Verse. 1745 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَہُمْ اَزْوَاجًا وَّذُرِّيَّۃً۝۰ۭ وَمَا كَانَ لِرَسُوْلٍ اَنْ يَّاْتِيَ بِاٰيَۃٍ اِلَّا بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۭ لِكُلِّ اَجَلٍ كِتَابٌ۝۳۸
Walaqad arsalna rusulan min qablika wajaAAalna lahum azwajan wathurriyyatan wama kana lirasoolin an yatiya biayatin illa biithni Allahi likulli ajalin kitabun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما عيروه بكثرة النساء: «ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية» أولادا وأنت مثلهم «وما كان لرسول» منهم «أن يأتي بآية إلا بإذن الله» لأنهم عبيد مربوبون «لكل أجل» مدة «كتاب» مكتوب فيه تحديده.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعاً من الشبهات في إبطال نبوته. فالشبهة الأولى: قولهم: { أية : مالِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 7] وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى. والشبهة الثانية: قولهم: الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن يكون من جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله: { أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } تفسير : [الحجر: 7] وقوله: { أية : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام: 8]. فأجاب الله تعالى عنه ههنا بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة فإذا جاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضاً مثله في حقه. الشبهة الثالثة: عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات وقالوا: لو كان رسولاً من عند الله لما كان مشتغلاً بأمر النساء بل كان معرضاً عنهن مشتغلاً بالنسك والزهد، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } وبالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جواباً عن الشبهة المتقدمة ويصلح أن يكون جواباً عن هذه الشبهة، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهيرة، وسبعمائة سرية. ولداود مائة امرأة. والشبهة الرابعة: قالوا لو كان رسولاً من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول، فأجاب الله عنه بقوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } وتقريره: أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة، وفي إظهار الحجة والبينة، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك. الشبهة الخامسة: أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه. ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته، وقالوا: لو كان نبياً صادقاً لما ظهر كذبه. فأجاب الله عنه بقوله: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } يعني نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة، ولكل حادث وقت معين {وَلِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذباً. الشبهة السادسة: قالوا: لو كان في دعوى الرسالة محقاً لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثوبتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل، فوجب أن لا يكون نبياً حقاً. فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } ويمكن أيضاً أن يكون قوله: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } كالمقدمة لتقرير هذا الجواب، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيواناً عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولاً، ثم يميت ثانياً فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات، ثم ينسخه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } ما ذكرناه، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } والمعنى: أنه يوجد تارة ويعدم أخرى، ويحيي تارة ويميت أخرى، ويغني تارة ويفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا اتمام التحقيق في تفسير هذه الآية، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } فيه أقوال. الأول: أن لكل شيء وقتاً مقدراً فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به وكتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة ولو أن الله أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد. الثاني: أن لكل حادث وقتاً معيناً قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة، ولا يتغير ألبتة عن ذلك الوقت. والثالث: أن هذا من المقلوب والمعنى: أن لكل كتاب منزل من السماء أجلاً ينزله فيه، أي لكل كتاب وقت يعمل به، فوقت العمل بالتوراة والإنجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر. والرابع: لكل أجل معين كتاب عند الملائكة الحفظة فللإنسان أحوال أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصير شاباً ثم شيخاً، وكذا القول في جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح. الخامس: كل وقت معين مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله تعالى، فإذا جاء ذلك الوقت حدث ذلك الحادث ولا يجوز حدوثه في غيره. واعلم أن هذه الآية صريحة في أن الكل بقضاء الله وبقدره وأن الأمور مرهونة بأوقاتها، لأن قوله: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } معناه أن تحت كل أجل حادث معين، ويستحيل أن يكون ذلك التعيين لأجل خاصية الوقت فإن ذلك محال، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات المتعاقبة متساوية، فوجب أن يكون اختصاص كل وقت بالحادث الذي يحدث فيه بفعل الله تعالى واختياره وذلك يدل على أن الكل من الله تعالى وهو نظير قوله عليه السلام: « حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » تفسير : . المسألة الثانية: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {وَيُثَبّتْ } ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء من التثبيت، وحجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا التثبت. ولأن التشديد للتكثير، وليس القصد بالمحو التكثير، فكذلك ما يكون في مقابلته، ومن شدد احتج بقوله: { أية : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } تفسير : [النساء: 66] وقوله: { أية : فَثَبّتُواْ } تفسير : [الأنفال: 12]. المسألة الثالثة: المحو ذهاب أثر الكتابة، يقال: محاه يمحوه محواً إذا أذهب أثره، وقوله: {وَيُثَبّتْ } قال النحويون: أراد ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني، وهو كقوله تعالى: { أية : وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِـظَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 35]. المسألة الرابعة: في هذه الآية قولان: القول الأول: إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ. قالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر، وهو مذهب عمر وابن مسعود. والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقول الثاني: أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض، وعلى هذا التقرير ففي الآية وجوه: الأول: المراد من المحو والإثبات: نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلاً عن الأول. الثاني: أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال: إنه تعالى وصف الكتاب بقوله: { أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49] وقال أيضاً: { أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8]. أجاب القاضي عنه: بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب والمباح لا صغيرة ولا كبيرة، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول: إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير، والكبيرة بالذنب الكبير، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين. أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض، لأنه إن كان حقيراً فهو صغير، وإن كان غير ذلك فهو كبير، وعلى هذا التقرير فقوله: { أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49] يتناول المباحات أيضاً. الثالث: أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي من ديوانه. الرابع: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء } وهو من جاء أجله. ويدع من لم يجيء أجله ويثبته. الخامس: أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت، وأثبت كتاب آخر للمستقبل. السادس: يمحو نور القمر، ويثبت نور الشمس. السابع: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. الثامن: أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى. التاسع: تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، وما حصل وحضر فهو الإثبات. العاشر: يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحداً فهو المنفرد بالحكم كما يشاء، وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه. واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم. فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات؟ قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه. المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسكوا فيه بقوله: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ }. واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالاً. المسألة السادسة: أما {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } فالمراد أصل الكتاب، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أماً له ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلاً لجميع الكتب، وفيه قولان: القول الأول: أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة » تفسير : قال المتكلمون: الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات على سبيل التفصيل، وعلى هذا التقدير: فعند الله كتابان: أحدهما: الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والإثبات. والكتاب الثاني: هو اللوح المحفوظ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية، وهو الباقي. روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء » تفسير : وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة. والقول الثاني: إن أم الكتاب هو علم الله تعالى، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قيل: إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج، وعيرته بذلك وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النّساء والنكاح، ولو كان نبياً لشغله أمر النبوّة عن النّساء؛ فأنزل الله هذه الآية، وذكرهم أمر داود وسليمان فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} أي جعلناهم بشراً يقضون ما أحلّ الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيص في الوحي. الثانية: هذه الآية تدلّ على الترغيب في النكاح والحض عليه، وتنهى عن التَّبَتُّل، وهو ترك النكاح، وهذه سنّة المرسلين كما نصّت عليه هذه الآية، والسنّة واردة بمعناها؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : تزوّجوا فإني مكاثِر بكم الأمم» تفسير : الحديث. وقد تقدّم في «آل عمران» وقال: «حديث : من تزوج فقد ٱستكمل نِصف الدّين فليتقِ الله في النصف الثاني». تفسير : ومعنى ذلك أن النكاح يعفّ عن الزنى، والعفاف أحد الْخَصْلَتين اللتين ضَمِن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما الجنة فقال: «حديث : من وقاه الله شر ٱثنتين وَلَجَ الجنّة ما بين لَحْييه وما بين رجليه» تفسير : خرجه الموطأ وغيره. وفي صحيح البخاري عن أنس قال: جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلمٰ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر. فقال أحدهم: أمّا أنا فإني أُصلّي الليل أبداً، وقال الآخر: إني أصوم الدهر فلا أُفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوّج؛ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (إليهم) فقال: «حديث : أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأُفطر وأصلّي وأرقد وأتزوّج النساء فمن رغب عن سنّتي فليس مني». تفسير : خرجه مسلم بمعناه؛ وهذا أبْين. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال: أراد عثمان أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولو أجاز له ذلك لاْخْتَصَيْنَا، وقد تقدّم في «آل عمران» الحضّ على طلب الولد والرّدّ على من جهل ذلك. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: إني لأتزوج المرأة وما لي فيها من حاجة، وأطؤها وما أشتهيها؛ قيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: حبّي أن يخرج الله مِنّي من يكاثر به النبي صلى الله عليه وسلم النبِيّين يوم القيامة؛ وإني سمعته يقول: «حديث : عليكم بالأبكار فإنهنّ أَعْذَب أفواهاً وأحسن أخلاقاً وأَنْتَق أرحاماً وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»تفسير : يعني بقوله: «أنتق أرحاماً» أَقْبَل للولد؛ ويقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق؛ لأنها ترمي بالأولاد رمياً. وخرج أبو داود عن مَعْقِل بن يَسَار قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت ٱمرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال «لا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «حديث : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم». تفسير : صححه أبو محمد عبد الحق وحَسْبُك. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} عاد الكلام إلى ما ٱقترحوا من الآيات ـ ما تقدّم ذكره في هذه السورة ـ فأنزل (الله) ذلك فيهم؛ وظاهر الكلام حَظْر ومعناه النفي؛ لأنه لا يحظر على أحدٍ ما لا يقدر عليه. {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله؛ قاله الحسن. وقيل: فيه تقديم وتأخير، المعنى: لكل كتاب أجل؛ قاله الفراء والضّحاك؛ أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت، ووقت معلوم؛ نظيره. {أية : لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} تفسير : [الأنعام: 67]؛ بيّن أن المراد ليس على اقتراح الأمم في نزول العذاب، بل لكل أجل كتاب. وقيل: المعنى لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مقدّر لا تقف عليه الملائكة. وذكر الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» عن شَهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: لما ٱرتقى موسى صلوات الله عليه وسلامه طور سيناء رأى الجَبَّارُ في إصبعه خاتماً، فقال: يا موسى ما هذا؟ وهو أعلم به، قال: شيء من حُليّ الرجال، قال: فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي؟ قال: لا، قال: فاكتب عليه «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ».

