١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : [35] {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتهَا ٱلأَنْهَـٰرُ أُكُلُهَا دآئِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكـَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة، أتبعه بذكر ثواب المتقين وفي قوله: {مثل الجنة} أقوال: الأول: قال سيبويه: {مثل الجنة} مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة. والثاني: قال الزجاج: مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا. والثالث: مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار، كما تقول صفة زيد اسم. والرابع: الخبر هو قوله: {أكلها دائم} لأنه الخارج عن العادة كأنه قال: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار} كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: أولها: تجري من تحتها الأنهار. وثانيها: أن أكلها دائم. والمعنى: أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها. أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة. وثالثها: أن ظلها دائم أيضاً، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة ونظيره قوله تعالى: {أية : لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} تفسير : [الإنسان: 13] ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين أن ذلك عقبى الذين اتقوا يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة، وعاقبة الكافرين النار. وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب موصوفة بصفة الدوام. واعلم أن قوله: {أكلها دائم} فيه مسائل ثلاث: المسألة الأولى: أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم وأتباعه. المسألة الثانية: أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه. المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى: {أية : كل من عليها فان} تفسير : [الرحمن: 26]. و{أية : كل شيء هالك إلا وجهه} تفسير : [القصص: 88] لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى: {أكلها دائم} فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة. ثم قال: فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي في ذلك، إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة. والجواب: أن دليلهم مركب من آيتين: أحدهما: قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} والأخرى قوله: {أكلها دائم وظلها} فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة، وهو قوله تعالى: {أية : وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} تفسير : [آل عمران: 133].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} ٱختلف النحاة في رفع «مَثَلُ» فقال سيبويه: ٱرتفع بالابتداء والخبر محذوف؛ والتقدير: وفيما يتلى عليكم مَثَلُ الجنة. وقال الخليل: ٱرتفع بالابتداء وخبره «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ» أي صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار؛ كقولك: قولي يقوم زيد؛ فقولي مبتدأ، ويقوم زيد خبره؛ والمثل بمعنى الصفة موجود؛ قال الله تعالى: {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ} تفسير : [الفتح: 29] وقال: «أية : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} تفسير : [النحل:60] أي الصفة العليا؛ وأنكره أبو علي وقال: لم يسمع مَثَل بمعنى الصفة؛ إنما معناه الشبه؛ ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته، كقولهم: مررت برجل مثلك؛ كما تقول: مررت برجل شبهك؛ قال: ويفسد أيضاً من جهة المعنى؛ لأن مثلاً إذا كان معناه صفة كان تقدير الكلام: صفة الجنة التي فيها أنهار، وذلك غير مستقيم؛ لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها. وقال الزجاج: مَثَّلَ الله عزّ وجلّ لنا ما غاب عنا بما نراه؛ والمعنى: مَثَلُ الجنّة جَنّةٌ تجري من تحتها الأنهار؛ وأنكره أبو عليّ فقال: لا يخلو المَثَل على قوله أن يكون الصفة أو الشبه، وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله؛ لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح، لأنك إذا قلت: صفة الجنّة جنّة، فجعلت الجنة خبراً لم يستقم ذلك؛ لأن الجنة لا تكون الصفة، وكذلك أيضاً شبه الجنة جنة؛ ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين، وهو حَدَث؛ والجنّة غير حَدَث؛ فلا يكون الأول الثاني. وقال الفرّاء: المثل مقحم للتأكيد؛ والمعنى: الجنّة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار؛ والعرب تفعل ذلك كثيراً بالمثل؛ كقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]؛ أي ليس هو كشيء. وقيل التقدير: صفة الجنة التي وعِد المتقون صفة جنّة «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ». وقيل معناه: شبه الجنة التي وعد المتقون في الحسن والنعمة والخلود كشبه النار في العذاب والشدّة والخلود؛ قاله مقاتل. {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} لا ينقطع؛ وفي الخبر: «حديث : إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى» تفسير : وقد بيناه في «التذكرة». {وِظِلُّهَا} أي وظلها كذلك؛ فحذف؛ أي ثمرها لا ينقطع، وظلّها لا يزول؛ وهذا ردّ على الْجَهْمِيّة في زعمهم أن نعيم الجنة يزول ويفنى. {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} أي عاقبة أمر المكذبين وآخرتهم النار يدخلونها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَثَلُ } صفة {ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } مبتدأ خبره محذوف: أي فيما نَقُصُّ عليكم {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ أُكُلُهَا } ما يؤكل فيها {دَآئِمٌ } لا يفنى {وِظِلُّهَا } دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها {تِلْكَ } أي الجنة {عُقْبَىٰ } عاقبة {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } الشرك {وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّثَلُ الْجَنَّةِ} شبهها أو نعتها إذ لا مثل لها {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} ثمرتها لا تنقطع، أو لذتها في الأفواه باقية قاله إبراهيم التيمي.
ابن عادل
تفسير : قوله: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} الآية لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين فقال "مثلُ الجَنَّة". قال سيبويه: "مثَلُ الجنَّة" مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: فيما قصصنا ـ أو فما يتلى ـ عليكم مثل الجنة وعلى هذا فقوله {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير لذلك المثل. وقال أبو البقاء: "فعلى هذا "تَجْرِي" حال من العائد المحذوف في "وُعِدَ" أي: وعدها مقدراً جريان أنهارها". ثم نقل عن الفراء: أنه جعل الخبر قوله: "تَجْرِي" قال: وهذا خطأ عند البصريين، قال: لأن المثل لا تجري من تحته الأنهار وإنما هو من صفات المضاف إليه، وشبهته: أن المثل هنا بمعنى الصفة فهو كقوله: صفة زيد أنه طويل ويجوز أن يكون "تَجْرِي" مستأنفاً. وهذا الذي ذكره أبو البقاء نقل نحوه الزمخشري، ونقل غيره عن الفراء في الآية تأويلين آخرين: أحدهما: على حذف لفظة "أنها" والأصل: صفة الجنة أنها تجري وهذا منه تفسير معنى لا إعراب، وكيف تحذف "أنها" من غير دليل؟. والثاني: أن لفظة "مثلُ" زائدة، والأصل: الجنة تجري من تحتها الأنهار، وزيادة "مثلُ" في لسانهم كثير، ومنه {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى:11] {أية : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ}تفسير : [البقرة:137] وقد تقدم. قال الزمخشري: "وقال غيره، أي غير سيبويه ـ: الخبر {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} كما تقول: صفة زيد أسمر". قال أبو حيان: "وهذا أيضاً لا يصح أن يكون "تجْري" خبراً عن الصفة ولا "أسمر" خبراً عن الصفة، وإنما يتاول "تَجْرِي" على إسقاط "أن" ورفع الفعل، والتقدير أن تجري، أي: جريانها". وقال الزجاج: "مثلُ الجنَّةِ" "جنة" على حذف المضاف تمثيلاً لما غاب بما نشاهده. ورد عليه أبو علي قال: "لا يصح ما قال الزجاج لا على معنى الصفة ولا على معنى الشبه؛ لأن الجنة التي قدرها جثَّة ولا تكون الصفة، ولأن الشبه عبارة عن المماثلة بين المتماثلين وهوحدث والجنة جثة فلا تكون [المماثلة]". والجمهور على أن المثل هنا بمعنى الصفة، فليس هنا ضرب مثل، فهو كقوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النحل:60]، وأنكر أبو علي أن يكون بمعنى الصفة، وقال: معناه: الشبه. وقرأ علي وابن مسعود "أمْثَالُ الجنَّةِ"، أي: صفاتها وقد تقدم خلاف القراء فيه في البقرة. فصل اعلم أنه ـ تعالى ـ وصف الجنة بصفات ثلاث: أولها: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. وثانيها: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} أي: لا ينقطع ثمرها ونعيهما بخلاف جنات الدنيا. و"أكلها دائم" كقوله: "تجري" في الاستئناف التفسيري، أو الخبري، أو الحالية، وقد تقدم. وثالثها: ظلها ظليل لا يزول، أي: ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظله نظيره قوله تعالى: {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}تفسير : [الإنسان:13] وهذا رد على الجهمية حيث قالوا: نعيم الجنة يفنى. ولما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاث، بين أن تلك عقبى المتقين، أي: عاقبتهم، يعنى الجنة، وعاقبة الكافرين النار. قوله: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعنى القرآن وهم أصحاب محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} أي: الجماعات، يعني الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} هذا قول الحسن وقتادة. فإن قيل: الأحزاب ينكرون كلّ القرآن. فالجواب: أن الأحزاب لا ينكرون كل القرآن؛ لأنه ورد في إثبات لله ـ تعالى ـ وإثبات قدرته وعلمه وحكمه وقصص الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهم لا ينكرون هذه الأشياء. وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وعلى هذه ففي الآية قولان: الأول: قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: {الذين ءاتيناهم الكتاب} كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، فرحوا بالقرآن، لأنهم آمنوا به وصدقوه. وسبب فرحهم به أن ذكر الرحمن كان في القرآن قليلاً في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فنزلت الآية. والأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين. قال القاضي: وهذا القول أولى من الأول؛ لأنه لا شبهة في أن من أوتي القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن، فإذا حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة. ويمكن أن يقال: إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة، ولهذا السبب حكى الله فرحهم به. والثاني: أن الذين أتيناهم الكتاب: اليهود أعطوا التوراة، والنصارى الإنجيل يفرحون بما أنزل في القرآن، لأنه مصدق لما معهم {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} سائر الكفار {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} وهو قول مجاهد. قال القاضي: وهذا لا يصح لقوله {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي جميع ما أنزل الله إليك ويمكن أن يجاب فيقال: إن قوله {بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} لا يفيد العموم بدليل جواز إدخال لفظة الكل والبعض عليه، ولو كانت كلمة "ما" للعموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكراراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً. ثم إنه ـ تعالى ـ لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة فقال {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} وهذا كلام جامع لكل ما ورد التكليف به، وفيه فوائد. أولها: كلمة "إنَّمَا" للحصر، ومعناه: إني ما أمرت إلا بعبادة الله ـ تعالى ـ وذلك يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك. وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك يدل على أن المرء كلف بذلك. وثالثها: أن عبادة الله لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل وهذا يدل على أن المرء مكلفٌ بالنظر والاستدلال، في معرفة الصانع وصفاته وما يجب ويجوز ويستحيل عليه. ورابعها:أن عبادة الله واجبة، وهي تبطل قول نفاة التكليف ويبطل القول بالجبر المحض. وخامسها: قوله {وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} وهذا يدل على نفي الأضداد والأنداد بالكلية ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبوداً سوى الله ـ تعالى ـ من الشمس والقمر والكواكب والأصنام والأوثان والأرواح، وهو على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما تقوله الثنوية. وسادسها: قوله (إليه أدعو) أي: كلما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات يجب عليه الدعوة إلى [عبودية] الله ـ تعالى ـ وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة. قوله: {وَلاۤ أُشْرِكَ} قرأ نافع في رواية عنه برفع "ولا أشْرِكُ" وهي تحتمل القطع، أي: وأنا لا أشرك. وقيل: هي حال. وفيه نظر؛ لأن المنفي بـ"لا" كالمثبت في عدم مباشرة واو الحال. قوله: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} الكاف في محل نصب، أي: وكما يسرنا هؤلاء للفرح وهؤلاء لإنكار البعض كذلك {أَنزَلْنَاهُ حُكْماً} و "حُكْماً" حال من مفعول "أنْزلْنَاهُ". وقيل: شبه إنزاله حكماً عربياً بما أنزل على من تقدم من الأنبياء أي: كما أنزلنا الكمتب على الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بلسانهم كذلك أنزلنا إليك القرآن. وقيل: كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد فأنكره الأحزاب كذلك أنزلنا الحكم والدين "عربياً" نسب إلى العرب، لأنه منزل بلغتهم فكذب به الأحزاب، ولما كان القرِآن مشتملاً على جميع أنواع التكاليف وكان سبباً للحكم جعل نفس الحكم مبالغة. فصل قالت المعتزلة: دلت الآية على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه ـ تعالى ـ وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث. والثاني: وصفه بكونه عربياً، والعربي هو الذي حصر بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً. والثالث: أن الآية دلت على أنه إنما كان حكماً عربياً؛ لأن الله جعله كذلك والموصوف بهذه الصفة محدث. والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث لا نزاع فيه. قوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائهم، فتوعده الله على موافقتهم على تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوله الله عنها. قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وقيل: المراد منه حث الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ على القيام بحق الرسالة وتحذيره من خلافها، وذلك يتضمن تحذير جميع المكلفين بطريق الأولى.
