١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : [30] {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِتَتْلُوَاْ عليْهِمُ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بـِٱلرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لآ إِلـٱهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} اعلم أن الكاف في {كذلك} للتشبيه فقيل وجه التشبيه أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة، وقيل: كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم، كذلك أعطيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلماذا اقترحوا غيره، وقال صاحب «الكشاف»: {كذلك أرسلناك} أي مثل ذلك الإرسال {أرسلناك} يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات. ثم فسر كيف أرسله فقال: {في أمة قد خلت من قبلها أمم} أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء. أما قوله: {لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك} فالمراد: لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك: {وهم يكفرون بالرحمن} أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، وكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم {قل هو ربي} الواحد المتعالي عن الشركاء: {لا إله إلا هو عليه توكلت} في نصرتي عليكم {وإليه متاب} فيعينني على مصابرتكم ومجاهدتكم قيل: نزل قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} في عبد الله بن أمية المخزومي وكان يقول أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه، إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فقال تعالى: {أية : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسني} تفسير : [الإسراء: 110] وكقوله: {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} تفسير : [الفرقان: 60] وقيل: إنه عليه السلام حين صالح قريشاً من الحديبية كتب: «حديث : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله » تفسير : فقال المشركون: إن كنت رسول الله وقد قاتلناك فقد ظلمنا. ولكن اكتب، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فكتب كذلك، ولما كتب في الكتاب: {بسم الله الرحمن الرحيم} قالوا: أما الرحمن فلا نعرفه، وكانوا يكتبون باسمك اللهم، فقال عليه السلام: «حديث : اكتبوا كما تريدون». تفسير : واعلم أن قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} إذا حملناه على هاتين الروايتين كان معناه أنهم كفروا بإطلاق هذا الإسم على الله تعالى، لا أنهم كفروا بالله تعالى. وقال آخرون: بل كفروا بالله إما جحداً له وإما لاثباتهم الشركاء معه. قال القاضي: وهذا القول أليق بالظاهر، لأن قوله تعالى: {وهم يكفرون بالرحمن} يقتضي أنهم كفروا بالله وهو المفهوم من الرحمن، وليس المفهوم من الاسم كما لو قال قائل: كفروا بمحمد وكذبوا به لكان المفهوم هو، دون اسمه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك؛ قاله الحسن. وقيل: شبّه الإنعام على من أُرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله. {لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يعني القرآن. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} قال مقاتل وٱبن جُريج: نزلت في صُلح الحُدَيْبِيَة حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصُّلْح، حديث : فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: «ٱكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سُهَيْل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمٰن إلا صاحب اليمامة، يعنون مُسَيْلِمَة الكذاب؛ ٱكتب باسمك اللهم، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: «ٱكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك؛ ولكن ٱكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله؛ فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: دعنا نقاتلهم؛ فقال: «لا ولكن ٱكتب ما يريدون» فنزلت تفسير : . وقال ٱبن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ٱسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ» قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟ فنزلت. {قُلْ} لهم يا محمد: الذي أنكرتم. {هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ولا معبود سواه؛ هو واحد بذاته، وإن اختلفت أسماء صفاته. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} وٱعتمدت ووثقت. {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي مرجعي غداً، واليوم أيضاً عليه توكلت ووثقت، رِضاً بقضائه، وتسليماً لأمره. وقيل: سمع أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحِجْر ويقول: «يا الله يا رحمن» فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين؛ فنزلت هذه الآية، ونزل: «قُلِ ٱدْعُوا اللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا الرَّحْمَنَ».
البيضاوي
تفسير : {كَذٰلِكَ } مثل ذلك يعني إرسال الرسل قبلك. {أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا} تقدمتها. {أُمَمٌ} أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليهم. {لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} لتقرأ عليهم الكتاب الذي أوحيناه إليك. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ } وحالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته، فلم يشكروا نعمه وخصوصاً ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم، وإنزال القرآن الذي هو مناط المنافع الدينية والدنيوية عليهم. وقيل نزلت في مشركي أهل مكة حين قيل لهم {أية : ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ }تفسير : [الفرقان: 60] {قُلْ هُوَ رَبّى } أي الرحمن خالقي ومتولي أمري. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} لا مستحق للعبادة سواه. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في نصرتي عليكم. {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} مرجعي ومرجعكم. {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } شرط حذف جوابه والمراد منه تعظيم شأن القرآن، أو المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم أي: ولو أن كتاباً زعزعت به الجبال عن مقارها. {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} تصدعت من خشية الله عند قراءته أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً. {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} فتسمع فتقرؤه، أو فتسمع وتجيب عند قراءته لكان هذا القرآن لأنه الغاية في الإِعجاز والنهاية في التذكير والإِنذار، أو لما آمنوا به كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ } تفسير : [الأنعام: 111] الآية. وقيل إن قريشاً قالوا يا محمد إن سرك أن نتبعك فسير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها بساتين وقطائع، أو سخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام، أو ابعث لنا به قصي بن كلاب وغيره من آبائنا ليكلمونا فيك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسير. وقيل الجواب مقدم وهو قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ } وما بينهما اعتراض وتذكير {كلـٰم } خاصة لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقي. {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا } بل لله القدرة على كل شيءٍ وهو إضراب عما تضمنته {لَوْ } من معنى النفي أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم ويؤيد ذلك قوله: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم، وذهب أكثرهم إلى أن معناه أفلم يعلم لما روي أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرؤوا «أفلم يتبين»، وهو تفسيره وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم لأنه مسبب عن العلم، فإن الميئوس عنه لا يكون إلا معلوماً ولذلك علقه بقوله: {أَن لَّوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا } فإن معناه نفي هدى بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وهو على الأول متعلق بمحذوف تقديره أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علماً منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً أو {بآمنوا}. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } من الكفر وسوء الأعمال. {قَارِعَةٌ } داهية تقرعهم وتقلقهم. {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ} ليفزعون منها ويتطاير إليهم شررها. وقيل الآية في كفار مكة فإنهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام كان لا يزال يبعث السرايا عليهم فتغير حواليهم وتختطف مواشيهم، وعلى هذا يجوز أن يكون تحل خطاباً للرسول عليه الصلاة والسلام فإنه حل بجيشه قريباً من دارهم عام الحديبية. {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ } الموت أو القيامة أو فتح مكة. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } لامتناع الكذب في كلامه. {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه، والإملاء أن يترك ملاوة من الزمان في دعة وأمن. {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي عقابي إياهم. {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ } رقيب عليها {بِمَا كَسَبَتْ } من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم، والخبر محذوف تقديره كمن ليس كذلك. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ } استئناف أو عطف على {كَسَبَتْ } إن جعلت «ما» مصدرية، أو لم يوحدوه وجعلوا عطف عليه ويكون الظاهر فيه موضع الضمير للتنبيه على أنه المستحق للعبادة وقوله: {قُلْ سَمُّوهُمْ } تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها، والمعنى صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة. {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} بل أتنبئونه. وقرىء «تنبئونه» بالتخفيف. {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ } بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم، أو بصفات لهم يستحقونها لأجلها لا يعلمها وهو العالم بكل شيء. {أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ } أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى كتسمية الزنجي كافوراً وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإِعجاز. {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها حقاً، أو كيدهم للإسلام بشركهم. {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} سبيل الحق، وقرأ ابن كثير. ونافع وأبو عمرو وابن عامر {وَصَدُّواْ } بالفتح أي وصدوا الناس عن الإِيمان، وقرىء بالكسر «وَصَدُ» بالتنوين. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } يخذله. {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يوفقه للهدى. {لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ} لشدته ودوامه. {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ } من عذابه أو من رحمته. {مِن وَاقٍ} حافظ. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} صفتها التي هي مثل في الغرابة، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه أي فيما قصصنا عليكم مثل الجنة وقيل خبره. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } على طريقة قولك صفة زيد أسمر، أو على حذف موصوف أي مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، أو على زيادة المثل وهو على قول سيبويه حال من العائد أو المحذوف أو من الصلة. {أُكُلُهَا دَائِمٌ } لا ينقطع ثمرها. {وِظِلُّهَا } أي وظلها كذلك لا ينسخ في الدنيا بالشمس {تِلْكَ } أي الجنة الموصوفة. {عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } مآلهم ومنتهى أمرهم. {وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} لا غير، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين. {وَٱلَّذِينَ اتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } يعني المسلمين من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلاً أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة، أو عامتهم فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم. {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ } يعني كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما. {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } وهو ما يخالف شرائعهم أو ما يوافق ما حرفوه منها. {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } جواب المنكرين أي قل لهم إني أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وأوحده، وهو العمدة في الدين ولا سبيل لكم إلى إنكاره، وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإِلهية في جزئيات الأحكام. وقرىء {وَلاَ أُشْرِكُ } بالرفع على الاستئناف. {إِلَيْهِ ٱدْعُواْ } لا إلى غيره. {وَإِلَيْهِ مَآبِ } وإليه مرجعي للجزاء لا إلى غيره، وهذا هو القدر المتفق عليه بين الأنبياء، وأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة {لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كذب الرسل من قبلك فلك فيهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: {أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} تفسير : [النحل: 63] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأنعام: 34] أي: كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة. وقوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم، يكفرون بالرحمن، لا يقرون به؛ لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم؟ قاله قتادة، والحديث في صحيح البخاري. وقد قال الله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن» تفسير : {قُلْ هُوَ رَبِّى لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: هذا الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقر له بالربوبية والألوهية، هو ربي لا إله إلا هو {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: في جميع أموري، {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذٰلِكَ } كما أرسلنا الأنبياء قبلك {أَرْسَلْنـَٰكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ } تقرأ {عَلَيْهِمُ ٱلَّذِى أَوْحَيْنآ إِلَيْكَ } أي القرآن {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ } حيث قالوا لما أمروا بالسجود له: وما الرحمن؟ {قُلْ } لهم يا محمد {هُوَ رَبِّى لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {... وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي}قال قتادة وابن جريج نزلت في قريش يوم الحديبية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب القضية بينه وبينهم، فقال للكاتب: "حديث : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم"، تفسير : فقالوا ما ندري ما الرحمن وما نكتب إلا: باسمك اللهم. وحكي عن ابن إسحاق أنهم قالوا: قد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا الذي تأتي به رجل من أهل اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لن نؤمن به أبداً، فأنزل الله تعالى{وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو}يعني أنه إله واحد وإن اختلفت أسماؤه. {عليه توكلت وإليه متاب}قال مجاهد يعني بالمتاب التوبة. ويحتمل ثانياً: وإليه المرجع.
