١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية {أية : وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} تفسير : [يونس: 61]، وقال تعالى: {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} تفسير : [الأنعام: 59]، وقال: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6]، وقال: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10]، وقال: {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تفسير : [طه: 7]، وقال: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [الحديد: 40] أفمن هو كذلك، كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك نفعاً لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه، وهو قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} أي: عبدوها معه؛ من أصنام وأنداد وأوثان {قُلْ سَمُّوهُمْ} أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ} أي: لا وجود له؛ لأنه لو كان له وجود في الأرض، لعلمها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية {أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} قال مجاهد: بظن من القول. وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول، أي: إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [النجم: 23] {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} قال مجاهد: قولهم، أي: ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} تفسير : [فصلت: 25] الآية، {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} من قرأها بفتح الصاد، معناه أنه لما زين لهم ما فيه، وأنه حق دعوا إليه، وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل، ومن قرأها بالضم، أي: بما زين لهم من صحة ما هم عليه، صدوا به عن سبيل الله، ولهذا قال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} كما قال: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} تفسير : [المائدة: 41] وقال: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ} تفسير : [النحل: 37].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَمَنْ هُوَ قآئِمٌ } رقيب {عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } عملت من خير وشر وهو (الله) كمن ليس كذلك من الأصنام؟ لا. دلّ على هذا {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ } له مَنْ هم؟ {أَمْ } بل أ {تُنَبِّئُونَهُ} تخبرون الله { بِمَا } أي بشريك {لاَ يَعْلَمُـ}ـه {فِى ٱلأَرْضِ }؟ استفهام إنكار: أي لا شريك له، إذ لو كان لعَلمه، تعالى عن ذلك {أَمْ } بل تسمونهم شركاء {بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ } بظن باطل لا حقيقة له في الباطن؟ {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } كفرهم {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } طريق الهدى {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية راجعة بالمعنى إلى قوله: {أية : وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي لا إله إلا هو} تفسير : [الرعد: 30] والمعنى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أحق بالعبادة أم الجمادات التي لا تنفع ولا تضر؟ - هذا تأويل - ويظهر أن القول مرتبط بقوله: {وجعلوا لله شركاء} كأن المعنى: أفمن له القدرة والوحدانية ويجعل له شريك أهل أن ينتقم ويعاقب أم لا؟. و"الأنفس" من مخلوقاته وهو قائم على الكل أي محيط به لتقرب الموعظة من حس السامع. ثم خص من أحوال الأنفس حال كسبها ليتفكر الإنسان عند نظر الآية في أعماله وكسبه. وقوله: {قل سموهم} أي سموا من له صفات يستحق بها الألوهية ثم أضرب القول وقرر: هل تعلمون الله {بما لا يعلم} ؟. وقرأ الحسن: "هل تنْبئونه" بإسكان النون وتخفيف الباء و {أم} هي بمعنى: بل، وألف الاستفهام - هذا مذهب سيبويه - وهي كقولهم: إنها لإبل أم شاء. ثم قررهم بعد، هل يريدون تجويز ذلك بظاهر من الأمر، لأن ظاهر الأمر له إلباس ما وموضع من الاحتمال، وما لم يكن إلا بظاهر القول فقط فلا شبهة له. وقرأ الجمهور "زُين" على بناء الفعل للمفعول "مكرُهم" بالرفع، وقرأ مجاهد "زَين" على بنائه للفاعل "مكرَهم" بالنصب، أي زين الله، و {مكرهم}: لفظ يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل مناقضة الشرع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "وصُدوا" بضم الصاد، وهذا على تعدي الفعل وقرأ الباقون هنا، وفي "صم" المؤمن - بفتحها، وذلك يحتمل أن يكون "صَدوا" أنفسهم أو "صدوا" غيرهم، وقرأ يحيى بن وثاب: "وصِدوا" بكسر الصاد. وقوله: {لهم عذاب} الآية، آية وعيد أي لهم عذاب في دنياهم بالقتل والأسر والجدوب والبلايا في أجسامهم وغير ذلك مما يمتحنهم الله، ثم لهم في الآخرة عذاب {أشق} من هذا كله، وهو الاحتراق بالنار، و {أشق} أصعب من المشقة، و"الواقي": الساتر على جهة الحماية من الوقاية. وقوله تعالى: {مثل الجنة} الآية، قال قوم: {مثل} معناه، صفة، وهذا من قولك: مثلت الشيء، إذا وصفته لأحد وقربت عليه فهم أمره، وليس بضرب مثل لها، وهو كقوله: {أية : وله المثل الأعلى} تفسير : [الروم: 27] أي الوصف الأعلى. ويظهر أن المعنى الذي يتحصل في النفس مثالاً للجنة هو جري الأنهار وأن أكلها دائم. وراجعه عند سيبويه فقدر قبل، تقديره: فيما يتلى عليكم أو ينص عليكم مثل الجنة. وراجعه عند الفراء قوله: {تجري} أي صفة الجنة أنها {تجري من تحتها الأنهار} ونحو هذا موجود في كلام العرب، وتأول عليه قوم: أن {مثل} مقحم وأن التقدير: {الجنة التي وعد المتقون تجري}. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا قلق. وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود "أمثال الجنة". وقد تقدم غير مرة معنى قوله: {تجري من تحتها الأنهار} وقوله: {أكلها} معناه: ما يؤكل فيها. و"العقبى" والعاقبة والعاقب: حال تتلو أخرى قبلها. وباقي الآية بين. وقيل: التقدير في صدر الآية، مثل الجنة جنة تجري - قاله الزجاج - فتكون الآية على هذا ضرب مثل لجنة النعيم في الآخرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِظَاهِرِ} بباطل، أو ظن، أو كذب، أو بالقرآن قاله السدي.
النسفي
تفسير : {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو رقيب {عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ } صالحة أو طالحة {بِمَا كَسَبَتْ } يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك. ثم استأنف فقال {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } أي الأصنام {قُلْ سَمُّوهُمْ } أي سموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم ثم قال: {أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ } على «أم» المنقطعة أي بل أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السماوات والأرض فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء والمراد نفي أن يكون له شركاء {أَم بِظَـٰهِرٍ مّنَ ٱلْقَوْلِ } بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله {أية : ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ} تفسير : [التوبه: 30] {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَآ} تفسير : [يوسف: 40]{ بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} كيدهم للإسلام بشركهم {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } عن سبيل الله بضم الصاد كوفي وبفتحها غيرهم ومعناه وصدوا المسلمين عن سبيل الله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } من أحد يقدر على هدايته {لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } بالقتل والأسر وأنواع المحن {وَلَعَذَابُ ٱلأخِرَةِ أَشَقُّ } أشد لدوامه {وَمَا لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } من حافظ من عذابه. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } صفتها التي هي في غرابة المثل وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم مثل الجنة أو الخبر {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } كما تقول صفة زيد أسمر {أُكُلُهَا دَائِمٌ } ثمرها دائم الوجود لا ينقطع {وِظِلُّهَا } دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أي الجنة الموصوفة عقبى تقواهم يعني منتهى أمرهم {وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ }
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}: أي: أهو أحقُّ بالعبادة أم الجمادات. وقوله: {قُلْ سَمُّوهُمْ }: أي: سَمُّوا من له صفاتٌ يستحقُّ بها الألوهية، و{مَكْرُهُمْ }: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانَتْ بسبيل مناقَضَةِ الشرع، و{لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}: أي: بالقتل والأسْر والجُدُوبِ وغير ذلك، و{أَشُقَّ }: من المشقَّة، أي: أصعب، والواقي الساتِرُ علَى جهة الحمايَةِ من الوقاية. وقوله سبحانه: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا }: قد تقدم تفسير نظيره، وقوله: {أُكُلُهَا }: معناه: ما يؤكَلُ فيها.