البقاعي
تفسير : ولما توعدهم على تفريطهم في جانب الله، تشوفت النفس إلى ما لأضدادهم، فكان كأنه قيل: فما لمن عاداهم في الله؟ فقيل: الجنة، فكأنه قيل: وما هي؟ فقيل: إنها في الجلال، وعلو الجمال، وكرم الخلال، مما تعالى عن المنال، إلا بضرب الأمثال، فقيل: ما مثلها؟ فقيل: {مثل الجنة التي} ولما كان المقصود حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الوعد هو الله، بنى للمفعول قوله: {وعد المتقون} والخبر محذوف تقديره: ما أقص عليكم، وهو أنها بساتين: قصور وأشجار، فقال الزجاج: الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ليكون تمثيلاً لما غاب عنا بما نشاهد {تجري}. ولما كانت - لو عمها الماء الجاري - بحراً لا بساتين، أدخل الجار للدلالة على أنه خاص ببعض أرضيها فقال: {من تحتها} أي قصورها وأشجارها {الأنهار} وقيل: هذا المذكور هو الخبر كما تقول: صفة زيد أسمر. ولما كان هذا ريّاً حقيقياً في أرض هي في غاية الخلوص والطيب، كان سبباً لدوام ثمرها واستمساك ورقها، فلذلك أتبعه قوله: {أكلها} أي ثمرها الذي يؤكل {دائم} لا ينقطع أبداً {وظلها} ليس كما في الدنيا، لا ينسخ بشمس ولا غيرها، قال أبو حيان: تقول: مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم، وليس هذا ضرب مثل، فهو كقوله {أية : ولله المثل الأعلى} تفسير : [النحل:60]، أي الصفة العليا - كذا قال، ويمكن أن يكون ذلك حقيقة، ويكون هناك محذوف، وهو جنة من جنان الدنيا تجري من تحتها الأنهار - إلى آخره، وهو من قول الزجاج. ثم ابتدأ إخباراً آخر تعظيماً لشأنها وتفخيماً لأمرها في قوله تعالى: {تلك} أي الجنة العالية الأوصاف {عقبى} أي آخر أمر {الذين اتقوا} ثم كرر الوعيد للكافرين فقال: {وعقبى} أي منتهى أمر {الكافرين} بالرحمن، المتضمن للكفر بالوحي والموحى إليه {النار *}. ولما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة، والكافرين به بضعف العقول الدافع إلى الفساد الموصل إلى سوء الدار، ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ختم به ذلك، عطف على ذلك قوله - ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف على محذوف هو علة لختم الآية السالفة، تقديره: لأنهم ساءهم ما أنزل إليه حسداً وجهلاً -: {والذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة التي استنقذتهم من الضلال {الكتاب} ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل {يفرحون بما} ولما كان المنزل دالاًّ بإعجازه على المنزل، بنى للمفعول قوله: {أنزل إليك} أي من هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن كلام الله كله من مشكاة واحدة، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون غيرهم، فكأنه ما أنزل إلا إليهم، وهذا العطف يرجح أن يكون الموصول هناك مرفوعاً بالابتداء {ومن الأحزاب} من أهل الأوثان والكتاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ينكر بعضه} كالتوحيد ونعت الإسلام ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم وما يتبع ذلك مما حرفوه وبدلوه، ويريد أن يكون الأمر تابعاً فيه لغرضه، فالمشركون يريدون أن يمدح آلهتهم في بعض الآيات أو أن يسقط وصفها بالعيب، واليهود يريدون أن ينزل ما يوافق فروع التوراة كما أنزل ما وافق الأصول، وينكرون النسخ، وأهل الإنجيل يريدون أن ينزل في المسيح ما يهوون ونحو ذلك؛ قال المفسرون: كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعل مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، فلكفرهم بذلك البعض أمره أن يعلمهم باعتقاده كفروا أو شكروا فقال: {قل إنما أمرت} أي وقع الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغير ممن له الأمر كله {أن أعبد الله} أي الذي لا شيء مثله وحده، ولذلك قال: {ولا أشرك به} لا أفعل إلا ما يأمرني به من غير نظر إلى سواه، ديني مقصور على ما أنكرتموه {إليه} وحده {أدعوا وإليه} خاصة {مآب *} أي إيابي ومكانه وزمانه، معنى بالتوبة عند الفتور عن القيام بحقه، وحسّاً بالبعث للجزاء؛ والكتاب: الصحيفة التي فيها الخط - وهو الكتابة، وهي تأليف الحروف التي تقرأ في الصحيفة، والفرح: لذة القلب التي تجلي الهم بنيل المشتهى، والحزب: الجماعة التي تقوم بالنائبة. ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت، أتبع تعالى ذكر ما أنزل قوله: {وكذلك} أي ومثل هذا الإنزال، البديع المثال، البعيد المنال؛ ولا يبعد أن يكون عطفاً على { كذلك أرسلناك} أو مثل إنزال كتب أهل الكتاب {أنزلناه} بما لنا من العظمة حال كونه {حكماً عربيّاً} أي ممتلئاً حكمة تقضي بالحق، فائقاً لجميع الكتب بهذا الوصف؛ والحكم: القطع بالمعنى على ما تدعو إليه الحكمة، وهو أيضاً فصل الأمر على الحق؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض شيء منه، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم، وما ليس كذلك فليس بحكم، والعربي: الجاري على مذاهب العرب في كلامها، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه {ولئن اتبعت أهواءهم} في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القلبة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى:{أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم} تفسير : [ البقرة:145]. ولما كان المراد التعميم في الزمان، نزع الجار، وأتى بـ"ما" لأنها أعم من " الذي" وأشد إبهاماً، فهي الخفيّ معنى، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشىء عن نظر المحسوسات فقال: {بعدما جاءك} ولما كان قد أنعم عليه صلى الله عليه وسلم بأشياء غير العلم، بين المراد بقوله: {من العلم} أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان ذلك الاتباع في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية. ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء، قال: {ما لك} حينئذ {من الله} أي الملك الأعلى ـ وأعرق في النفي فقال: {من ولي} أي ناصر يتولى من نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه. ولما كان مدلول "ما" أعم من مدلول "الذي " لشمولها الظاهر والخفي، وكان من خالف الخفي أعذر ممن خالف الظاهر، نفى الأخص من النصير فقال: {ولا واق *} أي يقيك بنفسه فيجعلها دون نفسك، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمع بذلك، وهذا بعث للأمة وتهييج على الثبات في الدين والتصلب فيه، والهوى - مقصوراً: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، والعلم: تبين الشيء على ما هو به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {مثل الجنة} قال: نعت الجنة، ليس للجنة مثل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن إبراهيم التيمي - رضي الله عنه - في قوله {أكلها دائم} قال: لذتها دائمة في أفواههم. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن خارجة بن مصعب - رضي الله عنه - قال: كفرت الجهمية بآيات من القرآن، قالوا: إن الجنة تنفد، ومن قال تنفد فقد كفر بالقرآن. قال الله تعالى {أية : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} تفسير : [ص: 54] وقال: {أية : لا مقطوعة ولا ممنوعة} تفسير : [الواقعة: 33] فمن قال إنها تنقطع فقد كفر. وقال عطاء غير مجذوذ، فمن قال إنها تنقطع فقد كفر. وقال {أكلها دائم وظلها} فمن قال إنها لا تدوم، فقد كفر. وأخرج ابن المنذر وابو الشيخ، عن مالك بن أنس - رضي الله عنه - قال: ما من شيء من ثنار الدنيا أشبه بثمار الجنة من الموز، لأنك لا تطلبه في صيف ولا شتاء إلا وجدته. قال الله تعالى {أكلها دائم}.
القشيري
تفسير : المَثَلُ أي الصفة، فصفة الجنة التي وعد المتقون هي أنها جنة تجري من تحتها الأنهار، وأُكُلُها دائم وظلها دائم، أي أن اللذاتِ فيها متصلةٌ. وإنما لهم جنات معجلة ومؤجلة، فالمؤجَّلَةُ ما ذكره الله - سبحانه - في نص القرآن، والمعجلة جنة الوقت.. والدرجات - من حيث البسط - فيها متصلة، ونفحاتُ الأُنْسِ لأربابها لا مقطوعة ولا ممنوعة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} اى صفة الجنة التى وعد المتقون وهى جنة مشاهدة الذات تجرى من تحتها انها رالصفات ثمرها ثمر اشجار الصفات والذات للمتجردين عن الحدثان دائم بانهم يعاينونها بلا حجاب ويعيشون فى ظلال تجليها بلا غصة ولا حجاب تلك منازل اهل الاشواق الى رؤية الملك الخلاق المتبرئين من الشرك والنفاق.
