Verse. 1743 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَالَّذِيْنَ اٰتَيْنٰہُمُ الْكِتٰبَ يَفْرَحُوْنَ بِمَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكَ وَمِنَ الْاَحْزَابِ مَنْ يُّنْكِرُ بَعْضَہٗ۝۰ۭ قُلْ اِنَّمَاۗ اُمِرْتُ اَنْ اَعْبُدَ اللہَ وَلَاۗ اُشْرِكَ بِہٖ۝۰ۭ اِلَيْہِ اَدْعُوْا وَاِلَيْہِ مَاٰبِ۝۳۶
Waallatheena ataynahumu alkitaba yafrahoona bima onzila ilayka wamina alahzabi man yunkiru baAAdahu qul innama omirtu an aAAbuda Allaha wala oshrika bihi ilayhi adAAoo wailayhi maabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين آتيناهم الكتاب» كعبد الله بن سلام وغيره من مؤمني اليهود «يفرحون بما أنزل إليك» لموافقته ما عندهم «ومن الأحزاب» الذين تحزَّبوا عليك بالمعادة من المشركين واليهود «من ينكر بعضه» كذكر الرحمن وما عدا القصص «قل إنما أمرت» فيما أنزل إليَّ «أن» أي بأن «أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب» مرجعي.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في المراد بالكتاب قولين: الأول: أنه القرآن والمراد أن أهل القرآن يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث والأحكام والقصص، ومن الأحزاب الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار من ينكر بعضه وهو قول الحسن وقتادة. فإن قيل: الأحزاب ينكرون كل القرآن. قلنا: الأحزاب لا ينكرون كل ما في القرآن، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء، والأحزاب ما كانوا ينكرون كل هذه الأشياء. والقول الثاني: إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وعلى هذا التقدير ففي الآية قولان: الأول: قال ابن عباس: الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بأرض الحبشة وفرحوا بالقرآن، لأنهم آمنوا به وصدقوه والأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين قال القاضي: وهذا الوجه أولى من الأول لأنه لا شبهة في أن من أوتي القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن، أما إذا حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة ويمكن أن يقال: إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة، فلهذا السبب حكى الله تعالى فرحهم به. والثاني: والذين آتيناهم الكتاب اليهود أعطوا التوارة، والنصارى أعطوا الإنجيل، يفرحون بما أنزل في هذا القرآن، لأنه مصدق لما معهم ومن الأحزاب من سائر الكفار من ينكر بعضه، وهو قول مجاهد. قال القاضي: وهذا لا يصح، لأن قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } يعم جميع ما أنزل إليه، ومعلوم أنهم لا يفرحون بكل ما أنزل إليه ويمكن أن يجاب فيقال إن قوله: {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } لا يفيد العموم بدليل جواز ادخال لفظتي الكل والبعض عليه، ولو كانت كلمة «ما» للعموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً. ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة منه فقال: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَابِ } وهذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به، وفيه فوائد: أولها: أن كلمة «إنما» للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى، وذلك يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك. وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك يدل على أن المرء مكلف بذلك. وثالثها: أن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع وصفاته، وما يجب ويجوز ويستحيل عليه. ورابعها: أن عبادة الله واجبة، وهو يبطل قول نفاة التكليف، ويبطل القول بالجبر المحض. وخامسها: قوله: {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ } وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية، ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبوداً سوى الله تعالى سواء قال: إن ذلك المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب أو الأصنام والأوثان والأرواح العلوية أو يزدان وأهرمن على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله الثنوية. وسادسها: قوله: {إِلَيْهِ ٱدْعُواْ } والمراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية الله تعالى وهو إشارة إلى نبوته. وسابعها: قوله: {وَإِلَيْهِ مَابِ } وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة ووقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي بعض من أوتي الكتاب يفرح بالقرآن، كابن سَلاَم وسَلْمان، والذين جاؤوا من الحبشة؛ فاللفظ عام، والمراد الخصوص. وقال قَتَادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يفرحون بنور القرآن؛ وقاله مجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضاً أنهم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: هم جماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى يفرحون بنزول القرآن لتصديقه كتبهم. وقال أكثر العلماء: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلاً في أوّل ما أنزل، فلما أسلم عبد الله بن سَلاَم وأصحابه ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة؛ فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فأنزل الله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110] فقالت قريش: ما بال محمد يدعو إلى إلٰه واحد فأصبح اليوم يدعو إلهين، الله والرحمنٰ والله ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مُسَيْلِمَة الكذّاب؛ فنزلت: {أية : وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 36] {أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الرعد: 30] ففرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن؛ فأنزل الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} يعني مشركي مكة ومن لم يؤمن من اليهود والنصارى والمجوس. وقيل: هم العرب المتحزبون على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ومن أعداء المسلمين من ينكر بعض ما في القرآن؛ لأن فيهم من كان يعترف ببعض الأنبياء، وفيهم من كان يعترف بأن الله خالق السموات والأرض. {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} قراءة الجماعة بالنصب عطفاً على «أعبد». وقرأ أبو خالد بالرفع على الاستئناف أي أفرده بالعبادة وحده لا شريك له، وأتبرّأ عن المشركين، ومن قال: المسيح ابن الله وعزير ابن الله، ومن اعتقد التشبيه كاليهود. {إِلَيْهِ أَدْعُو} أي إلى عبادته أدعو الناس. {وَإِلَيْهِ مَآبِ} أي أرجع في أموري كلها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ}، وهم قائمون بمقتضاه {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي: من القرآن؛ لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} تفسير : [البقرة: 121] الآية، وقال تعالى: {أية : قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } تفسير : [الإسراء: 107-108] أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لحقاً وصدقاً مفعولاً لا محالة وكائناً، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده {أية : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} تفسير : [الإسراء: 109]، وقوله: {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} أي: ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد: {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} أي: اليهود والنصارى {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} أي: بعض ما جاءك من الحق، وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 199] الآية، {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} أي: إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي {إِلَيْهِ أَدْعُواْ} أي: إلى سبيله أدعو الناس {وَإِلَيْهِ مَآبِ} أي: مرجعي ومصيري. وقوله: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكماً معرباً، شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42]. وقوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم} أي: آراءهم {بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي: من الله سبحانه {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ} وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } كعبد الله ابن سلام وغيره من مؤمني اليهود {يَفْرَحُونَ بِمآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } لموافقته ما عندهم {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ } الذين تحزّبوا عليك بالمعاداة من المشركين واليهود {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } كذكر (الرَّحْمٰنِ) وما عدا القصص {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ } فيما أنزل إليّ {أن } أي بأن {أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلآ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ ٱدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَئَابِ } مرجعي.

الشوكاني

تفسير : اختلف المفسرون في تفسير الكتاب المذكور فقيل: هو التوراة والإنجيل، والذين يفرحون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم من أسلم من اليهود والنصارى، وقيل: الذين يفرحون هم أهل الكتابين لكون ذلك موافقاً لما في كتبهم مصدّقاً له، فعلى الأوّل يكون المراد بقوله: {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } من لم يسلم من اليهود والنصارى، وعلى الثاني يكون المراد به المشركين من أهل مكة ومن يمثالهم، أو يكون المراد به البعض من أهل الكتابين أي: من أحزابهما، فإنهم أنكروه لما يشتمل عليه من كونه ناسخاً لشرائعهم فيتوجه فرح من فرح به منهم إلى ما هو موافق لما في الكتابين، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما، وقيل: المراد بالكتاب القرآن، والمراد بمن يفرح به المسلمون، والمراد بالأحزاب المتحزّبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين واليهود والنصارى، والمراد بالبعض الذي أنكروه من خالف ما يعتقدونه على اختلاف اعتقادهم. واعترض على هذا بأن فرح المسلمين بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره، وأجيب عنه بأن المراد زيادة الفرح والاستبشار، وقال كثير من المفسرين: إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمٰن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فأنزل الله {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }تفسير : [الإسراء: 110] ففرحوا بذلك، ثم لما بين ما يحصل بنزول القرآن من الفرح للبعض والإنكار للبعض صرّح بما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقول لهم ذلك، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } أي: لا أشرك به بوجه من الوجوه أي قل لهم: يا محمد إلزاماً للحجة، ورّداً للإنكار: إنما أمرت فيما أنزل إليّ بعبادة الله وتوحيده، وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع وتطابقت على عدم إنكاره جميع الملل المقتدية بالرسل. وقد اتفق القرّاء على نصب: {ولا أشرك به} عطفاً على {أعبد}. وقرأ أبو خليد بالرفع على الاستئناف، وروى هذه القراءة عن نافع {إِلَيْهِ ٱدْعُواْ } أي: إلى الله لا إلى غيره أو إلى ما أمرت به، وهو عبادة الله وحده، والأوّل أولى لقوله: {وَإِلَيْهِ مَآبِ} فإن الضمير لله سبحانه أي: إليه وحده: لا إلى غيره مرجعي. ثم ذكر بعض فضائل القرآن، وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع التعرّض لردّ ما أنكروه من اشتماله على نسخ بعض شرائعهم فقال: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا } أي: مثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا القرآن مشتملاً على أصول الشرائع وفروعها. وقيل: المعنى: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم، كذلك أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب، ونريد بالحكم ما فيه من الأحكام، أو حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصاب {حكماً} على الحال {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتك لشيء مما يعتقدونه {بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } الذي علمك الله إياه {مَـٰلِكَ مِنَ ٱللَّهِ } أي: من جنابه {مِن وَلِىّ } يلي أمرك وينصرك {وَلاَ وَاقٍ } يقيك من عذابه. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريض لأمته، واللام في {ولئن اتبعت} هي الموطئة للقسم، و{مالك} سادّ مسدّ جواب القسم والشرط. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } أي: إن الرسل الذين أرسلناهم قبلك هم من جنس البشر، لهم أزواج من النساء، ولهم ذرّية توالدوا منهم ومن أزواجهم، ولم نرسل الرسل من الملائكة الذين لا يتزوجون ولا يكون لهم ذرية. وفي هذا ردّ على من كان ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجه بالنساء أي: أن هذا شأن رسل الله المرسلين من قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما كانوا عليه؟! {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي: لم يكن لرسول من الرسل أن يأتي بآية من الآيات، ومن جملتها ما اقترحه عليه الكفار إلاّ بإذن الله سبحانه، وفيه ردّ على الكفار حيث اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ما اقترحوه بما سبق ذكره. {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } أي: لكل أمر مما قضاه الله، أو لكل وقت من الأوقات التي قضى الله بوقوع أمر فيها كتاب عند الله يكتبه على عباده ويحكم به فيهم. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، والمعنى: لكل كتاب أجل أي: لكل أمر كتبه الله أجل مؤجل، ووقت معلوم، كقوله سبحانه: {أية : لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } تفسير : [الأنعام: 67] وليس الأمر على حسب إرادة الكفار واقتراحاتهم، بل على حسب ما يشاؤه ويختاره. {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } أي: يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه، يقال: محوت الكتاب محواً إذا أذهبت أثره. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم {ويثبت} بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر، أو خير أو شرّ، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبو وائل، وقتادة، والضحاك، وابن جريج وغيرهم. وقيل: الآية خاصة بالسعادة والشقاوة. وقيل: يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. وقيل: يمحو ما يشاء من الرزق، وقيل يمحو من الأجل. وقيل: يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه. وقيل: يمحو ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء. وقيل: يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة. وقيل: يمحو الآباء ويثبت الأبناء. وقيل: يمحو القمر ويثبت الشمس كقوله: {أية : فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً } تفسير : [الإسراء: 12] وقيل: يمحو ما يشاء من الأرواح التي يقبضها حال النوم فيميت صاحبه ويثبت ما يشاء فيردّه إلى صاحبه. وقيل: يمحو ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها. وقيل: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره، والأوّل أولى كما تفيده "ما" في قوله؛ {ما يشاء} من العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } ومع قوله: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ، فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم، ويثبت ما يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ينافي ما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: «جفّ القلم»، وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه الله سبحانه. وقيل: إن أم الكتاب هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } قال: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرحوا بكتاب الله وبرسله وصدّقوا به {وَمِنَ ٱلأحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } يعني: اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب يفرحون بذلك. {أية : ومنهم من يؤمن به، ومنهم من لا يؤمن به}تفسير : [يونس: 40]. {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } قال: الأحزاب الأمم اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وَإِلَيْهِ مَابِ } قال: إليه مصير كل عبد. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقرأ قتادة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة فقلت: إني أريد أن أتبتل؟ قالت: لا تفعل، أما سمعت الله يقول: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً }. وقد ورد في النهي عن التبتل والترغيب في النكاح ما هو معروف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل: {مَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا شيئاً، ويحدث الله في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } قال: ينزل الله في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فيدبر أمر السنة إلى السنة فيمحو ما يشاء ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد سبق له خير حتى يموت على طاعة الله. وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً في الآية قال: هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت، وعنده أم الكتاب، أي: جملة الكتاب. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درّة بيضاء، له دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان: لله كل يوم ثلاث وستون لحظة {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}. وإسناده عند ابن جرير هكذا: حدّثنا محمد بن شهر بن عسكر، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو الله ما يشاء ويثبت» تفسير : الحديث. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بإسناد. قال السيوطي: ضعيف، عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ الشقاوة والسعادة والحياة والممات»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «لا ينفع الحذر من القدر، ولكنّ الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر». وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد قال: العاشر من رجب وهو يوم يمحو الله فيه ما يشاء. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب؛ أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهمّ إن كنت كتبت عليّ شقوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } قال: يبدّل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدّله {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } يقول: وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب: الناسخ والمنسوخ، ما يبدّل، وما يثبت كل ذلك في كتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: الذكر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن يسار، عن ابن عباس: أنه سأل كعباً عن أمّ الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عالمون، فقال لعلمه: كن كتاباً، فكان كتاباً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك}فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا بما أنزل عليه من القرآن، قاله قتادة وابن زيد. الثاني: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، قاله مجاهد. الثالث: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى فرحوا بما أنزل عليه من تصديق كتبهم، حكاه ابن عيسى. {ومِن الأحزاب من ينكر بعضه}فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم كفار قريش. وفي إنكارهم بعضه وجهان: أحدهما: أنهم عرفوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم وأنكروا نبوته. الثاني: أنهم عرفوا صِدْقه وأنكروا تصديقه.