ابو السعود
تفسير : {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} أي رقيبٌ مهيمنٌ {عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ} كائنة من كانت {بِمَا كَسَبَتْ} من خير أو شر لا يخفىٰ عليه شيء من ذلك بل يجازي كلاًّ بعمله وهو الله تعالى والخبرُ محذوفٌ أي كمن ليس كذلك إنكاراً لذلك، وإدخالُ الفاء لتوجيه الإنكارِ إلى توهم المماثلة غبَّ ما عُلم مما فعل تعالى بالمستهزئين من الإملاء المديدِ والأخذ الشديد ومن كون الأمرِ كله لله تعالى وكونِ هداية الناس جميعاً منوطةً بمشيئته تعالى ومن تواتر القوارعِ على الكفرة إلى أن يأتيَ وعدُ الله كأنه قيل: الأمرُ كذلك، فمن هذا شأنُه كما ليس في عداد الأشياء حتى تُشركوه به؟ فالإنكار متوجهٌ إلى ترتب المعطوفِ أعني توهّمَ المماثلة على المعطوف عليه المقدر أعني كونَ الأمر كما ذُكر كما في قولك: أتعلم الحقَّ فلا تعملُ به؟ لا إلى المعطوفين جميعاً كما إذا قلت ألا تعلمه فلا تعملُ به، وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء} جملةٌ مستقلة جيء بها للدلالة على الخبر أو حالية، أي أفمن هذه صفاتُه كما ليس كذلك وقد جعلوا له شركاءَ لا شريكاً واحداً، أو معطوفةٌ على الخبر إن قدّر ما يصلح لذلك أي أفمن هذا شأنُه لم يوحّدوه وجعلوا له شركاءَ؟ ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمر للتنصيص على وحدانيته ذاتاً واسماً وللتنبـيه على اختصاصه باستحقاق العبادةِ مع ما فيه من البـيان بعد الإبهام بإيراده موصولاً للدلالة على التفخيم، وقوله تعالى: {قُلْ سَمُّوهُمْ} تبكيتٌ لهم إثرَ تبكيتٍ أي سمُّوهم من هم وماذا أسماؤهم أو صِفوهم وانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشِرْكة {أَمْ تُنَبّئُونَهُ} أي بل أتنبئون الله {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ} أي بشركاءَ مستحقين للعبادة لا يعلمهم الله تعالى ولا يعزُب عنه مثقالُ ذرة في السموات والأرض وقرىء بالتخفيف {أَم بِظَـٰهِرٍ مّنَ ٱلْقَوْلِ} أي بل أتسمونهم بشركاء بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى وحقيقةٌ كتسمية الزنجيّ كافوراً كقوله تعالى: { أية : ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ} تفسير : [التوبة: 30] وهاتيك الأساليبُ البديعة التي ورد عليها الآيةُ الكريمةُ مناديةٌ على أنها خارجةٌ عن قدرة البشر من كلام خلاقِ القُوى والقدَر فتبارك الله رب العالمين. {بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} وضع الموصولُ موضع المضمر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالكفر {مَكْرِهِمْ} تمويهُهم الأباطيلَ أو كيدهم للإسلام بشركهم {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي سبـيلِ الحق، من صدّه صداً، وقرىء بكسر الصاد على نقل حركة الدالِ إليها وقرىء بفتحها أي صدوا الناس أو من صد صدوداً {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} أي يخلق فيه الظلالَ بسوء اختياره أو يخذلْه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يوفقه للهدىٰ.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}. قال الجنيد: بالله قامت الأشياء وبه فنيت وبتجلّيه حسنت المحاسن وباستتاره قبحت وسَمُجت. قال محمد بن الفضل: لا تغفل عمن لا يغفل عنك وراقبه وكن حذرًا. قال الله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الآية: 33]. قوله عز وجل: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} [الآية: 33]. قال بعضهم: زين الله تعالى طرق الهلاك فى عين من قدر عليه الهلاك، فيراه رشداً ليوصله إلى المقضى عليه من الهلاك. قال الله تعالى: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ}. قال أبو زيد: اجتنب مكر النفس وأثبته له، فإنه أنقى من كل ما فيه، هو الذى أهلك من هلك.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}. الجواب فيه مضمر؛ أي أفمن هو مُجْرِي ومنشئ الخَلْقِ والمُطَّلِعُ عليهم، لا يَخْفَى عليه منهم شيءٌ كَمَنْ ليس كذلك؟ لا يستويان غداً أبداً. قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ}. قُل لهم أروني أي تأثير منهم، وأي نفع لكم فيهم، وأي ضرر لكم منهم؟ أتقولون ما يعلم الله بخلافه؟ وهذا معنى قوله: {بِمَا لاَ يَعْلَمُ}. قوله جلّ ذكره: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. أي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان، وزين للذين كفروا مكرهم، وصاروا مصدودين عن الحق، مسدودة عليهم الطُّرُقُ، فإنَّ مَنْ أَضَلَّه حُكْمُه - سبحانه - لا يهديه أحدٌ قطعاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} هو تعالى قائم على كل نفس بقدر قوتها حمل اثقال ربوبيته وانوار عظمته وتربية جوده وحفظه وعنايته فمن نفس قام عليه بفعله ومن نفس قام عليه بصفته من حيث كشف الصفة لها وكشف نور الفعل لها ومن نفس قام عليها بالذات من عمل كشف سبحات الذات لها فان كسبت النفس عبوديته فهى فى مشاهدة انوار فعله وان كسبت === فهى فى رؤية انوار صفاته وان كسبت معرفته وتوحيده فهى فى رؤية سحاب انوار ذاته فان قصرت النفس الاول فى عبوديته بالتفاتها الى حظها اخذها الحق بعقوبة المجاهدة وان قصّرت النفس الثانى فى محبته بانها استلذت محبته ووقفت باللذة عنه اخذها الحق باخذ اللذة عنها وبقائها فى القترة والحجاب عنه وان قصرت النفس الثالثة بان ظنت انها وصلت الى عين الحقيقة اخذها الحق بان اوقعها فى بحر النكرة لكن الاخذ ههنا لزيادة معرفتها لانه سبحانه مشفق على النفس العارفة وهو تعالى اخذ هذه النفوس قائم بنعت حفظ انفاسها فى طلبها الحق قال الجنيد بالله قامت الاشياء وبه فنيت وبتجليه حسنت المحاسن وباستتارته قبحت وسمحت قال محمد بن الفضل لا تغفل عمن لا يغفل عنك وراقبه وكن حذرا قال الله افمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ثم بين سبحانه ان من لم يعرف المحيط بكل شئ القائم على كل نفس ممن دونه من الحدثان ان ذلك من قهره عليه وتزيين كفره فى عينه بقوله {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} زين الله مكرهم بمكره يهم فى الازل فى عيونهم حتى راوه مستحسنا وهو عن اقبح القبائح لانه موضع هلاكهم وصدهم عن معرفته وحسن مشاهدته وكيف يخلصون بمكرهم عن مكره ويعرف مساوى مكرهم بعد ان زين الله مكرهم لهم قال تعالى ومن يضلل الله فما له من هاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفمن} [ايا كسى كه] فمن موصولة مرفوعة المحل على الابتداء والخبر محذوف والاستفهام بمعنى النفى اى أفالله الذى {هو قائم} رقيب {على كل نفس} صالحة او طالحة {بما كسبت} من خير وشر يحفظه عليها فيجازيها به يعنى ان اراد المجازاة ولم يغفر كمن ليس بهذه الصفة من الاصنام التى لا تضر ولا تنفع وهذا كقوله {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : اى لا يكون من هو قائم على كل نفس يعلم خيرها وشرها ويجازيها على حسب ذلك كمن ليس بقائم على شئ متناه فى العجز والضعف والجهل ومعنى القيام التولى لامور خلقه والتدبير للارزاق والآجال واحصاء الاعمال للجزاء. يقال قام فلان اذا كفاه وتولاه {وجعلوا لله شركاء} اى الاصنام وهو استئناف يعنى ان الكفار سووا بين الله وبين الاصنام واتخذوها شركاء له فى العبادة وانما تكون سواء وشركاء فيها لو كانت سواء وشركاء فى القيام على كل نفس فما اعجب كفرهم واشراكهم وتسويتهم مع علمهم التفات بينهما اى تعجبوا من ذلك {قل سموهم} بينوا شركاءكم باسمائهم وصفوهم بصفاتهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة يشير الى ان الاسماء مأخذها من الصفات فان لم تروا منهم شيئا من صفات الله فكيف تسمونهم كما قال الكاشفى [مراد آنست كه حق را حى وقادر وخالق ورزاق وسميع وبصير وعليم وحكيم ميكويند واطلاق هيج بك ازين اسما براصنام نمى تواندكرد] قال فى بحر العلوم قوله {قل سموهم} من فن الكناية وذلك لان معنى سموهم عينوا اساميهم ولما كان تعيين الشئ بالاسم من لوازم وجوده جعل عدم التعيين كناية عن عدم وجود الشئ يعنى ليس عندنا اسام يستحقون لها العبادة وان كانت عندكم فسموهم بها وانظروا هل يستحقون بها ولما لم تكن لهم عندهم ايضا اسام تقتضى استحقاق العبادة لم يستحقوها ولم يتحقق لهم العبادة والشركة {ام تنبئونه} ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة الانكارية اى بل أتخبرون الله تعالى {بما لم يعلم فى الارض} اى بما لا وجود له ولا علم الله متعلق بوجوده وهو الشركاء المستحقون للعبادة وهو نفى للملزوم ينفى اللازم بطريق الكناية اى لا شريك له ولا علم اذ لو كان الشريك موجودا لكان معلوما لله تعالى لان علم الله لازم لوجود الشئ والا يلزم جهله تعالى الله عن ذلك فاذا لم يكن وجوده معلوما له وجب ان لا يكون موجودا لاستلزام انتفاء اللازم انتفاء ملزومه. قال فى بحر العلوم {ام تنبئونه} اضراب عن ذكر تسميتهم وتعيين اساميهم الى ذكر تنبئتهم ومعنى الهمزة فى ام الانكار بمعنى ما كان ينبغى اولا ينبغى ان يكون ذلك. وفى التبيان تأويل الآية فان سموهم بصفات الله فقل أتنبئونه بما لا يعلم فى الارض {ام بظاهر من القول} بل تسمونهم شركاء بكلام لا حقيقة له كتسمية الزنجى كافورا. وفى بحر العلوم هو اضراب عن ذكر تنبئتهم واخبارهم الى ذكر تسميتهم الاصنام بشركاء بظاهر من القول من غير حقيقته واعتبار معنى ومعنى الهمزة فى ام الانكار والتعجب كأنه قال دع ذلك المذكور واسمع قولهم المستنكر المقضى منه العجب وذلك ان قولهم بالشركاء قولا لا يعضده برهان فما هو الا لفظ يتفوهون به فارغ عن معنى تحته كالالفاظ المهملة التى هى اجراس لا تدل على معان ولا يتكلم بها عاقل تنفرا منها واستقباحا {بل زين للذين كفروا مكرهم} انفسهم بتخيلهم اباطيل ثم ظنهم اياها حقا وهو اتخاذهم لله شركاء خذلانا من الله. والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة والمزين اما الشيطان بوسوسته كقوله تعالى {أية : وزين لهم الشيطان اعمالهم} تفسير : اوالله تعالى كقوله {أية : زينا اعمالهم} تفسير : وفى الحديث "حديث : بعثت داعيا ومبلغا وليس لى من الهدى شئ وخلق ابليس مزينا وليس اليه من الضلالة شئ" شعر : حق فاعل وهرجه جزحق آلات بود تأثير زآلت ازمحالات بود تفسير : {وصدوا} من الصد وهو المنع {عن السبيل} سبيل الحق {ومن] [هركه] {يضلل الله} يخذله عن سبيله. قال سعدى المفتى ولا منع عند اهل السنة ان يفسر الاضلال بخلق الضلال وكذا الهداية يجوز ان تفسر بخلق الاهتداء {فما له من هاد} فما له من احد يقدر على هدايته ويوفقه لها