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} بشراً مثلك. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً} نساء وأولاداً كما هي لك. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ } وما يصح له ولم يكن في وسعه. {أَن يَأْتِىَ بِآيَةٍ} تقترح عليه وحكم يلتمس منه. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فإنه المليء بذلك. {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} لكل وقت وأمد حكم يكتب على العباد على ما يقتضيه استصلاحهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشرياً، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشراً، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ} تفسير : [الكهف: 110] وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح. والسواك، والحناء»تفسير : . وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي أيوب، فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشمال. وقوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه، بل إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي: لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} تفسير : [الحج: 70] وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي: لكل كتاب أجل، يعني: لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين، فلهذا { يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} منها، {وَيُثَبِّتَ} يعني: حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} اختلف المفسرون في ذلك: فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت، وفي رواية: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قال: كل شيء، إلا الموت والحياة، والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما. وقال مجاهد: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة؛ فإنهما لا يتغيران. وقال منصور: سألت مجاهداً، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال: حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] الآيتين، قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة، فهو ثابت لا يغير، وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، رواه ابن جرير، وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنباً، فامحه، فإنك تمحو ما تشاء، وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضاً. ورواه شريك عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عُكَيْم، عن ابن مسعود بمثله. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف عن أبي حمزة، عن إبراهيم: أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله، لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} الآية، ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، هو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر»تفسير : ، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به. وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي حديث آخر: «حديث : إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوت - والدفتان: لوحان - لله عز وجل كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت» تفسير : وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير. وقال الكلبي: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية، فقال: يكتب القول كله، حتى إذ كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب، وقال عكرمة عن ابن عباس: الكتاب كتابان، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: { يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير، حتى يموت وهو في طاعة الله، وهو الذي يثبت، وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى {أية : فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 284]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب، وقال قتادة في قوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [البقرة:106] الآية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قال: قالت كفار قريش لما نزلت: {أية : وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [غافر: 78]: ما نرى محمداً يملك شيئاً، وقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء؛ من أرزاق الناس، ومصائبهم، وما يعطيهم، وما يقسم لهم. وقال الحسن البصري: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قال: من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو جعفر ابن جرير رحمه الله، وقوله: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} قال: الحلال والحرام، وقال قتادة: أي: جملة الكتاب وأصله، وقال الضحاك: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} قال: كتاب عند رب العالمين، وقال سنيد بن داود: حدثني معتمر عن أبيه، عن يسار، عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه: كن كتاباً، فكان كتاباً، وقال ابن جريج عن ابن عباس: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} قال: الذكر.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما عيَّروه بكثرة النساء {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً } أولاداً وأنت مثلهم {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ } منهم {أَن يَأْتِيَ بِئَايَةٍ إِلاّ بِإذْنِ ٱللَّهِ } لأنهم عبيد مربوبون {لِكُلِّ أَجَلٍ } مدّة {كِتَابٌ } مكتوب فيه تحديده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ولقد أرسلنا رُسُلاً من قبلك وجعلنا لهم أزوجاً وذرية}يعني بالأزواج النساء، وبالذرية الأولاد. وفيه وجهان: أحدهما: معناه أن من أرسلناه قبلك من المرسلين بشر لهم أزواج وذرية كسائر البشر، فلمَ أنكروا رسالتك وأنت مثل من قبلك. الثاني: أنه نهاه بذلك عن التبتل، قاله قتادة. وقيل إن اليهود عابت على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج، فأنزل الله تعالى إلى ذلك فيهم يعلمهم أن ذلك سُنَّة الرسل قبله. {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}قيل إن مشركي قريش سألوه آيات قد تقدم ذكرها في هذه السورة فأنزل الله تعالى ذلك فيهم. {ولكل أجل كتابٌ}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه لكل كتاب نزل من السماء أجل. وهو من المقدِّم والمؤخر، قاله الضحاك. الثاني: معناه لكل أمر قضاه الله تعالى كتاب كتبه فيه، قاله ابن جرير. الثالث: لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله تعالى، قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: لكل عمل خَبر. قوله عز وجل:{يمحو الله ما يشاء ويثبت}فيه سبعة تأويلات: أحدها: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران، قاله ابن عباس. الثاني: يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء في كتاب سوى أُم الكتاب، وهما كتابان أحدهما: أم الكتاب لا يغيره ولا يمحو منه شيئاً كما أراد، قاله عكرمة. الثالث: أن الله عز وجل ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه، قاله قتادة وابن زيد. الرابع: أنه يمحو مَنْ قد جاء أجلُه ويثبت من لم يأت أجلُه، قاله الحسن. الخامس: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره، قاله سعيد بن جبير. السادس: أنه الرجل يقدم الطاعة ثم يختمها بالمعصية فتمحو ما قد سلف، والرجل يقدم المعصية ثم يختمها بالطاعة فتمحو ما قد سلف، وهذا القول مأثور عن ابن عباس أيضاً. السابع: أن الحفظة من الملائكة يرفعون جميع أقواله وأفعاله، فيمحو الله عز وجل منها ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب، قاله الضحاك. {وعنده أم الكتاب}فيه ستة تأويلات: أحدها: الحلال والحرام، قاله الحسن. الثاني: جملة الكتاب، قاله الضحاك. الثالث: هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق، قاله كعب الأحبار. الرابع: هو الذكر، قاله ابن عباس. الخامس: أنه الكتاب الذي لا يبدل، قاله السدي. السادس: أنه أصل الكتاب في اللوح المحفوظ، قاله عكرمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةْ} أي هم كسائر البشر فلِمَ أنكروا نبوتك وأنت كمن تقدم، أو نهاه بذلك عن التبتل، أو عاب اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة الأزواج فأخبرهم بأن ذلك سنة الرسل ـ عليه الصلاة والسلام ـ {أَن يَأَتِىَ بِآيَةٍ} لما سألت قريش تسيير الجبال وغير ذلك نزلت. {لِكُلِّ أَجَلِ} لكل قضاء قضاه الله تعالى {كِتَابٌ} كتبه فيه، أو لكل أجل من آجال الخلق كتاب عن الله، أو لكل كتاب نزل من السماء أجل على التقديم والتأخير.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} الآية اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعاً من الشهبات في [إبطال] النبوة: فالشهبة الأولى: قولهم: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان:7] وهذه الشبهة ذكرها الله في سورة أخرى. والشبهة الثانية: قولهم: الرسول الذي يرسله الله تعالى إلى الخلق لا بد أن يكون من جنس الملائكة كما قال: {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ}تفسير : [الأنعام:8] وقالوا: {أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ}تفسير : [الحجر:7]. الشهبة الثالثة: عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات، وقالوا لو كان رسولاً من عند الله لما اشتغل بالنسوة بل كان معرضاً عنهن مشتغلاً بالنسك والزهد فأجاب الله ـ عز وجل ـ بقوله {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} وهذا أيضاً يصلح أن يكون جواباً عن الشبهات المتقدمة فقد كان لسليمان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ثلاثمائة امرأة ممهرة وسبعمائة سرية، ولداود ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مائة امرأة. والشبهة الرابعة: قولهم: لو كان رسولاً من عند الله لكان أي شيء طلبناه منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف، فأجاب الله تعالى عنه بقوله {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. الشبهة الخامسة: أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان يخوفهم بنزول العذاب [وظهور النصرة له ولقومه، فلما تأخر ذلك احتجوا بتأخره للطعن في نبوته وصدقه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} يعنى نزول العذاب على الكفار] وظهور النصر والفتح للأولياء فقضى الله بحصولها في أوقات معينة ولكل حادث وقت معين و{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} فقيل: حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث، وتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذباً. الشبهة السادسة: قالوا: لو كان صادقاً في دعوى الرسالة لما نسخ الأحكام التي نص الله على ثبوتها في الشرائع المتقدمة، كالتوراة والإنجيل، لكنه نسخها وحرفها كما في القبلة، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل، فوجب أن لا يكون نبياً حقاً. فأجاب الله ـ تعالى ـ عنه بقوله {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} ويمكن أيضاً أن يكون قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} كالمقدمة لتقرير هذا الجواب، وذلك لأنا نشاهد أنه ـ تعالى ـ يخلق حيواناً عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة، ثم يبقيه مدة مخصوصة، ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه، فلما لم يمتنع أن يحيي أولاً ثم يميت ثانياً، فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات؟ فكان المراد من قوله {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} ما ذكرنا. ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي: أنه يوجد تارة ويعدم أخرى، ويحيي تارة ويميت أخرى، ويغني تارة ويفقر أخرى، فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما تقضيه المشيئة الإلهية عند أهل السنة، أو بحسب رعاية المصالح عند المعتزلة. قوله {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي: لكل شيء وقت مقدر وقيل: لكل حادث وقت معين قضي الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة، ولا يتغير البتة عن ذلك الوقت. وقيل: هذا من المقلوب أي: فيه تقديم وتأخير، أي: لكل كتاب أجل ينزل فيه، أي: لكل كتاب وقت يعمل به، فوقت العمل بالتوراة قد انقضى، ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر. وقيل: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} عند الملائكة، فللإنسان أحوال: أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة يصير شاباً ثم يصير شيخاً، وكذلك القول في جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح. وقيل: لكل وقت مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله ـ عز وجل ـ فإذا جاء ذلك الوقت حدث الحادث، ولا يجوز حدوثه في غيره. وهذه الآية صريحة من أن الكل بقضاء الله وقدره. قوله: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: "ويُثْبِتُ" مخففاً من "أثْبَتَ" والباقون بالتشديد والتضعيف، والهمزة للتعدية ولا يصح أن يكون التضعيف للتكثير، إذ من شرطه أن متعدياً قبل ذلك، ومفعول "يُثْبِتُ" محذوف، أي: ويثبت ما يشاء والمحو: ذهاب أثر الكتابة، يقال: مَحَاهُ يَمْحُوهُ مَحْواً، إذا أذهب أثره. قوله: "ويُثْبِتُ" قال النحويون: ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية الفعل الأول عن تعدية الفعل الثاني، وهو كقوله ـ عز وجل ـ {أية : وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ}تفسير : [الأحزاب:35]. فصل قال سعيد بن جبير وقتادة "يمحو الله ما يشاء" من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله "ويُثْبِتُ" ما يشاء منها فلا ينسخه. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. وعن ابن عمر وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ أنهما قالا: "يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء". وروي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ: أنه كان يطوف بالبيت وهو بيكي يقول: "اللهم إن كنت كتبتي في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني منها بفضلك وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب". ومثله عن ابن مسعود وفي بعض الآثار: أن الرجل قد يكون بقي له من عمره ثلاثون سنة، فيقطع رحمه فيرد إلى ثلاثة أيام، والرجل قد بقي له من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ثلاثين سنة. روي عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: "حديث : ينْزِلُ اللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ في آخر ثلاث سَاعاتِ يبقين من اللَّيل فنظر في الساعة الأولى منهنَّ في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ". تفسير : وقيل: الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحوا الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، كقوله: أكلت. شربت. دخلت. خرجت، ونحوها من الكلام هو صادق فيه، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، قاله الضحاك والكلبي ورواه أبو بكر الأصم لأن الله تعالى قال في وصف الكتاب {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}تفسير : [الكهف:49]. وقال تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7ـ8]. فأجاب القاضي عنه: بأنه لا يغادر من الذنوب صغير ولا كبيرة، ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنكم خصصتم الكبيرة والصغيرة بالذنوب بمجرد اصطلاحكم، وأما في أصل اللغة فالصغيرة والكبيرة تتناول كل فعل وعرضٍ، لأنه إن كان حقيراً فهو صغير وإن كان غير ذلك فهو كبير، وعلى هذا يتناول المباحات. وقال عطية عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: "هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو والذي يثبت هو الرجل يعمل بطاعة الله فيموت في طاعته فهو الذي يثبت". وقال الحسن: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} أي: من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجىء أجله إلى أجله. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: يمحو الله ما يشاء: من ذنوب العباد ويغفرها وثبت ما يشاء فلا يغفرها. وقال عكرمة: ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات، كما قال الله تعالى {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان:70] وقيل غير ذلك. قوله {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي: أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير، والأم: أصل الشيء، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمَّا له، ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، وكد مدينة فهي أمّ لما حولها من القرى. قال ابن عباس في رواية عكرمة: هما كتابان: كتاب سمي أم الكتاب يمحو ما يشاء منه ويثبت وأم الكتاب لا يغير منه شيء، وعلى هذا فالكتاب الذي يمحو منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. وعن عطاء عن ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوت، لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحوا ما يشاء ويثبت {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [وسأل ابن عباس كعباً عن أم الكتاب] فقال: "علم الله ما خلقه ما هو خالقه إلى يوم القيامة".

