وطيب لك وسلاماً لك وسلام لك. واللام في {لهم} للبيان مثلها في سقيا لك والواو في {طوبى} منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها كموقن والقراءة في {وَحُسْنُ مَـئَابٍ } مرجع. بالرفع والنصب تدل على محليها {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } مثل ذلك الإرسال أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات ثم فسر كيف أرسله فقال {فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء {لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك {وَهُمْ يَكْفُرُونَ } وحال هؤلاء أنهم يكفرون {بِٱلرَّحْمَـٰنِ } بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء {قُلْ هُوَ رَبّي } ورب كل شيء {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في نصرتي عليكم {وَإِلَيْهِ مَتَابِ } مرجعي فيثيبني على مصابرتكم. {متابي} و{عقابي} و{مآبي} في الحالين: يعقوب. {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } عن مقارِّها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ } حتى تتصدع وتتزايل قطعاً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ } فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف فجواب «لو» محذوف. أو معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأَرض وتكليم الموتى وتنبيهم لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ }تفسير : [الأنعام: 111] الآية {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا } بل لله القدرة على كل شيء وهو قادر على الآيات التي اقترحوها {أَفَلَمْ يَاْيْـئَسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أفلم يعلم وهي لغة قوم من النخع وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لأَن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمن ذلك، دليله قراءة علي رضي الله عنه {أفلم يتبين} وقيل إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوي السنات وهذه والله فرية ما فيها مرية {أَن لَّوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } من كفرهم وسوء أعمالهم {قَارِعَةٌ } داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ } أو تحل القارعة قريباً منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها ويتعدى إليهم شرورها {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ } أي موتهم أو القيامة أو ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله من العداوة والتكذيب قارعة لأن جيش رسول الله يغير حول مكة ويختطف منهم أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله أي فتح مكة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } أي لا خلف في موعده .
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بدل ممن أناب فإن أريد بالهداية الهدايةُ المستمرةُ فالأمر ظاهر لظهور كونِ الإيمانِ مؤدياً إليها، وإن أريد إحداثُها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرُهم إلى الإيمان كما في قوله تعالى: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمانُ لا يؤدّي إلى الهداية نفسها، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هم الذين آمنوا أو منصوب على المدح {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ} أي تستقر وتسكُن {بِذِكْرِ ٱللَّهِ} بكلامه المعجزِ الذي لا ريب فيه كقوله تعالى: { أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ} تفسير : [الأنبياء: 50] وقوله: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] ويعلمون أن لا آيةَ أعظمُ منه فيقترحوها، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لإفادة دوامِ الاطمئنان وتجدّده حسبَ تجدّدِ الآيات وتعددها {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} وحده {تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوسُ من الدنيويات، وهذا ظاهر، وأما سائرُ المعجزات فالقصرُ من حيث إنها ليست في إفادة الطُّمأنينة بالنسبة إلى من لم يشاهدْها بمثابة القرآنِ المجيدِ فإنه معجزةٌ باقية إلى يوم القيامة يشاهدها كلُّ أحد وتطمئن به القلوبُ كافة، وفيه إشعارٌ بأن الكفرةَ ليست لهم قلوبٌ تفقه وأفئدتُهم هواءٌ حيث لم يطمئنوا بذكر الله تعالى ولم يعدّوه آيةً وهو أظهرُ الآياتِ وأبهرُها، وقيل: تطمئن قلوبُهم بذكر رحمتِه ومغفرتِه بعد القلق والاضطرابِ من خشية الله كقوله تعالى: { أية : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 23] أو بذكر دلائلِه الدالةِ على وحدانيته أو بذكره جل وعلا أُنساً به وتبتلاً إليه فالمرادُ بالهداية دوامُها واستمرارُها. {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} بدلٌ من القلوب على حذف المضافِ بدلَ الكلِّ حسبما رُمز إليه أي قلوبُ الذين آمنوا، وفيه إيماءٌ إلى أن الإنسان إنما هو القلبُ، أو مبتدأٌ خبرُه الجملة الدعائيةُ على التأويل أعني قوله: {طُوبَىٰ لَهُمْ} أو خبرُ مبتدإٍ مضمر، أو نُصب على المدح فطوبى لهم حالٌ عاملُها الفعلان وطوبى مصدرٌ من طاب كبُشرى وزُلفى، والواوُ منقلبةٌ من الياء كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابـي طِيبىٰ لتسلم الياء، والمعنى أصابوا خيراً ومحلُّها النصبُ كسلاماً لك أو الرفعُ على الابتداء وإن كانت نكرةً لكونها في معنى الدعاء كسلامٌ عليك، يدل على ذلك القراءة في قوله تعالى: {وَحُسْنُ مَـئَابٍ} بالنصب والرفع واللامُ في لهم للبـيان مثلها في سُقياً لك. {كَذٰلِكَ} مثلَ ذلك الإرسالِ العظيمِ الشأن المصحوبِ بهذه المعجزة الباهرة {أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ} أي مضت {مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ} كثيرة قد أُرسل إليهم رسل {لّتَتْلُوَ} لتقرأ {عَلَيْهِمُ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من الكتاب العظيمِ الشأن وتهديَهم إلى الحق رحمةً لهم، وتقديمُ المجرور على المنصوب من قبـيل الإبهام ثم البـيان كما في قوله تعالى: { أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} تفسير : [الشرح: 2] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرِدُ وحسنِ قولها عند ورودِه عليها {وَهُمْ} أي والحالة أنهم {يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} بالبليغ الرحمةِ الذي وسعت كلَّ شيء رحمتُه وأحاطت به نعمتُه. والعدول إلى المُظهر المتعرِّض لوصف الرحمةِ من حيث أن الإرسالَ ناشىءٌ منها كما قال تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] فلم يقدِروا قدرَه ولم يشكروا نِعمَه لا سيما ما أنعم به عليهم بإرسال مثلِك إليهم وأنزل القرآنَ الذي هو مدارُ المنافع الدينية والدنيويةِ عليهم، وقيل: نزلت في مشركي مكةَ حين أُمروا بالسجود فقالوا: وما الرحمٰن؟ {قُلْ هُوَ} أي الرحمٰن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته {رَبّى} الربُّ في الأصل بمعنى التربـية وهي تبليغُ الشيء إلى كمالِه شيئاً فشيئاً ثم وُصف به مبالغةً كالصوم والعدْل، وقيل: هو نعت، أي خالقي ومبلّغي إلى مراتب الكمالِ، وإيرادُه قبل قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا مستحقَّ للعبادة سواه تنبـيهٌ على أن استحقاقَ العباد منوطٌ بالربوبـية، وقيل: « حديث : إن أبا جهل سمع النبـي عليه الصلاة والسلام يقول: "يا ألله يا رحمٰنُ" فرجع إلى المشركين فقال: إن محمداً يدعو إلٰهيْن فنزلت«تفسير : ، ونزل قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} الآية {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم لا على أحد سواه {وَإِلَيْهِ} خاصة {مَتَابِ} أي توبتي كقوله تعالى: { أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} تفسير : [محمد: 19, غافر: 55] أُمر عليه السلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى وأنها صفةُ الأنبـياء وبعثاً للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجهٍ وألطفه فإنه عليه السلام حيث أُمر بها وهو منزّهٌ عن شائبة اقترافِ ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتُهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلاً وقد فُسّر المتابُ بمطلق الرجوعِ، فقيل: مرجعي ومرجعُكم وزِيد: فيحكُم بـيني وبـينكم، وقد قيل: فيثيبُني على مصابرتكم فتأمل.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}[28] قال: الذكر من العلم السكون، والذكر من العقل الطمأنينة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: إذا كان العبد في طاعة الله فهو الذاكر، فإذا خطر بباله شيء فهو القاطع، وإذا كان في فعل نفسه فحضر بقلبه ما يدله على الذكر والطاعة فهو موضع العقل. ثم قال: كل من ادعى الذكر فهو على وجهين: قوم لم يفارقهم خوف الله عزَّ وجلَّ، مع ما وجدوا في قلوبهم من الحب والنشاط، فهم على حقيقة من الذكر، وهم لله والآخرة والعلم والسنة. وقوم ادعوا النشاط والفرح والسرور في جميع الأحوال، فهم للعدو والدنيا والجهل والبدعة، وهم شر الخلق.