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (أفمن) مع صلته: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: أفمن هو رقيب على كل شيء أحق أن يعبد أم غيره. أو كمن ليس كذلك؟!. يقول الحق جل جلاله: {أفَمَنْ هو قائمٌ على كل نَفْس}؛ أي: حفيظ رقيب على عمل كل نفس {بما كسبتْ} من خير أو شر، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم أحق أن يُعبد أم غيره؟ أو كمن ليس كذلك ممن هو جماد لا يسمع، ولا يعقل!!. {وجعلوا لله شركاءَ} بعد هذا البيان التام، {قل} لهم: {سَمُّوهُم} أي: اذكروا أسماءهم، فلا تجدون إلا أسماء إناث؛ كاللات والعزى ومناة، أو أسماء أحجار وخشب؛ فبأي وجه تستحق أن تعبد، وتشرك مع الله في ألوهيته؟. {أم تُنبِئُونه بما لا يعلمُ في الأرضِ}؛ بل أتخبرونه بما لا يعلم وجوده في الأرض، وهذا تهكم بهم، كأنهم علموا استحقاق الأصنام العبادة، ولم يعلمها الحق تعالى، وهو محال. والمعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم؟ {أم} تسمونهم شركاء، {بظاهرٍ من القولِ}، من غير حقيقة واعتبار معنى، كتسمية الخبث مسكاً، والبول عطراً. {بل زُيِّن للذين كفروا مكرُهُم} أي: انخداعهم وغرورهم حتى توهموا الباطل حقاً، أو مكرهم بالإسلام وكيدهم لأهله، {وصدُّوا عن السبيل} أي: وصدوا الناس عن طريق الحق، حيث منعوهم من الإسلام، ومن قرأ بضم الصاد مبنياً للمفعول فمعناه: صدَّهُم الشيطانُ عن طريق الحق وضلوا عنه. {ومن يُضلل اللَّهُ فما له من هَادٍ} أي: من يخذله الله فليس له من يوقفه غيره. {لهم عذابٌ في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر، وسائر ما يصيبهم من المصائب، {ولعذابُ الآخرة أشقُ}؛ لشدته ودوامه، {وما لهم من الله} اي: من عذابه {من واقٍ} يقيهم ويعصمهم منه. الإشارة: كل من تحقق أن الله قائم عليه استحيا منه أن يُسيء الأدب بين يديه، يقول الله تعالى في بعض الأخبار: "حديث : إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟"تفسير : . وكل من وقف مع الأسباب واعتمد عليها، أو طمع في الخلق وركن إليهم، فقد جعل لله شركاء، فيقال له: سَمِّ هؤلاء تجدهم حقاً عاجزين، لا قدرة لهم على شيء، ولا ينفعوك بشيء إلا ما قَسَم الله لك في الأزل. بل زين لضعفاء اليقين مكرهم، حتى انخدعوا وافتتنوا برؤية الأسباب، أي: كفروا كفراً دون كفر؛ بأن شكّوا في الرزق والشكُّ في الرزق شكٌ في الرزَّاق، وصدوا عن طريق اليقين، الغنى برب العالمين، لهم عذاب في الحياة الدنيا بالذل والحرص والحرمان. قال بعض العارفين: لو قيل للطمع: من أبوك؟ لقال: الشك في المقدور، ولو قيل له: ما حرفتك؟ لقال: الذل والهوان، ولو قيل له: ما غايتك؟ لقال: الحرمان. وفي الحِكَم: "ما بَسَقَتْ أغصانُ ذُلٍّ إلا عَلَى بَذْرِ طَمعٍ". وقال الشاعر: شعر : العَبدُ حُرٌّ مَا قَنَع والحرُّ عَبدٌ ما طَمعْ تفسير : ولعذاب الآخرة أشق؛ حيث يسقط بضعف يقينه عن درجة المقربين على سبيل الدوام، وما لهم من الله من واق يقيهم من غم الحجاب، وعدم اللحوق بالأحباب الذين ترقوا إلى القرب من الحبيب. والله تعالى أعلم. ثمَّ وصف الجنة تشويقاً وترغيباً في سلوك طريقها وهو الإيمان
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة {وصدوا} بضم الصاد. الباقون بفتحها، قال ابو علي: قال ابو عمرو، عن ابي الحسن: صد وصددته مثل رجع ورجعته، قال الشاعر: شعر : صدت كما صد عما لا يحل له ساقي نصارى قبيل الفصح صوام تفسير : فهذا صدت في نفسها، وقال الآخر: شعر : صددت الكأس عنا ام عمرو تفسير : واما قوله{أية : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام} تفسير : فالمعنى يصدون المسلمين عن المسجد الحرام، فكان المفعول محذوفاً. وقوله {أية : رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً} تفسير : يكون على يصدون عنك اي لا يبايعونك، كما يبايعك المسلمون، ويجوز ان يكونوا يصدون غيرهم عن الايمان، كما صدوا هم عنه، ويثبطون عنه. وحجة من اسند الفعل الى الفاعل، قوله {أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله}تفسير : وقوله {أية : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام}تفسير : فكما اسند الفعل الى الفاعل في جميع هذه الآي كذلك اسند في قوله {وصدوا عن السبيل} وقيل: إِن قوماً جلسوا على الطريق، فصدوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ففيهم نزلت الآية. ومن بنى الفعل للمفعول به جعل فاعل الصدِّ غواتهم والعتاة منهم في كفرهم، وقد يكون على نحو ما يقال: صد فلان عن الخير وصد عنه، يعنى انه لم يفعل خيراً، ولا يراد: ان مانعاً منعه. فأما قوله {أية : وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل}تفسير : فالفتح الوجه، لأنه لم يصده عن الإيمان احد، ولم يمنعه منه، والذي زين ذلك له الشيطان، كما قال {أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} تفسير : معنى قوله {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} من هو قائم بتدبيرها وجزائها على ما كسبت من خير او شر، كمن ليس بهذه الصفة، وحذف الخبر لدلالة الكلام عليه. وقوله {وجعلوا لله شركاء} في العبادة، فعبدوا الاصنام، والاوثان. وقوله {قل سموهم} اي سموهم بما يستحقون من الاسماء التي هي صفات. ثم انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا ام لا؟ وقوله {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} معناه إلا ان يصفوهم بما لا يصح ان يعلم صحته، فيخرجوا بذلك الى التجاهل او يقتصروا على ظاهر القول من غير رجوع الى حقيقة، وهو قول مجاهد وقتادة. وقال ابو علي: معنى {بظاهر من القول} الذي انزله الله على انبيائه. وقوله {بل زين للذين كفروا مكرهم} اي زين ذلك لهم انفسهم وغواتهم من شياطين الانس والجن، ولا يجوز ان يكون المراد زين بالشهوة، لأن المكر ليس مما يشتهى {وصدوا عن السبيل} اي منعوا عن طريق الحق بالاغواء والمنع. ويجوز ان يكون المراد واعرضوا عن طريق الجنة. وقوله {ومن يضلل الله فما له من هاد} قيل في معناه قولان: احدهما - من حكم الله عليه بأنه ضال على وجه الذم، فإنه لا ينفعه هداية احد. والآخر - ان من يضله الله عن طريق الجنة الى النار، فلا هادٍ يهديه اليها، ولا يجوز ان يكون المراد من يضله عن الايمان، لان ذلك سفه لا يفعله الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ} مراقباً لها حافظاً عليها اعمالها {بِمَا كَسَبَتْ} كمن ليس كذلك {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} هل كان لهم اسم فى المسميّات او اخترعتموهم من عند انفسكم واختلقتم لهم اسماء، او المعنى صفوهم حتّى يعلم هل كان لهم ما يستحقّون به العبادة {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} يعنى بل اتخبرونه بشركاء لا يعلمهم فى الارض؟! وهو العالم بكلّ شيءٍ، او اتخبرونه باستحقاق شراكة الشّركاء الّذى لا يعلمه فى الارض؟ وهو غاية تسفيهٍ لهم {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} يعنى اتخبرونه بأمر خفىٍّ لا يعلمه او بأمرٍ جلىٍّ يعلمه كلّ احد؟ والتّقييد بالقول لانّ الاخبار والانباء يتعلّق بالقضايا والنّسب وهى اقوال نفسانيّة، وقيل: المعنى ام تسمّونهم شركاء بظاهرٍ من القول من دون اعتبار حقيقة له كما تسمّون الزّنجىّ كافوراً لكن ليس لما جعلتموه شركاء شيءٌ من المذكورات {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} مكر رؤسائهم الّذين وضعوا لهم عبادة الشّركاء واظهروا لهم بتمويهاتهم انّ الشّركاء يقدرون على ضرٍّ او نفعٍ كما كانوا يخوّفون الانبياء (ع) بالشّركاء والاصنام {وَصُدُّواْ} بتمويه الرّؤساء {عَنِ ٱلسَّبِيلِ} سبيل الحقّ وهو سبيل القلب الّتى بها ظهور الولاية التّكوينيّة وحصول الولاية التّكليفيّة {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} لانّ كلّ هادٍ لا يكون هدايته الاّ هداية الله فلا تعارض اضلال الله.