ابن عطية

تفسير : اختلف المتأولون فيمن عنى بقوله: {الذين آتيناهم الكتاب} فقال ابن زيد: عنى به من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وشبهه. قال القاضي أبو محمد: والمعنى: مدحهم بأنهم لشدة إيمانهم يسرون بجميع ما يرد على النبي عليه السلام من زيادات الشرع. وقال قتادة: عنى به جميع المؤمنين، و {الكتاب} هو القرآن، و {بما أنزل إليك} يراد به، جميع الشرع. وقالت فرقة: المراد بـ {الذين آتيناهم الكتاب} اليهود والنصارى، وذلك أنهم لهم فرح بما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من تصديق شرائعهم وذكر أوائلهم. قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل بأن همهم به أكثر من فرحهم، ويضعف أيضاً بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه. وقد فرق الله في هذه الآية بين الذين ينكرون بعضه وبين الذين آتيناهم الكتاب. و {الأحزاب} قال مجاهد: هم اليهود والنصارى والمجوس، وقالت فرقة: هم أحزاب الجاهلية من العرب. وأمره الله تعالى أن يطرح اختلافهم ويصدع بأنه إنما أمر بعبادة الله وترك الإشراك، والدعاء إليه، واعتقاد "المآب" إليه وهو الرجوع عند البعث يوم القيامة. وقوله: {وكذلك} المعنى: كما يسرنا هؤلاء للفرح، وهؤلاء لإنكار البعض، كذلك {أنزلناه حكماً عربياً}، ويحتمل المعنى: والمؤمنون آتيناهموه يفرحون به لفهمهم به وسرعة تلقيهم. ثم عدد النعمة بقوله: "كذلك جعلناه" أي سهلنا عليهم في ذلك وتفضلنا. و {حكماً} نصب على الحال، و"الحكم" هو ما تضمنه القرآن من المعاني، وجعله {عربياً} لما كانت العبارة عنه بالعربية. ثم خاطب النبي عليه السلام محذراً من اتباع أهواء هذه الفرق الضالة، والخطاب لمحمد عليه السلام، وهو بالمعنى بتناول المؤمنين إلى يوم القيامة. ووقف ابن كثير وحده على "واقي" و"هادي" و "والي" بالياء. قال أبو علي: والجمهور يقفون بغير ياء، وهو الوجه. وباقي الآية بين. وقوله: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك} الآية. في صدر هذه الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ورد على المقترحين من قريش بالملائكة المتعجبين من بعثة الله بشراً رسولاً. فالمعنى: أن بعثك يا محمد ليس ببدع فقد تقدم هذا في الأمم. ثم جاء قوله: {وما كان لرسول} الآية، لفظه لفظ النهي والزجر، والمقصود به إنما هو النفي المحض، لكنه نفي تأكد بهذه العبارة، ومتى كانت هذه العبارة عن أمر واقع تحت قدرة المنهي فهي زجر، ومتى لم يقع ذلك تحت قدرته فهو نفي محض مؤكد، و {بإذن الله} معناه: إلا أن يأذن الله في ذلك. وقوله: {لكل أجل كتاب} لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته. وكل أجل مكتوب محصور، فأخبر تعالى عن كتبه الآجال التي للأشياء عامة، وقال الضحاك والفراء: المعنى: لكل كتاب أجل. قال القاضي أبو محمد: وهذا العكس غير لازم ولا وجه له، إذ المعنى تام في ترتيب القرآن، بل يمكن هدم قولهما بأن الأشياء التي كتبها الله تعالى أزلية باقية كتنعيم أهل الجنة وغيره يوجد كتابها لا أجل له. وقوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي "ويثبّت" بشد الباء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم "ويثبت" بتخفيفها. وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها: أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في {أم الكتاب} وسبق بها القضاء، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره من أهل العلم، وأما الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنه يبدل فيها وينقل كعفو الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها -ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا وثبت ما ثبت. وجاءت العبارة مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم. وقالت فرقة - منها الحسن - هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر، وقيل: - في ليلة نصف شعبان - يكتب آجال الموتى فيمحى ناس من ديوان الأحياء ويثبتون في ديوان الموتى. وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم {يمحو الله ما يشاء ويثبت}. قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص في الآجال أو غيرها لا معنى له، وإنما يحسن من الأقوال هنا ما كان عاماً في جميع الأشياء، فمن ذلك أن يكون معنى الآية أن الله تعالى يغير الأمور على أحوالها، أعني ما من شأنه أن يغير -على ما قدمناه - فيمحوه من تلك الحالة ويثبته في التي نقله إليها. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان في دعائهما: اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاوة فامحنا وأثبتنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. قال القاضي أبو محمد: وهذا دعاء في غفران الذنوب وعلى جهة انجزع منها. أي اللهم إن كنا شقينا بمعصيتك وكتب علينا ذنوب وشقاوة بها فامحها عنا بالمغفرة، وفي لفظ عمر في بعض الروايات بعض من هذا، ولم يكن دعاؤهما البتة في تبديل سابق القضاء ولا يتأول عليهما ذلك. وقيل: إن هذه الآية نزلت لأن قريشاً لما سمعت قول الله تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}، قال: ليس لمحمد في هذا الأمر قدرة ولا حظ، فنزلت {يمحو الله ما يشاء ويثبت} أي ربما أذن الله من ذلك فيما تكرهون بعد أن لم يكن يأذن. وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية "يمحو الله ما يشاء ويثبت" من أمور عباده إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنه لا محو فيها. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو ما أحلناه أولاً في الآية. وحكي عن فرقة أنها قالت: "يمحو الله ما يشاء ويثبت" من كتاب حاشى أمر الكتاب الذي عنده الذي لا يغير منه شيئاً. وقالت فرقة معناه: يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد، ونحو هذه الأقوال التي هي سهلة المعارضة. وأسند الطبري عن إبراهيم النخعي أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} . وذكر أبو المعالي في التلخيص: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قال هذه المقالة المذكورة عن كعب. قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي لا يصح عن علي. واختلفت أيضاً عبارة المفسرين في تفسير {أم الكتاب} فقال ابن عباس: هو الذكر، وقال كعب: هو علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون. قال القاضي أبو محمد: وأصوب ما يفسر به {أم الكتاب} أنه كتاب الأمور المجزومة التي قد سبق القضاء فيها بما هو كائن وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت - قال نحوه قتادة - وقالت فرقة: معنى {أم الكتاب} الحلال والحرام - وهذا قول الحسن ابن أبي الحسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} الصحابة، أو مؤمنو أهل الكتاب، أو اليهود والنصارى فرحوا بما في القرآن من تصديق كتبهم. {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} قريش، أو اليهود والنصارى والمجوس {بَعْضَهُ} عرفوا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنكروا تصديقه، أو عرفوا نعته وأنكروا نبوته.

