Verse. 1744 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَكَذٰلِكَ اَنْزَلْنٰہُ حُكْمًا عَرَبِيًّا۝۰ۭ وَلَىِٕنِ اتَّبَعْتَ اَہْوَاۗءَہُمْ بَعْدَ مَا جَاۗءَكَ مِنَ الْعِلْمِ۝۰ۙ مَا لَكَ مِنَ اللہِ مِنْ وَّلِيٍّ وَّلَا وَاقٍ۝۳۷ۧ
Wakathalika anzalnahu hukman AAarabiyyan walaini ittabaAAta ahwaahum baAAda ma jaaka mina alAAilmi ma laka mina Allahi min waliyyin wala waqin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» الإنزال «أنزلناه» أي القرآن «حكما عربيا» بلغة العرب تحكم به بين الناس «ولئن اتبعت أهواءهم» أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم فرضا «بعد ما جاءك من العلم» بالتوحيد «ما لك من الله من» زائدة «وليٍّ» ناصر «ولا واق» مانع من عذابه.

37

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكماً عربياً بما أنزل إلى ما تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا عليك القرآن. والكناية في قوله: {أَنزَلْنَـٰهُ } تعود إلى «ما» في قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } يعني القرآن. المسألة الثانية: قوله: {أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا } فيه وجوه: الأول: حكمة عربية مترجمة بلسان العرب. الثاني: القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن، فلما كان القرآن سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. الثالث: أنه تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكماً. واعلم أن قوله: {حُكْمًا عَرَبِيّا } نصب على الحال، والمعنى: أنزلناه حال كونه حكماً عربياً. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني: أنه وصفه بكونه عربياً والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً. الثالث: أن الآية دالة على أنه إنما كان حكماً عربياً، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة، وكل ما كان كذلك فهو محدث. والجواب: أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه والله أعلم. المسألة الرابعة: روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد أن حوله الله عنها. قال ابن عباس: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وقيل: بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام بحق الرسالة وتحذيره من خلافها، ويتضمن ذلك أيضاً تحذير جميع المكلفين، لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم أحق بذلك وأولى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} أي وكما أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكماً عربياً؛ وإنما وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عربيّ، فكذب ٱلأحزاب بهذا الحكم أيضاً. وقيل نظم الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكماً عربياً، أي بلسان العرب؛ ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام. وقيل: أراد بالحكم العربي القرآن كله؛ لأنه يفصل بين الحق والباطل ويحكم. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} أي أهواء المشركين في عبادة ما دون الله، وفي التوجيه إلى غير الكعبة. {بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} أي ناصر ينصرك. {وَلاَ وَاقٍ} يمنعك من عذابه؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها. {أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا } يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة. {عَرَبِيّاً } مترجماً بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصابه على الحال. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم } التي يدعونك إليها، كتقرير دينهم والصلاة إلى قبلتهم بعدما حولت عنها. {بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } بنسخ ذلك. {مَـالَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ} ينصرك ويمنع العقاب عنك وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } الإنزال {أَنزَلْنَٰهُ } أي القرآن {حُكْمًا عَرَبِيًّا } بلغة العرب تحكم به بين الناس {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوآءَهُم } أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم فرضاً {بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } بالتوحيد {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن } زائدة {وَلِيٍّ} ناصر {وَلاَ وَاقٍ } مانع من عذابه.

الخازن

تفسير : {وكذلك أنزلناه حكماً عربياً} أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلغاتهم، أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب وهو القرآن عربياً بلسانك ولسان قومك. وإنما سمي القرآن حكماً لأن فيه جميع التكاليف والأحكام والحلال والحرام والنقض والإبرام، فلما كان القرآن سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، وقيل إن الله لما حكم على جميع الخلق بقبول القرآن والعمل بمقتضاه سماه حكماً لذلك المعنى {ولئن اتبعت أهواءهم} قال جمهور المفسرين: إن المشركين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائهم فتوعده الله على اتباع أهوائهم في ذلك. وقال ابن السائب: المراد به متابعة آبائهم في الصلاة لبيت المقدس {بعد ما جاءك من العلم} يعني بأنك على الحق، وأن قبلتك الكعبة هي الحق. وقيل: ظاهر الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره وقيل: هو حث للنبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة والقيام بما أمر به ويتضمن ذلك تحذير غيره من المكلفين لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً وأعلى مرتبة إذا حذر كان غيره ممن هو دونه بطريق الأولى {ما لك من الله من ولي ولا واق} يعني من ناصر ولا حافظ قوله تعالى {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك} روي أن اليهود، وقيل المشركين، قالوا: إن هذا الرجل يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، ليس له همة إلا في النساء فعابوا عليه ذلك وقالوا لو كان كما يزعم أنه رسول الله لكان مشتغلاً بالزهد وترك الدنيا فأجاب الله عز وجل عن هذه الشبهة، وعما عابوه به بقوله عز وجل {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك} يا محمد {وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} فإنه قد كان لسليمان عليه الصلاة والسلام ثلثمائة امرأة حرة وسبعمائة امرأة سرية فلم يقدح ذلك في نبوته وكان لأبيه داود عليه الصلاة والسلام مائة امرأة فلم يقدح ذلك أيضاً في نبوته فكيف يعيبون عليك ذلك، ويجعلونه قادحاً في نبوتك والمعنى: ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك يأكلون ويشربون وينكحون، وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هذا جواب لعبد الله بن أبي أمية، وغيره من المشركين الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآيات واقترحوا عليه أن يريهم المعجزات، وتقدير هذا الجواب أن المعجزة الواحدة كافية في إثبات النبوة وقد أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزات كثيرة يعجز عن مثلها البشر، فما لهم أن يقترحوا عليه شيئاً، وإتيان الرسول بمعجزات ليس إليه بل هو مفوض إلى مشيئة الله عز وجل فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها {لكل أجل كتاب} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم فلما استبطئوا ذلك، وقد كانوا يستعجلون نزوله أخبر الله عز وجل أن لكل قضاء قضاه كتاباً قد كتبه فيه ووقتاً يقع فيه لا يتقدم ولا يتأخر. والمعنى: أن لكل أجل أجله الله كتاباً قد أثبته فيه، وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره لكل كتاب أجل ومدة والمعنى أن الكتب المنزلة لكل كتاب منها وقت ينزل فيه {يمحو الله ما يشاء ويثبت} وذلك أنهم لما اعترضوا على رسول الله فقالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم يأمرهم بخلافه غداً، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، أجاب الله عن هذا الاعتراض بقوله {يمحو الله ما يشاء ويثبت}. قال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما شاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء من ذلك فلا ينسخه ولا يبدله، وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصورهما وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء فيكتب الملك، ثم يقول يا رب أجله فيقول: ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول: الملك يا رب رزقه فيقول: ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك الصحيفة، فلا يزيد على أمر ولا ينقص"تفسير : أخرجه مسلم (ق) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو الصادق المصدوق "حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"تفسير : . فإن قلت: هذا الحديث والذي قبله صريح بأن الآجال والأرزاق مقدرة، وكذا السعادة والشقاوة لا تتغير عما قدره الله وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصانها، وكذلك يستحيل أن ينقلب السعيد شقيا أو الشقي سعيداً، وقد صح في فضل صلة الرحم أن صلة الرحم تزيد في العمر فكيف الجمع بين هذه الأحاديث، وبين قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت؟. قلت: قد تكرر بالدلائل القطعية أن الله عالم الآجال والأرزاق وغيرها. وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله أن زيداً يموت في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده وهو قوله تعالى {أية : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}تفسير : [الأَعراف: 34] فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص. وأجاب العلماء عما ورد في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح منها: أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع وغير ذلك. والجواب الثاني: منه أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر زيد مثلاً ستون سنة، إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة، وقد علم الله في الأزل ما سيقع من ذلك، وهو معنى قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت أي بالنسبة لما يظهر للمخلوقين من تصوير الزيادة. وأما انقلاب الشقي سعيداً أو السعيد شقياً فيتصور في الظاهر أيضاً لأن الكافر قد يسلم فينقلب من الشقاوة إلى السعادة، وكذا العاصي ونحوه وقد يتوب فينقلب من الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد المسلم، والعياذ بالله تعالى، فيموت على ردته فينقلب من السعادة إلى الشقاوة، والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة عند الموت وما يختم الله به له وهو المراد من علم الله الأزلي الذي لا يتغير ولا يتبدل. والله أعلم. وأصل المحو: إذهاب أثر الكتابة وضده الإثبات فمن العلماء من حمل الآية على ظاهرها فجعلها عامة في كل شيء يقتضيه ظاهر اللفظ، فيزيد الله ما يشاء في الرزق والأجل. وكذا القول في السعادة والشقاوة والإيمان بالله والكفر. ونقل نحو هذا عن عمر وابن مسعود فإنهما قالا: يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. وروي عن عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة والمغفرة فأثبتني فيها وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحني منها وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب وروي مثله عن ابن مسعود وقد ورد في بعض الآثار "أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة" هكذا ذكر البغوي بغير سند. وروي بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم "حديث : ينزل الله تبارك وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت"تفسير : ومن العلماء من حمل معنى الآية على الخصوص في بعض الأشياء دون بعض فقال: المراد بالمحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر عوضاً عن الحكم المتقدم، وقيل: إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب، ولا عقاب مثل قول القائل أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق فيه ويثبت ما فيه ثواب وعقاب. وهذا قول الضحاك. وقال الكلبي: يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. وقال ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو والذي يثبت هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يموت، وهو في طاعته فهو الذي يثبت، وقال الحسن: يمحو الله ما يشاء يعني من جاء أجله فيذهبه ويثبت من لم يجىء أجله وقال سعيد بن جبير يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء منها فلا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويثبت بدل الذنوب حسنات. وقال السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت الشمس. وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم فمن أراد موته محاه وأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، وقيل: إن الله يثبت في أول كل سنة حكمها فإذا مضت السنة محاه وأثبت حكماً آخر للسنة المستقبلة وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: هو في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ثم يمحوها بالدعاء والصدقة. وقيل: إن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء لا اعتراض لأحد عليه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فان قلت مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات. قلت: المحو والإثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئاً ولا يثبت شيئاً إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر. مسألة: استدلت الرافضة على مذهبهم في البداء بهذه الآية: قالوا: إن البداء جائز على الله وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له خلاف ما اعتقده وتمسكوا بقوله {يمحو الله ما يشاء ويثبت} والجواب عن هذه المسألة أن هذا مذهب باطل ظاهر الفساد لأن علم الله قديم أزلي، وهو من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيير والتبديل فيه محالاً كذا ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى {وعنده أم الكتاب} يعني أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وسمي اللوح المحفوظ أم الكتاب لأن جميع الأشياء مثبتة فيه ومنه تنسخ الكتب المنزلة، وقيل: إن العلوم كلها تنسب إليه وتتولد منه، قال ابن عباس: هما كتابان كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء وأم الكتاب الذي لا يغير شيء منها وروى عطية عن ابن عباس قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوتة، لله فيه كل يوم ثلثمائة وستون لحظة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وسأل ابن عباس كعباً عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه وما هم عاملون.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} [الآية: 37]. قال بعضهم: أحكام العرب السخاء والشجاعة، وهما من عُرى الإيمان، وقيل فى قوله: {حُكْمًا عَرَبِيّاً} هذا مقدم ومؤخر، أى أنزلناه عربيًا بلسانهم إذ كانوا هم المخاطبين به حكمًا، أى مبينًا فيه الحلال والحرام.