البقاعي

تفسير : ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان بعضهم قد قال: لو كان نبياً شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلاً} ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً، {و} أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن {جعلنا} أي بعظمتنا {لهم أزواجاً} أي نساء ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر والأثى، وهو هنا الأنثى {وذرية} وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد منهم شيئاً من أهواء أمته {و} لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح المتعنتون من الآيات تالفاً لهم، بل {ما كان لرسول} أي رسول كان {أن يأتي بآية} مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله أو غير ذلك {إلا بإذن الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة، فإن الأمور عنده ليست على غير نظام ولا مفرطاً فيها ولا ضائعاً شيء منها بل {لكل أجل} أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور {كتاب *} قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإيتان بالآيات وغيرها، إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة؛ ثم علل ذلك بقوله: {يمحوا الله} أي الملك الأعظم {ما يشاء} أي محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كما قال تعالى:{ أية : ما ننسخ من آية أو نُنسِهَا}تفسير : [البقرة:106] إلى قوله تعالى: {أية : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} تفسير : [البقرة:106] كل ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن، فإنه العالم بكل شيء، وهو الفعال لما يريد لا اعتراض عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة: يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء. وإثبات واو "يمحوا" في جميع المصاحف مشير - بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثاراً صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضاً في { يمح الله الباطل} في الشورى مع أنه مرفوع أيضاً، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقاً هو النهاية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع، وقال: {وعنده} مع ذلك {أم} أي أصل {الكتاب *} لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب، وقد تقدم غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما طلب؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء - انتهى. والمراد - والله أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان في الفرع على غير ذلك، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا، أو يكون المعنى: يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب؛ قال الرازي في اللوامع: وقد أكثروا القول فيها، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية، والقضاء الأزلي، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات، فلذلك هو القضاء وهذا هو القدر، فالقضاء مصدر القدر، والقدر مظهر القضاء، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير. ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم، وختم بأنه سبحانه يفعل ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريباً لفصل النزاع، قال سبحانه وتعالى: {وإن ما نرينك} أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، نفياً لما يحمله عليه صلى الله عليه وسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتماً {بعض الذي نعدهم} وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقراراً لأعينكم قبل وفاتك؛ والوعد: الخبر عن خير مضمون، والوعيد: الخبر عن شر مضمون، والمعنى هاهنا عليه، وسماه وعداً لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد {أو نتوفينك} قبل أن نريك ذلك، وهو ممحو الأثر لم يتحقق، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين {فإنما عليك البلاغ} وهو إمرار الشيء إلى منتهاه، وهو هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات {وعلينا الحساب *} وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة، ولنا القوة التامة عليه؛ والآية من الاحتباك - كما مضى بيان ذلك في مثلها من سورة يونس عليه السلام.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} [الآية: 38]. فلم يشغلهم ذلك عن القيام بأداء الرسالة، ونصيحة الأمة وإظهار شرائع الدين. قوله عز وجل: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الآية: 38]. قال جعفر: للرؤية وقت. قال ابن عطاء: لكل علم بيان، ولكل بيان لسان، ولكل لسان عبارة، ولكل عبارة طريقة، ولكل طريقة أهل فمن لم يميز بين الأحوال فليس له أن يتكلم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. أي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى قومهم، فلم يكونوا إِلا من جنسك، وكما لكم أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية، ولم يكن ذلك قادحاً في صحة رسالتهم، ولا تلك العلاقات كانت شاغلة لهم. ويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر في حاله؛ ولا يضره ذلك. قوله جلّ ذكره: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}. أي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قُسِمَ له، وأنه لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} وصف سبحانه تمكين نبيه صلى الله عليه وسلم فى رسالته كما وصف الرسل بالتمكين حيث لا يغيره صفات البشرية عن اسرار ما وجد من الله من حقائق القربة والمحبة بل الازواج والذرية كانت له عليه الصلاة والسلام معينة فى بحر سكره ولولا تسعة ابحر نسوته متعلقة من تحت سفينة نبوته فى بحار محبته ومعرفته لطارت تلك السفينة بصرصر رياح الازل فى هواء الابد ولبقى الحدثان بلا عروس الرحمان ولم يظفر احد لحقائق الايمان الا ترى كيف قال عليه السلام من راس سكره كلمينى يا حميراى وذلك لان الله اراد بقاءه بين الخلق ليرحمهم ويتجاوز عن سياتهم ولا يعذبهم ببركته قال الله وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم واعلم الجهال بهذه الآية انه اذا شرّف وليا او صديقا بولايته ومعرفته لم يضربه مباشرة احكام البشرية من الاهل والولد ولم يكن بسط الدنيا له قد حافى ولايته قال محمد بن الفضل جعلنا لهم ازواجا وذرية فلم يشغلهم ذلك عن القيام باداء الرسالة ونصيحة الامة واظهار شرائع الدين ويقال ان من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الاشتغال لا يؤثر فى حاله ولا يضره ذلك من وجه ثم بين سبحانه ان آيته ومعجزته وكرامته خارج عن تصرف الخلق وتعللهم وان كان نبيا او صديقا او ملكا بقوله { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} حسم اطماع المريدين عن طلب الكرامات بالمجاهدات ومنعهم من التماسها عن المشائخ ثم بين سبحانه ان اوان ذلك باجل معلوم فى وقت معروف بقوله {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} لكل مقام ومرتبة من مراتب العارفين لها زمان عند الله سبحانه لا ينالها احد قبل بلوغه الى ذلك الوقت والا بعد ان يكون مصطفًى فى الازل بالدرجات والكرامات الا ترى الى قوله سبحانه ولما بلغ اشده اتيناه حكما وعلما وايضا لكلك كشف من صفاته وذاته وقت فى مراد الله من اوليائه وذلك الكشف من العيون الصفات والذات لا يكون للعارف الا ويكون فى قلبه شان محوصفة من البشرية واثبات من العبودية وزيادة نور فى ايمانه وعرفانه بالربوبية وايضا لكلك مقدر فى الازل فى قضية مراد الله من الربوبية والعبودية والنعمة و البلية وقت معلوم فى علم الله لا ياتى الا فى وقته قال جعفر الصادق فى قوله لكل اجل كتاب للردية وقت وقال ابن عطا لكل علم بيان ولكل لسان عبارة ولكل عبارة طريقة ولكل طريقة اهل فمن لم يميز بين هذه الاحوال فليس له ان يتكلم بالمعارف والحقائق وعلم هذه الطائفة ومفهوم الاشارة اخبار الحق عن الصفتين الازليين وهما الارادة والعلم اى ارادة فى انفاذ القضاء والقدر علم فى ذاته فى كيفية وقوع ما اراد وقوعه من امور الربوبية فالكتاب علم ذاته يثبت ارادته فى علمه ما يشاء يمحو ما يشاء من القضا والقدر فبقى الكتاب كما كان فى الازل وبقيت الارادة كما كانت فى الازل ويتغير احكام المقضيات واملقدورات للعباد بالعلم والارادات بقوله {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} يمحوا بارادته القديمة من نفوس المريدين صفات البشرية ويثبت فى قلوبهم صفات الروحانية ويمحوا من قلوب المحبين معارضة الامتحان ويثبت فى ارواحهم حقيقة نور الايقان ويمحوا من اسرار العارفين اوصاف العبودية ويثبت فيها اوصاف الربوبية وايضا يمحوا عن الواح العقول صورة الافكار ويثبت فيها نور الاذكار ويمحوا عن اوراق القلوب علوم الحدثان ويثبت فيها لدنيات علم العرفان وايضا ويمحوا عن ارواح الصديقين اعلام المرسومات المكتسبات ويثبت فيها نوادر الالهاميات فى حقائق المراقبات وايضا يمحوا عن عيون العقول شواهد الايات ويريها انوار الصفات وايضا يخفى فى القلوب آثار الصفات ويبدئ لعيونها انوار الذات وايضا يمحوا بفضله خواطر الوسواسية والهواجسية عن قلوب الخاصة ويثبت فيها خواطر حقائق المعرفة واذا كان اسرار اهل التوحيد فى بحر التجريد بنعت التفريد سائحة فيغرقها الحق فى بحار نكران القدم تارة بتحيرها وفنائها ويغرقها فى بحار معرفة الازلية ببقائها مع الحق ومشاهدته فالفناء حق القدم يغلب على البقاء والبقاء حق الابد فيغلب على الفناء وذلك من بدء نور الذات فى الصفات وبدء نور الصفات فى الذات لتلك الاسرار والصفات والذات اصل تلك الغرائب والعجائب بقوله {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} ام كتاب المقدورات فى الافعال والصفات وام كتاب الصفات والذات لان الكل منه بدأو اليه يعود فما كان فى كتاب الافعال من القدريات بمحوه ويثبته وما كان فى الذات والصفات منزه عن المحو والاثبات فكل متبدل فمن ام الكتاب يتبدل من المقدورات وكل محو ينمحى فمن ام الكتاب ينمحى قال الواسطى منهم من جذبهم الحق ومحاهم عن نفوسهم بنفسه فقال يمحوا الله ما يشاء ويثبت فمن فنى عن الحق بالحق اقيام الحق بالحق فنى عن الربوبية فضلا عن العبودية وقيل يمحوا الله ما يشاء من شواهده حتى لا يكون على سره غريبه ويثبت من يشاء فى ظلمات شاهده حتى يكون غائبا ابدا عن ربه وقال ابن عطا يمحوا الله ما يشاء عن رسوم الشواهد والاعراض وكل ما يورد على سرة من عظمته وحرمته وهيبته ولذعات انواره فمن اثبته فقد احضره ومن حماه فقد غيبه والحاضر مرجوعه لا يعدوه والغائب لا مرجوع له يعدوه او لا يعدوه قال الواسطى يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم فى شواهدهم ويمحوهم عن شواهدهم ويثبتهم فى شواهد الحق يمحوا اسم نفوسهم عن نفوسهم ويثبتهم برسمه قال ذو النون العامة فى قبض العبودية الى ابد الابد ومنهم من هو ارفع منهم درجة غلبت عليهم مشاهدة الربوبية ومنهم من هو ارفع منهم درجة جذبهم الحق ومحاهم عن نفوسهم واثبتهم عنده لذلك قال يمحوا الله ما يشاء ويثبت وقال سهل يمحوا