اطفيش
تفسير : {أفمَنْ هو قائمٌ} رقيب {عَلى كلِّ نفسٍ بما كَسَبت} عملت من خير أو شر فيجازيهم، والخبر محذوف، أى كمن ليس كذلك، بل عجز عن مصالحه فضلا عن غيره وهو الصنم، كما لوح إليه بذكر الشركاء بعد، أو أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحق بالعبادة أم الجمادات، أو يقدر الخبر هكذا لم يوحدوه وعليه يكون قوله: {وَجَعَلوا لله شُركاءَ} معطوفا عليه، ومقتضى الظاهر أن يقال: لم يوحدوه جعلوا له شركاء، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر، لدلالة الظاهر وهو لفظ الجلالة، على أن الله جل جلاله هو المستحق للعبادة مختص بهذا الاسم، وإذا قدرنا الخبر كمن ليس كذلك، أوقدرناه أحق، فجملة جعلوا الخ مستأنفة، ويجوز عطفها على كسبت بأن نجعل ما مصدرية أى بكسبها، وجعلهم له شركاء فيقدر الخبر بعد شركاء، ومن فى ذلك كله موصولة. ويجوز أن يكون الأصل اجهلوا حق الله ووحدته، وجعلوا له شركاء، وجملة من هو الخ معترضة، فتكون من استفهامية وهو قائم خبرها، كأنه قيل: من هو قائم على كل نفس بما كسبت أهو أم شركاؤهم. {قلْ سمُّوهم} أى ذكروا هؤلاء الشركاء من هم أى ليسوا بشئ كما ترى إنسانا يتعد بزيد فتقول له: من زيد، تريد ليس شيئا يتعد به، وأنه خامل، أو المعنى اذكروهم بأسمائهم ننظر هل هم ممن يستحق العبادة كما يقول لك إنسان: عندى من الجند كذا، فتقول: أنت منهم؟ تريد أن يذكرهم لك لتنظر هل يقومون بالقتال والذب، أو المعنى صفوهم لننظر هل فى صفتهم ما يتأهلون به للعبادة. {أم} بمعنى بل وهمزة الإنكار {تُنبئونَهُ} تخبرونه، وقرئ بإسكان النون وتخفيف الموحد بعدها {بما لا يَعْلم فى الأرْضِ} من شركاء يستحقون العبادة، أو من صفات يستحقون العبادة بها، والمراد نفى ذلك، لأنه لو كان ذلك موجودا لكان معلوما لله، لأنه لا يخفى عنه شئ فى سماء أو أرض، وأراد بنفى العلم نفى المعلوم، وهو نفى الشىء بنفى لازمة. {أمْ بظاهر} أى وأم تسمونهم شركاء بظاهر {مِنَ القَول} من غير حقيقة موجودة، واعتبار معنى صحيح كتسمية الميت حيا، والزنجى، كافورا، والجاهل عالما، وذلك كيف تقولون الشئ بلا تفكر فى معناه وأنتم أولوا الألباب، احتجاج بليغ ينادى بلسانه أن لا مقاوم له، ويجوز أن يكون التقدير أم تنبئونه بظاهر من القول وهو المتبادر. {بلْ زُيِّن للذينَ كفَرُوا مَكْرهم} أباطيلهم أنه زينها لهم الشيطان وزخرفها فظنوها حقا، أو زين لهم كيدهم للإسلام بالشرك، أو مكرهم هو نفس الكفر كما قال ابن عباس، لأن تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر، واحتيالهم فيما يضره كفر، والمزين الشيطان كما رأيت لعنه الله، بمعنى أنه وسوس لهم أو الله جل جلاله بمعنى أنه خذلهم، ولا يقدرة لغيره تعالى على الإضلال والهداية لقوله: {ومن يضلل الله فماله من هاد} ونحوه. {وصُدُّوا} أعرضوا بانفسهم، أو صرفوا غيرهم {عَن السَّبيلِ} سبيل الحق وهو دين الإسلام، وقرأ الكوفيون بضم الصاد، أى صدهم من كان قبلهم بتشريع الباطل، أو الشيطان بالوسوسة، أو الله تعالى بالخذلان، وقرئ بكسر الصاد على البناء للمفعول كالكوفيين، لكن نقلت حركة الدال المدغمة للصاد، وقرأ ابن أبى إسحاق وصد بفتح الصاد وتنوين الدال، على أنه اسم معطوف على مكر، أى زين لهم المكر والصد لغيرهم، أو صدهم بأنفسهم. {ومَنْ يُضللِ} يخذل عن السبيل {اللّهُ} باختياره عدم الاهتداء لا بالجبر من الله {فمالهُ مِنْ هادٍ} موفق للسبيل.
اطفيش
تفسير : {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} رقيب أَى يساوى العاجز القادر فمن هو قائِم {عَلَى كُلِ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} من خير أَو شر لا يخفى عنه شىءٌ، ولا يفوته جزاءُها، ومن ذلك عقاب المستهزئِين، ولا تعرض فى الآية للرزق والحفظ، إِلا أَن جعلنا الباءَ بمعنى مع فيكون المعنى أَفمن هو قائِم على كل نفس بإِيجادها وإِبقائِها وحفظها ورزقها وأَحوالها مع ما كسبت بثواب أَو ثواب أَو عقاب عليه، والخبر محذوف تقديره كما ليس كذلك بل هو عاجز عن نفسه، فكيف عن غيره وهو الأصنام. أَو تقديره أًفمن هو قائِم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه، وعليه فالعطف فى قوله {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} على قوله: لم يوحدوه المخبر به فيكون لفظ الجلالة إِظهاراً بعد الإِضمار بهاءِ لم يوحدوه، ولا بأْس به، ولا سيما مع الحذف كما هنا، ولا سيما أَن الظاهر مستكمل لجميع الصفات الحسنى، وأَن فيه تربية المهابة وإِدخال الروع فى قلوب المشركين، وكذا فى غير هذا الوجه وهو أَن يقدر الخبر كمن ليس كذلك، والعطف فى غيره عطف قصة على أُخرى، أَو على ما كسبت، إِن جعلت ما مصدرية، ولا يمنع من هذا العطف أَن النفس عام وجعلوا إِلخ خاص بالمشركين، وأَجاز بعضهم العطف على استهزىءَ برسل إِلخ، والمراد: جعلوا لله شركاءَ فى الأُلوهية والعبادة {قُلْ} يا محمد لهم تنبيها على أَن شركاءَهم لا يستحقون الأُولوهية والعبادة {سَمُّوهُمْ} عبر عنها بضمير العقلاءِ؛ لأَنها عندهم كالعقلاءِ، والمعنى اذكروهم بأَسمائِهم الدالة على الوصف بصفة الخالق فيفتضحوا عند ذلك، إِذ لا يقدرون أَن يسموها الله، ولا أَن يقولوا خالقة رازقة، أَو قديمة أَو قائمة أَبدا لظهور أَنها ليست كذلك، أَو اذكروا أَسماءَهم فيظهر أَنها لا تستحق الأُلوهة أَو لا يستحقون اسما لحقارتهم، وإِن شئتم فسموهم، أَو المراد الأَمر تسميتهم آلهة تهديدا {أَم تُنَبِّئُونَهُ} بل أَتخبرونه أَو أَتخبرونه {بِما لاَ يَعْلَمُ فِى الأَرْضِ} من الشركاءِ المستحقين للعبادة، أَو من صفاتهم الموجبة لها. ذكر الأَرض دون السماءِ لأَنهم وأَصنامهم فيها، أَو يقدر وفى السماءِ، أَو لأَنهم يزعمون أَنه حل فى السماءِ فلا يغيب عنه ما فيها، بل يغيب ما فى الأرض حاشاه لا يخفى عنه شىءٌ فإِذا لم يعلم شريكا له فى عبادة أَو صفة فلا شريك، إِذ لو كان لعلمه {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} بل تخبرونه بظاهر من القول من تسمية إِله ومعبود ورب لأَصنامهم بدون تحقق معنى ذلك لها كتسمية الزنجى كافورا، أَو أَبيض يقق، إِن هى إِلا أَسماءٌ سميتموها، وينبغى أَن يقدر أَم الأَول بالهمزة وحدها والثانى بها مع بل، والاستفهام إِنكار، والإِضراب فى ذلك كله انتقال عن كلام إِلى آخر {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} إِضراب عن محاجتهم، كأَنه قيل: اترك محاجتهم، فإِنها لا تؤثر فيهم، وقد زين الله فى قلوبهم المكر أَى الكفر {وَصُدُّوا} أَعرضوا أَو منعوا الناس {عِنَ السَّبِيلِ} سبيل الله عز وجل، وأَل للعهد الذهنى والحضورى {وَمَنْ يَضْلِلِ اللهُ} عن السبيل {فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ} إليه.