القشيري

تفسير : أي حُكْماً ببيان العرب؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أرسل الرسلَ في كلِّ وقتٍ كُلاً بلسان قومه ليهتدوا إليه. ويقال مِنْ صفات العرب الشجاعة والسخاء ومراعاة الذِّمام, وهذه الأشياء مندوبٌ إليها في الشريعة. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوآءَهُم}: أي ولئن وافقتهم، ولم تعتصم بالله، ووَقَعَتْ على قلبك حشمةٌ من غير الله - فَمَا لَكَ من واقٍ من الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} اى وكما انزلنا الكتاب على الانبياء بلغة اممهم كما قال {أية : كذلك ارسلناك فى امة} تفسير : او مثل هذا الانزال المشتمل على اصول الديانات المجمع عليها كما هو المشهور فى مثله {انزلناه} يعنى القرآن {حكما} يحكم فى كل شيء يحتاج اليه العباد على مقتضى الحكمة والصواب. فالحكم مصدر بمعنى الحاكم لما كان جميع التكاليف الشرعيه مستنبطا من القرآن كان سببا للحكم فاسند اليه الحكم اسنادا مجازيا ثم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة ويقال حكما اى محكما لا يقبل النسخ والتغيير {عربيا} مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصاب حكما على انه حال موطئة وعربيا صفته والحال الموطئة اسم جامد موصوف بصفة هى الحال فكأن الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال فى الحقيقة لمجيئه قبلها موصوفا بها -روى- ان المشركين كانوا يدعونه عليه السلام الى اتباع ملة آبائهم المشركين وكان اليهود يدعونه الى الصلاة الى قبلتهم اى بيت المقدس بعد ما حول عنها فقال تعالى {ولئن اتبعت اهواءهم} التى يدعونك اليها لتقرير دينهم جعل ما يدعونه اليه من الدين الباطل والطريق الزائغ هوى وهو ما يميل اليه بالطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول لكونه هوى محضا {بعد ما جاءك من العلم} من الدين المعلوم صحته بالبراهين {مالك من الله} من عذابه {من ولى} ينصرك {ولا واق} يحفظك ويمنع عنك العذاب وهذا خطاب له عليه السلام والمراد تحريض امته على التمسك بالدين وتحذيره من التزلزل فانه اذا حذر من كان ارفع منزلة من الكل هذا التحذير كان غيره اولى بذلك اعانك الله واياى فى كل مقام. فعلى العاقل ان يسلك طريق العبودية الى عالم الربوبية ولا يشرك شيئا من الدنيا والآخرة بل يكون مخلصا فى طلبه ومن اتبع الشرك بعد ما جاءه من العلم وهو طلب الوحدانية ولا واق يقيه من عذاب البعد وحجاب الشركة فى الوجود بالوجود فطريق الخلاص انما هى العبودية. قال الامام الفخر الرازى فى الكبير وقد بلغ شرف العبودية مبلغا بحيث اختلف العلماء فى العبودية والرسالة المستجمعتين فى المرسلين ايهما افضل فقالوا ان العبودية افضل واستدلوا عليه بانه بالعبودية ينصرف من الخلق الى الحق وبالرسالة ينصرف من الحق الى الخلق والعبودية ان يكل اموره الى سيده فيكون هو المتكفل تعالى باصلاح مهامه والرسالة التكفل بمهام الامة وشتان ما بينهما هذا آخر كلامه. والعبودية هى مقام الجمع والرسالة مقام التفرقة انظر الى النبى صلى الله عليه وسلم كان فى تمحض عبوديته مع ربه كما اخبر عنه "حديث : ابيت عند ربى وهو يطعمنى ويسقينى" تفسير : وفى حال رسالته يقول "حديث : كلمينى يا حميراء" تفسير : لينقطع من الحق الى الخلق وكفى شرفا تقديم العبد على الرسول فى اشهد ان محمدا عبده ورسوله. وفى العبودية معنى الكرامة والتشريف كما قال {أية : ان عبادى ليس لك عليهم سلطان}تفسير : : قال الحافظ شعر : كدايئ درجانان بسلطنت مفروش كسى ز سايه اين در بآفتاب رود تفسير : وعن على رضى الله عنه كفانى شرفا ان تكون لى ربا وكفانى عزا ان اكون لك عبدا وكما ان الله تعالى هو خالق العبد فكذا لا جاعل للعبد عبدا وذلك برفع هواه الا هو ألا ترى الى قوله تعالى {أية : بل الله يزكى من يشاء ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد} ابدا {لا يمسه الا المطهرون} تفسير : فان المطهر بالكسر فى الحقيقة هو الله تعالى وما سواه اسباب ووسائط

الطوسي

تفسير : آية قيل في وجه التشبيه في قوله {وكذلك} قولان: احدهما - انه شبه انزاله حكماً عربياً بما أنزل إِلى من تقدم من الانبياء. الثاني - انه شبه انزاله حكماً عربياً بإِنزاله كتاباً، تبياناً في انه منعم بجميع ذلك على العباد. و (الحكم) فصل الأمر على الحق، واذا قيل: حكم بالباطل، فهو مثل قولهم: حجة داحضة. و (العربي) هو الجاري على مذاهب العرب في كلامها فالقرآن عربي [على هذا المعنى، لان المعاني فيه على ما تدعو إليه الحكمة] والالفاظ على مذاهب العرب في الكلام. [وقيل: انما سماه حكماً عربياً لانه أتى به نبي عربي]. وقوله {ولئن اتَّبعت أهواءهم} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد به الأمة، يقول له لئن وافقت وطلبت اهواء الذين كفروا بعد ان جاء العلم، لان ما اتيناك من الدلالات والمعجزات للعلم. والاتباع طلب اللحاق بالأول كيف تصرف. اتبعه اتباعاً وتبعه يتبعة، فهو تابع وذلك متبوع. والهوى - مقصور - هوى النفس. والهواء - ممدود - هواء الجوف، والهوى ميل الطباع الى الشيء بالشهوة. و (العلم) ما اقتضى سكون النفس. وقوله {ما لك من الله من وليّ ولا واق} معناه متى ما ابتعت أهواء هؤلاء الكفار، لم يكن لك من الله وليّ ولا ناصر يعينك عليه، ويمنعك من عذابه {ولا واق} ولا من يقيك منه، يقال: وقاه وقاية واتقاه، وتوقاه توقياً، والواقي الفاعل للحجر عن الأذى.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} المذكور من عبادة الله وعدم الاشراك والدّعوة والرّجوع اليه {أَنزَلْنَاهُ} يعنى انزلناه حالكونه مثل ذلك المذكور يعنى انّه وان لم يكن كلّه صريحاً فى ذلك لكن كلّه راجع اليه {حُكْماً عَرَبِيّاً} صادراً عن حكمة بالغة له حقيقة فى عالم العقول لا اعرابيّاً لا حقيقة له ولا حكمة فيه وهو حال عن ذلك او عن مفعول انزلناه {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} فى اخفاء ما يكرهونه وخصوصاً ولاية علىّ (ع) {بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} بحقّيّته ومأموريّتك ان تظهره {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} يتولّى تربيتك {وَلاَ وَاقٍ} ينصرك فى شدائدك وقد مضى مراراً تفسير الولّى والنّصير وانّهما كنايتان عن مظهر الولاية ومظهر الرّسالة.

فرات الكوفي

تفسير : {ولقد أرسلنا رسلاً من قَبْلَك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية37} فرات قال: حدّثنا إِسماعيل بن إِبراهيم معنعناً: عن عبد الله بن الوليد قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فقال لنا: ممن أنتم؟ فقلنا له: من أهل الكوفة، فقال لنا: إنه ليس بلد من البلدان ولا مصر من الأمصار أكثر محباً لنا من أهل الكوفة، إِن الله هداكم لأمرٍ جهله الناس فأحببتمونا وأبغضنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس، فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا، فأشهد على أبي أنه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى ما تقر به عينيه إِلا أن تبلغ نفسه ها هنا - وأومأ بيده إِلى حلقه - وقد قال الله في كتابه: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذريّة} فنحن ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ} أى ومثل ذلك الإنزال المشتمل على ما اتفقت فيه الشرائع، أو كما نزلنا الكتب على الأنبياء بلغاتهم، أو كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسان العرب، قيل: ما نزل كتاب إلا بالعربية، ويترجمه النبى لقومه بلغتهم {أنْزلناهُ} أى القرآن {حُكْما} حال مبالغة، لأن فيه جميع التكاليف والأحكام، والحلال والحرام، والنقض والإبرام، كأنه نفس الحكم، أو لأن التلفظ به حكم بمقتضاه، وهذا باعتبار الخلق لأنهم المتلفظون به، أو بمعنى ذا حكم، أو محكوما به، فإنه صلى الله عليه وسلم يحكم به بين الناس فى الوقائع على ما تقتضيه الحكمة التى فيه، وسهل جعل حكما حالا وصفة بما هو بمنزلة المشتق وهو قوله: {عَربيا} أى منسوبا للغة العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه {ولَئن اتَّبعتَ أهْواءهُم} من إراد دخولك فى ملتهم كما قال الجمهور، أو تجويزك إياها، أو الصلاة إلى بيت المقدس كما قال ابن المسيب، أو عدم تبليغ ما أرسلت به، أو جمع ذلك {بَعْد الذِى جَاءكَ مِنْ العِلْم} بالتوحيد، وتحويل القبلة إلى الكعبة وسائر ما أنزل إليك. {مَالكَ مِنَ اللّهِ مِنْ} صلة للتأكيد {وَلىٍّ} أى مالك ناصر من عذاب الله، أو مالك ناصر يأتيك من رحمته {ولاَ واقٍ} حافظ من عذابه، وذلك إقناط للكفرة، وقطع لأطماعهم، من أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهواءهم، وتهييج لأمته على التصلب فى الدين، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباعهم بمعزل، وعلى التصلب بمكان ولذلك قيل: الخطاب فى الظاهر له صلى الله عليه وسلم، وفى الحقيقة لغيره.