النسفي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } يريد من أسلم من اليهود كابن سلام ونحوه ومن النصارى بأرض الحبشة {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ } أي ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم وكانوا ينكرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } هو جواب للمنكرين أي قل إنما أمرت فيما أنزل إلى بأن أعبد الله ولا أشرك به فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به {إِلَيْهِ ٱدْعُواْ } خصوصاً لا أدعو إلى غيره {وَإِلَيْهِ } لا إلى غيره {مَـئَابٍ } مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ } ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء {حُكْمًا عَرَبِيّا } حكمة عربية مترجمة بلسان العرب وانتصابه على الحال كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يشاركهم فيها فقيل {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة { مَـالَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ } أي لا ينصرك ناصر ولا يقيك منه واق وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين وأن لا يزال زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الثبات بمكان. وكانوا يعيبونه بالزواج والولاد ويقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ فنزل {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } نساءاً وأولاداً {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي ليس في وسعه إتيان الآيات على ما يقترحه قومه وإنما ذلك إلى الله {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } لكل وقت حكم يكتب على العباد أي يفرض عليهم على ما تقتضيه حكمته

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ...} الآية: قال ابن زيْدٍ: المراد بالآية: مَنْ آمَنَ مِنْ أهْل الكتاب؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره. قال * ع *: والمعنى مَدْحَهم، وباقي الآية بيِّن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} قال: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فرحوا بكتاب الله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وصدقوا به {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} يعني اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} قال: هذا من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، يفرحون بذلك. وقرأ {أية : ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به} تفسير : [يونس: 40] {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} قال: الأحزاب، الأمم اليهود والنصارى والمجوس، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ومن الأحزاب} قال: من أهل الكتاب {من ينكر بعضه} قال: بعض القرآن. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ؛ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وإليه مآب} قال: إليه مصير كل عبد. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {ما لك من الله من ولي ولا واق} قال: من أحد يمنعك من عذاب الله تعالى. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقرأ قتادة - رضي الله عنه - {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية}. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقلت: إني أريد أن أتبتل. قالت: لا تفعل، أما سمعت الله يقول {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية}. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي، عن أبي أيوب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والختان ". تفسير : وأخرجه عبد الرزاق في المصنف بلفظ "الختان والسواك والتعطر والنكاح من سنتي". وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {لكل أجل كتاب} يقول: لكل كتاب ينزل من السماء أجل فيمحو الله من ذلك ما يشاء {ويثبت وعنده أم الكتاب}. وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه -. قال: قالت قريش حين أنزل {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ويحدث الله تعالى في كل رمضان فيمحو الله ما يشاء {ويثبت} من أرزاق الناس ومصائبهم، وما يعطيهم وما يقسم لهم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: ينزل الله تعالى في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا، يدبر أمر السنة إلى السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، إلا الشقوة والسعادة، والحياة والممات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {يمحواْ الله ما يشاء} هو الرجل، يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو والذي يثبت، الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى. وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: من أحد الكتابين هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت {وعنده أم الكتاب} أي جملة الكتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء، له دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان لله كل يوم ثلاث وستون لحظة يمحو ما يشاء {ويثبت وعنده أم الكتاب}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينسخ الذكر في الساعة الأولى منها، ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها من بني آدم غير ثلاثة: النبيين والصديقين والشهداء، ثم يقول: طوبى لمن نزلك. ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته، فتنتفض، فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟ حتى يصلي الفجر، وذلك قوله {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} [الإِسراء: 78] يقول: يشهده الله وملائكة الليل والنهار . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} إلا الشقوة والسعادة، والحياة والموت ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه، عن الكلبي - رضي الله عنه - في الآية قال: "يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه". فقيل له: من حدثك بهذا؟ قال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رباب الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: "ذلك كل ليلة القدر، يرفع ويخفض ويرزق، غير الحياة والموت والشقاوة والسعاة، فإن ذلك لا يزول ". تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن عساكر، حديث : عن علي - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال له"لأقرن عينيك بتفسيرها، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف؛ يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر. وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد - رضي الله عنه - قال: العاشر من رجب، هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن قيس بن عباد - رضي الله عنه - قال: لله أمر في كل ليلة العاشر من أشهر الحرام، أما العشر من الأضحى، فيوم النحر. وأما العشر من المحرم، فيوم عاشوراء. وأما العشر من رجب، ففيه {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: ونسيت ما قال في ذي القعدة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت علي شقاوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في الدعاء، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات، إلا وسع الله له في معيشته؛ يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإِكرام، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروماً مقتراً عليّ رزقي، فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن السائب بن ملجان من أهل الشام - وكان قد أدرك الصحابة رضي الله عنهم - قال: لما دخل عمر - رضي الله عنه - الشام، حمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيباً كقيامي فيكم، فأمر بتقوى الله وصلة الرحم وصلاح ذات البين، وقال: "حديث : عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد. لا يخلونّ رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته سيئته وسرته حسنته، فهو أمارة المسلم المؤمن، وأمارة المنافق الذي لا تسوءه سيئته ولا تسره حسنته، إن عمل خيراً لم يرج من الله في ذلك ثواباً؛ وإن عمل شراً لم يخف من الله في ذلك الشر عقوبة، وأجملوا في طلب الدنيا فإن الله قد تكفل بأرزاقكم، وكلّ سيتم له عمله الذي كان عاملاً، استعينوا الله على أعمالكم، فإنه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" تفسير : صلى الله على نبينا محمد وآله وعليه السلام ورحمة الله، السلام عليكم. قال البيهقي - رضي الله عنه -: هذه خطبة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أهل الشام، أثرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان أبو رومي من شر أهل زمانه، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلا ارتكبه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لئن رأيت أبا رومي في بعض أزقة المدينة، لأضربن عنقه؛حديث : وإن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أتاه ضيف له فقال لامرأته: اذهبي إلى أبي رومي فخذي لنا منه بدرهم طعاماً حتى ييسره الله تعالى. فقالت له: إنك لتبعثني إلى أبي رومي وهو من أفسق أهل المدينة؟!.. فقال: اذهبي، فليس عليك منه بأس إن شاء الله تعالى. فانطلقت إليه فضربت عليه الباب، فقال: من هذا؟ قالت: فلانة. قال: ما كنت لنا بزوّارة، ففتح لها الباب فأخذها بكلام رفث ومدّ يده إليها، فأخذها رعدة شديدة. فقال لها: ما شأنك؟ قالت إن هذا عمل ما عملته قط. قال أبو رومي: ثكلت أبا رومي أمه، هذا عمل عمله منذ هو صغير لا تأخذه رعدة ولا يبالي، على أبي رومي عهد الله، إن عاد لشيء من هذا أبداً، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مرحباً بأبي رومي، وأخذ يوسع له المكان، وقال له يا أبا رومي، ما عملت البارحة؟ فقال: ما عسى أن أعمل يا نبي الله؟ أنا شر أهل الأرض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حوّل مكتبك إلى الجنة. فقال {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} . تفسير : وأخرج يعقوب بن سفيان وأبو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : كان أبو رومي من شر أهل زمانه، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلا ارتكبه، فلما غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من بعيد قال: "مرحباً بأبي رومي، وأخذ يوسع له المكان، فقال: يا أبا رومي، ما عملت البارحة؟ قال: ما عسى أن أعمل يا نبي الله؟ أنا شر أهل الأرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حول مكتبك إلى الجنة، فقال {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: إن الله ينزل كل شيء يكون في السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء من الآجال والأرزاق والمقادير، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان. وأخرج ابن جرير عن منصور - رضي الله عنه - قال: سألت مجاهداً - رضي الله عنه - فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم، واجعله في السعداء؟.... فقال: حسن. ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال {أية : انا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم} تفسير : [الدخان: 3-4] قال: يعني في ليلة القدر، ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء. فأما كتاب الشقاء والسعادة، فهو ثابت لا يغير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران. وأخرج ابن جرير، عن شقيق بن أبي وائل قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحنا واكتبنا سعداء؛ وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء، فأثبتني في السعداء؛ وإن كنت كتبتني في الأشقياء، فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وأخرج ابن جرير عن كعب - رضي الله عنه - أنه قال لعمر - رضي الله عنه - يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله، لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}. وأخرج ابن جرير عن الضحاك - رضي الله عنه - في الآية، قال: يقول انسخ ما شئت واصنع في الآجال ما شئت، وإن شئت زدت فيها وإن شئت نقصت {وعنده أم الكتاب} قال: جملة الكتاب وعلمه، يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في المدخل، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله {وعنده أم الكتاب} يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب الله تعالى. وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: هي مثل قوله {أية : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} تفسير : [البقرة: 106] وقوله {وعنده أم الكتاب} أي جملة الكتاب وأصله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال {يمحواْ الله ما يشاء} مما ينزل على الأنبياء {ويثبت} ما يشاء مما ينزل على الأنبياء {وعنده أم الكتاب} لا يغير ولا يبدل. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج - رضي الله عنه - {يمحواْ الله ما يشاء} قال: ينسخ {وعنده أم الكتاب} قال: الذكر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: يمحو الله الآية بالآية {وعنده أم الكتاب} قال: أصل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {لكل أجل كتاب} قال: أجل بني آدم في كتاب {يمحواْ الله ما يشاء} قال: من جاء أجله {ويثبت} قال: من لم يجيء أجله بعد، فهو يجري إلى أجله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن - رضي الله عنه - في الآية قال: {يمحواْ الله} رزق هذا الميت {ويثبت} رزق هذا المخلوق الحي. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} قال: يثبت في البطن الشقاء والسعادة، وكل شيء هو كائن، فيقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء. وأخرج الحاكم عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت} مخففة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وعنده أم الكتاب} قال: الذكر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد - رضي الله عنه - {وعنده أم الكتاب} قال: الذكر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن سيار عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سأل كعباً رضي الله عنه عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون. فقال لعلمه: كن كتاباً. فكان كتاباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي - رضي الله عنه - {وعنده أم الكتاب} يقول: عنده الذي لا يبدل.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ}[36] سئل سهل: متى يصح للعبد مقام العبودية؟ قال: إذا ترك تدبيره ورضي بتدبير الله تعالى فيه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو} [الآية: 36]. سُئل أبو حفص. عن العبودية؟ فقال: ترك كل ما لك وملازمة ما أمرت به. سُئل محمد بن الفضل: عن صفة العبد، فقال {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 75] فمن وجد من نفسه قوة وقدرة فليعلم أنه بعيد من الأمر. قال أبو عثمان: العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الأمر. قال بعضهم: العبد الذى لا مراد له، ويكون مستغرقًا فى مراد سيده فيه. قال ابن عطاء أو الجنيد: لا يرتقى أحد فى درجات العبودية حتى يحكم فيما بينه وبين الله تعالى، أوائل البدايات، وأوائل البدايات هى الفروض الواجبة والأوراد الزكية، ومطايا الفضل وعزائم الأمر، فمن أحكم على نفسه هذا مَنَّ الله تعالى عليه بما بعده. سُئل سهل: متى يصح للعبد مقام العبودية؟ قال: إذا ترك تدبيره ورضى بتدبير الله تعالى فيه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ}. يريد بهم مؤمني أهل الكتاب الذين كانوا يفرحون بما ينزل من القرآن لصدق يقينهم. قوله جلّ ذكره: {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}. أي الأحزاب الذين قالوا كان محمد يدعو إلى إله واحد، فالآن هو ذا يدعو إلى إلهين لمَّا نزل: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}تفسير : [الإسراء: 110]. قوله جلّ ذكره: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}. قل يا محمد: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ}. والعبوديةُ المبادرة إلى ما أُمِرْتُ به، والمحاذرة مما زجُرْتُ عنه، ثم التبرِّي عن الحَوْل والمُنَّة، والاعتراف بالطوْل والمِنَّة. وأصل العبودية القيام بالوظائف، ثم الاستقامة عند رَوْح اللطائف.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو} ما دام فى حيز الحدوثية وان راى ما راى عليه من انوا رالربوبية ووفق عليه بان لا يلتفت الى ما بدأ فى نفيه من انوار الربوبية ويستقيم فى حال العبودية فان الربوبية فى العبودية مكر الحقيقة ومن نظر من العبودية الى الربوبية فى نفسه فقد اشرك لانه مخدوع بالله عن الله سئل ابو حفص عن العبودية قال ترك كل مالك وملازمة ما امرت به وقال ابو عثمان العبودية اتباع الامر على مشاهدة الامر وقال ابن عطا او الجنيد لا يرتقى احد من درجات التوحيد حتى يحكم فيما بينه وبين الله اوائل البدايات واوائل البدايات هى الفروض الواجبة والاوراد الزكية ومطايا الفضل وعزائم الامر فمن احكم على نفسه هذا مَنَّ الله عليه بما بعده قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} اى بينا حكم عربيا يا عربى وذلك الحكم ما حكمنا فى الازل بانك خير البرية واعطيناك استعداد قبول تخلقك بخلقنا واتصافك بصفتنا فاذا اتصفت بصفتنا برايتنا بنا وخرجت فى مشاهدتنا من الالتفات الى غيرنا من العرش الى الثرى فوصفناك فى كتابنا بقولنا ما زاغ البصر وما طغى فتجريد توحيدك حكم عربى بيناه منك لامتك ليتصفوا بصفتك ويتخلقوا بخلقك فانك لعلى خلق عظيم حيث تخلقت بخلقنا قال بعضهم احكام العرب السخاء والشجاعة وهما من عرى الايمان قال الحسين بن الفضل فى هذ الاية تصحيح حكم القيافة لانه لا حكم ينفرد به العرب الا حكم القيافة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين آتيناهم الكتاب} يريد المسلمين من اليهود كعبد الله بن سلام واصحابه ومن النصارى وهم ثمانون رجلا اربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة فالمراد بالكتاب التوراة والانجيل {يفرحون بما انزل اليك} بجميعه وهو القرآن كله لانه من فضل الله ورحمته على العباد ولا شك ان المؤمن الموقن يسره ما جاء اليه من باب الفضل والاحسان {ومن الاحزاب} ومن احزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الاشرف واتباعه والسيد والعاقب اسقفى نجران واشياعهما وبالفارسية [واز لشكرهاى كفر وضلالت] {من ينكر بعضه} وهو ما يخالف شرائعهم. وفى الكواشى لانهم وافقوا فى القصص وانكروا غيرها وعن ابن عباس رضى الله عنهما آمن اليهود بسورة يوسف وكفر المشركون بجميعه. واعلم ان القرآن يشتمل على التكاليف والاحكام وعلى الاسرار والحقائق فالروح والقلب والسر يفرحون بالكل. واما النفس والهوى والقوى فينكر بعضه لثقل تكاليفه وجهل فوائده اللهم ارفع عنا تعب التكاليف واجعلنا بالقرآن خير اليف واحفظنا من المخالفة والانكار واحشرنا مع اهل القبول والاقرار شعر : مزن زجون زجرا دم كه بنده مقبل قبول كردبجان هر سخن كه جانان كفت تفسير : {قل} يا محمد فى جواب المنكرين {انما امرت ان اعبد الله ولا اشرك به} اى انما امرت فيما انزل الىّ بان اعبد الله واوحده وهو العمدة فى الدين ولا سبيل لكم الى انكاره. واما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الالهية فى جزئيات الاحكام لان الله الحكيم ينزل بحسب ما يقتضيه صلاح اهل العالم كالطبيب يعامل المريض بما يناسب مزاجه من التدبير والعلاج {اليه} اى الى الله وتوحيده لا الى غيره {ادعوا} العباد او اخصه بالدعاء اليه فى جميع مهامى {واليه مآب} اى مرجعى ومرجعكم للجزاء لا الى غيره وهذا هو القدر المتفق عليه بين الانبياء. فاما ما عدا ذلك من التفاريغ فمما يختلف بالاعصار والامم فلا معنى لانكار المخالف فيه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (حُكْماً): حال من ضمير (أنزلناه). يقول الحق جل جلاله: في حق من سبقت له السعادة: {والذين آتيناهم الكتابَ}؛ كعبد الله بن سلام ومخيريق وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى، وهم: ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون من الحبشة. أو: كل من آمن من أهل الكتاب، فإنهم كانوا {يفرحون} بما يوافق كتبهم. ثم ذكر ضدهم فقال: {ومن الأحزاب من يُنكرُ بعضَه} أي: ومن كَفَرتهِم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة والشحناء؛ ككعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود، والعاقب والسيد وأشياعهما من النصارى، {من يُنكر بعضه}، وهو ما يخالف شرائعهم التي نُسخت به، أو ما يوافق ما حرّفوا منها. {قل إنما أُمِرتُ أن أعبدَ اللهَ ولا أُشركَ به}، وهو جواب للمنكرين، أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إليَّ أن أعبد الله وأوحده، وهو العمدة في الأديان كلها، فلا سبيل لكم إلى إنكاره. وأما إنكاركم ما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام؛ لأنها تابعة للمصالح والعوائد وتتجدد بتجددها. {إليه أدعو} لا إلى غيره، {وإليه مآب} أي: وإليه مرجعي بالبعث لا إلى غيره. وهذا هو القدْر المتفق عليه من الشرائع، وهو الأمر بعبادة الله وحده، والدعاء إليه، واعتقاد المآب إليه، وهو الرجوع بالبعث يوم القيامة؛ فلا يخالف ما قبله من الشرائع، فلا معنى للإنكار حينئذٍ. {وكذلك أنزلناه} أي: ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الدين المجمع عليها، {أنزلناه حُكْماً عربياً} أي: يحكم في القضايا والوقائع، بما تقتضيه الحكمة، مترجماً بلسان العرب؛ ليسهل عليهم فهمه وحفظه. {ولئن اتبعتَ أهواءَهُم} التي يدعونك إليها؛ كتقرير دينهم، والصلاة إلى قبلتهم بعدما حُوِّلْتَ عنها، {بعد ما جاءَك من العِلم} بنسخ ذلك، {ما لك من اللهِ من ولِيٍّ} ينصرك، {ولا واقٍ} يقيك عتابه. وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الفرح بما أُنزل من عند الله هو مقدمات الفرح بالله، فإذا رفعت أكنة الغفلة عن القلب تلذذ بسماع الخطاب من وراء الباب، وذلك أمارة القرب. وهذا مقام أهل المراقبة من المحبين. فإذا جدَّ في السير رُفعت عنه الحجب والأستار، وواجهته الأنوار والأسرار، فيكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، فيتلذذ بشهود المتكلم، فيسمع حينئذٍ الكلام من المتكلّم به بلا واسطة. وهذا مقام أهل الشهود من المحبين المقربين. (ومن الأحزاب)، وهم أهل الرئاسة والجاه، من ينكر وجود بعض هذه المقامات؛ تعصباً وحمية. أو ينسبها لنفسه غلطاً وجهلاً، فيقول له من تحقق بهذا المقام: إنما أمرتُ أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب. ويغيب عنه بالاشتغال بالله، وبالدعاء إليه، فإن غفل واشتغل به، أو ركن إلى قوله، قيل له: ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم؛ ما لك من الله من وليِّ ولا واق. ولما قالت اليهود لعنهم الله لو كان محمداً رسولاً لما أولع بالنساء فرد الله عليهم