الالوسي
تفسير : . {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } أي رقيب ومهيمن {عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ } كائنة ما كانت {بِمَا كَسَبَتْ } فعلت من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا يفوته ما يستحقه كل من الجزاء وهو الله تعالى شأنه، وما حكاه القرطبـي عن الضحاك من أن المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم فمما لا يكاد يعرج عليه هنا، و {مِنْ } مبتدأ والخبر محذوف أي كمن ليس كذلك، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الزمر: 22] وحسن حذفه المقابلة، وقد جاء مثبتاً كثيراً كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } تفسير : [النحل: 17] وقوله سبحانه: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} تفسير : [الرعد: 19] إلى غير ذلك، والهمزة للاستفهام الإنكاري، وإدخال الفاء قيل: لتوجيه الإنكار إلى توهم المماثلة غب ما علم مما فعل سبحانه بالمستهزئين من الإملاء والأخذ ومن/ كون الأمر كله له سبحانه وكون هداية الناس جميعاً منوطة بمشيئته جل وعلا ومن تواتر القوارع على الكفرة حتى يأتي وعده تعالى كأنه قيل: أالأمر كذلك فمن هذا شأنه كما ليس في عداد الأشياء حتى يشركوه به فالإنكار متوجه إلى ترتب المعطوف أعني توهم المماثلة على المعطوف عليه القدر أعني كون الأمر كما ذكر لا إلى المعطوفين جميعاً وفي «الكشف» أنه ضمن هذا التعقيب الترقي في الإنكار يعني لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها إنما العجب كل العجب جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها وأمثالها بقوارع تترى واحدة غب أخرى يشاهدونها رأي عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها كمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عمن اتخذه رباً يرجو منه دفعاً أو جلباً. وزعم بعضهم أن الفاء للتعقيب الذكري أي بعد ما ذكر أقول هذا الأمر وليس بذاك. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } جملة مستأنفة وفيها دلالة على الخبر المحذوف، وجوز أن تكون معطوفة على {كَسَبَتْ } على تقدير أن تكون {مَا } مصدرية لا موصولة والعائد محذوف، ولا يلزم اجتماع الأمرين حتى يخص كل نفس بالمشركين، وأبعد من قال: إنها عطف على {أية : ٱسْتُهْزِئَ} تفسير : [الرعد:32] وجوز أن تكون حالية على معنى أفمن هذه صفاته كمن ليس كذلك؟ وقد جعلوا له شركاء لا شريكاً واحداً، وقال صاحب "حل العقد": المعنى على الحالية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء، وهذا نظير قولك: أجواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي. ومنهم من أجاز العطف على جملة {ِ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } كمن ليس كذلك لأن الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي فهي خبرية معنى، وقدر آخرون الخبر ـ لم يوحدوه ـ وجعل العطف عليه أي أفمن هذا شأنه لم يوحدوه وجعلوا له شركاء وظاهر كلامهم اختصاص العطف على الخبر بهذا التقدير دون تقدير كمن ليس كذلك، قال البدر الدماميني: ولم يظهر وجه الاختصاص، ووجه ذلك الفاضل الشمني بأن حصول المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه التي هي شرط قبول العطف بالواو إنما هو على التقدير الأخير دون التقدير الأول. ويدل على الاشتراط قول أهل المعاني: زيد يكتب ويشعر مقبول دون يعطي ويشعر. وتعقبه الشهاب بأنه من قلة التدبر فإن مرادهم أنه على التقدير الأول يكون الاستفهام إنكارياً بمعنى لم يكن نفياً للتشابه على طريق الإنكار فلو عطف جعلهم شركاء عليه يقتضي أنه لم يكن وليس بصحيح، وعلى التقدير الأخير الاستفهام توبيخي والإنكار فيه بمعنى لم كان وعدم التوحيد وجعل الشركاء واقع موبخ عليه منكر فيظهر العطف على الخبر، وأما ما ذكر من حديث التناسب فغفلة لأن المناسبة بين تشبيه الله سبحانه بغيره والشرك تامة؛ وعلى الوجه الأخير عدم التوحيد عين الإشراك فليس محلاً للعطف عند أهل المعاني على ما ذكره فهو محتاج إلى توجيه آخر. واختار بعض المحققين التقدير الأول، وفي ذلك الحذف تعظيم للقالة وتحقير لمن زن بتلك الحالة، وفي العدول عن صريح الاسم في {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } تفخيم فخيم بواسطة الإبهام المضمر في إيراده موصولاً مع تحقيق أن القيام كائن وهم محققون، وفي وضع الاسم الجليل موضع الراجع إلى {مِنْ } تنصيص على وحدانيته تعالى ذاتاً واسماً وتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما فيه من البيان بعد الإبهام، ولعل توجيه الوضع المذكور مما لا يختص به تقدير دون تقدير وخصه بعضهم فيما يحتاج عليه إلى ضمير. {قُلْ سَمُّوهُمْ } تبكيت/ إثر تبكيت أي سموهم من هم وماذا أسماؤهم؟ وفي "البحر" أن المعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى إنما يذكر ويسمى من ينفع ويضر، وهذا مثل أن يذكر لك أن شخصاً يوقر ويعظم وهو عندك لا يستحق ذلك فتقول لذاكره: سمه حتى أبين لك زيفه وإنه بمعزل عن استحقاق ذلك، وقريب منه ما قيل: إن ذلك إنما يقال في الشيء المستحقر الذي يبلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فيقال سمه على معنى أنه أخس من أن يذكر ويسمى ولكن إن شئت أن تضع له اسماً فافعل فكأنه قيل: سموهم بالآلهة على التهديد، والمعنى سواء سميتموهم بذلك أم لم تسموهم به فإنهم في الحقارة بحيث لا يستحقون أن يلتفت إليهم عاقل، وقيل: إن التهديد هنا نظير التهديد لمن نهي عن شرب الخمر ثم قيل له: سم الخمر بعد هذا وهو خلاف الظاهر، وقيل: المعنى اذكروا صفتهم وانظروا هل فيها ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة. {أَمْ تُنَبّئُونَهُ} أي بل أتخبرون الله تعالى {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلأَرْضِ} أي بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم سبحانه وتعالى، والمراد نفيها بنفي لازمها على طريق الكناية لأنه سبحانه إذا كان لا يعلمها وهو الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فهي لا حقيقة لها أصلاً، وتخصيص الأرض بالذكر لأن المشركين إنما زعموا أنه سبحانه له شركاء فيها، والضمير المستقر في {يَعْلَمْ } على هذا التفسير لله تعالى والعائد على {مَا } محذوف كما أشرنا إلى ذلك. وجوز أن يكون العائد ضمير {يَعْلَمْ } والمعنى اتنبؤن الله تعالى بشركة الأصنام التي لا تتصف بعلم البتة، وذكر نفي العلم في الأرض لأن الأرض مقر الأصنام فإذا انتفى علمها في المقر التي هي فيه فانتفاؤه في السمٰوات العلى أحرى، وقرأ الحسن {أتنبئونه} بالتخفيف من الإنباء {أَم بِظَـٰهِرٍ مّنَ ٱلْقَوْلِ } أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق في نفس الأمر كتسمية الزنجي كافوراً كقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [التوبة: 30] وروي عن الضحاك وقتادة أن الظاهر من القول الباطل منه، وأنشدوا من ذلك قوله:شعر : أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر تفسير : ويطلق الظاهر على الزائل كما في قوله:شعر : وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها تفسير : ومن أراد ذلك هنا فقد تكلف، وعن الجبائي أن المراد من ـ ظاهر من القول ـ ظاهر كتاب أنزله الله تعالى وسمي به الأصنام آلهة حقه، وحاصل الآية نفي الدليل العقلي والدليل السمعي على حقية عبادتها واتخاذها آلهة، وجوز أن تكون {أَمْ } متصلة والانقطاع هو الظاهر، ولا يخفى ما في الآية من الاحتجاج والأساليب العجيبة ما ينادي بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر كما نص على ذلك الزمخشري، وبين ذلك صاحب "الكشف" بأنه لما كان قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } كافياً في هدم قاعدة الإشراك للتفرع السابق والتحقق بالوصف اللاحق مع ما ضمن من زيادات النكت وكان إبطالاً من طرف الحق وذيل بإبطاله من طرف النقيض على معنى وليتهم إذ اشركوا بمن لا يجوز أن يشرك به اشركوا من يتوهم فيه ادنى توهم وروعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلاً عن المسمى على الكناية الإيمائية ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها بظهور فسادها وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم بنفي المعلوم ثم منه بعدم الاستئهال، والهمزة المضمنة فيها تدل على التوبيخ وتقرير/ أنهم يريدون أن ينبئوا عالم السر والخفيات بما لا يعلمه وهذا محال على محال، وفي جعله اتخاذهم شركاء ومجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتة سرية بل نكت سرية ثم أضرب عن ذلك. وقيل: قد بين الشمس لذي عينين وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل وما هو إلا مجرد صوت فارغ حق لمن تأمل فيه حق التأمل أن يعترف بأنه كلام مصون عن التعمل، صادر عن خالق القوى والقدر، تتضاءل عن بلوغ طرف من أسراره افهام البشر. وقد ذيل الزمخشري كلامه بقوله فتبارك الله أحسن الخالقين، وهي كما في "الانتصاف" كلمة حق أريد بها باطل يدندن بها من هو عن حلية الإنصاف عاطل هذا. {بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } اضراب عن الاحتجاج عليهم، ووضع الموصول موضع المضمر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالكفر كأنه قيل: دع هذا فإنه لا فائدة فيه لأنهم زين لهم {مَكْرُهُمْ} كيدهم للإسلام بشركهم أو تمويههم الأباطيل فتكلفوا إيقاعها في الخيال من غير حقيقة ثم بعد ذلك ظنوها شيئاً لتماديهم في الضلال، وعلى هذا المراد مكرهم بأنفسهم وعلى الأول مكرهم بغيرهم، وإضافة ـ مكر ـ إلى ضميرهم من إضافة المصدر إلى الفاعل، وجوز على الثاني أن يكون مضافاً إلى المفعول وفيه بعد. وقرأ مجاهد {بل زين} على البناء للفاعل و {مكرهم} بالنصب {وصدوا عن السبيل} أي سبيل الحق فتعريفه للعهد أو ما عداه كأنه غير سبيل، وفاعل الصد إما مكرهم ونحوه أو الله تعالى بختمه على قلوبهم أو الشيطان بإغوائه لهم، والاحتمالان الأخيران جاريان في فاعل التزيين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر {وصدوا} على البناء للفاعل وهو كالأول من صده صداً فالمفعول محذوف أي صدوا الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون من صد صدواً فلا مفعول. وقرأ ابن وثاب {وصدوا} بكسر الصاد، وقال بعضهم: إنه قرأ كذلك في المؤمن والكسر هنا لابن يعمر، والفعل على ذلك مجهول نقلت فيه حركة العين إلى الفاء إجراء له مجرى الأجوف. وقرأ ابن أبـي اسحق {وصد} بالتنوين عطفاً على مكرهم {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } أي يخلق فيه الضلال لسوء استعداده {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يوفقه للهدى ويوصله إلى ما فيه نجاته.