الله ما يشاء ويثبت الاسباب وعنده ام الكتاب القضاء المبرم الذى لا زيادة فيه ولا نقصان وقال ابن عطا يمحوا الله اوصافهم ويثبت باسرارهم لانها موضع المشاهدة وقال الشبلى يمحوا ما يشاء من شهود العبودية واوصافها ويثبت ما يشاء من شهود الربوبية ودلائلها وقال بعضهم يمحوا الله ما يشاء يكشف عن قلوب اهل محبته احزان الشوق اليه ويثبت بتجليه لها السرور والفرح قال جعفر الكتاب الذى قدر فيه الشقاوة والسعادة لا يزاد فيه ولا ينقص وما يبدل القول لدى ويقال يمحوا العارفين بكشف جلاله ويثبتهم فى وقت آخر بلطف جماله وقال الاستاذ المشية لا يتعلق الا بالحدوث والمحو والاثبات لا يكون الا من اوصاف الحدوث وصفات ذات الحق سبحانه من كلامه وعلمه لا تدخل تحت المحو والاثبات وانما يكون المحو والاثبات من صفات فعله وقيل يمحوا الله عن قلوب مريديه همم الارادات ويرتقى بهم الى اعلى الدرجات قال الواسطى يمحوا ما يشاء عن رسمه ما اثبته فى وسمه ويمحوا ما يشاء عن وسمه وهم الاولياء خاصة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ارسلنا رسلا من قبلك} بشرا مثلك يا محمد وهو جواب لقول قريش ان الرسول لا بد وان يكون من جنس الملائكة {وجعلنا لهم ازواجا وذرية} اى نساء واولادا كما هى لك فلما جاز ذلك فى حقهم فلم لا يجوز مثله ايضا فى حقك وهو جواب لقول اليهود ما نرى لهذا الرجل همة الا فى النساء والنكاح ولو كان نبيا لاشتغل بالزهد والعبادة -روى- انه كان لداود عليه السلام مائة امرأة منكوحة وثلاثمائة سرية ولابنه سليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهرية وسبعمائة سرية فكيف يضر كثرة الازواج لنبينا عليه السلام. وفى التأويلات النجمية ان الرسل لما جذبتهم العناية فى البداية رقتهم من دركات البشرية الحيوانية الى درجات الولاية الروحانية ثم رقتهم منها الى معارج النبوة والرسالة الربانية فى النهار فلم يبق فيهم من دواعى البشرية واحكام النفسانية ما يزعجم الى طلب الازواج بالطبيعة والركون الى الاولاد بخصائص الحيوانية بل جعل لهم رغبة فى الازواج والاولاد على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة فى اظهار صفة الخالقية كما قال تعالى {أية : أأنتم تخلقونه ام نحن الخالقون} تفسير : انتهى. وقال الحكيم الترمذى فى نوادر الاصول الانبياء زيدوا فى القوة بفضل نبوتهم وذلك ان النور اذا امتلأت منه الصدور ففاض فى العروق التذت النفس والعروق فاثار الشهوة وقواها انتهى. وفى الحديث "حديث : فضلت على الناس باربع بالسخاء والشجاعة وقوة البطش وكثرة الجماع" تفسير : وطاف عليه السلام على نسائه التسع ليلة وتطهر من كل واحدة قبل ان يأتى الاخرى وقال هذا اطيب واطهر واوتى عليه السلام قوة اربعين رجلا من اهل الجنة فى الجماع وقوة الرجل من اهل الجنة كمائة من اهل الدنيا فيكون اعطى عليه السلام قوة اربعة آلاف رجل وسليمان عليه السلام قوة مائة رجل وقيل الف رجل من رجال الدنيا. قال فى انسان العيون لا يخفى ان ازواجه عليه السلام المدخول بهن اثنتا عشرة امرأة وكان له اربع سرارى. وفى بستان العارفين ما تزوج من النساء اربع عشرة نسوة. وفى الواقعات المحمودية ان فخر الانبياء عليه وعليهم السلام قد تزوج احدى وعشرين امرأة ومات عن تسع نسوة قال سفيان بن عيينة كثرة النساء ليست من الدنيا لان عليا رضى الله عنه كان ازهد اصحاب النبى عليه السلام وكان له اربع نسوة وسبع عشرة سرية وتزوج المغيرة بن شعبة ثمانين امرأة. وكان الحسن بن على رضى الله عنهما منكاحا حتى نكح زيادة على مائتى امرأة وقد قال عليه السلام "حديث : اشبعت خلقى وخلقى " تفسير : يقول الفقير قد تزوج شيخى وسندى روح الله روحه قدر عشرين وجمع بين اربع مهرية وخمس عشرة سرية وكان يقول للعامى حين يسأل عن كثرة نكاحه ان لكل احد ابتلاء فى هذه الدار وقد ابتليت بكثرة النكاح ويقول لهذا الفقير فى خلوته انها من اسرار النبوة وخصائص خواص هذه الامة واشار به الى الحديث المشهور "حديث : حبب الىّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة" تفسير : فهذا العشق والمحبة انما يكون لاصحاب النفوس القدسية وهم يطالعون فى كل شيء ما لا يطالعه غيرهم: ونعم ما قيل شعر : منعم كنى زعشق وى اى مفتئ زمان معذور دارمت كه تو اورا نديده تفسير : {وما كان لرسول} وما صح لواحد منهم ولم يكن فى وسعه {ان يأتى بآية} تقترح عليه {الا باذن الله} اى بامره لا باختيار نفسه ورأيه فانهم عبيد مربوبون منقادون وهو جواب لقول المشركين لو كان رسولا من عند الله لكان عليه ان يأتى بأى شيء طلبنا منه من المعجزات ولا يتوقف فيه وفيه اشارة الى ان حركات عامة الخلق وسكناتهم بمشيئة الله تعالى وارادته وان حركات الرسل وسكناتهم باذن الله ورضاه {لكل اجل} وقت {كتاب} حكم مكتوب مفروض يليق بصلاح حال اهله فان الحكمة تقتضى اختلاف الاحكام على حسب اختلاف الاعصار والامم وهو جواب لقولهم لو كان نبيا ما نسخ اكثر احكام التوراة والانجيل. وقال الشيخ فى تفسيره اى لكل شيء قضاه الله وقت مكتوب معلوم لا يزاد عليه ولا ينقص منه اولا يتقدم ولا يتأخر عنه [ياهر اجلى را از آجال خلائق كتابيست نزديك خداى تعالى كه جزوى كسى را بر آجال خلق اطلاع نباشد]

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد ارسلنا رُسُلاً من قَبلكَ} يا محمد، {وجعلنا لهم أزواجاً} كثيرة: كداود عليه السلام؛ كان له مائة امرأة، وابنه كان له ألف، على ما قيل، وغيرهما من الأنبياء والرسل. {و} جعلنا لهم منهن {ذُريةً}، وأنت يا محمد منهم؛ فليس ببدع أن يكون الرسول بشراً، يتزوج النساء، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، إلا أنه لا يشغله ذلك عن أداء الرسالة، ونصيحة الأمة، وإظهار شريعة الدين، والقيام بحقوق رب العالمين. ولما أجابهم بشبهتهم قالوا: أظهر لنا معجزة كما كانت لهم، كالعصا وفلق البحر، وإحياء الموتى؟ فإنزل الله {وما كان لرسول}؛ ما صح له ولم يكن في وسعه {أن يأتي بآيةٍ} تُقترح عليه، ويظهرها {إلا بإذن الله} وإرادته؛ فإنه القادر على ذلك. {لكل أجلٍ} من آجال بني آدم وغيرهم، {كتابٌ} يُكتب فيه وقت موته، وانتقاله من الدنيا. {يمحو الله ما يشاء} من ديوان الأحياء، فيكتب في الأموات، {ويُثبتُ} من لا يموت. قيل: إن هذا الكتاب يُكتب ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان، ويجمع بينهما بأن الكتابة تقع ليلة النصف، وإبرازه للملائكة ليلة القدر، {وعنده أُمُّ الكتاب} أي: الأصل المنسوخ منه كتب الآجال، وهو اللوح المحفوظ، أو العلم القديم. وهذا التفسير يناسب اقتراح الآيات؛ لأنهم إذا أجيبوا بظهور الآية ولم يؤمنوا، عوجلوا بالهلاك، وذلك له كتاب محدود. قال الورتجبي: بيَّن الحق ـ سبحانه ـ أن أوان إتيان الآية بأجل معلوم في وقت معروف، بقوله: {لكل أجل كتاب} أي: لكل مقدور في الأزل في قضية مرادة وقت معلوم في علم الله، لا يأتي إلا في وقته. هـ. أو: {لكل أجل} أي: عصر وزمان، {كتاب} فيه شريعة مخصوصة على ما يقتضيه استصلاحهم. {يمحو الله ما يشاء}: ينسخ ما يستصوب نسخه من الشرائع، {ويُثبتُ} ما تقتضي الحكمة عدم نسخه. {وعنده أم الكتاب} وهو: اللوح المحفوظ؛ فإنه جامع للكائنات. وهذا يترتب على قوله: {ومن الأحزاب من ينكر بعضه}، وهو ما لا يوافق شريعتهم. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي: {يمحو الله ما يشاء} ما يستصوب نسخه، {ويُثبت} ما تقتضيه حكمته، فلا ينكر مخالفته للشرائع في بعض الأحكام مع موافقته للحكم، وهو الأصول الثابتة في أصول الشرائع، ولذا قال: {وعنده أمُّ الكتاب} أي: لا يبدل. هـ. وقريب منه للبيضاوي. وقيل: إن المحو والإثبات عام في جميع الأشياء. قال ابن جزي: وهذا ترده القاعدة المتقررة بأن القضاء والقدرلا يتبدل، وعلم الله لا يتغير. هـ. قلت: أما القضاء المبرم، وهو: علم الله القديم الذي استأثر الله به، فلا شك أنه لا يتبدل ولا يغير، وأما القضاء الذي يبرز إلى علم الخلائق من الملائكة وغيرهم، فيقع فيه المحو والإثبات، وذلك أن الحق تعالى قد يُطلعهم على بعض الأقضية، وهي عنده متوقفة على أسباب وشروط يخفيها عنهم بقهريته، ليظهر اختصاصه بالعلم الحقيقي، فإذا أراد الملائكة أن ينفذوا ذلك الأمر محاه الله تعالى، وأثبت ما عنده في علم غيبه، وهو أُمُّ الكتاب، حتى قال بعضهم: إن اللوح الحفوظ له جهتان: جهة تلي عالَم الغيب، وفيه القضاء المبرم، وجهة تلي عالَم الشهادة، وفيه القضاء الذي يُرد ويُمْحى؛ لأنه قد تكتب فيه أمور، وهي متوقفة على شروط وأسباب في علم الغيب، لم تظهر في هذه الجهة التي تلي عَالَم الشهادة، فيقع فيها المحو والإثبات، وبهذا يندفع إشكالات كقوله في الحديث: "حديث : لا يَرُدُ القَضَاءَ إلا الدُّعَاءُ، وصلة الرحم تزيد في العُمُر ". تفسير : وقول ابن مسعود، وعمر ـ رضي الله عنهما ـ: اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاء فامحنا، واكتبنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. هـ. أي: إن كنت أظهرت شقاوتنا فامحها، وأظهر سعادتنا؛ فإنك تمحو ما تشاء...إلخ. وفي ابن عطية ما يشير إلى هذا، قال: وأصوب ما يفسر به أم الكتاب، أنه كتاب الأمور المجزومة التي سبق القضاء فيها بما هو كائن، وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتُمحى وتثبت. قال نحوه قتادة. هـ. الإشارة: قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك...} الآية، قد أثبت تعالى لأهل خصوصية النبوة والرسالة الأزواج والذرية، وكان ذلك كمالاً في حقهم. وكذلك أهل خصوصية الولاية، تكون لهم أزواج وذرية، ولا يقدح في مرتبتهم، بل يزيد فيها، وذلك بشرط أن يقع ذلك بعد التمكين، أو يكون في صحبة شيخ عارف كامل عند أمره ونهيه، يكون فعل ذلك بإذنه، فإذا كان هذا الشرط فإن التزوج يزيد صاحبه تمكيناً من اليقين. قال الورتجبي في هذه الآية: أعْلَمَ تَعالى، بهذه الآية، الجُهَّال أنه إذا شَرَّف وليّاً أو صدِّيقاً بولايته ومعرفته لم يَضُرّ بِه مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد، ولم يكن بسْط الدنيا له قدحاً في ولايته. هـ. وقال الغزالي في الإحياء، في الترغيب في النكاح: قال تعالى في وصف الرسل ومَدْحِهِم: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذُرية}، فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل، ومَدَح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء، فقال تعالى: أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} تفسير : [الفرقان: 74] الآية، ويقال: إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين. وقالوا: إن يحيىعليه السلام قد تزوج فلم يجامع. قيل: إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السُّنة، وقيل: لغض البصر. وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض، ويولدُ له. وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النَّكَاحُ سُنَّتي، فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتي فَليسْتَنَّ بِسُنَّتِي"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَنَاكَحُوا تَكَاثَروا؛ فإنِّي أُبَاهِي بِكُم الأُممَ يَوْمَ القِيَامة، حَتَّى السَّقْط"تفسير : . وقال أيضاً: "حديث : مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتي فَلَيْسَ مِنِّي، وإِنَّ مِنْ سُنَّتي النِّكاحَ، فَمَنْ أحَبَّنِي فَليَسْتَنَّ بِسُنَّتِي" تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ تَرَكَ التَّزَوُّج مَخَافَةَ العَيْلة فَلَيس مِنَّا"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسل:م "حديث : مَنْ نَكَحَ لله وأَنكَحَ لله استَحَقَّ ولايَة الله ." تفسير : ثم قال: وقال ابن عباس لابنه: لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج. وكان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج، لا ألقى الله عَزَبَاً. وكان معاذ رضي الله عنه مطعوناً وهو يقول: زوجوني، لا ألقي الله عزباً. وكان ماتت له زوجتان بالطاعون. وكان عُمَرُ يكثر النكاح، ويقول: لا أتزوج إلا للولد، وكان لعليّ رضي الله عنه أربع نسوة، وسبع عشرة سرية، وهو أزهد الصحابة. فدل أن تزوج النساء لا يدل على الرغبة في الدنيا. قال سفيان: كثرة النساء ليس من الدنيا. واستدل بقضية عليّ رضي الله عنه قال: وكان أزهد الصحابة. ورُوي أن بشر الحافي رُئيَ في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: رفعت إلى منازلي في الجنة فأشرفت على مقامات الأنبياء، ولم أبلغ منازل المتأهلين. وفي رواية: قال لي: ما كنت أحب أن تَلقاني عَزَباً، قال الرائي: فقلت له: ما فعل أبو نصر التمار؟ قال: رُفع فوقي بسبعين درجة؛ بصبره على بُنياته وعياله. وقد قيل: فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد، وركعةٌ مِنْ متأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب. هـ. كلام الغزالي باختصار. وقوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويُثبت}، من جملة ما يقع فيه المحو والإثبات الواردات الإلهية التي ترد على القلوب من تجليات الغيوب؛ فإن القلب إذا تطهر من الأكدار، وصفا من الأغيار، كان كل ما يتجلى فيه من الغيوب فهو حق، إلا أنه ينسخ بعضها بعضاً؛ فقد يخبر الولي بأمر، يكون أوْ لا يكون على حساب ما تجلى في قلبه، ثم يمحو الله ذلك، ويثبت في قلبه خلافه. أو يظهر في الوجود خلاف ما أخبر، وليس بكذب في حقه، ولكن الحق تعالى يُظهر لخلقه أموراً من مقدوراته، متوقفاً وجودُها على أسبابٍ وشروطٍ أخفاها الحق تعالى عن خلقه، ليظهر عجزهم عن إحاطة علمه، فالنسخ إنما يقع في فعله لا في أصل علمه. قال الأستاذ القشيري: المشيئة لا تتعلق إلا بالحدوث، والمحو والإثبات لا يكون إلا من أوصاف الحدوث، فصفات ذات الحق ـ سبحانه ـ؛ من كلامه وعلمه، لا يدخل تحت المحو والإثبات، إنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله. هـ. وقال سهل رضي الله عنه: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} الأسباب، {وعنده أمُّ الكتاب}؛ القضاء المبرم. هـ. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: {وعنده أم الكتاب}: العلم الأول الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل، ولا يقبل النسخ والتحريف. ومطالعته: بالفناء عن الحقيقة الخَلْقِية، والبقاء بالأنوار الصمدانية، والأنفاس الرحمانية. قال في القوت: والمحبة من أشرف المقامات، ليس فوقها إلا مقام الخُلَّة، وهو مقام في المعرفة الخاصة، وهي: تخلّل أسرار الغيب، فيطلع على مشاهدة المحبوب، بان يعطى إحاطة بشيء من علمه بمشيئته، على مشيئته التي لا تتقلب، وعلمه القديم الذي لا يتغير. وفي هذا المقام: الإشراف على بحار الغيوب، وسرائر ما كان في القديم وعواقب ما يدب. ومنه: مكاشفة العبد بحاله، وإشهاده من المحبة مقامه، والإشراف على مقامات العباد في المآل، والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد؛ حالاً ومآلاً. هـ. قلت: هذا الاطلاع إنما هو إجمالي لا تفصيلي، وقد يقع فيه المحو والإثبات؛ لأنه من جملة المعلومات التي دخلت عالم التكوين، التي يقع فيها التبديل والتغيير. ثم قال صاحب القوت: وقد قال أحسن القائلين: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255]، والاستثناء واقع على إعطاء الإحاطة بشيء من شهادة علمه، بنورٍ ثاقبٍ من وصفه، وشعاع لائحٍ من سبحاته، إذا شاء، وذلك إذا أخرجت النفس من الروح، فكان روحانياً، خُروجَ الليلِ من النهار. هـ. ثمَّ تمَّم الجواب عن اقتراحهم الآيات

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه أرسل قبل إِرسال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم رسلاً الى خلقه، وجعل لهم ازواجاً وذرية، يعني اولاداً، لانهم كانوا انكروا تزويج النبي بالنساء، فبين الله تعالى ان الأنبياء قبله كان لهم أزواج وذرية، وقد آمنوا بهم. ثم قال: وانه لم يكن لرسوله يرسله الله ان يجيء بآية ودلالة، إلا بعد ان يأذن الله في ذلك ويلطف له فيه. وقوله {لكل أجل كتاب} معناه لكل أجل قدره، كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية الا بأجل قد قضاه الله تعالى في كتاب على ما توجبه صحة تدبير العباد. وقيل: فيه تقديم وتأخير وتقديره لكل كتاب أجل، كما قال {أية : وجاءت سكرة الموت بالحق}،تفسير : والمعنى وجاءت سكرة الحق بالموت، وهي قراءة أهل البيت، وبه قرأ ابو بكر من الصحابة. والذرية الجماعة المفترقة في الولادة عن أب واحد في الجملة، ويحتمل ان يكون من الذر. وأن يكون من ذرأ الله الخلق اي أظهرهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} فما كنت بدعاً من الرّسل {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} فلا ينبغى ان يعيّروك على التّزويج والذّرّيّة {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ} ممّن مضى {أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} حتّى يعيّروك على عدم اجابة اقتراحهم او تحزن على عدم اتيان الآية المقترحة {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} لكلّ وقت حكم مكتوب فلا يمكنك الاتيان بالآية المقترحة فى غير وقته، ولمّا كان ظاهره منافياً لما امر الله من الدّعاء والتّصدّقات وصلة الارحام لدفع الآلام والاسقام وطول العمر بحسب تعميم الاجل والكتاب قال {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد أرْسلنَا رسُلاً مِنْ قَبلكَ} بشرا مثلك، وهذا رد عليهم، إذ زعموا أن الله لو شاء الرسالة لاختار لها ملكا من الملائكة {وجَعَلنا لَهم أزْواجا} مثلك، وقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سرية، وهذا رد على اليهود لعنهم الله، إذ زعموا أن هذا الرجل يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله همة إلا فى النساء، ولو كان رسولا كما زعم لاشتغل عن ذلك بالزهد، وقيل: قال ذلك المشركون {وذُريَّةً} كما لك ذرية، وهذا رد عليهم، إذ زعموا أعنى اليهود أو المشركين أنه لو كان رسولا لم يشتغل بالتماس الولد. {ومَا كانَ لرسُولٍ} ما صح له، أو ما كان فى طاقته {أنْ يأتىَ بآيةٍ} يطلبها قومه {إلا بإذْنِ اللّهِ} لأنَّهم عبيد مربوبون، فما كان منهم من الآيات كالعصى والناقة فبإذن الله ومشيئته، وهذا رد على من يطلب منه الآيات كقريش، وكفار المدينة واليهود. {لِكلِّ أَجلٍ} مدة {كِتابٌ} حكم مكتوب على العباد يصيبهم، أو يفرض عليهم على ما تقضيه الحكمة والصلاح، فمن ذلك تأخير العذاب، فقد تضمن هذا ردا عليهم فى استبطائهم العذاب الذى وعده لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن كنت رسولا فأتنا به، والرد على اليهود فى إنكار النسخ، أو لكل أجل أجله الله لشئ كتاب كتبه فيه، أو لكل مدة مخصوصة عند الله كتاب ينزله فيها على نبى، ولذلك قيل: إن هنا قلبا، والأصل لكل كتاب أجل ينتهى حكمه إلى الأجل، فيكون هذا وما بعده فى الرد على منكرى النسخ، أو يخص هذا بما يصيب الناس من خير وشر، وما بعد بالنسخ. روى أن اليهود، قبحهم الله، يقولون: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم ويأمرهم بخلاف غدا، وما ذلك إلا لأنهم يقولون: إنه يقول من تلقاء نفسه فنزل: {يمحُوا اللهُ ما يشاءُ...}

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً } كثيرة كائنة {مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } أي نساء وأولاداً كما جعلناها لك، روي عن الكلبـي أن اليهود عيرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فنزلت رداً عليهم حيث تضمنت أن التزوج لا ينافي النبوة وأن الجمع بينهما قد وقع في رسل كثيرة قبله. ذكر أنه كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهرية وسبعمائة سرية وأنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة، ولم يتعرض جل شأنه لرد قولهم: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء للإشارة إلى أنه لا يستحق جواباً لظهور أنه عليه الصلاة والسلام لم يشغله أمر النساء عن شيء ما من أمر النبوة، وفي أدائه صلى الله عليه وسلم للأمرين على أكمل وجه دليل وأي دليل على مزيد كماله ملكية وبشرية. ومما يوضح ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يجوع الأيام حتى يشد على بطنه الشريف الحجر ومع ذا يطوف على جميع نسائه في الليلة الواحدة ولا يمنعه ذاك عن هذا. وفي تكثير نسائه عليه الصلاة والسلام فوائد جمة، ولو لم يكن فيه سوى الوقوف على استواء سره وعلنه لكفى، وذلك لأن النساء من شأنهم أن لا يحفظن سراً كيفما كان فلو كان منه عليه الصلاة والسلام في السر ما يخالف العلن لوقفن عليه مع كثرتهن ولو كن قد وقفن لأفشوه عملا بمقتضى طباع النساء لا سيما الضرائر. ومن وقف على الآثار وأحاط خبراً بما روي عن هاتيك النساء الطاهرات علم أنهن لم يتركن شيئاً من أحواله الخفية إلا ذكروه، وناهيك ما روي أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في الإيلاج بدون إنزال هل يوجب الغسل أم لا؟ فسألوا عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت ولا حياء في الدين: فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا جميعاً؛ وروي أنهم طعنوا في نبوته بالتزوج وبعدم الإتيان بما يقترحونه من الآيات فنزل ذلك. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي وما صح وما استقام ولم يكن في وسع رسول من الرسل الذين من قبل أن يأتي من أرسل إليهم بآية ومعجزة يقترحونها عليه إلا بتيسير الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح التي يدور عليها أمر الكائنات، وقد يراد بالآية الآية الكتابية النازلة بالحكم/ على وفق مراد المرسل إليهم وهو أوفق بما بعد، وجوز إرادة الأمرين باعتبار عموم المجاز أي الدال مطلقاً أو على استعمال اللفظ في معنييه بناء على جوازه، والالتفات لما تقدم ولتحقيق مضمون الجملة بالإيماء إلى العلة. {لِكُلّ أَجَلٍ } أي لكل وقت ومدة من الأوقات والمدد {كِتَابٌ} حكم معين يكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمة، فإن الشرائع كلها لإصلاح أحوالهم في المبدأ والمعاد، ومن قضية ذلك أن تختلف حسب أحوالهم المتغيرة حسب تغير الأوقات كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات، وهذا عند بعض رد لما أنكروه عليه عليه الصلاة والسلام من نسخ بعض الأحكام كما أن ما قبله رد لطعنهم بعدم الإتيان بالمعجزات المقترحة.