اطفيش

تفسير : {وَكَذلِك} كإِنزال الكتب السابقة على الأَنبياءِ قبلك بلغاتهم ولغات قومهم كما يدل عليه"أية : الذين آتيناهم الكتاب"تفسير : أَو مثل إِنزال القرآن على هذا الأَسلوب العجيب {أَنْزَلْنَاهُ} أَى القرآن {حُكْماً} حال {عَرَبيّاً} بلغتك ولغة قومك تحكم بين الناس كلهم العرب والعجم، وحكماًَ بمعنى حاكم على الإِسناد المجازى، أَو مبالغة كأَنه نفس الحكم بالمعنى المصدرى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} قول أَهل مكة: اترك عبادة ربك سنة إِلى عبادة آلهتنا، ونترك عبادة آلهتنا إلى عبادة الله سنة، ولما أَبى قالوا: امسح على آلهتنا فأَبى، وقول اليهود: ارجع عن قبلتك الكعبة إلى قبلتنا التى كنت عليها، وهى بيت بيت المقدس أَو صخرته، فإنه صلى إِلى بيت المقدس بعد الهجرة نحو ستة عشر شهراً ثم استقبل الكعبة بأَمر الله جل وعلا فى رجب بعد الزوال قبل بدر بشهرين {بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} بالتوحيد واستقبال الكعبة {مَالَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِىٍّ} يدفع عنك العذاب بعد ما جاءك {وَلاَ وَاقٍ} يمنع عنك العذاب قبل مجيئه، أَو بالعكس، مالك حافظ من عذاب الله، أَو مالك من رحمة الله واق من العذاب، وذلك حسم لأَطماع المشركين واليهود من متابعتهم فى شىءٍ مما خالف الوحى والقرآن، وتهييج للمؤمنين على الثبات على دينهم؛ لأَن الخطاب ولو كان له صلى الله عليه وسلم؛ لكنه تعريض بغيره لبعد أَن ينهى مثله فى صلابة دينه عما يعبد عن أَدنى مسلم حتى قيل: إِن الخطاب لمن يصلح له، لا له صلى الله عليه وسلم، ولو كان له فى قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً} كثيرين عظاماً {مِنْ قَبْلِكَ} بشراً يتزوجون ويولدهم ويتسرون مثل رسالتك وتزوجك وتسريك والولادة لك كما قال: {وجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وذُرِّيَّةَ} كما لسليمان ثلثمائِة امرأَة بمهورهن، وسبعمائة سرية، ولداود مائة امرأَة بمهورهن، فكيف يقول أَهل مكة لا يكون البشر نبياً، بل النبى ملك وتمم الله البشرية بالتزوج والتسرى والولادة، ولا يشكل بيحيى وعيسى، لأَن رسلا نكرة فى الإِثبات فلا تعم، وإِنما المراد جماعة مخصوصة، ويقال: من فضائله صلى الله عليه وسلم، استواء سره وعلنه حتى أَنه لم تترك نساؤُه شيئاً مما يسر من شأْن فرشهن معه إِلا ذكرنه حتى أَن الصحابة اختلفوا فى الإِيلاج بلا إِنزال هل يوجب الغسل؟ فسأَلوا عائشة رضى الله عنها فقالت، ولا حياءَ فى الدين: فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم معى فاغتسلنا جميعاً، وهذا يناسب ما روى عن جابر بن زيد رحمه الله تعالى أَنه سأَلها عن جماع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك عجيب لأَنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذكر ما يفعل الرجل مع زوجه، فإِما أن يكون ذكرهن ذلك زلة منهن وهى مغفورة تبين منه، وإما أَن يخصصن بجواز ذلك لأَنهن مبلغات عنه صلى الله عليه وسلم، والمراد: كذلك جعلنا لك يا محمد تسع نسوة، وقد قالوا: "أية : لو ما تأْتينا بالملائِكة"تفسير : و "أية : لولا أُنزل عليه ملك"تفسير : و "أية : ما لهذا الرسول يأْكل الطعام ويمشى فى الأَسواق"تفسير : وعيروه بحب التزويج، ولو كان رسولا من الله لاشتغل عن النكاح والأَسواق بالعبادة، والملك لا يأْكل فليس بملك لأَنه يأْكل فليس نبياً، فرد الله عليهم بذلك، والنكاح والولادة لا يكونان بلا أَكل، ولو كان رسولا لجاءَ بكل آية طلبت منه فرد الله عليهم بقوله {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ} ما ثبت فى قدرته {أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ} عقلية أَو نقلية طلبت منه أَو لم تطلب {إِلاَّ بإِذْنِ اللهِ} فإِنه رسول، ولو لم يأْتكم بكل آية تطلبونها، وقد جاءَ بآيات كافية أَعرضتم عنها، وقد جاءَ بآية كآية عيسى، وهى إِحياءُ موتى بعد الهجرة وخوفهم بالنصرة عليهم، ونزول العذاب وتأَخر ذلك قالوا: لو كان رسولا لنصر علينا وعذبنا، فرد الله عليهم بقوله - عز وجل -، وجملة الرسل: آدم وشيث، وأَتوس، وفينان، ومهائيل، وأَخنوخ، وإِدريس، ومتوشلخ، ونوح، وهود، وعبهق، ومرداريم، وشارع، وصالح، وأَرفخشد، وصفوان، وحنظلة، ولوط، وعصان، وإِبراهيم، وإسماعيل، وإِسحاق، ويعقوب، ويوسف، وشمائيل، وعصروين، وشعيب، وموسى، ولوطان،ويعوا، وهرو، وكليل، ويوشع، ودانيال، وبونشن، وبليا، وأَرميا، ويونس، وإلياس، وسليمان، وداود، واليسع، وأَيوب، وأَوس،وذانين، والهميع، وثابت، وغابر، وهميلان، وذو الكفل، وعزيز، وغزقلان، عزان، والوون، وزاين، وعازم، ومربد، وساذان، وسعد، وغالب، وشماس، وشمعون، وفياض، وفضا، وسارم، وعيناض، وسائم، وعوضون، وبيوزر، وكزول، وباسل، وباسان، ولاخين، وغلضان، ورسوغ، ورشعين، والصون، ولوغ، وبراسوا، ولاظيم، ورشاد، وشريب، وهبيل، وميلان، وعمران، وهربيب، وجريب، وشماغ، وصريخ، وسفان، وقبيل، وضعضع، وعصون، وعيصف، وصديف، وبراوء، وحاصيم، وهيان، وعاصم، وجان، ومصراع، وعاريس، وشرحبيل، وحزبيل، وحزقيل، واشموئيل، وعمصان، وكبير، وسباط، وعاد، ويثلخ، وريهان، وعمدان، ومرفان، وحنان، ولوخنا، ولام، وبعيول، وبصاص، وهبان، وأَفليق، وفازيح، ونصير، وأوريس، ومضعاض، وجذيمة، وشروحيل، ومعنائيل، ومدرك، وحارم، وبارغ، وهرميل، وجابد، وزرفان، وأَصفون، وبرجاج، وناوى، وهزراين، وأَشبيل، وعطاف، ومهبل، وزنجيل، وشمطان، وأَلقوم، وحوبلد، وصالح، وسانوخ، وراميل، وزاميل، وقاسم، وباييل، وبازل، وكبلان، وباتر، وحاجم، وجاوح، وجامر، وجاجن، وراسل، وواسم، ورادم، وسادم، وشوشان، وجازان، وصاحد، وصحبان، وكملوان، وصاعد، وغفران، وغاير، ولاحون، وبلدخ، وهيدان، ولاوى، وهيراء، وناصر، وحافك، وحافيخ، وكاشيخ، ولافيت، وبايم، وحاشم، وهجام، وميزاد، وأَسيصان، وراحلا، ولاطف، وبرطنون، وأَنان، وعور، وأَيض، ومهتمصر، وغاينن، ونماخ، وهندويل، ومبصل، ومضعتام، وطميل، وطابيخ، ومهمم، وحجرم، وعدون، ومنبد، وبارون، وروان، ومعين، ومزاحم، ويانيد، ولاصق، وفردان، وجابر، وسالوم، وعيص، وهربان، وجابوك، وعابوج، ومينات، وفانوح، ودربان، وصاخم، وحارض، حراض، وحرفيا، ونعمان، وزاميل، ومزحم، وميداس، وياخوخ، ويونس، وساسان، وفريم، وفربوش، وصجيب، وركن، وعامر، وسنحق، وزاخون، وحينيم، وعياب، وصباح