Verse. 1738 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَلَوْ اَنَّ قُرْاٰنًا سُيِّرَتْ بِہِ الْجِبَالُ اَوْ قُطِّعَتْ بِہِ الْاَرْضُ اَوْ كُلِّمَ بِہِ الْمَوْتٰى۝۰ۭ بَلْ لِّلہِ الْاَمْرُ جَمِيْعًاۭ اَفَلَمْ يَايْــــــَٔـسِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَنْ لَّوْ يَشَاۗءُ اللہُ لَہَدَى النَّاسَ جَمِيْعًا۝۰ۭ وَلَا يَزَالُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا تُصِيْبُہُمْ بِمَا صَنَعُوْا قَارِعَۃٌ اَوْ تَحُلُّ قَرِيْبًا مِّنْ دَارِہِمْ حَتّٰى يَاْتِيَ وَعْدُ اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يُخْلِفُ الْمِيْعَادَ۝۳۱ۧ
Walaw anna quranan suyyirat bihi aljibalu aw quttiAAat bihi alardu aw kullima bihi almawta bal lillahi alamru jameeAAan afalam yayasi allatheena amanoo an law yashao Allahu lahada alnnasa jameeAAan wala yazalu allatheena kafaroo tuseebuhum bima sanaAAoo qariAAatun aw tahullu qareeban min darihim hatta yatiya waAAdu Allahi inna Allaha la yukhlifu almeeAAada

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قالوا له إن كنت نبيا فسيّر عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس ونزرع وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي «ولو أن قرآنا سُيّرت به الجبال» نقلت عن أماكنها «أو قطّعت» شققت «به الأرض أو كلم به الموتى» بأن يحيوا لما آمنوا «بل لله الأمر جميعا» لا لغيره فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره إن أوتوا ما اقترحوا، ونزل لما أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا طمعا في إيمانهم «أفلم ييأس» يعلم «الذين آمنوا أن» مخففة أي أنه «لو يشاء الله لهدي الناس جميعا» إلى الإيمان من غير آية «ولا يزال الذين كفروا» من أهل مكة «تصيبهم بما صنعوا» بصنعهم أي كفرهم «قارعهٌ» داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب «أو تحل» يا محمد بجيشك «قريبا من دارهم» مكة «حتى يأتي وعد الله» بالنصر عليهم «إن الله لا يخلف الميعاد» وقد حلَّ بالحديبية حتى أتى فتح مكة.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : [31] {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سًيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ ٱلَّذِينَ ءَامنُواْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ ٱلذِينَ كَفُرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حتىٰ يأَتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} اعلم أنه روي أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة، فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسخ المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، أو أَحْي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أو بطال، فقد كان عيسى يحيى الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} أي من أماكنها {أو قطعت به الأرض} أي شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً {أو كلم به الموتى} لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك. وحذف جواب «لو» لكونه معلوماً، وقال الزجاج: المحذوف هو أنه {لو أن قرآناً سيرت به الجبال} وكذا وكذا لما آمنوا به كقوله: {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} تفسير : [الأنعام: 111]. ثم قال تعالى: {بل لله الأمر جميعاً} يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وليس لأحد أن يتحكم عليه في أفعاله وأحكامه. ثم قال تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: {أفلم ييأس} قولان: القول الأول: أفلم يعلموا وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الوجه الأول: {ييأس} يعلم في لغة النخع وهذا قول أكثر المفسرين مثل مجاهد والحسن وقتادة. واحتجوا عليه بقول الشاعر: شعر : ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً تفسير : وأنشد أبو عبيدة: شعر : أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني إلم تيأسوا أني ابن فارس زهدم تفسير : أي ألم تعلموا. وقال الكسائي: ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت ألبته. والوجه الثاني: ما روي أن علياً وابن عباس كانا يقرآن: {أفلم يأس الذين آمنوا} فقيل لابن عباس أفلم ييأس فقال: أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس أنه كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرىء ييأس وهذا القول بعيد جداً لأنه يقتضي كون القرآن محلاً للتحريف والتصحيف وذلك يخرجه عن كونه حجة قال صاحب «الكشاف»: ما هذا القول والله إلا فرية بلا مرية. والقول الثاني: قال الزجاج: المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً. وتقريره أن العلم بأن الشيء لا يكون يوجب اليأس من كونه والملازمة توجب حسن المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ اليأس لإرادة العلم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} وكلمة «لو» تفيد انتقاء الشيء لانتفاء غيره. والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون شائياً لهداية جميع الناس. والكلام في هذه المسألة قد سبق مراراً. أما قوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم} ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {الذين كفروا} فيه قولان: القول الأول: قيل: أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل، وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق هو ذلك الجمع المعين. المسألة الثانية: في الآية وجهان. الأول: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم، أو تحل القارعة قريباً منهم، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة. والقول الثاني: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم، أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك. ثم قال: {إن الله لا يخلف الميعاد} والغرض منه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه. قال القاضي: وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق. وجوابنا: أن الخلف غير، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} هذا متصل بقوله: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الرعد: 27]. وذلك أن نفراً من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميّان جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم؛ فقال له عبد الله: إن سرّك أن نتبعك فسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأَذْهبها عنّا حتى تنفسح؛ فإنها أرض ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع؛ فلستَ كما زعمتَ بأهون على ربك من داود حين سخّر له الجبال تسير معه، وسَخِّر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها مِيرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا؛ فقد كان سليمان سخّرت له الريح كما زعمتَ؛ فلستَ بأهون على ربك من سليمان بن داود، وأَحْيِ لنا قُصَيّا جدّك، أو من شئتَ أنت من موتانا نسأله؛ أحقُّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيـي الموتى، ولست بأهون على الله منه؛ فأنزل الله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ» الآية؛ قال معناه الزّبير بن العوام ومجاهد وقَتَادة والضّحاك؛ والجواب محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكن حذف إيجازاً، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَموتُ جَمِيعةً ولكِنَّها نفسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا تفسير : يعني لهان عليّ؛ هذا معنى قول قَتَادة؛ قال: لو فَعَل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم. وقيل: الجواب متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي وهم يكفرون بالرحمن لو أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا. الفراء: يجوز أن يكون الجواب لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن. الزّجاج: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً» إلى قوله: «الْمَوْتَى» لما آمنوا، والجواب المضمر هنا ما أظهر في قوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} تفسير : [الأنعام: 111] إلى قوله: {أية : مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 111]. {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} أي هو المالك لجميع الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله. قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} قال الفراء قال الْكَلْبي: «ييئس» بمعنى يعلم، لغة النَّخَع؛ وحكاه القُشَيْري عن ابن عباس؛ أي أفلم يعلموا؛ وقاله الجوهري في الصحاح. وقيل: هو لغة هَوَازِن؛ أي أفلم يعلم؛ عن ابن عباس ومجاهد والحسن. وقال أبو عبيدة: أفلم يعلموا ويتبيّنوا، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك بن عوف النَّصْرِي:شعر : أَقُولُ لَهُمْ بالشَّعْب إذْ يَيْسِرُونَنِي أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ٱبْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ تفسير : يَيْسرونني من المَيْسر، وقد تقدم في «البقرة» ويروى يأسرونني من الأَسْر. وقال رَبَاح بن عديّ:شعر : أَلَمْ يَيْئَسِ الأقوامُ أَنِّي (أنا) ٱبْنُهُ وإنْ كنتُ عن أرضِ الْعَشِيرةِ نائيَا تفسير : في كتاب الرّد «أني أنا ٱبنه» وكذا ذكره الغزنوي: ألم يعلم؛ والمعنى على هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً من غير أن يشاهدوا الآيات. وقيل: هو من اليأس المعروف؛ أي أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم؛ لأن المؤمنين تَمنَّوا نزول الآيات طمعاً في إيمان الكفار. وقرأ عليّ وابن عباس: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّنَ الَّذِينَ آمَنُوا» من البيان. قال القُشَيْرِي: وقيل لابن عباس المكتوب «أَفَلَمْ يَيْئَسِ» قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس؛ أي زاد بعض الحروف حتى صار «ييئس». قال أبو بكر الأنباريّ: روي عن عِكرمة عن ٱبن أبي نَجيح أنه قرأ ـ «أفلم يتبين الذين آمنوا» وبها ٱحتجّ من زعم أنه الصواب في التلاوة؛ وهو باطل عن ٱبن عباس، لأن مجاهداً وسعيد بن جُبَير حكيا الحرف عن ابن عباس، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد وسعيد بن جُبَير عن ابن عباس؛ ثم إن معناه: أفلم يتبين؛ فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا؛ وأَمَّا سقوطه يبطل القرآن، ولزوم أصحابه البهتان. {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ} «أَنْ» مخففة من الثقيلة، أي أنه لو يشاء الله {لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} وهو يردّ على القَدَرية وغيرهم. قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوّهم، ويقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قَوارِع؛ والأصل في القرع الضرب؛ قال:شعر : أَفْنَى تِلاَدِي وَمَا جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍ قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أَفْوَاهَ الأَبَارِيقِ تفسير : أي لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أَرْبَدَ أو من قتل أو من أسر أو جدب، أو غير ذلك من العذاب والبلاء؛ كما نزل بالمستهزئين، وهم رؤساء المشركين. وقال عِكرِمة عن ابن عباس: القارعة النكبة. وقال ٱبن عباس أيضاً وعكْرمة: القارعة الطلائع والسرايا التي كان يُنفِذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. {أَوْ تَحُلُّ} أي القارعة. {قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} قاله قتادة والحسن. وقال ابن عباس: أو تَحُلّ أنت قريباً من دارهم. وقيل: نزلت الآية بالمدينة؛ أي لا تزال تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كَقُرى المدينة ومكة. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} في فتح مكة؛ قاله مجاهد وقتادة. وقيل: نزلت بمكة؛ أي تصيبهم القوارع، وتخرج عنهم إلى المدينة يا محمد، فتحلّ قريباً من دارهم، أو تحلّ بهم محاصراً لهم؛ وهذه المحاصرة لأهل الطائف، ولِقلاع خَيْبَر، ويأتِي وعد الله بالإذن لك في قتالهم وقهرهم. وقال الحسن: وعد الله يوم القيامة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مادحاً للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ومفضلاً له على سائر الكتب المنزلة قبله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له، {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا} أي: مرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة؛ لأنه مشتق من الجمع. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خففت على داود القراءة، فكان يأمر بدابته أن تسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري. والمراد بالقرآن هو الزبور. وقوله: {أَفَلَمْ يَاْيْـئَسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ} أي: من إيمان جميع الخلق، ويعلموا، أو يتبينوا {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا} فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن، الذي لو أنزله الله على جبل، لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله. وثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»تفسير : ، معناه: أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي قال: قلت له: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} الآية، قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية، قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب نزول هذه الآية، والله أعلم. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقوله: {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا} قال ابن عباس: أي: لا يصنع من ذلك إلا ما شاء، ولم يكن ليفعل، رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضاً. وقال غير واحد من السلف في قوله: {أَفَلَمْ يَاْيْـئَسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}: أفلم يعلم الذين آمنوا، وقرأ آخرون: (أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً). وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. وقوله: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ} أي: بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا، أو تصيب من حولهم؛ ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأحقاف: 27] وقال: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [الأنبياء: 44]. قال قتادة عن الحسن: {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ} أي: القارعة، وهذا هو الظاهر من السياق. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن قتادة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} قال: سرية، {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ} قال: محمد صلى الله عليه وسلم: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ} قال: «حديث : فتح مكة»تفسير : ، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية، وقال العوفي عن ابن عباس: {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} قال: عذاب من السماء ينزل عليهم {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ} يعني: نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وقتاله إياهم، وكذا قال مجاهد وقتادة. وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس {قَارِعَةٌ} أي: نكبة. وكلهم قال: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ} يعني: فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ} تفسير : [إبراهيم: 47].