ابن عاشور
تفسير : الفاء الواقعة بعد همزة الاستفهام مؤخرة من تقديم لأن همزة الاستفهام لها الصدارة. فتقدير أصل النظم: فأمن هو قائم. فالفاء لتفريع الاستفهام وليس الاستفهام استفهاماً على التفريع، وذلك هو الوجه في وقوع حروف العطف الثلاثة الواو والفاء وثم بعد الاستفهام وهو رأي المحقيقين، خلافاً لمن يجعلون الاستفهام وارداً على حرف العطف وما عَطفه. فالفاء تفريع على جملة { أية : قل هو ربي لا إلٰه إلا هو عليه توكلت } تفسير : [الرعد: 30] المجابِ به حكاية كفرهم المضمن في جملة { أية : وهم يكفرون بالرحمٰن } تفسير : [الرعد: 30]، فالتفريع في المعنى على مجموع الأمرين: كفرهم بالله، وإيمان النبي بالله. ويجوز أن تكون تفريعاً على جملة { أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال } تفسير : [الرعد: 31]، فيكون ترقياً في إنكار سؤالهم إتيان معجزة غير القرآن، أي إن تعجب من إنكارهم آيات القرآن فإن أعجب منه جعلهم القائم على كل نفس بما كسبت مماثلاً لمن جعلوهم لله شركاء. واعتُرض أثرَ ذلك بردّ سُؤالهم أن تُسيّر الجبال أو تُقَطّع الأرض أو تُكلّم الموتى، وتذكيرهم بما حل بالمكذبين من قبلهم مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم فرع على ذلك الاستفهام الإنكاري. وللمفسرين في تصوير نظم الآية محامل مختلفة وكثير منها متقاربة، ومرجع المتجه منها إلى أن في النظم حذفاً يدل عليه ما هو مذكور فيه، أو يدل عليه السياق. والوجه في بيان النظم أن التفريع على مجموع قوله: {وهم يكفرون بالرحمٰن قل هو ربي لا إلٰه إلا هو} أي أن كفرهم بالرحمان وإيمانك بأنه ربّك المقصورة عليه الربوبية يُتفرع على مجموع ذلك استفهامُهم استفهامَ إنكار عليهم تسويتهم من هو قائم على كلّ نفس بمن ليس مثله من جعلوهم له شركاء، أي كيف يشركونهم وهم ليسوا سواء مع الله. وما صدق {من هو قائم على كلّ نفس} هو الله الإله الحق الخالق المدبّر. وخبر {من هو قائم} محذوف دلت عليه جملة {وجعلوا لله شركاء}. والتقدير: أمن هو قائم على كل نفس ومن جعلوهم به شركاء سواء في استحقاق العبادة. دل على تقديره ما تقتضيه الشركة في العبادة من التسوية في الإلهية واستحقاق العبادة. والاستفهام إنكار لتلك التسوية المفاد من لفظ {شركاء}. وبهذا المحذوف استغني عن تقدير معادل للهمزة كما نبّه عليه صاحب «مغني اللّبيب»، لأن هذا المقدّر المدلول عليه بدليل خاص أقوى فائدة من تقدير المعادل الّذي حاصله أن يقدر: أم من ليس كذلك. وسيأتي قريباً بيان موقع {وجعلوا لله شركاء}. والعدول عن اسم الجلالة إلى الموصول في قوله: {أفمن هو قائم} لأن في الصلة دليلاً على انتفاء المساواة، وتخطئة لأهل الشرك في تشريك آلهتهم لله تعالى في الإلهية، ونداء على غباوتهم إذ هم معترفون بأن الله هو الخالق. والمقدر باعتقادهم ذلك هو أصل إقامة الدليل عليهم بإقرارهم ولما في هذه الصلة من التعريض لما سيأتي قريباً. والقائم على الشيء: الرقيب، فيشمل الحفظ والإبقاء والإمداد، ولتضمنه معنى الرقيب عدي بحرف {على} المفيد للاستعلاء المجازي. وأصله من القيام وهو الملازمة كقوله: { أية : إلا ما دمت عليه قائماً } تفسير : [سورة آل عمران: 75]. ويجيء من معنى القائم أنه العليم بحال كل شيء لأن تمام القيومية يتوقف على إحاطة العلم. فمعنى {قائم على كل نفس} مُتولّيها ومدبّرها في جميع شؤونها في الخلق والأجل والرزق، والعالم بأحوالها وأعمالها، فكان إطلاق وصف {قائم} هنا من إطلاق المشترك على معنييه. والمشكرون لا ينازعون في انفراد الله بهذا القيام ولكنهم لا يراعون ذلك في عبادتهم غيره، فمن أجل ذلك لزمتهم الحجة ولمراعاة هذا المعنى تعلق قائم بقوله: {على كل نفس} ليعم القيام سائر شؤونها. والباء في قوله: {بما كسبت} للملابسة. وهي في موقع الحال من {نفس} أو من {قائم} باعتبار ما يقتضيه القيام من العلم، أي قياماً ملابساً لما عملته كل نفس، أي قياماً وفاقاً لأعمالها من عمل خير يقتضي القيامَ عليها باللطف والرضى فتظهر آثار ذلك في الدنيا والآخرة لقوله: { أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيّبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } تفسير : [سورة النحل: 97]، وقال: { أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } تفسير : [سورة النور: 55]؛ أو من عَمَل شر يقتضي قيامَه على النفس بالغضب والبلايا. ففي هذه الصلة بعمومها تبشير وتهديد لمن تأمل من الفريقين. فهذا تعريض بالأمرين للفريقين أفادته صلة الموصول. وجملة {وجعلوا لله شركاء} في موضع الحال، والواو للحال، أي والحال جعلوا له شركاء. وإظهار اسم الجلالة إظهار في مقام الإتيان بضمير {من هو قائم}. وفائدة هذا الإظهار التعبير عن المسمى باسمه العَلَم الذي هو الأصل إذ كان قد وقع الإيفاء بحق العدول عنه إلى الموصول في الجملة السابقة فتهيأ المقام للاسم العَلَم، وليكون تصريحاً بأنه المراد من الموصول السابق زيادة في التصريح بالحجة. وجملة {قل سموهم} استئناف أعيد معها الأمر بالقول لاسترعاء الأفهام لوَعي ما سيذكر. وهذه كلمة جامعة، أعني جملة {سموهم}، وقد تضمنت رداً عليهم. فالمعنى: سموهم شركاء فليس لهم حظ إلا التسمية، أي دون مسمى الشريك، فالأمر مستعمل في معنى الإباحة كناية عن قلة المبالاة بادعائهم أنهم شركاء مثل { أية : قل كونوا حجارة } تفسير : [سورة الإسراء: 50]، وكما تقول للذي يخطىء في كلامه: قُل ما شئتَ. والمعنى: إن هي إلا أسماء سميتموها لا مسمياتٍ لها بوصف الإلهيّة لأنها حجارة لا صفات لها من صفات التصرف. وهذا كقوله تعالى: { أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } تفسير : [سورة يوسف: 40] وقوله: { أية : إن هي إلا أسماء سميتموها } تفسير : [سورة النجم: 23]. وهذا إفحام لهم وتسفيه لأحلامهم بأنهم ألّهوا ما لا حقائق لها فلا شبهة لهم في ذلك، كقوله تعالى: { أية : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } تفسير : [سورة الرعد: 16]. وقد تمحل المفسرون في تأويل {قل سموهم} بما لا مُحَصّل له من المعنى. ثم أضرب عن ذلك بجملة {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} وهي {أم} المنقطعة. ودَلت {أم} على أن ما بعدها في معنى الاستفهام، وهو إنكاري توبيخي، أي ما كان لكم أن تفتروا على الله فتضعوا له شركاء لم ينبئكم لوجودهم، فقوله: {بما لا يعلم في الأرض} كناية عن غير الموجود لأن ما لا يعلمه الله لا وجود له إذ لو كان موجوداً لم يَخْفَ على علم العلام بكل شيء. وتقييد ذلك بــــ {الأرض} لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم. وفي سورة يونس (18) { أية : قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } تفسير : زيادة في التعميم. و{أم} الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في {أم تنبئونه}. وإعادة الباء للتأكيد بعد {أم} العاطفة. والتقدير: بل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول. وليس الظاهر هنا مشتقاً من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظُهور بمعنى الزوال كناية عن البطلان، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق، كقول أبي ذؤيب: شعر : وتلكِ شكاة ظاهر عنكِ عارُها تفسير : وقول سبرة بن عمرو الفقعسي: شعر : أعيّرْتَنا ألبانها ولحومها وذلك عارياً يا ابنَ رَيْطة ظاهر تفسير : وقوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم} إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال إلهية أصنامهم إلى كشف السبب، وهو أن أيمة المشركين زيّنوا للذين كفروا مكرهم بهم إذ وضعوا لهم عبادتَها. والمكر: إخفاء وسائل الضر. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } تفسير : في أوائل سورة آل عمران (54)، وعند قوله: { أية : أفأمنوا مكر الله } تفسير : في سورة الأعراف (99)، وعند قوله: { أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا } تفسير : في سورة الأنفال (30). والمراد هنا أن أيمة الكفر مثل عَمْرو بن لُحَيّ وضعوا للعرب عبادة الأصنام وحسّنوها إليهم مظهرين لهم أنها حق ونفع وما أرادوا بذلك إلا أن يكونوا قادة لهم ليسودُوهم ويُعبّدوهم. فلما كان الفعل المبني للمجهول يقتضي فاعلاً منويّاً كان قوله: {زين للذين كفروا} في قوة قولك: زيّن لهم مزين. والشيء المزيّن (بالفتح) هو الذي الكلام فيه وهو عبادة الأصنام فهي المفعول في المعنى لفعل التزيين المبني للمجهول، فتعين أن المرفوع بعد ذلك الفعل هو المفعول في المعنى، فلا جرم أن مكرهم هو المفعول في المعنى، فتعيّن أن المكر مراد به عبادة الأصنام. وبهذا يتجه أن يكون إضافة (مكر) إلى ضمير الكفار من إضافة المصدر إلى ما هو في قوة المفعول وهو المجرور بباء التعدية، أي المكر بهم ممن زينوا لهم. وقد تضمن هذا الاحتجاح أساليب وخصوصيات: أحدها: توبيخهم على قياسهم أصنامهم على الله في إثبات الإلهية لها قياساً فاسداً لانتفاء الجهة الجامعة فكيف يسوي من هو قائم على كل نفس بمن ليسوا في شيء من ذلك. ثانيها: تبهيلهم في جعلهم أسماءَ لا مسمياتٍ لها آلهةً. ثالثها: إبطال كون أصنامهم آلهة بأن الله لا يعلمها آلهة، وهو كناية عن انتفاء إلهيتها. رابعها: أن ادعاءهم آلِهة مجرد كلام لا انطباق له مع الواقع، وهو قوله: {أم بظاهر من القول}. خامسها: أن ذلك تمويه باطل روجه فيهم دعاة الكفر، وهو معنى تسميته مكراً في قوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم}. سادسها: أنهم يصدون الناس عن سبيل الهدى. وعُطف {وصدوا عن السبيل} على جملة {زين للذين كفروا مكرهم}. وقرأه الجمهور ــــ بفتح الصاد ــــ فهو باعتبار كون مضمون كلتا الجملتين من أحوال المشركين: فالأولى باعتبار كونهم مفعولين، والثانية باعتبار كونهم فاعلين للصدّ بعد أن انفعلوا بالكفر. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخلف {وصدوا} ــــ بضم الصاد ــــ فهو كجملة {زين للذين كفروا} في كون مضمون كلتيهما جعْل الذين كفروا مفعولاً للتزيين والصدّ. وجملة {ومن يضلل الله فما له من هاد} تذييل لما فيه من العموم. وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في إثبات ياء {هاد} في حالة الوصل عند قوله تعالى: { أية : ولكل قوم هاد } تفسير : في هذه السورة (7).