ابن عطية
تفسير : الكاف في {كذلك} متعلقة بالمعنى الذي في قوله: {أية : قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} تفسير : [الرعد: 27] أي كما أنفذ الله هذا {كذلك} أرسلتك - هذا قول - والذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي، لا بالآيات المقترحة. فكذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة: {أرسلناك} إليها بوحي، لا بآيات مقترحة، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. وقوله: {وهم يكفرون بالرحمن} قال قتادة وابن جريج: نزلت حين عاهدهم رسول الله عام الحديبية، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن ولا نقرأ اسمه. قال القاضي أبو محمد: والذي أقول في هذا: أن "الرحمن" يراد به الله تعالى وذاته، ونسب إليهم الكفر به على الإطلاق، وقصة الحديبية وقصة أمية بن خلف مع عبد الرحمن بن عوف، إنما هي إباية الاسم فقط، وهروب عن هذه العبارة التي لم يعرفوها إلا من قبل محمد عليه السلام. ثم أمر الله تعالى نبيه بالتصريح بالدين والإفصاح بالدعوة في قوله: {قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت} و"المتاب": المرجع كالمآب، لأن التوبة الرجوع. ويحتمل قوله: {ولو أن قرآنا} الآية، أن يكون متعلقاً بقوله: {وهم يكفرون بالرحمن} فيكون معنى الآية الإخبار عنهم أنهم لا يؤمنون ولو نزل "قرآن تسير به الجبال وتقطع به الأرض" - هذا تأويل الفراء وفرقة من المتألين - وقالت فرقة: بل جواب {لو} محذوف، تقديره: ولو أن قرآنا يكون صفته كذا لما آمنوا بوجه، وقال أهل هذا التأويل - ابن عباس ومجاهد وغيرهما - إن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا، واجعل لنا أرضنا قطع غراسة وحرث، وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلاناً وفلاناً - فنزلت الآية في ذلك معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله، وقالت فرقة: جواب {لو} محذوف، ولكن ليس في هذا المعنى، بل تقديره: لكان هذا القرآن الذي يصنع هذا به، وتتضمن الآية - على هذا - تعظيم القرآن، وهذا قول حسن يحرز فصاحة الآية. وقوله: {بل لله الأمر جميعاً} يعضد التأويل الأخير ويترتب مع الآخرين. وقوله: {أفلم ييئس الذين آمنوا} الآية، {ييئس} معناه: يعلم، وهي لغة هوازن - قاله القاسم بن معن - وقال ابن الكلبي: هي لغة هبيل حي من النخع، ومنه قول سحيم بن وثيل الرياحي: [الطويل] شعر : أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه، وذلك أنه لما أبعد إيمانهم في قوله: {ولو أن قرآناً} الآية - على التأويلين في المحذوف المقدر - قال في هذه الآية: أفلم ييئس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفرة، علماً منهم {أن لو يشاء لهدى الناس جميعاً}. وقرأ ابن كثير وابن محيصن "يأيس" وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن أبي مليكة وعكرمة والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد "أفلم يتبين". ثم أخبر تعالى عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته. وفي قراءة ابن مسعود ومجاهد: "ولا يزال الذين ظلموا" ثم قال: {أو تحل} أنت يا محمد {قريباً من دارهم} هذا تأويل فرقة منهم الطبري وعزاه إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى {أو تحل} القارعة {قريباً من دارهم}. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير: "أو يحل" بالياء "قريباً من ديارهم" بالجمع. و"وعد الله" - على قول ابن عباس وقوم - فتح مكة، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة، وأن حال الكفرة هكذا هي أبداً. و"وعد الله": قيام الساعة، و"القارعة": الرزية التي تقرع قلب صاحبها بفظاعتها كالقتل والأسر ونهب المال وكشف الحريم ونحوه. وقوله: {ولقد استهزىء} الآية، هذه آية تأنيس للنبي عليه السلام، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما ترى من قومك وتلقى منهم، فليس ذلك ببدع ولا نكير، قد تقدم هذا في الأمم و"أمليت لهم" أي مددت المدة وأطلت، والإملاء: الإمهال على جهة الاستدراج، وهو من الملاوة من الزمن، ومنه: تمليت حسن العيش. وقوله: {فكيف كان عقاب} تقرير وتعجيب، في ضمنه وعيد للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالرَّحْمَنِ} لما "حديث : قال الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديبية للكاتب: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم" "تفسير : ، قالوا ما ندري ما الرحمن، ولكن اكتب باسمك اللهم، أو قالوا بلغنا أن الذي يعلمك ما تقول رجل من أهل اليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لن نؤمن به أبداً فنزلت {لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وإن اختلفت أسماؤه فهو واحد {مَتَابِ} توبتي.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {متابي} و {عقابي} و {مآبي} بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل {بل زين} ونحوه بالإدغام: علي وهشام {وصدوا} بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب. الباقون بفتحها. {ويثبت} مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم. الآخرون بالتشديد من التثبيت {الكافر لمن} على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير. الباقون {الكفار} على الجمع. الوقوف: {بالرحمن} ط {إلا هو} ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: {متاب} ه {الموتى} ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن. {جميعاً} ط في الموضعين {وعد الله} ط {الميعاد} ه {أخذتهم} ج للاستفهام مع الفاء {عقاب} ه {بما كسبت} ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: {وجعلوا} يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" {شركاء} ط {سموهم} ط لحق الاستفهام {من القول} ط {عن السبيل} ه {هاد} ه {أشق} ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية {واق} ه {المتقون} ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير. {الأنهار} ط {وظلها} ط {اتقوا} ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه {النار} ه {بعضه} ط {ولا أشرك به} ط {مآب} ه {عربياً} ط {العلم} لا لأن ما بعده جواب. {واق} ه {وذرية} ط {بإذن الله} ط {كتاب} ه {ويثبت} ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام {الكتاب} ه {الحساب} ه {أطرافها} ط {لحكمه} ط {الحساب} ه {جميعاً} ط {كل نفس} ط {الدار} ه {مرسلاً} ط {وبينكم} ط للعطف {الكتاب} ه. التفسير: عن ابن عباس والحسن {أرسلناك} كما أرسلنا الأنبياء قبلك {في أمة قد خلت من قبلها أمم} وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟ وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات. ثم فسر كيف أرسله فقال: {في أمة قد خلت من قبلها أمم} كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء. ثم ذكر مقصود الإرسال فقال {لتتلو} أي لتقرأ {عليهم} الكتاب العظيم {الذي أوحينا إليك وهم يكفرون} وحال هؤلاء أنهم يكفرون {بالرحمن} للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم. وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟ فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: {قل} لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته {هو ربي لا إله إلا هو} الواحد القهار المتعالي عن الشركاء. {عليه توكلت} في نصرتي عليكم {وإليه متاب} رجوعي فيثيبني على مصابرتكم. وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون. فأنزل الله الآية. فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله تعالى لا على جحودهم أو إِشراكهم. روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} عن مقارها وأزيلت عن مراكزها {أو قطعت به الأرض} أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً {أو كلم به الموتى} بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن. قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة. وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة}تفسير : [الأنعام: 111] الآية. وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن. ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله {أية : ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً}تفسير : [الحشر: 21] ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن. وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} وما بينهما اعتراض. ثم قال رداً عليهم {بل لله الأمر جميعاً} قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه. وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار. قالوا: ويعضده قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله} مشيئة الإلجاء {لهدى الناس جميعاً} أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين. أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر. ومعنى {أفلم ييأس} أفلم يعلم. وهذا لغة قوم من النخع. وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي عليه السلام وابن عباس وجماعة {أفلم يتبين} وهو تفسير {أفلم ييأس}. وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات. وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية. وجوز أن يتعلق {أن لو يشاء} بـ {آمنوا} معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. ثم أوعد الكافرين بقوله: {ولا يزال الذين كفروا} يعني عامة الكفار {تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وسوء أعمالهم {قارعة} داهية تقرعهم من السبي والقتل {أو تحل} القارعة {قريباً من دارهم} فيتطاير إليهم شررها. {حتى يأتي وعد الله} وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة. وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: {أو تحل} خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً {إن الله لا يخلف الميعاد} قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: {ولقد استهزىء} الآية. والإملاء الإمهال وقد مر هناك. والاستفهام في قوله: {فكيف كان عقاب} للتقرير والتهديد. ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك. وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: {وجعلوا لله} للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له {شركاء} فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي. ثم زاد في المحاجة فقال: {قل سموهم} أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم. وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل. وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد. قال في الكشاف: "أم" في قوله {أم تنبئونه} منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف. أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه {أية : قل أتنبئون الله بما لا يعلم}تفسير : [يونس: 18] وقد مر في أول "يونس". ثم أكد هذا المعنى بقوله: {أم بظاهر من القول} أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: {أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها}تفسير : [يوسف: 40] وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل. ثم بين سوء طريقتهم فقال: {بل للذين كفروا مكرهم} قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا. والكلام في أن المزين هو الله تعالى أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ {وصدوا} بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: {ومن يضلل الله} تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: {لهم عذاب في الحياة الدنيا} من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك {ولعذاب الآخرة أشق} لأنه أشد وأدوم {وما لهم من الله} أي من عذابه {من واق} من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه. ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: {مثل الجنة} وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة. وقال غيره: الخبر {تجري} كما تقول صفة زيد أسمر. وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار. وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: {أكلها دائم} كأنه قال مثل الجنة {التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار} كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه {أكلها دائم} كقوله: {أية : لا مقطوعة ولا ممنوعة}تفسير : [الواقعة: 33] {وظلها} دائم أيضاً. والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: {أية : وندخله ظلاً ظليلاً}تفسير : [الآية: 57] قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه. قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله تعالى: {أية : كل من عليها فان}تفسير : [الرحمن: 26]، {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88] قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة. وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: {أية : أعدت للمتقين}تفسير : [آل عمران: 133]. ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: {والذين آتيناهم الكتاب} قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين {يفرحون بما أنزل إليك} من الشرائع والعلوم {ومن الأحزاب} الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم {من ينكر بعضه} لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم. وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة. واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره. ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة. وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه. واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا. وقوله: {بما أنزل} يفيد العموم. وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص. ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: {قال إنما أمرت أن أعبد الله} ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية. ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: {إليه أدعو} خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان. ثم ختم بذكر المعاد فقال: {وإليه أدعو} لا مرجع لي إلا إليه. ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد. ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: {وكذلك أنزلناه} الضمير يعود إلى ما في قوله: {بما أنزل إليك} أو إلى القرآن في قوله: {ولو أن قرآنا} ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن. وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء {حكماً عربياً} نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب. وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة. روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك. وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة. قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح. ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله تعالى: {ولقد أرسلنا} الآية. وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته سبحانه ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: {لكل أجل كتاب} أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه. وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين. والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية. والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها. وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه سبحانه يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به. الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: {أية : ما ننسخ من آية}تفسير : [الآية: 106] وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره. واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله تعالى {أية : ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها}تفسير : [الكهف: 49] وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها. ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً. وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: {أية : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}تفسير : [الفرقان: 70]. وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل. وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. أما قوله: {وعنده أم الكتاب} أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" تفسير : فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات. روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله سبحانه في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء"تفسير : . وقيل: هو علم الله تعالى المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع. ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: {وإما نرينك} يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا. والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام. ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: {أو لم يروا أنا نأتي الأرض} يعني إتيان القهر والغلبة بدليل {ننقصها من أطرافها} والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام. ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وصلحائها. قال الواحدي. الأليق بالمقام هو القول الأول. وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين. ثم أكد هذا المعنى بقوله: {والله يحكم} ومحل {لا معقب لحكمه} نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه. {وهو سريع الحساب} عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وقد مكر الذين من قبلهم} برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى. {فللَّه المكر جميعاً}. قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره. وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره. وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين. قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه. وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد. وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد. ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: {وسيعلم الكفار} من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس. وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل. وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون. ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً} والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته. ثم عطف على اسم الله قوله: {ومن عنده علم الكتاب} أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر. فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق. وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ. والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً. ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة. واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه. وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم. والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز. وقال الزجاج: الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره. وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله. وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده. التأويل: {وهم يكفرون بالرحمن} يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: {أية : إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً}تفسير : [مريم: 93] ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: {هو ربي} الذي رباني {لا إله إلا هو} لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي {سيرت به} جبال النفوس {أو قطعت به} أرض البشرية {أو كلم به} القلوب الميتة بتلاوته عليهم {تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم بالرحمن {قارعة} من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة {أو تحل قريباً من دراهم} قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه تفسير : {حتى يأتي وعد الله} يدرك الشقاء الأزلي. ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء {ثم أخذتهم} أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى {ولعذاب الآخرة} بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات {أكلها دائم} هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال {وظلها} أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام {والذين آتيناهم الكتاب} هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن {ومن الأحزاب} النفس والهوى والقوى {من ينكر بعضه} لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده {ولئن اتبعت أهواء} المخالفين بالشرك في الطلب {من بعد ما جاءك من العلم} وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية {وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله سبحانه في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله {أية : وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام}تفسير : [الأنبياء: 8] {يمحوا الله ما يشاء} لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة {ويثبت} لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة {وعنده أم الكتاب} الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين {وإما نرينك} بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار. {أنا نأتي الأرض} أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ}: أي: كما أجرينا عادَتَنا، {كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ...} الآية. وقوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ }: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرَّحمٰن. قال * ع *: وذلك منهم إِباءةُ ٱسمٍ فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ عليه السلام، والـــ {مَتَابِ }: المرجعُ؛ كـــ «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ. وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ...} الآية: قال ابن عباس وغيره: إِن الكفَّار قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، وَٱجْعَلْ لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وَأَحْي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، وَفُلاَناً وفُلاَناً، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله. وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ...} الآية: «يَيْئَس»: معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن»، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب؛ أنهم لا يزالُونَ تصيبُهُم قوارِعُ من سرايا النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريباً من دارهم». [هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره. وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريباً من دارهم]، و{وَعْدُ ٱللَّهِ}؛ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكُفَّارِ إِلى يوم القيامة، وإِنَّ حال الكَفَرة هَكَذَا هي إِلى يوم القيامة، {وَعْدُ ٱللَّهِ }: قيامُ الساعة، والــ {قَارِعَةٌ }: الرزيَّة التي تقرع قلْبَ صاحبها. وقوله سبحانه: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ...} الآية: تأنيسٌ وتسليةٌ له عليه السلام، قال البخاري: {فَأَمْلَيْتُ }: أي: أطلت من المليي والملاوة؛ ومنه: مَلِيًّا، ويقال للواسِعِ الطويلِ من الأرض: مَلًى من الأرض. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ} الكاف في محل نصب كنظائرها. قال الزمخشري: "مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعن: إرسالاً له شأن". وقيل: الكاف متعلقة بالمعنى الذي قبله في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}تفسير : [الرعد:27]، أي كما أنفذ الله هذا كذلك أرسلناك. وقال ابن عطية: "الذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي لا بالآيات المقترحة فكذلك فعلنا أيضاً في هذه الأمة أرسلناك إليها بوحي لا بأيآت مقترحة". وقال أبو البقاء: وكذلك: "الأمر كذلك" فجعلها في موضع رفع. وقال الحوفي: الكاف للتشبيه في موضع نصب، أي: كفعلنا الهداية والإضلال والإشارة بذلك إلى ما وصف به نفسه من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وتكون الكاف للتشبيه. قال ابن عباس والحسن ـ رضي الله عنهم ـ أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك. وقيل: كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك [أعطيناك] هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم. قوله: "قَد خَلتْ" جملة في محل جر صفة لـ"أمَّة"، و"لِتَتْلُو" متعلق بـ "أرْسلْنَاك" والمعنى: أنه فسر كيف أرسله فقال: {فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} أي: أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم وهم آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء "لتتلو" لتقرأ عليهم الذي أوحينا إليك وهو الكتاب العظيم. قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ} يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية، وأن تكون حالية والضمير في "وهم يكفُرون" عائد على "أمَّة" من حيث المعنى، ولو عاد على لفظها لكان التركيب: وهي تكفر. وقيل: الضمير عائد على "أمَّة" وعلى "أممٍ". وقيل: عائد على الذين قالوا: "لوْلاَ أنْزِلَ". فصل قال قتادة ومقاتل وابن جريح: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن سهل بن عمرو لما جاءوا واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لعلي ـ كرم الله وجهه ـ: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا لا نعرف إلى الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون: مسيلمة الكذاب، اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم فهذا معنى قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن فرجع إلى المشركين، وقال: إن محمداً يدعو إلهين: يدعو الله ويدعو الرحمن إلهاً آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الإسراء:110] وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم: "اسجدوا للرحمن"، قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: "قل لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت" اعتمدت "وإليه متاب"، أي: توبتي ومرجعي. فصل اعلم أن قوله {يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} أنا إن حملناه على هذه الروايات كان معناه: يكفرون بإطلاق هذا الاسم على الله ـ تعالى ـ لا أنهم كفروا بالله تعالى وقال آخرون: بل كفروا بالله إما جحداً له، وإما لإثباتهم الشركاء معه. قال القاضي: وهذا القول أليق بالظاهر؛ لأن قوله تعالى {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} يقتضي أنهم كفروا بالله وهو المفهوم من الرحمن، وليس المفهوم منه الاسم كما لو قال قائل: كفروا بمحمد وكذبوا به فكان المفهوم هو دون اسمه تعالى. قوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [الرعد:31] نزلت في نفر من مشركي مكة منهم: أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية المخزومي جلسوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام، فقال عبد الله بن أمية المخزومي: إن سرك أن نتبعك فسيِّر لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها حتى تنفسح علينا فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً لنغرس الأشجار ونزرع، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو [سخر لنا الريح، فنركبها إلى الشام والبلاد لميرتنا وحوائجنا، ونرجع في يومنا؛ فقد] سحر الريح لسليمان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كما زعمت فلست على ربك بأهون من سليمان، أو أحْي لنا جدك قصي، أو من شئت من موتانا نسأله عن أمرك، أحق ما تقول أوة باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه، فأنزل الله ـ عز وجل ـ {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ}تفسير : [الرعد:31] أي: شققت فجلعت أنهاراً وعيوناً {أية : أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [الرعد:31].