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قالوا له: إن كنت نبياً فسيِّر عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهاراً وعيوناً لنغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } نقلت عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ } شُقِّقت {بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ } بأن يحْيوا لما آمنوا {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا } لا لغيره، فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره إن أوتوا ما اقترحوا. ونزل لما أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا طمعاً في إيمانهم {أَفَلَمْ يَايْئَسِ} يعلم {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ} مخففة أي أَنّه {لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا } إلى الإيمان من غير آية {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } بصنعهم أي كفرهم {قَارِعَةٌ } داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب {أَوْ تَحُلُّ } يا محمد بجيشك {قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ } مكة {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ } بالنصر عليهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } وقد حل بالحديبية حتى أتى فتح مكة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } قيل: هذا متصل بقوله: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ}7] وأن جماعة من الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسير لهم جبال مكة حتى تنفسح فإنها أرض ضيقة، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم بهذا الجواب المتضمن لتعظيم شأن القرآن، وفساد رأي الكفار حيث لم يقنعوا به وأصرّوا على تعنتهم وطلبهم، ما لو فعله الله سبحانه لم يبق ما تقتضيه الحكمة الإلهية، من عدم إنزال الآيات التي يؤمن عندها جميع العباد. ومعنى {سيّرت به الجبال} أي: بإنزاله وقراءته فسارت عن محل استقرارها {أَوْ قُطّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ } أي: صدّعت حتى صارت قطعاً متفرقة {أَوْ كُلّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ } أي: صاروا أحياء بقراءته عليهم، فكانوا يفهمونه عند تكليمهم به كما يفهمه الأحياء. وقد اختلف في جواب "لو" ماذا هو؟ فقال الفراء: هو محذوف، وتقديره: لكان هذا القرآن، وروي عنه أنه قال: إن الجواب: لكفروا بالرحمٰن، أي: لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمٰن، وقيل: جوابه لما آمنوا كما سبق في قوله: {أية : مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 111] وقيل: الجواب متقدّم، وفي الكلام تقديم وتأخير، أي: وهم يكفرون بالرحمٰن لو أن قرآنا إلى آخره، وكثيراً ما تحذف العرب جواب "لو" إذا دلّ عليه سياق الكلام، ومنه قول امرىء القيس:شعر : فلو أنها نفس تموت جميعةً ولكنها نفس تساقط أنفساً تفسير : أي: لهان عليّ ذلك {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا } أي: لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هذا القرآن، ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن، فلو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير الجبال وسائر ما اقترحوه من الآيات، فالإضراب متوجه إلى ما يؤدّى إليه كون الأمر لله سبحانه، ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته، ويدلّ على أن هذا هو المعنى المراد من ذلك قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن يشاء الله لهدى الناس جميعاً}. قال الفراء: قال الكلبي: {أفلم ييأس} بمعنى: أفلم يعلم، وهي لغة النخع. قال في الصحاح: وقيل: هي لغة هوازن، وبهذا قال جماعة من السلف. قال أبو عبيدة: أفلم يعلموا ويتبينوا، قال الزجاج: وهو مجاز لأن اليائس من الشيء عالم بأنه لا يكون، نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة عليّ، وابن عباس، وجماعة "أفلم يتبين"، ومن هذا قول رباح بن عدّي:شعر : ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائبا تفسير : أي: لم يعلم، وأنشد في هذا أبو عبيدة قول مالك بن عوف النضري:شعر : أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم تفسير : أي: لم تعلموا، فمعنى الآية على هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً من غير أن يشاهدوا الآيات، وقيل: إن الإياس على معناه الحقيقي أي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم؛ لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات التي اقترحها الكفار طمعاً في إيمانهم {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ } هذا وعيد للكفار على العموم أو لكفار مكة على الخصوص أي: لا يزال الذين كفروا تصيبهم بسبب ما صنعوا من الكفر والتكذيب للرسل قارعة أي: داهية تفجؤهم، يقال: قرعه الأمر إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع الضرب. قال الشاعر:شعر : أفنى تلادي وما جمعت من نشب قرع القراقير أفواه الأباريق تفسير : والمعنى: أن الكفار لا يزالون كذلك حتى تصيبهم داهية مهلكة من قتل أو أسر أو جدب أو نحو ذلك من العذاب، وقد قيل: إن القارعة النكبة، وقيل: الطلائع والسرايا، ولا يخفى أن القارعة تطلق على ما هو أعمّ من ذلك {أَوْ تَحُلُّ } أي: القارعة {قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ } فيفزعون منها ويشاهدون من آثارها ما ترجف له قلوبهم وترعد منه بوادرهم. وقيل: إن الضمير في {تَحُلُّ } للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أو تحلّ أنت يا محمد قريباً من دارهم محاصراً لهم آخذاً بمخانقهم كما وقع منه لأهل الطائف {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ } وهو موتهم، أو قيام الساعة عليهم، فإنه إذا جاء وعد الله المحتوم حلّ بهم من عذابه ما هو الغاية في الشدّة، وقيل: المراد بوعد الله هنا الإذن منه بقتال الكفار، والأوّل أولى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } فما جرى به وعده فهو كائن لا محالة. {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } التنكير في رسل للتكثير أي: برسل كثيرة، والإملاء: الإمهال، وقد مرّ تحقيقه في الأعراف {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } بالعذاب الذي أنزلته بهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } الاستفهام للتقريع والتهديد أي: فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزءوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتهم. ثم استفهم سبحانه استفهاماً آخر للتوبيخ والتقريع يجري مجرى الحجاج للكفار واستركاك صنعهم والإزراء عليهم، فقال: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ } القائم الحفيظ والمتولي للأمور، وأراد سبحانه نفسه، فإنه المتولي لأمور خلقه المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق، وإحصاء الأعمال على كل نفس من الأنفس كائنة ما كانت، والجواب محذوف أي: أفمن هو بهذه الصفة كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تنفع ولا تضرّ. قال الفراء: كأنه في المعنى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم من دون الله، والمراد من الآية إنكار المماثلة بينهما، وقيل: المراد بمن هو قائم على كل نفس الملائكة الموكلون ببني آدم، والأوّل أولى، وجملة {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } معطوفة على الجواب المقدّر مبينة له أو حالية بتقدير قد أي: وقد جعلوا، أو معطوفة على {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء } أي: استهزءوا وجعلوا {قُلْ سَمُّوهُمْ } أي: قل يا محمد جعلتم له شركاء فسموهم من هم؟ وفي هذا تبكيت لهم وتوبيخ؛ لأنه إنما يقال هكذا في الشيء المستحقر الذي لا يستحّق أن يلتفت إليه، فيقال: سمه إن شئت يعني: أنه أحقر من أن يسمى؛ وقيل: إن المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون، فيكون ذلك تهديداً لهم {أَمْ تُنَبّئُونَهُ } أي: بل أتنبئون الله {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ} من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه العالم بما في السموات والأرض {أَم بِظَـٰهِرٍ مّنَ ٱلْقَوْلِ } أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن تكون له حقيقة؛ وقيل: المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه؟ فإن قالوا: بباطن لايعلمه فقد جاءوا بدعوى باطلة، وإن قالوا بظاهر يعلمه فقل لهم: سموهم، فإذا سموا اللات والعزى ونحوهما، فقل لهم إن الله لا يعلم لنفسه شريكاً، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، لأنهم ادّعوا له شريكاً في الأرض. وقيل: معنى {أَم بِظَـٰهِرٍ مّنَ ٱلْقَوْلِ } أم بزائل من القول باطل، ومنه قول الشاعر:شعر : أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر تفسير : أي: زائل باطل، وقيل: بكذب من القول، وقيل: معنى {بظاهر من القول} بحجة من القول ظاهرة على زعمهم {بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } أي: ليس لله شريك، بل زين للذين كفروا مكرهم. وقرأ ابن عباس "زين" على البناء للفاعل على أن الذي زين لهم ذلك هو مكرهم. وقرأ من عداه بالبناه للمفعول، والمزين هو الله سبحانه، أو الشيطان ويجوز أن يسمى المكر كفراً، لأن مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم كان كفراً. وأما معناه الحقيقي فهو الكيد، أو التمويه بالأباطيل {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } قرأ حمزة والكسائي وعاصم {صدّوا} على البناء للمفعول أي: صدهم الله، أو صدهم الشيطان. وقرأ الباقون على البناء للفاعل أي: صدّوا غيرهم، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ يحيـى بن وثاب بكسر الصاد {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } أي: يجعله ضالاً وتقتضي مشيئته إضلاله، فما له من هادٍ يهديه إلى الخير. قرأ الجمهور {هاد} من دون إثبات الياء على اللغة الكثيرة الفصيحة. وقرىء بإثباتها على اللغة القليلة، ثم بين سبحانه ما يستحقونه، فقال: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } بما يصابون به من القتل والأسر وغير ذلك {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ } عليهم من عذاب الحياة الدنيا {وَمَا لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } يقيهم عذابه، ولا عاصم يعصمهم منه. ثم لما ذكر سبحانه مما يستحقه الكفار من العذاب في الأولى والأخرى، ذكر ما أعدّه للمؤمنين، فقال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي: صفقتها العجيبة الشأن التي هي في الغرابة كالمثل، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير بمعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا أي: صوّرته ووصفته، فأراد هنا بمثل الجنة وصورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وهو كالتفسير للمثل. قال سيبويه: وتقديره فيما قصصنا عليك مثل الجنة. وقال الخليل وغيره: إن {مثل الجنة} مبتدأ والخبر {تجري}. وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد، ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى {أُكُلُهَا دَائِمٌ } أي: لا ينقطع، ومثله قوله سبحانه: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ }تفسير : [الواقعة: 33] وقال الفراء: المثل مقحم للتأكيد، والمعنى: الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، والعرب تفعل ذلك كثيراً {وِظِلُّهَا } أي: كذلك دائم لا يتقلص ولا تنسخه الشمس، والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى الجنة الموصوفة بالصفات المتقدّمة، وهو مبتدأ خبره {عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أي: عاقبة الذين اتقوا المعاصي، ومنتهى أمرهم {وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ } ليس لهم عاقبة ولا منتهى إلاّ ذلك. وقد أخرج الطبراني، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن كان كما تقول فأرنا أشياخنا الأول من الموتى نكلمهم، وافسح لنا هذه الجبال جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: {وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عطية العوفي قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان يحيـي عيسى الموتى لقومه، فأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } الآية إلى قوله: {أفلم ييأس الذين ءامنوا} قال: أفلم يتبين الذين آمنوا، قالوا: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: عن أبي سعيد الخدريّ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم قال: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا منجاب بن الحرث، أخبرنا بشر بن عمارة، حدّثنا عمر بن حسان، عن عطية العوفي فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه مختصراً. وأخرج أبو يعلى، وأبو نعيم في الدلائل، وابن مردويه عن الزبير بن العوام في ذكر سبب نزول الآية نحو ما تقدّم مطوّلاً. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا } لا يصنع من ذلك إلاّ ما يشاء ولم يكن ليفعل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أفلم ييأس} يقول: يعلم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي العالية {وَلَوْ أَنَّ } قال: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ } قال: السرايا. وأخرج الطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عنه نحوه، وزاد {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ } قال: أنت يا محمد حتى يأتي وعد الله. قال: فتح مكة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قَارِعَةٌ} قال: نكبة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق العوفي عنه قارعة قال: عذاب من السماء، {أو تحلّ قريباً من دارهم}: يعني نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله آباءهم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } قال: يعني بذلك نفسه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عطاء في الآية قال: الله تعالى قائم بالقسط والعدل على كل نفس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {أَم بِظَـٰهِرٍ مّنَ ٱلْقَوْلِ } قال: الظاهر من القول هو الباطل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } قال: نعت الجنة، ليس للجنة مثل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن إبراهيم التيمي في قوله: {أُكُلُهَا دَائِمٌ } قال: لذَّاتها دائمة في أفوائهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ولو أن قرآناً سُيِّرت به الجبال أو قطعت به الأرض}الآية. وسبب ذلك ما حكاه مجاهد وقتادة أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن يسرَّك أن نتبعك فسيِّرْ جبالنا حتى تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، وقرب لنا الشام فإننا نتَّجر إليها، وأخرج لنا الموتى من القبور نكلمها، فأنزل الله تعالى. {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} أي أُخرت.{أو قطعت به الأرض} أي قربت. {أو كُلِّم به الموْتَى}أي أُحيوا. وجواب هذا محذوف وتقديره لكان هذا القرآن، لكنه حذف إيجازاً لما في ظاهر الكلام من الدلالة على المضمر المحذوف. ثم قال تعالى: {بل للهِ الأمر جميعاً}أي هو المالك لجميع الأمور الفاعل لما يشاء منها. {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} وذلك أن المشركين لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه استراب المؤمنون إليه فقال الله تعالى {أفلم ييأس الذين آمنوا}. وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه أفلم يتبين الذين آمنوا، قاله عطية، وهي في القراءة الأولى: أفلم يتبين الذين آمنوا. وقيل لغة جرهم{أفلم ييأس} أي يتبين. الثاني: أفلم يعلم، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد، ومنه قول رباح ابن عدي: شعر : ألم ييأس الأقوام أنِّي أنا ابْنُهُ وإن كنتُ عن أرض العشيرة نائيا تفسير : الثالث: أفلم ييأس الذين آمنوا بانقطاع طمعهم. وفيما يئسوا منه على هذا التأويل وجهان: أحدهما: ييأسوا مما سأله المشركون، قاله الفراء. الثاني: يئسوا أن يؤمن هؤلاء المشركون، قاله الكسائي. {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} فيه وجهان: أحدهما: لهداهم إلى الإيمان. الثاني: لهداهم إلى الجنة. {ولا يزال الذين كفروا تصيبهُم بما صنعوا قارعة} فيها تأويلان: أحدهما: ما يقرعهم من العذاب والبلاء، قاله الحسن وابن جرير. الثاني: أنها الطلائع والسرايا التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة. {أو تحل قريباً من دارهم} فيه وجهان: أحدهما: أو تحل القارعة قريباً من دارهم، قاله الحسن. الثاني: أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم، قاله ابن عباس وقتادة {حتى يأتي وَعْدُ الله} فيه تأويلان: أحدهما: فتح مكة، قاله ابن عباس. الثاني: القيامة، قاله الحسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً} لما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إنْ سَرَّك أن نتبعك فسير جبالنا تتسع أرضنا فإنها ضيقة، وقرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، وأخرج لنا الموتى من القبور نكلمهم، أنزلها الله ـ تعالى ـ {سُيّرَتْ} أخرت {قُطِّعَتْ} قربت {كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أحيوا، جوابه: "لكان هذا القرآن" فحُذف للعلم به {يَاْيْئَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} من إيمان هؤلاء المشركين، أو من حصول ما سألوه لأنهم لما طلبوا ذلك اشرأب المسلمون إليه "ع"، أو ييأس: يعلم، قال: شعر : ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً تفسير : أو ييأس قيل هي لغة جرهم. {لَهَدَى النَّاسَ} إلى الإيمان، أو الجنة {قَارِعَةٌ} تقرعهم من العذاب والبلاء، أو سرايا الرسول صلى الله عليه وسلم {أَوْ تَحُلُّ} أنت يا محمد "ع"، أو القارعة {وَعْدُ اللَّهِ} القيامة، أو فتح مكة "ع".