اسماعيل حقي
تفسير : {مثل الجنة التى وعد المتقون} من الشرك والمعاصى وهو مبتدأ خبره محذوف اى فيما قصصنا عليك مثل الجنة اى صفتها التى هى كالمثل السائر فى الغرابة {تجرى من تحتها الانهار} حال من العائد المحذوف من الصلة والتقدير وعد بها المتقون مقدرا جريان انهارها اربعة من تحت اشجارها بمقابلة المراتب الاربع التى هى الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة وتعطى هذه الانهار على الكمال لمن جمع بين هذه المراتب الاربع وهم المقربون واما غيرهم من الابرار وارباب البرازخ فانهم وان كانوا يشربون منها لكنهم لا يجدون فيها ما يجده اولئك المقربون من زيادة اللذة لتفاوت معرفتهم بالله شعر : هركسى از همت والاى خويش سود برد در خور كالاى خويش تفسير : {اكلها} [ميؤه آن بستان]. قال فى الكواشى ما يؤكل فيها {دائم} لا ينقطع ولا يمنع منه بخلاف ثمر الدنيا {وظلها} اى وظلها دائم لا ينسخ فى الدنيا بالشمس لانه لا شمس فى الجنة ولا حر ولا برد فالمراد بدوام الظل دوام الاستراحة وانما عبر عنه به لندرة الظل عند العرب وفيه معظم استراحاتهم فى ارضهم والمراد بدوام الاكل الدوام بالنوع لا الدوام بالجزء والشخص فانه اذا فنى منه شيء جيئ ببدله وهذا لا ينافى الهلاك لحظة كما قال تعالى {أية : كل شيء هالك الا وجهه} تفسير : على ان دوامه مضاف الى ما بعد دخول الجنة كما يقتضيه سوق الكلام فهلاكه لحظة عند هلاك كل شيء قبل الدخول لا ينافى وجوده وبقاءه بعده. وفى الآية رد على الجهمية حيث قالوا ان نعيم الجنة يفنى ومن مقالات لبيد قبل اسلامه شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل تفسير : ولما انشده فى مجلس من قريش وقال ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال عثمان ابن مظعون رضى الله عنه صدقت ولما قال وكل نعيم لا محالة زائل قال كذبت لما فهم انه اراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة [امام قشيرى فرموده كه اهل ايمان امروز در ظل رعايتند وفردا در ظل حمايت وعارفان بدنيا وعقبى در ظل عنايت كه بيوسته است] شعر : سايه دولت او در دو جهان جاويدست اى خوش آن بنده كه اين سايه فتدبر سراو تفسير : {تلك} الجنة التى بلغك وصفها وسمعت بذكرها {عقبى الذين اتقوا} مآلهم وعاقبة امرهم {وعقبى الكافرين النار} لا غيره فالتقوى طريق الى الجنة والكفر طريق الى النار. والاشارة ان الله تعالى يشير الى حقيقة امر الجنة التى وعدها للمتقين ووصفها بانها تجرى من تحتها الانهار وهى انهار الفضل والكرم ومياه العناية والتوفيق {اكلها دائم} وهى مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال {وظلها} اى وهم فى ظل هذه المقامات والاحوال الى هى من وجوده لا من شمس وجودهم على الدوام بحيث لا تزول ابدا وتلك الاحوال والمقامات عاقبة من اتقى بالله عما سواه وعاقبة من اعرض عن هذه المقامات والاحوال نار القطيعة والحسرة كما فى التأويلات النجمية: وفى المثنوى شعر : جور دوران وهر آن رنجى كه هست سهلتر از بعد حق وغفلتست زانكه اينها بكذرد آن نكذرد دولت آن داردر كه جان آكه برد تفسير : [شبلى ديد زنى را كه ميكريد وميكويد يا ويلاه من فراق ولدى. شبلى كريست وكفت يا ويلاه من فراق الاحد. آن زن كفت جرا جنين ميكويى. شبلى كفت تو كريه ميكنى برفراق مخلوقى كه هر آينه فانى خواهد شد من جرا كريه نميكنم برفراق خالقى كه باقة باشد] شعر : فرزند ويار جونكه بميرند عاقبت اى دوست دل مبند بجز حى لا يموت تفسير : عصمنا الله واياكم من نار البعد والعذاب الاليم وشرفنا بالذوق الدائم والنعيم المقيم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (مثل الجنة): مبتدأ. قال سيبويه: الخبر محذوف، أي فيما يتلى عليكم صفة الجنة. وقال الفراء: الخبر هو: (تجري...) إلخ، وعلى قول سيبويه يكون (تجري): حالاً من العائد المحذوف، أي: التي وُعدها المتقون حَالَ كَوْنِها تجري... إلخ. والمراد بالمثل هنا: الصفة، لا ضرب المثل. و(ظِلُّها): مبتدأ حُذِف خبره، وظلها كذلك، والأكُل بضم الهمزة، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، وأما الأكل بالفتح فمصدر. يقول الحق جل جلاله: صفة الجنة التي وُعِدَها المتقون هي غرف وقصور {تجري من تحتها الأنهارُ} من ماء وخمر وعسل ولبن، {أُكُلُها دائمٌ}؛ ما يؤكل من ثمارها وأنواع أطعمتها لا ينقطع، {وظِلُّها} دائم، لا يُنسخ بالشمس كظلال الدنيا، {تلك} الجنة الموصوفة بهذه الأوصاف هي {عُقْبَى الذين اتقوا} الشرك والمعاصي، وهي مآلهم وعاقبة استقرارهم، {وعُقْبَى الكافرين النار} لا محيد عنها، وهي مآلهم وإليها رجوعهم. وفي ترتيب العقبيين إطماع للمتقين، وإقناط للكافرين. الإشارة: مثل جنة المعارف التي وعدها المتقون لكل ما يشغل عن الله هي حضرة مقدسة، يتنعم فيها أسرار العارفين، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم والحكم، لذتها وقُوت الأرواح فيها دائم، وهي الفكرة في ميادين أنوار التوحيد، وجولان الروح في فضاء أسرار التفريد، وظل روحها وريحانها دائم، وهو: سكون القلب إلى الله، وفرح الروح بشهود الله. وإليه أشار ابن الفارض بقوله، رحمه الله، في صف خمرتها: شعر : وَإِنْ خَطَرَتْ يَوْماً عَلَى خَاطِرِ امرئ أَقامَتْ بِهِ الأَفرَاحُ وارْتَحَلَ الْهَمُّ تفسير : تلك عقبى الذين أتقَّوا السِّوى، وعقبى المنكرين لوجود أهل هذه الجنة نار القطعية والبعد. أعاذنا الله من ذلك.
الطوسي
تفسير : قيل في معني {مثل الجنة} اقوال: قال سيبويه: فيما نقص عليكم مثل الجنة، فرفع (مثل) على الابتداء. وحذف الخبر. وقال بعضهم معناه شبه الجنة، والخبر محذوف، وتقديره مثل الجنة التي هي الانهار، كما قال الله تعالى {أية : ولله المثل الأعلى}تفسير : معناه الصفة الاعلى. وقال قوم: معناه صفة {الجنة التي وعد المتقون} صفة جنة تجري من تحتها الانهار، والجنة البستان الذي يجنه الشجر، والمراد - ها هنا - جنة الخلد التي اعدها الله للمتقين جزاء لهم على طاعاتهم وانتهائهم عن معاصيه، والمتقي هو الذي يتقي عقاب الله بفعل الواجبات وترك المقبحات. وقوله {أكلها دائم} قيل في معناه قولان: احدهما - ان ثمارها لا تنقطع، كما تنقطع ثمار الدنيا في غير ازمنتها - في قول الحسن. الثاني - النعيم به لا ينقطغ بموت، ولا بغيره من الآفات. وقوله {وظلها} اي وظل الجنة دائم ايضاً ليس لها حر الشمس. ثم اخبر ان ذلك عاقبة الذين اتقوا معاصي الله بفعل طاعاته. وأخبر أن عاقبة الكافرين - الجاحدين لتوحيد الله المنكرين لنعمه - النار، والكون فيها على وجه الدوام - نعوذ بالله منها -
الجنابذي
تفسير : {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لمّا كان المثل عبارة عن امر تركيبىٍّ جعل خبره جملة من غير عائدٍ لكونها عين المبتدأ {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} لا كجنان الدّنيا من حيث انّها منقطعة الاكل والظّلّ فى الخريف والشّتاء {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة واحكامها بالتّوبة على يدك وقبول الاحكام منك {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} من صورة الكتاب وهو القرآن خصوصاً ما انزل فيه من ولاية علىّ {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} اى الفرق المتفرّقة الّذين آمنوا بك او لم يؤمنوا {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} بعض ما انزل اليك وهو ما لا يوافق أهوائهم وأغراضهم خصوصاً ولاية علىّ (ع) {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} اطيعه {وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} فى الطّاعة شيئاً فكيف يصحّ لى ان اطيع أهواءكم فيما انزل الىّ فأترك بعضه الّذى لا يوافق اهواؤكم {إِلَيْهِ أَدْعُو} لا الى غيره فلا انظر الى اهوائكم موافقة كانت او مخالفة {وَإِلَيْهِ مَآبِ} فلا انظر الاّ اليه لا الى اهوائكم.