ابن عاشور

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. هذا عود إلى الردّ على المشركين في إنكارهم آية القرآن وتصميمهم على المطالبة بآية من مقترحاتهم تُماثل ما يؤثر من آيات موسى وآيات عيسى ــــ عليهما السلام ــــ ببيان أن الرسول لا يأتي بآيات إلاّ بإذن الله، وأن ذلك لا يكون عى مقترحات الأقوام، وذلك قوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}، فالجملة عطف على جملة { أية : وكذلك أنزلناه حكماً عربياً } تفسير : [الرعد: 37]. وأدمج في هذا الرد إزالة شبهة قد تعرض أو قد عرضت لبعض المشركين فيطعنون أو طعنوا في نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه يتزوج النساء وأن شأن النبي أن لا يهتم بالنساء. قال البغوي: روي أن اليهود وقيل إن المشركين قالوا: إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء اهـ. فتعين إن صحت الرواية في سبب النزول أن القائلين هم المشركون إذ هذه السورة مكية ولم يكن لليهود حديث مع أهل مكة ولا كان منهم في مكة أحد. وليس يلزم أن يكون هذا نازلاً على سبب. وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ثم سودة رضي الله عنهما في مكة فاحتمل أن المشركين قالوا قالةَ إنكار تعلقاً بأوهن أسباب الطعن في النبوءة. وهذه شبهة تعرض للسذج أو لأصحاب التمويه، وقد يموّه بها المبشرون من النصارى على ضعفاء الإيمان فيفضلون عيسى عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بأن عيسى لم يتزوج النساء. وهذا لا يروج على العقلاء لأن تلك بعض الحظوظ المباحة لا تقتضي تفضيلاً. وإنما التفاضل في كل عمل بمقادير الكمالات الداخلة في ذلك العمل. ولا يدري أحد الحكمة التي لأجلها لم يتزوج عيسى عليه السلام امرأةً. وقد كان يحيى عليه السلام حَصوراً فلعل عيسى عليه السلام قد كان مثله لأن الله لا يكلفه بما يشق عليه وبما لم يكلف به غيره من الأنبياء والرسل. وأما وصف الله يحيى عليه السلام بقوله: {وحصوراً} فليس مقصوداً منه أنه فضيلة ولكنه أعلم أباه زكرياء ــــ عليه السلام ــــ بأنه لا يكون له نسل ليعلم أن الله أجاب دعوته فوهب له يحيــــى ــــ عليه السلام ــــ كرامة له، ثم قدّر أنه لا يكون له نسل إنفاذاً لتقديره فجعل امرأته عاقراً. وقد تقدم بيان ذلك في تفسير سورة آل عمران. وقد كان لأكثر الرسل أزواج ولأكثرهم ذرية مثل نوح وإبراهيم ولوط وموسى وداود وسليمان وغير هؤلاء ــــ عليهم السلام ــــ. والأزواج: جمع زوج، وهو من مقابلة الجمع بالجمع، فقد يكون لبعض الرسل زوجة واحدة مثل: نوح ولوط ــــ عليهما السلام ــــ، وقد يكون للبعض عدة زوجات مثل: إبراهيم وموسى وداود وسليمان ــــ عليهم السلام ــــ. ولما كان المقصود من الردّ هو عدم منافاة اتخاذ الزوجة لصفة الرسالة لم يكن داع إلى تعداد بعضهم زوجات كثيرة. وتقدم الكلام على الزوج عند قوله تعالى: { أية : وقلنا يآدم اسكن أنت وزوجك الجنة } تفسير : في سورة البقرة (35). والذرية: النسل. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قال ومن ذريتي } تفسير : في سورة البقرة (124). وجملة {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هي المقصود وهي معطوفة على جملة {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك}. وتركيب {ما كان} يدل على المبالغة في النفي، كما تقدم عند قوله: { أية : قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } تفسير : في سورة العقود (116). والمعنى: أن شأنك شأن من سبق من الرسل لا يأتون من الآيات إلاّ بما آتاهم الله. وإذن الله: هو إذن التكوين للآيات وإعلام الرسول بأن ستكون آية، فاستعير الإتيان للإظهار، واستعير الإذن للخلق والتكوين. {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}. تذييل لأنه أفاد عموم الآجال فشمل أجل الإتيان بآية من قوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}. وذلك إبطال لتوهم المشركين أن تأخر الوعيد يدل على عدم صدقه. وهذا ينظر إلى قوله تعالى: { أية : ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } تفسير : [سورة العنكبوت: 53] فقد قالوا: { أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } تفسير : الآية [سورة الأنفال: 32]. وإذ قد كان ما سألوه من جملة الآيات وكان ما وعدوه آية على صدق الرسالة ناسب أن يذكر هنا أن تأخير ذلك لا يدل على عدم حصوله، فإن لذلك آجالاً أرادها الله واقتضتها حكمته وهو أعلم بخلقه وشؤونهم ولكن الجهلة يقيسون تصرفات الله بمثل ما تجري به تصرفات الخلائق. والأجل: الوقت الموقت به عمل معزوم أو موعود. والكتاب: المكتوب، وهو كناية عن التحديد والضبط، لأن شأن الأشياء التي يراد تحققها أن تكتب لئلا يخالف عليها. وفي هذا الرد تعريض بالوعيد. والمعنى: لكل واقع أجلٌ يقع عنده، ولكل أجل كتاب، أي تعيين وتحديد لا يتقدمه ولا يتأخر عنه. وجملة {يمحوا الله ما يشاء} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة {لكل أجل كتاب} تقتضي أن الوعيد كائن وليس تأخيره مزيلاً له. ولما كان في ذلك تأييس للناس عقب بالإعلام بأن التوبة مقبولة وبإحلال الرجاء محلّ اليأس، فجاءت جملة {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} احتراساً. وحقيقة المحو: إزالة شيء، وكثر في إزالة الخط أو الصورة، ومرجع ذلك إلى عدم المشاهدة، قال تعالى: { أية : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } تفسير : [سورة الإسراء: 12]. ويطلق مجازاً على تغيير الأحوال وتبديل المعاني كالأخبار والتكاليف والوعد والوعيد فإن لها نسباً ومفاهيم إذا صادفت ما في الواقع كانت مطابقتُها إثباتاً لها وإذا لم تطابقه كان عدم مطابقتها محواً لأنه إزالة لمدلولاتها. والتثبيت: حقيقته جعل الشيء ثابتاً قاراً في مكان، قال تعالى: { أية : إذا لقيتم فئة فاثبتوا } تفسير : [سورة الأنفال: 45]. ويطلق مجازاً على أضداد معاني المحو المذكورة. فيندرج في ما تحتمله الآية عدةُ معانٍ: منها أنه يُعدم ما يشاء من الموجودات ويبقي ما يشاء منها، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويُقرر، وينسخ ما يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء. وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته. وإذ قد كانت تعلقات القدرة الإلهية جارية على وفق علم الله تعالى كان ما في علمه لا يتغير فإنه إذا أوجَدَ شيئاً كان عالماً أنه سيوجده، وإذا أزال شيئاً كان عالماً أنه سيزيله وعالماً بوقت ذلك. وأبهم الممحو والمثبت بقوله: {ما يشاء} لتتوجه الأفهام إلى تعرّف ذلك والتدبر فيه لأن تحت ذا الموصول صوراً لا تحصى، وأسبابُ المشيئة لا تحصى. ومن مشيئة الله تعالى محوَ الوعيد أن يلهم المذنبين التوبة والإقلاع ويخلق في قلوبهم داعية الامتثال. ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن النظر في تدارك أمورهم، وكذلك القول في العكس من تثبيت الخير ومحوه. ومن آثار المحو تغير إجراء الأحكام على الأشخاص، فبينما ترى المحارب مبحوثاً عنه مطلوباً للأخذ فإذا جاء تائباً قبل القدرة عليه قُبل رجوعه ورفع عنه ذلك الطلب، وكذلك إجراء الأحكام على أهل الحرب إذا آمنوا ودخلوا تحت أحكام الإسلام. وكذلك الشأن في ظهور آثار رضا الله أو غضبه على العبد فبينما ترى أحداً مغضوباً عليه مضروباً عليه المذلة لانغماسه في المعاصي إذا بك تراه قد أقلع وتاب فأعزه الله ونصره. ومن آثار ذلك أيضاً تقليب القلوب بأن يجعل الله البغضاء محبةً، كما قالت هند بنتُ عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم بعدَ أن أسلمتْ: «ما كان أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خِبائك واليوم أصبحتُ وما أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا من أهل خبائك». وقد محا الله وعيد من بقي من أهل مكة فرفع عنهم السيف يوم فتح مكة قبل أن يأتوا مسلمين، ولو شاء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئصالهم حين دخوله مكة فاتحاً. وبهذا يتحصل أن لفظ {ما يشاء} عام يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى ولكنه مجمل في مشيئة الله بالمحو والإثبات، وذلك لا تصل الأدلة العقلية إلى بيانه، ولم يرد في الأخبار المأثورة ما يبينه إلا القليل على تفاوت في صحة أسانيده. ومن الصحيح فيما ورد من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » تفسير : . والذي يلوح في معنى الآية أن ما في أم الكتاب لا يقبل محواً، فهو ثابت وهو قسيم لما يشاء الله محوه. ويجوز أن يكون ما في أم الكتاب هو عين ما يشاءُ الله محوه أو إثباته سواء كان تعييناً بالأشخاص أو بالذوات أو بالأنواع وسواء كانت الأنواع من الذوات أو من الأفعال، وأن جملة {وعنده أم الكتاب} أفادت أن ذلك لا يطلع عليه أحد. ويجوز أن يكون قوله: {وعنده أم الكتاب} مراداً به الكتاب الذي كتبت به الآجال وهو قوله: {لكل أجل كتاب}، وأن المحو في غير الآجال. ويجوز أن يكون أم الكتاب مراداً به علم الله تعالى، أي يمحو ويثبت وهو عالم بأن الشيء سيُمحى أو يثبت. وفي تفسير القرطبي عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ السعادة والشقاوة والموت »تفسير : . وروى مثله عن مجاهد. وروى عن ابن عباس {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} إلا أشياء الخَلْقَ ــــ بفتح الخاء وسكون اللام ــــ والخُلُق ــــ بضم الخاء واللام ــــ والأجل والرزقَ والسعادة والشقاوة، {وعنده أم الكتاب} الذي لا يتغيّر منه شيء. قلت: وقد تفرع على هذا قول الأشعري: إن السعادة والشقاوة لا يتبدلان خلافاً للماتريدي. وعن عمر وابن مسعود ما يقتضي أن السعادة والشقاوة يقبلان المحو والإثبات. فإذا حمل المحو على ما يجمع معاني الإزالة، وحُمل الإثبات على ما يجمع معانيَ الإبقاء، وإذا حمل معنى {أم الكتاب} على معنى ما لا يقبل إزالة ما قرر أنه حاصل أو أنه موعود به ولا يقبل إثبات ما قرر انتفاؤه، سواء في ذلك الأخبار والأحكام، كان ما في أم الكتاب قسيماً لما يمحى ويثبت. وإذا حمل على أن ما يقبل المحو والإثبات معلوم لا يتغيّر علم الله به كان ما في أم الكتاب تنبيهاً على أن التغييرات التي تطرأ على الأحكام أو على الأخبار ما هي إلا تغييرات مقررة من قبلُ وإنما كان الإخبار عن إيجادها أو عن إعدامها مظهراً لما اقتضته الحكمة الإلهية في وقت ما. و{أم الكتاب} لا محالة شيء مضاف إلى الكتاب الذي ذُكر في قوله: {لكل أجل كتاب}. فإن طريقَة إعادة النكرة بحرف التعريف أن تكون المُعادة عينَ الأولى بأن يجعل التعريف تعريف العهد، أي وعنده أم ذلك الكتاب، وهو كتاب الأجل. فكلمة {أمّ} مستعملة مجازاً فيما يُشبه الأم في كونها أصلاً لما تضاف إليه {أمُّ} لأن الأمّ يتولد منها المولود فكثر إطلاق أمّ الشيء على أصله، فالأمّ هنا مراد به ما هو أصل للمحو والإثبات اللذيْن هما من مظاهر قوله: {لكل أجل كتاب}، أي لِما مَحْوُ وإثباتُ المشيئات مظاهرُ له وصادرة عنه، فأمُّ الكتاب هو علم الله تعالى بما سيريد محوه وما سيريد إثباته كما تقدم. والعِندية عندية الاستئثار بالعلم وما يتصرف عنه، أي وفي ملكه وعلمه أمّ الكتاب لا يَطلع عليها أحد. ولكن الناس يرون مظاهرها دون اطلاع على مدى ثبات تلك المظاهر وزوالها، أي أن الله المتصرف بتعيين الآجال والمواقيت فجعل لكل أجل حداً معيناً، فيكون أصل الكتاب على هذا التفسير بمعنى كله وقاعدته. ويحتمل أن يكون التعريف في {الكتاب} الذي أضيف إليه {أم} أصل ما يُكتب، أي يُقدر في علم الله من الحوادث فهو الذي لا يُغيّر، أي يمحو ما يشاء ويثبت في الأخبار من وعد ووعيد، وفي الآثار من ثواب وعقاب، وعنده ثابتُ التقادير كلها غير متغيرة. والعندية على هذا عندية الاختصاص، أي العلم، فالمعنى: أنه يمحو ما يشاء ويثبت فيما يبلغ إلى الناس وهو يعلم ما ستكون عليه الأشياء وما تستقر عليه، فالله يأمر الناس بالإيمان وهو يعلم مَن سيؤمن منهم ومن لا يؤمن فلا يفجؤه حادث. ويشمل ذلك نسخَ الأحكام التكليفية فهو يشرعها لمصالح ثم ينسخها لزوال أسباب شرعها وهو في حال شَرْعها يعلم أنها آيلة إلى أن تنسخ. وقرأ الجمهور {ويثبّت} ــــ بتشديد الموحدة ــــ من ثبّت المضاعف. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب {ويُثْبت} ــــ بسكون المثلثة وتخفيف الموحدة ــــ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن الرسل قبله صلى الله عليه وسلم من جنس البشر يتزوجون ويلدون وليسوا ملائكة وذلك أن الكفار استغربوا بعث آدمي من البشر كما قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] فأخبر أنه يرسل البشر الذين يتزوجون ويأكلون كقوله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ}تفسير : [الفرقان: 20] وقوله {أية : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الأنبياء: 8] الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 38- وإذا كان المشركون يثيرون العجب من أن لك أزواجاً وذرية، ويطلبون معجزة غير القرآن، فقد أرسلنا من قبلك رسلا لهم أزواج وأولاد، فالرسول من البشر له أوصاف البشر، ولكنه خير كله، وليس لنبى أن يأتى بمعجزة كما يحب أو يحب قومه، بل الذى يأتى بالمعجزة هو الله، وهو الذى يأذن له بها. لكل جيل من الأجيال أمر كتبه الله لهم يصلح به أمرهم، فلكل جيل معجزته التى تناسبه. 