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين آتيناهم الكتاب، ومعناه اعطاهم، {يفرحون بما أنزل} على محمد صلى الله عليه وسلم وقال الحسن وقتادة ومجاهد: هم اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به وصدقوه. والأحزاب هم اليهود والنصارى والمجوس. وقال الجبائي: يجوز ان يعنى بالفرح به اليهود والنصارى، لأن ما أتى به مصدق لما معهم، وأما انكار بعضهم، فهو انكار بعض معانيه وما يدل على صدقه أو يخالف أحكامهم. و (الاحزاب) جمع حزب، وهم الجماعة التي تقوم بالنائبة، يقال تحزب القوم تحزباً وحزبهم الأمر يخرجهم إذا نالهم بمكروهه. وقوله {قل إِنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} في عبادته احداً، أدعو الى الله، والاقرار بتوحيده وصفاته وتوجيه العبادة اليه وحده، {وإليه مآب} اي مرجعي ومصيري؛ من قولهم: آب يؤب أوباً ومآباً، والمعنى يرجع الى حيث لا يملك الضرر والنفع إِلا الله تعالى.

الأعقم

تفسير : {والذين آتيناهم الكتاب} يعني القرآن، قيل: أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون أعطوا القرآن وآمنوا وفرحوا به، قيل: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا وصدقوا ومن الأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين، وقيل: الآية نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه والسيّد والعاقب، وقيل: هم الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وغير ذلك مما يعرفون، وينكرون القصص وبعض الأحكام والمعاني اليه {أدعوا} أي إلى توحيده وعبادته {وإليه مآب} مصيري ومرجعي عند البعث، ثم ذكر تعالى صفة القرآن المنزل فقال تعالى: {وكذلك أنزلناه} يعني القرآن {حكماً عربياً} لما فيه من الأحكام وبيان الحلال والحرام {ولئن اتبعت أهواءهم} يعني أهواء هؤلاء المشركين {ما لك من الله من ولي} يدفع عنك ما تستحقه {ولا واق} يقيك العذاب {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية}، قيل: أن اليهود، عَيّروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكثرة النساء وقالوا: لو كان نبياً لشغلته النبوة عن النساء فنزلت الآية مبيّنة إنا {أرسلنا رسلاً} لهم أزواج أكثر من أزواجك كما كان لسليمان (عليه السلام) ثلاثمائة ممهورة وسبعمائة سريَّة، ولداوود (عليه السلام) مائة امرأة عن ابن عباس {وما كان لرسول أن يأتي بآية} معجزة {إلاَّ بإذن الله} بأمره وإلطافه {لكل أجل كتاب} أي لكل وقت قدرة الله تعالى كتاب أثبت فيه وهو اللوح المحفوظ، وقيل: لكل أمر قضاه الله كتاب ينزل من السماء أجل ينزل فيه، وقيل: لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله، وقيل: عند الملائكة والحفظة {يمحو الله ما يشاء}، قيل: يمحو من كتاب الحفظة المباحات {ويثبت} ما فيه الجزاء كالطاعات والمعاصي، وقيل: يمحو الآجال، وقيل: يمحو الله ما يشاء هو ما جاء أجله ويدع ما لم يجئْ أجله ويثبته، وقيل: "يمحو الله ما يشاء من القرون بالاهلاك ويثبت ما يشاء بالإِمهال" عن علي (عليه السلام)، وقيل: يمحو الله الطاعة بالمعصية والمعصية بالطاعة، وقيل: يزيد في الأجل ما يشاء وينقص ما يشاء، وقيل: يمحو كفر الناس ومعاصيهم بالتوبة ويثبت إيمانهم وطاعتهم {وعنده أم الكتاب} أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل شيء كائن مكتوب {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم}، قيل: العذاب، وقيل: الظفر بهم وإبطال دينهم وإظهار دين الإِسلام {فإنما عليك البلاغ} أي ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة {وعلينا الحساب} أي وعلينا الجزاء والحساب {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}، قيل: بالفتوح على المؤمنين من أرض المشركين بأن يفتح أرضاً بعد أرض فتبطل فيها أحكام الشرك وتظهر أحكام الإِسلام، وقيل: بذهاب علمائها، وعن ابن مسعود: "موت العالم ثلمة في الاسلام لا يسدها شيء" وقيل: خرابها بعد العمارة، وقيل: نقصان ثمرها {والله يحكم لا معقب لحكمه} أي لا راد لحكمه والمعقب الذي يكره على الشيء فيبطله {وهو سريع الحساب} أي الجزاء على ما يعمله العبد من الخير والشر {وقد مكر الذين من قبلهم} أي من قبل قريش {فللّه المكر جميعاً} يعني ما يفعله الله تعالى بهم من الهلاك {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل} لهم يا محمد {كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} أي حسبي الله شاهداً بيني وبينكم، والباء زائدة والله سبحانه فاعل وشهيد تمييز {ومن عنده علم الكتاب} قيل: هو الله تعالى، والكتاب اللوح المحفوظ، وقيل: أهل الكتاب الذين آمنوا من اليهود والنصارى، وقيل: هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) رواه في الحاكم، وقرئ بكسر الميم من عنده شاذا، وقرئ في الشواذ أيضاً {ومن عنده علم الكتاب}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} قال بعضهم: يعني من آمن منهم. وقال بعضهم: هؤلاء أصحاب النبي عليه السلام فرحوا بكتاب الله. {وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} الأحزاب ها هنا اليهود والنصارى ينكرون بعض القرآن، ويُقرّون ببعضه، أي: بما وافقهم. {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَئَابِ} أي: وإليه مرجعي. قوله: { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} يعني القرآن {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} أي: أهواء المشركين حتى لا تبلغ عن الله الرسالة {بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} قال: {مَالَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يتولى دفع العذاب عنك { وَلاَ وَاقٍ} أي: يقيك عذابه إن فعلت، ولست فاعلاً. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}. نزلت حين قال اليهود: لو كان محمد رسولاً لكان له همّ عيرُ النساء والتماس الولد. قوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَّأْتِيَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} أي: إلا بأمر الله. قال مجاهد: قالت قريش لما نزلت: يا محمد، ما نراك تملك من الأمر شيئاً، ولقد فرغ من الأمر، فأنزل الله هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم. قال: { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} قوله: { يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} تفسير مجاهد: يمحو الله ما يشاء ويثبت في كل ليلة القدر إلا الشقاء والسعادة. وذكر بعضهم فقال: هي مثل قوله: (أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا) تفسير : [البقرة:106]. وتفسير الحسن أن آجال العباد عند الله؛ في الكتاب أجل فلان كذا وكذا، وأجل فلان كذا وكذا فيمحو الله من ذلك الكتاب ما يشاء، أي: يمحو منه من انقضى أجله، ويثبت من لم يجيء أجله، فيدعه مثبتاً في الكتاب حتى ينقضي أجله، فيمحي من ذلك الكتاب. وبعضهم يقول: قال الله: (أية : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). تفسير : [سورة ق: 18] اي: يكتب ما يقول، فإذا كان كل يوم اثنين وخميس مُحِيَ منه ما لم يكن خيراً أو شراً، وأثبت ما سوى ذلك من خير أو شر. ذكروا أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويقول: اللّهم إن كنت كتبت علي ذنباً أو إثماً أو ضغناً فامحه عني، فإنك قلت: {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِتُ}. قوله: {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ذكروا أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: لولا هذه الآية لحدثتك بما هو كائن إلى يوم القيامة: {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}. وأم الكتاب: اللوح المحفوظ. ذكروا عن كعب أنه قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وقد تسرول بالثالث، والرابع بينه وبين اللوح المحفوظ. فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء الله حتى يصفق جبهة إسرافيل فيرفع رأسه فينظر. فإذا الأمر مكتوب؛ فينادي جبريل فيلبيه فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحقّ من عند الحقّ فيهبط على النبي. فيوحي إليه. [وتفسير أم الكتاب جملة الكتاب وأصله].