اطفيش
تفسير : {مثَلُ الجنَّة} أى صفتها العجيبة البالغة مبلغا يضرب بها المثل فى الغرابة، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه، أى مما قصصنا عليك، أو فيما ققصنا عليك، أو خبر لمحذوف، أى هذا مثل الجنة أشير إليه قبل ذكره تعظيما له، وتنبيها وإيقاظا لمن يصغى إليه، وقيل: مبتدأ خبره تجرى الخ ولم يحتج لأنه نفس المبتدأ، فإن جريان الأنهار من تحتها، وما ذكر بعدهما نفس المثل، وتقدير موصوف أى جنة تجرى تمثيلا لما غاب بما نشاهد، لكن بزيادة قيد دوام الأكل والظل لو دام فى ما نشاهده، وعلى زيادة مثل وهذا فى مذهب مجيز زيادة الأسماء، ونسبه فى الآية بعضهم لسيبويه، والمشهور أنه مذهب الكوفيين، والمانع يئول ما تعين للزيادة بأنه نادر فلا يحمل الآية عليه وعلى الزيادة، فكأنه قيل الجنة. {الَّتى وُعدَ المتقُون} على اتقاهم {تَجْرى مِنْ تَحْتها الأنهارُ} وإذ لم تجعل جملة، وتجرى خبرا، ولا نعت الخبر كانت مستأنفة أو حالا من رابط الصلة المحذوف، أى التى وعدها المتقون جارية أنهارها من تحتها، على أن الوعد فى كتب الله، وأن الجنة مخلوقة اليوم. وإن قلنا: المراد بالوعد الوعد الأزلى، أو أنها ستخلف، فالحال مقدرة، والمتقون نائب الفاعل، وهو المفعول الأول نائب عن الفاعل، وها مفعول ثان يقدر مقدما على النائب، وقرأ على أمثال الجنة بالجمع أى صفتها. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أن أنهار الجنة من ماء وعسل ولبن وخمر، تجرى فى غير شق فى الأرض، ولا بناء، ويصعد الماء فى جريانه عن الأرض اثنى عشر ذراعا " تفسير : {أكُلها} أى المأكول فيها وهو الفواكه والثمار، أو جميع ما يؤكل فيها {دائمٌ} لا ينقطع ولا يفنى، ولا يختص بحين دون حين. روى أن ولى الله إذا تناول ثمرة لم تصل فاه إلا وقد بدل الله سبحانه مكانها أخرى، والجذع من ذهب، وسعفها حلل، وكربها زبرجد أخضر، وشماريخها در أبيض، وطول العرجون اثنا عشر ذراعا، مركب من أعلاه إلى أسفله، ليس لثمره نوى، أحلى من العسل، وأبيض من الثلج وألين من الزبد، والرمانة كالبعير بقتبه. {وظلُّها} مبتدأ محذوف الخبر، أى دائم، أو كذلك لا تنسخه شمس كما تنسخ الظل فى الدنيا، إذ لا شمس فى الجنة. وإن قلت: إذا جعلنا ذلك ذكرا للجنة بصفتها فلا إشكال، وإذا جعلناه تمثيلا بجنة الدنيا أشكل الفهم عنا، إذ لا جنة فى الدنيا دائمة الأكل والظل؟ قلت: ساغ ذلك على شريطة الدوام، كأنه قيل: الجنة الموعودة للمتقين كجنة فى الدنيا جارية الأنهار، دائمة الأكل والظل، لو دام أكلها وظلها كما مرت الإشارة إليه، أو قوله:{أكلها دائم وظلها} ليس داخل فى التمثيل بجنة الدنيا، بل يعود إلى جنة الآخرة، والتحقيق عندى إنما المراد دوام أكل الجنة وظلها بعد دخولهم فيها، سواء قلنا: إنها مخلوقة اليوم وهو الصحيح لما مر فى مواضعه، أو قلنا: إنها ستخلق، وسواء قلنا: بفنائها عند قيام الساعة لظاهر قوله:{أية : كل شئ هالك إلا وجهه}تفسير : أو قلنا: بأنها لا تفنى، وإنما المراد موت كل حى سواه تعالى، فلم يصح قول بعضهم كعبد الجبار المعتزلى أنها لو كانت مخلوقة اليوم لفنيت عند قيام الساعة فينافى الدوام للذكور فى هذه الآية. {تِلكَ} الجنة الموصوفة الرفيعة الشأن {عُقْبى الَّذين اتَّقوْا} ما عاقبة غضب الله سبحانه وتعالى من الكفر ومعاصى {وعُقْبى الكافِرينَ النَّار} الدائمة الجوع والايجاع بالحرارة والزمهرير، وتعريف الطرفين فى الجملتين مفيد للقصر، قصر موصوف على صفة فى الأولى، وقصر صفة على موصوف فى الثانية، كأنه قيل: تكون الجنة عاقبة للمتقين لا غير عاقبة، وأما الكافرون فلا عقبى لهم إلا النار، كقولك: السمن واللحم غداك، وجزاء زيد الضرب والسجن، ولا يخفى ما فى ذلك الذى قررت من الترغيب للمتقين وإقناط الكافرين.
اطفيش
تفسير : {مَّثَلُ الْجَنَّةِ} صفتها، والخبر محذوف أَى فيما يتلى عليكم أَو مما يتلى عليكم مثل الجنة، كما قدر سيبويه وغيره، مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أَيديهما، مما يتلى عليكم حكم الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد، أَو الخبر قوله: تجرى من تحتها الأَنهار إِلخ، وقوله: أُكلها دائم خبر ثان والرابط إِعادة المبتدإِ بمعناه، والمثل بالفتح، والمثل بالكسر فإِسكان سواءٌ كالشبه والشبه بذلك الضبط وزنا ومعنى، ولكن كثر استعمال المثل بالفتح فى الكلام السائِر المشبه مضربه بمورده، ولا يضرب إِلا لما فيه غرابة، ثم استعير لكل ما فيه غرابة تشبيها بالمثل السائِر فى الغرابة، وإِن قدر الخبر مفردا والجملة نعتا لم يكن تشبيها بالمثل السائِر بل مطلق المماثل هكذا مثل الجنة {الَّتى وَعِدَ الْمُتَّقُونَ} جنة {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ} فيكون الخبر مفردا والمثل وصف بمعنى مشابه ومماثل لا بمعنى صفة، والمراد وعد المتقون على اتقائِهم لأَن الوصف يدل على العلة والمفعول الثانى محذوف، أَى وعدها بالبناءِ للمفعول، والمراد تنبع من تحتها أَو من موضع آخر لكن بالنسبة إِلى ما بعدها تكون كالمبدإِ {اُكُلُهَا} ثمرها الذى يؤكل {دائِمٌ} لا ينقطع ذاته كما تنقطع أَكثرُ ثمار الدنيا، بمضى فصولها وأَوقاتها، ولا ينقطع وصفها بالقدم أَو بالفساد، وبالقوة كثمار الدنيا وتتغير بالبقاءِ، بل هى أَبدا طرية جديدة بعد دخولها، فلا يقدح فى ذلك فناؤها قبل دخولها، فعلى قول فنائها يجددها الله فيدخلونها، وما أَكلوا فيها يفنى ويجدد مثله {وَظِلُّهَا} كذلك، أَو دائِم، واختير الأَول لعدم التكرير معه، ولا بأْس بالثانى لأَنه غير مذكور، والمراد بدوامه أَنه لا ينسلخ بالشمس كظل الدنيا إِذ لا شمس فيها {تِلْكَ} أَى الجنة المذكورة {عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} عاقبتهم بعد الدنيا أَو ثمرة أعمالهم فيها وعلتها اتقاؤهم الشرك والمعاصى {وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} عاقبتهم بعد الدنيا أَو ثمرة معاصيهم فيها وعلتها الشرك والمعاصى المعبر عنهما بالكفر، وهذا إِقناط للكفار فى الجنة ووعد بالنار لا يتخلف.
الالوسي
تفسير : . {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} أي نعتها وصفتها كما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة، فهو على ما في "البحر" من مثلت الشيء إذا وصفته وقربته للفهم، ومنه {أية : وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الروم: 27] أي الصفة العليا، وأنكر أبو علي ذلك وقال: إن تفسير المثل بالصفة غير مستقيم لغة ولم يوجد فيها وإنما معناه الشبيه. وقال بعض المحققين: إنه يستعمل في ثلاثة معان. فيستعمل بمعنى الشبيه في أصل اللغة، وبمعنى القول/ السائر المعروف في عرف اللغة، وبمعنى الصفة الغريبة، وهو معنى مجازي له مأخوذ من المعنى العرفي بعلاقة الغرابة لأن المثل إنما يسير بين الناس لغرابته، وأكثر المفسرين على تفسيره هنا بالصفة الغريبة، وهو حينئذ مبتدأ خبره ـ عند سيبويه ـ محذوف أي فيما يقص ويتلى عليكم صفة الجنة {ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } أي عن الكفر والمعاصي، وقدر مقدما لطول ذيل المبتدأ ولئلا يفصل بينه وبين ما يتعلق به معنى. وقوله تعالى {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } ـ جملة مفسرة ـ كخلقه من تراب ـ في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] أو مستأنفة استئنافاً بيانياً أو حال من العائد المحذوف من الصلة أي التي وعدها، وقيل: هي الخبر على طريقة قولك: شأن زيد يأتيه الناس ويعظمونه. واعترض بأنه غير مستقيم معنى لأنه يقتضي أن الأنهار في صفة الجنة وهي فيها لا في صفتها، وفيه أيضاً تأنيث الضمير العائد على {مَثَلُ } حملا على المعنى، وقد قيل: إنه قبيح. وأجيب بأن ذاك على تأويل أنها تجري، فالمعنى مثل الجنة جريان الأنهار أو أن الجملة في تأويل المفرد فلا يعود منها ضمير للمبتدأ أو المراد بالصفة ما يقال فيه هذا إذا وصف، فلا حاجة إلى الضمير كما في خبر ضمير الشأن. وقال الطيبـي: إن تأنيث الضمير لكونه راجعاً إلى الجنة لا إلى المثل، وإنما جاز ذلك لأن المقصود من المضاف عين المضاف إليه وذكره توطئة له وليس نحو غلام زيد. وتعقب كل ذلك الشهاب بأنه كلام ساقط متعسف لأن تأويل الجملة بالمصدر من غير حرف سابك شاذ، وكذا التأويل بأنه أريد بالصفة لفظها الموصوف به وليس في اللفظ ما يدل عليه وهو تجوز على تجوز ولا يخفى تكلفه، وقياسه على ضمير الشأن قياس مع الفارق، وأما عود الضمير على المضاف إليه دون المبتدأ في مثل ذلك فأضعف من بيت العنكبوت فالحزم الإعراض عن هذا الوجه، وعن الزجاج أن الخبر محذوف والجملة المذكورة صفة له، والمراد مثل الجنة جنة تجري إلى آخره، فيكون سبحانه قد عرفنا الجنة التي لم نرها بما شاهدناه من أمور الدنيا وعايناه. وتعقبه أبو علي ـ على ما في "البحر" ـ بأنه لا يصح لا على معنى الصفة ولا على معنى الشبه لأن الجنة التي قدرها جثة ولا تكون صفة ولأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين الشيئين وهو حدث فلا يجوز الإخبار عنه بالجنة الجثة. ورد بأن المراد بالمثل المثيل أو الشبيه فلا غبار في الأخبار، وقيل: إن التشبيه هنا تمثيلي منتزع وجهه من عدة أمور من أحوال الجنان المشاهدة من جريان أنهارها وغضارة أغصانها والتفاف أفنانها ونحوه، ويكون قوله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا } بياناً لفضل تلك الجنان وتمييزها عن هذه الجنان المشاهدة، وقيل: إن هذه بيان لحال جنان الدنيا على سبيل الفرض وأن فيما ذكر انتشاراً واكتفاء في النظير بمجرد جريان الأنهار وهو لا يناسب البلاغة القرآنية وهو كما ترى. ونقل عن الفراء أن الجملة خبر أيضاً إلا أن المثل بمعنى الشبه مقحم، والتقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار إلى آخره، وقد عهد إقحامه بهذا المعنى، ومنه قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] وتعقبه أبو حيان بأن إقحام الأسماء لا يجوز، ورد بأنه في كلامهم كثير ـ كثم اسم السلام عليكما ـ ولا صدقة إلا عن ظهر غنى ـ إلى غير ذلك، والأولى بعد القيل والقال الوجه الأول فإنه سالم من التكلف مع ما فيه من الإيجاز والإجمال والتفصيل، والظاهر أن المراد من الأكل ما يؤكل فيها، ومعنى دوامه أنه لا ينقطع أبداً، وقال إبراهيم التيمي: إن لذته دائمة لا تزاد بجوع ولا تمل بشبع وهو خلاف الظاهر. / وفسر بعضهم الأكل بالثمرة، فقيل: وجهه أنه ليس في جنة الدنيا غيره وإن كان في الموعودة غير ذلك من الأطعمة، واستظهر أن ذلك لإضافته إلى ضمير الجنة والأطعمة لا يقال فيها أكل الجنة وفيه تردد، ((والظل في الأصل ضد الضح وهو عند الراغب أعم من الفيء فإنه يقال: ظل الليل ولا يقال فيؤه، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زالت عنه))، وفي "القاموس" هو الضح والفيء أو هو بالغداة والفيء بالعشي جمعه ظلال وظلول وإظلال، ويعبر به عن العزة والمنعة وعن الرفاهة، والمشهور تفسيره هنا بالمعنى الأول، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي وأكلها كذلك أي دائم، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ومعنى دوامه أنه لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس إذ لا شمس هناك على الشائع عند أهل الأثر أو لأنها لا تأثير لها على ما قيل، ويجوز عندي أن يراد بالظل العزة أو الرفاهة وان يراد المعنى الأول ويجعل الكلام كناية عن دوام الراحة، وأكفر خارجة بن معصب كما روي عنه ذلك ابن المنذر وأبو الشيخ القائل بعدم دوام الجنة كما يحكى عن جهم وأتباعه لهذه الآية. وبها استدل القاضي على أنها لم تخلق بعد لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن يفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] لكن أكلها لا ينقطع ولا يفنى للآية المذكورة فوجب أن لا تكون مخلوقة بعد، ثم قال: ولا ننكر أن يكون الآن جنان كثيرة في السماء يتمتع بها من شاء الله تعالى من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أنا نقول: إن جنة الخلد إنما تخلق بعد الإعادة. وأجاب الإمام عن ذلك بأن دليله مركب من شيئين قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص:88] وقوله سبحانه: {أُكُلُهَا دَائِمٌ } فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط الدليل فنحن نخصص أحدهما بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة كقوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [الحديد: 21] ا هـ. ويرد على الاستدلال أنه مشترك الإلزام إذ الشيء في قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص:88] الموجود مطلقاً كما في قوله تعالى: {أية : خَـٰلِقُ كُـلّ شَىْء وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } تفسير : [الزمر: 62] والمعنى أن كل ما يوجد في وقت من الأوقات يصير هالكاً بعد وجوده فيصح أن يقال: لو وجدت الجنة في وقت لوجب هلاك أكلها تحقيقاً للعموم لكن هلاكه باطل لقوله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ } فوجدوها في وقت من الأوقات باطل. وأجيب بأنه لعل المراد من الشيء الموجود في الدنيا فإنها دار الفناء دون الموجود في الآخرة فإنها دار البقاء وهذا كاف في عدم اشتراك الإلزام وفيه أنه إن أريد أن معنى الشيء هو الموجود في الدنيا فهو ظاهر البطلان، وإن أريد أن المراد ذلك بقرينة كونه محكوماً عليه بالهلاك وهو إنما يكون في الدنيا لأنها دار الفناء فنقول: إنه تخصيص بالقرينة اللفظية فنحن نخصصه بغير الجنة لقوله تعالى: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 133] و {أُكُلُهَا دَائِمٌ } فلا يتم الاستدلال. وأجاب غير الإمام بأن المراد هو الدوام العرفي وهو عدم طريان العدم زماناً يقيد به وهذا لا ينافي طريان العدم عليه وانقطاعه لحظة على أن الهلاك لا يستلزم الفناء بل يكفي فيه الخروج عن الانتفاع المقصود، ولو سلم يجوز أن يكون المراد أن كل ممكن فهو هالك في حد ذاته بمعنى أن الوجود الإمكاني بالنظر إلى الوجود الواجبـي بمنزلة العدم، وقيل: في الجواب أيضاً: إن المراد بالدوام المعنى الحقيقي أعني عدم طريان العدم مطلقاً، والمراد بدوام الأكل دوام النوع وبالهلاك هلاك الأشخاص، ويجوز أن لا ينقطع النوع أصلاً مع هلاك الأشخاص بأن يكون هلاك كل شخص معين من الأكل بعد وجود مثله، وهذا مبني على ما ذهب إليه الأكثرون من أن الجنة لا يطرأ عليها العدم ولو لحظة، وأما على ما قيل: من جريانه عليها لحظة/ فلا يتم لأنه يلزم منه انقطاع النوع قطعاً كما لا يخفى. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود رضي الله تعالى عنه {مثال الجنة} وفي "اللوامح" عن السلمي {أمثال الجنة} أي صفاتها. {تِلْكَ } الجنة المنعوتة بما ذكر {عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الكفر والمعاصي أي مآلهم ومنتهى أمرهم {وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ } لا غير كما يؤذن به تعريف الخبر، وحمل الاتقاء على اتقاء الكفر والمعاصي لأن المقام مقام ترغيب وعليه يكون العصاة مسكوتاً عنهم، وقد يحمل على اتقاء الكفر بقرينة المقابلة فيدخل العصاة في الذين اتقوا لأن عاقبتهم الجنة وإن عذبوا.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي يرتبط بقوله: { أية : الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم } تفسير : [سورة الرعد: 29]. ذُكر هنا بمناسبة ذكر ضدّه في قوله: { أية : ولعذاب الآخرة أشق } تفسير : [الرعد: 34]. والمثَل: هنا الصفة العجيبة، قيل: هو حقيقة من معاني المثل، كقوله تعالى: { أية : ولله المثَل الأعلى } تفسير : [النحل: 60]، وقيل: هو مستعار من المثَل الذي هو الشبيه في حالة عجيبة أطلق على الحالة العجيبة غير الشبيهة لأنها جديرة بالتشبيه بها. وجملة {تجري من تحتها الأنهار} خبر عن {مَثَل} باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه، فهي من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين، كما يقال: صفة زيد أسمر. وجملة {أكلها دائم} خبر ثان، والأكل بالضم: المأكول، وتقدم. ودوام الظل كناية عن التفاف الأشجار بحيث لا فراغ بينها تنفذ منه الشمس، كما قال تعالى: { أية : وجنات ألفافاً } تفسير : [سورة النبأ: 16]، وذلك من محامد الجنات وملاذّها. وجملة {تلك عقبى الذين اتقوا} مستأنفة. والإشارة إلى الجنة بصفاتها بحيث صارت كالمشاهدة، والمعنى: تلك هي التي سمعتم أنها عقبى الدار للذين يوفون بعهد الله إلى قوله: { أية : ويدرأون بالحسنة السيّئة} تفسير : [سورة الرعد: 24] إلى قوله {أية : فنعم عقبى الدار } تفسير : [سورة الرعد: 24] هي الجنة التي وعد المتّقون. وقد علم أن الذين اتقوا هم المؤمنون الصالحون كما تقدم. وأول مراتب التقوى الإيمان. وجملة {وعقبى الكافرين النار} مستأنفة للمناسبة بالمضادة. وهي كالبيان لِجملة {ولهم سوء الدار}.
القطان
تفسير : الأكل: ما يؤكل. الاحزاب: الكفرة الذين تحزبوا على رسول الله. المآب: المرجع. الواقي: الحافظ. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ}. بعد ان ذَكَر اللهُ تَعالى ما أعَدّه للكافرين من العذاب في الدُّنيا والآخرة، أتْبعَهُ بذِكر ثوابِ المتقين، فإذا كان لِلجاحدينَ العذابُ الدائم، فإن للؤمنين الجنةَ ونعيمَها، وتجري تحت أشجارها هذه الجنة، أنهار عذبة الماء، وثمراتُها دائمة لا تنقطع، وظِلُّها ظليلٌ دائم. هذه عاقبةُ المؤمنين الذي وَقَوا أنفُسَهم بالإيمان والصلاح، أما الذي كفروا فلهم النارُ وبئس القرار. {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}. إن فريقاً من الذين أُوتوا الكتابَ من اليهود والنصارى الذين آمنوا وصدّقوا يفرحون بما أُنزل من القرآن، لأنّهم يَجِدون فيه مصداقاً للقواعد الأساسية في عقيدة التوحيد وامتداداً للرسالة الآلهية، ومن هؤلاء مَن آمن مثل عبد الله بن سلام واصحابه، وبعض النصارى من الحبشة ونجران واليمن. {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}. ومن الّذين تحزَّبوا ضدَّ الإسلام من كفارِ قريش وغيرهم من أهل الاديانِ السابقة مَنْ ينكِر بعضَ ما أُنزلَ إليك عناداً وكفرا. {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}. قلْ أيّها النبي: إنّي أُمرت بأن أعبدَ الله حدَه، ولا أُشرِكَ في عبادتِه أحداً، الى عبادته وحدَه أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً}. وكما أرسلْنا قبلك المرسَلين ونزلْنا عليهم الكتبَ، أنزلنا عليك القرآن حكماً عربياً بِلسانك ولسانِ قومك، فهو حاكمٌ لأن فيه بيانَ الحلال والحرام وجميعَ ما يَحتاجُ اليه المكلَّفون مما يوصِلُهم إلى السعادةِ في الدُّنيا والآخرة. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ}. لئن اتّبعت أهواءَ الاحزابِ ابتغاءَ رِضاهم بعد ما منحك اللهُ من العلم اليقين، فليس لك من دون اللهِ وليُّ ولا ناصرٌ ينصرك. ان ما يقولُه الأحزابُ اهواءٌ لا تستندُ إلى عِلم أو يقين. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}. اذا كان هناك اعتراضٌ على بشريّةِ الرسول الكريم، وانه تَزوَّج النساءَ، وله أولادٌ وذرية، فقد كان الرسُل الذين أرسلناهم من قبلِه بشراً وكانوا يتزوَّجون ولهم نساءٌ وذرية. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}. اذا كان يعترضُ بعضُهم من المتعنِّتين ويطلب من الرسول ان يأتيَ بخارقةٍ ماديّة، فذلك ليسَ من شأنِه، إنّما هو من شأنِ الله، وهو الذي يقدّر ذلك ويدبّره بحكمتِه ومشيئته، ولكل أمرٍ كتبه اللهُ اجلٌ معين ووقت معلوم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْهَارُ} {دَآئِمٌ} {ٱلْكَافِرِينَ} (35) - صِفَةُ الجَنَّةِ التِي وَعَدَ اللهُ بِهَا المُتَّقِينَ، وَنَعْتُهَا، أَنَّهَا تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي أَرْجَائِهَا وَجَوَانِبِها، وَحَيْثُ شَاءَ أَهْلُهَا يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً، فِيهَا الفَوَاكِهُ وَالمَطَاعِمُ وَالمَشَارِبُ، لاَ انْقِطَاعَ لَهَا وَلاَ فَنَاءَ (أُكُلُها دَائِمٌ)، وَظِلُّهَا دَائِمٌ لاَ يَنْكَمِشُ وَلاَ يَزُولُ. وَهَذِهِ الجَنَّةُ التِي تَقَدَّمَتْ صِفَتُها، هِيَ جَزَاءُ المُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ (عُقْبَى الذِينَ اتَّقَوا)، أَمَّا الكَافِرُونَ فَعُقْبَاهُمْ وَمَصِيرُهُمُ النَّارُ. وَلاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ الجَنَّةِ وَأَصْحَابُ النَّارِ. أُكُلُها دَائِمٌ - ثَمَرُهَا الذِي يُؤْكَلُ لاَ يَنْقَطِعُ.