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ} جوابها محذوف، أي: لكان هذا القرآن، لأنه في غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين من مراده؛ كقوله الشاعر: [الطويل] شعر : 3180ـ فأقْسِمُ لو شَيءٌ أتَانَا رسُولهُ سِواكَ ولكِنْ لَمْ نَجِدْ عنْكَ مَدْفَعَا تفسير : أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة: قالوا: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقيل: تقديره لما آمنوا. ونقل عن الفراء: جواب "لو" هي الجملة من قوله {أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الرعد:30] وفي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآناً سيرت به الجبال كأنه قيل: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم الموتى به لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم، كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ}تفسير : [الأنعام:111] وهذا في الحقيقة دال على الجواب. وإنما حذفت التاء في قوله {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} وثبتت في الفعلين قبله؛ لأنه من باب التغليب، لأن الموتى تشمل المذكر والمؤنث. ثم قال: {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وليس لأحد عليه اعتراض. قوله {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أصل اليأس: قطع الطمع عن الشيء والقنوط منه، واختلف الناس فه ههنا، فقال بعضهم هو هنا على بابه، والمعنى أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان الكفار من قريش، وذلك أنهم لما سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول هذه الآيات ليؤمن الكفار، وعلم الله أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم ييأس الذين آمنوا من آيات الكفار، أي: ييأس من إيمانهم قال الكسائي. وقال الفراء: "أوقع الله للمؤمنين أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً فقال: أفلم ييأسوا علماً" يقول: يؤيسهم العلم، فكان فيهم العلم مضمراً كما تقول في الكلام: "يئست منك إن لا تفلح" كأنه قال: علمه علماً، قال: فيئست بمعنى علمت، وإن لم يكن سمع فإنه يتوجه لذلك بالتأويل". وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه وذلك لأنه لما أبعد إيمانهم في قوله ـ عز وجل ـ {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ} على [التأويلين] في المحذوف المقدر، قال في هذه الآية "أفلمْ يَيْأسِ" المؤمنون من إيمان هؤلاء علماً منهم {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. وقال الزمخشري: "ويجوز أن يتعلق {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ} بـ"آمَنَوا" على أو لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم". وهذا قد سبقه إليه أبو العباس ـ رضي الله عنه ـ. وقال أبو حيان: ويحتمل عندي وجه آخر غير الذي ذكروه، وهو: أن الكلام تام عند قوله تعالى {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} إذ هو تقرير، أي: قد يئس المؤمنون من إيمان هؤلاء المعاندين، و{أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ} جواب قسم محذوف، أي: وأقسم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ويدل على هذا القسم [وجود] "أنْ" مع "لَوْ" في قول الشاعر: [الوافر] شعر : 3181ـ أمَا واللهِ أن لوْ كُنْتَ حُرًّا وما بالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3182ـ فأقْسِمُ أن لَوِ التَقيْنَا وأنتمُ لكَانَ لكُم يَوْمٌ مِنَ الشَّر مُظْلِم تفسير : وقد ذكر سيبويه أن "أن" تأتي بعد القسم، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم بالجملة المقسم عليها، وقال بعضهم بل هو ههنا بمعنى "عَلِمَ" و"تبيَّن". قال القاسم بن مَعنٍ ـ وهو من ثقاب الكوفيين ـ: هي من لغة هوازن. وقال الكلبي: هي لغة حي من النَّخع، ومنه قول رباح بن عدي: [الطويل] شعر : 3183ـ ألَمْ يَيأسِ الأقْوامُ أنِّي أنَا ابنهُ وإن كُنْتُ عن أرْضِ العَشِيرةِ نَائِيا تفسير : وقول سحيم بن وثيل الرياحي: [الطويل] شعر : 3184ـ أقُولُ لهُمْ بالشِّعْبِ إذ يَأسِرُونَنِي ألمْ تَيأسُوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدمِ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 3185ـ حتَّى إذَا يَئسَ الرُّماةُ فأرْسَلُوا غُضْفاً دَواجِنَ قافِلاً أعْصامُهَا تفسير : ورد الفراء هذا وقال: "لم أسمع "يَئِسْتُ" بمعنى عَلْمتُ". وردَّ عليه بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ويدل على ذلك: قراءة علي وابن عباس وعكرمة وابن أبي مليكة والجحدري وعلي بن الحسين وابنه زيد وجعفر بن محمد وابن يزيد المدني وعبد الله بن يزيد، وعلي بن بذيمة: (أفلم يتبين) من: "تبينت كذا" إذا عرفته، وقد افترى من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس، كان أصله: "أفلم يتبين" فسوى هذه الحروف [فتوهَّم] أنها سين. قال الزمخشري: "وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى هذا حتى يبقى بين دفتي الإمام، وكان متقلباً في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها المبنى، هذه والله فرية ما فيها مرية". وقال الزمخشري أيضاً: "وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأن الآيس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنه ذلك". وتحصل في "أنْ" قولان: أحدهما: أنها "أن" المخففة من الثقيلة، فاسمها ضمير الشأن، والجملة الامتناعية بعدها خبرها، وقد وقع الفصل بـ "لو" و"أن" وما في حيزها إن علقناها بـ"ءامنوا" يكون في محل نصب، أو جر على الخلاف بين الخليل وسيبويه، إذ أصلها الجر بالحرف، أي: آمنوا بأن لو يشاء الله، وإن علقناها بـ "يَيْأس" على أنه بمعنى علم كانت في محل نصب لسدها سمد المفعولين. والثاني: رابطة بين القسم والمقسم عليه، كما تقدم. فصل قال المفسرون: إن أصحاب رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لما سمعوا كلام المشركين طمعوا في أن يفعل الله تعالى ما سألوا فيؤمنوا، فنزل {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني الصحابة من إيمان هؤلاء، يعني: ألم ييأسوا وكل من علم شيئاً ييِأس عن خلافه. يقول: ألم يؤيسهم العلم {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. فصل احتج أهل السنة بقوله: {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} وكلمة "لَوْ" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، والمعنى: أنه ـ تعالى ـ ما شاء هداية جميع الناس والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء، وتارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الهداية إلى طريق الجنة، ومنهم من يجري الكلام على الظاهر، ويقول: إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون مبايناً لهداية جميع الناس، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مراراً. قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ} ألآية قيل: أراد جميع الكفار؛ لأن الوقائع الشديدة [التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي، أوجب حصول الغم] في قلوب الكل. وقيل: أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون، فتكون الألف واللام للعهد، والمعنى لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم القبيحة "قارِعَةٌ" أي: نازلة وداهيةٌ تقرعهم من أنواع البلاء أحياناً بالجدب وأحياناً بالسلب وأحياناً بالقلب. يقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع: الضرب أي: لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد، أو من قتل أو أسر أو جدب أو غير ذلك من العذاب والبلاء كما نزل ـ يخاطب المستهزئين من رؤساء المشركين. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: أراد كفار قريش يصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب بأن لايزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب من مواشيهم. قوله "أوْ تَحُلُّ" يجوز أن يكون فاعله ضمير الخطاب، أي: تحل أنت يا محمد وأن يكون ضمير القارعة، وهذا أبين، أي: تصيبهم قارعة أو تحل القارعة، وموضعها نصب عطف علىخبر "يَزالُ". وقرأ ابن جبير ومجاهد: "أوْ يَحُلُّ" بالياء من تحت، والفاعل على ما تقدم إما ضمير القارعة ـ وإنما ذكر الفعل؛ لأنها بمعنى العذاب ولأن التاء للمبالغة، والمراد: قارع ـ وإما ضمير الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أتى به غائباً، وقرأ أيضاً: "مِن دِيَارهِمْ" جمعاً، وهي واضحة. المعنى: أو تحل القارعة أو أنت يا محمد ـ صلوات الله وسلامه عليك ـ بجيشك قريباً من دارهم كما حل بالحديبية {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} وهو فتح مكة، وكان قد وعده ذلك. وقيل: يوم القيامة. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} والغرض منه: [تقوية] قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه وتسليته. فصل قال القاضي: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله ـ تعالى ـ في ميعاده، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بمعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق [الفساق] من العناد. والجواب: أن الخلق غير، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف، ولكننا تخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كان كما تقول، فأرِنا أشياخنا الذين من الموتى نكلمهم، وافسح لنا هذه الجبال - جبال مكة - التي قد ضمتنا. فنزلت {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن عطية العوفي - رضي الله عنه - قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم "لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعتْ لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يحيي الموتى لقومه. فأنزل الله تعالى {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ...} الآية، إلى قوله {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: أفلم يتبين الذين آمنوا؟" قالوا: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال المشركون من قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة وسيرت جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا واقطع به الأرض، أو كلم به الموتى... فأنزل الله تعالى {ولو أن قرآناً}. وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الدلائل، وابن مردويه عن الزبير بن العوّام - رضي الله عنه - قال: لما نزلت {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين} تفسير : [الشعراء: 214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس: "حديث : يا آل عبد مناف، إني نذير فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم. فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان عليه السلام سخرت له الريح والجبال، وإن موسى عليه السلام سخر له البحر، وإن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل وإلا، فادع الله أن يحيي لنا الموتى فنكلمهم ويكلمونا وإلا، فادع الله أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سرى عنه الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني الله ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة ويؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين"تفسير : . فنزلت {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أَن كذب بها الأولون} تفسير : [الإِسراء: 59] حتى قرأ ثلاث آيات. ونزلت {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ...} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أن هذه الآية {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} مكية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} الآية. قال: قول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: سيّر جبالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قالوا سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا. وأخرج ابن جرير عن الضحاك - رضي الله عنه - قال: قال كفار مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم: "سيّر لنا الجبال كما سخرت لداود، وقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان عليه السلام فاغدُ بها شهراً، ورح بها شهراً، أو كلم لنا الموتى كما كان عيسى عليه السلام يكلمهم. يقول: لم أنزل بهذا كتاباً، ولكن كان شيئاً أُعطيته أنبيائي ورسلي". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي - رضي الله عنه - قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً كما تزعم، فباعد عن مكة اخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام، أو خمسة أيام، فإنها ضيقة حتى نزرع فيها أو نرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا إنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت إنك فعلته. فأنزل الله تعالى {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} الآية. وأخرج إسحق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {بل لله الأمر جميعاً} لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء، ولم يكن ليفعل. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ {أفلم ييأس الذين آمنوا} . وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ [أفلم يتبين الذين آمنوا] فقيل له: إنها في المصحف {أفلم ييأس} فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس. وأخرج ابن جرير عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ [أفلم يتبين الذين آمنوا]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {أفلم ييأس} يقول: يعلم. وأخرج الطستي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: أفلم يعلم، بلغة بني مالك. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت مالك بن عوف يقول: شعر : لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا تفسير : وأخرج ابن الأنباري، عن أبي صالح - رضي الله عنه - قال: في قوله {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: أفلم يعلم، بلغة هوازن، وأنشد قول مالك بن عوف النضري: شعر : أقول لهم بالشعب إذ ييئسونني ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم؟!... تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: أفلم يعلم الذين آمنوا؟. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: أفلم يعرف الذين آمنوا. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد - رضي الله عنه - {أفلم ييأس} أفلم يعلم. ومن الناس من يقرؤها "أفلم يتبين" وإنما هو كالاستنقاء، أفلم يعقلوا ليعلموا أن الله يفعل ذلك؟ لم ييأسوا من ذلك وهم يعلمون أن الله تعالى لو شاء فعل ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي العالية - رضي الله عنه - {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو شاء الله {لهدى الناس جميعاً}. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه من طريق عكرمة - رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: السرايا. وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: سرية {أو تحل قريباً من دارهم} قال: أنت يا محمد {حتى يأتي وعد الله} قال فتح مكة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد - رضي الله عنه - في قوله {تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أو تحل} يا محمد {قريباً من دارهم}. وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: {القارعة} السرايا {أو تحل قريباً من دارهم} قال: الحديبية {حتى يأتي وعد الله} قال: فتح مكة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {ولا يزال الذين كفروا ...} الآية. قال: نزلت بالمدينة في سرايا النبي صلى الله عليه وسلم. {أو تحل} أنت يا محمد {قريباً من دارهم}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: نكبة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: عذاب من السماء {أو تحل قريباً من دارهم} يعني، نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم. وأخرج ابن جرير عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {أو تحل قريباً من دارهم} قال: أو تحل القارعة قريباً من دارهم {حتى يأتي وعد الله} قال: يوم القيامة. أما قوله تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك}. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: حديث : كان رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم يحاكيه ويلمطه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كذلك فكن". فرجع إلى أهله فلبث به مغشياً شهراً، ثم أفاق حين أفاق وهو كما حاكى رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قال: يعني بذلك نفسه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء - رضي الله عنه - في قوله {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قال: الله تعالى، قائم بالقسط والعدل. وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قال: ذلكم ربكم تبارك وتعالى, قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قال: الله عز وجل، القائم على كل نفس {بما كسبت} على رزقها وعلى علمها. وفي لفظ: قائم على كل بر وفاجر، يرزقهم ويكلؤهم ثم يشرك به منهم من أشرك {وجعلوا لله شركاء} يقول: آلهة معه {قل سموهم} ولو سموا آلهة لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق؛ لأن الله تعالى واحد لا شريك له {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} يقول: لا يعلم الله تعالى في الأرض إلهاً غيره {أم بظاهر من القول} يقول: أم بباطل من القول وكذب. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} يعني بذلك نفسه، يقول {قائم على كل نفس} على كل بر وفاجر {بما كسبت} وعلى رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك وهم عبيدي، ثم جعلوا لي شركاء {قل سموهم} ولو سموهم كذبوا في ذلك لا يعلم الله تعالى من إله غير الله، فذلك قوله {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض}. وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة الجرشي - رضي الله عنه - أنه قام في الناس يوماً، فقال: اتقوا الله في السرائر وما ترخى عليه الستور... ما بال أحدكم ينزع عن الخطيئة للنبطي يمر به، والأمة من إمائه، والله تعالى يقول {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} ويحكم فأجلوا مقام الله سبحانه وتعالى: ما يؤمن أحدكم أن يمسخه قرداً أو خنزيراً بمعصيته إياه، فإذا هو خزي في الدنيا وعقوبة في الآخرة. فقال رجل من القوم: والله الذي لا إله إلا هو، ليكونن ذاك يا ربيعة، فنظر القوم من الحالف فإذا هو عبد الرحمن بن غنم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {أم بظاهر من القول} قال: بظن {بل زين للذين كفروا مكرهم} قال: قولهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {أم بظاهر من القول} قال: الظاهر من القول، هو الباطل.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا} أي قرآناً ما وهو اسمُ أن والخبر قوله تعالى: {سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} وجوابُ لو محذوفٌ لانسياق الكلام إليه بحيث يتلقّفه السامعُ من التالي والمقصودُ إما بـيانُ عِظم شأنِ القرآنِ العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدرَه العليَّ ولم يعدّوه من قبـيل الآيات فاقترحوا غيره مما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام وإما بـيانُ غلوهم في المكابرة والعِنادِ وتماديهم في الضلال والفساد فالمعنى على الأول لو أن قرآناً سُيّرت به الجبالُ أي بإنزاله أو بتلاوته عليها وزُعزعت عن مقارّها كما فُعل ذلك بالطور لموسى عليه الصلاة والسلام {أَوْ قُطّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} أي شُقّقت وجُعلت أنهاراً وعيوناً كما فُعل بالحجر حين ضربه عليه السلام بعصاه أو جعلت قطعاً متصدّعة {أَوْ كُلّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي بعد أن أحيـيَ بقراءته عليها كما أحيـيتْ لعيسى عليه السلام لكان ذلك هذا القرآنَ لكونه الغايةَ القصوى في الانطواء على عجائبِ آثارِ قدرة الله تعالى وهيبته عز وجل كقوله تعالى: { أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر: 21] لا في الإعجاز إذ لا مدخل له في هذه الآثار ولا في التذكير والإنذار والتخويفِ لاختصاصها بالعقلاء مع أنه لا علاقةَ لها بتكليم الموتى، واعتبارُ فيض العقول إليها مُخلٌّ بالمبالغة المقصودة، وتقديمُ المجرور في المواضع الثلاثة على المرفوع لما مر غيرَ مرة من قصد الإبهام ثم التفسيرِ لزيادة التقريرِ، لأن بتقديم ما حقُّه التأخيرُ تبقى النفسُ مستشرفةً ومترقّبةً إلى المؤخر أنه ماذا؟ فيتمكّن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن، وكلمةُ أو في الموضعين لمنع الخلوّ لا لمنع الجمع، واقتراحُهم وإن كان متعلقاً بمجرد ظهورِ مثل هذه الأفاعيلِ العجيبة على يده عليه السلام لا بظهورها بواسطة القرآنِ لكن ذلك حيث كان مبنياً على عدم اشتمالِه في زعمهم على الخوارق نيط ظهورُها به مبالغةً في بـيان اشتمالِه عليها وأنه حقيقٌ بأن يكون مصدراً لكل خارقٍ، وإبانةً لركاكة رأيهم في شأنه الرفيعِ كأنه قيل: لو أن ظهورَ أمثالِ ما اقترحوه من مقتَضيات الحِكمة لكان مظهرُها هذا القرآنَ الذي لم يعدّوه آية، وفيه من تفخيم شأنه العزيزِ ووصفِهم بركاكة العقلِ ما لا يخفى {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا} أي له الأمرُ الذي عليه يدور فلكُ الأكوان وجوداً وعدماً يفعل ما يشاء ويحكمُ ما يريد لما يدعو إليه من الحِكَم البالغةِ، وهو إضرابٌ عما تضمنته الشرطيةُ من معنى النفي لا بحسب منطوقِه بل باعتبار موجِبه ومؤدّاه أي لو أن قرآناً فُعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآنَ، ولكن لم يُفعل بل فُعل ما عليه الشأنُ الآن لأن الأمرَ كلَّه له وحده فالإضرابُ ليس بمتوجِّهٍ إلى كون الأمرِ لله سبحانه بل إلى ما يؤدِّي إليه ذلك من كون الشأنِ على ما كان لما تقتضيه الحِكمة من بناء التكليف على الاختبار. {أَفَلمْ يَيأس الَّذِينَ آمنواْ} أي أفلم يعلموا على لغة هوازنَ أو قومٍ من النَّخْع أو على استعمال اليأس في معنى العِلم لتضمّنه له، ويؤيده قراءة علي وابن عباس وجماعةٍ من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أفلم يتبـينْ بطريقي التفسير. والفاءُ للعطف على مقدر أي أغفَلوا عن كون الأمرِ جميعاً لله تعالى فلم يعلموا {أَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ} على حذف ضميرِ الشأنِ وتخفيفِ أن {لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا} بإظهار أمثالِ تلك الآثارِ العظيمةِ فالإنكارُ متوجهٌ إلى المعطوفين جميعاً، أو أعلموا كونَ الأمر جميعاً لله فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلمُ مما ذكر فهو متوجِّهٌ إلى ترتب المعطوفِ على المعطوف عليه، أي تخلف العلم الثاني عن العلم الأول وعلى التقديرين فالإنكارُ إنكارُ الوقوعِ كما في قوله تعالى: { أية : أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} تفسير : [طه: 86] لا إنكارِ الواقع كما في قولك ألم تخفِ الله حتى عصيتَه، ثم إن مناطَ الإنكار ليس عدمَ علمهم بمضمون الشرطية فقط بل مع عدم علمِهم بعدم تحققِ مقدَّمها، كأنه قيل: ألم يعلموا أن الله تعالى لو شاء هدايتَهم لهداهم وأنه لم يشأْها وذلك لأنهم كانوا يؤيدون أن يظهر ما اقترحوا من الآيات ليجتمعوا على الإيمان، وعلى الثاني لو أن قرآناً فُعل به ما فُصِّل من التعاجيب لما آمنوا به كقوله تعالى: { أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الأنعام: 111] الآية، فالإضرابُ حينئذٍ متوجّهٌ إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في العناد على ما شُرح أي فليس لهم ذلك بل لله الأمر جميعاً إن شاء الله أتى بما اقترحوا وإن شاء لم يأت به حسبما تستدعيه داعيةُ الحكمةِ من غير أن يكون لأحد عليه تحكّم أو اقتراحٌ واليأسُ بمعنى القنوط، أي ألم يعلم الذين آمنوا حالَهم هذه فلم يقنَطوا من إيمانهم حتى أحبّوا ظهورَ مقترحاتِهم؟ فالإنكارُ متوجهٌ إلى المعطوفين أو أعلِموا ذلك فلم يقنَطوا من إيمانهم؟ فهو متوجهٌ إلى وقوع المعطوفِ بعد المعطوفِ عليه أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور، والإنكارُ على التقديرين إنكارُ الواقع كما في قوله تعالى: { أية : أَفَلاَ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 65] ونظائرِه، لا إنكارُ الوقوع فإن عدم قنوطِهم منه مما لا مردّ له، وقوله تعالى: {أَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ} الخ، متعلّقٌ بمحذوف أي أفلم يـيأسوا من إيمانهم علماً منهم أو عالمين بأنه لو يشاء الله لهدى الناسَ جميعاً وأنه لم يشأ ذلك أو لآمنوا أي أفلم يقنط الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً؟ على معنى أفلم يـيأس من إيمانهم المؤمنون؟ بمضمون الشرطية وبعدم تحققِ مقدّمها المنفهم من مكابرتهم حسبما تحكيه كلمةُ لو فالوصفُ المذكورُ من دواعي إنكارِ يأسِهم، وقيل: إن أبا جهل وأضرابه قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبـياً سيّر بقرآنك الجبالَ عن مكة حتى تتسعَ لنا ونتخذ فيها البساتين والقطائع، وقد سُخِّرت لداود عليه السلام فلست بأهونَ على الله منه إن كنت نبـياً كما زعمت، أو سخّر لنا به الريحَ كما سُخّرت لسليمان عليه السلام لنتّجر عليها إلى الشام فقد شق علينا قطعُ الشُقةِ البعيدة أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا فنزلت. فمعنى تقطيعِ الأرض حينئذ قطعُها بالسير ولا حاجة حينئذ إلى الاعذار في إسناد الأفاعيلِ المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه في الوجهين الأولين، وعن الفراء أنه متعلقٌ بما قبله من قوله: { أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الرعد: 30] وما بـينهما اعتراضٌ وهو بالحقيقة دالٌّ على الجواب والتقدير ولو أن قرآناً سُيّرت به الجبالُ أو قطعت به الأرض أو كُلم به الموتى لكفروا بالرحمٰن، والتذكير في كلم به الموتى لتغليب المذكر من الموتى على غيره. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل مكةَ {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ} أي بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه، وعدمُ بـيانه إما للقصد إلى تهويله أو استهجانه وهو تصريحٌ بما أَشعر به بناءُ الحكم على الموصول من علّية الصلةِ له مع منافي صيغة الصنعِ من الإيذان برسوخهم في ذلك {قَارِعَةٌ} داهيةٌ تقرعهم وتقلقهم وهو ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائبِ من القتل والأسر والنهب والسلبِ، وتقديم المجرورِ على الفاعل لما مر مراراً من إرادة التفسير إثرَ الإبهام لزيادة التقرير والإحكامِ مع ما فيه من بـيانِ أن مدارَ الإصابة من جهتهم آثرَ ذي أثير {أَوْ تَحُلُّ} تلك القارعةُ {قَرِيبًا} أي مكاناً قريباً {مّن دَارِهِمْ} فيفزَعون منها ويتطاير إليهم شَرارُها، شبِّهت القارعةُ بالعدو المتوجّه إليهم فأُسند إليها الإصابةُ تارة والحلولُ أخرى ففيه استعارةٌ بالكناية وتخيـيلٌ وترشيحٌ {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ} أي موتُهم أو القيامةُ فإن كلاًّ منهما وعدٌ محتوم لا مرد له، وفيه دِلالةٌ على أن ما يصيبهم عند ذلك من العذاب في غاية الشدةِ وأن ما ذكر سابقةُ نفحةٍ يسيرة بالنسبة إليه ثم حُقق ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أي الوعدَ كالميلاد والميثاق بمعنى الولادةِ والتوثِقةِ لاستحالة ذلك على الله سبحانه. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبعثها وكانوا بـين إغارةٍ واختطاف وتخويفٍ بالهجوم عليهم في ديارهم فالإصابة والحلولُ حينئذ من أحوالهم ويجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ} خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم مراداً به حلولُه الحديبـيةَ، والمرادُ بوعد الله ما وعد به من فتح مكة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً}. لو كان شيء من المخلوقات يظهر يغيرنا في الإيجاد لكان يحصل بهذا القرآن، ولكن المنشئ الله، والخير والشر جملةً من الله، والأمر كله لله. فإذا لم يكن شيء من الحدثان بالقرآن - والقرآن كلام الله العزيز - فلا تكون ذرة من النفي والإثبات لمخلوق.. فإن ذلك محال. قوله جلّ ذكره: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}. معناه أفلم يعلم الذين آمنوا، ويقال أفلم ييأسوا من إيمانهم وقد علموا أنه من يهديه الحق فهو المهتدي؟ قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}. يعني شؤمُ كُفْرِهم لا يزال واصلاً إليهم، ومقتصُّ فعلهم لاحِقٌ بهم أبداً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} عاتب المومنين بهذا القول اى العتب لهم بان يطردوا من روية ربهم الى معادن الارواح ليعرفوا اهل الاصطفائية ممن دونهم من اهل الحجاب ولا يطيعون الى ايمانهم فان سر التقدير حرى بمنعهم عن مطالعة جماله قال الواسطى هو على ما يقدر من تصحيح حكمه واحكام قبضته ولا يبدل القول لديه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو أن قرآنا} -روى- ان نفرا من مشركى مكة معهم ابو جهل ابن هشام وعبد الله بن امية قالوا يا محمد ان يسرك ان نتبعك فسير لنا بقرءانك الجبال عن حوالى مكة فانها ضيقة حتى تتسع لنا الارض فنتخذ البساتين والمحارث وشقق الارض وفجر لنا الانهار والعيون كما فى ارض الشام واحى رجلين او ثلاثة ممن مات من ابناءئنا منهم قصى بن كلاب ليكلمونا ونسألهم عن امرك أحق ما تقول ام باطل فلما اقترحوا عليه صلى الله عليه وسلم هذه الآيات نزل قوله {ولو ان} الخ وجواب الشرط محذوف كما سيأتى. والمعنى بالفارسية [برفتن آوردن] اى نقلت من اماكنها واذهب عن ةجه الارض بالفارسية [رانده شدى بوى كوها يعنى در وقت خواندن وى از مواضع خود برفتى] {او قطعت به الارض} شققت فجعلت انهارا وعيونا. وبالفارسية [ياشكافته شدى بدو زمين جون برو خواندندى] {او كلم} احيى {به الموتى} [يا بسخن در آوردندى از بركت خواندن او مرد كانرا] اى لكان هذا القرآن لكونه غاية فى الاعجاز ونهاية فى التذكير والمراد منه تعظيم القرآن والرد على المشركين الذين كابروا فى كون القرآن آية واقترحوا آية غيرها والتنبيه على ان ما ينفعهم فى دنياهم كالزراعة ونحوها مع ان فى القرآن تأثيرات وخاصيات انفسية عجيبة فلو كان لهم استعداد لظهور تلك التأثيرات لسيرت به جبال نفوسهم وقطعت به ارض بشريتهم واحيى به قلوبهم الموتى {بل} [نه جنانست كه كافران ميكويند بقرآن تويا بفرمان توبايد اينها واقع شود] {لله الامر} اى امر خلقه {جميعا} فله التصرف فى كل شيء وله القدرة على ما اراد وهو قادر على الاتيان بما اقترحوه من الآيات الا ان ارادته لم تتعلق بذلك لعلمه بانه لا تنفعهم الآيات حديث : - روى - انه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام "والذى نفسى بيده لقد اعطانى ما سألتم ولو شئت لكان ولكن خيرنى بين ان تدخلوا فى باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين ان يكلكم الى ما اخترتم لانفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فاخترت باب الرحمة واخبرنى انه ان اعطاكم ذلك ثم كفرتم ان يعذبكم عذابا لم يعذبه احدا من العالمين" تفسير : كما فى اسباب النزول للامام الواحدى. واعلم ان الكفار ما ابصروا نور القرآن فعموا عن رؤية البرهان وكذا اهل الانكار غفلوا عن سره القرآن فحرموا من المشاهدة والعيان: وفى المثنوى شعر : تو ز قرآن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را ند بيند جز كه طين ظاهر قرآن جو شخص آدميست كه نقوشش ظاهر وجانش خفيست تفسير : ولا شك ان من تخلق بالقرآن الذى هو صفة الله تعالى قدر على ما لم يقدر عليه غيره وفى الحديث "حديث : لو كان القرآن فى اهاب ما مسته النار" تفسير : اى لو صور القرآن وجعل فى اهاب والقى فى النار ما مسته ولا احرقته ببركة القرآن فكيف بالمؤمن الحامل له المواظب على تلاوته. ومن الحكايات اللطيفة ان عليا رضى الله عنه مرض فقال ابو بكر رضى الله عنه لعمر وعثمان رضى الله عنهما ان عليا قد مرض فعلينا العيادة فاتوا بابه وهو يجد خفة من المرض ففرح فرحا فتموج بحر سخائه فدخل بيته فلم يجد شيئا سوى عسل يكفى لواحد فى طست وهو ابيض وانور وفيه شعر اسود فقال ابو بكر الصديق رضى الله عنه لا يليق الا كل قبل المقالة فقالوا انت اعزنا واكرمنا وسيدنا فقل اولا فقال الدين انور من الطست ونعيمها احلى من العسل والصراط ادق من الشعر فقال عثمان رضى الله عنه القرآن انور من الطست وقراءة القرآن احلى من العسل وتفسيره ادق من الشعر فقال على رضى الله عنه الضيف انور من الطست وكلام الضيف احلى من العسل وقلبه ادق من الشعر نور الله تعالى قلوبنا بنور العرفان واوصلنا واياكم الى سر القرآن آمين يا الله يا رحمن {أفلم ييأس الذين آمنوا} اليأس قطع الطمع عن الشيء والقنوط منه والاستفهام بمعنى الامر -روى- ان طائفة من المؤمنين قالوا يا رسول الله اجب هؤلاء الكفار يعنون كفار مكة الى ما اقترحوا من الآيات فعسى ان يؤمنوا فقال تعالى أفلم يقنط المؤمنون من ايمان هؤلاء الكفرة بعد ما رأوا كثرة عنادهم بعد ما شاهدوا الآيات {ان} اى علما منهم انه {لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} فآمنوا وقد يستعمل اليأس بمعنى العلم مجازا لانه مسبب عن العلم بان ذلك الشيء لا يكون فان المخففة مع ما فى حيزها فى محل النصب على انهار مفعول اليأس بمعنى العلم. والمعنى أفلم يعلم الذين آمنوا ان الله تعالى لا يهدى الناس جميعا لعدم تعلق مشيئة باهتداء الجميع فيهدى من يشاء ويضل من يشاء بمقتضى قبضتيه الجمالية والجلالية: قال الحافظ شعر : در كار خانه عشق از كفرنا كزيرست آتش كرا بسوزد كربو لهب نباشد تفسير : {ولا يزال الذين كفروا} بالرحمن وهم كفار مكة {تصيبهم بما صنعوا} اى بسبب ما فعلوا من كفرهم واعمالهم الخبيثة {قارعة} داهية تقرعهم وتفجأهم من القتل والاسر والحرب والجدب واصلالقرع الضرب والصدع تلخيصه لا يزال كفار مكة معذبين بقارعة {او تحل} القارعة اى تنزل {قريبا} [بموضعى نزديك] {من دارهم} اى مكة فيفزعون فيها ويقلعون ويتطاير عليهم شرارها ويتعدى اليهم شرورها ويجوز ان يكون تحل خطابا للنبى عليه السلام فانه حل بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية فاغار على اموالهم ومواشيهم. وفى التاويلات النجمية {قارعة} من الاحكام الازلية تقرعهم فى انواع المعاملات التى تصدر منهم موجبة للشقاوة وبقوله {او تحل قريبا من دارهم} يشير الى ان الاحكام الازلية تارة تصدر منهم وتارة من مصاحبهم فتوافقوا فى اسباب الشقاوة وترافقوا الى ما اوعدهم الله من درك الشقاء كما قال {حتى} يعنى [بلابديشان خواهد رسد تاوقتى كه] {ياتى وعد الله} وهو موتهم او يوم القيامة او فتح مكة {ان الله لا يخلف الميعاد} لامتناع الخلف لكونه نقصا منافيا للالوهية وكمال الشيء والميعاد بمعنى الوعيد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة والتوثقة والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها

ابن عجيبة

تفسير : جواب (لو): محذوف، أي: لم يؤمنوا؛ لسابق الشقاء، أو: لكان هذا القرآن، وسيأتي بيانه. يقول الحق جل جلاله: {ولو أن قرآناً} أنزل عليك، من صفته: {سُيِّرت به الجبالُ} أي: زعزعت عن مقارها، {أو قُطعَت به الأرضُ}: تصدعت وتشققت من خشية الله عند قراءته، أو: تشققت فجعلت أنهاراً وعيوناً، {أو كُلِّمَ به الموتى}؛ فتجيب من قبورها جهراً، كما آمنوا؛ لعنادهم وغلبة الحسد عليهم. فهذا كقوله تعالى {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ} تفسير : [الأنعام: 111]، أو: ولو أن قرآناً بهذه الصفة: من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى، لكان هذا القرآن؛ لأنه الغاية في الإعجاز، والنهاية في التذكير والإنذار، والأرل أرجح؛ لمناسبة ما قبله وما بعده. رُوي أن قريشاً قالوا: يا محمد، إنْ سَرَّك أن نتبعك فَسَيِّرْ بقرآنك الجبالَ عن مكة، حتى تتسع لنا فنتخذها بساتين وقطائع. أو سخر لنا به الريح لنركبها، فَنَتَّجِرَ بها إلى الشام. أو ابعث لنا قُصَيَّ بن كلاب فإنه شيخَ صِدْقٍ، أو غيره من آبائنا، فيكلمونا فيك، ويشهدوا لك بما تقول. فنزلت الآية. {بل لله الأمرُ جميعاً}؛ ليس لي منه شيء، فهو القادر على الإتيان بما اقترحتموه من الآيات، إلا أن الإرادة لم تتعلق بذلك؛ لأنه علم أنه لا ينجع فيكم شيء من ذلك؛ لفرط عنادكم، فإذا رأيتموها قلتم: {أية : إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} تفسير : [الحجر: 15]، وبيَّن ذلك قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} من إيمانهم مع رأوا من أحوالهم، وفرط عنادهم، علماً منهم {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً}، أو: {أفلم ييأس} أي: يعلم {الذين آمنوا} أن الهداية بيد الله، ومشيئته، فلو شاء لهدى الناس جميعاً، وكون "ييأس" بمعنى "علم": لغة هوازن؛ فقد علموا بما أعلمهم أن الله لا يهدي من يضل. وقد قرأ علي وابن عباس وجماعة: "أفلم يتبين الذين آمنوا"، وهو يقوي تفسير ييأس بيعلم. قال البيضاوي: وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم، لأنه مُسَبِّبٌ عن العلم، فإن الميئوس منه لا يكون إلا معلوماً. ولذلك علّقه بقوله: {أن لو يشاء اللهُ لهدى الناس جميعاً}؛ فإن معناه نفي هدى بعض الناس؛ لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وهو ـ على الأول ـ يتعلق بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانهم؛ علماً منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. أو: بآمنوا، على حذف الجار، أي: بأن الله... الخ. هـ. {ولا يزال الذين كفروا} من قريش والعرب، {تُصيبُهم بما صنعوا} من الكفر والمعاصي، {قارِعةٌ} داهية تقرعهم؛ تقلقهم، وتصيبهم في أنفسهم وأولادهم وأموالهم. أو غزوات المسلمين إليهم، إمَّا أن تنزل بهم {أو تَحُلُّ قريباً من دارهم} فيفزعون منها وتتطاير إليهم شررها. وقيل: نزلت في كفار مكة، فإنهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يزال يبعث السرايا، فتُغير حواليهم وتختطف أموالهم. وعلى هذا يجوز أن يكون ضمير {تَحُل} خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم أي: تحل بجيشك قريباً من دراهم، {حتى يأتي وعد الله} بالموت أو بالبعث أو فتح مكة. {إنَّ الله لا يُخلف الميعاد}؛ لامتناع الخلف في وعده تعالى. الإشارة: لو أن عارفاً بالله سيَّر الجبال عن أماكنها وفجر الأرض عيوناً، وكلمه الموتى لما آمن بخصوصيته إلا من سبقت له عناية الخصوصية. فلو شاء الله لهدى الناس إلى معرفته جميعاً. لكن الحكمة اقتضت وجود الخلاف، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}تفسير : [هود: 118]، فمن لم يهتد إلى معرفتهم لا يزال تطرقه قوارع الشكوك والأوهام، وخواطر السوء، أو تحل قريباً من قلبه، إن لم تتمكن فيه، حتى يأتي وعد الله بحضور موته، فقد يتداركه اللطف والرعاية، وقد يتسع الخرق عليه فيموت على الشك، والعياذ بالله. بخلاف من صَحِبَ أهل الطمأنينة واليقين، ولا يموت إلا على اليقين؛ لأن همة الشيوخ قد حَلَّقَتْ عليه، والعناية قد حفت به. والله ولي المتقين. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: (والله لا يكون الشيخ شيخاً حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب)، والمراد باليد: الهمة والحفظ. ووقت الموت أولى بالحضور، وقد شاهدنا ذلك من إخواننا ممن حضره الموت منهم، أخبر أنه يرى شيخه حاضراً معه. فللَّهِ الحمد والمنة.

الطوسي

تفسير : هذه الآية تتضمن وصف القرآن بغاية ما يمكن من علو المنزلة وبلوغه أعلى طبقات الجلال، لانه تعالى قال {لو أن قرآناً سيرت به الجبال} من مواضعها وقلعت من أماكنها لعظم محله وجلالة قدره. والتسيير تصيير الشيء بحيث يسير، تقول سار يسير سيراً، وسيره غيره تسييراً. {أو قطعت به الأرض} لمثل ذلك. والتقطيع تكثير القطع، قطعه قطعة، وقطّعه تقطيعاً. والقطع فصل المتصل. {أو كلم به الموتى} لمثل ذلك حتى يعيشوا او يحيوا، تقول: كلمه كلاماً، وتكلم تكلماً، والكلام ما انتظم من حرفين فصاعداً من الحروف المعقولة إِذا وقع ممن يصح منه او من قبيلة، لافادة. و (الموتى) جمع ميت مثل صريع وصرعى، وجريح وجرحى. ولم يجىء جواب (لو) لدلالة الكلام عليه، وتقديره: لكان هذا القرآن لعظم محله في نفسه وجلالة قدره. وكان سبب ذلك أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ان يسيّر عنهم جبال مكة لتتسع عليهم المواضع، فأنزل الله تعالى الآية، وبين انه لو سيرت الجبال بكلام، لسيرت بهذا القرآن لعظم مرتبته وجلالة قدره. وقد يحذف جواب (لو) إذا كان في الكلام دلالة عليه، قال امرؤ القيس: شعر : فلو انها نفس تموت سوية ولكنها نفس تساقط أنفسا تفسير : وهو آخر القصيدة، وقال الآخر: شعر : فأقسم لو شيء اتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا تفسير : وقال الفراء: يجوز ان يكون جوابه (لكفروا بالرحمن) لتقدم ما يقتضيه، وقال البلخي. يجوز ان يكون معطوفاً على قوله {وهم يكفرون بالرحمن... ولو أن قرآناً} ويستغنى بذلك عن الجواب، كما تقول: هو يشتمني ولو أحسنت اليه، وهو يؤذيني ولو اكرمته. وقوله {بل لله الأمر جميعاً} معناه ان جميع ما ذكر - من تسيير الجبال وتقطيع الارض وإِحياء الموتى، وكل تدبير يجري هذا المجرى - لله، لانه لا يملكه ولا يقدر عليه سواه. وقوله {أفلم ييأس الذين آمنوا} قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد، وابو عبيدة: معناه أفلم يعلم، قال سحيم: شعر : اقول لهم بالشعب إِذ يأسرونني ألم ييأسوا اني ابن فارس زهدم تفسير : معناه ألم يعلموا. الثاني - قال الفراء: معناه {أفلم ييأس الذين آمنوا} ان ينقطع طمعهم من خلاف هذا، علما بصحته، كما قال لبيد: شعر : حتى اذا يئس الرماة فأرسلوا عصفاً دواجن قافلاً اعصامها تفسير : معناه: حتى اذا يئسوا من كل شيء الا الذي ظهر اي يئسوا من خلاف ذلك لعلمهم بصحته، والعلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه. وقوله {لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} معناه الم يعلموا ان الله لو أراد ان يهدي خلقه كلهم الى جنته لهداهم، لكنه كلفهم لينالوا الثواب بطاعاتهم على وجه الاستحقاق. ويحتمل ان يكون المعنى لو اراد ان يلجئهم إِلى الاهتداء لقدر على على ذلك، لكنه ينافي التلكيف ويبطل الغرض منه. وقوله {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} فالقارعة هي الداهية المهلكة، وهي النازلة التي تزعج بالنعمة، تقول: قرعتهم تقرعهم قرعاً وهي قارعة، ومنه المقرعة. وقوله {أو تحل قريباً من دارهم} قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس: او تحل، اي تنزل - يا محمد - قريباً من دارهم. والحلول حصول الشيء في الشيء، وحملوا قوله {تصيبهم قارعة} على نزول السرايا بهم او يحل النبي صلى الله عليه وسلم قريباً منهم. وقال الحسن: المعنى او تحل القارعة قريباً من دارهم. وقوله {حتى يأتي وعد الله} قال قتادة معناه حتى يأتي وعده بفتح مكة. وقال الحسن: معناه حتى يأتي يوم القيامة. وقوله {إن الله لا يخلف الميعاد} اخبار منه تعالى انه لا خلف لوعده بل لا بد ان يفعل ما وعد به او توعد عليه. وامر الله ما يصح ان يأمر فيه وينهى عنه وهو عام. واصله الامر نقيض النهي، والاصابة لحوق ما طلب بالارادة، اصاب الغرض يصيبه إِصابة وهو مصيب، ومنه الصواب إدراك البغية المطلوبة بداعي الحكمة. وروي عن ابن عباس انه قرأ {أفلم يتبين الذين آمنوا} من التبيين. وروي مثله عن علي صلى الله عليه وسلم رواه الطبري. وقال الزجاج: معناه افلم يعلم الذين آمنوا ان هؤلاء لا يؤمنون مع قوله {لو شاء الله لهدى الناس جميعاً}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} لكان هذا القرآن، لمّا كان المعروف بين النّاس انّ من النّاس من يقرأ ورداً وينفخ فيما يريد من تحريك الاحجار وانزال الامطار ومن اراءة الامصار وحاضر الغيّاب كما هو المعروف فى زماننا هذا من المرتاضين المتشرّعين وغيرهم قال: لو انّ فى العالم مقروّاً يقرأ ويسيّر به الجبال الى الآخر لكان ذلك المقروّ هو هذا القرآن لا غيره وهذا اوفق بقوله {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} من حيث انّه اضراب عن تأثير المقروّ وحصر للتّاثير به تعالى فكأنّه قال: كلّ مقروّ له اثر فى العالم منحصر فى هذا القرآن بمعنى انّه غير خرج منه اذ لا رطب ولا يابس الاّ فيه، ثمّ اضرب وقال: بل لا اثر لشيءٍ من الاشياء الاّ لله بمعنى انّ كلّ مؤثّر فانّما هو مؤثّر بمؤثّريّة الله لا بنفسه {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} فسّر ييأس بيعلم على لغة وقرئ يتبيّن فى قراءة اهل البيت (ع) وان كان على معناه المشهور فالمقصود افلم ييأس الّذين آمنوا عن ايمان المشركين ويكون ما بعده تعليلاً له {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ} مفعول افلم ييأس او المعنى لانّه لو يشاء الله {لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} والحال انّ اسباب الايمان حاصلة لهم من الانذارات البالغة لانّه لا يزال الّذين كفروا {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ} فى كفرهم {قَارِعَةٌ} داهية تقرعهم من البلايا {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} بامثالهم فتدهشم ويصل اليهم اثرها {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} بالعذاب فى الدّنيا من القتل والاسر والنّهب او وعد الله بقبض ارواحهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تسلية له (ص) {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} تهديدٌ للمستهزئين {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} استفهام للتّهويل وتطويل فى مقام التّهديد.