البقاعي
تفسير : ولما كان في ذلك فطم عن إنزال المقترحات، وكان إعراض المقترحين قد طال، وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل صبره: أولست مرسلاً يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل؟ فقيل: {كذلك} أي مثل إرسال الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام في قولنا{أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} تفسير : [الأنبياء:7] الآية، وفي هذه السورة في قولنا {ولكل قوم هاد} ومثل هذا الإرسال البديع الأمر البعيد الشأن، والذي دربناك عليه غير مرة من أن المرجع إلى الله والكل بيده، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال، لا بإنزال الآية ولا غيره {أرسلناك} أي بما لنا من العظمة {في أمة} وهي جماعة كثيرة من الحيوان ترجع إلى معنى خاص لها دون غيرها {قد خلت}. ولما كانت الرسل لمن تعم بالفعل الزمان كله، قال: {من قبلها أمم} طال أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول كل أمة لنبيها عناداً بعد ما جاءهم من الآيات {لولا أنزل عليه آية} حتى كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في إقبالهم على الدعاء وإعراضهم عمن يستهزىء بهم - فعل الآئس من الإنزال {لتتلوا} أي أرسلناك فيهم لتتلو {عليهم} أي تقرأ؛ والتلاوة: جعل الثاني يلي الأول بلا فصل {الذي أوحينا إليك} من ذكر الله الذي هو أعظم الآيات {وهم} أي والحال أنهم {يكفرون} لا تمل تلاوته عليهم في تلك الحال فإن لنا في هذا حكماً وإن خفيت، وما أرسلناك ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى، لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من الآيات ظناً أنها تكون سبباً لإيمان أحد، نحن أعلم بهم، وهذا كله تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {بالرحمن} إشارة إلى كثرة حلمه وطول أناته، وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران. ولما تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه، وكان الكفر بالمنعم في غاية القباحة، كان كأنه قيل: فماذا أفعل حينئذ أنا ومن اتبعني؟ لا نتمنى إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى أهم، بدأ به فقال: {قل} عند ذلك إيماناً به {هو} أي الرحمن الذي كفرتم به {ربي} المربي لي بالإيجاد وإدرار النعم، والمحسن إليّ لا غيره، لا أكفر إحسانه كما كفرتموه أنتم، بل أقول: إنه {لا إله إلا هو} أنا به واثق في التربية والنصرة وغيرها. ولما كان تفرده بالإلهية علة لقصر الهمم عليه، قال: {عليه} أي وحده لا شريك له {توكلت} والتوكل: التوثيق في تدبير النفس برده إلى الله على الرضى بما يفعل {وإليه} أي لا إلى غيره {متاب *} أي مرجعي، معنى بالتوبة وحساً بالمعاد، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرتم إنكار يوم الدين. ولما فرغ من الجواب عن الكفر بالموحى، عطف على "هو ربي" الجواب عن الكفر بالوحي فقال: {ولو} إشارة إلى أنه يعتقد في القرآن ما هو أهله بعد ما أخبر عن اعتقاده في الرحمن، أي وقل: لو {أن قرآناً} كانت به الآيات المحسوسات بأن {سيرت} أي بأدنى إشارة من مشير ما {به الجبال} أي فأذهبت على ثقلها وصلابتها عن وجه الأرض {أو قطعت} أي كذلك {به الأرض} أي على كثافتها فشققت فتفجرت منها الأنهار {أو كلم به الموتى} فسمعت وأجابت لكان هذا القرآن، لأنه آية لا مثل لها، فكيف يطلبون آية غيره! أو يقال: إن التقدير: لو كان شيء من ذلك بقرآن غيره لكان به - إقراراً لأعينكم - إجابة إلى ما تريدون، لكنه لم تجر عادة لقرآن قبله بأن يكون به ذلك، فلم يكن بهذا القرآن، لأن الله لم يرد ذلك لحكمه علمها، وليس لأحد غير الله أمر في خرق شيء من العادات، لا لولي ولا لنبي ولا غيرهما حتى يفعل لأجلكم بشفاعة أو بغيرها شيئاً لم يرده الله في الأزل {بل} ويجوز أن يكون التقدير: لو وجد شيء من هذا بقرآن يوماً ما لكان بهذا القرآن، فكان حينئذ يصير كل من حفظ منه شيئاً فعل ما شاء من ذلك، فسير له ما شاء من الجبال إلى ما أراد من الأراضي لما رام من الأغراض، وقطع به ما طلب من الأرض أنهاراً وجناناً وغيرها، وكلم به من اشتهى من الموتى، ثم إذا فتح هذا الباب فلا فرق بين القدرة على هذا والقدرة على غيره، فيصير من حفظ منه شيئاً قادراً على شيء، فبطلت حينئذ حكمة اختصاص الله سبحانه بذلك من أراد من خلص عباده، وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من الفجرة أن أمر ذلك بيده، يفعل فيه ما يشاء متى شاء، فيصير ادعاءه مقروناً بالفعل شبهة في الشرك، وليعلم قطعاً أنه ليس في يد أحد أمر، بل {لِّلِّهِ} أي الذي له صفات الكمال وحده {الأمر} وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى {جميعاً} في ذلك وغيره، لا لي ولا لأحد من الأنبياء الذين قلتم إني لست أدنى منزلة منهم، وأما الخوارق التي كانت لهم فلولا أن شاءها لما كانت، فالأمر إليه وحده، مهما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأن هذا جواب لما حكي في السيرة النبوية أن الكفار تفتنوا به؛ قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، فاجتمع أشرافهم فأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم فكلموه في الكف عنهم وعرضوا عليه أن يملكوه عليهم وغير ذلك فأبى وقال: حديث : "إن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً تفسير : ، فقالوا: فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق - زاد البغوي: فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا، ونرجع في يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت - رجع إلى ابن إسحاق: وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل! فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك إلينا رسولاً كما تقدم - زاد البغوي: فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على ربك منه" فكان سؤالهم هذا متضمناً لادعائهم أن دعواه إنزال القرآن لا تصح إلا أن فعل هذه الاشياء. ولما كان هذا كله إقناطاً من حصول الإيمان لأحد بما يقترح، تسبب عنه الإنكار على من لم يفد فيه ذلك فقال تعالى: {أفلم} بفاء السبب {ييئس الذين آمنوا} من إيمان مقترحي الآيات بما يقترحون لعلمهم {أن} أي بأنه {لو يشاء الله}أي الذي له صفات الكمال - هداية كل أحد مشيئة مقترنة بوجوده {لهدى الناس} وبين أن اللام للاستغراق بقوله: {جميعاً} أي بأيسر مشيئة، والعلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه، لكنه لم يهدهم جميعاً فلم يشأ ذلك، ولا يكون إلا ما شاءه، فلا يزال فريق منهم كافراً، فقد وضح أن { ييئس} على بابها، وكذا في البيت الذي استشهدوا به على أنها بمعنى "علم" يمكن أن يكون معناه: ألم تيأسوا عن أذاي أو عن قتلي علماً منكم بأني ابن فارس زهدم، فلا يضيع لي ثأر، وكذا قراءة علي ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين - أفلم - يتبين الذين آمنوا - أي أن أهل الضلال لا يؤمنون لآية من الآيات علماً منهم بأن الأمر لله جميعاً، وأن إيمانهم ليس موقوفاً على غير مشيئته. ولما علم من ذلك أن بعضهم لا يؤمن، ضاقت صدور المؤمنين لذلك لما يعاينونه من أذى الكفار فأتبعه ما يسليهم عاطفاً على ما قدرته من نتيجة عدم المشيئة، فقال: {ولا يزال الذين كفروا} أي ستروا ضياء عقولهم {تصيبهم بما صنعوا} أي مما مرنوا عليه من الشر حتى صار لهم طبعاً {قارعة} أي داهية تزعجهم بالنقمة من بأسه على يد من يشاء، وهو من الضرب بالمقرعة {أو تحل} أي تنزل نزولاً ثانياً تلك القارعة {قريباً من دارهم} أي فتوهن أمرهم {حتى يأتي وعد الله} أي الملك الأعظم بفتح مكة أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك، لأنه لا يُبقي على الأرض كافراً، وفي غير ذلك من الأزمان كزمن فتح مكة المشرفة، فيكون المعنى خاصاً بالبعض {إن الله} أي الذي له مجامع الكمال {لا يخلف الميعاد} أي الوعد ولا زمانه ولا مكانه؛ والوعد: عقد الخبر بتضمن النفع، والوعيد: عقده بالزجر والضر، والإخلاف: نقض ما تضمن الخبر من خير أو شر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وهم يكفرون بالرحمن} قال: ذكر لنا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية - حين صالح قريشاً، كتب في الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم. فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم. قال: لا، ولكن اكتبوا كما يريدون" " تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في الحديبية، كتب "بسم الله الرحمن الرحيم. فقالوا: لا نكتب الرحمن وما ندري ما الرحمن!.... وما نكتب إلا باسمك اللهم" فأنزل الله تعالى {وهم يكفرون بالرحمن} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد - رضي الله عنه - {وإليه متاب} قال: توبتي.