اطفيش

تفسير : {والَّذين آتيناهُم الكِتابَ} التوراة، والمراد مؤمنو اليهود، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وقيل: الكتاب الجنس الصادق بكتابين وهما التوراة والإنجيل، فالمراد مؤمنو اليهود مثل من ذكر، ومؤمنوا النصارى وهم ثمانون رجلا، أربعون من نجران، وثمانية من اليمن، واثنان وثلاثون من الحبشة، وقيل: الاثنان والثلاثون من عامة النصارى، وقيل: أربعون من نجران، وثلاثون من الحبشة، وعشرة من سواهم. {يفْرحُون بما أنزِلَ إليكَ} مما وافق كتابهم أو خالفه، أو أو يصبرون على ما خالف كتابهم ويصدقون به، ويفرحون فرحا بما وافقه، وقيل: كان ذكر الرحمن فى القرآن قليلا حين أسلم عبد الله ابن سلام، وكعب ونحوهما، فساءهم ذلك وكان كثيرا فى التوراة، ولما كرر الله تعالى ذكر الرحمن فى القرآن فرحوا، وفى ذلك مدح لهم كما قال عياض، وذلك كقول ابن زيد، والحسن، وقتادة، وقيل: المراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والكتاب القرآن، كانوا يفرحون بما يتجدد من الأحكام والتوحيد والنبوة والبعث، يزدادون يقينا. {ومِنَ الأحْزابِ} الذين تحزبوا على عداوتك من اليهود، ككعب ابن الأشرف، وحيى بن أخطب وأصحابهما، ومن النصارى كالسيد والعاقب رئيسى نجران وأشياعهما، ومن مشركى العرب ككفار قريش {مَنْ يُنكر بعْضَه} وهو ما يخالف شرائعهم وما يخالف ما حرفوه منها، ولو وافق شرائعهم، وما يخالف ما يعرفونه كإنكار قريش اسم الرحمن، ولم ينكروا البعض الآخر، وهو ما وافقهم، وما عرفوه كاسم الله، وإثبات الله وقدرته، وخلق السماوات والأرض. {قلْ} للمنكرين مجيبا على إنكارهم {إنمَّا أمِرتُ} فيما أنزل إلىَّ {أنْ أعبُد} أى بأن أعبد {اللّهَ ولا أشْركَ بهِ} شيئا، ولا سبيل لكم إلى إنكار ما أنزل مما خالف شرائعكم، إذ ليس ببدع تخالف الشرائع فى الأحكام، وإنى ولو دعوت بأسماء فهى كلها لله لا أسماء لشريك له، إذ لا شريك له، فكما أن الله اسمه، كذلك الرحمن اسمه، فمن ادعى منكم أنه لا يعرفه اسما لله، أو أنه اسم لغيره تعالى، فليس مصيبا، وقرأ أبو خليد، عن نافع برفع أشرك على الاستئناف أو الحال، والمشهور عن نافع النصب. {إليهِ} لا إلى غيره {أدعُو} كم وكل أحد {وإليهِ} لا إلى غيره {مآبِ} مرجعى، أى رجوعى للجزاء، وكذا ترجعون، وإنما الذى تتفق فيه الشرائع هو الذى ذكرته لكم من توحيد الله، والدعاء إليه، والبعث للجزاء ونحو ذلك، كمكارم الأخلاق، وأما ما أنكرتم مخالفته فهما، جاز تخالف الشرائع فيه.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتَابَ} التوراة والإِنجيل والزبور اليهود والنصارى والصائبة {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} ولو لم يؤمنوا به لموافقتهم التوراة والإِنجيل والزبور فى التوحيد ومكارم الأَخلاق، وما لم ينسخ، ويستنصرون به على عبادة الأَصنام، أَو المراد من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وأَصحابه، وقد ذكرت منهم جماعة فى شرح نونية المديح، ومن آمن من النصارى وهم أَربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة {وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بعْضَهُ} وهم الذين تحزبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعناد والشقاق والمعادة من المشركين واليهود، والبعض هو ما خالف التوراة وما وافق ما صرفوه أَو محوه كذكر الرحمن، وما عدا القصص وقالوا: ما نعرف الرحمن إِلا رحمان اليمامة مسيلمة، وعلى هذا فقد أَطلق البعض على الأَكثر، والمسلمون من أَهل الكتاب يؤمنون بالقرآن كله، ويفرحون به كله إِذا وافق ما لم ينسخ، ورضوا بنسخ ما نسخ، وغيرهم فرح ورضى بما لم يخالف كتابهم، أَو المراد بالذين آتيناهم الكتاب المسلمون من الأُمة، ومنكر بعضه هم مشركو مكةَ مثلا. قيل: كان ذكر الرحمن قليلا فى القرآن فساءَ ذلك عبد الله وأَصحابه لكثرة ذكره فى التوراة، ولما كثر نزوله فى القرآن فرحوا فنزل {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أُنزل} إِلخ وقيل: من الأحزاب من أَحزاب اليهود والنصارى وهم كفرتهم ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب من ينكر بعضه مالا يوافق كتبهم ولم ينكروا ما وافق كتبهم، لكن لم يفرحوا به، وعن ابن عباس: الأَحزاب كفرة اليهود، والكتاب: التوراة، وقيل: الأحزاب، أَحزاب الجاهلية من العرب، وقال مقاتل: الأَحزاب، بنو أُمية وبنو المغيرة وآل أَبى طلحة، وقيل: المراد بمن عامة أَهل الكتاب، والبعض ما لم يوافق ما حرفوه، والمعنى منهم من يفرح بما وافق، ومنهم من ينكره لشدة عناده {قُلْ} لقومك يا محمد {إِنَّمَا أُمِرْتُ} فيما أُوحى إلى من القرآن وغيره {أَنْ أَعْبُدَ اللهَ} بأَن أَعبد الله {وَلآ أُشْرِكَ بِهِ} شيئاً فى العبادة، ولا فى الفعل ولا فى الصفة ولا فى القول، وقل لأَهل الكتاب إِنما أُمرت أَن أَعبد الله ولا أُشرك به لا محيد عن ذلك، وأَما اختلاف الشرائع فذلك سنة الله فى أَنبيائِه وكتبه، قل يا أَهل الكتاب تعالوا إلى كلمة الآية {إِلَيْهِ} إلى الله أَى إلى الإِيمان به لا إلى غيره كما أَدعو إِلى عبادته لا إلى عبادة غيره {أَدْعُوا وَإِليْهِ مَئَابِ} مرجعى للبعث بالجزاءِ.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } نزلت ـ كما قال الماوردي ـ في مؤمني أهل الكتابين كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما من اليهود وكالذين أسلموا من النصارى كالثمانين المشهورين وهم أربعون رجلاً بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة، فالمراد بالكتاب التوراة والانجيل {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } إذ هو الكتاب الموعود فيما أوتوه {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ } أي من أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب أسقفي نجران وأشياعهما، وأصله جمع حزب بكسر وسكون الطائفة المتحزبة أي المجتمعة لأمر ما كعداوة وحرب وغير ذلك، وإرادة جماعة مخصوصة منه بواسطة العهد {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } وهو ما لا يوافق كتبهم من الشرائع الحادثة إنشاء أو نسخاً وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروه وإن لم يفرحوا به، وعن ابن عباس وابن زيد أنها نزلت في مؤمني اليهود خاصة. فالمراد بالكتاب التوراة وبالأحزاب كفرتهم. وعن مجاهد والحسن وقتادة أن المراد بالموصول جميع أهل الكتاب فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم. فالمراد ـ بما أنزل إليك ـ بعضه وهو الموافق، واعترض عليه بأنه يأباه مقابلة قوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } لأن إنكار البعض مشترك بينهم، وأجيب بأن المراد من الأحزاب من حظه إنكار بعضه فحسب ولا نصيب له من الفرح ببعض منه لشدة بغضه وعداوته وأولئك يفرحون ببعضه الموافق لكتبهم، وقيل: الظاهر أن المعنى أن منهم من يفرح ببعضه إذا وافق كتبهم وبعضهم لا يفرح بذلك البعض بل يغتم به وان وافقها وينكر الموافقة لئلا يتبع أحد منهم شريعته صلى الله عليه وسلم كما في قصة الرجم، وأنت تعلم أن الجوابين ليسا بشيء، وعلى تفسير الموصول بعامة أهل الكتاب فسر البعض البعض بما لم يوافق ما حرفوه، وبين ذلك بأن منهم من يفرح بما وافق ومنهم من ينكره لعناده وشدة فساده، وإنكارهم لمخالفة المحرف بالقول دون القلب لعلمهم به أو هو بالنسبة لمن لم يحرفه، ولعل نعي الإنكار أوفق بالمقام من نعي التحريف عليهم على ما لا يخفى على المتأمل، وقيل: المراد بالموصول مطلق المسلمين وبالأحزاب اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج ذلك ابن جرير عن قتادة، فالمراد بالكتاب القرآن، ومعنى {يَفْرَحُونَ } استمرار فرحهم وزيادته وقالت فرقة: المراد بالأحزاب أحزاب الجاهلية من العرب، وقال مقاتل: هم بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبـي طلحة. {قُلْ } صادعاً بالحق غير مكترث بمنكر بعض ما أنزل إليك {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } / أي شيئاً من الأشياء أو لا أفعل الإِشراك به سبحانه، والظاهر أن المراد قصر الأمر على عبادته تعالى خاصة وهو الذي يقتضيه كلام الإمام حيث قال: إن {إِنَّمَا } للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى وهو يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك، وقيل: معناه إنما أمرت بعبادته تعالى وتوحيده لا بما أنتم عليه. وفي "إرشاد العقل السليم" أن المعنى إلزاماً للمنكرين ورداً لإنكارهم إنما أمرت إلى آخره، والمراد قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصر الأمر مطلقاً على عبادته سبحانه أي قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إلي بعبادة الله تعالى وتوحيده. وظاهر أن لا سبيل لكم إلى إنكاره لإطباق جميع الأنبياء عليهم السلام والكتب على ذلك لقوله تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } تفسير : [آل عمران: 64] فما لكن تشركون به عزيراً والمسيح عليهما السلام، ولا يخفى أن هذا التفسير مبني على كون المراد من الأحزاب كفرة أهل الكتابين وهذا الكلام إلزام لهم، واعترض بأن منهم من ينكر التوحيد وإطباق جميع الأنبياء والكتب عليه كالمثلثة من النصارى. وأجيب بأنهم مع التثليث يزعمون التوحيد ولا ينكرونه كما يدل عليه قولهم: باسم الأب والابن وروح القدس إلهاً واحداً، وأنت تعلم أن هذا مما لا يحتاج إليه والاعتراض ناشيء من الغفلة عن المراد، وقد يقال: المعنى إنما أمرت بعبادة الله تعالى وعدم الإشراك به وذلك أمر تستحسنه العقول وتصرح به الدلائل الآفاقية والأنفسية:شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : فإنكاره دليل الحماقة وشاهد الجهالة لا ينبغي لعاقل أن يلتفت إليه، ويجري هذا على سائر تفاسير الأحزاب. وقرأ أبو خليد عن نافع {ولا أشرك} بالرفع على القطع أي وأنا لا أشرك، وجوز أن يكون حالاً أي أن أعبد الله غير مشرك به قيل: وهو الأولى لخلو الاستئناف عن دلالة الكلام على أن المأمور به تخصيص العبادة به تعالى وفيه بحث. {إِلَيْهِ } أي إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكور من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد {أَدْعُو } الناس لا إلى غيره ولا إلى شيء آخر مما لا يطبق عليه الكتب الإلهية والأنبياء عليهم السلام فما وجه انكاركم؟ قاله في "الإرشاد" أيضاً، والأولى عود الضمير على الله تعالى كنظيره السابق وكذا اللاحق في قوله سبحانه: {وَإِلَيْهِ } أي الله تعالى وحده {مَـآبٍ } أي مرجعي للجزاء وعلى ذلك اقتصر العلامة البيضاوي وكان قد زاد ومرجعكم فيما تقدم غير بعيد، واعترض بأنه كان عليه أن يزيده هنا أيضاً بل هذا المقام أنسب بالتعميم ليدل على ثبوت الحشر عموماً وهو المروي عن قتادة، وقد جعل الإمام هذه الآية جامعة لكل ما يحتاج المرء إليه من معرفة المبدأ والمعاد فقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } جامع لكل ما ورد التكليف به وقوله تعالى: {إِلَيْهِ أَدْعُو } مشير إلى نبوته عليه الصلاة والسلام. وقوله جل وعلا: {وَإِلَيْهِ مَآبِ } إشارة إلى الحشر والبعث والقيامة. وأجاب الشهاب عن ذلك بقوله: إن قول الزمخشري إليه لا إلى غيره مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم فيه بيان لنكتة التخصيص من أنهم ينكرون حقيقة أو حكماً فلا حاجة إلى ما يقال لا حاجة لذكره هنا لدلالة قوله تعالى: {أية : تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ } تفسير : [الرعد: 35] انتهى. وهو كما ترى، ولعل الاظهر أن يقال: إن دلالة الكلام عليه هنا ليست كدلالته عليه هناك إذ مساق الآية فيه للتخويف اللائق به اعتباره ومساقها هنا لأمر آخر والاقتصار على ذلك كاف فيه. / وأنت تعلم أنه لا مانع من اعتباره ويكون معنى الآية قل في جوابهم: إني إنما أمرني الله تعالى بما هو من معالي الأمور وإليه أدعو وقتاً فوقتاً وإليه مرجعي ومرجعكم فيثيبني على ما أنا عليه وينتقم منكم على إنكاركم وتخلفكم عن اتباع دعوتي أو فحينئذ يظهر حقية جميع ما أنزل إلي ويتبين فساد رأيكم في إنكاركم شيئاً منه، وقد يقال على عدم اعتباره نحو ما قيل فيما قبل: إن المعنى قل في مقابلة إنكارهم إني إنما أمرني الله تعالى بما أمرني به وإليه ادعو وإليه مرجعي فيما يعرض لي في أمر الدعوة وغيره فلا أبالي بإنكاركم فإنه سبحانه كاف من رجع إليه، ولعل هذا المعنى هنا من حيث إنه فيه تأسيس محض أولى منه هناك، واقتصر في "الإرشاد" على جعل الكلام إلزاماً وجعله نكتة أمره صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بذلك، وذكر أن قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّاً...}