الأعقم

تفسير : {ولو أن قرآناً سيّرت به الجبال} جواب لو محذوف أي لو كان هذا {أو قُطِّعَت به الأرض} الآية نزلت في جماعة من كفار قريش منهم أبو جهل، وعبد الله بن أمية المخزومي، قالوا: يا محمد إن كان هذا القرآن حقاً فسيّر لنا جبال مكة حتى تنفسح لنا فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهاراً فنزلت الآية {سيِّرت به الجبال} على وجه الأرض {أو قطِّعت به الأرض} أي شقت وجعلت أنهاراً وعيوناً {أو كلِّم به الموتى} أي وأحيي به الموتى لكان هذا القرآن {بل لله الأمر جميعاً}، وقوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} أي من إيمان هؤلاء الكفار {أَن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} أي لو شاء ألجأهم إلى ذلك {ولا يزال الذين كفروا}، قيل: أراد جميع الكفار {تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وتكذيبهم {قارعة} أي مهلكة، وقيل: داهية وعقوبة من قتلٍ وأسرٍ، وقيل: أراد بالقارعة سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {أو تحل} أي أو تحل أنت {قريباً من دارهم} أي أو تحل القارعة قريباً من دارهم {حتى يأتي وعد الله} وهو موتهم أو القيامة، وقيل: هو فتح مكة وكان الله تعالى قد وعده ذلك {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزأ هؤلاء بك {فأمليت للذين كفروا} أي أمهلتهم ليتوبوا ويتدبروا ولتتم عليهم الحجة {ثم أخذتهم} بالعقاب والهلاك {فكيف كان عقاب} أي كيف رأيتم عذابي لأولئك كذلك يكون هؤلاء وفيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {أفمن هو قائم على كل نفس} صالحة أو طالحة {بما كسبت} احتجاج عليهم في إشراكهم بالله تعالى، يعني فالله هو الذي هو قائم رقيب على كل نفس صالحة وطالحة بما كسبت يعلم خيره وشره، أي كمن ليس هو كذلك وهي الأوثان {وجعلوا لله شركاء} من خلقه يعبدونهم {قل سموهم} يعني ليس لهم اسم له مدخل في باب الإِلهية وذلك استحقار بهم، وقيل: جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وبينوهم بأسمائهم {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} يعني تخبرونه بما لا يعلم يعني إلا أن تضيفوها بما لا يصلح أن يعلم أنه تعالى لا يعلم لنفسه شريكاً {أم بظاهر من القول} يعني يقولون قولاً لا حقيقة له، ذلك قولهم بأفواههم ما تعبدون من دونه إلاَّ أسماء سميتموها {بل زين للذين كفروا مكرهم}، قيل: إنما زين ذلك شياطين الجن والإِنس {ومن يضلل الله فما له من هاد}، قيل: يحكم لضلالته، وقيل: من أضله عن طريق الجنة {لهم عذاب في الحياة الدنيا} يعني يجمع لهم بين عذاب الدنيا والآخرة {ولعذاب الآخرة أشق} أي أشد على النفوس {وما لهم من الله من واق} من دافع يدفع عنهم العذاب {مثل الجنة التي وعد المتقون} يدخلونها {تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت أشجارها وأبنيتها {أكلها دائم} أي مأكولاتها وثمارها دائمة لا تنقطع {وظلها} يعني دائم ظلها فلا يكون فيه شمس ولا حرٌّ ولا بردٌ {تلك عقبى الذين اتقوا} أي هذه الجنة عاقبة أمر المتقين وعاقبة أمر {الكافرين النار}.

الهواري

تفسير : قوله: { وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى}. وذلك أن رهطاً من قريش قالوا: يا محمد، إن كنت كما تزعم فسيِّر لنا هذه الجبال من مكة، فإنها ضيّقة. قال لا أطيق ذلك. قالوا: فسخّر لنا الريح لنركبها إلى الشام فنقضي عليها مَيْرنا وحاجتنا حتى نرجع من يومنا إن كنت رسول الله، فإنها قد سخّرت لسليمان بن داود، ولست بأهون على الله من سليمان بن داود. قال: لا أستطيع. قالوا فابعث لنا بعض من قد مات منا فنسألهم أحق ما تقول أم باطل، فإن عيسى قد كان يحيي الموتى ـ كما زعمت ـ لقومه، ولست بأهون على الله منه إن كنت رسوله. قال: لا أستطيع ذلك، فأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى} يقول لو أنا فعلنا ذلك بقرآن غير قرآنك فعلنا بالقرآن الذي أنزلناه إليك. وقال الحسن: قالوا إن أرضنا أرض ضَيِّقة، فادع لنا ربك بقرآنك هذا حتى تسير عنا جبال تهامة حتى نزرع فيها، وتفجر لنا أنهاراً وعيوناً فإنا أصحاب آبار، وأَحْيِ لنا أمواتنا حتى يشهدوا أنك رسول الله فنؤمن بك. وهو قوله: (أية : وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ...)تفسير : إلى آخر الآيات. [الإِسراء:90-93] فقال الله: لو أن بلاغة قرآن بلغت عند الله ما يسيِّر به الجبال أو يفجّر به الأنهار أو يحيي الموتى لبلغت بلاغة هذا القرآن بمنزلته وكرامته عند الله. قال الله: { بَل لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً}. وقال مجاهد: سألت قريش النبي عليه السلام أن يفسح لهم جبال مكة، ويقطع لهم الأرض بينهم وبين الشام، ويحيي لهم موتاهم، فقال الله لمحمد: لو فعلنا هذا بنبي قبلك فعلناه بك. وذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن قريشاً قالت لنبي الله: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال تهامة، وزد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها، وأحي لنا فلاناً وفلاناً، لأناس ماتوا في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية. يقول: لو فعلنا هذا بقرآن غير قرآنكم فعلناه بقرآنكم. قوله: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}. وهو على الاستفهام، أي: قد تبيَّن للذين آمنوا. وقال في آية أخرى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً}. وقال بعضهم: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا} يقول: ألم يعرف الذين آمنوا ويتبيّن لهم {أَن لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}. قوله: { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} وهي السرايا، سرايا رسول الله عليه السلام، يصيبهم الله منها بعذاب، يعني المشركين. { أَوْ تَحُلُّ} أنت يا محمد { قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ} [يعني فتح مكة في تفسير مجاهد وقتادة {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ}.