القشيري
تفسير : لئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيراً من الرسل، ولئن أصابك منهم بلاءٌ فلقد أصاب مَنْ قَبْلَكَ كثيرٌ من البلاء، فاصْبِرْ كما صَبَرُوا تُؤْجَرْ كما أُجِرُوا. قوله جلّ ذكره: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}. لئن كفروا بنا فآمِنْ أنت، وإذا آمنتَ فلا تبالِ بِمَنْ جَحَد، فإِنَّك أنت المقصودُ من البَرِيَّة، والمخصوصُ بالرسالة والمحبة. لو كان يجوز في وصفنا أن يكون لنا غرضٌ في أفعالنا. ولو كان الغرض في الخِلْقَة فأنت سيد البَشَر، وأنت المخصوص من بين البشرية بحسن الإقبال، فهذا مخلوق يقول في مخلوق: شعر : وكنتُ أَخَّرْتُ أوطاري لوقت فكان الوقت وقتك والسلام وكنت أطالِبُ الدنيا بِحُبِّ فكنتَ الحُبَّ.. وانقطع الكلام
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} لم ير الحق سبحانه اهلا لروية وحدانيته وادراك حقائق توحيده من الخلق الا سيد المرسلين صلوات الله عليه اختاره بالرسالة وافشاء سر التوحيد فامره ان ينزهه بلسان الحقيقة وقال قل هو ربى لا اله الا هو اثبت ربوبيته حيث رباه بنور ذاته وصفاته ونفى غيره ولا غير بالحقيقة دخل فى بحر النفى بقوله لا ووصل الى جواهر وجود القدم والهوية فدار بسره بين دائرة هو واضمحل عن كينونية وجوده فتحرك سر طلب الاصل فيه وعرف انه لا يدركه بنفسه فاستعان بالازل فى معرفة الازل واستعاذ به فقال عليه توكلت واليه متاب فلما عجز الكل عن حمل هذه المعانى وحمل السيد حمل جميعهم بالله صار من العالم غرض الكل لذلك قال لولاك لما خلقت الكون ولما قام مقام الكل فهو تعالى لم يبال بالكل وهذا كما قيل شعر : وكنت ذخرت افكارى لوقت فكان الوقت وقتك والسَّلام وكنت اطالب الدنيا بحرٍّ فانت الحرّ وانقطع الكلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} اى مثل ما ارسلنا الرسل الى اممهم قبلك يا محمد {ارسلناك فى امة} بمعنى الى كما فى قوله تعالى {أية : فردّ ايديهم فى افواههم} تفسير : وفى بحر العلوم وانما عدى الارسال بفى وحقه ان يعدى بالى لان الامة موضع الارسال {قد خلت} مضت وتقدمت {من قبلها} عائد الى امة على لفظها {امم} ارسلوا اليهم فليس ببدع ارسالك الى امتك ثم علل الارسال فقال {لتتلو عليهم الذى اوحينا اليك} ضمير عليهم راجع الى امة على معناها اى لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذى اوحينا اليك وهو القرآن وما فيه من شرائع الاسلام وتزينهم بحلية الايمان فان المقصود من نزول القرآن هو العمل بما فيه وتحصيل السيرة الحسنة لا التلاوة المحضة والاستماع المجرد فالعامى المتعبد راجل سالك والعالم المتهاون راكب نائم: قال السعدى [تلميذ بى ارادت عاشق بى زرست ورونده بى معرفت مرغ بى برو عالم بى عمل درخت بى بر وزاهد بى علم خانه بى در] {وهم يكفرون بالرحمن} حال من فاعل ارسلناك اى وحالهم انهم يكفرون بالله الواسع الرحمة ولا يعرفون قدر رحمته وانعامه اليهم بارسالك وانزال القرآن العظيم عليهم - وروى - ان ابا جهل سمع النبى عليه السلام وهو فى الحجر يدعو يا الله يا رحمن فرجع الى المشركين وقال ان محمدا يدعو الهين يدعو الله ويدعو آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة يعنى به مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وهى بلدة فى البادية فنزلت هذه الآية {قل} لهم يا محمد {هو} اى الرحمن الذى كفرتم به وانكرتم معرفته {ربى} خالقى ومتولى امرى {لا اله الا هو} خبر بعد خبر اى هو مجامع لهذين الوصفين من الربوبية والالوهية فلا مستحق للعبادة سواه ومعناه لا اله الا هو الواحد المختص بالالهية {عليه توكلت} اليه اسندت امرى فى العصمة من شركم والنصرة عليكم {واليه} لا الى غيره {متاب} مصدر تاب يتوب واصله متابى اى مرجعى ومرجعكم فيرحمنى وينتقم لى منكم والانتقام من الرحمن اشد ولذا قيل نعوذ بالله من غضب الحليم: قال الحافظ شعر : بمهلتى كه سبهرت دهد زراه مرو ترا كه كفت كه اين زال ترك دستان كفت تفسير : والاشارة الى ان الامم لما كفروا بالله كفروا بالرحمن لان الرحمانية قد اقتضت ايجاد المخلوقات فان القهارية كانت مقتضية الواحدية بان لا يكون معه احد فسبقت الرحمانية القهارية فى ايجاد المخلوقات ولهذا السر قال تعالى {أية : ان كل من فى السموات والارض الا آتى الرحمن عبدا} تفسير : فارسل الله الرسل وانزل معهم الكتب ليقرأوا عليهم ويذكروهم بايام الله التى كان الله ولم يكن معه شيء ثم اوجدهم واخرجهم من العدم الى الوجود وهو الذى رب كل شيء وخالقه ولا اله الا هو واليه المرجع والمآب كما فى التأويلات النجمية. يقول الفقير عبارة الخطاب فى ارسلناك للنبى صلى الله عليه وسلم فهو المرسل لغة واصطلاحا وصاحب الوحى والدعوة واشارته لكل واحد من ورثته الذين هم على مشربه الى يوم القيامة بحسب كونه مظهرا لارثه فهو المرسل لغة لا اصطلاحا وصاحب الالهام والارشاد وكما ان لكل زمان صاحب دولة وظهور فكذا له صاحب رحمة وتصرف معنوى ولذا قال عليه السلام "حديث : علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل" تفسير : فاثبت لهم النبوة بمعنى الاخبار عن الله بالالهام وفى قوله {وهم يكفرون بالرحمن} اشارة الى ان المنعم عليه يجب ان لا يكفر بل يشكره بالايمان والاعتقاد كما دل عليه ما قبله الكفر والانكار من اقبح القبائح كما ان الايمان والاقرار من احسن المحاسن ولحسن الظن والاعتقاد الحسن تأثير بليغ -روى- ان جماعة من السراق نزلوا على اهل رباط فسأل عنهم صاحب الرباط فاستحيوا منه وقالوا نحن الغزاة فهيأ لهم طعاما وجاءت امرأة بسطت ليغسلوا ايديهم قبل الطعام وقالت ان لى بنتا عمياء اغسلها تبركا بغسالة الغزاة فغسلوا فغسلت المرأة وجه ابنتها بها فاصبحت سالمة من العمى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (كذلك): مفعول مطلق بأرسلناك، أي: مثل ذلك الإرسال المتقدم أرسلناك. وقال ابن جزي: الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: {يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب}. هـ. أي: كما أن الإضلال والهداية بيده كذلك اختصاصك بالرسالة إلى أمة... إلخ، وجملة: (وهم يكفرون): حال من ضمير (عليهم) أي: لتتلو عليهم في حال كفرهم لعلهم يؤمنون. و (متاب): مفعل، من التوبة. يقول الحق جل جلاله: قد أرسلنا قبلك رسلاً فأنذروا وبشروا قومهم، {كذلك أرسلناك} أي: مثل ذلك الإرسال أرسلناك في أمة، أو كما هدينا من أناب إلينا اختصصناك برسالتنا، {في أُمةٍ قد خَلتْ}؛ مضت {من قبلها} أي: تقدمها {أممٌ} أرسل إليهم رسلهم؛ فليس ببدع إرسالك إلى هذه الأمة الأمية، {لِتَتلُوَ عليهم الذي أوحينا إليك}: لتقرأ عليهم الكتاب، الذي أوحينا إليك، والحالة أنهم {يكفرون بالرحمن} أي: بالبليغ الرحمة التي أحاطت بهم نعمته، ووسعت كل شيء رحمته، فلم يشكروا ما أنعم به عليهم، وخصوصاً إرسالك إليهم، وإنزال القرآن عليهم، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنيوية. قيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: في قريش حين قالوا: لا نعرف الرحمن، والمعنى: أرسلناك إليهم رحمة لتتلوا عليهم ما هو مناط الرحمة، {وهم يكفرون بالرحمن} ـ، والحال: أنهم يكفرون ببليغ الرحمة. {قل هو ربي} أي: الرحمن خالقي ومتولي أمري، {لا إله إلا هو}، لا مستحق للعبادة غيره، {عليه توكلتُ} في أموري، ومن جملتها نصري عليكم. {وإليه مَتَابِ}؛ مرجعي في أموري كلها، لا أرجع إلى أحد غيره، ولا أتعلق بشيء سواه. الإشارة: قد بعث الله في كل عارفاً بالله يحيي به الدين، ويعرف الطريق إلى رب العالمين؛ فالأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة، غير أنهم تارة يخفون، لفساد الزمان، وتارة يظهرون؛ رحمة للأنام. فإذا وقع الإنكار عليهم، أو استغرب وجودهم، يقال لهم: كذلك أرسلنا في كل أمة نذيراً، وداعياً، فإرسالكم أنتم وإظهاركم ليس ببدع، لتعلموا الناس ما أوحي إليكم من طريق الإلهام؛ فإظهاركم رحمة، وهم يكفرون هذه النعمة. فاعتمدوا على الرحمن، وثقوا بالواحد المنان، وراجعوا إليه في كل حال وشأن. فمن توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه حماه.
الطوسي
تفسير : قيل في التشبيه في قوله {كذلك أرسلناك} وجهان: احدهما - قال الحسن والجبائي: إِن المعنى إِنا ارسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك. وقال قوم: ان المعنى إِن النعمة على من أرسلناك اليه، كالنعمة على من تقدم ذكره بالثواب في {حسن مآب}, والمعنى إِنا ارسلناك يا محمد {في أمّة} قد مضت {من قبلها أمم} وغرضي ان تتلوا أي تقرأ عليهم ما {أوحينا إليك} من الأمر والنهي والوعد والوعيد. والارسال تحميل الرسول الرسالة، فرسول الله قد حمله الله رسالة الى عباده، فيها أمره ونهيه وبيان ما يريده وما يكرهه. والأمّة الجماعة الكثيرة من الحيوان التي ترجع الى معنى خاص لها دون غيره، فمن ذلك أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل جنس من أجناس الحيوان أمة، لاختصاصها بمعنى جنسها، فعلى هذا العرب أمة، والترك أمة، والزنج أمة، و (الخلو) مضي الشيء بنقيضه على تجرد مما كان عليه، كأنه ينفيه دون احواله التي كان عليها، فقد انفرد عنها. و (التلاوة) جعل الثاني يلي الأول بعده بلا فصل. والتلاوة والقراءة واحد. وقوله {وهم يكفرون بالرحمن} إِنما قال {بالرحمن} دون {الله} لان اهل الجاهلية من قريش، قالوا الله نعرفه، والرحمن لا نعرفه. وكذلك قالوا {أية : وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا}تفسير : وقال {أية : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}،تفسير : وهو قول الحسن، وقتادة. ثم أمر الله تعالى نبيه ان يقول لهم {هو} يعني الرحمن {ربي} أي خالقي ومدبري {لا إِله إِلا هو} ليس لي إِله ولا معبود سواه {عليه توكلت} أي وثقت به في تدبيره وحسن اختياره. والتوكل التوثيق في تدبير النفس بردّه الى الله {وإِليه متاب} أي الى الله الرحمن توبتي وهو الندم على ما سلف من الخطيئة مع العزم على ترك المعاودة الى مثله في القبح، والمتاب والتوبة مصدران، يقال: تاب يتوب توبة ومتاباً.
الجنابذي
تفسير : {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ} اى ارسلناك ارسالاً مثل ذلك الارسال من قبيل تشبيه الكلّىّ بالجزئىّ وتمثيله به او كذلك خبر مبتدء محذوف اى الامر كذلك وارسلناك مستأنف {فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} حتّى تكون الامم الماضية عبرة لهم وتكون انت فيهم اقرب الى التّصديق من الرّسل الماضية (ع) فى اممهم {لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} من القرآن والاحكام وقصص الماضين بل اصل ما اوحينا اليك وهو ولاية علىّ (ع) {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} اى لتتلوا عليهم حال كفرهم بالرّحمن لتصرفهم عن كفرهم او لكنّهم يكفرون بالرّحمن {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تعميم بعد تخصيص يعنى هو ربّى وربّ كلّ شيءٍ اذ لا اله الاّ هو {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فى جملة امورى {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} يعنى لا انظر فى مبدئى ومعادى ومعاشى الى غيره بل انظر الى ربوبيّته وآلهته لنفسى ولكلّ شيءٍ والى حفظه ونصرته فى كلّ حال ولذلك توكّلت عليه ولا ارى لنفسى مرجعاً آخر.
الهواري
تفسير : قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ} يقول: كذلك أرسلناك في أمة كما أرسلنا في الأمم التي قد خلت من قبل هذه الأمم. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنتم توافون سبعين أمة أنتم خيرها وآخرها وأكرمها على الله تفسير : قوله: {لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: القرآن { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}؛ كانوا يقولون: أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه. قال الله: (أية : قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) تفسير : [الإسراء:110]. وقال: (أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)تفسير : [الفرقان:60]. هذا في تفسير الحسن. وقال بعضهم: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمان الحديبية حين صالح قريشاً كتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال مشركو العرب: إن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم. قال: حديث : لا، ولكن اكتبوا ما يريدون. إِنّي لمحمد بن عبد الله [وإِني لرسول الله]تفسير : . فكتب الكاتب: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه. وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم؛ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم. قال: حديث : لا، ولكن اكتبوا كما يريدونتفسير : ، فأنزل الله {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}. { قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ}. قال الحسن: يعني التوبة.
اطفيش
تفسير : {كَذلكَ أرْسلناكَ} أى كما أرسلنا رسلا إلى أمم قبلك أرسلناك {فى أمةٍ قَدْ خَلتْ} مضت {مِنْ قَبلها أممٌ} أرسل الرسل إليهم، فليس إرسالها بدعا {عَليهم الذِى أوْحينَا إليكَ} وهو القرآن، والهاء فى عليهم للأمة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله " تفسير : {وهُم} أى قومك والواو للحال من فاعل فى أرسلناك {يكْفرونَ بالرَّحْمن} أى بالله الذى هو المنعم بجلائل النعم ودقائقها، نعم الدنيا والآخرة، ومنها: إرساله إياك إليهم، وإنزال القرآن المتعلقة به منافع الدين والدنيا، فالمراد بالرحمن الذات الواجب الوجود، وذلك أنهم كفروا بهذا اسم الذى هو قولك: الرحمن، والكفر باسم من أسماء الله كفر بالله تعالى. ويجوز أن يراد بالرحمن فى الآية هذا الاسم، ويقدر على هذا الوجه مضاف فى قوله: {هو ربى} أى هو اسم ربى. حديث : لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فى الحديبية قال لعلى أُكتب: "هذا ما صالح محمد رسول الله" قال سهل بن عمر: إن كنت رسولا لقد ظلمناك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه ابن عبد الله، قال المسلمون: دعنا نقاتلهم، قال: "لا لكن اكتبوا ما يريدون" وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أما الرحمن فلا نعرفه إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة، ولكن اكتب: باسمك اللهم، وكانت الجاهلية يكتبون ذلك، فقالوا: دعنا نقاتلهم، فقال: "لا لكن اكتبوا ما يريدون" فنزل: {كذلك أرسلناك فى أمة} إلى {وإليه متاب} تفسير : فالآية مدنية، وبه قال مقاتل، وابن جريج، وقتادة. والمعروف أنها مكية، وأن سببها أن أبا جهل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فى الحجر يا الله، يا رحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إن محمدا يدعو إليهن اثنين، يدعو الله، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف رحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت، وقال الضحاك، عن ابن عباس: نزلت فى قولهم: وما الرحمن حين قال لهم:{أية : اسجدوا للرحمن}تفسير : ونزل فى ذلك أيضا:{أية : قل ادعو الله أو ادعو الرحمن}تفسير : الآية وكذلك قال الحسن. {قلْ} يا محمد {هْو ربِّى} مبتدأ وخبر، أو هو ضمير الشأن مبتدأ، وربى مبتدأ وقوله: {لا إله إلاَّ هُو} خبر مبتدأ، والجملة خبر الشأن، أى لا أهل للعبادة سواه، ولا شريك له كما زعم قائلكم: إن محمداً يدعو إلهين. {عَليه} لا على غيره {توَكَّلتُ} فى نصرتى عيلكم جميع أمورى {وإليه} لا إلى غيره {مَتَابِ} أى مرجعى، وهو مصدر ميمى بمعنى الرجوع، أى لا أرجع إلا إليه بالبعث للجزاء على مصابرتكم ومجاهدتكم، وحذفت ياء الإضافة، ودلت عليهما الكسرة. قال ابن عباس وغيره: حديث : إن نفرا من مشركى قريش، منهم أبو جهل، وعبد الله بن أمية، جلسوا خلف الكعبة، وأرسلوا خلف النبى صلى الله عليه وسلم فأتاهم، وقيل: مر بهم وهم جلوس، فدعاهم إلى الله عز وجل، فقال عبد الله بن أمية: إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن، وأذهبها عنا حتى نتفسح، فإنها أرض ضيقة، فتتخذ فيها بساتين ومزارع، واجعل لنا أنهار نسقى ذلك بها إن كنت نبيا كما زعمت، فلست بأهون على ربك من داود، إذ سخر له الجبال؟ قال: "لا أقدر على ذلك". قالوا: فسخر لنا الريح لنركبها إلى الشام فى ميرتنا وحوائجنا، ونرجع من يومنا، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة، كما سخرت لسليمان، ولست بأهون على الله منه إن كنت كما زعمت؟ قال: "لا أستطيع". قالوا: فابعث لنا جدك قصيا أو فلانا وفلانا لنسألهم عن أمرك أحق أم باطل، فإن عيسى كان يحيى الموتى، ولست بأهون على الله منه إن كنت رسوله؟ قال: "لا أستطيع ذلك" فنزل: {ولَو أنَّ قُرآناً...}.
