١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : [32]{وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [33] {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ أَم بظَٰهِرِ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصَدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيِل وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [34] {لَهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} اعلم أن القوم لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتأذى من تلك الكلمات فالله تعالى أنزل هذه الآية تسلية له وتصبيراً له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كما أن قومك يستهزئون بك: {فأمليت للذين كفروا} أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم. واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انتقمت من أولئك المتقدمين والإملاء الإمهال وأن يتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج وما يكون توبيخاً لهم وتعجيباً من عقولهم فقال: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} والمعنى: أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات وإذا كان كذلك كان عالماً بجميع أحوال النفوس، وقادراً على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب إليها على كل الطاعات، وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي. وهذا هو المراد من قوله: {قائم على كل نفس بما كسبت} وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى: {أية : قائماً بالقسط} تفسير : [آل عمران: 18]. واعلم أنه لا بد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه: الوجه الأول: التقدير: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} كمن ليس بهذه الصفة؟ وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء} والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ونظيره قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله: {أية : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} تفسير : [الزمر: 22] فكذا ههنا، قال صاحب «الكشاف»: يجوز أن يقدر ما يقع خبراً للمبتدأ، أو يعطف عليه قوله: {وجعلوا} والتقدير: أفمن هو بهذا الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء. الوجه الثاني: وهو الذي ذكره السيد صاحب «حل العقد» فقال: نجعل الواو في قوله: {وجعلوا} واو الحال ونضمر للمبتدأ خبراً يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال، والتقدير: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} موجود. والحال أنهم جعلوا له شركاء ثم أقيم الظاهر وهو قوله (لله) مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها، وهذا كما تقول: جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي. واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: {قل سموهم} وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت. يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل، فكأنه تعالى قال: سموهم بالآلهة على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج فقال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} والمراد: أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن شريك ألبته، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها {أم بظاهر من القول} يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له، وهو كقوله تعالى: {أية : ذلك قولهم بأفواههم} تفسير : [التوبة: 30] ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: {بل زين للذين كفروا مكرهم} قال الواحدي: معنى (بل) ههنا كأنه يقول: دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم، فكأنه يقول: دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل. قال القاضي: لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن. واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه: الأول: أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال السؤال، والثاني: أن يقال: القلوب لا يقدر عليها إلا الله، والثالث: أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل. أما قوله: {وصدوا عن السبيل} فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي {وصدوا} بضم الصاد وفي حم {أية : وصدوا عن السبيل} تفسير : [النساء: 167] على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم، وعند أهل السنة أن الله صدهم. وللمعتزلة فيه وجهان: قيل الشيطان، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال: فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله، أي أعرضوا وقيل: صرفوا غيرهم، وهو لازم ومتعد، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة القراءة الثانية قوله: {أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} تفسير : [النساء: 167]. ثم قال: {ومن يضلل الله فما له من هاد} اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه: أولها: قوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم} وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو الله. وثانيها: قوله: {وصدوا عن السبيل} بضم الصاد، وقد بينا أن ذلك الصاد هو الله. وثالثها: قوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا الله. ورابعها: قوله تعالى: {لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق} أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر، امتنع صدور الإيمان منه وكل هذه الوجوه قد لخصناها في هذا الكتاب مراراً، قال القاضي: {ومن يضلل الله} أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله: {فما له من هاد} منبيء بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا، وقيل: المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالاً، وقيل المراد من يضلله الله عن الإيمان بأن يجده كذلك، ثم قال والوجه الأول أقوى. واعلم أن الوجه الأول ضعيف جداً لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجز ذكر ذهابهم إلى الجنة ألبتة فصرف الكلام على المذكور إلى غير المذكور بعيد. وأيضاً فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع. واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق، وأنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما عذاب الدنيا فبالقتل، والقتال، واللعن، والذم، والإهانة، وهل يدخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه، قال بعضهم: إنها تدخل فيه، وقال بعضهم: إنها لا تكون عقاباً، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها، ولو كان عقاباً لم يجب ذلك، فالمراد على هذا القول من الآية القتل، والسبيء، واغتنام الأموال، واللعن، وإنما قال: {ولعذاب الآخرة أشق} لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع، ثم بين بقوله: {وما لهم من الله من واق} أي أن أحداً لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله. قال الواحدي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله (واق) وكذلك في قوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} وكذلك في قوله: {وال} وهو الوجه لأنك تقول في الوصل: هذا هاد ووال وواق، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر، والياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد، ووال، وواق. وكان ابن كثير يقف بالياء في هادي ووالي وواقي ووجهه ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي فيقفون بالياء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} تقدّم معنى الاستهزاء في «البقرة» ومعنى الإملاء في «آل عمران» أي سُخِر بهم، وأزْرِي عليهم؛ فأمهلت الكافرين مدة ليؤمن من كان في علمي أنه يؤمن منهم؛ فلما حقّ القضاء أخذتهم بالعقوبة. {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي فكيف رأيت ما صنعت بهم، فكذلك أصنع بمشركي قومك. قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} ليس هذا القيام القيام الذي هو ضدّ القعود، بل هو بمعنى التولّي لأمور الخلق؛ كما يقال: قام فلان بشغل كذا؛ فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها؛ فالمعنى: أنه حافظ لا يغفل، والجواب محذوف؛ والمعنى: أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل. وقيل: «أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ» أي عالم؛ قاله الأعمش. قال الشاعر:شعر : فلولا رِجالٌ من قريشٍ أَعِزّة سَرَقْتُمْ ثيابَ البيتِ واللَّهُ قائمُ تفسير : أي عالم؛ فالله عالم بكسب كل نفس. وقيل: المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم، عن الضحاك. {وَجَعَلُواْ} حال؛ أي أو قد جعلوا، أو عطف على «اسْتُهْزِىءَ» أي ٱستهزؤوا وجعلوا؛ أي سَمّوا {للَّهِ شُرَكَآءَ} يعني أصناماً جعلوها آلهة. {قُلْ سَمُّوهُمْ} أي قل لهم يا محمد: «سَمُّوهُمْ» أي بيّنوا أسماءهم، على جهة التهديد؛ أي إنما يسمّون: اللاّت والعُزّى وَمَنَاة وهُبَل. {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} «أم» استفهام توبيخ، أي أتنبئونه؛ وهو على التحقيق عطف على ٱستفهام متقدّم في المعنى؛ لأن قوله: «سَمُّوهُمْ» معناه: أَلَهُمْ أسماء الخالقين. «أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ». وقيل: المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه. «أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ» يعلمه؟ فإن قالوا: بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه فقل لهم: سموهم؛ فإذا سموهم اللاّت والعُزّى فقل لهم: إن الله لا يعلم لنفسه شريكاً. وقيل: «أَمْ تُنَبِّئونَهُ» عطف على قوله: «أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ» أي أفمن هو قائم، أم تنبئون الله بما لا يعلم؛ أي أنتم تدعون لله شريكاً، والله لا يعلم لنفسه شريكاً؛ أفتنبئونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلمهٰ وإنما خصّ الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض لأنهم ٱدّعوا له شركاء في الأرض. ومعنى. {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ}: الذي أنزل الله على أنبيائه. وقال قَتَادة: معناه بباطل من القول؛ ومنه قول الشاعر:شعر : أَعَيَّرْتَنَا ألْبَانَها ولُحُومَهَا وذلِك عارٌ يابن رَيْطَةَ ظاهرُ تفسير : أي باطل. وقال الضّحاك: بكذب من القول. ويحتمل خامساً: أن يكون الظاهر من القول حجة يظهرونها بقولهم؛ ويكون معنى الكلام: أتخبرونه بذلك مشاهدين، أم تقولون محتجين. {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} أي دع هذاٰ بل زين للذين كفروا مكرهم؛ قيل: ٱستدراك على هذا الوجه، أي ليس لله شريك، لكن زين للذين كفروا مكرهم. وقرأ ٱبن عباس ومجاهد: «بَلْ زَيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ» مسمَّى الفاعل؛ وعلى قراءة الجماعة فالذي زَيّن للكافرين مكرهم الله تعالى، وقيل: الشيطان. ويجوز أن يسمى الكفر مكراً؛ لأن مكرهم بالرسول كان كفراً. {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي صدّهم الله؛ وهي قراءة حمزة والكسائي. الباقون بالفتح؛ أي صدّوا غيرهم؛ واختاره أبو حاتم، اعتباراً بقوله: {أية : وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 47] وقوله: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الفتح: 25]. وقراءة الضم أيضاً حسنة في «زين» و«صدّوا» لأنه معلوم أن الله فاعل ذلك في مذهب أهل السنة؛ ففيه إثبات القَدر، وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ يحيـى بن وثّاب وعلقمة ـ «وصدّوا» بكسر الصاد؛ وكذلك. {أية : هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} تفسير : [يوسف: 65] بكسر الراء أيضاً على ما لم يسم فاعله؛ وأصلها صدِدوا وردِدت، فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} بخذلانه. {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي موفّق؛ وفي هذا إثبات قراءة الكوفيين ومن تابعهم؛ لقوله: «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ»، فكذلك قوله: «وَصَدُّوا». ومعظم القراء يقفون على الدّال من غير الياء؛ وكذلك «والٍ» و«واقٍ»؛ لأنك تقول في الرجل: هذا قاضٍ ووالٍ وهادٍ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين. وقرىء «فَمَا لَهُ مِنْ هَادِي»، و«وَالِي» و«وَاقِي» بالياء؛ وهو على لغة من يقول: هذا داعي ووالي وواقي بالياء؛ لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها مع التنوين، وقد أمنا هذا في الوقف؛ فردّت الياء فصار هادي ووالي وواقي. وقال الخليل في نِداء قاضٍ: يا قاضي بإثبات الياء؛ إذ لا تنوين مع النداء، كما لا تنوين في نحو الداعي والمتعالي. قوله تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي للمشركين الصادّين، بالقتل والسَّبْي والإسار، وغير ذلك من الأسقام والمصائب. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ} أي أشدّ؛ من قولك: شَقّ عليّ كَذا يَشُقّ. {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي مانع يمنعهم من عذابه ولا دافع. و«مِن» زائدة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} أي: فلك فيهم أسوة {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أنظرتهم وأجلتهم، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم، وعاقبتهم، وأمليت لهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الحج: 48] وفي الصحيحين: «حديث : إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ } كما استهزىء بك، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فَأَمْلَيْتُ } أمهلت {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } بالعقوبة {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي هو واقع موقعه فكذلك أفعل بمن استهزأ بك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الملائكة الذين وكلوا ببني آدم، قاله الضحاك. الثاني: هو الله القائم على كل نفس بما كسبت، قاله قتادة. الثالث: أنها نفسه. وفي قوله تعالى:{قائم} وجهان: أحدهما: يعني والياً، كما قال تعالى{قائماً بالقسط} أي والياً بالعدل. الثاني: يعني عالماً بما كسبت، قال الشاعر: شعر : فلولا رجالٌ من قريش أعزةٌ سرقتم ثياب البيت والله قائم تفسير : ويحتمل {بما كسبت}وجهين: أحدهما: ما كسبت من رزق تفضلاً عليها فيكون خارجاً مخرج الامتنان. الثاني: ما كسبت من عمل حفظاً عليها، فيكون خارجاً مخرج الوعد والوعيد {وجعلوا لله شركاء} يعني أصناماً جعلوها آلهة. {قل سموهم}يحتمل وجهين: أحدهما: قل سموهم آلهة على وجه التهديد. الثاني: يعني قل صفوهم ليعلموا أنهم لا يجوز أن يكونوا آلهة. {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض}أي تخبرونه بما لا يعلم أن في الأرض إلهاً غيره. {أم بظاهر مِن القول}فيها أربعة تأويلات: أحدها: معناه بباطل من القول، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : أعَيّرتنا ألبانها ولحومها وذلك عارٌ يا ابن ريطة ظاهر تفسير : أي بالحل. الثاني: بظن من القول، وهو قول مجاهد. الثالث: بكذب من القول، قاله الضحاك. الرابع: أن الظاهر من القول هو القرآن، قاله السدي. ويحتمل تأويلاً خامساً: أن يكون الظاهر من القول حجة يظهرونها بقولهم، ويكون معنى الكلام: أتخبرونه بذلك مشاهدين أم تقولون محتجّين.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } الإملاء الإمهال وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله استهزاءً به وتسلية له