اطفيش

تفسير : {ولَو أنَّ قُرآناً} أى ولو ثبت فى وقت ما من الأوقات، أو حال من الأحوال، أن قرآنا أى قرأت أو مقروءاً {سُيِّرت به الجبالُ} عن مواضعها، والتشديد للتعدية {أو قُطِّعتْ به الأرضُ} شققت وفجرت أنهارا كما طلبتم، أو قطعت بالسير كما طلبتم، والتشديد للمبالغة. {أوْ كلِّم بهِ الموْتَى} فسمعت وأجابت، وجواب لو محذوف، أى لكان ذلك هو هذا القرآن الذى يتلوه عليكم محمد، لأنه الغاية فى الإعجاز، والتذكير والإنذار، فالمراد تعظيم شأن القرآن، ويجوز تقديره هكذا: لما آمنوا به كقوله تعالى:{أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة}تفسير : الآية، فيكون المراد المبالغة فى عناد الكفرة، وتصميمهم على الكفر. وقيل: إن الآية لم تنزل بسبب ذلك، وعليه فتقطيع الأرض تصييرها متصدعة من خشية الله جل جلاله. وقال الفراء: جواب لو محذوف، دليلة:{أية : وهم يكفرون بالرحمن}تفسير : فكأنه قيل: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، الخ فتقديره لكفروا بالرحمن، واعترض بين لو ودليل جوابها، ولا بأس بهذا القول، وروى مثل قول ابن عباس عن الحسن، إلا أنه لم يذكر السفر وإحياء الموتى، ولم يقل كلمة كما قال سيرت وقطعت، لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقى، فاختير جانب التذكير، ولو كان التأنيث جائزا بتأويله الجماعة. {بَلْ} إضراب عن النفى، فإن لو للامتناع، والامتناع نفى {للّهِ الأمر جَميعاً} أى القدرة على كل شئ، فلو شاء لأتى بما اقترحوا من الآيات، لكنه لم يفعل لأنه قد علم أنه لو فعل لما آمنوا، ولأنه لم ير مصلحة فى فعله، ويدل لذلك ذكر الإياس بعد، أو الأمر كله من الإيمان وكفر وغيرهما مخصوص به، فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه، ولو أوتوا ما اقترحوا، والأمر كله الله، فلو شاء لجبرهم على الإيمان، لكنه بنى أمر التكليف على الاختيار، وكل من ذلك مناسب لقوله: {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} بأن تفسير المشيئة على الأخير بمشيئة الإلجاء والجبر، جميعا حال من ضمير الاستقرار المستكن فى قوله: {الله}. {أفلَم يَيْئس} ألم يقنط {الَّذينَ آمنُوا} من إيمان تلك الكفرة مع ما رأوا من أحوالهم المصممة على الكفر {أنْ لَوْ يَشَاء الله لهدَى النَّاس جَميعا} باختبارهم أو بالجبر تعالى عنه، أو لهداهم بلا آية، وأن مخففة اسمها ضمير الشأن محذوفا، ويقدر من خبرها مفعول لمحذوف، أى أفلم يقنط الذين آمنوا من إيمان هؤلاء، علما أن لو يشاء الخ، أو عالمين أن لو يشاء الخ. قال الكسائى: لما طالب المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآيات، اختار المسلمون أن يأتيهم بها ليجتمعوا على الإيمان، فنزل: {أفلم يايئس الذين آمنوا} الخ و {أن لو يشاء الله} مفعول لمحذوف أى ويعلموا أن لو يشاء، فحذف العاطف والمعطوف وبقى مفعول المعطوف انتهى. وقيل: يئس بمعنى يعلم، قال الثعالبى: وهى لغة هوازن انتهى. وقال الكلبى: لغة نخع، والجمهور على أنه بمعنى يعلم، ويدل له قراءة على، وابن عباس: وجماعة من الصحابة والتابعين: أفلم يتبين، وهى تفسير قراءة الجمهور، وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم، لأنه متضمن معناه، فإن الآيس من الشئ عالم بأنه لا يكون كما استعمل الرجاء، فى معنى الخوف والنسيان فى معنى الترك لتضمن ذلك، أنشد ابن هشام وغيره قول سحيم: شعر : * ألم تيأسو أنى ابن فارس زهدم * تفسير : قال شاعر: شعر : * ألم ييأس الأقوال أنى أنا ابنه * تفسير : والصحيح عندى أن ييئس من القنوط أن لو يشاء إلى آخره معمول لمحذوف كما مر، أو بتقدير اللام، أى لأنه لو يشاء الله ويقدر فى البيتين ألم ييئسوا من ذلى ولو كنت مأسورا لا أنى ابن فارس زهدم، وألم من كون نسبى غير ما يدعون، لأنى أنا ابن فلان، أو لم ييئسوا عالمين أنى ابن فارس زهدهم وألم ييئسوا عالمين أنى أنا ابنه. قال الكسائى: ما وجدت العرب تقول: يئست بمعنى علمت، وعلى ما قاله الجمهور من كونه بمعنى يعلم يتعلق فى الآية بما بعده، فلا يقدر شئ، أى أفلم يعلموا أن لو يشاء الله، والمراد نفى هدى بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وقيل: إنما هو أفلم يتبين، كما قرأ على، وابن عباس، فكتبه الكاتب ناعسا مستوى السيئات، وهذا خطأ لأن الله سبحانه قد ضمن لنا حفظ هذا الكتاب من أن يغير تغييرا يقتدى به، ولأن المصحف كان متقلبا فى أيدى الصحابة، فكيف يقروءن فيه خطأ. {ولا يزالُ الذِين كَفرُوا} من أهل مكة والعرب {تُصيبهم بَما صنَعُوا} ما مصدرية أى بصنعهم، أو اسم أى بما صنعوه من الكفر والأعمال الخبيثة برسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره {قارِعةٌ} داهية تقرعهم، أى تضربهم بصنوف البلايا كالأسر، والحرب، والجدب والقتل، والسلب، وسائر البلايا فى أنفسهم وأموالهم وأولادهم، قال ابن عباس: القارعة السرايا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وغزواته، وعليه اقتصر الشيخ هود رحمه الله. {أو تحلُّ} هى أن القارعة أو أنت يا محمد بجيشك، وأو لتنويع البلاء {قَريبا} أى مكانا قريبا، فالنصب على الظرفية، ويجوز على المفعلية {مِنْ دارِهم} بلدهم وهو مكة، أو الدار بمعنى الديار، فإضافته للجنس، ويضطربون بحلولك أو حلول القارعة فى قريب منهم، ويفزعون، ويتطاير شرر ذلك، ويتعدى إليهم شره، وذلك إنما كان صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا تغير عليهم، وتقتل وتخطف المواشى، ونزل قريباً من دارهم عام الحديبية بجيشه. {حتَّى يأتىَ وعْدُ اللّهِ} أى موعوده وهو موتهم، أو فتح مكة، قال ابن عباس: وعده فتح مكة، وقال الحسن: الآية فى جميع الكفار إلى يوم القيامة فى أى موضع كانوا، ووعد الله هو يوم القيامة يجمعهم فيه للجزاء. {إنَّ اللّهَ لا يُخلفُ الميعادَ} أى الوعد وهو مفعال منه، قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة، وقد حل بالحديبية، ووقع الفتح، ووقع كل ما أتى أجله، لأن الكذب محال عن الله.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ قُرْءاناً} أي قرآناً ما، والمراد به المعنى اللغوي، وهو اسم {أَنَّ} والخبر قوله تعالى شأنه: {سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } وجواب {لَوْ } محذوف لانسياق الكلام إليه كما في قوله:شعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً تفسير : والمقصود إما بيان عظم شأن القرآن العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدره ولم يعدوه من قبيل الآيات واقترحوا غيره؛ وإما بيان غلوهم في المكابرة والعناد وتماديهم في الضلالة والفساد، والمعنى على الأول لو أن كتاباً سيرت بإنزاله أو بتلاوته الجبال وزعزعت عن مقارها كما فعل ذلك بالطور لموسى عليه السلام {أَوْ قُطّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} أي شققت وجعلت أنهاراً وعيوناً كما فعل بالحجر حين ضربه موسى عليه السلام بعصاه أو جعلت قطعاً متصدعة {أَوْ كُلّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ } أي كلم أحد به الموتى بأن أحياهم بقراءته فتكلم معهم بعد، وذلك كما وقع الإحياء لعيسى عليه السلام لكان ذلك هذا القرآن لكونه الغاية القصوى في الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته عز وجل كقوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحشر: 21] قاله بعض المحققين، وقيل: في التعليل لكونه الغاية في الإعجاز والنهاية في التذكير والإنذار. وتعقب بأنه لا مدخل للإعجاز في هذه الآثار والتذكير والإنذار مختصان بالعقلاء مع أنه لا علاقة لذلك بتكليم الموتى واعتبار فيض العقول إليها مخل بالمبالغة المقصودة، وبحث فيه بأن ما ذكر أولاً من مزيد الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى أمر يرجع إلى الهيبة وهي أيضاً مما لا يترتب عليها تكليم الموتى بل لعلها مانعة من/ ذلك لأنها حيث اقتضت تزعزع الجبال وتقطع الأرض فلأن تقتضي موت الأحياء دون إحياء الأموات الذي يكون التكليم بعده من باب أولى وفيه نظر. والباء في المواضع الثلاثة للسببية وجوز في الثالث منها أن تكون صلة ما عندها وتقديم المجرور فيها على المرفوع لقصد الإبهام، ثم التفسير لزيادة التقرير على ما مر غير مرة. و {أَوْ } في الموضعين لمنع الخلو لا الجمع، والتذكير في {كُلِّمَ} لتغليب المذكر من الموتى على غيره، واقتراحهم وإن كان متعلقاً بمجرد ظهور مثل هذه الأفاعيل العجيبة على يده صلى الله عليه وسلم لا بظهورها بواسطة القرآن لكن ذلك حيث كان مبنياً على عدم اشتماله في زعمهم على الخوارق نيط ظهورها به مبالغة في بيان اشتماله عليها وأنه حقيق بأن يكون مصدراً لكل خارق وإبانة لركاكة رأيهم في شأنه الرفيع كأنه قيل: لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه من مقتضيات الحكمة لكان مظهرها هذا القرآن الذي لم يعدوه آية، وفيه من تفخيم شأنه العزيز ووصفهم بركاكة العقل ما لا يخفى كذا حققه بعض الأجلة وهو من الحسن بمكان، وعلى الثاني لو أن قرآناً فعلت به هذه الأفاعيل العجيبة لما آمنوا به كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [الأنعام: 111] الآية، والكلام على ما استظهره الشهاب على التقديرين حقيقة على سبيل الفرض كقوله:شعر : ولو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر تفسير : وجعله على الأول تمثيلاً كالآية المذكورة هناك على ما قال لا وجه له، وتمثيل الزمخشري بها لبيان أن القرآن يقتضي غاية الخشية، وصنيع كثير من المحققين ظاهر في ترجيح التقدير الأول، وفي «الكشف» لو تأملت في هذه السورة الكريمة حق التأمل وجدت بناء الكلام فيها على حقية الكتاب المجيد واشتماله على ما فيه صلاح الدارين وأن السعيد كل السعيد من تمسك بحبله والشقي كل الشقي من أعرض عنه إلى هواه حيث قال تعالى أولاً: {أية : وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الرعد:1] ثم تعجب من إنكارهم ذلك بقوله سبحانه: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ } تفسير : [الرعد: 7] ثم قال تعالى: {أية : لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقّ } تفسير : [الرعد: 14] فأثبت حقيته بالحجة، ثم قال جلا وعلا: {أية : أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } تفسير : [الرعد: 17] وهو مثل للحق الذي هو القرآن ومن انتفع به على ما فسره المحققون، ثم صرح تعالى بنتيجة ذلك كله بالبرهان النير في قوله سبحانه: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } تفسير : [الرعد: 19] ثم أعاد جل شأنه قوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الرعد: 27] دلالة على إنكارهم أول ما أتاهم وبعد رصانة علمهم بحقيته فهم متمادون في الإنكار، ثم كر إلى بيان الحقية فيما نحن فيه وبالغ المبالغة التي ليس بعدها سواء جعل داخلاً في حيز القول أو جعل ابتداء كلام منه تعالى تذييلاً وهو الأبلغ ليكون مقصوداً بذاته في الإفادة المذكورة مؤكداً لمجموع ما دل عليه قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } تفسير : [الرعد: 30] من تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه وشدة إنكارهم وتصميمهم لا علاوة في أن لم يبق إلا التوكل والصبر على مجاهدتكم إذ لا وراء هذا القرآن حتى أجيء به لتسلموا ثم فخمه ونعى عليهم مكابرتهم بقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا } تفسير : [الرعد: 37] وأيد حقية الكتاب فيمن أنزل عليه في خاتمة السورة بقوله جل وعلا: {كَفَىٰ بِٱللَّهِ } إلى قوله سبحانه: {أية : عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 43] تنبيهاً على أنه مع ظهور أمره في إفادة الحقائق العرفانية والخلائق الإيمانية لا يعلم حقيقة ما فيه إلا من تفرد به وبإنزاله تبارك وتعالى اهـ. وفي سبب النزول وستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى ما يؤيد الثاني، والظاهر على [ما] حقيقته وأشرنا إليه أولاً أن الآية على الأول متعلقة بقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ } تفسير : [الرعد: 27] وهي على الثاني متعلقة بقوله سبحانه {أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الرعد: 30] بياناً لتصميمهم في كفرهم وإنكارهم الآيات ومن أتى بها لا بذلك لبعد المرمى/ من غير ضرورة. وقوله تعالى: {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعًا } أي له الأمر الذي يدور عليه فلك الأكوان وجوداً وعدماً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد حسبما تقتضيه الحكم البالغة، قيل: إضراب عما تضمنه الشرطية من معنى النفي لا بحسب منطوقه بل باعتبار موجبه ومؤداه أي لو أن قرآناً فعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآن ولكن لم يفعل سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده، فالإضراب ليس بمتوجه إلى كون الأمر لله تعالى بل إلى ما يؤدى إليه ذلك من كون الشأن على ما كان لما تقتضيه الحكمة، وقيل: إن حاصل الإضطراب لا يكون تسيير الجبال مع ما ذكر بقرآن بل يكون بغيره مما أراده الله تعالى فإن الأمر له سبحانه جميعاً. وزعم بعضهم أن الأحسن العطف على مقدر أي ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعاً. ومعنى قوله سبحانه: {أَفَلَمْ يَاْيْـئَسِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أفلم يعلموا وهي ـ كما قال القاسم بن معن لغة هوازن، وقال: ابن الكلبـي: هي لغة حي من النخع، وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي:شعر : أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم تفسير : وقول رباح بن عدي:شعر : ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً تفسير : فإنكار الفراء ذلك وزعمه أنه لم يسمع أحد من العرب يقول يئست بمعنى علمت ليس في محله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والظاهر أن استعمال اليأس في ذلك حقيقة، وقيل: مجاز لأنه متضمن للعلم فإن الآيس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، واعترض بأن اليأس حينئذ يقتضي حصول العلم بالعدم وهو مستعمل في العلم بالوجود، وأجيب بأنه لما تضمن العلم بالعدم تضمن مطلق العلم فاستعمل فيه، ويشهد لإرادة العلم هنا قراءة علي كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وعكرمة وابن أبـي مليكة والجحدري وأبـي يزيد المدني وجماعة {أفلم يتبين} من تبينت كذا إذا علمته وهي قراءة مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مخالفة للسواد إذ كتبوا ييئس بغير صورة الهمزة وأما قول من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس فسوى أسنان السين فهو قول زنديق ابن ملحد على ما في «البحر»، وعليه فرواية ذلك كما في «الدر المنثور» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما غير صحيحة، وزعم بعضهم أنها قراءة تفسير وليس بذاك. والفاء للعطف على مقدر أي أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله تعالى فلم يعلموا {أَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ } بتخفيف أن وجعل اسمها ضمير الشأن والجملة الامتناعية خبرها وأن وما بعدها ساد مسد مفعولي العلم {لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا } أي بإظهار أمثال تلك الآثار العظيمة، والإنكار على هذا متوجه إلى المعطوفين جميعاً أو أعلموا كون الأمر جميعاً لله تعالى فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلم مما ذكر، وحينئذ هو متوجه إلى ترتب المعطوف على المعطوف عليه أي تخلف العلم الثاني عن العلم الأول، وأياً ما كان فالإنكار إنكار الوقوع لا الواقع ومناط الإنكار ليس عدم علمهم بمضمون الشرطية فقط بل عدم علمهم بعدم تحقق مقدمها كأنه قيل: ألم يعلموا أن الله تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم وأنه سبحانه لم يشأ ذلك، وذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكفار لما سألوا الآيات ود المؤمنون أن يظهرها الله تعالى ليجتمعوا على الايمان هذا على التقدير الأول، وأما على التقدير الثاني فالإضراب متوجه إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في العناد على ما شرح، والمعنى فليس لهم ذلك بل لله تعالى الأمر إن شاء أتى بما اقترحوا وإن شاء سبحانه لم يأت به حسبما تستدعيه حكمته الباهرة من غير أن يكون لأحد عليه جل جلاله حكم أو اقتراح. واليأس بمعنى القنوط كما هو الشائع في معناه أي ألم يعلم الذين آمنوا حالهم هذه فلم يقنطوا من إيمانهم حتى ودوا ظهور مقترحاتهم فالإنكار متوجه إلى المعطوفين أو أعلموا ذلك فلم يقنطوا من إيمانهم فهو متوجه إلى وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور، والإنكار على هذين التقديرين إنكار الواقع لا الوقوع فإن عدم قنوطهم من ذلك مما لا مرد له، وقوله تعالى: {أَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ } إلى آخره مفعول به لعلما محذوف وقع مفعولاً له أي أفلم ييأسوا من إيمان الكفار علماً منهم بأنه لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً وأنه لم يشأ ذلك، وقد يجعل العلم في موضع الحال أي عالمين بذلك، ولم يعتبر التضمين لبعده، ويجوز أن يكون متعلقاً ـ بآمنوا ـ بتقدير الباء أي أفلم يقنط الذين آمنوا وصدقوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً على معنى أفلم ييأس من إيمان هؤلاء الكفرة المؤمنون بمضمون هذه الشرطية وبعدم تحققها المنفهم من مكابرتهم حسبما يحكيه كلمة {لَوْ } فالوصف المذكور من دواعي إنكار يأسهم، وبما أشرنا إليه ينحل ما قيل: من أن تعلق الإيمان بمضمون الشرطية وتخصيصه بالذكر يقتضي أن لذلك دخلا في اليأس من الايمان مع أن الأمر بالعكس لأن قدرة الله تعالى على هداية جميع الناس يقتضي رجاء إيمانهم لا اليأس منه وذلك لاعتبار العلم بعدم تحقق المضمون أيضاً. وقال بعضهم في الجواب عن ذلك: إن وجه تخصيص الإيمان بذلك أن إيمان هؤلاء الكفرة المصممين كأنه محال متعلق بما لا يكون لتوقفه على مشيئة الله تعالى هداية جميع الناس وذلك ما لا يكون بالاتفاق وهو في معنى ما أشير إليه، وذكر أبو حيان احتمالاً آخر في الآية وهو أن الكلام قد تم عند قوله سبحانه: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} وهو تقرير أي قد يئس المؤمنون من إيمان هؤلاء المعاندين و {أَن لَّوْ يَشَاء } الخ جواب قسم محذوف أي أقسم لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ويدل على إضمار القسم وجود أن مع لو كقوله: شعر : أما والله أن لو كنت حراً وما بالحر أنت ولا العتيق تفسير : وقوله: شعر : فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لنا يوم من الشر مظلم تفسير : وقد ذكر سيبويه أن أن تأتي بعد القسم، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم بالجملة المقسم عليها انتهى، وفيه من التكلف ما لا يخفى، ومن الناس من جعل الإضراب مطلقاً عما تضمنه {لَوْ } من معنى النفي على معنى بل الله تعالى قادر على الإتيان بما اقترحوا إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك لعلمه سبحانه بأنه لا تلين له شكيمتهم، ولا يخفى أنه ظاهر على التقدير الثاني. وأما على التقدير الأول فقد قيل: إن إرادة تعظيم شأن القرآن لا تنافي الرد على المقترحين، وأيد جانب الرد بما أخرجه ابن أبـي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبـي قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً كما تزعم فباعد جبلي مكة أخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة فإنها ضيقة حتى نزرع فيها ونرعى وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبـي أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت أنك فعلته فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنهم قالوا: سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج/ به موتانا فنزلت، وعلى هذا لا حاجة إلى الاعتذار في إسناد الأفاعيل المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه فيما تقدم، وعلى خبر الشعبـي يراد من تقطيع الأرض قطعها بالسير، ويشهد للتفسير بما قدمنا أولاً ما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" وغيره من حديث الزبير بن العوام أنه لما نزلت {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء:214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبـي قبيس يا آل عبد مناف أني نذير فجاءته عليه الصلاة والسلام قريش فحذرهم وأنذرهم فقالوا، تزعم أنك نبـي يوحى إليك وإن سليمان سخر له الريح والجبال وإن موسى سخر له البحر وإن عيسى كان يحيـى الموتى فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذ محارث فنزرع ونأكل وإلا فادع الله تعالى أن يحيـى لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا وإلا فادع الله تعالى أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم. الخبر، وفيه فنزلت: {أية : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ } تفسير : [الإسراء: 59] إلى تمام ثلاث آيات، ونزلت {وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا } الآية هذا وعن الفراء أن جواب {لَوْ } مقدم وهو قوله تعالى: {أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الرعد: 30] وما بينهما اعتراض وهو مبني ـ كما قيل ـ على جواز تقديم جواب الشرط عليه، ومن النحويين من يراه، ولا يخفى أن في اللفظ نبوة عن ذلك لكون تلك الجملة اسمية مقترنة بالواو، ولذا أشار السمين إلى أن مراده أن تلك الجملة دليل الجواب والتقدير ولو أن قرآناً فعل به كذا وكذا لكفروا بالرحمن، وأنت تعلم أنه لا فرق بين هذا وتقدير لما آمنوا في المعنى، وجوز جعل {لَوْ } وصلية ولا جواب لها والجملة حالية أو معطوفة على مقدر. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة على ما روي عن مقاتل {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } أي بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه، وإبهامه إما لقصد تهويله أو استهجانه، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من علية الصلة له مع ما في صيغة الصنع من الإيذان برسوخهم في ذلك {قَارِعَةٌ } من القرع وأصله ضرب شيء بشيء بقوة، ومنه قوله:شعر : ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا تفسير : والمراد بها الرزية التي تقرع قلب صاحبها، وهي هنا ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائب من القتل والأسر والنهب والسلب، وتقديم المجرور على الفاعل لما مر غير مرة من إرادة التفسير إثر الإبهام لزيادة التقرير والأحكام مع ما فيه من بيان أن مدار الإصابة من جهتهم أثر ذي أثير {أَوْ تَحُلُّ } تلك القارعة {قَرِيبًا } مكاناً قريباً {مّن دَارِهِمْ } فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها، شبه القارعة بالعدو المتوجه إليهم فأسند إليها الإصابة تارة والحلول أخرى ففيه استعارة بالكناية وتخييل وترشيح {حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ } أي موتهم أو القيامة فإن كلاً منهما وعد محتوم لا مرد له، وفيه دلالة على أن ما يصيبهم حينئذ من العذاب أشد. ثم حقق ذلك بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } أي الوعد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة والتوثقة، ولعل المراد به ما يندرج تحته الوعد الذي نسب إليه الإتيان لا هو فقط، قال القاضي: وهذه الآية تدل على بطلان من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده وهي وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم/ اللفظ لا بخصوص السبب وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق، وأجاب الإمام بأن الخلف غير وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو، وأنت تعلم أن المشهور في الجواب أن آيات الوعد مطلقة وآيات الوعيد وإن وردت مطلقة لكنها مقيدة حذف قيدها لمزيد التخويف ومنشأ الأمرين عظم الرحمة ونهاية الكرم، والفرق بين الوعد والوعيد أظهر من أن يذكر. نعم قد يطلق الوعد على ما هو وعيد في نفس الأمر لنكتة وليتأمل فيما هنا على الوجه الذي تقرر. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثها كانوا بين غارة واختطاف وتخويف بالهجوم عليهم في دارهم. فالإصابة والحلول حينئذ من أحوالهم، وجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: {أَوْ تَحُلُّ } خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مراداً به حلول الحديبية، والمراد بوعد الله تعالى ما وعد به من فتح مكة. وعزا ذلك الطبري إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وروي عن مقاتل وعكرمة وذهب ابن عطية إلى أن المراد ـ بالذين كفروا ـ كفار قريش والعرب، وفسر القارعة بما ينزل بهم من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن وابن السائب أن المراد بهم الكفار مطلقاً قالا: وذلك الأمر مستمر فيهم إلى يوم القيامة، ولا يتأتى على هذا أن يراد بالقارعة سرايا رسول الله عليه الصلاة والسلام فيراد بها حينئذ ما ذكر أولاً، وأنت تعلم أنه إذا أريد جنس الكفرة لا يلزم منه حلول ما تقدم بجميعهم. وقرأ مجاهد وابن جبير {أو يحل} بالياء على الغيبة، وخرج ذلك على أن يكون الضمير عائداً على القارعة باعتبار أنها بمعنى البلاء أو بجعل هائها للمبالغة أو على أن يكون عائداً على الرسول عليه الصلاة والسلام. وقرءا أيضاً {من ديارهم} على الجمع.