اطفيش
تفسير : {كذَلِكَ} مثل إرسال الرسل قبلك المدلول عليهم بقوله استهزىءَ برسل من قبلك، وبقوله فى أُمة قد خلت، وهو مفعول مطلق لقوله {أَرْسَلْناكَ} أَو المعنى كما هدى الله من أَناب، أَو أَرسلناك أَو كما جرت العادةُ بالإِضلال والهداية أَرسلناك، أَو يقدر الأَمر كذلك {فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ} برسلهم فليست رسالتك ببدع فكيف يقولون: البشر لا يكون نبياً {لِّتَتلُوا عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْك} وهو القرآن {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} بالله الذى نعم الدنيا والآخرة صغيرها وكبيرها فى ملكه، ولا سيما أَن منها القرآن، وكفروا به ولم يشكروها، قيل: أَو باسم الرحمن أنكروا أن يكون الله: " أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن"تفسير : [الفرقان: 60] الآية، سبب نزولها أَهل مكة لهذه الآية ولقول أَبى جهل لما سمع قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا الله يا رحمن"تفسير : قال: محمد ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، ونزلت الآية لذلك، وخصوص السبب لا ينافى عموم الحكم والكفر باسمه تعالى أَو صفته أَو فعله كفر به، والمتبادر أَن المراد بالرحمن الذات الواجب لا الاسم فالمراد كفر نعمة {قُلْ}لهم يا محمد{هُوَ}أَى الرحمن الذي أَنكرتم ذاته بإنكار صفاته أَو اسمه، أَو أَنكرتم معرفته إِذ قلتم وما الرحمن {رَبِّى} مالكى {لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ علَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فى نصرى وكل ما أُريد {وإِلَيْهِ مَتَابِ} مرجعى بالموت والبعث، ومرجعكم بهما، وذكر متابه فقط لأنهم مثله، كما أرجع إليه ترجعون، وطلب كفار مكة أن يزيل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبالهما لتتسع للحرث والغرس والبناءِ، وأن يقطع الأرض بتفجيرها عيونا، وإظهار معادنها أو بتخشيعها بتلاوة ما تتلوه عليها، وبأن تكلم به الموتى بعد إِحيائِهم، قصيا وغيره من آبائِنا، فيتكلموا به مطلقاً، أَو يتكلموا به ويصدقوك فنؤْمن فنزل قوله تعالى: {وَلوْ أَنَّ قُرْآناً} بعضاً من القرآن كحرف أو كلمة أو جملة أو آية أو سورة أو أكثر، وذلك أن بعض القرآن قرآن فكيف يؤْمنون إن لم تسر ولم تقطع أو لم تكلم الموتى، أو فعلت ذلك بالقرآن كله، أو المراد القرآن فينكر للتعظيم، أو المراد شيئاً يقرأُ كائِنا ما كان {سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} عن مقارها، فلست بأَهون على ربك من داود وقد سخر له الجبال تسير معه، وكذبوا وإنما سخرها تسبح معه ولو قالوا أَلانها له لصدقوا فى إلانتها، وكما نقل الطور لموسى عن محله فيما قيل، وكما سخر الريح والجبال لسليمان {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ} لمصالحنا، جعلت قطعاً للأَنهار والحرث والغرس، كما قطعت لموسى عيونا {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْموْتَى} كإحياء جدنا قصى فإن عيسى يحيى الموتى، ولست أَهون على ربك منه، ويروى أن جماعة من المشركين منهم أبو جهل وعبد الله بن أُمية: أَرسلوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأتاهم أو مر بهم، فقال عبد الله بن أُمية: إن سرك أَن نؤمن بك فافعل ذلك، وزيد: سخر الريح تجربنا إلى الشام لتجرنا وميرتنا ونرجع فى يومنا كسليمان، ولست أهون منه عند ربك، وجواب لو محذوف تقديره بعد الموتى لما آمنوا أَو لم يؤْمنوا كما قال: " أية : ولو أَننا نزلنا إِليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىءٍ قبلا ما كانوا ليؤمنوا" تفسير : [الأنعام: 111] إلخ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً بخلاف تفسير التقطيع بالسير إلى الشام على الريح ن فإنه لا دليل عليه، ولا يتبادر، وسير سليمان على الريح يكون فوق الجبال وغيرها، أو دليل الجواب قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} وما بينهما معترض، كأَنه قيل: أَو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، وعذاب شديد الرحمة أشد عذاب كما يقال: نعوذ بالله من غضب الحليم، ويقال: نعوذ بالله من غضب الرحيم، أَو يقدر لو أن شيئاً ما مما يقرأُ سيرت به الجبال أَو قطعت به الأرض أَو كلم به الموتى لكان هو هذا القرآن؛ لأَنه فى غاية الإعجاز والتأْثير، لكن لا أَثر لشىءٍ إلا بإِذن الله - عز وجل -، وأَو لمنع الخلو لا الجمع، وقيل بمعنى الواو لأَنهم طلبوا ذلك كله لا بعضه، والواو فى قوله: وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم، ولو قيل: أَو كلمت به الموتى بتأويل الجماعة كما سيرت به الجبال بتأويلها لصح لكن أَسقط التاءَ لأَنهم طلبوا أَجداداً ذكوراً عقلاءً فناسب اختيار إسقاطها لا لمجرد تغليب الذكور فى الموتى إذ لا أُنثى فى مطلوبهم، وأيضاً الجبال ذكور بلا تغليب قرنت بالتاءِ وعدم العقل يعادله خلطة الإناث لو كن فلا تهم، ويروى أَنه لما نزل " أية : وأَنذر عشيرتك الأَقربين"تفسير : [الشعراء: 214] صاح على أَبى قبيس: يا آل عبد مناف إِنى نذير، فقالوا: سخر الله تعالى الجبال والريح لسليمان والبحر لموسى والموتى لعيسى فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال أربعة أَيام أَو خمسة، ويفجر لنا أنهاراً للحرث، وتحملنا الريح إلى اليمن أو الشام أو الحيرة ذهاباً ورجوعا، وإلا فادع الله تعالى أَن تحملنا موتانا، أَو يجعل الصخرة تحتك ذهبا تغنينا عن رحلة الشتاءِ والصيف، فنزلت الآية {بَلْ لِّلهِ الأَمْرُ جمِيعاً} لا يخرج شىء عن قدرته، فلو شاءَ لكان التسيير والتقطيع والتكليم بلا قرآن، ولو شاءَ لفعل ذلك به، وقد شاءَ أَلاَّ يؤْمنوا فلا يؤْمنوا، هذا وجه اتصال بل بما بعدها، أو لم يفعل بالقرآن ذلك بل لله الأمر، فالإضراب متعلق بأنه لم يفعل بالقرآن ذلك، ويجوز اتصالها بما دلت عليه لو من الانتفاء، ويجوز كونها لمجرد انتقال كلام الآخر، وقوله: بل لله الأمر جميعاً قائم مقام أنه قادر على ذك، وأنه لم يفعله لأنهم لا يؤمنون، ويناسبه قوله تعالى {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} ألم يقنطوا من إيمان هؤلاءِ الكفرة مع ما رأوه من عنادهم، والمحرم الإياس من الله لا من المخلوق، اَو أَلم يعلموا، كما قال سحيم:شعر : أَقول لهم بالشعب إذ يأْسروننى أَلم تيأَسوا أَنى ابن فارس زهدم تفسير : وقال رباح بن عدى:شعر : ألم ييأَس الأَقوال أَنى أَنا ابنه وإن كنت عن أَرض العشيرة نائيا تفسير : والهمزة مما بعد الفاءِ، أَو يقدر: أَغفلوا أو أطمعوا فلم ييأَس الذين آمنوا، وواو غفلوا الذين آمنوا على التنازع، قال بعض الصحابة للنبى صلى الله عليه وسلم: ادع الله فيفعل لك ما طلبوه، فنزلت الآية {أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً} إلى الإيمان تعليل للاستفهام الإنكارى، وقد أجاز قوم التعلق بأَحرف المعانى، كأَنه قيل: بطلت غفلتكم وعدم إياسكم، لأنه لو يشاءُ الله، أَو بأَنه، والهاءُ للشأْن، أَو يتعلق بمحذوف، أَى لا يؤمنون؛ لأَنه لو شاءَ الله لهدى الناس جميعاً، ولكن لم يشأْ إِيمان هؤلاءِ، أَو يقدر علماً منهم بأَن لو يشاءُ إِلخ، أَو عالمين بأَن لو إِلخ أَو يقدر بأَن لو فيعلق يأْمنوا، أَو ييأَس بمعنى يعلم على لغة هوازن، أَو قوم من النخع، أو لغة النخع، أو يستعمل اليأْس فى معنى العلم؛ لأَن الآيس من الشىءِ عالم بأَنه لا يكون، كالرجاءِ بمعنى الخوف، والنسيان بمعنى الترك وذلك أَن اليأْس مسبب عن علمهم بأَن إيمانهم الميئوس منه لا يكون إلا معلوما، وأَما تفسير اليأْس بمعنى التبين فنظر إلى حاصل المعنى لا الصناعة؛ لأَنه لم يقل: للذين بلام الجر {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا} من أهل مكة {تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا} بما صنعوه من الشرك والمعاصى وجورهم، أَو بصنعهم والباءُ سببية {قارِعَةٌ} فعلة من الله ضاربة لهم كقتل وأسر وحرب وجدب وغارة على مواشيهم، أو يقدر داهية قارعة، لكن داهية يحتاج معها إلى تقدير موصوف مؤنث أيضا بحسب الأصل، أَو يقدر عذاب قارعة، على أن التاءَ للمبالغة {أَوْ تَحُلُّ} تلك القارعة، أَو أَنت يا محمد {قَرِيباً مِّنْ دَارِهِمْ} مكة كما حللت من مكة عام الحديبية، ويبحث بأنه لا دليل على تخصيص كفار مكة، وبأن حلوله يوم الحديبية لا يمتد إلى إتيان وعد الله، إِلا أَن يقال: حتى غاية إصابة القارعة، وبأَن حلوله فيها للعمرة لا للقتال وصدوه إلى قابل {حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللهِ} موعوده من النصر لك عليهم بالفتح، أَو موتهم بلا قتل، فمنهم من مات بالقتل كمامر، ومنهم من مات ذليلا حزينا كأَبى لهب، ولا يصح التفسير بيوم القيامة؛ لأَن الأَمر انفصل بفتح مكة، إِلا على معنى لم تخافون ذلك {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} الوعد ولا الوعيد؛ لأَنه لا يكذب ولا تبدو له البداوات، وقد أنجز الله - جل جلاله - وعده وسلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {ولَقَدْ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ} عظام كثيرين {مِنْ قَبْلِك} وهدد قومه بما فعل بأُمم الرسل قبله فى قوله {فَأمْلَيْتُ} أَمهلت ملاوة من الزمان أى مدة فى تمتع كالبهيمة فى المرعى مدة {لِلَّذِينَ كَفرُوا} من أُممهم، دل هذا على أن فاعل الاستهزاءِ هو الذين كفروا إذ لا يستهزىُ أَحد، ويجازى غيره على استهزائِه، لا تزر وازرة وزر أُخرى، والآمر باشلاءِ كفاعله، فقد يهلك الآمر دون المأمور الفاعل بأَن تاب من فعله {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} عن حياتهم وملاذهم ومصالحهم وأَملاكهم بالإهلاك {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} لهم استفهام وتعجيب وتعظيم، أى هو واقع موقعه من الشدة والعدل والبعث به فى حال خلو بالهم منه، وحال الفرح، ورجاءِ الخير، وذلك أشد، وكذلك أفعل بالمستهزئين منك يا محمد، فالآية تسلية له صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : . {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المصحوب بالمعجزة الباهرة، ويجوز أن يراد مثل إرسال الرسل قبلك {أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ } فيكون قد شبه إرساله صلى الله عليه وسلم بإرسال من قبله وإن لم يجر لهم ذكر لدلالة قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ } أي مضت {مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } كثيرة قد أرسل إليهم رسل عليهم وروي هذا عن الحسن، وقيل: الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء } تفسير : [الرعد: 27] الخ أي كما أنفذنا ذلك أرسلناك/ ونقل نحوه عن الحوفي؛ وقال ابن عطية: الذي يظهر أن المعنى كما أجرينا العادة في الأمم السابقة بأن نضل ونهدي بوحي لا بالآيات المقترحة كذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة وأرسلناك إليهم بوحي لا بالآيات المقترحة فنضل من نشاء ونهدي من أناب، وقال أبو البقاء: التقدير الأمر كذلك، والحسن ما قدمناه وما روي عن الحسن. و {فِى } بمعنى إلى كما في قوله تعالى: {أية : فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 9] وقيل: هي على ظاهرها، وفيها إشارة إلى أنه من جملتهم وناشىء