وعرفون، ومخلاد، ومرحم، وصانيد، وغالب، وعبد الله، وأَدرزين، وعدوار، وزهران، وبايع، ونظير، وهورين، وكايو، وأَشيم، وفتوان، وعابون، ورباخ، وصابخ، ومسلون، وحجان، ورابول، ومعيلا، وسايعان، وأرحيل، وبيغين، ومنضح، ورحين، ومحراس وساخين، وحرفان، ومهمون، وحوضان، وأَليون، وعد، ورخيول، وبيغان، وبتيحور، وحوطبان، وعامل، وزاحرام، وعيمى، وصبيح وبطيع، وجارح، وصهيب، وصبحان، وكلمان، ويؤخر، وسيمون، وغرضون، وحوجب، وبليق، وبارع، وعائيل، وكنعان، وحفدون، وحسمان، وبسمع، وعرفور، وعرميز، وفصحان، وابن يحيى، وابن يونشن، وابن القاص، وصفا، وشمعون، ورصاص، وأَفلوبن، وشاخم، وخائيل، وأَخيال، وهياج، ويحيى، وزكريا، وجرجيشن، وعيسى بن مريم، ومحمد صلى الله عليه وسلم {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابُّ} لكل مكتوب عند الله أَجل ينتهى إِليه على القلب للكلام تأْكيدا كأَنه يستحق الأَجل مكتوباً ويطلبه، أَو لكل أَمر مؤجل كتاب كتب فيه لا يؤَخر ولا يقدم، أَو لكل أَجل كتاب كتب فيه، وذلك بحسب الحكمة والمصلحة، ولا يجب الصلاح على الله - عز وجل -، بل يهدى إِلى الدين، وحكمه عدل، ولا يوصف بالفساد والجور، وقالوا: لو كان رسولا لم ينسخ بعض ما فى التوراة والإِنجيل، أَو أَكثرهما من الأَحكام، فرد الله عليهم بقوله جل جلاله: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} ما يشاءُ {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} يمحو ما يشاءُ من القرآن ومن التوراة والإِنجيل بالنسخ كنسخ عدة الوفاة من السنة إِلى أَربعة أَشهر وعشر، واستقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وبالنسخ إِلى غير بدل، ويمحو السيئات بالتوبة والصغائر باجتناب الكبائِر، ويمحو ما ليس عليه ثواب ولا عقاب من ديوان الحفظة، ويمحو ما يشاءُ من الأَجل المنقضى والأَشياءِ الفارغة والفاسدة ويثبت ما لم ينسخ وما يحدث ينسخ إليه والحسنات وما فيه ثواب أَو عقاب، ويمحو القمر ويثبت الشمس، ويمحو القرن ويثبت الآخر، ويمحو الحيوان والنبات بالموت وينبت الآخرة بالولادة والنبات، ويمحو الدنيا ويثبت الآخرة، ويثبت ليلة القدر أَو ليلة نصف شعبان، يثبت ما يثبت ويمحو ما يمحو، وهكذا على عموم ما يزول وما يحدث، وأُم الكتاب اللوح المحفوظ، والعلم الأَزلى، وأَصل كل شىءٍ أُمُّه، وما يجرى مجرى الأَصل، ومن ذلك أُم الرأْس وأُم القرى لمكة، وأَم الكتاب صحائِف الأَعمال، أَو عام لها وللكتب المنزلة، أَو لذلك واللوح المحفوظ.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّاً} شروع في رد إنكارهم لفروع الشرائع الواردة ابتداء أو بدلاً من الشرائع المنسوخة ببيان الحكمة في ذلك وأن الضمير راجع ـ لما أنزل إليك ـ والإشارة إلى مصدر {أَنزَلْنَـٰهُ } أو {أية : أَنزَلَ إِلَيْكَ } تفسير : [الرعد:36] أي مثل ذلك الإنزال البديع الجامع لأصول مجمع عليها وفروع متشعبة إلى موافقة ومخالفة حسبما يقتضيه قضية الحكمة أنزلناه حاكماً يحكم في القضايا والواقعات بالحق ويحكم به كذلك، والتعرض لهذا العنوان مع أن بعضه ليس بحكم لتربية وجوب مراعاته وتحتم المحافظة عليه، والتعرض لكونه عربياً أي مترجماً بلسان العرب للإشارة إلى أن ذلك إحدى مواد المخالفة للكتب السابقة مع أن ذلك مقتضى الحكمة إذ بذلك يسهل فهمه وإدراك إعجازه يعني بالنسبة للعرب، وأما بالنسبة إلى غيرهم فلعل الحكمة أن ذلك يكون داعياً لتعلم العلوم التي يتوقف عليها ما ذكر. ومنهم من اقتصر على اشتمال الإنزال على أصول الديانات المجمع عليها حسبما يفيده على رأي قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ } تفسير : [الرعد: 36] إلى آخره، وتعقب بأنه يأباه التعرض لاتباع أهوائهم وحديث المحو والإثبات وإنه لكل أجل كتاب فإن المجمع عليه لا يتصور فيه الاستتباع والاتباع، وقيل: إن الإشارة إلى إنزال الكتب السالفة على الأنبياء عليهم السلام، والمعنى كما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا هذا الكتاب عليك لأن قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الرعد:36] يتضمن إنزاله تعالى ذلك وهذا الذي أنزلناه بلسان العرب كما أن الكتب السابقة بلسان من أنزلت عليه {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ ٱللَّهِ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } تفسير : [إبراهيم: 4] وإلى هذا ذهب الإمام وأبو حيان، وقال ابن عطية: المعنى كما يسرنا هؤلاء للفرح وهؤلاء لإنكار البعض أنزلناه حكماً إلى آخره وليته ما قيل، وإلا بلغ الاحتمال الأول مما أشرنا إليه، ونصب {حُكْمًا } على الحال من منصوب {أَنزلْنَـٰهُ} وإذا أريد به حاكماً كان هناك مجاز في النسبة كما لا يخفى، ونصب {عَرَبِيّاً } على الحال أيضاً إما من ضمير {أَنزَلْنَـٰهُ } كالحال الأولى فتكون حالا مترادفة أو من المستتر في الأولى فتكون حالاً متداخلة، ويصح أن يكون وصفاً ـ لحكماً ـ الحال وهي موطئة وهي الاسم الجامد الواقع حالاً لوصفه بمشتق وهو الحال في الحقيقة، والأول أولى لأن {حُكْمًا } مقصود بالحالية هنا والحال الموطئة لا تقصد بالذات. واختار الطبرسي أن معنى {حُكْمًا } حكمة كما في قوله تعالى: {أية : آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} تفسير : [الأنعام: 89] وهو أحد أوجه ذكرها الإمام، ونصبه على الحال أيضاً فلا تغفل. ((واستدلت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن من وجوه: الأول أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني أنه وصفه بكونه عربياً والعربـي أمر وضعي وما كان كذلك كان محدثاً. الثالث أنها دلت على أنه إنما كان حكماً عربياً لأن الله تعالى جعله كذلك والمجعول محدث. وأجاب الإمام بأن كل ذلك إنما يدل على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه)) / أي بين المعتزلة والأَشاعرة وإلا فالحنابلة على ما اشتهر عنهم قائلون بقدم الكلام اللفظي، وقد أسلفنا في المقدمات كلاماً نفيساً في مسألة الكلام فارجع إليه ولا يهولنك قعاقع المخالفين لسلف الأمة. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } التي يدعونك إليها كالصلاة إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة وكترك الدعوة إلى الإسلام {بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } العظيم الشأن الفائض عليك من ذلك الحكم العربـي أو العلم بمضمونه {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ } من جنابه العزيز جل شأنه والالتفات من التكلم إلى الغيبة وإيراد الاسم الجليل لتربية المهابة {مِن وَلِىّ } يلى أمرك وينصرك على من يبغيك الغوائل {وَلاَ وَاقٍ } يقيك من مصارع السوء، وحيث لم يستلزم نفي الناصر على العدو نفي الواقي من نكايته أدخل في المعطوف حرف النفي للتأكيد كقولك: ما لي دينار ولا درهم أو مالك من بأس الله تعالى من ناصر وواق لاتباعك أهواءهم بعدما جاءك من الحق، وأمثال هذه القوارع إنما هي لقطع أطماع الكفرة وتهييج المؤمنين على الثبات في الدين لا للنبـي صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام بمكان لا يحتاج فيه إلى باعث أو مهيج، ومن هنا قيل: إن الخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم، واللام في لئن موطئة و {مِنْ } الثانية مزيدة و {مَـٰلَكَ } ساد مسد جوابـي الشرط والقسم.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض وعطف على جملة { أية : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك } تفسير : [الرعد: 36] لما ذكر حال تلقي أهل الكتابين للقرآن عند نزوله عُرج على حال العرب في ذلك بطريقة التعريض بسوء تلقي مشركيه له مع أنهم أولَى الناس بحسن تلقيه إذ نزل بلسانهم مشتملاً على ما فيه صلاحهم وتنوير عقولهم. وقد جُعل أهم هذا الغرض التنويهَ بعلوّ شأن القرآن لفظاً معنى. وأدمج في ذلك تعريض بالمشركين من العرب. والقول في اسم الإشارة في قوله: {وكذلك} مثل ما تقدم في قوله: { أية : كذلك أرسلناك في أمة } تفسير : [سورة الرعد: 30]. وضمير الغائب في {أنزلناه} عائد إلى {ما أنزل إليك} في قوله: {يفرحون بما أنزل إليك}. والجار والمجرور من اسم الإشارة نائب عن المفعول المطلق. والتقدير؛ أنزلناه إنزالاً كذلك الإنزال. و{حكماً عربياً} حالان من ضمير {أنزلناه}. والحكم: هنا بمعنى الحكمة كما في قوله: { أية : وآتيناه الحكم صبيا } تفسير : [سورة مريم: 12]. وجُعل نفس الحكم حالاً منه مبالغة. والمراد أنه ذو حكم، أي حكمة. والحكمة تقدمت. و{عربياً} حال ثانية وليس صفة لــــ {حكماً} إذ الحكمة لا توصف بالنسبة إلى الأمم وإنما المعنى أنه حكمة معبر عنها بالعربية. والمقصود أنه بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأجملها وأسهلها، وفي ذلك إعجازه. فحصل لهذا الكتاب كمالان: كمال من جهة معانيه ومقاصده وهو كونه حكماً، وكمال من جهة ألفاظه وهو المكنى عنه بكونه عربياً، وذلك ما لم يبلغ إليه كتاب قبله لأن الحكمة أشرف المعقولات فيناسب شرفها أن يكون إبلاغها بأشرف لغة وأصلحها للتعبير عن الحكمة، قال تعالى: { أية : وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } تفسير : [سورة الشعراء: 192-195]. ثم في كونه عربياً امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء بأنه بلغتهم وبأن في ذلك حسن سمعتهم، ففيه تعريض بأفن رأي الكافرين منهم إذ لم يشكروا هذه النعمة كما قال تعالى: { أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون } تفسير : [سورة الأنبياء: 10]. قال مالك: فيه بقاء ذكركم. وجملة {ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم} معترضة، واللام موطئة للقسم وضمير الجمع في قوله: {أهواءهم} عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون الذين وجه إليهم الكلام. واتباع أهوائهم يحتمل السعي لإجابة طلبتهم إنزال آية غير القرآن تحذيراً من أن يسأل الله إجابتهم لما طلبوه كما قال لنوح ــــ عليه السلام ــــ {فلا تسألني ما ليس لك به علم إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين}. ومعنى {ما جاءك من العلم} ما بلغك وعُلّمته، فيحتمل أن يراد بالموصول القرآن تنويهاً به، أي لئن شايعَتهم فسألَتنا آية غير القرآن بعد أن نزل عليك القرآن، أو بعد أن أعلمناك أنا غير متنازلين لإجابة مقترحاتهم. ويحتمل اتباع دينهم فإن دينهم أهواء ويكون ما صدق {ما جاءك من العلم} هو دين الإسلام. والوليّ: النصير. والواقي: المدافع. وجعل نفي الولي والنصير جواباً للشرط كناية عن الجواب، وهو المؤاخذة والعقوبة. والمقصود من هذا تحذير المسلمين من أن يركنوا إلى تمويهات المشركين، والتحذير من الرجوع إلى دينهم تهييجاً لتصلبهم في دينهم على طريقة قوله تعالى: { أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } تفسير : [سورة الزمر: 65]، وتأييس المشركين من الطمع في مجيء آية توافق مقترحاتهم. و{من} الداخلة على اسم الجلالة تتعلق بــــ {ولي} و{واق}. و{من} الداخلة على {ولي} لتأكيد النفي تنصيصاً على العموم. وتقدم الخلاف بين الجمهور وابن كثير في حذفهم ياء {واق} في حالتي الوصل والوقف وإثبات ابن كثير الياء في حالة الوقف دون الوصل عند قوله تعالى: { أية : ولكل قوم هاد } تفسير : في هذه السورة [الرعد: 7].