39- يمحو الله ما يشاء من شرائع ومعجزات، ويحل محلها ما يشاء ويثبته وعنده أصل الشرائع الثابت الذى لا يتغير، وهو الوحدانية وأمهات الفضائل، وغير ذلك. 40- ولئن أريناك بعض الذى نعدهم من ثواب أو عقاب، أو توفَّيناك قبل ذلك، لرأيت هول ما ينزل بالمشركين، ولرأيت نعيم المؤمنين، وليس عليك هذا، إنما الذى عليك أن تبلغ الرسالة والحساب علينا وحدنا. 41- وإن أمارات العذاب والهزيمة قائمة، ألم ينظروا إلى أنّا نأتى الأرض التى قد استولوا عليها، يأخذها منهم المؤمنون جزءا بعد جزء؟ وبذلك ننقص عليهم الأرض من حولهم، والله - وحده - هو الذى يحكم بالنصر أو الهزيمة، والثواب أو العقاب، ولا راد لحكمه، وحسابه سريع فى وقته، فلا يحتاج الفصل إلى وقت طويل، لأن عنده علم كل شئ، فالبينات قائمة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجاً} {بِآيَةٍ} (38) - وَكَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَنْتَ مِنَ البَشَرِ، كَذِلَكِ أَرْسَلَنْا المُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِكَ بَشَراً، يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ، وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُنْجِبُونَ الأَوْلادَ. وَلَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمَهُ بِمُعْجِزَةٍ إِلاَّ إِذا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِذلِكَ، فَالأَمْرُ كُلُّهُ للهِ، وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُريدُ. وَلِكُلِّ أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ، وَقَدَّرَهُ، أَجلٌ مُعَيَّنٌ، وَوَقْتٌ مَعْلُومٌ، فَلاَ تَنْزِلُ آيَةٌ قَبْلَ أَوَانِها، وَلاَ عَذَابٌ مِمَّا خُوِّفُوا بِهِ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ البَشَرُ يَتَعَاقَبُونَ فِي الأَرْضِ وَفْقَ مَا قَضَاهُ اللهُ. (وَيُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الأَيَةَ نَزَلَتْ رَدّاً عَلَى اليَهُودِ حِينَما عَابُوا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَثْرَةَ مَنْ تَزَوَّجَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالُوا لَوْ كَانَ نَبِيّاً حَقّاً كَمَا يَزْعُمُ لَشَغَلَهُ أَمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّسَاءِ). لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ - لِكُلِّ وَقْتٍ حُكْمٌ معَيَّنٌ بِالحِكْمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأنت يا محمد لست بِدْعاً من الرسل في مسألة الزواج والإنجاب. وهي تحمل الرد على مَنْ قالوا: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ..} تفسير : [الفرقان: 7]. ومنهم مَنْ قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوَّجوا وأنجبوا. وحين تكون حياة الرسول قريبةً - كمثال واضح - من حياة الناس الذين أُرسل إليهم؛ ليكون أُسْوة لهم؛ فالأُسْوَة تتأتَّى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام؛ كأبٍ وزوجٍ، فالأسوة تكون واضحة للناس. ونعلم أن هناك مَنْ جاء إلى رسول الله؛ ليطلب الإذن بالتفرُّغ التامّ للعبادة من: صوم وصلاة وزُهْد عن النساء، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال في حديث شريف: "حديث : إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس منِّي ". تفسير : ويتابع الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]. أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أيّ رسول من الرسل، ولم يكُنْ لأيِّ رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له. وبهذا القول حسم الحق سبحانه قضية طلب المشركين لآيات من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل رسول جاء لزمنه ولقومه؛ وكل معجزة كانت من اختيار الله، وكل رسول يؤدي ما يُكلِّفه به الله؛ وليس للرسول أن يقترح على الله آيةً ما؛ لأن الخالق الأعلى هو الأعلم بما يصلح في هذه البيئة على لسان هذا الرسول. ونأخذ من قوله الحق: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]. أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمداً صلى الله عليه وسلم وما اختاره الله له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان؛ وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم. ولكن، أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]. نعم هناك تغيير، وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] يشير إلى أن الرسل لما جذبتهم العناية البداية رقتهم من دركات البشرية الحيوانية إلى درجات الولاية الروحانية ثم رقتهم منها إلى معارج النبوة والرسالة الربانية في النهاية فلم يبق فيهم من دواعي البشرية وأحكام النفسانية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية؛ بل جعل لهم رغبة في الأزواج والأولاد على وفق الشريعة بخصوصية إطلاقه في إظهار الخالقية. كما قال تعالى: {أية : ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}تفسير : [الواقعة: 59] وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الرعد: 38] إشارة إلى أن حركات عامة الخلق وسكناتهم بمشيئة الله وإرادته وإن حركات الرسل وسكناتهم بإذن الله ورضاه. ثم قال: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] أي: لأَجَلٍ أهل المشيئة والإرادة في حركاتهم وقت معين لوقوع الفعل فيه وكذلك لأهل الإذن والرضا ثم {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ } لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة {وَيُثْبِتُ} لهم من أفاعيل أهل السعادة ويمحو ما يشاء لأهل الشقاوة من أفاعيل أهل السعادة ويثبت لهم أفاعيل أهل الشقاوة {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 39] الذي مقدر فيه حاصل أمر كل واحد من الفريقين، وحاصلهم لا يزيد ولا ينقص {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} [الرعد: 40] أي: نريك بالكشف والمشاهدة بعض الذي وعدناهم من العذاب والثواب قبل وفاتك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن العشرة المبشرين وغيرهم دخولهم الجنة، وقد أخبر السائل عن أبيه حين قال إن أباك في النار وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت الجنة وفيها فلان، ورأيت النار وفيها فلان ". تفسير : {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} [الرعد: 40] قبل أن نريك من أحوالهم {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} [الرعد: 40] فيما أمرناك بتبليغه ولا عليك القبول فيما يقول: {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} في الرد والقبول {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} [الرعد: 41] أرض البشرية {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} أي: من أوصافها بالازدياد في أوصاف الروحانية وأرض الروحانية حيث ننقصها من أخلاقها بالتبديل بالأخلاق الربانية وأرض العبودية ننقصها من آثار الخليقة وإظهار أنوار الربوبية {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ} [الرعد: 41] من الأزل وإلى الأبد. {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41] أي: لا مقدم ولا مؤخر ولا مبدل لحكمه {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [الرعد: 41] فيما قدر ودبر وحكم فلا يسوغ لأحد تغيير حكم من أحكامه، {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الرعد: 42] إشارة إلى أن أهل كل زمان وهم يمكرون {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} [الرعد: 42] ليمكروا بمكره ويمكروا مكراً مع أهل الحق ليبتليهم الله بمكرهم ويصيروا على مكرهم ثقة بالله أنه خير الماكرين فيثيبهم على صبرهم ثواب الصابرين ويعذب الماكرين الممكورين {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} [الرعد: 42] من الماكرين {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ} الذين يسترون الحق بالباطل مكراً وحيلة {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} عند كشف الغطاء يوم اللقاء. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} [الرعد: 43] فيه إشارة إلى أن من يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ليس مرسلاً من الله كما قالت الفلاسفة: إنه حكيم وليس برسول فقد كفر {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد: 43] بتحقيق رسالتي مرسلاً من الله، كما قالت الفلاسفة: إنه حكيم وليس برسول فإنه أرسلني وأنزل علي الكتاب الذي جئت به إليكم {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} وهو الذي علمه القرآن وعلمه البيان وأراه آيات القرآن ومعجزاته فبذلك علم حقيقة رسالته وشهد بها، والله أعلم. قال أهل المعاني: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ}تفسير : [الرعد: 11] أ ي: أن أوامر الله عز وجل على وجهين: أحدهما: قضى حلوله ووقوعه لصاحبه ذلك مما لا يوصفه أحد ولا يغيره بشر، والآخر: قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ والدليل، على هذا قصة قوم يونس في دفع النداء عنهم بدعائهم وتضرعهم وتوبتهم، وروي أنه: "حديث : دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْعَبْدِ، كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَك؟ فَقَالَ: عَلَى يَمِينِك مَلَكٌ عَلَى حَسَنَاتِك، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلْت حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْراً، وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَةً قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِلَّذِي عَلَى الْيَمِينِ: أأَكْتُبُ؟ فَيَقُولُ لَهُ: لاَ، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللهَ وَيَتَوبُ، فإِذَا قَالَ ثَلاَثاً، قَالَ: نَعَمْ، اُكْتُبْ أَرَحْنَا اللهُ مِنْهُ، فَبِئٍصَ الْقَرِينُ، مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ للهَِّ، وَأَقَلَّ اسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا، يَقُولُ اللهُ: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِك يَقُولُ اللهُ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} وَمَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِك، فَإِذَا تَوَاضَعْت للهَِّ رَفَعَك، وَإِذَا تَجَبَّرْت عَلَى اللهِ قَصَمَك، وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْك، لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْك إلاَّ الصَّلاَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، ومَلَكٌ قَائِمٌ عَلَى فِيك، لاَ يَدَعُ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَّةُ فِي فِيك، وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْك، فَهَؤُلاَءِ عَشْرَةُ أَمْلاَكٍ عَلَى كُلِّ ابْنِ آدَمَ يَتَبَدَّلُونَ، مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ عَلَى مَلاَئِكَةِ النَّهَارِ، لأَِنَّ مَلاَئِكَةَ اللَّيْلِ سِوَى مَلاَئِكَةِ النَّهَارِ، فَهَؤُلاَءِ عِشْرُونَ مَلَكاً، عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ، عشرة بالنهار وعشرة بالليل وَإِبْلِيسُ بِالنَّهَارِ، وَوَلَدُهُ بِاللَّيْلِ"تفسير : قال قتادة وابن جريج: هذه ملائكة الله عز وجل يتعاقبون فيكم بالليل والنهار وذكر لنا أنهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح، قال: إن السر في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً}تفسير : [الرعد: 12] يريكم أنوار محبته فمن خائف من يساره وطامع في يمينه. وقال أبو بكر الثقفي: وورود الأحوال على الأسرار عندي كالبرق ولا يمكث، بل يلوح فإذا لاح ربما أزعج في خائف خوفه وربما حرك من محب محبته، قال أبو بكر طاهر: خوفاً من أعراض الكدورة في صفاء المعرفة، وطمعاً في الملاك به في إخلاص المعاملة. وقال أبو يعقوب الأبهري، خوفاً من القطع والفراق وطمعاً في القرب والاشتياق، وقال ابن الريحاني في قوله: {أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}تفسير : [الرعد: 13] الرعد صعقات الملائكة والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم، وفي قوله تعالى: {أية : دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}تفسير : [الرعد: 14]. قال ابن عطاء: أصدق الدعاوى دعاوى الحق فمن أجاب داعي الحق بغله إلى الحق، ومن أجاب داعي النفس رمي إلى الهلاك. وقال الجنيد: داعي الحق فمن داعي الرسل لا يقع فيه الشيطان يد، ولا يكون فيه للنفس نصيب في دعاوى الحق إذا بدت أنوار الحق فلا يبقى على المدعو ريب ولا شك بحال. وقال بعضهم: داعي الحق من يدعو بالحق إلى الحق وفي قوله: {أية : وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}تفسير : [الرعد: 14]. قال جعفر بن محمد - عليهما السلام -: من دعا بنفسه إلى نفسه دعاء فهو الكفر والضلال، وذلك محل الخيانة ولسقوط من درجات الأمانة فإن الدعاوى تختلف بن