ابن عاشور

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} . يجوز أن تكون عطفاً على جملة {كذلك أرسلناك في أمة} لأن المقصود من الجملة المعطوف عليها أن رسالته لم تكن إلا مثل رسالة غيره من الرسل ــــ عليهم السّلام ــــ كما أشار إليه صفة {أمة قد خلت من قبلها أمم}، فتكون جملة {ولو أن قرآناً} تتمة للجواب عن قولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه}. ويجوز أن تكون معترضة بين جملة {قل هو ربي} وبين جملة { أية : أفمن هو قائم على كل نفس } تفسير : [سورة الرعد: 33] كما سيأتي هنالك. ويجوز أن تكون محكية بالقول عطفاً على جملة {هو ربي لا إلٰه إلا هو}. والمعنى: لو أن كتاباً من الكتب السالفة اشتمل على أكثر من الهداية فكانت مصادر لإيجاد العجائب لكان هذا القرآن كذلك ولكن لم يكن قرآنٌ كذلك، فهذا القرآن لا يتطلب منه الاشتمال على ذلك إذ ليس ذلك من سُنن الكتب الإلهية. وجواب {لو} محذوف لدلالة المقام عليه. وحذفُ جواب {لو} كثير في القرآن كقوله: { أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار } تفسير : [سورة الأنعام: 27] وقوله: { أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } تفسير : [سورة السجدة: 12]. ويفيد ذلك معنى تعريضياً بالنداء عليهم بنهاية ضلالتهم، إذ لم يهتدوا بهدي القرآن ودلائله والحال لو أن قرآناً أمَر الجبال أن تسير والأرض أن تتقطع والموتى أن تتكلم لكان هذا القرآن بالغاً ذلك ولكن ذلك ليس من شأن الكتب، فيكون على حدّ قول أبَيّ بن سُلْمَى من الحماسة: شعر : ولو طَارَ ذو حافر قَبلها لطارتْ ولكنه لم يَطِر تفسير : ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق المفروضة ما رواه الواحدي والطبري عن ابن عباس: أن كفار قريش، أبا جهل وابن أبي أميّة وغيرهما جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو وسّعْت لنا جبال مكّة فسيرتها حتى تتسع أرضنا فنحتَرثهما فإنها ضيقة، أو قرّب إلينا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج قصَياً نكلمه. وقد يؤيد هذه الرواية أنه تَكرر فرض تكليم الموتى بقوله في سورة الأنعام { أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى } تفسير : [سورة الأنعام: 111]، فكان في ذكر هذه الأشياء إشارةٌ إلى تهكمهم. وعلى هذا يكون {قطعت به الأرض} قطعت مسافات الأسفار كقوله تعالى: { أية : لقد تقطع بينكم } تفسير : [سورة الأنعام: 94]. وجملة {بل لله الأمر جميعاً} عطف على {ولو أن قرآناً} بحرف الإضراب، أي ليس ذلك من شأن الكتب بل لله أمر كل محدَث فهو الذي أنزل الكتاب وهو الذي يخلق العجائب إن شاء، وليس ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند سؤالكم، فأمر الله نبيئه بأن يقول هذا الكلام إجراء لكلامهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم، لأنهم ما أرادوا بما قالوه إلا التهكم، فحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيهاً على أن الأولى بهم أن ينظروا هل كان في الكتب السابقة قُرآن يتأتى به مثل ما سألوه. ومثل ذلك قول الحجاج للقبعثري: لأحملنّك على الأدهم (يريد القيد). فأجابه القبعثري بأن قال: مثلُ الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فصرفه إلى لون فرس. والأمر هنا: التصرف التكويني، أي ليس القرآن ولا غيره بمكوّن شيئاً مما سألتم بل الله الذي يكوّن الأشياء. وقد أفادت الجملتان المعطوفة والمعطوف عليها معنى القصر لأن العطف بــــ {بل} من طرق القصر، فاللام في قوله: {الأمر} للاستغراق، و{جميعاً} تأكيد له. وتقديم المجرور على المبتدأ لمجرد الاهتمام لأن القصر أفيد بــــ{بل} العاطفة. وفرع على الجملتين {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} استفهاماً إنكارياً إنكاراً لانتفاء يَأسي الذين آمنوا، أي فهم حقيقون بزوال يأسهم وأن يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. وفي هذا الكلام زيادة تقرير لمضمون جملة { أية : قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } تفسير : [سورة الرعد: 27]. و{ييأس} بمعنى يوقن ويعلم، ولا يستعمل هذا الفعل إلا مع {أن} المصدرية، وأصله مشتق من اليَأس الّذي هو تيقّن عدم حصول المطلوب بعد البحث، فاستعمل في مطلق اليقين على طريقة المجاز المرسل بعلاقة اللزوم لتضمن معنى اليأس معنى العلم وشاع ذلك حتى صار حقيقة، ومنه قول سُحَيم بن وَثيل الرياحي: شعر : أقول لهم بالشّعْب إذ يَيْسَرُونَنِي ألم تأيسوا أني ابنُ فارس زهدم تفسير : وشواهد أخرى. وقد قيل: إن استعمال يَئِس بمعنى عَلِم لغة هَوازن أو لغة بنِي وَهْبيل (فخذ من النخَع سمي باسم جَد). وليس هنالك ما يلجىء إلى هذا. هذا إذا جعل {أن لو يشاء الله} مفعولاً لــــ{ييأس}. ويجوز أن يكون متعلق {ييأسْ} محذوفاً دل عليه المقام. تقديره: مِن إيمان هَؤلاء، ويكونَ {أن لو يشاء الله} مجروراً بلام تعليل محذوفة. والتقدير: لأنه لو يشاء الله لهدى الناس، فيكون تعليلاً لإنكار عَدَم يأسهم على تقدير حصوله. {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}. معطوفة على جملة {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} على بعض الوجوه في تلك الجملة. وهي تهديد بالوعيد على تعنتهم وإصرارهم على عدم الاعتراف بمعجزة القرآن، وتهكمهم باستعجال العذاب الذي توعدوا به، فهددوا بما سيحلّ بهم من الخوف بحلول الكتائب والسرايا بهم تنال الذين حلّت فيهم وتخيف من حولهم حتى يأتي وعد الله بيوم بدر أو فتح مكّة. واستعمال {لا يزال} في أصلها تدل على الإخبار باستمرار شيء واقع، فإذا كانت هذه الآية مكية تعين أن تكون نزلت عند وقوع بعض الحوادث المؤلمة بقريش من جوع أو مرض، فتكون هذه الآية تنبيهاً لهم بأن ذلك عقاب من الله تعالى ووعيد بأن ذلك دائم فيهم حتى يأتي وعد لله. ولعلها نزلت في مدة إصابتهم بالسنين السبع المشار إليها بقوله تعالى: { أية : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } تفسير : [سورة البقرة: 155]. ومن جعلوا هذه السورة مدنية فتأويل الآية عندهم أن القارعة السرية من سرايا المسلمين التي تخرج لتهديد قريش ومن حولهم. وهو لا ملجىء إليه. والقارعة: في الأصل وصف من القرع، وهو ضرب جسم بجسم آخر. يقال: قرع الباب إذا ضربه بيده بحلقة. ولما كان القرع يحدث صوتاً مباغتاً يكون مزعجاً لأجل تلك البغتة صار القرع مجازاً للمباغتة والمفاجأة، ومثله الطّرْق. وصاغوا من هذا الوصف صيغة تأنيث إشارة إلى موصوف مُلتزم الحذف اختصاراً لكثرة الاستعمال، وهو ما يؤوّل بالحادثة أو الكائنة أو النازلة، كما قالوا: داهية وكارثة، أي نازلة موصوفة بالإزعاج فإن بغت المصائب أشد وقعاً على النفس. ومنه تسمية ساعة البعث بالقارعة. والمراد هنا الحادثة المفجعة بقرينة إسناد الإصابة إليها. وهي مِثل الغارة والكارثة تحلّ فيهم فيصيبهم عذابها، أو تقع بالقرب منهم فيصيبهم الخوف من تجاوزها إليهم، فليس المراد بالقارعة الغزو والقتال لأنه لم يتعارف إطلاق اسم القارعة على موقعة القتال، ولذلك لم يكن في الآية ما يدل على أنها مما نزل بالمدينة. ومعنى {بما صنعوا} بسبب فعلهم وهو كفرهم وسوء معاملتهم نبيئَهم. وأتي في ذلك بالموصول لأنه أشمل لأعمالهم. وضمير {تحل} عائد إلى {قارعة} فيكون ترديداً لحالهم بين إصابة القوارع إياهم وبين حلول القوارع قريباً من أرضهم فهم في رعب منها وفزع ويجوز أن يكون {تحل} خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أو تحل أنتَ مع الجيش قريباً من دارهم. والحلول: النزول. وتحُلّ: بضم الحاء مضارع حَلّ اللازم. وقد التزم فيه الضم. وهذا الفعل مما استدركه بحرق اليمني على ابن مالك في شرح لامية الأفعال، وهو وجيه. و{وعد الله} من إطلاق المصدر على المفعول، أي موعود الله، وهو ما توعدهم به من العذاب، كما في قوله: { أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } تفسير : [سورة آل عمران: 12]، فأشارت الآية إلى استئصالهم لأنها ذكرت الغلب ودخول جهنم، فكان المعنى أنه غلبُ القتل بسيوف المسلمين وهو البطشة الكبرى. ومن ذلك يوم بدر ويوم حنين ويوم الفتح. وإتيان الوعد: مجاز في وقوعه وحلوله. وجملة {إن الله لا يخلف الميعاد} تذييل لجملة {حتى يأتي وعد الله} إيذاناً بأن إتيان الوعد المغيا به محقق وأن الغاية به غاية بأمر قريب الوقوع. والتأكيد مراعاة لإنكار المشركين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} الآية. جواب لو في هذه الآية محذوف قال بعض العلماء تقديره لكان هذا القرآن وقال بعضهم تقديره لكفرتم بالرحمن ويدل لهذا الأخير قوله قبله. {أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الرعد: 30] وقد قومنا شواهد حذف جواب لو في سورة البقرة وقد قدمنا في سورة يوسف أن الغالب في اللغة العربية أن يكون الجواب المحذوف من جنس المذكور قبل الشرط ليكون ما قبل الشرط دليلاً على الجواب المحذوف.

الواحدي

تفسير : {ولو أنَّ قرآناً...} الآية. نزلت حين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنْ كنت نبيَّاً كما تقول فسيِّر عنا جبال مكة، فإنَّها ضيِّقةٌ واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نزرع ونغرس، وابعث لنا آباءنا من الموتى يكلِّمونا أنَّك نبيٌّ، فقال الله سبحانه: {ولو أنَّ قرآناً سيرت به الجبال} يريد: لو قضيت على أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلاَّ سارت، ولا على الأرض إلاَّ تخرَّقت بالعيون والأنهار، وعلى الموتى أن لا يُكلَّموا؛ ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي، وهذا جواب "لو" وهو محذوف. {بل} دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره فالأمر لله جميعاً، لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لم ينفع ما اقترحوا من الآيات، وكان المسلمون قد أرادوا أن يُظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم آيةً ليجتمعوا على الإِيمان، فقال الله: {أفلم ييئس الذين آمنوا} يعلم الذين آمنوا {أن لو يشاء الله} لهداهم من غير ظهور الآيات {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قارعة} داهيةٌ تقرعهم من القتل والأسر، والحرب، والجدب {أو تحلُّ} يا محمد أنت {قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله} يعني: القيامة. وقيل: فتح مكَّة. {ولقد استهزىء برسل من قبلك} أُوذي وكُذِّب {فأمليت للذين كفروا} أطلتُ لهم المدَّة بتأخير العقوبة ليتمادوا في المعصية {ثمَّ أخذتهم} بالعقوبة {فكيف كان عقاب} كيف رأيت ما صنعتُ بمن استهزأ برسلي، كذلك أصنع بمشركي قومك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 31- إنهم يطلبون معجزة غير القرآن مع عظم تأثيره لو طلبوا الحق وأذعنوا له، فلو ثبت أن كتاباً يُقرأ فتتحرك به الجبال من أماكنها، أو تتصدع به الأرض، أو تخاطب به الموتى، لكان ذلك هو القرآن، ولكنهم معاندون، ولله - وحده - الأمر كله فى المعجزات وجزاء الجاحدين، وله فى ذلك القدرة الكاملة، وإذا كانوا فى هذه الحال من العناد، أفلا ييأس الذين أذعنوا للحق من أن يؤمن هؤلاء الجاحدين، وإن جحودهم بإرادة الله، ولو أراد أن يهتدى الناس جميعاً لاهتدوا، وأن قدرة الله ظاهرة بين أيديهم، فلا يزالون تصيبهم بسبب أعمالهم القوارع الشديدة التى تهلكهم، أو تنزل قريباً منهم، حتى يكون الموعد الذى وعد الله به، والله تعالى لا يخلف موعده. 32- وإذا كان أولئك الجاحدون قد استهزأوا بما تدعو إليه وبالقرآن، فقد سخروا بالرسل الذين أرسلوا قبلك - أيها النبى - فلا تحزن لأنى أمهل الذين جحدوا ثم آخذهم فيكون العقاب الشديد الذى لا يقدر وصفه ولا تُعرف حاله. 33- إن المشركين ضلوا فى جحودهم، فجعلوا لله شركاء فى العبادة، فهل من هو حافظ مراقب لكل نفس مُحْصٍ عليها ما تكسب من خير أو شر، تماثله هذه الأوثان؟ قل لهم - أيها النبى -: صفوهم بأوصافهم الحقيقية، أهم أحياء؟ أهم يدفعون الضر عن أنفسهم؟ فإن كانت حجارة لا تنفع ولا تضر، فهل تخدعون أنفسكم بأن يخبروا الله بما تتوهمون أنه لا يعلمه فى هذه الأرض، أم تضعونهم فى موضع العبادة بألفاظ تتلوى بها ألسنتكم، بل الحقيقة أنه زين لهم تدبيرهم وتمويههم الباطل، وبسبب ذلك صرفوا عن طريق الحق وتاهوا، ومن يكن ضلالهم مثلهم، فلن يهديه أحد، لأنه صرف نفسه عن سبيل الهداية.