الواحدي
تفسير : {أفمن هو قائم على كلِّ نفس بما كسبت} أَيْ: بجرائه. يعني: متولٍّ لذلك، كما يقال: قام فلان بأمر كذا: إذا كفاه وتولاَّه، والقائم على كلِّ نفس هو الله تعالى والمعنى: أفمن هو بهذه الصِّفة كمَنْ ليس بهذه الصِّفة من الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفع؟ وجواب هذا الاستفهام في قوله: {وجعلوا لله شركاء قل سموهم} بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء لله تعالى، كما يضاف إلى الله أفعاله بأسمائه الحسنى، نحو: الخالق والرَّازق، فإن سمَّوهم قل أتنبئونه {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} أَيْ: أتخبرون الله بشريكٍ له في الأرض، وهو لا يعلمه، بمعنى: أنَّه ليس [له شريك] {أم بظاهرٍ من القول} يعني: أم تقولون مجازاً من القول وباطلاً لا حقيقة له، وهو كلامٌ في الظَّاهر، ولا حقيقة له في الباطن، ثمَّ قال: {بل} أَيْ: دع ذكر ما كنَّا فيه {زين للذين كفروا مكرهم} زيَّن الشَّيطان لهم الكفر {وصدوا عن السبيل} وصدَّهم الله سبحانه عن سبيل الهدى {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر {ولعذاب الآخرة أشقُّ} أشدُّ وأغلظ {وما لهم من الله} من عذاب الله {من واق} حاجزٍ ومانعٍ. {مثل الجنة} صفة الجنَّة {التي وعد المتقون} . وقوله: {أكلها دائم} يريد: إنَّ ثمارها لا تنقطع كثمار الدُّنيا {وظلها} لا يزول ولا تنسخه الشَّمس.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت: أي حافظها ورازقها وعالم بها وبما كسبت ويجازيها بعملها. قل سموهم: أي صِفُوهم له مَنْ هُم؟ أم تنبونه بما لا يعلم: أي أتخبرونه بما لا يعلمه؟ بظاهر من القول: أي بظن باطل لا حقيقة له في الواقع. أشق: أي أشد. واق: أي مانع يمنعهم من العذاب. مثل الجنة: أي صفتها التي نقصها عليك. أكلها دائم وظلها: أي ما يؤكل فيها دائم لا يفنى وظلها دائم لا ينسخ. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال التنديد بقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي حافظها ورازقها وعالم بها وبما كسبت من خير وشر ومجازيها كمن لا يحفظ ولا يرزق ولا يعلم ولا يجزي وهو الأصنام، إذاً فبطل تأليهها ولم يبق إلا الإِله الحق الله الذي لا إله إلا هو ولا رب سواه، وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ} أي يعبدونهم معه {قُلْ سَمُّوهُمْ} أي قل لهم يا رسولنا سموا لنا تلك الشركاء صفوهم بينوا من هم؟ {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} أي أتنبئون الله بما لا يعلم في الأرض؟ {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} أي بل بظاهر من القول أي بظن باطل لا حقيقة له في الواقع. وقوله تعالى: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} أي قولهم الكاذب وافتراؤهم الماكر فبذلك صدوا عن السبيل سبيل الحق وصرفوا عنه فلم يهتدوا إليه، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وقوله تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالقتل والأسر، {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ} أي أشد من عذاب الدنيا مهما كان {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي وليس لهم من دون الله من يقيهم فيصرفه عنهم ويدفعه حتى لا يذوقوه، وقوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} أي لما ذكر عذاب الآخرة لأهل الكفر والفجور ذكر نعيم الآخرة لأهل الإِيمان والتقوى، فقال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} أي صفة الجنة ووصفها بقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} دائم كذلك فطعامها لا ينفذ، وظلها لا يزول ولا ينسخ بشمس كظل الدنيا، وقوله: {تِلْكَ} أي الجنة {عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي ربهم فآمنوا به وعبدوه ووحدوه وأطاعوه في أمره ونهيه، {وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} والعقبى بمعنى العاقبة في الخير والشر. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد إذ الأصنام لا تحفظ ولا ترزق ولا تحاسب ولا تجزي، والله هو القائم على كل نفس فهو الإِله الحق وما عداه فآلهة باطلة لا حقيقة لها إلا مجرد أسماء. 2- استمرار الكفار على كفرهم هو نتيجة تزيين الشيطان لهم ذلك فصدهم عن السبيل. 3- ميزة القرآن الكريم في الجمع بين الوعد والوعيد إذ بهما تمكن هداية الناس.
د. أسعد حومد
تفسير : {قَآئِمٌ} {بِظَاهِرٍ} (33) - بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ اللهُ تَعَالَى فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ عَدَداً مِنَ الحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ، التِي أَقَامَ الأَدِلَّةَ عَلَيْهَا، وَضَرَبَ لَهَا الأَمْثَالَ، وَمِنْهَا: وَحْدَانِيَّةُ اللهِ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، وَتَفَرُّدُهُ تَعَالَى بِخَلْقِ كُلِّ شَيءٍ، وَسَيْطَرَتُهُ المُطْلَقَةُ عَلَى الكَوْنِ سَيْطَرَةً تَامَّةً، وَعِلْمُهُ التَّامُّ بِكُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ فِيهِ، وَعِلْمُهُ بِمَا تُسِرُّ المَخْلُوقَاتُ وَمَا تُعْلِنُ ... بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ كُلَّ ذَلِكَ سَأَلَ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى الكُفْرِ، وَعَلى إِشْرَاكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ فِي العِبَادَةِ، وَادِّعَائِهِمْ أَنَّ لَهُ شُرَكَاءَ فَقَالَ لَهُمْ مُسْتَنْكِراً: هَلْ يَتَسَاوَى اللهُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَالحَفِيظُ الرَّقِيبُ عَلَيْهَا، الذِي يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ .. مَعَ الأَصْنَامِ التِي يَعْبُدُونَها، وَهِيَ حِجَارَةٌ لاَ تَسْمَعُ وَلا تُبْصِرُ وَلا تَعْقِلُ، وَلاَ تَكْشِفُ ضُرّاً، وَلاَ تَجْلُبُ نَفْعاً لِمَنْ يَعْبُدُونَها (وَقَدْ حُذِفَ هذا الجَوَابُ لِدَلاَلَةِ المَعْنَى عَلَيْهِ)؟ فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ الذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ أَصْنَاماً جَعَلُوهَا شُرَكَاءَ لَهُ: سَمُّوا لَنَا هذِهِ الآلِهَةَ فَإِنَّهُمْ نكِراتٌ مَجْهُولَةٌ، لاَ حَقِيقَةَ لَهُمْ، وَلا وُجُودَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُمْ وُجُودٌ لَكَانَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللهِ. أَمْ إِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئاً لاَ يَعْلَمُهُ اللهُ؟ فَتَعْلَمُونَ أَنَّ هُنَاكَ آلِهَةً فِي الأَرْضِ وَغَابَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمِ اللهِ؟ أَمْ تَدَّعُونَ وُجُودَهَا بِكَلاَمٍ سَطْحِيٍّ لَيْسَ وَرَاءَهُ مَدْلُولٌ (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ القَوْلِ). وَقَضِيَّةُ الأُلُوهِيَّةِ لَيْسَتْ مِنَ التَّفَاهَةِ وَالهَزلِ بِحَيْثُ يَتَنَاوَلُهَا النَّاسُ بِظَاهِرٍ مِنَ القَوْلِ؟ لَقَدْ تَصَوَّرَ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ أَنَّهُمْ عَلَى صَوَابٍ، وَأَنَّ مَكْرَهُمْ وَتَدْبِيرَهُمْ ضِدَّ الدَّعْوَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، فَصَدَّهُمْ هَذا التَّصَوُّرُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الاهْتِدَاءِ إِلى الحَقِّ، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولقائل أنْ يتساءل: أَلَمْ يكُنْ من الواجب ما دام قد قال: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33]. أن يأتي بالمقابل، ويقول: كمَنْ ليس قائماً على كل نفس بما كسبت؟ ولمثل هذا السائل نقول: إنها عظمة القرآن الذي يترك للعقل ما يمكن أن يستنبطه؛ فيأتي بأشياء تتطلَّب التفكير والاستنباط، كي يتنبَّه الإنسان أنه يستقبل كلام رَبٍّ حكيم؛ وعليه أن يبحث فيه. ولذلك يقول سيدنا عبد الله بن مسعود: "ثَوِّروا القرآن" أي: أثيروه، كي تكتشفوا ما فيه من كنوز. ونحن نعلم أن كلمة "قائم على الأمر" تعني أنه هو الذي يُدِيره ويُدبِّره، ولا تَخْفَى عليه خافية. وجاء الحق سبحانه هنا بصيغة القيام؛ كي نعلم أن الحق سبحانه لا يدير الأمر من حالة قعود؛ بل يديره وهو قائم عليه، فكل أمر هو واضح عنده غير خَفيّ. وهو سبحانه قائم على كل نفس بما كسبتْ إن خيراً فخيْر؛ وإنْ شراً فشرّ، ولكنكم أيها الكافرون المشركون لا تملكون لأنفسكم ضراً ولا نَفْعاً؛ فهل يمكن لعاقل أنْ يساوي بين الذي يقوم على أمر كل نفس، بغيره مِمَّن ليس كذلك؟ ولكن هناك مَنْ قال فيهم الحق سبحانه في نفس الآية: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ..} [الرعد: 33]. أي: جعلوا للقائم على أمر كُلِّ نفس شركاء لا يقدر الواحد فيهم على أمر نَفْسه؛ وبالتالي لا يقدر على أمر غيره؛ بل قد يُصَابُ الصَّنم من هؤلاء بشَرْخ؛ فيأتي مَنْ يعبدونه ليقوموا على أمره صارخين بأن إلههم قدْ انشرخَ؛ ويحتاج إلى مسمارين لتثبيته، فكيف يُسوُّونَ ذلك الصنم بالله الذي لا يحدُّه شيء ولا يحُدُّ قدرته شيء؟ وقَوْل الحق سبحانه: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ..} [الرعد: 33]. دليل على النص المحذوف: "كمن هو غير قائم على كل نفس"، فسبحانه ليس كهذه الأصنام العاجزة؛ لأنه سبحانه قائم على كل نفس؛ نفسك ونفس غيرك ونفس كل إنسان عاش أو سيعيش. ولذلك يقول سبحانه بعدها: {قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ..} [الرعد: 33]. وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يقول للكافرين بالله: قُولوا أسماء مَنْ تعبدونهم من غير الله؛ وهي أحجار، والأحجار لا أسماءَ لها؛ وهم قد سَمَّوْا الأصنام بأسماء كاللاّت والعُزَّى وهُبَل؛ وهي أسماء لم تُضِفْ لتلك الأصنام شيئاً، فهي لا تقدر على شيء؛ ولو سَمَّوْهَا لُنسِبت لعمرو بن لُحَيّ، الذي أوجدهم؛ وهُمْ سَمَّوْها ساعة أنْ نحتُوها. والإله الحق لا يسميه أحد، بل يُسمِّي هو نفسه، ولكن بما أن المسألة كَذِب في كَذِب، لذلك يسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسماء تلك الآلهة. ويقول لهم: هل تنبئون أنتم الله خالق كل الكون بما لا يعلم في كونه الذي أوجده من عدم؟ سبحانه يعلم كل ما خلق؛ وأنتم لا تعبدون إلا أصناماً ينطبق عليها أنها من ظاهر القول؛ أي: قول لا معنى له؛ لأنهم أطلقوا أسماء على أشياء لا باطنَ لها ولا قدرة تستطيعها، وهم اكتفَوْا بالظاهر والمُسمَّى غير موجود. ويقول الحق سبحانه: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ..} [الرعد: 33]. أي: أنهم ظنوا أنهم يمكرون على الله، ويقولون إن تلك الأصنام آلهة، وهي ليست كذلك. ثم يقول سبحانه: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33]. أي: أن العذاب الذي يَلْقوْنَه في الحياة الدنيا هو لصيانة حركة المجتمع من الفساد، ولا بد أنْ يقعَ لهم عذابٌ في الحياة الدنيا؛ ولأن مَنْ يؤجِّل عذابه للآخرة؛ لا بد أن يرى في نفسه آية العذاب قبل أن يَلْقى عذابه في الآخرة. إذن: فعذاب الدنيا هو لحماية حركة الحياة؛ ولذلك نجد القوانين وهي تُسَنُّ لِتُطبق على المنحرف؛ ومَنْ يرتكب الجُرْم يخاف أن تقع عليه العين؛ وإنْ رآه أحد فهو يبلغ عنه ليلقى عقابه؛ وبذلك تستقيم حركة الحياة. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في سورة الكهف: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 83-87]. أي: أنه قد أخذ تفويضاً بأن يقيم الأمر في هؤلاء الناس، فأقامه على أساسٍ من الثواب والعقاب؛ فمَنْ أحسنَ فَلَهُ الجزاء الحسن؛ ومَنْ أساء يَلْقى العقاب، وهكذا نجد عذاب الدنيا ضرورياً لسلامة حركة الحياة من بَطْش مَنْ لا يؤمنون بالله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} معناهُ دائِمٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] يشير إلى أن ليس لنفس اختيار ولا قدرة على الكسب، بل هو القائم والمتولي بأمورها فيما ليس لها فيه كإيجادها من العدم وإعدامها من الوجود وفيما لها قيمة كسب كالحركات والسكون وغير ذلك فالمعنى أنه هو قائم بنفسه وقائم على أيجاد كل نفس وإعدامها وحركاتها وسكونها، كمن هو غير قائم بنفسه وغير قائم على أمور نفسه ولسوء نفس غيره {وَجَعَلُواْ} أمثال هؤلاء العجزة {لِلَّهِ شُرَكَآءَ}؟ ثم قال: {قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33] بما ترون منهم من صفات الله يشير إلى أن الاسماء مأخذها من الصفات، فإن لم تروا منهم شيئاً من صفات الله فكيف يسمونهم بها {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ} إله غيره بل {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}تفسير : [الزخرف: 84] {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ} [الرعد: 33] يقولون ما لا يعملون {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} [الرعد: 33] وهو اتخاذهم لله شركاء خذلاناً من الله {وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} [الرعد: 33] من سبيل الوصول، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} بالخذلان عن سبيله {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} إلى سبيله بالوصول. {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الرعد: 34] وهو عذاب البعد والحجاب والغفلة والجهل وعذاب عبودية النفس والهوى والدنيا والشياطين والإنس {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ} [الرعد: 34] وهو عذاب نار القطيعة وألم البعد وحسرة التفريط في طاة الله وندامة الإفراط في الذنوب والمعاصي على الخسارات والهبوط من الدرجات ونزول الدركات {وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ} من خذلان الله في الدنيا وعذاب الله في الآخرة {مِن وَاقٍ} من الخذلان والعذاب. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35] يشير إلى حقيقة أمر الجنة التي وعدها الله للمتقين، ووصفها بأنها {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}، وهي أنهار الفضل والكرم، ومياه العناية والتوفيق {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} [الرعد: 35] وهي مشاهدات الجمال، ومكاشفات الجلال، {وِظِلُّهَا} أنهم في ظل هذه المقامات والأحوال التي هي منه من وجوده لا في شمس وجودهم على الدوام بحيث لا يزول أبداً، ثم أشار بقوله: {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} [الرعد: 35] إلى أن تلك الأحوال والمقامات عاقبة من اتقى بالله عما سواه {وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} أي: عاقبة من أعرض عن هذه المقامات والأحوال نار القطيعة والحسرة. ثم قال: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الرعد: 36] يشير به إلى الروح والقلب والسر فإنهم أهل نزول أسرار الكتاب وحقائقه عليهم {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد: 36] لإيتائهم أسرارها {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} وهم النفس والهوى والقوى {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} لثقل تكاليفه وجهل فوائده {قُلْ} يا طالب الحق {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} أي: أسلك طريق العبودية إلى عالم الربوبية {وَلاۤ أُشْرِكَ .. إِلَيْهِ} في طلبه {بِهِ} شيئاً من الدنيا والآخرة {أَدْعُو} أي: أدعو العباد إلى الله لا إلى ما سواه {وَإِلَيْهِ مَآبِ} أي: ولا بد أن يكون الإياب إليه طوعاً أو كرهاً. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ} [الرعد: 37] أي: كما أنزلنا إلى العرب هذا الحكم باقي الطلب لا يشركوا بالله شيئاً، {أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} [الرعد: 37] أي: أهواء العرب وهي الشرك في الطلب {بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} [الرعد: 37] وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} [الرعد: 37] يخرجك من ظلمات الأنانية إلى نور الوحدانية {وَلاَ وَاقٍ} [الرعد: 37] يقيك من عذاب البعد وحجاب الشركة في الوجود بالتجرد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } بالجزاء العاجل والآجل، بالعدل والقسط، وهو الله تبارك وتعالى كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ } وهو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له ولا ند ولا نظير، { قُلْ } لهم إن كانوا صادقين: { سَمُّوهُمْ } لتعلم حالهم { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة وهو لا يعلم له شريكا، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي يُعَلِّمُ الله أن له شريكا وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون؛ ولهذا قال: { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } أي: غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى أنه بظاهر أقوالكم. وأما في الحقيقة، فلا إله إلا الله، وليس أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة، ولكن { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } الذي مكروه وهو كفرهم وشركهم، وتكذيبهم لآيات الله { وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء. { لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ } من عذاب الدنيا لشدته ودوامه، { وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } يقيهم من عذاب الله، فعذابه إذا وجهه إليهم لا مانع منه.
همام الصنعاني
تفسير : 1384- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}: [الآية: 33]، قال: الله تعالى قائم على كل نفس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):