السلمي
تفسير : قيل فى هذه الآية: القلوب على أربعة أنحاء: قلوب العامة، اطمأنت بذكر الله وتسبيحه وحمده والثناء عليه لرؤية النعمة والعافية، وقلوب الخاصة، اطمأنت بذكر الله وتسبيحه وذلك فى أخلاقهم، وتوكلهم، وشكرهم، وصبرهم فسكنوا إليه، وقلوب العلماء، اطمأنت بالصفات والأسامى والنعوت، فهم يلاحظون ما يظهر بها ومنها على الدهور، وأما الموحدون كالغرقى لا تطمئن قلوبهم بحال وكيف يطمئن بذكر من جهلوه، أم كيف يطمئن بذكر من لم يؤمنهم بل خوفهم وحذرهم. قال إبراهيم الخواص: تفرَّق الناس فى الحالتين، فمن دامت حركته وسعيه، كان موصوفًا بنفسه لغلبات شواهد نفسه عليه، لقوله: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. ومن دام سكونه كان موصوفًا بالحق لغلبات شواهد الحق فى سكينته لقوله: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الآية: 28]. قال الحسين: من ذكره الحق بخير فى أزله، اطمئن إليه فى أبده. قال النهرجورى: قلوب الأولياء مواضع المطامع فهى لا تتحرك، ولا تنزعج بل تطمئن خوفًا من أن يرد عليه مفاجأة مطالعه، فيجده مترسمًا بسوء الأدب. قال الواسطى: هم فيها على أربعة ضروب، فالأول للعامة، لأنها إذا ذكرته ودعته اطمأنت إلى ذكرها، فحظها منه الإجابة للدعوات، والثانية أطاعته وصدقته ورضيت عنه فهم مربوطون فى أماكن الزيادات قد اطمأنت قلوبهم إلى ذلك فكانوا ممزوجى الملاحظة بشواهدهم، ومفسدى الطبائع برؤية طاعاتهم، والثالثة أهل الخصوص الذين عرفوا الأسماء والصفات، وعرفوا ما خاطبهم الله تعالى به فاطمأنت قلوبهم بذكره لها، لا بذكرهم له وبرضاه عنها، لا برضاهم عنه. والرابعة: خصوص الخصوص وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته فأدرج لهم الصفات فى الذات وأراهم إنه إنما تعرف إلى الحق بإقرارهم وعلمهم أخطارهم فعلموا أن سرائرهم لا تقدر أن تسكن إليه، ولا يطمئن به. ومن كانت الأشياء فى سره كذلك، إذا ما يسكن ويطمئن فلا تجد قلبه، الطمأنينة لقدر المطمئن إليه كلما عادت الزيادة عليه رآها حجابًا لا يستقطع بالبر والنعم لأنها حجاب مستور وهباء ونثور، فإن عزمت على الدخول فى هذا المقام فاحتسب نفسك وأعظم الله أجرك.
القشيري
تفسير : قومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكرهم الله، وفي الذكر وَجَدُوا سَلْوَتَهم، وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم. وقومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكر الله فَذَكَرَهُمْ الله - سبحانه - بلطفه، وأَثْبَت الطمأنينةَ في قلوبهم على وجه التخصيص لهم. ويقال إذا ذكروا أَنَّ الله ذَكَرَهم استروحت قلوبُهم، واستبشرت أرواحُهم، واستأنست أسرارُهم، قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} لِمَا نالت بِذِكْرِهِ من الحياة، وإذا كان العبدُ لا يطمئن قلبُه بذكر الله، فذلك لِخَلَلٍ في قلبه، فليس قلبه بين القلوب الصحيحة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين آمنوا} بدل ممن اناب او خبر مبتدأ محذوف اى هم الذين آمنوا {وتطمئن قلوبهم} [وآرام مى يابددلهاى ايشان] {بذكر الله} اذا سمعوا ذكره الله احبوه واستأنسوا به ودل فى الذكر القرآن فالمؤمنون يستأنسون بالقرآن وذكر الله الذى هو الاسم الاعظم ويحبون استماعها والكفار يفرحون بالدنيا ويستبشرون بذكر غير الله كما قال تعالى {أية : واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون} تفسير : {ألا} [بدانيدكه] {بذكر الله تطمئن القلوب} قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها فقلوب العوام تطمئن بالتسبيح والثناء وقلوب الخواص بحقائق الاسماء الحسنى وقلوب الاخص بمشاهدة الله تعالى. وفى التأويلات النجمية {أية : ويقول الذين كفروا} تفسير : اى ستروا الحق بالباطل {أية : لولا انزل عليه} تفسير : على من يدعو الخلق الى الحق {أية : آية من ربه} تفسير : ظاهرة من المعجزات والكرامات كما نزل على بعضهم ليستدلوا بها على صدق دعواهم {أية : قل ان الله يضل من يشاء} تفسير : ان يضله فى الازل بعين الآية ليراها سحرا ويحسبها باطلا ويرشد الى حضرة جلالة من يرجع اليه طالبا مشتاقا الى جماله. وفيه اشارة الى ان الطالب الصادق فى الطلب هو من اهل الهداية فى الهداية وليس ممن يشاء الله ضلالته فى الازل وهم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله لا بذكر غيره يعنى اهل الهداية هم الذين آمنوا. واعلم ان القلوب اربعة. قلب قاس وهو قلب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها كقوله تعالى {أية : رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها}تفسير : . وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله تعالى {أية : فنسى ولم نجد له عزما} تفسير : فاطمئنانه بذكر الله كقوله تعالى {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله}تفسير : . وقلب وحدانى وهو قلب الانبياء وخواص الاولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقوله تعالى لخليله عليه السلام فى جواب قوله {أية : كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى} تفسير : باراءتك اياى كيفية احياء الموتى اذا تتجلى لقلبى بصفة محييك فاكون بك محيى الموتى ولهذا اذا تجلى الله لقلب العبد يطمئن به فينعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه الى نفسه فتصير النفس مطمئنة به ايضا فتستحق لجذبات العناية وهى خطاب ارجعى الى ربك فافهم جدا انتهى. قال فى نفائس المجالس الذكر صيقل القلوب وسبب سرور المحبوب فمن ذكر الله فالله يذكره كما قال تعالى {أية : فاذكرونى اذكركم} تفسير : فالمحجوبون تطمئن قلوبهم بذكرهم له تعالى واما الواصلون فاطمئنان قلوبهم بذكره تعالى حديث : - روى - ان النبى عليه السلام بعث بعثا قبل نجد فغنموا ورجعوا فقال ما رأينا بعثا افضل غنيمة واسرع رجعة من هذا البعث فقال عليه السلام "الا ادلكم على قوم افضل غنيمة واسرع رجعة قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس" تفسير : قال ابوسعيد حديث : خرج رسول الله يوما على حلقة من اصحابه فقال "ما اجلسكم" فقالوا جلسنا نذكره الله ونحمده على ما هدانا للاسلام قال "آلله ما اجلسكم الا ذلك" (قوله آلله بالجر والمد على القسم اى بالله ما اجلسكم) قالوا بالله ما اجلسنا الا ذاك. قال "اما انى لم استحلفكم تهمة ولكن اتانى جبرائيل فاخبرنى ان الله يباهى بكم الملائكة " تفسير : فان قلت ما تقول فيما روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه سمع قوما اجتمعوافى المسجد يهللون ويصلون على النبى عليه السلام برفع الصوت جهرا فراح اليهم وقال لهم ما عهدنا هذا على عهد رسول الله وما اراكم الا مبتدعين فما زال يكرر ذلك حتى اخرجهم من المسجد. قلت اجاب عنه صاحب الرسالة التحقيقية فى طريق الصوفية الشيخ سنبل الخلوتى قدس سره بانه كذب وافتراء على ابن مسعود لمخالفته النصوص القرآنية والاحاديث النبوية وافعال الملائكة قال الله تعالى {أية : ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها اولئك ما كان لهم ان يدخلوها الا خائفين} تفسير : ولو سلمنا صحة وقوعه فهو لا يعارض الادلة المذكورة لانه اثر والاثر لا يعارض الحديث كما لا يخفى وبطلان الادلة يدل على بطلان المدلولات وفى الحديث "حديث : علامة حب الله حب ذكر الله وعلامة بغض الله بغض ذكرالله " تفسير : واعلم ان نور الذكر قدره على قدر حال الذاكر وذلك بالفناء فى الله والذاكرون على اربعة اصناف. الصنف الاول اهل الخلوة ووظيفتهم فى اليوم والليلة من الذكر الخفى القوى بالنفى والاثبات والحركة الشديدة سبعون الف لا اله الا الله وهؤلاء مشتغلون بالحق لا بغيره. الصنف الثانى اهل العزلة ووظيفتهم من الذكر الخفى فى اليوم والليلة ثلاثون الف لا إله الا الله وهؤلاء مشتغلون تارة بالحق وتارة بانفسهم. الصنف الثالث اصحاب الاوقات وهؤلاء وظيفتهم من الذكر جهرا وخفية اثنا عشر الفا وهؤلاء مشغولون بالحق مرة وبمصالح انفسهم مرة وبالخلق اخرى. الصنف الرابع اصحاب الخدمة وهؤلاء وظيفتهم ذكر الجهر على كل حال من الاحوال ليلا ونهار بعد المداومة على الوضوء. قال بعض الاكابر من قال فى الثلث الاخير من ليلة الثلاثاء لا اله الا الله الف مرة بجمع همه وحضور قلب وأرسلها الى ظالم عجل الله دماره وخرب دياره وسلط عليه الآفات وأهلكه بالعاهات. قال الشيخ ابو العباس احمد البونى قدس الله روحه من قال الف مرة لا اله الا الله وهو على طهارة فى كل صبيحة يسر الله عليه اسباب الرزق من نسبته وكذلك من قالها عند منامه العدد المذكور باتت روحه تحت العرش تتغذى العالم حسب قواها: قال المولى الجانى قدس سره شعر : دلت آيينة خداى نماست روى آيينه توتيره جراست صيقلى وار صيقلى ميزن باشد آيينه ات شود روشن صقل آن اكرنه آكاه بيست جز لا اله الا الله تفسير : ومن شرط الذكر ان يأخذه الذاكر بالتلقين من اهل الذكر كما اخذه الصحابة بالتلقين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقن الصحابة التابعين والتابعون المشايخ شيخا بعد شيخ الى عصرنا هذا والى ان نقوم القيامة كذا فى ترويح القلوب بلطائف الغيوب للشيخ عبد الرحمن البسطامى قدس سره الخطير
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الموصول: بدل ممن أناب، أو خبر عن مضمر، أي: هم. والموصول الثاني بدل ثانٍ، أو مبتدأ، وجملة (طوبى): خبر، وهي فُعْلى، من الطيب، كبشرى من البشارة، قلبت ياؤها واواً؛ لضم ما قبلها، ومعناها: أصبت خيراً وطيباً. وقيل: شجرة في الجنة. وسوغ الابتداء بها: ما فيها من معنى الدعاء. يقول الحق جل جلاله: في وصف من سبقت له الهداية واتصفت بالإنابة: هم {الذين آمنوا} بالله وبرسوله إيماناً تمكَّن من قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسُهم؛ فإذا حركتهم الخواطر والهواجم، أو فتن الزمان وأهواله {تطمئن قلوبُهم بذِكرِ اللهِ}، وترتاح بذكر الله؛ أُنساً به، واعتماداً عليه ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر آلائه، ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته، أو بكلامه القرآن، الذي هو أقوى المعجزات. قاله البيضاوي. وقال في القوت: معنى تطمئن بذكر الله: تهش وتستأنس به. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرَّحمن الفاسي بعد كلام: والحاصل أن المراد من الطمأنينة: السكون إلى المذكور، والأنس به. ووجود الرَّوْحِ والفرح والانشراح، والغنى به. هـ. قال تعالى: {ألا بذِكْرِ الله تطمئن القلوبُ} لا بغيره، فلا تسكن إلا إليه، ولا تعتمد إلا عليه؛ فإن سكنت إلى غيره ذهب نورها، وعظم قلقها. {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طُوبَى لهم} أي: لهم عيش طيب وحياة طيبة. أو الجنة، أو شجرة فيها، {وحُسنُ مآبٍ} أي: مرجع يرجعون إليه بعد الموت. الإشارة: الطمأنينة على قسمين: طمأنينة إيمان وطمأنينة شهود وعيان. قوم اطمأنوا إلى غائب موجود، وقوم إلى آخر مشهود. قوم اطمأنوا بوجود الله من طريق الإيمان على نعت الدليل والبرهان، وقوم اطمأنوا بشهود الله من طريق العيان على نعت الذوق والوجدان. وهذه ثمرة الإكثار من ذكر الله. قال الشيخ الشاذلي رضي الله عنه: حقيقة الذكر: ما اطمأن بمعناه القلب، وتجلّى في حقائق سحاب أنوار سمائه الرب. هـ. وقال الورتجبي: إنْ كان الإيمان من حيث الاعتقاد، فطمأنينة القلب بالذكر، وإن كان من حيث المشاهدة فطمأنينة القلوب بالله وكشف وجوده. هـ. فطمأنينة الإيمان لأهل التفكر والاعتبار من عامة أهل اليمين. وطمأنينة العيان لأهل الشهود والاستبصار من خاصة المقربين. أهل الأولى يستدلون بالأشياء على الله، وأهل الثانية يستدلون بالله على الأشياء؛ فلا يرون إلا مظهر الأشياء. وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه؛ المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بَعُدَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟!. كما في الحِكَم. وقال في المناجاة: "إلهي كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غِبْتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: "كيف يُعرف بالمعارف من به عُرفت المعارف؟! أم كيف يُعرف بشيء مَنْ سَبَقَ وجودُه كلَّ شيء؟ أي: وظهر بكل شيء". وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : عَجِبْتُ لِمَنْ يَبْغِي عَلَيْكَ شَهَادَةً وَأَنْتَ الَّذي أَشْهَدْتَهُ كُلَّ شَاهِدِ تفسير : وقال آخر: شعر : لَقَدْ ظَهَرْتُ فَمَا تَخْفَى على أَحَدٍ إِلاَّ عَلى أَكْمَهٍ لا يُبْصِرُ القَمَرَا لَكِنْ بَطنْتَ بِما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِبِاً وكَيْفَ يُبْصِرُ مَنْ بالْعِزَّةِ اسْتَتَرَا تفسير : وأهل طمأنينة الإيمان على قسمين؛ باعتبار القرب والبُعد: فمنهم من يطمئن بوجود الحق على نعت القرب والأنس، وهم أهل المراقبة من الزهاد والصالحين، والعلماء العابدين المجتهدين، وهم متفاوتون في القرب على قدر تفرغهم من الشواغل والعلائق، وعلى قدر التخلية والتحلية. ومنهم من يطمئن إليه على نعت البعد من قلبه، وهم أهل الشواغل والشواغب، و العلائق والعوائق. وعلامة القرب: وجود حلاوة المعاملة، كلذيذ المناجاة، والأنس به في الخلوات، ووجود حلاوة القرآن والتدبر في معانيه، حتى لا يشبع منه من كل أوان. وعلامة البعد: فقد الحلاوة المذكورة، وعدم الأنس به في الخلوة، وفقد الحلاوة القرآن، ولو كان من أعظم علماء اللسان. وأهل طمأنينة الشهود على قسمين أيضاً: فمنهم من تشرق عليه أنوار، وتحيط به الأسرار، فيغرق في الأنوار وتطمس عنه الآثار، فيكسر ويغيب عن الأثر في شهود المؤثر، ويسمى عندهم هذا المقام: مقام الفناء. ومنهم من يصحو من سكرته، ويفيق من صعقته، فيشهد المؤثر، لا يحجبه جمعه عن فرقه، ولا فرقة عن جمعه، ولا يضره فناؤه عن بقائه، ولا بقاؤه، عن فنائه، يعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل ذي قسط قسطه، وهو مقام البقاء، ولا يصح وجوده إلا بعد وجود ما قبله، فلا بقاء إلا بعد الفناء، ولا صحو إلا بعد السكْر. ومن ترامى على هذا المقام ـ أعني مقام البقاء ـ من غير تحقيق مقام السكر والفناء فهو لم يبرح عن مقام أهل الحجاب. واعلمْ أن طمأنينة الإيمان تزيد وتنقص، وطمأنينة العيان، إن حصلت، تزيد ولا تنقص. فمواد أسباب زيادة طمأنينة الإيمان أشياء متعددة، فمنهم من تزيد طمأنينته بالتفكر والاعتبار. إما في عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات، فيطمئن إلى صانعٍ عظيم القدرة باهر الحكمة. وإما بالنظر في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وباهر علمه، وعجائب حكمه وأسراره، وإخباره بالأمور الغيبية السابقة والآتية، مع كونه نبياً أمّياً. فإذا تحقق معرفة الرسول فقد تحقق بمعرفة الله، واطمأن به؛ لأنه الواسطة العظمى، بين الله وبين عباده. ومنهم من تزيد طمأنينته بموالاة الطاعات وتكثير القربات، كالذكر وغيره. ومنهم من تزيد طمأنينته بزيادة الأولياء أحياء أو ميتين. ومادة الأحياء أكثر، ونور طمأنينتهم أبهر، لا سيما العارفين، وفي الأثر: تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين. وأما طمأنيته أهل الشهود: فزيادتها باعتبار زيادة الكشف وحلاوة الشهود، والترقي في العلوم والأسرار، والاتساع في المقامات إلى ما لا نهاية له، في هذه الدار الفانية وفي الدار الباقية، ففي كل نَفَس يُجدد لهم كشوفات وترقيات ومواهب وتُحف، على قدر توجههم وتحققهم. حققنا الله بمقامهم، وأتحفنا بما أتحفهم. آمين ولا بد في تحصيل طمأنينة الشهود من صُحبة شيخ عارف طبيبٍ ماهر، يقدح عين البصيرة حتى تنفتح؛ فما حجب الناس عن شهود الحق إلا طمسُ البصيرة؛ فإذا اتصل بشيخٍ عارفٍ كحل عين بصيرته أولاً بإثمد على اليقين، فيدرك شعاع نور الحق قريباً منه، ثم يكحل عينه ثانياً بإثمد عين اليقين، فيدرك عدمه لوجود الحق، أي: يغيب عن حسه بشهود معناه القائم به. ثم يكحل عينه بإثمد حق اليقين، فيدرك وجود الحق ـ بلا واسطة قدرة وحكمة، معنى وحساً، لا يتحجب بأحدهما عن الآخر. وإلى هذا أشار في الحِكَم بقوله: "شعاع البصيرةُ يُشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يُشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يُشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. وكان شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه. وأهل طمأنينة الشهودهم خاصة ورثة الرسول عليه الصلاة والسلام
الطوسي
تفسير : موضع {الذين} نصب، لأنه من صفة من أناب، وتقديره ويهدي الله الذين أنابوا الى الله {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} والايمان - ها هنا - هو الاعتراف بتوحيد الله على جميع صفاته، والاقرار بنبوة نبيه، وقبول ما جاء به من عند الله، والعمل بما أوجبه عليهم، وفي اللغة: الايمان هو التصديق. وقوله {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} أي تسكن قلوبهم وتأنس الى ذكر الله الذي معه ايمان به، لما في ذلك من ذكر نعمه التي لا تحصى وآياديه التي لا تجازى، مع عظيم سلطانه وبسط إحسانه. والذكر حضور المعنى للنفس، وقد يسمى العلم ذكراً، والقول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس يسمى ذكراً. ووصف الله تعالى - ها هنا - المؤمن بأنه يطمئن قلبه الى ذكر الله، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه، لان المراد بالاول انه يذكر ثوابه وانعامه، فيسكن اليه، والثاني يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويجل قلبه. وقوله {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} إخبار منه تعالى ان بذكر الله تسكن القلوب وتستأنس وتطمئن الى ما وعد الله به من الثواب والنعيم، ومن لم يكن مؤمناً عارفاً لا يسكن قلبه الى ذلك.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بدل ممّن اناب او استيناف كلام مبتدء، وطوبى لهم خبره، او خبر مبتدء محذوف {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بدل منه، او الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات مبتدء ثانٍ او مبتدء اوّل والمراد بالايمان الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}. اعلم، انّ الانسان بعد ما آمن ودخل ما به حصول للايمان من الذّكر الّذى يلقّنه الولىّ فى قلبه يحصل له اطمئنان فى الجملة بالنّسبة الى حال طلبه واشتداد لوعته فيصدق عليه انّه اطمئنّ بذكر الله الّذى اخذه من ولّى امره، لكن لا يحصل له اطمئنان تامّ الاّ بالوصول الى ملكوت الامام والقرار معه فاذا وصل الى ملكوت الامام واستقرّ معه اطمأنّ من غير شوب اضطراب وهيجان، وملكوت الامام ذكر الله الحقيقىّ فالمعنى الّذين آمنوا واخذوا ذكراً ممّن آمنوا بواسطته وتطمئنّ قلوبهم بصورة ذلك الذّكر او بحقيقته الّتى هى ملكوت الشّيخ، ولذا فسّر الّذين آمنوا بالشّيعة الّذين بايعوا بيعة خاصّة ولويّة وذكر الله بامير المؤمنين (ع) والائمّة (ع) وفسّر ذكر الله بمحمّد (ص) {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} معترضة لتأكيد هذا.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدّثنا [ر: ثني] محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام [في. ر] قوله [تعالى. ر]: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [قال:] حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر]: تدري فيمن نزلت؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فيمن صدق لي وآمن بي وأحبك وعترتك من بعدك وسلم الأمر لك [ر: لك الأمر] وللأئمة من بعدك .