بينهم ولا تكون بمعنى إلى إذ لا حاجة لبيان من أرسل إليهم وفيه نظر ظاهر، وهي متعلقة بالفعل المذكور، وقول الزمخشري: في تفسير الآية ((يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على [سائر] الإرسالات ثم فسر كيف أرسله بقوله: {فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } أي أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء)) لم يرد به أنها لا تتعلق بالمذكور بل أراد أن المشار إليه المبهم لما كان ما بعده تفخيماً كان بيانه بصلة ذلك الفعل حتى يزول الإبهام، ويجوز أن يريد ذلك فيقدر أرسلناك ثانياً ويكون قوله: أي أرسلناك في أمة إظهاراً للمحذوف أيضاً لا بياناً لحاصل الآية وهو الذي آثره العلامة الطيبـي، والتعلق بالمذكور هو الظاهر، وجملة {قَدْ خَلَتْ } الخ في موضع الصفة ـ لأمة ـ وفائدة الوصف بذلك قيل: ما أشار إليه الزمخشري. واعترض بأنه لا يلزم من تقدم أمم كثيرة قبل أن لا يكون أمة يرسل إليها بعد حتى يلزم أن يكون صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء عليهم السلام، وبحث فيه الشهاب بأن المراد بكون إرساله عليه الصلاة والسلام عجيباً أن رسالته أعظم من كل رسالة فهي جامعة لكل ما يحتاج إليه فيلزم أن لا نسخ إذ النسخ إنما يكون للتكميل والكامل أتم كمال غير محتاج لتكميل كما قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [المائدة: 3] اهـ ولعمري إن الاعتراض قوي والبحث في غاية الضعف إذ لا يلزم من كون إرساله صلى الله عليه وسلم عجيباً ما ادعاه، ولو سلمنا ذلك لا يلزم منه أيضاً كونه عليه الصلاة والسلام خاتماً إذ بعثه مقرر دينه الكامل كما بعث كثير من أنبياء بني إسرائيل لتقرير دين موسى عليه السلام لا يأبـى ما ذكر من جامعية رسالته عليه الصلاة والسلام ولزوم عدم النسخ لذلك كما لا يخفى، ولعله لهذا اختار بعضهم ما روي عن الحسن وقال: منبهاً على فائدة الوصف يعني مثل إرسال الرسل قبلك أرسلناك إلى أمم تقدمتها أمم أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليها. {لتَتْلُوَا} لتقرأ {عَلَيْهِمُ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي الكتاب العظيم الشأن، ويشعر بهذا الوصف ذكر الموصول غير جار على موصوف، وإسناد الفعل في صلته إلى ضمير العظمة وكذا الإيصال إلى المخاطب المعظم بدليل سابقه على ما سمعت أولاً، وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } تفسير : [الشرح: 2] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن قبولها له عند وروده عليها، وضمير الجمع للأمة باعتبار معناها كما روعي في ضمير {خَلَتِ } لفظها. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ } أي بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته فلم يشكروا نعمه سبحانه لا سيما ما أنعم به عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية عليهم بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر ومقتضى العقل عكس ذلك، وكان الظاهر ـ بنا ـ إلا أنه التفت إلى الظاهر وأوثر هذا الاسم الدال على المبالغة في الرحمة للإشارة إلى أن الإرسال ناشيء منها كما قال سبحانه: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] وضمير الجمع للأمة أيضاً، والجملة في موضع الحال من فاعل أرسلنا لا من ضمير {عَلَيْهِمْ } إذ الإرسال ليس للتلاوة عليهم حال كفرهم، ومنهم من جوز ذلك والتلاوة عليهم حال الكفر ليقفوا على/ إعجازه فيصدقوا به لعلمهم بأفانين البلاغة ولا ينافي تلاوته عليهم بعد إسلامهم، وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة والضمير حسبما علمت، وقيل: إنه يعود على الذين قالوا: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الرعد: 27] وقيل: يعود على {أُمَّةٍ } وعلى {أُمَمٌ } ويكون في الآية تسلية له صلى الله عليه وسلم، وعن قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية وقد كتب فيه علي كرم الله تعالى وجهه بسم الله الرحمن الرحيم فقال: سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وقيل: سمع أبو جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا الله يا رحمن فقال إن محمداً ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين فنزلت، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما قيل لكفار قريش: {أية : ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [الفرقان: 60]؟ فنزلت، وضعف كل ذلك بأنه غير مناسب لأنه يقتضي أنهم يكفرون بهذا الاسم وإطلاقه عليه سبحانه وتعالى والظاهر أن كفره بمسماه. {قُلْ } حين كفروا به سبحانه ولم يوحدوه {هُوَ } أي الرحمن الذي كفرتم به {رَبّى} خالقي ومتولي أمري ومبلغي إلى مراتب الكمال، وإيراد هذا قبل قوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي لا مستحق للعبادة سواه تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية، والجملة داخلة في حيز القول وهي خبر بعد خبر عند بعض، وقال بعض آخر: إنه تعالى بعد أن نعى على الكفرة حالهم وعكسهم مقتضى العقل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينبههم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر ومآل أمره تأنيباً لهم فقال: هو ربـي الذي أرسلني إليكم وأيدني بما أيدني ولا رب لي سواه {عَلَيْهِ } لا على أحد سواه {تَوَكَّلْتُ } في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم {وَإِلَيْهِ } خاصة {مَتَابِ} أي مرجعي فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم، وقوله سبحانه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض أكد به اختصاص التوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور عاجلاً وآجلاً إليه، ومثله قوله تعالى: {أية : ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 106] اهـ. وإلى القول بالاعتراض ذهب صاحب "الكشف" وحمل على ذلك كلام "الكشاف" حيث ذكر بعد {هُوَ رَبّى } الواحد المتعالي عن الشركاء فقال: جعله فائدة الاعتراض بلا إله إلا هو أي هذا البليغ الرحمة ولا إله إلا هو فهو بليغ الانتقام كما هو بليغ الرحمة يرحمني وينتقم لي منكم، وهو تمهيد أيضاً لقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } ولم يجعل خبراً بعد خبر إذ ليس المقصود الإخبار بأنه تعالى متوحد بالإلهية بل المقصود أن المتوحد بها ربـي وذلك يفيده الاعتراض؛ وأما أن المفهوم من كلامه أنه حال ولذلك أجري مجرى الوصف فكلا إلا أن يجعل حالاً مؤكدة ولا يغاير الاعتراض إذاً كثير مغايرة لكن الأول أملأ بالفائدة اهـ ولا يخفى ما في توجيه كلام "الكشاف" بذلك من الخفاء، وفي كون المقصود أن المتوحد بالإلهية ربـي دون الإخبار بأنه تعالى متوحد بها على ما قيل تأمل. ولعل مبناه أن ما أثبته أوفق بالغرض الذي يشير كلامه إلى اعتباره مساقاً للآية، وفيه من المبالغة في وصفه تعالى بالتوحد ما لا يخفى. نعم قيل للقول بالاعتراض وجه وأنه حينئذ لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بعد أن ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم إليهم وأن حالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة ولا يقابلون رحمته بالشكر فيؤمنوا به ويوحدوه أمره بالإخبار بتخصيص توكله واعتماده على ذلك البليغ الرحمة ورجوعه في سائر أموره إليه إيماء إلى أن إصرارهم على الكفر لا يضره/ شيئاً وأن له عليه الصلاة والسلام عاقبة محمودة وأنه سبحانه سينصره عليهم، وفي ذلك من تسفيه رأيهم في الإصرار على الكفر واستنهاضهم إلى اتباعه ما فيه إلا أنه عز شأنه أمره أولاً أن يقول: {هُوَ رَبّى } توطئة لذلك وجيء بلا إله إلا هو اعتراضاً للتأكيد، والذي يميل إليه الطبع بعد التأمل وملاحظة الأسلوب القول بالاعتراض، ثم لا يخفى أن حمل {وَإِلَيْهِ مَتَابِ } على إليه رجوعي في سائر أموري خلاف الظاهر وأنه على ذلك يكون كالتأكيد لما قبله. وقال شيخ الإسلام في "تفسيره": أي إليه توبتي كقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } تفسير : [غافر: 55] أمر عليه الصلاة والسلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى وأنها صفة الأنبياء وبعثاً للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجه وألطفه، فإنه عليه الصلاة والسلام حيث أمر بها وهو منزه عن شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلاً اهـ. وفيه أن هذا إنما يصلح باعثاً للإقلاع عن الذنب على أبلغ وجهه وألطفه لو كان الكلام مع غير الكفرة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولعل ذلك ظاهر عند المنصف، وقال العلامة البيضاوي في ذلك: أي إليه مرجعي ومرجعكم وكأنه أراد أيضاً فيرحمني وينتقم منكم، والانتقام من الرحمن أشد كما قيل: أعوذ بالله تعالى من غضب الحليم. وتعقب بأنه إنما يتم لو كان المضاف إليه المحذوف ضمير المتكلم ومعه غيره أي متابنا إذ يكون حينئذ مرجعي ومرجعكم تفصيلاً لذلك ولا يكاد يقول به أحد مع قوله بكسر الباء فإنه يقتضي أن يكون المحذوف الياء على أن ذلك الضمير لا يناسب ما قبله، ولعل العلامة اعتبر أن في الآية اكتفاء على ما قيل: أي متابـي ومتابكم أو أن الكلام دال عليه التزاماً وهذا أولى على ما قيل فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : هذا الجواب عن قولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه} لأن الجواب السابق بقوله: {قل إن الله يضل من يشاء} جواب بالإعراض عن جهالتهم والتعجب من ضلالهم وما هنا هو الجواب الرادُّ لقولهم. فيجوز جعل هذه الجملة من مقول القول، ويجوز جعله مقطوعة عن جملة {قل إن الله يضل من يشاء}. وأيّا ما كان فهي بمنزلة البيان لجملة القول كلها، أو البيان لجملة المقول وهو التعجب. وفي افتتاحها بقوله: {كذلك} الذي هو اسم إشارة تأكيد للمشار إليه وهو التعجب من ضلالتهم إذ عموا عن صفة الرسالة. والمشارُ إليه: الإرسال المأخوذ من فعل {أرسلناك}، أي مثل الإرسال البين أرسلناكَ، فالمشبه به عين المشبّه، إشارة إلى أنه لوضوحه لا يبين ما وضح من نفسه. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا } تفسير : في سورة البقرة (143). ولما كان الإرسال قد علق بقوله: {في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك} صارت الإشارة أيضاً متحملة لمعنى إرسال الرسل من قبله إلى أمم يقتضي مرسَلين، أي ما كانت رسالتك إلاّ مثل رسالة الرسل من قبلك. كقوله: { أية : قل ما كنت بدعا من الرسل } تفسير : [سورة الأحقاف: 9] وقوله: { أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } تفسير : [سورة الفرقان: 20] لإبطال توهم المشركين أن النبي لما لم يأتهم بما سألوه فهو غير مرسل من الله. وفي هذا الاستدلال تمهيد لقوله: { أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال } تفسير : [سورة الرعد: 31] الآيات. ولذلك أردفت الجملة بقوله: {لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك}. والأمّة: هي أمة الدعوة {فمنهم من آمن ومنهم من كفر}. وتقدم معنى {قد خلت من قبلها أمم} في سورة آل عمران عند قوله: { أية : قد خلت من قبلكم سُنن } تفسير : [سورة آل عمران: 137]. ويتضمن قوله: {قد خلت من قبلها أمم} التعريض بالوعيد بمثل مصير الأمم الخالية التي كذبت رسلها. وتضمن لام التعليل في قوله: {لتتلو عليهم} أن الإرسال لأجل الإرشاد والهداية بما أمر الله لا لأجل الانتصاب لخوارق العادات. والتلاوة: القراءة. فالمقصود لتقرأ عليهم القرآن، كقوله: { أية : وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } تفسير : [سورة النمل: 92] الآية. وفيه إيماء إلى أن القرآن هو معجزته لأنه ذكره في مقابلة إرسال الرسل الأولين ومقابلة قوله: { أية : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } تفسير : [سورة الرعد: 7]. وقد جاء ذلك صريحاً في قوله: { أية : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } تفسير : [سورة العنكبوت: 51]. وقال النبي: ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إلي. وجملة {وهم يكفرون بالرحمٰن} عطف على جملة {كذلك أرسلناك}، أي أرسلناك بأوضح الهداية وهم مستمرون على الكفر لم تدخل الهداية قلوبهم، فالضمير عائد إلى المشركين المفهومين من المقام لا إلى {أمة} لأن الأمة منها مؤمنون. والتعبير بالمضارع في {يكفرون} للدلالة على تجدد ذلك واستمراره. ومعنى كفرهم بالله إشراكهم معه غيره في الإلهية، فقد أبطلوا حقيقة الإلهية فكفروا به. واختيار اسم (الرحمٰن) من بين أسمائه تعالى لأن كفرهم بهذا الاسم أشد لأنهم أنكروا أن يكون اللّهُ رحمان. قال تعالى: { أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمٰن قالوا وما الرحمٰن } تفسير : في سورة الفرقان (60)، فأشارت الآية إلى كفرين من كفرهم: جحدِ الوحدانية، وجحدِ اسم الرحمان؛ ولأن لهذه الصفة مزيد اختصاص بتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتأييده بالقرآن لأن القرآن هُدًى ورحمة للناس. وقد أرادوا تعويضه بالخوارق التي لا تكسب هدْياً بذاتها ولكنها دالة على صدق من جاء بها. قال مقاتل وابن جريج: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح فقال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب اكتب بِسم الله الرحمٰن الرحيم فقال سهيل بن عَمرو: ما نعرف الرحمان إلا صاحب اليمامة، يعني مسيلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللّهم. ويبعده أن السورة مكية كما تقدم. وعن ابن عباس نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمٰن فنزلت. وقد لقن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطال كفرهم المحكي إبطالاً جامعاً بأن يقول: {هو ربي}، فضمير {هو} عائد إلى (الرحمٰن) باعتبار المسمى بهذا الاسم، أي المسمى هو ربي وأن الرحمان اسمه. وقوله: {لا إلٰه إلا هو} إبطال لإشراكهم معه في الإلهية غيره. وهذا مما أمر الله نبيه أن يقوله، فهو احتراس لرد قولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رب واحد وهو يقول: إن ربه الله وإن ربه الرحمان، فكان قوله: {لا إلٰه إلا هو} دالاً على أن المدعو بالرحمان هو المدعو بالله إذ لا إلٰه إلا إلٰهٌ واحد، فليس قوله: {لا إلٰه إلا هو} إخباراً من جانب الله على طريقة الاعتراض. وجملة {عليه توكلت وإليه متاب} هي نتيجة لكونه رباً واحداً. ولكنها كالنتيجة لذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من الاتصال. وتقديم المجرورين وهما {عليه} و{إليه} لإفادة اختصاص التوكل والمتاب بالكون عليه، أي لا على غيره، لأنه لما توحد بالربوبية كان التوكل عليه، ولما اتّصف بالرحمانية كان المتاب إليه، لأن رحمانيته مظنة لقبوله توبة عبده. والمتاب: مصدر ميمي على وزن مفعل، أي التوبة، يفيد المبالغة لأن الأصل في المصادر الميمية أنها أسماء زمان جعلت كناية عن المصدر، ثم شاع استعمالها حتى صارت كالصريح. ولما كان المتاب متضمناً معنى الرجوع إلى ما يأمر الله به عدّي المتاب بحرف (إلى). وأصلُ {مَتَاب} متابي ــــ بإضافة إلى ياء المتكلم ــــ فحذفت الياء تخفيفاً وأبقيت الكسرة دليلاً على المحذوف كما حذف في المنادى المضاف إلى الياء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذلك أرسلناك: أي مثل ذلك الإرسال الذي أرسلنا به رسلنا أرسلناك. لتتلو عليهم: أي لتقرأ عليهم القرأن تذكيراً وتعليماً ونذارة وبشارة. وهم يكفرون بالرحمن: إذ قالوا وما الرحمن وقالوا لا رحمن إلا رحمان اليمامة. سيرت به الجبال: أي نقلت من أماكنها. أو قطعت به الأرض: أي شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً. أو كلم به الموتى: أي أحيوا وتكلموا. أفلم ييأس: أي يعلم. قارعة: أي داهية تقرع قلوبهم بالخوف والحزن وتهلكهم وتستأصلهم. أو تحل قريباً من دارهم: أي القارعة أو الجيش الإسلامي. فأمليت: أي أمهلت وأخرت مدة طويلة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير أصول العقائد: التوحيد والنبوة والبعث والجزاء الآخر ففي الآية الأولى من هذا السياق وهي قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ} فقرر نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله كذلك أي الإِرسال الذي أرسلنا من قبلك أنت إلى أمة قد خلت من قبلها أمم، وبين فائدة الإِرسال فقال: {لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} وهو الرحمة والهدى والشفاء {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} الرحمن الذي أرسلك لهم بالهدى ودين الحق لإكمالهم وإسعادهم يكفرون به، إذاً فقل أنت أيها الرسول هو ربي لا إله إلا هو أي لا معبود بحق إلا هو عليه توكلت وإليه متاب أي توبتي ورجوعي فقرر بذلك مبدأ التوحيد بأصدق عبارة وقوله تعالى في الآية الثانية [31] {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً} الخ: لا شك أن مشركي مكة كانوا طالبوه بما ذكر في هذه الآية إذ قالوا إن كنت رسولاً فادع لنا ربك فيسر عنا هذه الجبال التي تكتنف وادينا فتتسع أرضنا للزراعة والحراثة وقطع أرضنا فأخرج لنا منها العيون والأنهار وأحيي لنا فلاناً وفلاناً حتى نكلمهم ونسألهم عن صحة ما تقول وتدعي بأنك نبي فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي لكان هذا القرأن، ولكن ليست الآيات هي التي تهدي بل لله الأمر جميعاً يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولما صرفهم الله تعالى عن الآيات الكونية لعلمه تعالى أنهم لو أعطاهم إياها لما آمنوا عليها فيحق عليهم عذاب الإِبادة كالأمم السابقة، وكان من المؤمنين من يود الآيات الكونية ظناً منه أن المشركين لو شاهدوا آمنوا وانتهت المعركة الدائرة بين الشرك والتوحيد قال تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي يعلموا {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} بالآيات وبدونها فليترك الأمر له سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ} أي من الشرك والمعاصي {قَارِعَةٌ} أي داهية تقرع قلوبهم بالخوف والفزع ونفوسهم بالهم والحزن وذلك كالجدب والمرض والقتل والأسر {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} أي يحل الرسول بجيشه الإسلامي ليفتح مكة حتى يأتي وعد الله بنصرك أيها الرسول عليهم والآية عامة فيمن بعد قريش ويكون الوعيد متناولاً أمم الكفر عامة وها هي ذي الحروب تقرعهم كل قرن مرة ومرتين والحرب الذرية على أبوابهم ولا يزال أمرهم كذلك حتى يحل الجيش الإسلامي قريباً من دارهم ليدخلوا في دين الله أو يهلكوا، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} وقد أنجز ما وعد قريشاً، وفي الآية الأخيرة [32] يخبر تعالى رسوله مسلياً إياه عما يجد من تعب وألم من صلف المشركين وعنادهم فيقول له: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} أي كما استهزئ بك فصبروا فاصبر أنت، {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي أمهلتهم وأنظرتهم حتى قامت الحجة عليهم ثم أخذتهم فلم أبق منهم أحداً {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي كان شديداً عاماً واقعاً موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك يا رسولنا إذا لم يتوبوا ويسلموا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد. 2- لا توكل إلا على الله، ولا توبة لأحد إلا إليه. 3- عظمة القرآن الكريم وبيان فضله. 4- إطلاق لفظ اليأس والمراد به العلم. 5- توعد الرب تعالى الكافرين بالقوارع في الدنيا إلى يوم القيامة. 6- الله جل جلالة يملي ويمهل ولكن لا يهمل بل يؤاخذ ويعاقب.
القطان
تفسير : خلت: مضت. متابي: مرجعي. سيرت به الجبال: سارت بسببه. قطعت به الارض: شققت. كلِّم به الموتى: جعلهم يتكلمون. ييأس: يعمل وهو لغة هوزان من العرب. قارعة: مصيبة. {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ...}. كما أرسلنا إلى الأمم من قبلِك وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم، ارسلناك يا محمد في أمة لاحقة واعطيناك القرآن معجزة لتقرأه عليهم. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} فقل لهم ايها النبي الله الذي خلقني هو ربي لا إله يعبد بحق غيره، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} عليه وحده توكلت في جميع أموري، واليه توبتي ومرجعي. {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ}. يعني: إنما أرسلناك لتتلوَ عليهِم هذا القرآنَ العجيب، الذي لو كانَ من شأنٍ قرآنٍ ان تُسَيَّرَ به الجبالُ، او تقطَّع به الأرض، او يكلَّم به الموتى لكان في هذا القرآنِ من الخصائصِ والمؤثّرات ما تَتِمُّ به هذه المعجزات، ولكنَّهم معاندون بل للهِ الأمرُ جميعاً بل مرجعُ الأمورِ كلّها بيدِ الله. {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. أفَلَم يَعلم الذين آمنوا أن الله تعالى لو شاءَ هِدايةَ الناس أجمعين لهداهم. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}. ان قدرةَ الله ظاهرةٌ بين أيديهم، فلا يزالُ الذين كفَروا تُصيبهم بسبب عنادِهم وكفرِهم المصائبُ الشديدةُ التي تُهلكهم، او تنزل قريباً منهم فتردعُهم وتُقلقهم، حتى يأتيَ وعدُ الله الذي وعدَهم به، واللهُ تعالى لايخلف موعده.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} {لِّتَتْلُوَاْ} (30) - وَكَمَا أَرْسَلْنَاكَ، يَا مُحَمَّدُ، فِي هَذِهِ الأُمَّةِ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، وَلِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ إِلَيْهِمْ، كَذَلِكَ أَرْسَلْنَا رُسُلاً فِي الأُمَمِ المَاضِيَةِ الكَافِرَةِ بِاللهِ، وَقَدْ كُذِّبَ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِكَ، فَلَكَ أُسْوَةٌ بِهِمْ. وَكَمَا أَنْزَلْنَا بَأْسَنَا وَنَقْمَتَنا بِأُولئِكَ فَلْيَحْذَرْ هؤُلاءِ مِنْ حُلُولِ النِّقَمِ بِهِمْ. وَقُلْ لِقَوْمِكَ الذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالرَّحْمَنِ، وَلاَ يُقِرُّونَ بِهِ: إِنَّ الذِي تَكْفُرُونَ بِهِ هُوَ اللهُ رَبِّي، وَأَنَا مُؤْمِنٌ بِهِ، مُعْتَرِفٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فِي جَمِيعِ أُمُورِي، وَإِليْهِ أَرْجِعُ وَأَتُوبُ، فَإِنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ. (لَمَّا صَالَحَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشاً، يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ أَمَّا الرَّحْمَنُ فَلاَ نَعْرِفُهُ، وَكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ).