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} وذلك أن كفار مكة إنما سألوا هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء, فأنزل الله هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى أنهم إنما طلبوا منك هذه الآيات على سبيل الاستهزاء، وكذلك قد استهزىء برسل من قبلك {فأمليت للذين كفروا} يعني فأمهلتهم وأطلت لهم المدة {ثم أخذتهم} يعني بالعذاب بعد الإمهال فعذبتهم في الدنيا بالقحط والقتل والأسر وفي الآخرة بالنار {فكيف كان عقاب} يعني فكيف كان عقابي لهم {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} يعني أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت, ويعاقبها إن أساءت وجوابه محذوف، وتقديره كمن ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه ومن كان عاجزاً عن نفسه فهو عن غيره أعجز وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع {وجعلوا لله شركاء} يعني وهو المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي جعلوها لله شركاء {قل سموهم} يعني له. وقيل: صفوهم بما يستحقون ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد {أم تنبئونه} يعني أم تخبرون الله {بما لا يعلم في الأرض} يعني أنه لا يعلم أن لنفسه شريكاً من خلقه وكيف يكون المخلوق شريكاً للخالق وهو العالم بما في السموات والأرض ولو كان لعلمه والمراد من ذلك نفي العلم بأن يكون له شريك {أم بظاهر من القول} يعني أنهم يتعلقون بظاهر من القول مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له وقيل: معناه بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته {بل زين للذين كفروا مكرهم} قال ابن عباس: زين لهم الشيطان الكفر وإنما فسر المكر بالكفر لأن مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر منهم والمزين في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط، ولا يقدر على إضلال أحد وهدايته إلا الله تعالى ويدل على هذا سياق الآية وهو قوله: ومن يضلل الله فما له من هاد، وقوله {وصدوا عن السبيل} قرىء بضم الصاد ومعناه صرفوا عن سبيل الدين والرشد والهداية ومنعوا من ذلك والصاد المانع لهم هو الله تعالى، وقرىء وصدوا بفتح الصاد ومعناه أنهم صدوا عن سبيل الله غيرهم أي عن الإيمان {ومن يضلل الله فما له من هاد} الوقف عليه بسكون الدال وحذف الياء في قراءة أكثر القراء {لهم عذاب في الحياة الدنيا} يعني بالقتل والأسر ونحو ذلك مما فيه غيظهم {ولعذاب الآخرة أشق} يعني أشد وأغلظ لأن المشقة غلظ الأمر على النفس وشدته مما يكاد يصدع القلب من شدته فهو من الشق الذي هو الصدع {وما لهم من الله} يعني من عذاب الله {من واق} يعني من مانع يمنعهم من عذابه قوله تعالى {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي صفة الجنة التي وعد المتقون {تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم} لا ينقطع أبداً {وظلها} يعني أنه دائم لا ينقطع أبداً وليس في الجنة شمس ولا قمر ولا ظلمة بل ظل ممدود لا ينقطع، ولا يزول وفي الآية رد على جهم وأصحابه فإنهم يقولون: إن نعيم الجنة يفنى وينقطع وفي الآية دليل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم. كما يقول أبو الهذيل واستدل القاضي عبد الجبار المعتزلي بهذه الآية على أن الجنة لم تخلق بعد. قال: ووجه الدليل أنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88] فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة لقوله: أكلها دائم يعني لا ينقطع قال ولا ينكر أن تكون في السموات جنات كثيرة تتمتع بها الملائكة، ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد لم تخلق بعد. والجواب عن هذا أن حاصل دليلهم مركب من آيتين: إحداهما: قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه، والأخرى قوله: أكلها دائم وظلها، فإذا أدخلنا التخصيص على هذين العمومين سقط دليلهم فنخص هذين الدليلين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة. منها قوله تعالى: {أية : وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}تفسير : [آل عمران: 133] وقوله تعالى {تلك عقبى الذين اتقوا} يعني أن عاقبة أهل التقوى هي الجنة {وعقبى الكافرين النار} يعني في الآخرة. قوله عز وجل {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} في المراد بالكتاب هنا قولان: أحدهما أنه القرآن والذين أتوه المسلمون وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد أنهم يفرحون بما يتجدد من الأحكام والتوحيد والنبوة والحشر بعد الموت بتجدد نزول القرآن {ومن الأحزاب} يعني الجماعات الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار واليهود والنصارى {من ينكر بعضه} وهذا قول الحسن وقتادة. فإن قلت: إن الأحزاب من المشركين وغيرهم من أهل الكتاب ينكرون القرآن كله فكيف قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه. قلت: إن الأحزاب لا ينكرون القرآن بجملته لأنه قد ورد فيه آيات دالاَّت على توحيد الله وإثبات قدرته وعلمه وحكمته، وهم لا ينكرون ذلك أبداً والقول الثاني أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل والمراد بأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلاً أربعون من نجران وثلاثون من الحبشة وعشرة ممن سواهم فرحوا بالقرآن لكونهم آمنوا به وصدقوه، ومن الأحزاب يعني بقية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وسائر المشركين من ينكر بعضه. وقيل: كان ذكر الرحمن قليلاً في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام ومن معه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظة الرحمن في القرآن فرحوا بذلك فأنزل الله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب يعني مشركي مكة من ينكر بعضه وذلك لمَّا كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فأنزل الله {أية : وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي}تفسير : [الرعد: 30] وإنما قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه لأنهم كانوا لا ينكرون الله وينكرون الرحمن {قل} أي قل يا محمد {إنما أمرت أن أعبد الله} يعني وحده {ولا أشرك به} شيئاً {إليه أدعو} إي إلى الله وإلى الإيمان به أدعوا الناس {وإليه مآب} يعني مرجعي يوم القيامة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} الآية لما طلبوا المعجزات من الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ على سبيل الاستهزاء، وكان يتأذى من تلك الكلمات، فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآية تسلية له وتصبيراً على سفاهتهم فقال: إن أقوام سائر الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ استهزؤوا بهم كما أن قومك يستهزئون بك {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أمهلتهم وأطلت لهم المدة بتأخير [العقوبة] {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} عاقبتهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} لهم؟. والإملاء: الإمهال وإن تركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، ومنه الملوان وهو الليل والنهار؟ قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ} "مَنْ" موصولة، وصلتها "هُو قَائِمٌ" والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ودل على هذا المحذوف، قوله {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} ونحوه قوله {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}تفسير : [الزمر:22] تقديره: كمن قسا قلبه. يدل عليه أيضاً {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر:22] وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلاً للمبتدأ، وقد جاء مبيناً، كقوله {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}تفسير : [النحل:17] {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}تفسير : [الرعد:19]. والمعنى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أي: حافظها ورازقها وعالم بها ومجازيها بما علمت، وجوابه محذوف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه. قوله {وَجَعَلُواْ للَّهِ} يجوز أن يكون استئنافاً، وهو الظاهر، جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره. وقال الزمخشري: "ويجوز أن تقدر ما يقع خبر للمبتدأ ويعطف عليه: "وجَعَلُوا" وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه "جعلوا لهُ" وهو الله تعالى أي: وهو الذي يستحق العبادة". قال أبو حيان: "وفي هذا التوجيه إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله تعالى {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} أي: له، وفيه حذف الخبر غير المقابل، وأكثر ما جاء الخبر مقابلاً". وقيل: الواو للحال، والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجودة والحال أنهم جعلوا له شركاء، فأقيم الظاهر وهو "اللهُ" مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها، قاله صاحب العقد. وقال ابن عطية: "ويظهر أن القول مرتبط بقوله {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} كان التقدير: أفمن له القدرة والوحدانية، ويجعل له شريك أهل ينتقم ويعاقب أم لا؟". وقيل: "وَجَعلُوا" عطف على "استُهْزِىءَ" بمعنى: وقد استهزؤوا وجعلوا. وقال أبو البقاء: "هو معطوف على "كَسبَتْ" أي: ويجعلهم لله شركاء" ولما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: "قُلْ سمُّوهُمْ" وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى ألا يذكر، ولا يوضع له اسم فعند ذلك يقال: سمه إن شئت، يعني أنه [أخس] من أن يسمى ويذكر، ولكن إن شئت أن تضع له أسماً فافعل، وقيل: "سموهم": أي: صفوهم، ثم انظروا: هل هي أهلٌ أن تعبد؟ على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم باسم الآلهة أو لم تسموهم فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج. قوله {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} "أمْ" هذه منقطعة مقدرة بـ"بل" والهمزة والاستفهام للتوبيخ بل أتنبؤنه شركاء لا يعلمهم في الأرض و نحوه {أية : قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس:18] فجعل الفاعل ضميراً عائداً على الله، والعائد على "ما" محذوف تقديره: بما لا يعلمه الله، وقد تقدم في تلك الآية: أن الفاعل ضمير يعود على "ما" وهو جائز هنا أيضاً. قوله "أمْ بِظاهِرِ" أنها منقطعة. والظاهر هنا، قيل: الباطن؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 3186ـ أعَيَّرْتنَا ألْبانهَا ولحُومَهَا وذلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطة ظَاهِرُ تفسير : أي: باطن. وفسره مجاهد: بكذب، وهو موافق لهذا. وقيل: "أمْ" متصلة، أي: تنبئونه بظاهر لا حقيقة له. والمعنى: أم يخبرون الله بأمر يعلمونه وهو لايعلمه، فإنه لا يعلم لنفسه شريكاً وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك البتة؛ لأنهم ادعوا أن له شريكاً في الأرض لا في غيرها أم تموهون بظاهر من القول لا حقيقة له وهو كقوله {أية : ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [التوبة:30]. ثم إنه تعالى بعد هذا الحجاج بيّن طريقتهم، فقال على وجه التحقير لما هم عليه {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ}. قال الواحدي: "معنى "بَلْ" ههنا كأنه يقول: دع ذلك زين لهم مكرهم لأنه ـ تعالى ـ لما ذكر الدلائل على فساد قولهم فكأنه يقول: دع ذلك الدليل فإنه لا فائدة فيه، لأن زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل". فصل قالت المعتزلة: لا شبهة في أنه إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمَّهم به وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله تعالى، فلا بد إما أن يكون شياطين الإنس وما شياطين الجن. قال ابن الخطيب ـ رحمه الله ـ: وهذا التأويل ضعيف من وجوه: الأول: أنه إن كان المزين هو أحد شياطين الإنس أو الجن فالمزين لذلك الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن كان هو الله فقد زال السؤال. والثاني: أن أفعال القلوب لا يقدر عليها إلا الله ـ عز وجل ـ. والثالث: أنا دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله ـ عز وجل ـ وعند حصوله يجب الفعل. قوله {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} قرأ الكوفيون ويعقوب "وصُدُّوا" مبنياً للمفعول، وفي غافر {أية : وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [غافر:37] كذلك، وباقي السبعة مبنيّين للفاعل، و"صد" جاء لازماً ومتعدياً، فقراءة الكوفية من التعدي فقط، وقراءة الباقين: يحتمل أن تكون من المتعدي ومفعوله محذوف، أي: صدوا غيرهم أو أنفسهم، وأن يكون من اللازم، أي: أعرضوا وتولوا. وقرأ ابن وثاب: "وصِدُّوا عَن السَّبيل" بكسر الصاد، وهو مبني للمفعول أجراه مجرى "قِيلَ" و"بِيعَ" فهو كقراءة: {أية : رُدَّتْ إِلَيْنَا}تفسير : [يوسف:65]. وقوله: [الطويل] شعر : 3187ـ ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلِ حُبَا حُلمَائِنَا ........................ تفسير : وقد تقدم. فأما قراءة المبني للمفعول، فعند أهل السنة: أن الله صدهم. وللمعتزلة وجهان: قيل: الشيطان وبعضهم لبعض، هو قول أبي مسلم ـ رحمه الله ـ. ومن فتح الصاد: يعني الكفار أعرضوا إن كان لازماً، وصدوا غيرهم إن كان متعدياً. وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول، وحجة القراءة الثانية قوله ـ جل ذكره ـ {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ}تفسير : [محمد:1] ثم قال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. وتمسك أهل السنة بهذه الآية من وجوه: أحدها: قوله {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} وقد تقدم بالدليل أن المزين هو الله تعالى. وثانيها: قوله {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} بضم الصاد، وبينا أيضاً أن ذلك الصاد هو الله تعالى. وثالثها: قوله سبحانه وتعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}، وهو صريح في المقصود، ثم قال تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالقتل والأسر {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَشَقُّ} أي: أشد {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} مانع يمنعهم من العذاب. وقال الواحي: أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء، مثل قوله ـ عز وجل {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}تفسير : [غافر:33] وكذلك {أية : مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ}تفسير : [الرعد:37] وهو الوجه؛ لأنه يقال في الوصل: "هادٍ ووالٍ وواقٍ" محذوف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر، والياء [كانت] انحذفت في الوصل فيصادف الوقف الحركة التي كسرت فتحذف كما يحذف سائر الحركات التي يوقف عليها، فيقال: "هَاد" و"وَال" و"وَاق". وابن كثير يقف بالياء، ووجهه ما حكى سيبويه: أن بعض من يوثق به من العرب يقفون بالياء، وقد تقدم.
البقاعي
تفسير : ولما تم الجواب عن كفرهم بالموحي وما أوحاه إليه وما اشتد تعلقه به، عطف على ذلك تأسية بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم، لأن الحاث على تميز الإجابة إلى الآيات المقترحات استهزاء الكفار، فقال: {ولقد استهزىء} أي من أدنى الخلق وغيرهم {برسل}. ولما كان الإرسال لم يعم جميع الأزمان فضلاً عن الاستهزاء، أدخل الجار فقال: {من قبلك} لعدم إتيانهم بالمقترحات؛ والاستهزاء: طلب الهزوء، وهو الإظهار خلاف الإضمار للاستصغار {فأمليت} أي فتسبب عن استهزائهم ذلك أني أمليت {للذين كفروا} أي أمهلتهم في خفض وسعة كالبهيمة يملى لها، أي يمد في المرعى، ولم أجعل ذلك سبباً لإجابتهم إلى ما اقترحوا ولا معاجلتهم بالعذاب فعل الضيق الفطن {ثم} بعد طول الإملاء {أخذتهم} أي أخذ قهر وانتقام {فكيف} أي فكان أخذي لهم سبباً لأن يسأل من كان يستبطىء رسلنا أو يظن بنا تهاوناً بهم، فيقال له: كيف {كان عقاب *} فهو استفهام معناه التعجب مما حل بالمكذبين والتقرير، وفي ضمنه وعيد شديد. فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد غيره أمر ما، وتحرر أن كل أحد في قبضته، تسبب عن ذلك أن يقال: {أفمن هو قائم} ولما كان القيام دالاً على الاستعلاء أوضحه بقوله: {على كل نفس} أي صالحة وغيرها {بما كسبت} - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما - كمن ليس كذلك، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلاً. ولما كان الجواب قطعاً: ليس كمثله شيء، كان كأنه قيل استعظاماً لهذا السؤال: من الذي توهم أن له مثلاً؟ فقيل: الذين كفروا به {وجعلوا لله} أي الملك الأعظم {شركاء} ويجوز أن يقدر لـ" من" خبر معناه: لم يوحدوه، ويعطف عليه {وجعلوا}، فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ فقيل: {قل سموهم} بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز العجز ومحل الفقر، عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قل لهم: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده {أم تنبئونه} أي تخبرونه إخباراً عظيماً {بما لا يعلم} وعلمه محيط بكل شيء {في الأرض} من كونها آلهة ببرهان قاطع. {أم بظاهر من القول} أي بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلمه فليس بشيء، وهذا قريب مما مضى في قوله{أية : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه}تفسير : [الرعد: 16] في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما، وهذه الأساليب منادية على الخلق بالعجز، وصادحة بأنه ليس من كلام الخلق. ولما كان التقدير: ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر، بنى عليه قوله: {بل زين} أي وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان {للذين كفروا} أي لهم، وعبر بذلك تنبيهاً على الوصف الذي دلاهم إلى اعتقاد الباطل، وهو ستر ما أدى إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل {مكرهم} أي أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقاً، وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم، أو أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا به الضعفاء وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقاً. ومادة مكر بأي ترتيب كان: مكر، ركم، رمك، كرم، كمر؛ تدور على التغطية والستر، فالمكر: الخديعة، قالوا: وهو الاحتيال بما لا يظهر، فإذا ظهر فذلك الكيد، ويلزم منه الاجتهاد في ضم أشتات الأمر لستر ما يراد، فمن الضم المكر الذي هو حسن خدالة الساق أي امتلائها، ويلزم منه خصب البدن ونعمته، وكان منه المكر - لضرب من النبات، والواحدة مكرة، سميت مكرة لارتوائها، أبو حنيفة: المكر من عشب القيظ، وهي عشبة غبراء ليس فيها ورق، وهو ينبت في السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق أو لأنه لغبرته وتجرده كالمستور، والمكر: طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه سمي بذلك لما فيه من الكدرة، والمكرة من البسر: التي ليست برطبة ولكن فيها لين - كأنها سميت به لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدرة؛ والركم: إلقاء الشيء بعضه على بعض فهو مركوم وركام، وتراكم الشيء - إذا تكاثف بعضه على بعض، وذلك مظنة الخفاء، والركمة: الطين المجموع وكذا التراب المجموع، وقال: وجُز عن مرتَكم الطريق - يريد المحجة، لأن ترابها تلبد فاشتد تلبده، والرمك والرمكة - بالضم - من ألوان الإبل وهو أكدر من الورقة وهو لون خالطت غبرته سواداً، فهو أرمك - لأنه مظنة لخفاء ما فيه، ومنه اشتقاق الرامك، وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل سكّاً، ورمك الرجل بالمقام - إذا أقام به، لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر هو فيه، وأرمكت غيري - إذا ألزمته مكاناً يقيم فيه، والرمكة: الأنثى من البراذين - فارسي معرب، لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته، ورمكان: موضع معروف - معرفة، ويقال: رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار هو مستوراً بعد أن كان بحسن حاله مشهوراً، ورمكت البازي والصقر ترميكاً - إذا أشرت إليه بالطير لأنك سلبت عنه الستر؛ واليرموك: مكان به لهب عظيم، يستر ما يكون فيه؛ والكريم: ضد اللئيم، وهو البخيل المهين النفس، والخسيس الآباء، فإذا كان شحيحاً ولم تجتمع له هذه الخصال قيل له: بخيل، ولم يُقل: لئيم، فالكريم إذن من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها، وتكرّم - إذا تنزه عن الدناءة ورفع نفسه عنها، وأصل الكرم في اللغة: الفصل والرفعة، فإذا قالوا: فلان كريم، فإنما يريدون رفيعاً فاضلاً، فيلزم الكرم ستر العيوب، والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة، وقيل: الصفوح عن الذنوب، وقيل: الذي لا يمن إذا أعطى، وإذا قالوا: فلان أكرم قومه، فإنما يريدون: أرفعهم منزلة وأفضلهم قدراً، وكل هذا يلزم منه السخاء وستر الذنوب، ومن هذا قيل: فرس كريم، وشجرة كريمة - إذا كانت أرفع من نظائرها وأفضل،{ أية : إني ألقي إليَّ كتاب كريم} تفسير : [النحل:29] أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ما فيه مجرد فضل تشبيهاً بالكريم في جزء المعنى، وكارمت الرجل: فعل كل منا في حق صاحبه مقتضى الكرم، والكرم: شجر العنب ولا يسمى به غيره، والكروم: قلائد تتخذها النساء كالمخانق، لدلالتها على قدر صاحبتها، والكرامة: طبق يوضع على رأس الحب - لأنه غطاءه، ولا يغطى إلا ما له فضل، ومنه يقولون: لك الحب والكرامة، والكرم: القصير من الرجال - كأنه شبه بطبق الحب؛ والكمرة - محركة: طرف قضيب الإنسان خاصة، سميت بذلك لسترها القلفة، ورجل مكمور - إذا قطع الخاتن كمرته، وتكامر الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما، وقال في القاموس: وتكامرا: نظرا أيهما أعظم كمرة، والكمري: الرطب ما لم يرطب على شجره، بل سقط بسراً فأرطب في الأرض - كأنه سمي بذلك لأنه يكون أكدر مما يرطب على الشجر، وهو أيضاً يشبه الكمرة في تكوينها، والكمري عن ابن دريد: الرجل القصير، كأنه شبه بالرطبة، وقال غيره: وهو اسم مكان. ولما ذكر تزيين مكرهم، أتبعه الدلالة عليه فقال: {وصدوا} أي فلزموا ما زين لهم، أو فمكروا به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم {عن السبيل} الذي لا يقال لغيره سبيل وهو المستقيم، فإن غيره جور وتيه وحيرة فهو عدم، بل العدم أحسن منه، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، ليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم {ومن يضلل الله} أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلاله {فما له من هاد *} فكأنه قيل: فماذا لهم على ما فعلوا من ذلك؟ فقيل: {لهم} أي الذين كفروا {عذاب} وهو الألم المستمر، ومنه العذب لأنه يستمر في الحلق {في الحياة الدنيا} شاق، بممانعة حزب الله لهم في صدهم عن السبيل إلى ما يتصل بذلك من قتل وأسر، ولهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك عذاب {ولعذاب الآخرة أشق} أي أشد في المشقة، وهي غلظ الأمر على النفس بما يكاد يصدع القلب {وما لهم من الله} أي الملك الأعظم {من واق *} أي مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءاً في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل الوقاية، وهي الحجر بما يدفع الأذية.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ} كثيرة خلَت {مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي تركتهم ملاوةً من الزمان في أمن ودعةٍ كما يملىٰ للبهمية في المرعى. وهذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما لقيَ من المشركين من التكذيب والاقتراحِ على طريقة الاستهزاءِ به ووعيدٌ لهم، والمعنى أن ذلك ليس مختصاً بك بل هو أمرٌ مطردٌ قد فُعل ذلك برسل كثيرة كائنةٍ من قبلك فأمهلت الذين فعلوه بهم، والعدولُ في الصلة إلى وصف الكفر ليس لأن المُملىٰ لهم غيرُ المستهزئين بل لإرادة الجمعِ بـين الوصفين أي فأمليت للذين كفروا مع استهزائهم لا باستهزائهم فقط {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي عقابـي إياهم، وفيه من الدلالة على تناهي كيفيته في الشدة والفظاعة ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : أنزل هذه الآية على جهة التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما كان يلاقيه منهم. وكما أن هؤلاء في التكذيب جَرَوْا على نهجهم فنحن أَدَمْنَا سُنَّتَنَا في التعذيب معهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كاستهزاء قومك بك والتنكير للتكثير اى بجميع الرسل من قبلك ويدل عليه قوله تعالى {أية : وما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزئون} تفسير : ومعنى الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والاذى والتكذيب {فامليت للذين كفروا} اى للمستهزئين الذين كفروا. والاملاء الامهال وان يترك ملاوة من الزمان اى مدة طويلة منه فى دعة وامن كالبهيمة فى المرعى اى اطلت لهم المدة فى امن وسعة بتأخير العقوبة ليتمادوا فى المعصية {ثم اخذتهم} بالعقوبة بعد الاملاء والاستدراج {فكيف كان} [بس جه كونه بود] {عقاب} عقابى اياهم كيف رأيت ما صنعت بمن استهزأ برسلى ولم ير النبى عليه السلام عقوبتهم الا انه علم بالتحقيق فكأنه رأى عيانا. وفى بحر العلوم فانكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتشاهدون اثر ذلك وهذا تعجيب من شدة اخذه لهم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به واذاهم وتكذيبهم واقتراحهم الآيات بان له فى الانبياء اسوة وان جزاء ما يفعلون به ينزل بهم كما نزل بالمستهزئين بالانبياء جزاء ما فعلوا. وفيه اشارة الى ان من امارات الشقاء الاستهزاء بالانبياء والاولياء وفى الحديث "حديث : من اهان لى" تفسير : ويروى "حديث : من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة" تفسير : اى من اغضب وآذى واحدا من اوليائى فقد حاربنى والله اسرع شيء الى