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} {وَلَئِنِ} (37) - وَكَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِم الكُتُبَ مِنَ السَّمَاءِ، كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ، بِلِسَانِ قَوْمِكَ العَرَبِ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَفَهُّمُ مَعَانِيهِ، وَحِفْظُهُ، فَاصِلاً لِلأُمُورِ عَلَى وَجْهِ الحَقِّ، مُبَيِّناً لأَِحْكَامِ الشَّرِيعَةِ (حُكْماً)، لِيَعْرِفَ المُكَلَّفُونَ مَا هُوَ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِمْ. وَإِذا اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وَالمُتَحَزِّبِينَ وَآرَاءَهُمْ، بَعْدَ أَنْ جَاءَكَ العِلْمُ مِنْ رَبِّكَ وَالهُدَى، فَلا وَاقِيَ لَكَ مِنَ اللهِ، وَلا نَاصِرَ يَنْصُرُكَ مِنْ دُونِهِ. (وَهَذا تَهْدِيدٌ لأَِهْلِ العِلْمِ لِكَيْلاَ يَتَّبِعُوا سُبُلَ أَهْلِ الضَّلاَلَةِ، بَعْدَ مَا صَارُوا إِليهِ مِنِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ لأَِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمقصود بـ"كذلك" إشارة إلى إرسال الرسل المُتقدِّمين بمعجزات شاءها الحق سبحانه، ولم يقترحها أحد. وقوله: {أَنزَلْنَاهُ ..} [الرعد: 37]. ساعةَ نسمعه نرى أن هناك مكانة عَلِِيّة يُنزِل منها شيئاً لمكانة أدْنَى، ومثل ذلك أمر معروف في الحِسِّيات، وهو معروف أيضاً في المعنويات. بل وقد يكون هذا الشيء لم يَصِل إلى السماء؛ ولكنه في الأرض، ومع ذلك يقول فيه الحق سبحانه: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25]. وهو إنزالٌ، لأنه أمر من تدبير السماء، حتى وإنْ كان في الأرض: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ..} [الرعد: 37]. والحكم هو المَعْنى، والمقصود بالإنزال هنا هو القرآن، وهو كتاب؛ والكتاب مَبْنى ومَعْنى، وشاء الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف وكأنه الذات، أي: أنه أنزل القرآن حُكْماً؛ وهذا يعني أن القرآن في حَدِّ ذاته حُكْم. وأنت حين تصف قاضياً يحكم تمام العدل؛ لا تقول "قَاضٍ عادلٌ" بل تقول "قََاضٍ عَدْل" أي: كأن العدل قد تجسَّم في القاضي؛ وكأن كُلَّ تكوينه عَدْل. والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو الحُكْم العدل، ويصِفه بأنه: {حُكْماً عَرَبِيّاً ..} [الرعد: 37]. لأن اللسان الذي يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لا بُدَّ أن يكون عربياً. ولذلك يقول في آية أخرى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44]. أي: أنه شرفٌ كبير لك ولقومك، أن نزل القرآن بلغة العرب. وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافيةً؛ بينما نجد كل لغات العالم قد تشعَّبتْ إلى لهجات أولاً، ثم استقلتْ كل لهجة فصارتْ لغة، مثل اللغة اللاتينية التي خرجتْ منها أغلب لغات أوربا المعاصرة من: إنجليزية وفرنسية وإيطالية، ووجدنا تلك اللغات تتفرَّق إلى لغات استقلالية، وصار لكل منها قواعد مختلفة. بل إن اللغة الإنجليزية على سبيل المثال صارت "إنجليزية - إنجليزية" يتكلم بها أهل بريطانيا؛ و"إنجليزية - أمريكية" يتكلم بها أهل الولايات المتحدة. ولو تركنا - نحن - لغة التخاطب بيننا كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف بلادنا؛ فلن يفهم بعضنا البعض، ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض - حين نتكلم - هو اللغة الفصحى. ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي، فنجد إنساناً تربَّى على اللغة الفرنسية، أو تكون لغة جَمْعاً بين لهجات متعددة من البربرية والفرنسية وبقايا لغة عربية، فإذا حدثته باللغة العامية لا يفهم منك شيئاً، وإن تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب؛ لأن فطرته تستقبل الفصحى فهماً وإدراكاً. وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان العربي. ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه: {حُكْماً عَرَبِيّاً ..} [الرعد: 37]. أي: أن الذي يصُون ويعصِم هذا اللسان العربي هو القرآن الكريم. ويتابع سبحانه بقوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ} [الرعد: 37]. وهذا خطاب مُوجَّه منه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم يكشف فيه الحق سبحانه أمام رسوله صلى الله عليه وسلم مَضارّ وخطورة اتباع الهوى؛ وهو خطاب يدل على أن الدين الذي نزل على موسى ثم عيسى، وهما السابقان لرسول الله؛ لم يَعُدْ كما كان على عهد الرسولين السابقين؛ بل تدخَّل فيه الهوى؛ ولم يَعُدْ الدين متماسكاً كما نزل من السماء. ولذلك يقول سبحانه في آية أخرى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم لَضَاع نظام الكون؛ ألم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..} تفسير : [الإسراء: 92]. ولو استجاب الحق مثلاً لهذه الدعوة، ألم تكن السماء لتفسد؟ إذن: فبعد أن نزل القرآن من السماء حكماً وعلماً ومنهجاً يسهل عليهم فهمه، لأنه بلُغتِهم، وهم يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة، وفيه دليل السعادة في الدنيا والآخرة. لذلك فليس لأحد أنْ يتبع هواه؛ فالهوى - كما نعلم - يختلف من إنسان لآخر، والخطاب المُوجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن في طيّاته الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم. ومَنْ يفعل ذلك فليس له من دون الله وليّ يؤازره أو ينصره، أو يقيه عذاب الحق: شقاءً في الدنيا، وإلقاءً في الجحيم في الآخرة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثل إنزالنا الكتاب على الأنبياء قبلك لأن قوله: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ}، يتضمن إنزاله تعالى الكتاب وهذا الذي أنزلناه هو بلسان العرب كما أن الكتب السابقة بلسان من نزلت عليه واراد بالحكم أنه مفصل بين الحق والباطل ومحكم وانتصب {حُكْماً} على الحال من الضمير النصب في أنزلناه والضمير عائد على القرآن والحكم ما تضمنه القرآن من المعاني ولما كانت العبارة عنه بلسان العرب نسبه إليها. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ} الخطاب لغير الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من اتباع أهوائهم. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} الآية، قال الكلبي عيرت اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فنزلت هذه الآية. قيل وكانوا يقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ فرد الله عليهم بأن الرسل قبله كانوا مثله ذوي أزواج وذرية وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات فلكل وقت حكم يحكم فيه على العباد أي يفرض عليهم ما يريده تعالى وقوله: لكل أجل كتاب لفظ عام في الأشياء التي لها آجال لأنه ليس منها شىء إلاّ وله أجل في بداءته وفي خاتمته وذلك الأجل مكتوب ومحصور والظاهر أن المحور عبارة عما نسخ من الشرائع والاحكام والإِثبات عبارة عن دوامها وتقررها وبقائها أي يمحو ما يشاء محوه ويثبت ما يشاء إثباته. {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} هو ديوان الأمور المحدثة التي سبق في القضاء أن تبدل تمحي وتثبت. و{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ} تقدم الكلام عليه في يونس واما هنا فقال الحوفي وغيره: فإِنما عليك جواب الشرط والذي تقدم شرطان لأن المعطوف على الشرط شرط اما كونه جواباً للشرط فليس بظاهر لأنه يترتب عليه إذ يصير المعنى لا ما نرينك يعني ما نعدم من العذاب فإِنما عليك البلاغ وأما كونه جوابه للشرط الثاني وهو أو نتوفينك فكذلك لأنه يصير التقدير ان ما نتوفينك فإِنما عليك البلاغ، ولا يترتب وجوب التبليغ عليه على وفاته صلى الله عليه وسلم لأن التكليف ينقطع بعد الوفاة فيحتاج إلى تأويل وهو أن يتقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون جزاء مترتباً عليه وذلك أن يكون التقدير والله أعلم واما نرينك بعض الذين نعدهم به من العذاب فذلك شافيك من أعدائك ودليل على صدقك إذ أخبرت بما يحل بهم ولم يعين زمان حلوله بهم واحتمل أن يقع ذلك في حياتك واحتمل أن يقع بهم بعد وفاتك أو نتوفينك أو أن نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب إذ قد حل بهم بعض ما وعد الله به على لسانك من عذابهم فإِنما عليك البلاغ لا حلول العذاب بهم إذ ذاك راجع إلينا وعلينا جزاؤهم في تكذيبهم إياك وكفرهم بما جئت به. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} الضمير في يروا عائد على الذين وعدوا وفي ذلك اتعاظ لمن اتعظ بنهوا على أن ينظروا نقص الأرض من أطرافها ونأتي يعني بالأمر والقدرة كقوله تعالى: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ}تفسير : [النحل: 26] والأرض أرض الكفار المذكورين ومعنى ننقصها من أطرافها نفتحها للمسلمين من جوانبها كان المسلمون يغزون من حوالي أرض الكفار مما يلي المدينة ويغلبون على جوانب أرض مكة والأطراف الجوانب. {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} المعقب الذي يكر على الشىء فيبطله وحقيقته الذي يعقبه أي بالرد والابطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقتضي عزيمة بالاقتضاء والطلب والمعنى أنه حكم للإِسلام بالغلبة والإِقبال وعلى الكفر بالإِدبار والانتكاس والجملة من قوله: لا معقب لحكمه في موضع الحال أي نافذاً حكمه. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تقدم الكلام عليه ثم أخبر تعالى أن الأمم السالفة كان يصدر منهم المكر بأنبيائهم كما فعلت قريش وان ذلك عادة المكذبين للرسل مكر بإِبراهيم نمروذ وبموسى فرعون وبعيسى اليهود وجعل تعالى مكرهم كلا مكر إذ أضاف المكر كله له تعالى ومعنى مكره تعالى عقوبته إياهم سماها مكراً إذ كانت ناشئة عن المكر وذلك على سبيل المقابلة كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة: 15] ثم فسر قوله: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ}. بقوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} والمعنى يجازي كل نفس بما كسبت ثم هدّد الكفار بقوله: وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار إذ يأتيه العذاب من حيث هو في غفلة عنه فحينئذٍ يعلم لمن هي العاقبة المحمودة ولما قال الكفار ليست مرسلاً أي إنما أنت مدّع ما ليس لك أمره تعالى ان يكتفي بشهادة الله بينهم إذ قد ظهر على يديه من الأدلة على رسالته ما في بعضها كفاية لمن وفق ثم أردف شهادة الله بشهادة من عنده علم الكتاب وقرأ ورش ومن عنده بمن الجارة ذكره الأهوازي في الموجز والكتاب هنا القرآن والمعنى أن من عرف ما ألف فيه من المعاني الصحيحة والنظم المعجز الفائت لقدر البشر يشهد بذلك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولقد أنزلنا هذا القرآن والكتاب حكما، عربيا أي: محكما متقنا، بأوضح الألسنة وأفصح اللغات، لئلا يقع فيه شك واشتباه، وليوجب أن يتبع وحده، ولا يداهن فيه، ولا يتبع ما يضاده ويناقضه من أهواء الذين لا يعلمون. ولهذا توعد رسوله -مع أنه معصوم- ليمتن عليه بعصمته ولتكون أمته أسوته في الأحكام فقال: { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } البين الذي ينهاك عن اتباع أهوائهم، { مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاك فيحصل لك الأمر المحبوب، { وَلا وَاقٍ } يقيك من الأمر المكروه.