ابن عاشور

تفسير : {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} الواو للاستئناف. وهذا استئناف ابتدائي انتقل به إلى فضل لبعض أهل الكتاب في حسن تلقيهم للقرآن بعد الفراغ من ذكر أحوال المشركين من قوله: { أية : كذلك أرسلناك في أمة } تفسير : [سورة الرعد: 30] الخ، ولذلك جاءت على أسلوبها في التعقيب بجملة {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} [سورة الرعد: 36]. والمناسبة هي أن الذين أرسل إليهم بالقرآن انقسموا في التصديق بالقرآن فِرقاً؛ ففريق آمنوا بالله وهم المؤمنون، وفريق كفروا به وهم مصداق قوله: { أية : وهم يكفرون بالرحمٰن } تفسير : [سورة الرعد: 30]، كما تقدم أنه عائد إلى المشركين المفهومين من المقام كما هو مصطلح القرآن. وهذا فريق آخر أيضاً أهل الكتاب وهو منقسم أيضاً في تلقي القرآن فرقتين: فالفريق الأول صدّقوا بالقرآن وفرحوا به وهم الذين ذُكروا في قوله تعالى: { أية : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } تفسير : في سورة العقود (83)، وكلهم من النصارى مثل ورقة بن نوفل وكذلك غيره ممن بلغهم القرآن أيام مُقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن تبلغهم دعوة النبي فإن اليهود كانوا قد سُرُّوا بنزول القرآن مصدّقاً للتوراة، وكانوا يحسبون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مقصورة على العرب فكان اليهود يستظهرون بالقرآن على المشركين، قال تعالى: { أية : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } تفسير : [سورة البقرة: 89]. وكان النصارى يستظهرون به على اليهود؛ وفريق لم يثبت لهم الفرحُ بالقرآن وهم معظم اليهود والنصارى البعداء عن مكة وما كفر الفريقان به إلا حين علموا أن دعوة الإسلام عامة. وبهذا التفسير تظهر بلاغة التعبير عنهم بـ {يفرحون} دون {يؤمنون}. وإنما سلكنا هذا الوجه بناءً على أن هذه السورة مكية كان نزولها قبل أن يُسلم عبد الله بن سلام وسَلْمان الفارسي وبعض نصارى نجران وبعض نصارى اليمن، فإن كانت السورة مدنية أو كان هذا من المدني فلا إشْكال. فالمراد بالذين آتيناهم الكتاب الذين أوتوه إيتاء كاملاً، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد، فهو كقوله تعالى: { أية : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به } تفسير : [سورة البقرة: 121]. فالأظهر أن المراد بالأحزاب أحزابُ الذين أوتوا الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: { أية : فاختلف الأحزاب من بينهم } تفسير : في سورة مريم (37)، أي ومن أحزابهم من ينكر بعض القرآن، فاللام عوض عن المضاف إليه. ولعل هؤلاء هم خبثاؤهم ودُهاتهم الذين توسموا أن القرآن يبطل شرائعهم فأنكروا بعضه، وهو ما فيه من الإيماء إلى ذلك من إبطال أصول عقائدهم مثل عُبودية عيسى عليه السلام بالنسبة للنصارى، ونبوءته بالنسبة لليهود. وفي التعبير عنهم بالأحزاب إيماء إلى أن هؤلاء هم المتحزبون المتصلبون لقومهم ولما كانوا عليه. وهكذا كانت حالة اضطراب أهل الكتاب عندما دمغتهم بعثة النبي وأخذ أمر الإسلام يفشو. {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن للفريقين بأنه ما أمر إلا بتوحيد الله كما في الآية الأخرى: { أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } تفسير : [سورة آل عمران: 64]، فمن فرح بالقرآن فليزدد فرحاً ومن أنكر بعضه فليأخذ بما لا ينكره وهو عدم الإشراك. وقد كان النصارى يتبرؤون من الشرك ويعُدّون اعتقاد بُنوة عيسى عليه السلام غير شرك. وهذه الآية من مجاراة الخصم واستنزال طائر نفسه كيلا ينفر من النظر. وبهذا التفسير يظهر موقع جملة {قل إنما أمرت أن أعبد الله} بعد جملة {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون} وأنها جواب للفريقين. وأفادت {إنما} أنه لم يؤمر إلا بأن يعبد الله ولا يشرك به، أي لا بغير ذلك مما عليه المشركون، فهو قصر إضافي دلت عليه القرينة. ولما كان المأمور به مجموع شيئين: عبادة الله، وعدم الإشراك به في ذلك آل المعنى: أني ما أمرت إلا بتوحيد الله. ومن بلاغة الجدل القرآني أنه لم يأت بذلك من أول الكلام بل أتى به متدرّجاً فيه فقال: {أن أعبد الله} لأنه لا ينازع في ذلك أحد من أهل الكتاب ولا المشركين، ثم جاء بعده {ولا أشرك} به لإبطال إشراك المشركين وللتعريض بإبطال إلٰهية عيسى ــــ عليه السلام ــــ لأن ادعاء بنوته من الله تعالى يؤول إلى الإشراك. وجملة {إليه أدعوا وإليه مآب} بيان لجملة {إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به}، أي أن أعبده وأن أدعو الناس إلى ذلك، لأنه لما أمر بذلك من قبل الله استفيد أنه مرسل من الله فهو مأمور بالدعوة إليه. وتقديم المجرور في الموضعين للاختصاص، أي إليه لا إلى غيره أدعُو، أي بهذا القرآن، وإليه لا إلى غيره مئابي، فإن المشركين يرجعون في مهمّهم إلى الأصنام يستنصرونها ويستغيثونها، وليس في قوله هذا ما ينكره أهل الكتاب إذ هو مما كانوا فيه سواء مع الإسلام. على أن قوله: {وإليه مآب} يعم الرجوع في الآخرة وهو البعث. وهذا من وجوه الوفاق في أصل الدين بين الإسلام واليهودية والنصرانية. وحذف ياء المتكلم من {مآبي} كحذفها في قوله: { أية : عليه توكلت وإليه متاب } تفسير : [الرعد: 30]، وقد مضى قريباً.