نصرة اوليائه لان الولى ينصر الله فيكون الله ناصره - وروى - ان الله تعالى قال لبعض اوليائه اما زهدك فى الدنيا فقد تعجلت راحة نفسك واما ذكرك اياى فقد تشرفت بى فهل واليت فىّ وليا وهل عاديت فىّ عدوا فمحبة اولياء الله تعالى وموالاتهم من انفع الاعمال عند الله وبغضهم عداوتهم واستحقارهم والطعن فيهم من اضر الاعمال عنده تعالى واكبر الكبائر [آورده انده كه سبهسالارى بود ظالم وباتباع خود بخانه يكى از مشايخ كبار فرود آمد خدواند خانه كفت من منشورى درام بخانه من فرود مياكفت منشور بنما شيخ درخانه رفت ومصحفى عزيز داشت ودر بيش آمد وباز كرد اين آيت بر آمدكه] {أية : يا ايها الذين آمنوا لا تدخوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها} تفسير : [سبهسالار كفت من بنداشم كه منشور امير دارى بدان التفات نكرد ودرخانه شيخ فرود آمد آن شب قولنجش بكرفت وهلاك شد] قال الصائب شعر : نتيجه نفس كرم عند ليبانست كه عمر شبنم كستاخ يكزمان باشد تفسير : ولا شك ان مثل هذه المعاملات القبيحة من غلبة اوصاف النفس. فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن سفساف الاخلاق حتى يتخلص من قهر القهار الخلاق ألا ترى أن المؤمنين نظروا الى النبى عليه السلام بعين التعظيم وبدلوا الكبر بالتواضع والفناء ودخلوا فى الاستسلام فاستعسدوا سعادة الدارين واما الكفرة فعتوا عتوا كبيرا فاستأصلهم الله من حيث لا يحتسبون فشقوا شقاوة ابدية وهكذا حال سائر المؤمنين والمنكرين الى يوم القيامة فان الاولياء ورثة الرسول عليه السلام والمعاملة معهم كالمعاملة معه: قال الكمال الخنجدى شعر : مقربان خدااند وراثان رسول توازخدى جنين دوروازرسولى جيست
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم: {لقد استُهزئ برسلٍ من قبلك} فأوذوا وأهِينُوا، {فأمْلَيتُ للذين كفروا}: أمهلتهم في دعة ورغد عيش، مدة من الزمان، {ثم أخذتهم} بالهلاك والاستئصال، {فكيف كان عقاب}؟ أي: عقابي إياهم، وهو تهويل لما نزل بهم، وتخويف لغيرهم من المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم والمقترحين عليه الآيات. الإشارة: الاستهزاء بأهل الخصوصية في بدايتهم سنة ماضية، ويتسلون بمن سلف من خصوص الأنبياء والأولياء. وما هدد به الكفار يهدد به أهل الإنكار. بالله التوفيق. ثم وينجهم على الشرك
الطوسي
تفسير : اللام في قوله {ولقد} لام القسم، ومعنى الكلام انه اقسم تعالى انه لقد استهزىء برسل من قبلك يا محمد أرسلهم الله. والاستهزاء طلب الهمزء وهو اظهار خلاف الاضمار للاستضعاف فيما يجري من عبث الخطاب. والرسل جمع رسول، وهوالمحمّل للرسالة. والرسالة كلام يؤخذ لتأديته الى صاحبه. وقوله {فأمليت للذين كفروا} اي اخرت عقابهم وإهلاكهم وأمهلتهم، يقال: أملى يملى إملاء ومنه قوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} واصله طول المدة، ومنه قليل لليل والنهار: الملوان لطولهما، قال ابن مقبل: شعر : الا يا ديار الحي بالسَّبُعان أملُّ عليها بالبلى الملوان تفسير : وقوله {ثم أخذتهم} يعنى الذين استهزؤا برسل الله وكفروا بآيات الله، أهلكتهم وانزلت عليهم عذابي {فكيف كان عقاب} وهو العذاب على وجه الجزاء. ومعنى الآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من سفهاء قومه من الكفر والاستهزاء عند دعائه إِياهم إِلى توحيده والايمان به، بأنه قد نال مثل هذا الأنبياء قبلك فصبروا، فاصبر أنت ايضاً مثل ذلك، كما قال {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}
الهواري
تفسير : قوله: { وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي: لم آخذهم عند استهزائهم بأنبيائهم، ولكن أمليت لهم، أي: أخرتهم حتى بلغ الوقت. { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}. على الاستفهام. أي: كان شديداً. وكان الحسن إذا أتى على هذا قال: كان والله شديداً. قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}. قال بعضهم: ذلكم الله. وهذا على الاستفهام. قال الحسن: هو الله القائم على كل نفس بما عملت حتى يجزيها به. قال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} يقول هل يستوي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت هو وهذه الأوثان التي عبدوها؟ قال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} {قُلْ سَمُّوهُمْ} وقال في آية أخرى: (أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنَزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) تفسير : [النجم:23] أي: من حجة أنها آلهة. قال: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ} على الاستفهام. يقول: قد نبَّأتموه بما لا يعلم في الأرض، أي: لا يعلم أن في الأرض آلهة معه، أي: أنه يعلم أنه ليس معه إله في الأرض ولا في السماء. { أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ} قال مجاهد: أو بظن من القول. وقال بعضهم: الظاهر من القول الباطل. وقال الكلبي: {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ} أي: الزور من القول، وهو واحد. {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} أي: شركهم. قال مجاهد: قولهم، وهو الشرك. {وَصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} أي: سبيل الهدى. قال: {وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه { لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني مشركي العرب، بالسيف يوم بدر، ولآخر كفار هذه الأمة بالساعة، يعني النفخة الأولى. {وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أَشَقُّ} من عذاب الدنيا {وَمَا لَهُم مِّنَ اللهِ مِن وَاقٍ} أي: يقيهم عذابه. قوله: {مَّثَلُ الجَنَّةِ} أي: صفة الجنة {الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. ذكروا أن أنهار الجنة تجري في غير خدود: الماء واللبن والعسل والخمر، فهو أبيض كله، فطينة النهر مسك، ورضراضه الدرّ والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ المجوّف. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بينا أنا في الجنة، يعني ليلة أسري به، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فضربت بيدي إلى مجرى الماء، فإذا مسك أذفر، فقلت ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تفسير : قوله: {أُكُلُهَا دَائِمٌ} أي: ثمرها لا ينفد { وَظِلُّهَا} أي: دائم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فرشهم؛ فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدّل الله مكانها أخرى تفسير : ذكروا عن ابن مسعود قال: نخل الجنة نضيد ما بين أصلها إلى فرعها. وتمرها كالقلال. كلما نزعت تمرة عادت تمرة. وأنهارها تجري في غير خدود، العنقود منها إثنا عشر ذراعاً منضود من أعلاه إلى أسفله، ليس في شيء منه عجم، أحلى من العسل، وأشد بياضاً من الثلج واللبن، وألين من الزبد. كلما نزع منه شيء أعاده الله كما كان. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن ليلة أسري به فكان في حديثه:... ثم أعطيت الكوثر فسلكته حتى انفجر بي في الجنة، فإذا الرمّانة من رمّانها مثل جلد البعير المقتّب. قوله: { تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} يعني الجنة. { وَّعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ}.
اطفيش
تفسير : {ولَقد اسْتهزىءَ برسُلٍ منْ قَبلكَ} برسل نائب فاعل استهزئ، والأصل استهزأت الأمم برسلها، ومن قبلك نعت رسل، أو متعلق باستهزئ. {فأمْليتُ للَّذينَ كَفرُوا} بهؤلاء الرسل واستهزءوا بهم، أى أخرت لهم العقاب، وأخرت لهم، وتركتهم مدة طويلة استدراجا لهم فى سعة من صحة ورزق وأمن، وأصل الإملاء الترك ملاوة بفتح الميم وكسرها وضمها، أى مدة طويلة، يقال: أمليت للدابة فى المرعى، ومن ذلك يقال للواسع الطويل من الأرض: ملاء. {ثمَّ أخذْتهم} بالعذاب دُنيا كالحقط والأسر، والقتل والإغراق، والإحراق والصيحة، وأخرى بالنار {فَكيفَ كانَ عِقابِ} أى إياهم أى كان عقابا شديدا أخذ من الغابة بمكان فكذلك أفعل بمن كذبك واستهزأ بك، ولو أمليت لهم فاصبر كما صبرت الرسل من قبلك، ننتقم لك من مكذبيك، كما انتقمنا لهم من مكذبيهم، فذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعيد لمن استهزأ به، وكان الحسن إذا قرأ: {فكيف كان عقاب} قال: كان والله شديدا، وحذفت ياء المتكلم لدلالة الكسرة عليها تخفيفا.