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم} أي: تسكن قلوبهم { بِذِكْرِ اللهِ} قال الحسن: بوعد الله الذي وعدهم من الجنة. قال: { أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ} أي: بوعد الله { تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} كقوله: (أية : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي) تفسير : [الفجر:27-30]. وقال بعضهم: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} أي: هشّت قلوبهم إلى ذكر الله فاستأنست به. قوله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: طوبى شَجرة في الجنة. وقال بعضهم: طوبى: الجنة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : طوبى شجرة في الجنة لو سار الراكب المجِدّ في ظلها مائة عام ما خرج من ظلها تفسير : [وقال بعضهم]:ولو أن غراباً طار من أصلها لم يبلغ فرعها حتى يبيض شيباً. ولو أن أمة من الأمم كانت تحت ورقة من ورقها لأظلتهم. ذكروا عن بعضهم قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير في ظلها الراكب مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وبطحاؤها الياقوت، وكثبانها عنبر، وترابها كافور، من أصلها تنبع أنهار الجنة: الماء والخمر والعسل واللبن. وهي مجلس من مجالس أهل الجنة ومُحَدَّثهم. وقال بعضهم: طوبى شجرة في الجنة، أصلها في دار محمد صلى الله عليه وسلم، وليس في الجنة دار ولا غرفة إلا وغصن منها في تلك الدار. قوله: {وَحُسْنُ مَئَابٍ} أي: وحسن مرجع. أي: صاروا إلى الجنة ونعيمها مثل قوله: (أية : وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَئَابِ) تفسير : [آل عمران:14]. وقال مجاهد": وحسن مآب، أي: الجنة.
اطفيش
تفسير : {الذِينَ} بدل من أو بيان أو خبر لمحذوف، أى هو الذين أو مفعول لمحذوف أى أمدح الذين {آمنُوا} بالله ورسوله {وتَطْمئنُّ} تسكن {قُلُوبهم} والعطف على آمنوا ولو اختلفا ماضيا ومضارعا، لأن الإيمان بالله ورسوله يقع دفعة، واطمئنان القلب بالذكر يقع مرة بعد أخرى، كلما ذكروه اطمأنوا، فالمضارع للاستمرار والحال، وما كان فيه طرف من المضى، فحصلت المناسبة، أو هو بمعنى الماضى، أو العطف على يهدى عطف قصة على أخرى، مع أن فى كليتهما ذكر الله، ففى الأولى بالإضمار، وفى الثانية بالإضهار كما قال: {بذِكْر اللّهِ} أنسا به، واعتمادا عليه، وحبا له، ورجاء منه، وذلك بجودة اليقين والاضطراب يكون بالشك، أو تطمئن قلوبهم بذكر الله ومغفرته بعد القلق من خشيته، أو بذكر ما يدل على وجوده ووحدانيته، وقال الحسن: بوعده بالجنة، وقال مقاتل: بكلامه وهو القرآن الذى هو أقوى معجزة. {ألا بذِكْر اللّهِ} هو كما ذكرنا آنفا فى أوجهه {تطْمئنُّ القُلُوب} قلوب المؤمنين، وقال ابن عباس: هذا الأخير فى الحلف إذا حلف لهم بالله سكن قلوبهم على المحلوف عليه، والصحيح ما مرَّ، وأظن أن هذا غير صحيح عنه، وإن قلت: وصفوا فى الآى الأخر بالوصل، وفى هذه بالاطمئنان؟ قلت: الوجل على ذنوبهم، ولعظمة الرب، والاطمئنان بما تقدم من الأنس بالله تعالى ونحو ذلك.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} بدل مطابق لمن، أَو بيان، أَو هم الذين، أَو أَمدح، أَو أَعنى الذين، أَو مبتداٌ خبره الذين، أَو خبره طوبى لهم والذين بدله {امَنُوا وَتَطْمَئِنُّ} تثق وتسكن {قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} استئْناسا به وبوعده ورجائِه، أَو بذكر القرآن، فيكون تعريضاً بأَن دلائِل وجوده ووحدانيته، أَو الذكر القرآن، فيكون تعريضاً بأَن الكفار لم يعبأُوا به، وطلبوا معجزة غيره مع أَنه المعجزة التى يسكن إليها ولا يبقى معها ريب" أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله"تفسير : [الأنفال: 2] الآية، ثم تلين قلوبهم، والمضارع للاستمرار فإن اطمئنانهم يتجدد بحسب التذكر ونزول الآيات {أَلا بِذِكْرِ اللهِ} لا بغيره من أُمور الدنيا، وإن أُريد بالذكر القرآن فالحصر بالنسبة إلى من لم يشاهد سائِر المعجزات لأَنه معجزة باقية {تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} قلوب المتعظين.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بدل من {أية : مَنْ أَنَابَ } تفسير : [الرعد: 27] بدل كل من كل فإن أريد بالهداية الهداية المستمرة فالأمر ظاهر لظهور كون الإيمان مؤدياً إليها، وإن أريد إحداثها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرهم إلى الإيمان كما قالوا في {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمان لا يؤدي إلى الهداية نفسها، ويجوز أن يكون عطف بيان على ذلك أو منصوباً على المدح أو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ } أي تستقر وتسكن {بِذِكْرِ ٱللَّهِ } أي بكلامه المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو المروي عن مقاتل، وإطلاق الذكر على ذلك شائع في الذكر، ومنه قوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } تفسير : [الأنبياء: 50] و {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] وسبب اطمئنان قلوبهم بذلك علمهم أن لا آية أعظم ومن ذلك لا يقترحون الآيات التي يقترحها غيرهم، والعدول إلى صيغة المضارع لإفادة دوام الاطمئنان وتجدده حسب تجدد المنزل من الذكر {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ } وحده {تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } لله دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات، وإذا أريد سائر المعجزات فالقصر من حيث أنها ليست في إفادة الطمأنينة بالنسبة إلى من لم يشاهدها بمثابة القرآن المجيد فإنه معجزة باقية إلى يوم القيامة يشاهدها كل أحد وتطمئن به القلوب كافة؛ وفيه إشعار بأن الكفرة لا قلوب لهم وأفئدتهم هواء حيث لم يطمئنوا به ولم يعدوه آية وهو أظهر الآيات وأبهرها، وقيل: في الكلام مضاف مقدر أي لتطمئن قلوبهم بذكر رحمته تعالى ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته تعالى كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 23] وهذا مناسب على ما في «الكشف» للإنابة إليه تعالى، والمصدر عليه مضاف إلى الفاعل؛ وقيل: المراد بذكر الله دلائله سبحانه الدالة على وحدانيته عز وجل والاطمئنان عن قلق الشك والتردد، وهذا مناسب لذكر الكفر ووقوعه في مقابلته، وقيل: المراد بذكره تعالى