الواحدي

تفسير : {والذين آتيناهم الكتاب} يعني: مؤمني أهل الكتاب {يفرحون بما أنزل إليك} وذلك أنَّهم ساءهم قلَّة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التَّوراة، فلما أنزل الله تعالى: {أية : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} تفسير : فرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب، وكفر المشركون بالرَّحمن، وقالوا: ما نعرف الرَّحمن إلاَّ رحمان اليمامة، وذلك قوله: {ومن الأحزاب} يعني: الكفَّار الذين تحزَّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَنْ ينكر بعضه} يعني: ذكر الرَّحمن. {وكذٰلك} وكما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم {أنزلناه حُكْماً عربياً} يعني: القرآن؛ لأنَّه به يحكم ويفصل بين الحقِّ والباطل، وهو بلغة العرب {ولئن اتبعت أهواءهم} وذلك أنَّ المشركين دعوه إلى ملَّة آبائه، فتوعَّده الله سبحانه على ذلك بقوله: {ما لك من الله من ولي ولا واق}. {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً} ينكحونهنَّ {وذرية} وأولاداً أنسلوهم، وذلك أنَّ اليهود عيَّرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة النِّساء، وقالوا: ما له همَّةٌ إلاَّ النِّساء والنِّكاح {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاَّ بإذن الله} أَيْ: بإطلاقه له الآية، وهذا جوابٌ للذين سألوه أن يوسِّع لهم مكَّة. {لكل أجل كتاب} لكلِّ أجلٍ قدَّره الله، ولكلِّ أمرٍ قضاه كتابٌ أثبت فيه، فلا تكون آيةٌ إلاَّ بأجلٍ قد قضاه الله تعالى في كتابٍ. {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمُّ الكتاب} اللَّوح المحفوظ، يمحو منه ما يشاء ويثبت ما يشاء، وظاهر هذه الآية على العموم، وقال قوم: إلاَّ السَّعادة والشَّقاوة، والموت والرِّزق، والخَلق والخُلق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والذين آتيناهم الكتاب: أي كعبد بن سلام ومن آمن من اليهود. يفرحون بما أنزل إليك: أي يُسَرون به لأنهم مؤمنون صادقون ولأنه موافق لما عندهم. ومن الأحزاب: أي من اليهود والمشركين. من ينكر بعضه: أي بعض القرآن فالمشركون أنكروا لفظ الرحمن وقالوا لا رحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب. وكذلك أنزلناه حكماً عربياً: أي بلسان العرب لتحكم به بينهم. لكل أجل كتاب: أي لكل مدة كتاب كتبت فيه المدة المحددة. يمحو الله ما يشاء: أي يمحو من الأحكام وغيرها ويثبت ما يشاء فما محاه هو المنسوخ وما أبقاه هو المحكم. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير أصول العقيدة: التوحيد والنبوة والبعث والجزاء، فقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} كعبدالله بن سلام يفرحون بما أنزل إليك وهو القرآن وفي هذا تقرير للوحي وإثبات له، وقوله {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} ككفار اهل الكتاب والمشركين {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} فاليهود أنكروا أغلب ما في القرآن من الأحكام ولم يصدقوا إلا بالقصص، والمشركون أنكروا "الرحمن" وقالوا لا رحمن إلا رحمان اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب عليه لعائن الله، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} أي أمرني ربي أن أعبده ولا أشرك به، إليه تعالى أدعو الناس أي إلى الإِيمان به وإلى توحيده وطاعته، {وَإِلَيْهِ مَآبِ} أي رجوعي وإيابي وفي هذا تقرير للتوحيد، وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} أي وكهذا الإِنزال للقرآن أنزلناه بلسان العرب لتحكم بينهم به، وفي هذا تقرير للوحي الإِلهي والنبوة المحمدية، وقوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} بأن وافقتهم على مِلَلِهم وباطلهم في اعتقادهم، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وإنما الخطاب من باب... إياك أعني واسمعي يا جارة... {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ} أي ليس لك من دون الله من ولي يتولى أمر نصرك وحفظك، ولا واق يقيك عذاب الله إذا اراده بك لاتباعك أهل الباطل وتركك الحق وأهله، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} فلا معنى لما يقوله المبطلون: لم يتخذ محمد أزواجاً ولم تكون له ذرية؟ وهو يقول أنه نبي الله ورسوله، فإن الرسل قبلك من نوح وإبراهيم إلى موسى وداوود وسليمان الكل كان لهم أزواج وذرية، ولما قالوا {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} تفسير : [الرعد: 7، 27] رد الله تعالى عليهم بقوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فالرسل كلهم مربوبون لله مقهورون لا يملكون مع الله شيئاًَ فهو المالك المتصرف ان شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وقوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي لكل وقت محدد يعطي الله تعالى فيه أو يمنع كتاب كتب فيه ذلك الأجل وعُيِّن فلا فوضى ولا أُنُفَ، وقوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} ردٌ على قولهم لم يثبت الشيء ثم يبطله كاستقبال بيت المقدس ثم الكعبة وكالعدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام فأعلمهم أن الله تعالى ذو إرادة ومشيئة لا تخضعان لإِرادة الناس ومشيئاتهم فهو تعالى يمحو ما يشاء من الشرائع والأحكام بحسب حاجة عباده ويثبت كذلك ما هو صالح لهم نافع، {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي الذي حوى كل المقادير فلا يدخله تبديل ولا تغيير كالموت والحياة والسعادة والشقاء، وفي الحديث: "حديث : رفعت الأقلام وجفت الصحف"تفسير : رواه مسلم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة الوحي والنبوة. 2- تقرير عقيدة التوحيد. 3- تقرير أن القضاء والحكم في الإِسلام مصدره الأول القرآن الكريم ثم السنة لبيانها للقرآن، ثم القياس المأذون فيه فإجماع الأمة لاستحالة اجتماعها على غير ما يحب الله تعالى ويرضى به. 4- التحذير من اتباع أصحاب البدع والأهواء والمِلَلْ والنَّحَلْ الباطلة. 5- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 6- بيان النسخ في الأحكام بالكتاب والسنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاهُمُ} {ٱلْكِتَابَ} {أَدْعُو} {مَآبِ} (36) - وَالفَرِيقُ الصَّادِقُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فِي الاسْتِمْسَاكِ بِدِينِهِ، يَجِدُ فِي هذا القُرْآنِ مِصْدَاقَ القَوَاعِدِ الأَسَاسِيَّةِ فِي عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، كَمَا يَجِدُ فِيهِ الاعْتِرَافَ بِالدِّيَانَاتِ التِي سَبَقَتْهُ بِالإِكْبَارِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَفْرَحُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، وَيُؤْمِنُ بِهِ لِمَا فِي كُتُبِهِ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَالتَّبْشِيرِ بِهِ. أَمَّا الفَرِيقُ، الذِي يَتَّخِذُ الدِّينَ تَحَزُّباً، فَإِنَّهُ يُنْكِرُ بَعْضَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ عَدَاوَةً وَعَصَبِيَّةً. فَقًُلْ لَهُمْ: إِنَّمَا بُعِثْتُ لأَِعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلأَدْعُوَ النَّاسَ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإِلَيهِ تَعَالَى مَرْجِعِي، وَمَصِيرِي، وَمَآبي، وَبِذلِكَ أُرْسِلَ الأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي. إِلَيْهِ مَآبِ - إِلَى اللهِ وَحْدَهُ مَرْجِعِي لِلْجَزَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الإسلام قد سُبِق بدينين؛ دين النصارى قَوْم عيسى عليه السلام؛ ومن قبله دين اليهود قوم موسى عليه السلام؛ وكِلاَ الدينين له كتاب؛ الإنجيل كتاب المسيحية؛ والتوراة كتاب اليهودية؛ والقرآن هو كتاب الله المهيمن الخاتم؛ كتاب الإسلام، وهناك كتب سماوية أخرى مثل: صحف إبراهيم؛ وزبور داود، وغير ذلك. وكان على مَنْ نزل عليهم التوراة والإنجيل أن يواصلوا الإيمان بمَدَدِ السماء، والخير القادم منها إلى الأرض، وقد سبق أن أخذ الله من أنبيائهم الميثاق على ذلك، وقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد شاء أن يستقبل كُلُّ دين سابق الدينَ الذي يَلِيه بالإيمان به؛ وفي كل دين سابق لآخر كانت النصوص تؤكد ضرورة الإيمان بالرسول القادر، كي لا يحدث اقتراع بين الأديان الناسخة والأديان المنسوخة. فمِنْ صميم مواد أيِّ دين سابق أن ينتظر الدين الذي يليه، وإذا ما جاء الدين الجديد فهو يستقبله فْرَعاً وتكملة، ولا يستقبله كدين يُضَادِّ الدين السابق. وإذا كان الإسلام هو الدين الذي تُختم به مواكب الرُّسُل؛ فلا بُدَّ أن الأديان السابقة عليه قد بَشَّرَتْ به، وكل مؤمن بالأديان السابقة مُوصى بضرورة الإيمان به. يقول الحق سبحانه: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..} تفسير : [الشورى: 13]. ويقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ..} [الرعد: 36]. أي: أن أهل التوراة والإنجيل يفرحون بما جاءك يا محمد من القرآن، والإنسان لا يفرح بشيء إلا إذا حقَّق له غايةً تُسْعِده، ولا بُدَّ أن تكون هذه الغاية منشورة ومعروفة. وهم قد فرحوا بما نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حقق لهم ما جاء في كتبهم من نبوءة به. ومعنى ذلك أن كتبهم قد صدقتْ، ومَنْ جاء بالرسالة الخاتم صادق، وكان عليهم أن يكونوا أول المُبَادرين إلى الإيمان به. ذلك أن الفرحة هي العملية التعبيرية أو النُّزوعية من مواجيد الحب، والإنسان إنما يفرح بتحقيق أمر طيِّب كان ينتظره. ولذلك كان يجب أن يُهروِلوا للإيمان بالدين الجديد، وأنْ يعلنوا الإيمان به مثلما فعل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي الذي جاب أغلب البلاد باحثاً عن الدين الحق. وهؤلاء هم مجرد أمثلة لِمَنْ أرادوا أنْ يُعبِّروا بالفرحة واستقبال مَدَدِ السماء عَبْر مجيء النبي الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنوا البيعة للرسول الجديد كما بشَّرَتْ به الكتب السماوية السابقة على بعثته، ثم وقفوا موقف العداء من الذين لم يفرحوا بِمقْدمِ الرسول، ثم غيَّروا ما جاء في كتبهم السماوية طمعاً في السلطة الزمنية. وعرف مَنْ آمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذين أنكروا نبوة محمد بن عبد الله قد دَلَّسوا على أنفسهم وعلى غيرهم، وأتوْا بأشياء لم تكن موجودة في كتبهم المُنزَّلة على رسلهم كادعائهم أن لله أبناء، وسبحانه مُنزَّه عن ذلك. ولذلك جاء قول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36]. تلك عدالة من القرآن؛ لأن القرآن لم ينكر الكتب السماوية السابقة بأصولها، ولكنه أنكر التحريف في العقائد، وأنكر مواقف مَنْ حرَّفوا وادَّعوْا كذباً أن هناك بنوة لله. هذا التحريف لم يَنَلْ من القرآن إنكاراً لكل ما جاء بالكتب السابقة على القرآن؛ ولكنه أنكر التحريف فقط. وقد أثبتَ القرآن ما لله وما للرسول، وأنكر التحريف الذي أرادوا به السلطة الزمنية؛ وادعاء القداسة، والتجارة بصكوك الغفران وبيع الجنة، وتلقِّي الاعترافات، وغير ذلك مما لم يَنْزل به كتاب سماوي. وحين جاء الإسلام لِيُحرِّم ذلك دافعوا عن سلطتهم التي يتاجرون بها في أمور الدين، وهي ليست من الدين. وانظر إلى قول الحق سبحانه: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ ..} [الرعد: 36]. وهذا القول دليلٌ على أن هؤلاء المُغيّرين في الكتب السماوية أو الذين أنكروا وحدانية الله؛ هؤلاء جاء لهم بالقول الفَصْل: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ ..} [الرعد: 36]. أي: أنه يُقِرّ بأن هناك ديناً قد أُختِير له من قِبَل مُرَبٍّ؛ ولم يَختَرْ محمد شيئاً أعجبه ليعبده، ولكنه كرسول من الله يَشْرُف بالانتماء لما جاءه الأمر به من السماء، وهو لا يشرك به أحداً. ونجد الرسول صلى الله عليه وسلم يتعصَّب لِمَا يتعلق بربه؛ وقد يتهاون بما يتعلق بشخصه. ولذلك وجدنا بعضَ الملاحدة وقد قالوا له: نحن نؤمن بالله وبالسماء والوحي وبكل شيء، لَكِنّا لا نؤمن بك أنت، ولم يغضب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو كان يُدخِل ذاته أو أنانيته في الأمر لَغضِب، ولكنه لم يغضب. والدليل على هذا هو أن مواجيده صلى الله عليه وسلم كانت مع الروم المؤمنين بكتاب سماوي ضد المشركين الذين لا يؤمنون بدين سماوي وهم الفُرْس؛ وحزن صلى الله عليه وسلم حين غُلبت الروم، فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في بِضْع سنين؛ تسليةً له صلى الله عليه وسلم: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الروم: 1-5]. وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقربَ من غيرهم؛ لأنهم يتبعون ديناً سماوياً؛ وساعة يرى رائحة صاحب خير يرجحه على صاحب الشر؛ فهو يطلب لهم النصر ويُبشِّره الله بخبر نصرهم في بِضْع سنين، وهم يحملون رائحة الخير، رغم أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ ..} [الرعد: 36]. أي: أنني سأعبد الله وحده، ولن أعطف على عبادته شيئاً؛ ويدعو لعبادته وحده؛ لأنه يعلم أنه سيؤوب إليه، كما سيؤوب إليه كُلُّ إنسان؛ فلا أحدَ ينفلِتُ من ربه وخالقه، ولا بُدَّ لكل إنسان أن يُعِد عُدَّته لهذا المآب. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} وابتعناهم النبي، المبين لهم ما فيه من الأوامر والنواهي {يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي: في كتابهم الجامع لما في كتبهم؛ لأنهم يجدونه موافقاً مطابقاً لكتبهم {وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ} من هؤلاء المتحزبين في أمر القرآن {مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} أ ي: الآيات الناسخة لبعضها أحكام كتبهم، قل لهم: إنما نُسخ ما نُسخ من الأحكام الجزئية على مقتضى سنة الله في نسخ بعض الأحكام الجزئية الثابتة في الكتب السابقة بأحكام الكتب اللاحقة، وليس هذا ببدع، وأمَّا العقائد الكلية المصونة عن طريان النسخ والتبديل، فيهي المتفق عليها بين جماهير الأنبياء؛ لذلك {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} الواحد الأحد، الصمد، الحقيق بالحقية، المستقل في الألوهية والربوبية {وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ} من أظلاله ومصنوعاته وبمقتضى أمره {إِلَيْهِ} لا إ لى غيره من الأظلال الهالكة في إشراق شمس ذاته {أَدْعُو} دعاء مؤمل متضرع خاشع خاضع {وَ} كيف لا أدعو؛ إذ {إِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36] أ ي: منقلبي ومرجعي، رجوع الظل إلى ذي الظل. {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل إنزالنا للأمم الماضية كتاباً بعد كتاب ناسخاً لبعض ما فيها على مقتضى الأزمان والأقوام كذلك {أَنزَلْنَاهُ} أي: القرآن، إليك يا أكمل الرسل {حُكْماً} مبيناً للقضايا على مقتضى الحكمة المتقنة {عَرَبِيّاً} مناسباً بلسانك ولسان قومك يسهل لهم الاسترشاد والاستهداء به، ناسخاً لبعض ما في الكتب السالفة {وَ} الله {لَئِنِ ٱتَّبَعْتَ} انت بنفسك {أَهْوَاءَهُم} أي: أهواء أهل الكتاب وإن كانت قبيل النسخ هدى سيما {بَعْدَ مَا جَآءَكَ} في كتابك {مِنَ ٱلْعِلْمِ} بنسخها وبصيرورتها هوى {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ} من غضبه وانتقامه {مِن وَلِيٍّ} يولي أمرك بالاستخلاص والاستشفاع {وَلاَ وَاقٍ} [الرعد: 37] يحفظك ويمنعك من مقته. ثم قال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} مثلك {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} مثل أزواجك وأولادك، فلا يقدح في نبوتهم أزواجهم وأولادهم، فكيف يقدح في نبوتك مع أنك أفضل منهم {وَ} أيضاً أرسلنا رسلاً من قبلك {مَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لِرَسُولٍ} منهم {أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ} مقترحة {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ووحيه {لِكُلِّ أَجَلٍ} ووقت يسع فيه أمر من الأمور الكائنة والفسادة {كِتَابٌ} [الرعد: 38] نازل من عنده ناطق بوقوع ما كان ويكون فيه. {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} وبنسخه على مقتضى حكمته وإرادته {وَيُثْبِتُ} ما أراد إثباته {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 39] أي: لوح القضاء والقدر المتوالية، المتتالية على مقتضى الأوصاف الذاتية الإلهية والتجليات اللطيفة والقهرية والجلالية والجمالية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } أي: مننَّا عليهم به وبمعرفته، { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ } فيؤمنون به ويصدقونه، ويفرحون بموافقة الكتب بعضها لبعض، وتصديق بعضها بعضا وهذه حال من آمن من أهل الكتابين، { وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } أي: ومن طوائف الكفار المنحرفين عن الحق، من ينكر بعض هذا القرآن ولا يصدقه. {أية : فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } تفسير : إنما أنت يا محمد منذر تدعوا إلى الله، { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } أي: بإخلاص الدين لله وحده، { إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أي: مرجعي الذي أرجع به إليه فيجازيني بما قمت به من الدعوة إلى دينه والقيام بما أمرت به.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 458 : 26 : 27 - سفين {وَإِلَيْهِ مَآبِ} مرجع. [الآية 36].

همام الصنعاني

تفسير : 1385- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ مَآبِ}: [الآية: 36] قال: إليه مآب مصير كل عبد.