الالوسي
تفسير : . {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي تركتهم ملاوة أي من الزمان ومنه الملوان في أمن ودعة كما يملي للبهيمة في المرعى، وهذا تسلية للحبيب صلى الله عليه وسلم عما لقي من المشركين من الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام وتكذيبه وعدم الاعتداد بآياته واقتراح غيرها وكل ذلك في المعنى استهزاء ووعيد لهم، والمعنى أن ذلك ليس مختصاً بك بل هو أمر مطرد قد فعل برسل جليلة كثيرة كائنة من قبلك فأمهلت الذين فعلوه بهم، والعدول في الصلة إلى وصف الكفر ليس لأن المملى لهم غير المستهزئين بل للإشارة إلى أن ذلك الاستهزاء كفر كما قيل. وفي "الإرشاد" لإرادة الجمع بين الوصفين أي فأمليت للذين كفروا بكفرهم مع استهزائهم لا باستهزائهم فقط {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي عقابـي إياهم، والمراد التعجيب مما حل بهم وفيه من الدلالة على شدته وفظاعته ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال } تفسير : [سورة الرعد: 31] الخ، لأن تلك المُثُل الثلاثة التي فرضت أريد بها أمور سألها المشركون النبي استهزاءً وتعجيزاً لا لترقب حصولها. وجاءت عقب الجملتين لما فيها من المناسبة لهما من جهة المُثل التي في الأولى ومن جهة الغاية التي في الثانية. وقد استهزأ قوم نوح به عليه السلام { أية : وكُلّما مَرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه } تفسير : [سورة هود: 38]، واستهزأت عاد بهود عليه السلام { أية : فأسقِط علينا كِسْفاً من السماء إن كنتَ من الصادقِين } تفسير : [سورة الشعراء: 187]، واستهزأت ثمود بصالح عليه السلام { أية : قال الملأ الّذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة } تفسير : [سورة الأعراف: 66]، واستهزأوا بِشُعيْب عليه السلام { أية : قالوا يا شُعيب أصلاتك تأمُرك أن نتْرك ما يَعبد آبَاؤنَا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنّك لأنت الحليم الرشيد } تفسير : [سورة هود: 87]، واستهزأ فرعون بموسى عليه السلام { أية : أم أنا خير من هذا الّذي هو مَهين ولا يكاد يبين } تفسير : [سورة الزخرف: 43]. والاستهزاء: مبالغة في الهَزْء مثل الاسْتسْخار في السخرية. والإملاء: الإمهال والتركُ مدة. ومنه واهجرني ملياً. وتقدم في قوله تعالى: { أية : والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم } تفسير : في [سورة الأعراف: 182]. والاستفهام في فكيف كان عقاب للتعجيب. و عقاب أصله عقابي مثل ما تقدم آنفاً في قوله: {وإليه متاب}. والكلام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ووعيد للمشركين.
القطان
تفسير : فأمليت: فأمهلت. قائم: رقيب. واق: حافظ. {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}. في هذه الآيةِ تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، على سفاهة قومه، فإذا كان أولئك الجاحدون قد استهزأوا بما تدعو إليه يا محمد وبالقرآن فقد نالَ الانبياءَ الذي قبلك من أقوامهم كذلك، فلا تحزَن. فإني أمهلتُ الذين كفروا ثم أخذتُهم بعقابٍ شديد. {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}. أفمن هو قائمٌ حفيظٌ على كلّ نفسٍ لا يخفى عليه شيء ما كسبت كَمَن ليس كذلك! فالجواب محذوف وهو: كمن ليس كذلك. وهذا من بلاغة القرآن. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ}. وقد جعل هؤلاء الكفرةُ لِله شركاءَ فعبدوهم، فقل لهم أيها النبيِ: صِفُوهم بأوصافِهم الحقيقية، {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} أتخبرونه بشركاءَ يستحقَّون العبادة في الأرض وهو لا يِعلَمُهم. {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} أم تدَّعون أنهم آلهةٌ بالقول الباطلِ من غير حقيقة. {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. بل الحقيقةُ أنه زُيِّن للذين كفروا تَدبيرُهم الباطلُ، فتخيَّلوا أباطيلَ ثم ظَنُّوها حقاً، وصُرِفوا عن السبيل وتاهوا، ومن يخذلْهُ اللهُ فما له من هادٍ يَهديه الى الصواب. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر: "وصدوا عن السبيل" بفتح الصاد. والباقون "وصدوا عن السبيل" بضم الصاد وهي القراءة في المصحف. {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآُخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ}. لهم العذابُ في الدنيا بالهزيمةِ والأَسرِ والقتل، ولَعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأدوم، وما لهم حافظ يعصِمُهم من عذاب الله.
د. أسعد حومد
تفسير : (32) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: لَقَدْ سَخِرَتْ الأَقْوَامُ البَائِدَةُ بِالرُّسُلِ الذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَأَنْظَرَ اللهُ الذِينَ كَفَرُوا، وَأَمْهَلَهُمْ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ (فَأَمْلَيْت لِلَّذِينَ)، ثُمَّ أَخَذَهُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ عِقَابَهُ فَلَمْ يُفْلِتْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ عِقَابِهِ. فَكَيْفَ كَانَ عِقَابُ اللهِ؟ فَأَمْلَيْتُ لَهُمْ - أَمْلَهْتُ وَأَطَلْتُ فِي أَمْنٍ وَدَعَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويقال "هَزَأ بفلان" أي: سخر منه، أما "اسْتُهزِئ بفلان" أي: طُلِب من الغير أنْ يهزأ بشخص معين، وهذا عليه إثمه وإثم مَنْ أوعز له بالسخرية من هذا الشخص. وقول الحق سبحانه: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} [الرعد: 32]. أي: لستَ بِدعاً يا محمد في أن يقف بعض الكافرين منك هذا الموقف. والمثَلُ هو الحَكَم بن أبي العاص أبو مروان الذي كان يُقلِّد مشية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان رسول الله يمشي كأنما يتحدَّر من صبب؛ وكان بصره دائماً في الأرض. ولم يكن الناس مُعْتادين على تلك المِشْية الخاشعة؛ فقد كانوا يسيرون بغرور مستعرضين مناكبهم. وحين قَلَّد الحَكَمُ رسول الله رآه صلى الله عليه وسلم بنور البصيرة، فقال له صلى الله عليه وسلم: "كُنْ على هذا"، فصارت مِشْيته عاهة، بينما كانت مِشْية رسول الله تطامناً إلى ربه، وتواضعاً منه صلى الله عليه وسلم. ونفَى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَكَم إلى الطائف؛ وراح يَرْعى الغنم هناك، ولم يَعْفُ النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ وكذلك أبو بكر في خلافته؛ ولا عمر بن الخطاب؛ ولكن الذي عفا عنه هو عثمان بن عفان، وكان قريباً له. وشهد عثمان بن عفان وقال: "والله لقد استأذنتُ رسول الله فيه فقال لي: إن استطعت أن تعفوَ عنه فَاعْفُ، وحين وَلِيتُ أمرَ المسلمين عَفَوْتُ عنه". وحدث من بعد ذلك أن تولَّى عبد الملك بن مروان أمر المسلمين؛ وكان لابنه الوليد خَيْل تتنافس مع خيل أولاد يزيد بن معاوية؛ واحتال أولاد يزيد بالغش، ووضعوا ما يُعرقِل خَيْل الوليد. وحدث خلاف بين الفريقين فشتم الوليدُ أبناء يزيد؛ فذهب أولاد يزيد إلى عبد الملك يشكُون له ولده؛ وكان الذي يشكو لا يتقن نُطْق العربية دون أخطاء؛ فقال له عبد الملك: مَا لَكَ لا تقيم لسانك من اللحْن؟ فردَّ الذي يشكو ساخراً: "والله لقد أعجبتْنِي فصاحةُ الوليد". ويعني: أن حال لسان ابن عبد الملك لا يختلف عن حال لسان مَنْ يشكو؛ فكلاهما لا ينطق بِسَلاسَة، ويكثر اللحْنَ في النُّطْق بالعربية. فقال عبد الملك: أَتُعيِّرني بعبد الله ابني الذي لا يُتقِن العربية دون لَحْن؟ إن أخاه خالداً لا يلحن. وتبع ذلك بقوله: اسكُتْ يا هذا، فلستَ في العِير ولا في النَّفِير. وهذا مَثَلٌ نقوله حالياً، وقد جاء إلينا عَبْر قريش؛ حيث كانت السلطةُ فيها ذات مَصْدرين؛ مصدر العِير؛ أي: التجارة التي تأتي من القوافل عَبْر الشام وقائدها أبو سفيان؛ والنَّفِير؛ وهم القَوْم الذين نَفَرُوا لِنجْدةِ أبي سفيان في موقعة بدر؛ وكان يقودهم عتبة. فقال ابن يزيد: ومَنْ أَوْلَى بالعِير والنَّفِير منِّي؟ ويعني أنه حفيدُ أبي سفيان من ناحية الأب؛ وحفيدُ عُتْبة من ناحية الأم. وأضاف: لكن لو قُلْت شُوَيْهات وغُنَيْمات وذكرت الطائف لكنتَ على حق؛ ورَحِم الله عثمان الذي عفَا عن جَدِّك، وأرجعه من المَنْفى. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} تفسير : [الحجر: 95]. وكان أيّ إنسان يسخر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلْقَى عقاباً إلهياً. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32]. فأنت يا رسول الله لستَ بِدْعاً في الرسالة، ولك أسوة في الرسالة، والحق سبحانه يَعِدُكَ هنا في مُحْكَم كتابه: {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [الرعد: 32]. أي: أمهلتُ الذين كفروا، والإملاء بمعنى الإمهال ليس معناه تَرْك العقوبة على الذَّنْب، وإنما تأخير العقوبة لذنب قادم، والمَثَل هو أن تترك مخطئاً ارتكبَ هَفْوة؛ إلى أنْ يرتكب هَفْوة ثانية؛ ثم ثالثة، ثم تُنْزِل به العقاب من حيثُ لا يتوقع. وإذا كان هذا ما يحدث في عالم البشر؛ فما بَالُنا بقوة الحق سبحانه اللامتناهية، وهو القائل: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 182]. ويقول تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} تفسير : [آل عمران: 178]. تماماً مِثْلما نجد مَنْ يصنع فَخّاً لعدوه. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32]. وكلمة: {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32]. توضح أنه كان عقاباً صارماً؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في موقع آخر: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 29-36]. إذن: فلسوْفَ يَلْقَى الذين استهزءوا بالرسل العقاب الشديد. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم لا تحزن يا أكمل الرسل من استهزائهم وسخريتهم معك، ولا تبال بعمههم وسكرتهم وبطرهم واستهتارهم بمالهم وجاههم {وَ} الله {لَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} أشد من اسهتزاء هؤلاء معك {فَأَمْلَيْتُ} وأملهت {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: المستهزئين الذين كفروا حتى انهمكوا في الغفلة وتوغلوا فيها بطرين فرحين {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} فجأة واستأصلتهم بغتة {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] مع أولئك؟ ومع هؤلاء أشد من ذلك. ثم قال سبحانه: {أَ} ينسى الحساب وتيرك العقاب {فَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ} أي: مطلع محاسب ورقيب حافظ {عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ} من النفوس الخيرة والشريرة ليحيط {بِمَا كَسَبَتْ} إن خيراً فخير وإن شراً فشر {وَ} لا سيما الشر الذب {جَعَلُواْ لِلَّهِ} الأحد المنزه عن الشريك والولد {شُرَكَآءَ} فوق واحدة من أظلاله ومصنوعاته، مع أنه سبحانه تعالى عن ذلك علواً كبيراً {قُلْ} لهم تبكيتاً عليهم وإلزاماً لهم: {سَمُّوهُمْ} أي: تلك الشركاء باسماء، وصفوهم بصفات يستحقون بها الألوهية والربوبية {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} وتخبرونه {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} أي: بأسماء وصفات لا يعلمها في الأرض، بل لا يعلمها في السماء {أَم} سموهم {بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} مجازاً بلا اعتبار المعنى الحقيقي فيهم، وبالجملة: هم عاجزون عن الكل ساكتون عنها {بَلْ} إنما {زُيِّنَ} وحسن {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} وأشركوا {مَكْرُهُمْ} أي: تمويههم وتلبيسهم مع علمهم ببطلانها {وَ} مع ذلك {صُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي: قصدوا إعراض ضعفاء المؤمنين عن طريق الحق، ما هو إلا من غيهم وضلالهم في أصل فطرتهم {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} وأراد إضلاله {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33] يهديهم ويوفقهم إلى سبيل الرشاد. بل {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بغفلتهم عن معرفة الله واللذات الروحانية مع عدم شعورهم بها {وَ} الله {لَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ} حين انكشف الحال وارتفع الحجب {أَشَقُّ} وأصعب {وَ} كيف لا يكون عذاب الآخرة أشق؛ إذ {مَا لَهُم} فيها {مِّنَ ٱللَّهِ} أي: عذابه وانتقامه {مِن وَاقٍ} [الرعد: 34] أي: حافظ شفيع يشفعهم ليخفف عنهم ويحفظهم من عذابه. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته من تعقيب الوعيد بالوعد: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} المتحفظون نفوسهم عن ارتكاب المعاصي والآثام، المتمثلون بما أُمروا من العقائد والأحكام {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لإجرائهم أ،هار المعارف والحقائق على أراضي استعداداتهم؛ لإنبات ثمرات الكشوف والشهود {أُكُلُهَا} من الرزق المعنوي والأغذية الروحانية {دَآئِمٌ} غير منقطع {وِ} كذا {ظِلُّهَا } الذي تستريحون فيه دائم غير زائل، لا انقطاع لها أصلاً كأظلال الدنيا {تِلْكَ} الجنة التي وصفت بما وصفت {عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي: عاقبة أمر المؤمنين الذين اتقوا عن محارم الله {وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على ارتكاب الم عاصي والشهوات البهيمية {ٱلنَّارُ} [الرعد: 35] المعدة لهم بدل لذاتهم وشهواتهم السيئة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لرسوله -مثبتا له ومسليا- { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } فلست أول رسول كذب وأوذي { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } برسلهم أي: أمهلتهم مدة حتى ظنوا أنهم غير معذبين. { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } بأنواع العذاب { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } كان عقابا شديدا وعذابا أليما، فلا يغتر هؤلاء الذين كذبوك واستهزؤوا بك بإمهالنا، فلهم أسوة فيمن قبلهم من الأمم، فليحذروا أن يفعل بهم كما فعل بأولئك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):