أنساً به وتبتلاً إليه سبحانه فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها. قيل: وهذا مناسب أيضاً حديث الكفر لأن الكفرة إذا ذكر الله تعالى وحده اشمأزت قلوبهم، والمصدر على القولين مضاف إلى المفعول. والوجه الأول أشد ملاءمة للنظم لا سيما لقوله تعالى: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الرعد: 27] والمصدر فيه بمعنى المفعول. ومن الغريب ما نقل في تفسير الخازن أن هذا في الحلف بالله تعالىوذلك أن المؤمن إذا حلف له بالله تعالى سكن قلبه، وروى نحو ذلك أبو الشيخ عن السدي فإن الحمل عليه هنا مما لا يناسب المقام، وأما ما روي عن أنس من «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين نزلت هذه الآية: هل تدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أصحابـي»تفسير : . ومثله ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه عليه الصلاة والسلام قال حين نزلت: «حديث : ذاك من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أهل بيتي صادقاً غير كاذب/ وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً»تفسير : فليس المراد منه تفسير المراد بذكر الله بل بيان أن الموصوفين بما ذكر من أحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الخ، وهو كذلك إذ لا يكاد يتحقق الانفكاك بين هاتيك الصفات فليتأمل، ولا تنافي بين هذه الآية على سائر الأوجه وقوله تعالى: {أية : إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الأنفال: 2] لأن المراد هناك وجلت من هيبته تعالى واستعظامه جلت عظمته. وذكر الإمام في بيان اطمئنان القلب بذكره تعالى وجوهاً فقال: ((إن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يتأثر ومتأثر لا يؤثر وموجود يؤثر ويتأثر فالأول: هو الله تعالى والثاني: هو الجسم فإنه ليس له خاصية إلا القبول للآثار المتنافية والصفات المختلفة. والثالث: الموجودات الروحانية فإنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عليها منها وإذا توجهت إلى أعلام الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام فإذا عرف هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليه والتصرف فيه وإذا توجه إلى مطالعة الحضرة الإلهية وحصلت فيه الأنوار الصمدية فهناك يكون ساكناً مطمئناً، وأيضاً أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى أمر آخر أشرف منه لأنه لا سعادة في عالم الجسم إلا وفوقها مرتبة أخرى أما إذا انتهى إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأنوار القدسية ثبت واستقر فلم يقدر على الانتقال من ذلك البتة لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منه وأكمل، وأيضاً إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهباً باقياً على ممر الدهور صابراً على الذوبان الحاصل بالنار فإكسير نور الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهراً باقياً صافياً نورانياً لا يقبل التغير والتبدل، ولهذه الأوجه قال سبحانه: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } اهـ، والأولى أن يقال: إن سبب الطمأنينة نور يفيضه الله تعالى عن قلب المؤمنين بسبب ذكره فيذهب ما فيها من القلق والوحشة ونحو ذلك، وللمناقشة فيما ذكره مجال وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة ما يشبه ذلك.
ابن عاشور
تفسير : استئناف اعتراضي مناسبتهُ المُضادةُ لحال الذين أضلهم الله، والبيانُ لحال الذين هداهم مع التنبيه على أن مثال الذين ضلوا هو عدم اطمئنان قلوبهم لذكر الله، وهو القرآن، لأن قولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه} يتضمن أنهم لم يعدوا القرآن آية من الله، ثم التصريح بجنس عاقبة هؤلاء، والتعريض بضد ذلك لأولئك، فذكرها عقب الجملة السابقة يفيد الغرضين ويشير إلى السببين. ولذلك لم يجعل {الذين آمنوا} بدلاً من { أية : من أناب } تفسير : [الرعد: 27] لأنه لو كان كذلك لم تعطف على الصلة جملة {وتطمئن قلوبهم} ولا عطف {وعملوا الصالحات} على الصلة الثانية. فـــ {الذين آمنوا} الأول مبتدأ، وجملة {ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب} معترضة و{الذين آمنوا} الثاني بدل مطابق من {الذين آمنوا} الأول، وجملة {طوبى لهم} خبر المبدأ. والاطمئنان: السكون، واستعير هنا لليقين وعدم الشك، لأن الشك يستعار له الاضطراب. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ولكن ليطمئن قلبي } تفسير : في سورة البقرة (260). و(ذكر الله) يجوز أن يراد به خشية الله ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه. ويجوز أن يراد به القرآن قال: { أية : وإنه لذكر لك ولقومك } تفسير : [سورة الزخرف: 44]، وهو المناسب قولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه}. وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى في سورة الزمر: { أية : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } تفسير : [سورة الزمر: 22]، أي للذين كان قد زادهم قسوة قلوب، وقوله في آخرها: { أية : ثم تلين جُلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } تفسير : [سورة الزمر: 23]. والذكر من أسماء القرآن، ويجوز أن يراد ذكر الله باللسان فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته. وهذا وصف لحسن حال المؤمنين ومقايستهِ بسوء حالة الكافرين الذين غمر الشك قلوبهم، قال تعالى: { أية : بل قلوبهم في غمرة من هذا } تفسير : [سورة المؤمنون: 63]. واختير المضارع في {تطمئن} مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره وأنه لا يتخلله شك ولا تردد. وافتتحت جملة {إلا بذكر الله} بحرف التنبيه اهتماماً بمضمونها وإغراء بوعيه. وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف {القلوب} من التعميم. وفيه إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبير في القرآن لتطمئن قلوبهم، كأنه يقول: إذا علمتم راحة بال المؤمنين فماذا يمنعكم بأن تكونوا مثلهم فإن تلك في متناولكم لأن ذكر الله بمسامعكم. وطوبى: مصدر من طاب طيباً إذا حسن، وهي بوزن البُشرى والزلفى، قلبت ياؤها واواً لمناسبة الضمة، أي لهم الخير الكامل لأنهم اطمأنت قلوبهم بالذكر، فهم في طيب حال: في الدنيا بالاطمئنان، وفي الآخرة بالنعيم الدائم وهو حسن المئاب وهو مرجعهم في آخر أمرهم. وإطلاق المآب عليه باعتبار أنه آخرُ أمرهم وقرارهم كما أن قرار المرء بيته يرجع إليه بعد الانتشار منه. على أنه يناسب ما تقرر أن الأرواح من أمر الله، أي من عالم الملكوت وهو عالم الخلد فمصيرها إلى الخلد رجوع إلى عالمها الأول. وهذا مقابل قوله في المشركين {ولهم سوء الدار}. واللام في قوله: {لهم} للملك.