د. أسعد حومد

تفسير : {قُرْآناً} {يَيْأَسِ} {آمَنُوۤاْ} (31) - لَوْ ثَبَتَ أَنَّ كِتَاباً سُيِّرَتْ بِتِلاَوَتِهِ الجِبَالُ، وَزُعْزِعَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا، أَوْ شُقِّقَتْ بِهِ الأَرْضُ فَتَفَجَّرَتْ عُيُوناً وَأَنْهَاراً (كَمَا حَدَثَ لِلْحَجَرِ حِينَ ضَرَبَهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ)، أَوْ كَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ المَوْتَى، وَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ، فَأَحْيَاهُمْ بِقِرَاءَتِهِ، وَتَكَلَّمُوا مَعَهُ بَعْدَ ذلِكَ (كَمَا حَدَثَ لِعِيسَى عَليهِ السَّلاَمُ).. لَوْ ثَبَتَ هذا لِشيءٍ مِنَ الكُتُبِ لَثَبَتَ لِهذا القُرْآنِ، الذِي لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلا مِنْ خَلْفِهِ، لِمَا انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَبَدِيعِ صُنْعِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الإِعْجَازِ وَالحِكَمِ. وَإِذَا كَانَ هؤلاءِ لَمْ يَتَأَثَّرُوا بِهذا القُرْآنِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَوُضُوحِهِ وَحُجَجِهِ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمُ المُعْجِزَاتُ الأُخْرَى التِي اقْتَرَحُوهَا، وَلَنْ تَكُونَ سَبَباًً لإِيمَانِهِمْ. وَالأُمُورُ كُلُّهَا بِيَدِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَيهِ مَرْجِعُها، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، أَفَلَمْ يَيْأَسِ المُؤْمِنُونَ مِنْ إِيمَانِ جَمِيعِ خَلْقِ اللهِ؟ وَلاَ تَزَالُ الكَوَارِثَ وَالقَوَارِعُ تَنْزِلُ بِالذِينَ كَفَرُوا فِي الدُّنْيَا، أَوْ تُصِيبُ مَنْ حَوْلَهُمْ لِيَتَّعِظُوا وَيَعْتَبِرُوا، وَلَكِنَّهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَسَيَظَلُّونَ عَلَى ذلِكَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ القِيَامَةِ الذِي وَعَدَهُمُ اللهُ بِهِ، وَهُوَ آتٍ بِلا رَيْبٍ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ أَبَداً. أَفَلَمْ يَيْأَسْ - أَفَلَمْ يَعْلَمْ وَيَتَبَيَّنْ. قَارِعَةٌ - دَاهِيَةُ تَقْرَعُهُمْ بِصُنُوفِ البَلاَيَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و (لو) حَرْف شَرْط يلزم لها جوابُ شَرْطٍ، وقد ترك الحق سبحانه جواب الشَّرْط هنا اعتماداً على يقظة المُسْتمع. وإنْ كان مثل هذا القول ناقصاً حين ننطق نحن به، فهو ليس كذلك حين يأتي من قَوْل الله سبحانه؛ فهو كامل فيمن تكلَّم، وقد تركها ليقظة المُسْتمِع للقرآن الذي يبتدر المعاني، ويتذكَّر مع هذه الآية قوله الحق: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأنعام: 7]. وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 111]. إذن: من كل نظائر تلك الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نأخذ جواب الشرط المناسب لها من تلك الآيات؛ فيكون المعنى: لو أن قُرْآناً سُيِّرتْ به الجبال، أو قُطِّعَتْ به الأرض، أو كُلِّمَ به المُوْتى لَمَا آمنوا. ويُرْوَى أن بعضاً من مُشْرِكي قريش مثل: أبي جهل وعبد الله ابن أبي أمية جَلَسَا خلف الكعبة وأرسلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال له عبد الله: إن سَرَّك أن نتبعك فَسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عَنَّا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع، فلستَ - كما زعمْتَ - بأهْونَ على ربِّك من داود حين سخَّر له الجبال تسير معه، وسَخِّر لنا الرِّيح فنركبها إلى الشام نقضي عليها مَيْرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد سخِّرَتْ الريحُ لسليمانَ بن داود، ولسْتَ بأهونَ على ربِّك من سليمان، وأحْيي لنا قَصَبَ جَدِّك، أو مَنْ شئتَ أنت من موتانا نسأله، أحقٌّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يُحيي المَوْتَى، ولستَ بأهونَ على الله منه، فأنزل الحق سبحانه هذه الآية وما قبلها للرد عليهم. وكانت تلك كلها مسائل يتلكَّكُونَ بها ليبتعدوا عن الإيمان؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بمعجزة من جِنْس ما نَبغُوا فيه؛ وجاء القرآن يَحْمِل منهج السماء إلى أنْ تقومَ الساعة. وقد طلبوا أنْ تبتعد جبال مكة ليكونَ الوادي فسيحاً؛ ليزرعوا ويحصدوا؛ وطلبوا تقطيع الأرض، أي: فَصْل بقعة عن بقعة؛ وكان هذا يحدث بِحَفْر جداول من المياه، وقد قال الكافرون: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء: 90]. والمراد من تقطيع الأرض - حسب مطلوبهم - أن تقصُرَ المسافةُ بين مكان وآخر، بحيث يستطيع السائر أنْ يستريح كل فَتْرة؛ فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضاً؛ ويصل إلى أرض أخرى، وكُلٌّ يقطع الأرض على حَسْب قدرته ووسيلة المواصلات التي يستخدمها. فالمُتْرَف يريد أن تكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى؛ لأنه يملك الجِيَاد التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة، أما مَنْ ليس لديه مطية؛ فهو يحب أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أنْ يستريح. ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر، فحين زادَ الترف صارتْ السيارات تقطَع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقُّف؛ عَكْس ما كان يحدث قديماً حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها، فيتوقفون في مُنتصَفِ الطريق. ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ، يقول الحق سبحانه: {أية : فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ..} تفسير : [سبأ: 19]. أي: اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة، كي يتمتع المُسافِر القادرُ بالمناظر الطيبة. ولاحظنا أيضاً تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة؛ بأنْ طلبوا إحياء المَوْتى في قول الحق سبحانه: {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ..} [الرعد: 31]. وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله ولقريش؛ ليسألوه: أحَقٌّ ما جاء به محمد؟ ولكن القرآن لم يَأْتِ لِمثْل تلك الأمور؛ وحتى لو كان قد جاء بها لَمَا آمنوا. ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خَاتَمٌ صالح لكل عصر؛ وتلك معجزته. ويقول سبحانه: {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ..} [الرعد: 31]. وكلمة "أمر" تدلُّ على أنه شيء واحد، وكلمة "جميعاً" تدل على مُتعدِّد، وهكذا نجد أن تعدُّد الرسالات والمُعْجِزات إنما يدلُّ على أن كُلَّ أمرٍ من أمر تلك الرسالات إنما صدرَ عن الحق سبحانه؛ وهو الذي اختار كلَّ مُعْجزة لتناسب القومَ الذين ينزل فيهم الرسول. ويتابع سبحانه: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ..} [الرعد: 31]. وكلمة "ييأس" يُقَال إنها هنا بمعنى "يعلم"؛ فهي لغة بلهجة قريش، أي: ألَمْ يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء الكفار لم يهتدوا؛ لأن الله لم يَشَأ هدايتهم. وكان المؤمنون يودُّون أن يؤمنَ صناديدُ قريش كي يَخِفَّ الجهد عن الفئة المسلمة؛ فلا يضطهدونهم، ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم. ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك المسألةَ ليست مُرتبطة برغبة المؤمن من هؤلاء؛ بل الإيمان مسألة تتطلب أنْ يُخرِج الإنسان ما في قلبه من عقيدة، وينظر إلى القضايا بتجرُّد، وما يقتنع به يُدخِله في قلبه. وبذلك يمتلئ الوِعَاء العقديّ بما يُفيد؛ كي لا تدخل في قلبك عقيدة، وتأتي عقيدة أخرى تطردُ العقيدة، أو تُزيغ قلبك عَمَّا تعتقد، يقول تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 4]. فالوعاء القلبي كالوعاء الماديّ تماماً؛ لا يقبل أنْ يتداخل فيه جِرْمَان أبداً، فإنْ دخل جِرْم على جِرْم؛ إنْ كان أقوى فهو يطرد من القلب الأَدْنى منه. والمثَلُ على ذلك: لنفترض أن عندنا إناءً ممتلئاً عن آخره؛ ويحاول واحدٌ منا أنْ يضعَ فيه كُرةً صغيرة من الحديد؛ هنا سيجد أن الماءَ يفيضُ من حَوافِّ الإناء بما يُوازِي حجم كرة الحديد، وهذا ما يحدث في الإناء الماديّ، وكذلك الحال في الإناء العَقَديّ. ولذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : لا يجتمع حُبِّي وحبُّ الدنيا في قلب ". تفسير : وهكذا نرى أن هناك حَيِّزاً للمعاني أيضاً مثلما يوجد حَيِّز للمادة، فإذا كنتَ تريد - حقيقةَ - أن تُدخِل المعاني العَقَدية الصحيحة في قلبك؛ فلابُدَّ لك من أنْ تطردَ أولاً المعاني المناقضة من حَيِّز القلب، ثم ابحَثْ بالأدلة عن مدى صلاحية أيٍّ من المعنيين؛ وما تجده قويًّ الدليل؛ صحيحَ المنطق؛ موفورَ القوة والحُجَّة؛ فَأدخِلْه في قلبك. ولم يفعل الكفار هكذا؛ بل تمادَوْا في الغَيِّ إصراراً على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة؛ أما مَنْ أسلم منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة؛ ولم يُصِر على المُعْتَنق القديم؛ بل درسَ وقارنَ؛ فأسرع إلى الإسلام. أما مَنْ كان قلبه مشغولاً بالعقيدة السابقة؛ ويريد أنْ يُدخِل العقيدة الإسلامية في قلبه؛ فهو لم ينجح في ذلك؛ لأن قلبه مشغولٌ بالعقيدة القديمة. وإذا كنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد من هؤلاء أن يؤمنوا؛ فلا بد أن يعتمد ذلك على إرادتهم، وأنْ يُخرِجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة؛ وأنْ يبحثوا عن الأصحِّ والأفضل بين العقيدتين. ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى الحقائق بسهولة، فيقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..}تفسير : [سبأ: 46]. أي: قُلْ يا محمد لِمَنْ كفر بك: إنِّي أعظكم عِظَة، وأنت لا تَعِظ إلا مَنْ تحب أن يكون على الحق؛ وهذا يُفسر قول الحق سبحانه:{أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. ولهذا يريد صلى الله عليه وسلم أن تكونوا مؤمنين؛ لذلك يدعوكم أن تقوموا لله؛ لا لِجَاهِ أحد غيره؛ لأن جاه أيِّ كائن سيزول مَهْمَا كان هذا الواحد، ولا تقولن لنفسك: إن العبيد سيتساوون معك. بل قُمْ لله إما مثنى أي أن تكون قائماً ومعك آخر؛ أو يقوم غيرك اثنين اثنين ليناقش كل منكم مع مَنْ يجلس معه؛ ولا يتحيز أحد منكم لِفكْر مُسْبق بل يُوجِّه فكره كله متجرداً لله. وليتساءل كل واحد: محمد هذا، صفته كذا وكذا، وقد فعل كذا، والقرآن الذي جاء به يقول كذا، وسيجد الواحد منكم نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه، وبينه وبين مَنْ جلس معه ليناقشه فيستعرضان معه تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. وحين يتناقش اثنان لن يخاف أيٌّ منهما أن يهزمه الآخر، لكن لو انضمَّ إليهما ثالثٌ؛ فكل واحد يريد أن يعتز برأيه؛ ويرفض أن يقبل رَأْي إنسان غيره، ويخشى أن يُعتبر مهزوماً في المناقشة؛ ويرفض لنفسه احتمال أنْ يستصغره أحد. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..} تفسير : [سبأ: 46]. و"الجِنَّة" هي اختلال العقل؛ أي: أن مَنْ به جِنَّة إنما يتصرف ويسلُك بأعمال لا يرتضيها العقل. ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين الخُلُق، فيقول: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]. ويُقَال: فلان على خُلق. أي: يملك من الصفات ما يجعله على الجَادَّة من الفضائل؛ مثل الصِّدْق والأمانة؛ وهذه صفاتٌ يَنْظِمها في مواقفها الفِكْر العقليّ؛ وهو الذي يُميِّز لنا أيَّ المواقف تحتاج إلى شِدّة؛ أو لِينٍ؛ أو حكمة، وكلُّ هذه أمور يُرتِّبها العقل. والخُلُق الرفيع لا يصدر عن مجنون؛ لأنه لا يعرف كيف يختار بين البدائل؛ لذلك لا نحاسبه نحن؛ ولا يحاسبه الله أيضاً. وحين يأمرهم الحق سبحانه أن يبحثوا: هل محمد يعاني من جِنَّة؟ فالحق سبحانه يعلم مُقدَّماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادتهم يتمتَّع بكمال الخُلق؛ بدليل أن أهمَّ ما كانوا يملكونه كانوا يستأمنون عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبدليل أنه صلى الله عليه وسلم حينما دخل عليهم وكانوا مختلفين في أمر بناء الكعبة؛ ارتضوه حَكَماً. ولذلك يقول سبحانه: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [القلم: 1-2]. وهكذا رأينا أن هؤلاء الكفار ما كانوا ليؤمنوا؛ ولم يَكُنِ اللهُ لِيهدِيَهم؛ لأنهم كانوا لا يملكون أَدْنى استعداد للهداية؛ وكأنهم أدمنُوا الكفر والعياذ بالله؛ وقد طبع الله على قلوبهم فزادهم كفراً؛ فما في تلك القلوب من كفر لا يخرج منها؛ وما بخارجها لا يدخل فيها. وقد ظَنَّ بعض من المسلمين أن كُفْر هؤلاء قد يُشقِي المؤمنين بزيادة العَنتِ من الكافرين ضدهم؛ لذلك يوضح الحق سبحانه لأهل الإيمان أن نَصْره قريب، فيقول سبحانه: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الرعد: 31]. أي: اطمئنوا يا أهل الإيمان؛ فلن يظلَّ حال أهل الكفر على ما هو عليه؛ بل ستصيبهم الكوارث وهم في أماكنهم، وسيشاهدون بأعينهم كيف ينتشر الإيمان في المواقع التي يسودونها؛ وتتسع رقعةُ أرض الإيمان، وتضيق رقعة أهل الكفر؛ ثم يأتي نَصْر الله وقد جاء نَصْر الله ولم يَبْقَ في الجزيرة العربية إلا مَنْ يقول: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". وهكذا تنبأتْ الآية بمجيء الأمل بعد اليأس، كي لا يظلَّ اليأس مُسَيْطراً على حركة المسلمين وعلى نفوسهم، واستجاب الحق سبحانه لدعوته صلى الله عليه وسلم حين دعاه قائلاً: "حديث : اللهمَّ اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ". تفسير : وقُتِل صناديدُهم واحداً وراء الآخر؛ ولكن عنادهم استمر؛ وبلغ العناد حَدَّ أن ابنتَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا مُتزوِّجتيْنِ من ابنيْ أبي لَهَبٍ؛ فلما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته؛ قال أبو لهب وزوجته: لا بد أن يُطلِّق أبناؤنا بنات محمد؛ فلما طلَّق أوَّلهما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: "حديث : أما إني أسأل الله أن يسلِّط عليه كَلْبه ". تفسير : وها هو أبو لهب الكافر يقول: "لا تزال دعوة محمد على ابني تشغل بَالي وتُقلِقني، وأخاف أن أبعث بولدي إلى رحلة الشام كي لا تستجيب السماءُ لدعوة محمد". وكان من المناسب ألاَّ يخاف، وجاء ميعاد السفر لقافلة الشام. وسافر أبو لَهَبٍ مع ولديْه، وحين جاء ميعاد النوم أمر أبو لهب الرجال أن يقيموا سياجاً حول ولده - وكأن الرجال حوله كخط بارليف الذي بنتْه إسرائيل على قناة السويس ليمنع عنها صَيْحة النصر التي حملت صرخة الله أكبر - ثم أصبح الصبح فوجدوا أن وحشاً قد نهش ابن أبي لَهَب. وقال الناس: كان أبو لَهَب يخشى دعوة محمد؛ ورغم ذلك فقد تحققت. فقال واحد: ولكن محمداً دعا أن ينهشَه كلب وقال له "أكلك كلب من كلاب الله" ولم يَقُلْ فلينهشْكَ سبع، فرد عليه مَنْ سمعه: وهل إذا نُسب كلب الله أيكون كلباً؟ لا بد أن يكون الكائن المنسوب لله كبيراً. وهكذا دَقَّتْ القارعة بيت الرجل الذي أصرَّ على الكفر، وتحقق قول الله: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ..} [الرعد: 31]. نعم، فهم قد أسرفوا في الكُفْر والعِناد؛ فجاءتْهم القارعة؛ والقارعة هي الشيء الذي يطرق بعنف على هادئ ساكن، ومنها نأخذ قَرْع الباب، وهناك فَرْق بين "نَقْر البابِ" و"قَرْع الباب". وقَوْل الحق سبحانه: {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ..} [الرعد: 31]. يُوضِّحه أمْر صُلْح الحديبية الذي جاء بشارةً للمسلمين؛ فقد صار كفار قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بالسرايا إلى المناطق المحيطة بمكة؛ فتأتي القبائل أفواجاً وهي تعلن إسلامها؛ ويبلغ ذلك قريشاً بأن الإسلام يواصل زَحْفه؛ ثم تأتيهم القارعة بأن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة؛ ويتحقق وعد الله بأن يدخلوا هم أيضاً إلى حظيرة الإسلام. أو: أن يكون المقصود بـ: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ ..} [الرعد: 31]. هو مجيء يوم القيامة الذي يحمل وَعْد الله بأن يحُلَّ عليهم ما يستحقونه من عذاب. وفي هذا القول تطمين لِمَنْ قال الحق سبحانه في أول هذه الآية: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ..} [الرعد: 31]. ذلك أن الله لا يُخلِف وعده، وهو القائل في تذييل هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الرعد: 31]. ونعلم أن كلمة "وَعْد" عادةً تأتي في الخير، أما كلمة "وعيد" فيه فتأتي غالباً في الشر. والشاعر يقول: شعر : وَإنِّي إذَا أَوْعدْتُه أَوْ وَعْدتُه لَمُنجِزٌ مِيعَادِي ومُخلِفٌ مَوْعِدي تفسير : فالإيعاد دائماً يكون بِشَرٍّ؛ والوَعْد يعني الخير، إلا أن بعض العرب يستعمل الاثنين. أو نستطيع أن نقول: إن المسألة بتعبير المؤمنين؛ أن الله سينصر المؤمنين بالقارعة التي تصيب أهل الكفر؛ أو تأتي حَوْل ديارهم، وفي ذلك وَعْد يُصبِّر به سبحانه المؤمنين؛ وهو في نفس الوقت وعيدٌ بالنسبة للكافرين. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الرعد: 31]. هو قضية قرآنية ستتحقق حَتْماً؛ في كل عصر وأوان، إذا ما أخذ المسلمون بأسباب الإيمان؛ وهي كقضية تختلف عن وَعْد أو وَعِيد البشر؛ لأن الإنسان قد يَعِد أو يتوعَّد؛ لكن أغيار الحياة تُصِيبه؛ فتُعطل قدرته على إنفاذ الوَعْد أو الوعيد. أما حين يَعِدُ الله فالأمر يختلف؛ لأن وَعْده هو وَعْد مُطْلق؛ وهذا هو معنى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الرعد: 31]. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أَفلَم يَعلمْ وَيَتبينْ. وهي لغةُ النَخَعِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} معناهُ دَاهِيةٌ مُهْلكةٌ. ويقالُ سَرِيَّةٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا } من الكتب الإلهية { سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } عن أماكنها { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ } جنانا وأنهارا { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى } لكان هذا القرآن. { بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا } فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته، فما بال المكذبين يقترحون من الآيات ما يقترحون؟ فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء؟. { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } فليعلموا أنه قادر على هدايتهم جميعا ولكنه لا يشاء ذلك، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا } على كفرهم، لا يعتبرون ولا يتعظون، والله تعالى يوالي عليهم القوارع التي تصيبهم في ديارهم أو تحل قريبا منها، وهم مصرون على كفرهم { حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ } الذي وعدهم به، لنزول العذاب المتصل الذي لا يمكن رفعه، { إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } وهذا تهديد لهم وتخويف من نزول ما وعدهم الله به على كفرهم وعنادهم وظلمهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 455 : 23 : 29 - سفين في قوله {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} قال، لم يايس الذين آمنوا. [الآية 31]. 456 : 24 : 12 - سفين عن ليث عن مجاهد {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} قال، السرايا. [الآية 31]. 457 : 25 : 13 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} قال، أنت، يا محمد {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} فتح مكة، [الآية 31].

همام الصنعاني

تفسير : 1380- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنَّ كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أذهب عنا جبال تهامة حتى نتخذها زرعاً وتكون لنا أرضين، وأحي لنا فلاناً وفلاناً حتى يخبرونا أحق ما تقول، فقال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ}: [الآية: 31] يقول: لو كان فعل ذلك بشيء من الكتاب فيما مضى لكان ذلك. 1381- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ}: [الآية: 31]، قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم يحل قريباً من دارهم. 1382- عبد الرزاق، عن معمر، وقال الحسن: تحل القارعة قريباً من دارهم. 1383- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ}: [الآية: 31] قال: فتح مكة.