داعٍ بالحق وداعٍ بالحق إلى الحق ودعٍ إلى طريق الحق كل هؤلاء دعاة يدعون الخلق إلى هذه الطريق لا بأنفسهم فهذه طريق الحق وداعي يدعو بنفسه قال: أي شيء دعاؤه فهو ضلال. وفي قوله تعالى: {أية : طَوْعاً وَكَرْهاً}تفسير : [الرعد: 15] قال الجنيد: العارض طوعاً والمعروض كرهاً، وقال: إذا جاءته المصائب ذل وإذا جاءه الرجاء مثل {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الرعد: 16] قال أبو عثمان: لا يستوي من كحل بنور التوفيق مع من هو في ظلمة التدبير. وقال أبو حفص: الأعمى حقاً من يرى الله بالأشياء ولا يرى الأشياء بالله، والبصير من يكون نظره من الحق إلى المكونات. وفي قوله: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}تفسير : [الرعد: 17] قال الواسطي: خلق الله درة بيضاء صافية فلاحظها بعين الحال فذابت حياء منه {أية : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}تفسير : [الرعد: 17] فصفاء القلوب من وصول ذلك الماء إليه وجمال الأسرار من نزول ذلك الشرب. وقال ابن عطاء: هذا مثل ضربه الله للعبد إذا سال السيل في الأودية لا تبقى في الأودية نجاسة إلا كنسها أو أذهبها كذلك النور الذي قسم الله للعبد في نفسه لا يبقى فيه غفلة ولا ظلمة في أودية القلوب {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً}تفسير : [الرعد: 17] بذلك النور يصير القلب نوراً فلا يبقى فيه جفوة {أية : وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الرعد: 17] يذهب الأباطيل ويبقي الحقائق. وقال بعضهم: أنزل من السماء ماءً لكم في القلوب فأخذ كل قلب بحظه ونصيبه، فكل قلب كان مؤيداً بنور التوفيق أضاء فيه سراج التوحيد، وكل قلب أيد بنور التوحيد أضاء فيه سراج التوحيد، وكل قلب أيد بنور المحبة أضاء فيه لهب الشوق، وكل قلب عمر بلهب الشوق أضاء فيه أنس القرب فالقلوب تنقلب من حالة إلى حالة حتى تستغرق في أنوار المشاهدة أخذ كل قلب بحظه ونصيبه إلى أن تبدو الأنوار على الشواهد من فضل نور السر، قال القسم في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 25] نقض العهد هو الخروج من العبودية والدخول في الربوبية، وقال بعضهم: نقض العهد هو لزوم التدبير والاختيار وترك التسليم والتفويض بعد أن أخبرك الحق: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}تفسير : [آل عمران: 128]. وقال أبو قاسم الحكيم: نقض العهد هو السكون إلى غير مسكون إليه والفرح بغير مفروح إليه، وبه قال الواسطي {أية : وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الرعد: 26] الدنيا قذره ولك منها عبرة فمن أسرته عندها فهو أقل منها، ومن ملك جناح بعوضة أو أقل منها فذلك قدره وقال أيضاً: لا تدعوا الدنيا تغرقكم في بحارها وأغرقوها في بحر التوحيد لا تجدوا منها شيئاً. وقال بعضهم: أخبر الله تعالى عن الدنيا أنها في الآخرة مبلغ والآخرة أقل خطراً في جنب الحقيقة من خطر الدنيا في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: {أية : قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الرعد: 27] {يُضِلُّ} من قام إليه بنفسه واعتمد على طاعته عن سبيل رشده، ويهدي إلى سبيل رشده من رجع إيه في جميع أموره وتبرأ من حوله وقوته. وقيل في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 28] إن القلوب على أربعة أوجه: قلوب العامة: اطمأنت بذكر الله وتسبيحه وحمده والثناء عليه لرؤية النعمة الجارية والعافية الدائمة. وقلوب الخاصة: اطمأنت بذكر الله وذلك في أخلاقهم وتوكلهم وشكرهم وصبرهم فسكنوا إليه. وقلوب العلماء: اطمأنت بالصفات والأسماء والنعوت فهم يلاحظون ما يظهر بها ومنها على الدهور. وأما الموحدون: كالفرق لا تطمئن قلوبهم بحال كيف تطمئن قلوبهم بذكر من عرفوه أو كيف تطمئن بذكر الله فمن لم يؤمنهم بل خوفهم وحذرهم. وقال إبراهيم الخواص: يعرف الناس في حالين فمن دام سعيه وحركته كان موصوفاً بنفسه لغلبات شواهد نفسه عليه لقوله: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}تفسير : [الإسراء: 11] ومن دام سكونه كان موصوفاً بالحق لغلبات شواهد الحق في سكينته لقوله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]. وقال الحسن: من ذكره الحق بخير اطمأن إليه في أبده. وقال النهرجوري: قلوب الأولياء مواضع المطالع فهي لا تتحرك ولا تنزعج، بل تطمئن خوفاً من أن ترد عليه مخافة مطالعه فتجده مترمناً بسوء الأدب، قال الواسطي: هذه على أربعة أضرب: فالأول: للعامة؛ لأنها إذا ذكرته ودعته اطمأنت إلى ذكرها فحظها منه الإجابة للدعوة. والثانية: الخاصة التي أطاعته وصدقت ورضيت عنه فهم مرابطون في أماكن الزيادات اطمأنت قلوبهم إلى ذلك للخاصة الذين أقبلوا فكانوا أمماً وهي الملاحظة بشواهدهم وفاسدي الطبائع برؤية طاعاتهم. والثالثة: خصوص الخوص الذين عرفوا الأسماء والصفات فعرفوا ما خاطبهم الله تعالى به فطمأنت قلوبهم بذكره ولها شكرها له وبرضاه عنها لا برضاها عنه. والرابعة: الأولياء وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته، فأصبح لهم الصفات فأراهم أنما تعرف إلى الخلق على أقدارهم وعلمهم أخطارهم فعلموا أن سرائرهم لا تقدر أن تطمئن إليه ولا تسكن إليه، فمن كانت الأشياء في سره كذلك فبماذا يسكن ويمطئن؟! فلا يجد لقلبه طمأنينته بقدر المطمئن إليه كلما عادت الزيادة عليها أتاها حجاباً لا ينقطع بالبرق النقي؛ لأنها حجاب مستور وهباء منثور، فإذا عزمت الدخول في هذا المقام فاحتسب حظك وأعظم الله عليك أجرك. قال الجريري: في قوله: {أية : طُوبَىٰ لَهُمْ}تفسير : [الرعد: 29] طوبى لهم طوبى لمن طاب قلبه مع الله لحظة من عمره ورجع بقلبه إلى ربه وقتاً من أوقاته، وقال الشيبان: طوبى لمن غاب في حضرته وحضر في غيبته، وأصبح وأمسى مراعياً لسريرته، وقال الجنيد: طابت أوقات العارفين بمعروفهم، قال الجنيد في قوله: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ}تفسير : [الرعد: 33] بالله قامت الأشياء وبه فنيت وبتجليه حسنت المحاسن وباستدباره فجت وسمجت. وقال بعضهم: في قوله: {أية : بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ}تفسير : [الرعد: 33] زين طرق الهلاك في عين من قدر له الهلاك فيراه رشداً فيوصله إلى المقضي عليه الهلاك. قال أبو زيد: اجتنب مكر النفس وانتبه له فإنه أخفى من كل خافية، وهو الذي أهلك من هلك، سُئِلَ أبو حفص في قوله: {أية : إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ}تفسير : [الرعد: 36] بالعبودية، قال: ترك ما لك ملازمة ما عليك مما أمرت به، وقال أبو عثمان: العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الآمر. وسُئِلَ سهل بن عبد الله: متى يصح للعبد مقام العبودية؟ قال: إذا ترك تدبيره ورضي بتدبير الله تعالى فيه، وقال الشيخ رضي الله عنه: العبودية محو حظوظ العبد في إثبات حقوق الرب، وبذل الوجود في نيل المقصود من العبودية. وقال الحسن بن الفضل في قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً}تفسير : [الرعد: 37] تصح حكم العافية؛ لأنه لا حكم ينفرد به العرب إلا حكم العافية، وقال بعضهم: أحكام العرب السخاء والشجاعة وهما من عُرتي الإيمان. قال جعفر الصادق في قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] أي: للرؤية وقت، وقال ابن عطاء: لكل علم بيان، ولكل إنسان عبادة، ولكل عبادة طريقة، ولكل طريقة من لم يتميز بين هذا الأحوال فليس له أن يتكلم. وعن الواسطي في قوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] قال: منهم من جذبة الحق ومحاه عن نفسه بنفسه، ومنهم من فني عن الحق بالحق فيقام الحق بالحق عن الربوبية فضلاً عن العبودية، وقيل: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من شواهده حتى لا يكون على سر غير ربه ويثبت من يشاء في ظلمة مشاهدة حتى يكون غائباً عن ربه أبداً. وقال ابن عطاء: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} عن رسوم الشواهد والأعراض وكلما يورد على سره من عظمته وهيبته وألوان أنواره فقد آتاه وأحضره، ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوع له بعدوه والغائب لا مرجوع له بعدوه ولا سبيل بعدوه إليه. وقال الواسطي: يمحوهم عن شاهدهم وغيبهم في شواهد الحق، ويمحوهم من شهود العبودية وأوصافها ما يشاء في شواهدهم ويمحو رسم نفوسهم ويثبتهم برسمه. وقال ذو النون: العافية في قميص العبودية إلى أبد الأبدية، ومنهم من هو أرفع منهم درجة عليه شاهده الربوبية، ومنهم من هو أرفع درجة منهم درجة جذبهم الحق محاهم عن نفوسهم وأثبتهم عنده كذلك، قال: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}. وقال سهل: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من الأشياء {وَيُثْبِتُ} الأشياء في عنده {أُمُّ ٱلْكِتَابِ} القضاء المبرم الذي لا زيادة فيه ولا انقضاء. وقال ابن عطاء: {يَمْحُواْ} أوصافهم {وَيُثْبِتُ} أسرارهم؛ لأنه موضع الشهادة. وقال الشبلي: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من الأسباب {وَيُثْبِتُ} ما يشاء من الأقدار، وقال بعضهم: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} يكشف من قلوب أهل محبة أحزان الشوق إليه {وَيُثْبِتُ} تبجيل أهل السرور والفرح به. وقال بعضهم: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من قلوب أعدائه آثار حكمه وأنوار بره {وَيُثْبِتُ} في قلوب أوليائه ما أجرى عليها من معرفة نعوته منهم المقدمون في الأوقات والقائلون بحقوق الله من غير كلفة ولا شدة. قال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر محمد الصادق قال: يمحو الكفر ويثبت الإيمان، ويمحو النكرة ويثبت المعرفة، ويمحو الغفلة ويثبت الذكر، ويمحو الهدى ويثبت العلم، ويمحو البغض ويثبت المحبة، ويمحو الضعف ويثبت القوة، ويمحو الشك ويثبت اليقين، ويمحو الهوى ويثبت الحق على هذه النسق، ودليله {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29] {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 39]. قال جعفر الكتاب: قدر فيه السعادة والشقاوة فلا يزاد فيه ولا ينقص، كما قال تعالى: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق: 29] قال الشيخ رضي الله عنه: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من الأخلاق الذميمة النفسانية {وَيُثْبِتُ} ما يشاء من الأخلاق الحميدة الروحانية للعوام، ويمحو من الأخلاق الروحانية ويثبت من الأخلاق الربانية للخواص، ويمحو آثار الوجود ويثبت أنوار الجود لأخص الخواص {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]. {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} وهو العلم الأزلي الأولي السرمدي القائم بذاته تعالى {أية : أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [الطلاق: 12] بلا زيادة ولا نقصان {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}تفسير : [الرعد: 8]. وفي قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] قال محمد بن علي الباقر: يخرب الأرضون بذهاب أهل الولاية من بينهم، فلا يكون لهم مرجع في وقت محنتهم ونوائبهم فتواتر عليهم المحن فلا يكون فيهم من يكشف الله عنهم بدعائه فتخرب. قال أبو عثمان: هم الذين ينصحون عباد الله ويحملون على طاعة الله فإذا ماتوا مات بموتهم من يصحبهم. وفي قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} [الرعد: 42] قال بان عطاء الله: المكر الحقيقي ما مكر بهم الحق حتى توهموا أنهم يمكرون ولم يعلموا أنه مكر بهم حيث سهل لهم سبيل المكر. وقال الحسن: لا مكر أعظم من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم إليه سبيل أو للحدث اقتران مع القدم في وقت، والحق ثابت وصفاته ثابتة إن يكون ذكروا فلأنفسهم وإن شكروا فلأنفسهم، وإن أطاعوا فنلجاة أنفسهم ليس للحق منهم شيء مجال؛ لأنه الغني القهار. وفي قوله: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} قال سهل: الكتاب عزيز وعلم الكتاب أعز، وعلم الكتاب عزيز والعمل به أعز، والإخلاص في العمل أعز والإخلاص عزيز، والمشاهدة أعز والمشاهدة عزيزة في الموافقة أعز والموافقة عزيزة، والأنس في الموافقة أعز والأنس عزيز، وآداب محل الأنس أعز وصلى الله على محمد وآله الطيبين أجمعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لست أول رسول أرسل إلى الناس حتى يستغربوا رسالتك، { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً } فلا يعيبك أعداؤك بأن يكون لك أزواج وذرية، كما كان لإخوانك المرسلين، فلأي شيء يقدحون فيك بذلك وهم يعلمون أن الرسل قبلك كذلك؛ إلا لأجل أغراضهم الفاسدة وأهوائهم؟ وإن طلبوا منك آية اقترحوها فليس لك من الأمر شيء. { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } والله لا يأذن فيها إلا في وقتها الذي قدره وقضاه، { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، فليس استعجالهم بالآيات أو بالعذاب موجبا لأن يقدم الله ما كتب أنه يؤخر مع أنه تعالى فعال لما يريد. { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من الأقدار { وَيُثْبِتُ } ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.