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَتَطْمَئِنُّ} (28) - وَهؤُلاءِ الذِينَ يَهْدِيهِمُ اللهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَتَطيبُ قُلُوبُهُمْ، وَتَهْدَأُ إِلى جَانِبِ اللهِ، وَتَسْكُنُ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَتَرْضَى بِهِ مَوْلىً وَنَاصِراً. وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّ القُلُوبَ المُؤْمِنَةَ تَطْمَئِنُّ وَتَسْكُنُ وَتَهْدَأُ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومعنى الاطمئنان سكونُ القلب واستقراره وأُنْسُه إلى عقيدة لا تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد. ونعلم أن الإنسانَ له حواسٌّ إدراكية يستقبل بها المُحسَّات؛ وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها؛ بعد إدراكها؛ ويفحصها جيداً، ويتلمس مدى صِدْقها أو كَذِبها؛ ويستخرج من كل ذلك قضية واضحة يُبقِيها في قلبه لتصبح عقيدة، لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب. وهكذا تمرُّ العقيدة بعدة مراحلَ؛ فهي أولاً إدراك حِسِّي؛ ثم مرحلة التفكّر العقلي؛ ثم مرحلة الاستجلاء للحقيقة؛ ثم الاستقرار في القلب لتصبح عقيدة. ولذلك يقول سبحانه: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ..} [الرعد: 28]. فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة؛ وقد يمرُّ على القلب بعضٌ من الأغيار التي تزلزل الإيمان، ونقول لمن تمرُّ به تلك الهواجس من الأغيار: أنت لم تُعْطِ الربوبية حقَّها؛ لأنك أنت المَلُوم في أيِّ شيء يَنَالُكَ. فلو أحسنتَ استقبال القدر فيما يمرُّ بك من أحداث، لَعلِمْتَ تقصيرك فيما لك فيه دَخْل بأيِّ حادث وقع عليك نتيجة لعملك، أما مَا وقع عليك ولا دَخْل لك فيه؛ فهذا من أمر القَدَر الذي أراده الحقُّ لك لحكمة قد لا تعلمها، وهي خَيْرٌ لك. إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك، وإن كان من داخل النفس فهو عليك. ولو قُمْتَ بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لَوجدتَّه أكثرَ بكثير مما سَلَبه منك. والمَثَل هو الشاب الذي استذكر دروسه واستعدَّ للامتحان؛ لكن مرضاً داهمه قبل الامتحان ومنعه من أدائه. هذا الشاب فعلَ ما عليه؛ وشاءَ الله أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما؛ كأنْ يمنع عنه حسَد جيرانه؛ أو حسدَ مَنْ يكرهون أًمه أو أباه، أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه مُعتمِد على الأسباب لا على المُسبِّب. أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيراً. وهكذا فَعَلى الإنسان المؤمن أن يكون موصولاً بالمُسبِّب الأعلى، وأنْ يتوكل عليه سبحانه وحده، وأن يعلم أنْ التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح، وأنْ تتوكَّل القلوب؛ لأن التوكل عملٌ قلبي، وليس عملَ القوالب. ولينتبه كُلٌّ مِنّا إلى أن الله قد يُغيب الأسباب كي لا نغتر بها، وبذلك يعتدل إيمانك به؛ ويعتدل إيمان غيرك. وقد ترى شاباً ذكياً قادراً على الاستيعاب، لكنه لا ينال المجموع المناسب للكلية التي كان يرغبها؛ فيسجد لله شكراً؛ مُتقبِّلاً قضاء الله وقَدَره؛ فَيُوفِّقه الله إلى كلية أخرى وينبغ فيها؛ ليكون أحدَ البارزين في المجال الجديد. ولهذا يقول الحق سبحانه: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 216]. وهكذا نجد أن مَنْ يقبل قَدر الله فيه، ويذكر أن له رباً فوق كل الأسباب؛ فالاطمئنان يغمرُ قلبه أمام أيِّ حدَثٍ مهْمَا كان. وهكذا يطمئن القلب بذكر الله؛ وتهون كُلّ الأسباب؛ لأن الأسباب إنْ عجزتْ؛ فلن يعجز المُسبِّب. وقد جاء الحق سبحانه بهذه الآية في مَعْرِض حديثه عن التشكيك الذي يُثيره الكافرون، وحين يسمع المسلمون هذا التشكيك؛ فقد توجد بعض الخواطر والتساؤلات: لماذا لم يَأْتِ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حِسِّية مثل الرُّسُل السابقين لتنفضّ هذه المشكلة، وينتهي هذا العناد؟ ولكن تلك الخواطر لا تنزع من المؤمنين إيمانهم؛ ولذلك يُنزِل الحق سبحانه قوله الذي يُطمئِن: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ ..} [الرعد: 28]. والذِّكْر في اللغة جاء لِمَعَانٍ شتّى؛ فمرّة يُطلق الذِّكر، ويُرَاد به الكتاب أي: القرآن: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ويأتي الذكر مرّة، ويُرَاد به الصِّيت والشهرة والنباهة، يقول تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44]. أي: أنه شَرَفٌ عظيم لك في التاريخ، وكذلك لقومك أنْ تأتي المعجزة القرآنية من جنس لغتهم التي يتكلمون بها. وقد يُطلَق الذكر على الاعتبار؛ والحق سبحانه يقول: {أية : وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} تفسير : [الفرقان: 18]. أي: نسوا العِبَر التي وقعتْ للأمم التي عاشتْ من قبلهم؛ فنصَر الله الدينَ رغم عناد هؤلاء. وقد يطلق الذِّكْر على كُلِّ ما يبعثه الحق سبحانه على لسان أيِّ رسول: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. وقد يُطلق الذِّكْر على العطاء الخيّر من الله. ويُطْلق الذِّكْر على تذكُّر الله دائماً؛ وهو سبحانه القائل: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 152]. أي: اذكروني بالطاعة أذكرْكُم بالخير والتجليّات، فإذا كان الذِّكْر بهذه المعاني؛ فنحن نجد الاطمئنان في أيٍّ منها، فالذكر بمعنى القرآن يُورثِ الاطمئنان. ويقول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 41-43]. فكُلُّ آية تأتي من القرآن كانت تُطمئِنُّ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صادقُ البلاغِ عن الله؛ فقد كان المسلمون قلة مُضطهدة، ولا يقدرون على حماية أنفسهم، ولا على حماية ذَوِيهم. ويقول الحق سبحانه في هذا الظرف: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. ويتساءل عمر رضي الله عنه: أيُّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا؛ وقد هاجر بعضنا إلى الحبشة خوفاً من الاضطهاد؟ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إلى بدر، ويُحدِّد أماكن مصارع كبار رموز الكفر من صناديد قريش؛ ويقول: "هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان"؛ بل ويأتي بالكيفية التي يقع بها القتل على صناديد قريش؛ ويتلو قول الحق سبحانه: {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16]. وبعد ذلك يأتون برأْس الرجل الذي قال عنه رسول الله ذلك؛ فيجدون الضربة قد جاءت على أنفه. فمنْ ذَا الذي يتحكم في مواقع الموت؟ إن ذلك لا يتأتى إلاَّ من إله هو الله؛ وهو الذي أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. وقد طمأنَ هذا القولُ القومَ الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلم الغيب، ولا يعلم الكيفية التي يموت عليها أيُّ كافر وأيُّ جبار؛ وهو صلى الله عليه وسلم يخبرهم بها وهُمْ في منتهى الضَّعْف. وهذا الإخبار دليل على أن رصيده قويّ عند علاَّم الغيوب. إذن: فقول الحق سبحانه: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. يعني: أن القلوب تطمئن بالقرآن وما فيه من أخبار صادقة تمام الصدق، لتؤكد أن محمداً صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن ربِّه؛ وأن القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من عند الله. وهكذا استقبل المؤمنون محمداً صلى الله عليه وسلم وصَدَّقوا ما جاء به؛ فها هي خديجة - رضي الله عنها وأرضاها - لم تكُنْ قد سمعت القرآن؛ وما أنْ أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخاوفه من أنَّ ما يأتيه قد يكون جناً، فقالت: "إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقْري الضَّيْف، وتُعينَ على نوائب الحق، واللهِ ما يخزَيك الله أبداً". وها هو أبو بكر - رضي الله عنه وأرضاه - يصدق أن محمداً رسول من الله، فَوْرَ أن يخبره بذلك. وهكذا نجده صلى الله عليه وسلم قد امتلك سِمَاتاً؛ وقد صاغ الله لرسوله أخلاقاً، تجعل مَنْ حوله يُصدِّقون كُلَّ ما يقول فَوْر أنْ ينطق. ونلحظ أن الذين آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم؛ لم يؤمنوا لأن القرآن أخذهم؛ ولكنهم آمنوا لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يَكْذِبهم القول، وسيرته قبل البعثة معجزة في حَدِّ ذاتها، وهي التي أدَّتْ إلى تصديق الأوَّلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الكفار فقد أخذهم القرآن؛ واستمال قلوبهم، وتمنَّوا لو نزل على واحد آخر غير محمد صلى الله عليه وسلم. وحين يرى المؤمنون أن القرآن يُخبرهم بالمواقف التي يعيشونها، ولا يعرفون لها تفسيراً؛ ويخبرهم أيضاً بالأحداث التي سوف تقع، ثم يجدون المستقبل وقد جاء بها وِفْقاً لما جاء بالقرآن، هنا يتأكد لهم أن القرآنَ ليس من عند محمد، بل هو من عند رَبِّ محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك فحين يُثير الكفار خزعبلاتهم للتشكيك في محمد صلى الله عليه وسلم يأتي القرآن مُطَمْئِناً للمؤمنين؛ فلا تؤثر فيهم خزعبلات الكفار. والمؤمن يذكر الله بالخيرات؛ ويعتبر من كل ما يمرُّ به، وبكل ما جاء بكتاب الله؛ وحين يقرأ القرآن فقلبه يطمئِنُّ بذكر الله؛ لأنه قد آمن إيمانَ صِدْقٍ. وقد لمس المؤمنون أن أخبار النبي التي يقولها لهم قد تعدَّتْ محيطهم البيئيّ المحدود إلى العالم الواسع بجناحَيْه الشرقي في فارس، والغربي في الروم. وقد أعلن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - على سبيل المثال - خبر انتصار الروم على الفرس، حين أنزل الحق سبحانه قوله: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ..} تفسير : [الروم: 1-4]. فأروني أيّ عبقرية في العالم تستطيع أن تتحكم في نتيجة معركة بين قوتين تصطرعان وتقتتلان؛ وبعد ذلك يحدد مِنَ الذي سينتصر، ومنِ الذي سَيُهزم بعد فترة من الزمن تتراوح من خَمْس إلى تِسْع سنوات؟ وأيضاً تأتي الأحداث العالمية التي لا يعلم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، وتوافق ما جاء بالقرآن. وكُلُّ ذلك يجعل المؤمنين بالقرآن في حالة اطمئنان إلى أن هذا القرآن صادق، وأنه من عند الله، ويُصدّق هذا قول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. ونعلم أن الكون قد استقبل الإنسان الأول - وهو آدم عليه السلام - استقبالاً، وقد هُيِّئ له فيه كُلُّ شيء من مُقوِّمات الحياة؛ وصار الإنسانُ يعيش في أسباب الله، تلك الأسباب المَمْدودة من يَدِ الله؛ فنأخذ بها وتترقَّى حياتنا بِقَدْر ما نبذل من جَهْد. وما أنْ نموتَ حتى نصِلَ إلى أرْقى حياة؛ إنْ كان عملُنا صالحاً وحَسُنَ إيماننا بالله؛ فبعد أنْ كُنّا نعيش في الدنيا بأسباب الله الممدودة؛ فنحن نعيش في الآخرة بالمُسبِّب في جنته التي أعدَّها للمتقين. وقول الحق سبحانه: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. يعني: أن الاطمئنان مُستْوعِب لكل القلوب؛ فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه؛ وما أنْ يذكر الله حتى يجِدَ الاطمئنان ويتثبتَ قلبه. وقد حاول المستشرقون أن يقيموا ضَجَّة حول قوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. وتساءلوا: كيف يقول القرآن هنا أن الذِّكْر يُطمئِن القلب؛ ويقول في آية أخرى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 2]. فأيُّ المعنيَيْنِ هو المراد؟ ولو أن المستشرقين قد استقبلوا القرآن بالمَلَكة العربية الصحيحة لَعلِموا الفارق بين: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. وبين قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 2]. فكأنه إذا ذُكِر الله أمام الناس؛ وكان الإنسان في غَفْلة عن الله؛ هنا ينتبه الإنسان بِوجَلٍ. أو: أن الحق سبحانه يخاطب الخَلْق جميعاً بما فيهم من غرائز وعواطف ومواجيد؛ فلا يوجد إنسان كامل؛ ولكُلِّ إنسان هفوة إلا مَنْ عصم الله. وحين يتذكر الإنسانُ إسرافه من جهة سيئة؛ فهو يَوْجَل؛ وحين يتذكر عَفْو الله وتوبته ومغفرته يطمئن. ويقول سبحانه بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 451 : 19 : 26 - سفين في قوله {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} قال، إذا حلف الرجل لرجل بالله، صدقه واطمأن لذكر الله. [الآية 28].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):