الثعلبي
تفسير : {كَذَلِكَ} المكان {أَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} ليقرأ عليهم القرآن {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}. قال قتادة ومقاتل وابن جريح: نزلت في صلح الحديبية حتى أرادوا كتاب الصلح. "حديث : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي (رضي الله عنه): اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل بن عمرو والمشركون معه: ما نعرف الرحمن إلاّ صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، اكتب باسمك اللهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال المشركون وقريش: لئن كتب رسول الله بِمَ قاتلناك وصددناك قال فأمسك ولكن اكتب هذا ما صالح محمد ابن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعنا نقاتلهم. قال: لا ولكن اكتبوا كما تريدونتفسير : ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: "حديث : نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن" فقالوا: وما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : وقال: قل لهم يا محمد: إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} ومضى {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً} الآية نزلت في نفر من مشركي مكة فيهم أبو جهل ابن هشام وعبد الله بن أبي أُمية المخزومي جلسوا خلف الكعبة فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقال له عبد الله بن أبي أُمية: إن تشرك نتبعك فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تُفتح. فإنها ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نغرس ونزرع فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال يسبح لربه، أو سخّر لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليه أُمورنا وحوائجنا ثم نرجع من يومنا. فقد كان سليمان سخرت له الريح، فكما حملت لنا فلست بأهون على ربك من سليمان في داود. وأحيي لنا جدك أيضاً ومن شئت من موتانا لنسأله أحق ما يقول أم باطل؟ فإنّ عيسى قد كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله منه، فأنزل الله تعالى {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} وأذهبت عن وجه الأرض {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} أي شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً. {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} واختلفوا في جواب لو، فقال قوم: هذا من النزول المحذوف الجواب أقتضى بمعرفة سامعه مراده وتقدير الآية لكان هذا القرآن. كقول أمرىء القيس: شعر : فلو أنها نفس تموت بتوبة ولكنها نفس بقطع النفسا تفسير : يعني لهان عليَّ، وهي آخر بيت في القصيدة. وقال آخر: شعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مرفعاً تفسير : فأراد أرددناه، وهذا معنى قول قتادة. لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقال آخرون: جواب لو يقدم وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} الآية كأنه قال ولو أنّ قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن وبما آمنوا. ثم قال: {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}. قال المفسرون: أفلم يعلم. وقال الكلبي: هي بلغة النخع حي من العرب. وقال القاسم معن: هي لغة هوازن. وقال سحيم بن وثيل الرياحي: شعر : أقول لهم بالشعب إذ يسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم تفسير : أراد ألم يعلموا، وقوله: هاد يسرونني أي يقتسمونني من الميسر كما يقتسم الجزور. ويروى: لمسرونني من الأسر. وقال الآخر: شعر : ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً تفسير : ودليل هذا التأويل قراءة ابن عباس: أفلم يتبين، وقيل لابن عباس: المكتوب «أفلم ييئس» قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس. وأما الفراء: فكان ينكر ذلك ويزعم أنه لم يُسمع أحدٌ من العرب يقول: يئست وهو يقول هو في المعنى وإنْ لم يكن مسموعاً يئست بمعنى علمت متوجه إلى ذلك، وذلك أنّ الله تعالى قد أوحى إلى المؤمنين أنه لو شاء الله لهدى الناس جميعاً. فقال ألم ييئسوا علماً يقول يؤسهم العلم فكان العلم فيه مضمراً كما يقول في الأعلام يئست منك أن لا يفلح علماً كأنه قول علمته علماً. قال الشاعر: شعر : حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفاً دواجن قافلا اعصامها تفسير : بمعنى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن إلاّ الذي ظهر لهم أرسلوا فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلاّ الذي رأوا وانتهى علمهم فكان ما سواه يأساً. {أَنْ لَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قَارِعَةٌ} داهية ومصيبة وشديدة تقرعهم من أنواع البلاء والعذاب أحياناً بالجدب وأحياناً بالسلب وأحياناً بالقتل وأحياناً بالأسر. وقال ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليها {أَوْ تَحُلُّ} أي تنزل أنت يا محمد بنفسك {قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ}. وقال قتادة: هي تاء التأنيث يعني وتحل القارعة قريباً من دارهم {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه، وقيل يعني القيامة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ * وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أصلهم واطلب لهم ومنه الملاوة والملوان ويقال طبت حيناً، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} عاقبتهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي حافظها ورازقها وعالم بها ومجاز بها ما عملت، وجوابه محذوف تقديره: كمن هو هالك بائدلا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئاً ولا يدفع عن نفسه، نظيره قوله تعالى:{أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيْلِ}تفسير : [الزمر: 9] يعني كمن ليس بقانت {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} بيّنوا أسماءهم ثم قال: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} يعني يخبرون الله {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} فإنه لم يعلم لنفسه شريكاً ولا في الأرض إلهاً غيره {أَم بِظَاهِرٍ} يعني بظاهر من القول مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له ولا باطل صالح ولا حاصل وكان أُستاذنا أبو الاقسم الحبيبي يقول: معنى الآية عندي: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر من القول يعلمه؟ فإن قالوا بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه قل لهم سموهم، وبينوا من هم، فإن الله لا يعلم لنفسه شريكاً، ثم قال: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} كيدهم. قال مجاهد: قولهم يعني شركهم وكذبهم على الله. {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} وصرفوا عن الدين والطريق المستقيم. قرأ أهل الكوفة: بضم الصاد واختاره أبو عبيد بأنه قراءة أهل السنة: وفيه إثبات القدر. وقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو حاتم اعتباراً بقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 25] وقوله {أية : وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الفتح: 25] وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 167] {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} يعني إياه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} موفق {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالقتل والأسر {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ} أشد {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} مانع يمنعهم من العذاب.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فكما أرسلك الله إلى أمتك؛ فقد سبق أنْ أرسل سبحانه رُسُلاً إلى الأمم التي سبقتْ؛ ولم يُرسِل مع أيٍّ منهم معجزة تناقض ما نبغَ فيه قومُه؛ كَيْ لا يقولَ واحدٌ أن المعجزة التي جاءتْ مع الرسول تتناولُ ضَرْباً لم يَأْلفوه؛ ولو كانوا قد أَلِفوه لَمَا تفوَّق عليهم الرسول. وقول الحق: {كَذَلِكَ} [الرعد: 30]. يعني: كهذا الإرسال السابق للرسل جاء بَعْثُكَ إلى أمتِك، كتلك الأمم السابقة. ويأتي الحق سبحانه هنا بالاسم الذي كان يجب أن يَقْدروه حَقَّ قَدْره وهو "الرحمن" فلم يَقُلْ: وهم يكفرون بالله بل قال: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ..} [الرعد: 30]. فهم يعيشون - رغم كُفْرهم - في رزقٍ من الله الرحمن، وكُل ما حولهم وما يُقيتهم وما يَسْتمتعون به من نِعَم عطاءاتٌ من الله. وهم لا يقومون بأداء أيٍّ من تكاليف الله؛ فكان من اللياقة أن يذكروا فَضْل الله عليهم؛ وأنْ يؤمنوا به؛ لأن مطلوب الألوهية هو القيام بالعبادة. وهو سبحانه هنا يأتي باسمه "الرحمٰن"؛ والذي يفيد التطوع بالخير؛ وكان من الواجب أن يقدرُوا هذا الخيْر الذي قدَّمه لهم سبحانه، دون أن يكون لهم حَوْلٌ أو قوة. وكان يجب أن يعتبروا ويعلنوا أنهم يتجهون إليه سبحانه بالعبادة؛ وأنْ يُنفّذوا التكليف العباديّ. وفي صُلْح الحديبية دارتْ المفاوضات بين المسلمين وكفار قريش الذين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول مكة، ولكنهم قَبِلوا التعاهد معه، فكان ذلك اعترافاً منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الذين صاروا قوة تُعاهِدُ؛ تأخذ وتعطي. ولذلك نجد سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - يقول: "ما كان في الإسلام نصرٌ أعظم من نَصْر الحديبية". فقد بدأتْ قريش في الحديبية الاعترافَ برسول الله وأمة الإسلام؛ وأخذوا هُدْنة طويلة تمكَّن خلالها محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته من أنْ يغزُوا القبائل التي تعيش حول قريش؛ حيث كانت تذهب سَرِية ومعها مُبشِّر بدين الله؛ فتُسلِم القبائل قبيلة من بَعْد قبيلة. وهكذا كانت الحديبية هي أعظم نصْر في الإسلام؛ فقد سكنتْ قريش؛ وتفرَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه لدعوة القبائل المحيطة بها للإسلام. ولكن الناس لم يتسع ظنُّهم لما بين محمد وربِّه. والعباد دائماً يَعْجلون، والله لا يَعْجل بعَجلةِ العباد حتَّى تبلغَ الأمورُ ما أراد. حديث : وحين جاءت لحظة التعاقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش في الحُديْبية، وبدأ عليُّ بن أبي طالب في كتابة صيغة المعاهدة، كتب "هذا ما صَالح عليه محمد رسول الله" فاعترض سهيل بن عمرو وقال: لو شهدتُ أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو". وأصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تُكتب صفة محمد كرسول، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله" . تفسير : ولكن علياً - كرَّم الله وجهه - يُصِرُّ على أن يكتب صفة محمد كرسول من الله؛ فيُنطق الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليقول لعليّ: "سَتُسَام مثلها فتقبل". ولما تولَّى عليٌّ - كرَّم الله وجهه - بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وقامت المعركة بين علي ومعاوية؛ ثم اتفق الطرفان على عَقْد معاهدة؛ وكتب الكاتب "هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" فقال عمرو بن العاص مندوب معاوية: "اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس أميرنا". وهنا تذكَّر علي - كرم الله وجهه - ما قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَتُسَام مثلها فتقبَّل" وقَبِلها فقال: "امْحُ أمير المؤمنين، واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب" وتحققت مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن الوقائع التي تُثبِّتُ الإيمانَ؛ نجد قصة عمار بن ياسر، وكان ضمن صُفوف علي - كرَّم الله وجهه وأرضاه - في المواجهة مع معاوية؛ وقتله جُنود معاوية؛ فصرخ المسلمون وقالوا: "وَيْحَ عمار، تقتله الفئة الباغية". وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال. وبذلك فَهِم المسلمون أن الفئة الباغية هي فئة معاوية، وانتقل كثير من المسلمين الذين كانوا في صَفِّ معاوية إلى صَفِّ علي بن أبي طالب؛ فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال: تفشَّت في الجيش فَاشِية، إنِ استمرتْ لن يبقى معنا أحد؛ فقد قتلنا عمار بن ياسر؛ وذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "حديث : وَيْحَ عمار، تقتله الفِئة البَاغِية" تفسير : وقد فَهِم المقاتلون معنا أن الفئة الباغية هي فئتنا. وكان معاوية من الدهاء بمنزلة؛ فقال: اسْعَ في الجيش وقُلْ: "إنما قتله مَنْ أخرجه" ويعني عليّاً. ولما وصل هذا القول لعليٍّ قال: ومَنْ قتل حمزة بن عبد المطلب، وقد أخرجه للقتال محمد صلى الله عليه وسلم؟! وهنا في قول الحق سبحانه: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ ..} [الرعد: 30]. إنما يعني أن الحق قد أرسلك يا محمد بمعجزة تُناسب ما نبغَ فيه قومك، وطَلَبُ غير ذلك هو جَهْل بواقع الرسالات وتعَنُّتٌ يُقصَد منه مزيدٌ من ابتعادهم عن الإيمان. وقول الحق سبحانه: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي ..} [الرعد: 30]. أي: أنهم حين يُعلنون الكفر فأنت تصادمهم بإعلان الإيمان، وتقول: {هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} [الرعد: 30]. وكلمة "ربي" تنسجم مع كلمة "الرحمٰن" الذي يُنعِم بالنعم كلها؛ وهو المُتولِّي تربيتي؛ ولو لم يفعل سِوَى خَلْقي وتربيتي ومَدّي بالحياة ومُقوِّماتها؛ لَكانَ يكفي ذلك لأعبده وحده ولا أشرك به أحداً. ولو أن الإنسان قد أشرك بالله؛ لالتفتَ مرة لذلك الإله؛ ومرة أخرى للإله الآخر؛ ومرة ثالثة للإله الثالث وهكذا، وشاء الله سبحانه أن يريح الإنسان من هذا التشتت بعقيدة التوحيد. ويأتي القرآن ليُطمئن القلوب أيضاً وليذكر: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. وهكذا يعرض لنا القرآن صورتين: الصورة الأولى: لرجل يملكه أكثر من سيد، يعارضون بعضهم البعض. والصورة الثانية: لرجل آخر، يملكه سيد واحد. ولا بُدَّ للعقل أن يعلمَ أن السيد الواحد افضل من الأسياد المتعددين؛ لأن تعدُّد الأسياد فساد وإفساد، يقول الحق سبحانه: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 22]. والعاقل هو مَنْ لا يُسلِّم نفسه إلا لسيّد واحد يثق أنه أمين عليه، ونحن في حياتنا نقول: ما يحكم به فلان أنا أرضى به؛ وقد وَكَلْته في كذا. ولا أحد مِنّا يُسلِّم نفسه إلا لمَنْ يرى أنه أمين على هذا الإسلام، ولا بُدَّ أن يكون أمينا وقوياً، ويقدر على تنفيذ مطلوبه. والرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة العنيفة مع صناديد قريش قال: "إنِّي متوكل على الله"، وهذه شهادة منه على أنه توكل على القوي الأمين الحكيم؛ والرسول لم يَقُلْ توكلت عليه؛ ولكنه قال: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ..} [الرعد: 30]. والفارق بين القَوْلَيْنِ كبير، فحين تقول "عليه توكلت" فأنت تَقْصر التوكُّل عليه وحده؛ ولكن إنْ قُلت: "توكلت عليه". فأنت تستطيع أن تضيف وتعطف عدداً آخر مِمَّنْ يمكنك التوكل عليهم. ولذلك نقول: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ..} تفسير : [الفاتحة: 5]. ونحصر العبادة فيه وله وحده سبحانه؛ فلا تتعداه إلى غيره؛ ولو أنها أُخِرَّتْ لَجازَ أن يعطف عليه. ويُقَال في ذلك "اسم قصر" أي: أن العبادة مَقْصورة عليه؛ وكذلك التوكُّل. {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ..} [الرعد: 30]. أي: أنني لا آخذ أوامري من أحد غيره ومَرْجعي إليه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} معناهُ قُرونٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} [الرعد: 30] أي: بالرحمن يشير إلى أن الأمم لما كفروا بالله كفروا بالرحمن؛ لأن الرحمانية قد اقتضت إيجاد المخلوقات، فإن القهارية كانت مقتضية الوحدانية بألا يكون معه أحد، فسبقت الرحمانية القهارية في إيجاد المخلوقات. ولهذا السر قال الله تعالى: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم: 93] فأرسل الله تعالى الرسل، وأنزل معهم الكتب ليقرأوا عليهم ويذكروهم بأيام الله التي كان الله ولم يكن معه شيء ثم أوجدهم وأخرجهم من العدم إلى الوجود، وهو الذي رب كل شيء وخالقه ولا إله إلا هو وإليه المرجع والمآب. كما قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [الرعد: 30] إذ لا خالق ولا رازق إلا هو {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] وبهذا كان مأموراً أن يتلو على أمته، كما كان الرسل مأمورين بتلاوته على الأمم، ليؤمنوا بالرحمن ولا يكفروا به. ثم أشار بقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} [الرعد: 31] أرض البشرية {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} [الرعد: 31] موتى القلوب أي: أن لتلاوة القرآن عليهم وإن كانت هذه التأثيرات والخاصيات ويريد الله فتنتهم، كفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} [الرعد: 31] جبال النفوس {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} [الرعد: 31] في الهداية والضلالة {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الرعد: 31] بهداية الله عن إيمان من خذله الله، وقد علموا {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} [الرعد: 31] كما هداهم {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} [الرعد: 31] من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر منهم موجبة للشقاوة {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} يشير به إلى أن الأحكام الأزلية تارة تصدر منهم، وتارة من مصاحبهم، فتوافقوا في أسباب الشقاوة، وتوافقوا لما أوعدهم الله من درك الشقاوة، كما قال: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الرعد: 31] لأهل الشقاء وإلى أن يبلغه حدها. {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} يشير به إلى أن من أمارات أهل الشقاء الاستهزاء بالأنبياء والأولياء {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الرعد: 32] أي: أمليت أهل الشقاء ليتدرجوا بدرجات الاستهزاء إلى أعلى مقام الشقاوة {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أمسكتهم؛ لئلا ينجوا عن مقام الشقاء وهو غاية البعد {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] أي: عقابي لهم بعقاب الفرقة والقطيعة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } إلى قومك تدعوهم إلى الهدى { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ } أرسلنا فيهم رسلنا، فلست ببدع من الرسل حتى يستنكروا رسالتك، ولست تقول من تلقاء نفسك، بل تتلو عليهم آيات الله التي أوحاها الله إليك ، التي تطهر القلوب وتزكي النفوس. والحال أن قومك يكفرون بالرحمن، فلم يقابلوا رحمته وإحسانه -التي أعظمها أن أرسلناك إليهم رسولا وأنزلنا عليك كتابا- بالقبول والشكر بل قابلوها بالإنكار والرد، أفلا يعتبرون بمن خلا من قبلهم من القرون المكذبة كيف أخذهم الله بذنوبهم، { قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ } وهذا متضمن للتوحيدين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. فهو ربي الذي رباني بنعمه منذ أوجدني، وهو إلهي الذي { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في جميع أموري { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } أي: أرجع في جميع عباداتي وفي حاجاتي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):