الثعلبي
تفسير : {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} في دخولها اختلفوا في الرافع للمثل. فقال الفراء: هو ابتداء وخبر على قوله {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وقيل معنى المثل الصفة كقوله {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النحل: 60] أي الصفة العليا وقوله {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ}تفسير : [الفتح: 29] ومجاز الآية صفة الجنة التي وعد المتقون أنّ الأنهار تجري من تحتها وكذا وكذا. وقيل مثل وجه مجازها الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، والعرب تفعل هذا كثيراً بالمثل والمثل كقوله {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى: 11] أي ليس هو كشيء. وقيل معناه: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الرعد: 18]. قيل الجنة [بدل] منها. قال مقاتل: معناه شبه الجنة التي وعد المتقون في الخير والنعمة والخلود والبقاء كشبه النار [في العذاب و] الشدّة والكرب. {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} لا ينقطع ولا يفنى {وِظِلُّهَا} ظليل لا يزال وهذا رد على الجهمية، حيث قالوا: إن نعيم الجنة يفنى {تِلْكَ عُقْبَىٰ} يعني ما فيه {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الجنة {وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ * وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن وهم أصحاب محمد {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} يعني الكفار الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اليهود والنصارى {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} وذلك أنهم آمنوا بسورة يوسف وقالوا إنها واطأت كتابنا وهذا قول مجاهد وقتادة. وقال باقي العلماء: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في بدء ما أنزل فلما أسلم عبدالله. ابن سلام وأصحابه: ساءهم قلّة ذكر الرحمن في القرآن؛ لأن ذكر الرحمن في التوراة كثير فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله الله تعالى{أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}تفسير : [الإسراء: 110] الآية. فقالت قريش حين نزلت هذه الآية: ما بال محمد كان يدعو إلى إله واحد فهو اليوم يدعو إلى إلهين: الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب فأنزل الله {أية : وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 36]وهم يكفرون بالرحمن وفرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن فأنزل الله {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} الله من ذكر الرحمن {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} يعني مشركي قريش من يذكر بعضه. قال الله {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} مرجعي {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} وكما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد وأنكره الأحزاب، كذلك أيضاً أنزلنا الحكم والدين حكماً عربياً، وإنما وصفه بذلك لأنه أنزل على محمد وهو عربي، فنسب الدين إليه إذ كان منزلا عليه فكذب الاحزاب بهذا الحكم أيضاً، وقال قوم معنى الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغناهم كذلك أنزلنا عليك القرآن حكماً عربياً ثم توعده على إتباع هوى الأحزاب فقال {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} قيل بما شاء الله، وقيل في أهل القبلة لأنّه {مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} فجعلناهم بشراً مثلك {وَجَعَلْنَا لَهُمْ} نكحوهن وأولاد ينسلوهم ولم يجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحوهن، فنجعل الرسول إلى قومك ملائكة ولكن أرسلنا إلى قومك بشراً مثلهم كما أرسلنا إلى من قبلهم من الأُمم بشراً مثلهم {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} وهذا جواب عبد الله بن أبي أُمية ثم قال: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} لكل أمر أمضاه الله كان قد كتبه لجميع عبيده، الضحاك: معناه لكل كتاب نزل من السماء أجل ووقت ينزل فيه وهذا من المقلوب {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}. قرأ حميد وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ويثبت بالتخفيف. وقرأ الآخرون: بالتثقيل واختاره أبو عبيد لكثرة من قرأها ولقوله تعالى {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [إبراهيم: 27]. واختلف المفسرون في معنى الآية، فروى نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يمحو الله ما يشاء إلاّ الشقاوة والسعادة والموت ". تفسير : وعن ابن عباس قال: يمحو الله ما يشاء إلا أشياء: الخَلْق والخُلْق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة. عكرمة عنه هما كتابان سوى أم الكتاب يمحو الله فهما ما يشاء ويثبت {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} الذي لا يغير منه شيء. أبو صالح والضحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه ثواب وعقاب. وروى عفان عن همام عن الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت. قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه. قلت من حدثك؟ قال أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فقدم الكلبي بعد فسئل عن هذه الآية فقال: حتى إذا كان يوم الخميس يطرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. مثل قولك أكلت، شربت، دخلت، خرجت ونحوها من الكلام وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب. وقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء ويثبت كل ما يشاء [من] غير استثناء كما حكى الكلبي عن راذان عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وسلم). روى أبو عثمان النهدي: أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يطوف بالبيت السبت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُم الكتاب. ابن مسعود: إنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُم الكتاب. وروى حماد بن أبي حمزة عن إبراهيم: أن كعباً قال لعمر (رضي الله عنه): يا أمير المؤمنين لولا اية في كتاب الله لأُنبئنك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هو؟ قال: قول الله تعالى {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}. وروى عطية عن ابن عباس: في هذه الآية قال: هو الرجل يعمل للزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل الذي عمل بطاعة الله وقد كان يقول: خير أُمتي يموت وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت. قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): يمحو الله ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها كقوله {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ}تفسير : [يس: 31] وقوله {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}تفسير : [المؤمنون: 31]. سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء وما ينسخه. الحسن: لكل أجل كتاب يعني آجال بني آدم في كتاب يمحو الله ما يشاء من جاء أجله فيذهب به ويثبت من لم يجىء أجله إلى أجله. مجاهد وابن قيس: حين ما أنزل {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الرعد: 38] ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرع من أمره. فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم أي إن يشاء أحدثها من أمر. قاله بأشياء ويحدث في كل رمضان في ليلة القدر فيمحوا ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وينسئهم له. محمد بن كعب القرظي: إذا ولد الإنسان. أثبت أجله ورزقه وإذا مات محى أجله ورزقه. وروى سعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء بتركها فلا يغفرها. عكرمة: يمحو الله ما يشاء يعني بالتوبة جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات فإنه {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]. وروى عن الحسن أيضاً: يمحو الله ما يشاء يعني الآباء ويثبت يعني الأبناء. السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت يعني الشمس. بيانه قوله: {أية : فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً}تفسير : [الإسراء: 12]. ربيع: هذا في الأرواح في حال النوم يقبضها عند النوم فمن أراد موته محا وأمسكه ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه. بيانه قوله {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}تفسير : [الزمر: 42]. وقيل: يمحو الله ما يشاء الدنيا ويثبت الآخرة. وروى محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأُولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه آخر غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ". تفسير : ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة جنانها رمان من ياقوت ولله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو منها ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب. قال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب يعني اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل. قال قتادة والضحاك: حلية الكتاب وأصله فيه ما يمحو ويثبت. فسأل ابن عباس كذا عن أُم الكتاب. قال: يعلم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن نريك ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} الذي عليك [أن تبلغهم] {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} والجزاء.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمصدر الأساسي الذي وعدَ المتقين بالجنة هنا هو الله، وقد بلَّغ عنه الرسل - عليهم السلام - هذا الوعد، وتَلاهُمُ العلماء المُبلِّغون عن الرسل. وأنت حين تنظر إلى فعل يشيع بين عدد من المصادر، تستطيع أن تبحث عن المصدر الأساسي، والمَثَل هو قول الحق سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ..} تفسير : [الزمر: 42]. ويقول في موقع آخر من القرآن: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ..} تفسير : [السجدة: 11]. وهكذا تكون التَّوْفية قد آلتْ إلى الله؛ وآلتْ إلى مَلَكِ الموت، وقد أخذ مَلَكَ الموْت مسئولية التَّوفية من إسناد الحق له تلك المهمة؛ ويكون نسبتها لِملَكِ الموت هو نوع من إيضاح الطرف الذي يُوكِّل له الحق سبحانه تنفيذ المهمة. ومرة يأتي الحق سبحانه بالمصدر الأصلي الذي يُصدِر الأمر لِملَكِ الموْت بمباشرة مهمته. وهنا في الآية الكريمة نجد قول الحق سبحانه: {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} [الرعد: 35]. وهي مَبْنية لِمَا لم يُسَمّ فاعله؛ فالوعد منه سبحانه. حديث : ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يَعِد أيضاً، فها نحن قد جاء إلينا خبر بيعة العقبة؛ حين أخذ البيعة من الأنصار، وقالوا له: خُذْ لنفسك، فأخذ لنفسه ما أراد، ثم قالوا له: وماذا نأخذ نحن إنْ أدَّيْنَا هذا؟ فقال لهم: "لكم الجنة" ". تفسير : وقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن العمل الذي فعلوه؛ لا يكفيه أجراً إلا الجنة، ومن المعقول أن أيَّ واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض للموت من بعد معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أنه وعدهم بِمَا في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد؛ فالذي يموت قبل هذا لا بُدَّ أن يدرك شيئاً مِمّا وعد الرسول مَنْ عاهدوه؛ ولذلك أعطاهم ما لا ينفد، وهو الوَعْد بالجنة. والحق سبحانه هنا - في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يقول: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ..} [الرعد: 35]. أي: أنه يضرب لنا المَثَل فقط؛ لأن الألفاظ التي نتخاطَبُ بها نحن قد وُضِعتْ لِمَعان نعرفها؛ وإذا كانت في الجنة أشياء لم تَرَها عَيْنٌ ولم تسمعها أُذنٌ، ولم تخطر على بال بشر؛ فمنَ المُمْكِن أن نقول إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدي معنى ما هناك، فيضرب الله الأمثال لنا بما نراه من الملذَّات؛ ولكن يأخذ منها المُكدِّرات والمُعكِّرات. وهكذا نعرف أن هناك فارقاً بين "مثل الجنة" وبين "الجنة"، فالمَثَل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه؛ لأن معنى التمثيل أن تُلحِق مجهولاً بمعلوم لِتأخذَ منه الحكم. مثلما تقول لصديق: أتعرف فلاناً؛ فيقول لك: "لا". فتقول له: "إنه يشبه فلاناً الذي تعرفه". وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولاً بمعلوم؛ لتأتي الصورة في ذِهْن سامعك. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم شرحاً لما أجمْله القرآن: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ..} تفسير : [الزخرف: 71]. ويضيف صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيها مَا لاَ عَيْن رأتْ، ولا أُذن سمعتْ، ولا خَطر على قَلْب بشرٍ ". تفسير : وحين تُدقَّق في هذا القول النبويّ الكريم تجد الترقِّي كاملاً؛ فقوله: "ما لا أُذن سمعتْ" جاء لأنه يعلم أن مُدْركَاتِ العيْنِ محدودة بالنسبة لِمَا تعلمُ الأذن؛ لأن الأذن تسمع ما لا تدركه العين؛ فهي تسمع ما يراه غيرُك بالإضافة إلى ما تراه أنت. فالأذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل صوته وتستحضره ثم تميزه، بخلاف العين فهي محدودة المسافة حسب قوة الإبصار، ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق. ثم يأتي الترقِّي الأكبر في قوله: "ولا خطر على قلب بشر". والخواطر أوسَعُ من قدرة الأذن وقُدْرة العين؛ فالخواطر تتخيَّل أشياء قد تكون غيرَ موجودة. وهكذا نرى عَجْز اللغة عن أنْ تُوجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة، ولا أحدَ فينا يعلم ما هي الأشياء الموجودة بالجنة، وما دام أحد منا لم يَرَ الجنة؛ وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فيها ما لا عَيْن رأتْ، ولا أُذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : فلا بُدَّ أنْ نعلم قَدْر عَجْز اللغة عن التعبير عَمَّا في الجنة، فإذا أراد الله أنْ يُعبِّر عَمَّا فيها؛ فهو يُوضِّح لنا بالمثَلِ؛ لا بالوصف، لأنه يعلم أن لغتنا تضع الألفاظ لِمَا هو موجود في حياتنا؛ ولا توجد ألفاظ في لغتنا تُؤدِّي معاني ما في الجنة. ولذلك قال لنا الحق سبحانه: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..}تفسير : [محمد: 15]. ومع أن الحق سبحانه يضرب مثلاً، إلا أنه خلَّص المَثَل من شوائبه التي نعرفها في الدنيا، فالمياه عندما تجري؛ تكون حُلْوة ورائقة وصَافية؛ وإنْ ركدتْ فهي تأسَنُ وتكون عَطِنة. ولذلك يُوضِّح لنا الحق سبحانه أن المياه في الجنة غير آسنة؛ وأنها تكون أنهاراً منزوعاً من مياهها ما يُكدِّرها. وكذلك المثل بأنهار من لبن لم يتغير طَعْمه. واللبن كما نعرف هو غذاء البدو؛ فَهُمْ يحلبون الماشية، ويحتفظون بألبانها في قِرَبٍ لِمُددٍ طويلة؛ فيتغير طَعْم اللبن؛ ولذلك يضرب لهم المثَل بوجود أنهار من لبن لم يتغير طَعْمه. وأيضاً يضرب المثل بوجود أنهار من عَسَل مُصفَّى، والعسل - كما نعرف - كان في الأصل يأتي من النحْل الذي كان يسكن الجبال قبل استئناسه؛ ووَضْعه في مناحل في الحدائق. والحق - سبحانه وتعالى - هو القائل: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} تفسير : [النحل: 68]. وحين بحث علماء الحشرات عن تاريخ النحل، وجدوا أن أقدمَ عسل في العالم هو الذي كان موجوداً في الكهوف الجبليّة؛ ثم يليه في العمر العسل الذي جاء من خلايا النحل؛ تلك الخلايا التي أقامها النحل بعد استئناسه؛ ومن بعد ذلك يأتي العسل الذي أقمْنَا نحن له المنَاحل. وقد ميَّزوا العسل القديم عن المتوسط عن الجديد، بأن أحرقوا بعضاً من كل نوع من أنواع العسل، فنتج من الاحتراق عنصر الكربون؛ ومن هذا العنصر اكتشفوا عمر كل نوع من الثلاثة. ويوضح الحق سبحانه أن بالجنة أنهاراً من عَسَل مُصفَّى، وبذلك يُقدِّم لنا خَيْر ما كنا نُحِبه من عسل الدنيا، ولكن بدون ما يُكدِّره. ويوضِّح سبحانه أيضاً أن في الجنة أنهاراً من خمر، ولكنها خَمْر تختلف عن خمر الدنيا؛ فهي لا تؤثر على التكوين العضْوي للعقل، كما أن خمر الدنيا ليس فيها لذةٌ للشاربين؛ لأنها من كحول يَكْوي الفم ويَلْسعه؛ ولذلك تجد مَنْ يشربها وهو يسكْبها في فمه لِتمُرَّ بسرعة فلا يشعر بلسعها في فمه، فتذهب إلى معدته مباشرة فتلهبها. ويختلف الحال لو كان المشروب هو شراب عصير المانجو أو البرتقال أو القصب؛ حيث تستطيب النفس مذاقَ تلك الفواكه؛ فنجد مَنْ يشربها يتمهَّل ليستبقى أثرها في فمه. ويقول الحق سبحانه عن خمر أنهار الجنة: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ ..} تفسير : [الصافات: 47]. أي: أنه سبحانه ينفي عن خَمْر أنهار الجنة كُلَّ المُكدِّرات التي توجد في خمر الدنيا. إذن: فساعةَ تسمع مثلاً عن الجنة؛ فاعلم أنه مَثَلٌ تقريبيّ؛ لأنه لا يمكن أن تأتي الحقيقة، حيث لا يوجد لفظ يُعبِّر عنها؛ وهي لم توجد عندنا؛ وسبحانه لا يخاطبنا إلا بما نعلم من اللغة؛ لذلك يأتي لنا بالمثَلِ المضروب لنأخذ منه صورة تقريبية. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق سبحانه: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الرعد: 35]. ونعلم أن عَصَب حياة العرب أيام نزول القرآن كان هو الماء؛ ألم يطلبوا من الرسول أن يُفجِّر لهم الأنهار تفجيراً؟ نجد الحق سبحانه قد جاء بالتعبير القرآني عن أنهار الجنة بصورتين مختلفتين: أولهما: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الرعد: 35]. مثلما قال في الآية التي نحن بصَددِ خواطرنا عنها. ومرَّة يقول سبحانه: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..} تفسير : [التوبة: 100]. والفارق بين العبارتين هو استيعاب الكمالية في النص، بمعنى أن: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الرعد: 35]. تُوضِّح أن منابع تلك الأنهار تأتي من تحت تلك الجنة مباشرة؛ فلا يَقِلّ الماء في تلك الأنهار أبداً. ويُقال: إن الفارق بين أنهار الدنيا وأنهار الجنة أن أنهار الدنيا عبارة عن شقوق في الأرض لها شواطئ تحتضنها؛ أما أنهار الآخرة فهي تسير على الأرض دون شواطئ تحجزها. ونجد أنهار الخمر تسير أيضاً في الأرض، ولا تتداخل مع أنهار الماء، وكذلك أنهار اللبن، وكُلُّ ذلك من صَنْعة رَبٍّ حكيم قادر. أما قوله: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..} تفسير : [التوبة: 100]. أي: أن منابعها ليست من تحتها مباشرة؛ ولكنها تأتي دون نَقْصٍ من جهة أنت لا تعلمها؛ وهو سبحانه قادر على كل شيء. ويتابع سبحانه، فيقول عن تلك الجنة: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ ..} [الرعد: 35]. والأُكل هو ما يُؤكَل، وسبحانه القائل: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 25]. وقوله: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ ..} [الرعد: 35]. أي: لا ينقطع، ونعلم أن الإنسان حين يأكل؛ فهو يفعل ذلك بهدف إشباع جُوعه؛ وبعد أن يُشبِع جُوعَه؛ قد يطلب أن يُرفعَ الطعام من أمامه، إلى أنْ يجوع، فيطلب الطعام من جديد. ومنْ يحبون الطعام في حياتنا الدنيا نرى الواحد منهم وهو يقول: "أشعر ببعض الضيق لأنِّي شبعتُ"، فهو في عراك بين نفس تشتهي وبين بطن لا تشبع، وكأنه كان يريد أنْ يستمر في تناول الطعام طوال الوقت. وقول الحق سبحانه: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ ..} [الرعد: 35]. شغل هذا القول الرومان الذين كانوا أصحاب إمبراطورية عُظْمى زَلْزلها الإسلام بحضارته الوليدة، وأرسل إمبراطورهم مَنْ يطلب من أحد الخلفاء إرسال رجل قادر على شرح قول الحق: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ ..} [الرعد: 35]. فأرسل لهم أحدَ العلماء؛ وسألوه: يقول قرآنكم إن أُكُل الجنة دائم؛ ونحن وأنتم تعلمون أن كل شيء يُؤخذ منه لابُدَّ له أن ينقص؛ فكيف يكون أُكُل الجنةِ دائماً؟ قال العالم لهم: هاتوا مصباحاً. فأحضروا له المصباح وأشعله أمامهم. وقال لكل منهم: فَليأْتِ كل منكم بمصباحه. فأحضر كل منهم مصباحه. وقال لهم: فَلْيُشعِل كل منكم مِصبْاحه. وهنا سألهم: ما الذي أنقصه إشعال مصابيحكم من هذا المصباح؟ قالوا: لا شيء. فقال لهم: هكذا ضرب الله لنا المثَل بأُكُل الجنة. وبطبيعة الحال كان يجب أن يلتفتوا إلى أن المصباح يعتمد في اشتعاله على الزيت المخزون فيه، ويأتيه منه المَدَد، أما الجنة فمدَدُهَا من الله. وهناك مَنْ قال: هل نتغوَّط في الجنة؟ فَردَّ عليه واحد من العارفين: لا. فتساءل: وأين تذهب بقايا ما نأكل من طعام الجنة؟ فقال العارف بالله: مثلما تذهب بقايا ما يتغذى عليه الطفل في بطن أمه؛ حيث يحترق هذا الفائض في مَشِيمة الطفل؛ والطفل في بطن أمه إنما ينمو بشكل مستمر، مُعتمِداً على غذاء يأتيه من أمه عَبْر الحَبْل السُّريّ. وكل تلك الأمور تقريبية تجعلنا نعبر الفجوة بين ما نشهده في حياتنا اليومية، وبين ما أعدَّه الله للمتقين، وهو القيُّوم على كُلِّ أمْرٍ. وقد قال الحق سبحانه: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا ...} [الرعد: 35]. يعني: أن الطعام موجود ولا ينتهي وكذلك الظل. والظل حَجْب المضيء من مكان؛ أو حَجْب مكان عن المضيء، ولا أحد يعلم أنه ستوجد هناك شمس أم لا؛ والعقل البشري قاصر عن تخيُّل ذلك؛ فهو من فعل الله، وهو سبحانه قادر على كل شيء. وهو القائل سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} تفسير : [النساء: 57]. وهو القائل سبحانه: {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} تفسير : [الواقعة: 30]. ويتابع سبحانه: {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} [الرعد: 35]. أي: يا متقي الله؛ ووضعتَ بينك وبين صفات جلاله وقاية، ولم تقربْ محارمه واتبعتَ منهجه؛ ستجد أنه سبحانه يُجازِيك بصفات كَماله وجَماله؛ فيُنزِلك الجنة التي وعدكَ بها. لذلك إنْ وجدتَ مشقَّة في التكليف فعليك أن تعلمَ أن جزاء تلك المشقَّة هو الجزاء الجميل؛ لأنك صدَّقْتَ رسولك صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : حُفَّتْ الجنة بالمكَاره؛ وحُفَّتْ النار بالشهوات ". تفسير : والعاقل ساعةَ يرى تكليفاً يحُدُّ من حريته؛ فهو يستحضر الجزاء على تلك المشقَّة، وهو أيضاً حين يرى أمراً يبدو في ظاهره شهوة عاجلة؛ فهو يستحضر العقاب على تلك الشهوة العاجلة فيستبعدها. وأي من الجزاء الطيب أو العقاب قد يأتي فجأة؛ لأن الموتَ لا ميعادَ له؛ ونحن نُصدِّق قول رسولنا صلى الله عليه وسلم:"حديث : الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته ". تفسير : وهكذا يُضخِّم الحق سبحانه من جزاء المؤمن المُتقِّي فيعشق العمل، ويتحمل مشاقّ التكليف ليكون مَوْصُولاً بالجزاء الطيب، فهذا الجزاء هو عُقْبى العمل الحسن في الدنيا، فالغاية الحقيقية من كل مراحل الوجود هي ألاَّ يوجد بَعْد للغاية؛ لأنها غاية الخلود لا تعرف البعدية. وما دامت الجنة تضمن الخلود أبداً، فهي تستحق أن تكون غايةَ المؤمن وعاقبةَ عمله، والتزامِه بالتكاليف الإيمانية. تماماً كما تكون النار هي عاقبة الكافرين المُكذِّبين؛ حيث يروْنَ الخير مصير المؤمنين؛ ويروْنَ الشرَّ مصيرهم؛ فيُجمع عليهم التنغيصُ؛ مرة بوجود الخير عند أهل الإيمان؛ ومرة بأن يَرَوْا ما أُعِدَّ لهم من شَرٍّ. لذلك قال سبحانه: {وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} [الرعد: 35]. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما أعدَّ للكفار في الآخرة ذكر ما أعد للمؤمنين في جنات النعيم، ثم توعد المشركين بالعذاب الأليم، وختم السورة الكريمة ببيان صدق رسالته عليه السلام بشهادة الله تعالى وشهادة المؤمنين من أهل الكتاب. اللغَة: {ٱلأَحْزَابِ} الطوائف المتفرقة من أحزاب اليهود والنصارى سموا بذلك لأنهم جماعات متفرقة لا تجمعهم عقيدة واحدة {مَآبِ} أي مآبي بمعنى مرجعي {يَمْحُواْ} المحو: إزالة الأثر من كتابة أو غيرها وعكسه الإِثبات {أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أصل كل الكتب والمراد منه علم الله أو اللوح المحفوظ {ٱلْبَلاَغُ} اسم بمعنى التبليغ {مَكَرَ} المكرُ: تدبير أمرٍ في خفاء، وقد يكون في الخير وقد يكون في الشر. سَبَبُ النّزول: قال الكلبي: عيَّرت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما نرى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}. التفسير: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي صفة الجنة العجيبة الشأن التي وعد الله بها عباده المتقين أنها تجري من تحت قصورها وغرفها الأنهار {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} أي ثمرها دائم لا ينقطع، وظلُّها دائم لا تنسخه الشمس {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي تلك الجنة عاقبة المتقين ومآلهم {وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} أي وأما عاقبة الكفار الفجار فهي النار {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي والذين أنزلنا إليهم التوراة والإِنجيل - ممن آمن بك واتبعك يا محمد - كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه يفرحون بهذا القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} أي ومن أهل الملل المتحزبين عليك وهم أهل أديان شتى من ينكر بعض القرآن مكابرة مع يقينهم بصدقه لأنه موافق لما معهم {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} أي قل يا محمد إنما أُمرتُ بعبادة الله وحده لا أشركُ معه غيره {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} أي إلى عبادته أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} أي ومثل إنزال الكتب السابقة أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب لتحكم به بين الناس {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي ولئن اتبعتَ المشركين فيما يدعونك إليه من الأهواء والآراء بعدما آتاك الله من الحجج والبراهين {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ} أي ليس لك ناصرٌ ينصرك أو يقيك من عذاب الله، والمقصود تحذير الأمة من اتباع أهواء الناس لأن المعصوم إذا خوطب بمثل ذلك كان الغرض تحذير الناس قال القرطبي: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} أي أرسلنا قبلك الرسل الكرام {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} أي وجعلنا لهم النساء والبنين، وهو ردٌّ على من عاب على الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة النساء وقالوا: لو كان مرسلاً حقاً لكان مشتغلاً بالزهد وترك الدنيا والنساء، فردَّ الله مقالتهم وبيَّن أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس ببدعٍ في ذلك، بل هو كمن تقدم من الرسل {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي لم يكن لرسولٍ أن يأتي قومه بمُعجزة إلا إذا أذن الله له فيها، وهذا ردٌّ على الذين اقترحوا الآيات {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي لكل مدةٍ مضروبة كتابٌ كتبه الله في اللوح المحفوظ، وكلُّ شيء عنده بمقدار قال الطبري: لكل أمر قضاه الله كتابٌ قد كتبه فهو عنده {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} أي ينسخ الله ما يشاء نسخه من الشرائع والأحكام وصحف الملائكة الكرام، ويثبتُ ما يشاء منها دون تغيير قال ابن عباس: يبدّل الله ما يشاء فينسخه إلا الموتَ والحياة والشقاء والسعادة فإنه قد فرغ منها وقيل: إن المحو والإِثبات عامٌ في جميع الأشياء لما روي أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويبكي ويقول: اللهمَّ إن كنتَ كتبت عليَّ شقوةً أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمُّ الكتاب، واجعله سعادةً ومغفرة، وقد رجحه أبو السعود وهو قول ابن مسعود أيضاً {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقاديرَ الأشياء ِ كلَّها {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} أي وإن أريناك يا محمد بعض الذي وعدناهم من العذاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} أي نقبضك قبل أن نقر عينك بعذاب هؤلاء المشركين {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} أي ليس عليك إلا تبليغ الرسالة وعلينا حسابهم وجزاؤهم {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} أي أولمْ ير هؤلاء المشركون أنّا نمكّن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإِسلام؟ وذلك من أقوى الأدلة على أن الله منجزٌ وعده لرسوله عليه السلام {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقضٍ ولا تغيير {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي سريع الانتقام ممن عصاه {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي مكر الكفار الذين خَلَوْا بأنبيائهم كما مكر كفار قريش بك {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} أي له تعالى أسباب المكر جميعاً لا يضر مكرهم إلا بإرادته، فهو يوصل إليهم العذاب من حيث لا يعلمون {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي من خير وشر فيجازي عليه {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} أي لمن تكون العاقبة الحسنة في الآخرة {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} أي يقول كفار مكة لستَ يا محمد مرسلاً من عند الله {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي حسبي شهادة الله بصدقي بما أيدني من المعجزات {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} أي وشهادة المؤمنين من علماء أهل الكتاب. البَلاَغَة: في الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- التشبيه في قوله {أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ}تفسير : [الرعد: 30] وفي {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ} ويسمى مرسلاً مجملاً. 2- الإِيجاز بالحذف في {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} أي وظلها دائم حذف منه الخبر بدليل السابق. 3- المقابلة في {تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ} وهو من المحسنات البديعية. 4- جناس الاشتقاق في {أَرْسَلْنَا رُسُلاً}. 5- الطباق في {يَمْحُواْ .... وَيُثْبِتُ}. 6- القصر في {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} وفي {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} وكلاهما قصرٌ إضافي من باب قصر الموصوف على الصفة أي ليس لك من الصفات إلا صفة التبليغ. 7- التهييج والإِلهاب {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم}. 8- المجاز المرسل في {نَأْتِي ٱلأَرْضَ} أي يأتيها أمرنا وعذابنا. لطيفَة: فسَّر بعضهم قوله تعالى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} أن نقصانها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير والصلاح، وهذا مرويٌ عن مجاهد وابن عباس في رواية عنه وأنشد بعضهم: شعر : الأرضُ تحيا إذا ما عاشَ عالِمها متى يَمُتْ عالمٌ منها يمتْ طَرَفُ كالأرض تحيا إذا ما الغيثُ حلَّ بها وإن أبى عادَ في أكنافها التَّلَفُ
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } الذين تركوا ما نهاهم الله عنه، ولم يقصروا فيما أمرهم به، أي: صفتها وحقيقتها { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أنهار العسل، وأنهار الخمر، وأنهار اللبن، وأنهار الماء التي تجري في غير أخدود، فتسقى تلك البساتين والأشجار فتحمل من جميع أنواع الثمار. { أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا } دائم أيضا، { تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا } أي: عاقبتهم ومآلهم التي إليها يصيرون، { وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } فكم بين الفريقين من الفرق المبين؟!!
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):