Verse. 1746 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

يَمْحُوا اللہُ مَا يَشَاۗءُ وَيُثْبِتُ۝۰ۚۖ وَعِنْدَہٗۗ اُمُّ الْكِتٰبِ۝۳۹
Yamhoo Allahu ma yashao wayuthbitu waAAindahu ommu alkitabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يمحو الله» منه «ما يشاء ويثبت» بالتخفيف والتشديد فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها «وعنده أم الكتاب» أصله الذي لا يتغير منه شيء وهو ما كتبه في الأزل.

39

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} أي يمحو من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به. «وَيُثْبِتُ» ما يشاء؛ أي يؤخره إلى وقته؛ يقال: محوت الكتاب محواً، أي أذهبت أثره. «وَيُثْبِتُ» أي ويثبِته؛ كقوله: {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] أي والذاكرات الله. وقرأ ٱبن كثيِر وأبو عمرو وعاصم «وَيُثْبِتُ» بالتخفيف، وشَدّد الباقون؛ وهي قراءة ٱبن عباس، وٱختيار أبي حاتم وأبي عبيد لكثرة من قرأ بها؛ لقوله: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [إبراهيم: 27]. وقال ٱبن عمر: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت»تفسير : . وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء؛ الخَلق والخُلُق والأجل والرزق والسعادة والشقاوة؛ وعنه: هما كتابان سوى أمّ الكتاب، يمحو الله منهما ما يشاء ويثبت. {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} الذي لا يتغيّر منه شيء. قال القُشَيْريّ: وقيل السعادة والشقاوة والخَلق والخُلُق والرزق لا تتغير؛ فالآية فيما عدا هذه الأشياء؛ وفي هذا القول نوع تحكّم. قلت: مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفاً، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء، وهو الأظهر والله أعلم؛ وهذا يروى معناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وٱبن مسعود وأبي وائل وكعب الأحبار وغيرهم، وهو قول الْكَلْبِيّ. وعن أبي عثمان النَّهْدِيّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وقال ابن مسعود: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فٱمحني من الأشقياء وٱكتبني في السعداء؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت؛ وعندك أمّ الكتاب. وكان أبو وائل يكثر أن يدعو: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامح وٱكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبِت وعندك أمّ الكتاب. وقال كعب لعمر بن الخطاب: لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ». وقال مالك بن دينار في المرأة التي دعا لها: اللهم إن كان في بطنها جارية فأبدِلها غلاماً فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب. وقد تقدّم في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سَرّه أن يُبْسَط له في رزقه ويُنْسَأَ له في أثَرِهِ فلْيَصِلْ رَحِمَه»تفسير : . ومثله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ أَحَبَّ» تفسير : فذكره بلفظه سواء؛ وفيه تأويلان: أحدهما: معنوي، وهو ما يبقى بعده من الثناء الجميل والذكر الحسن، والأجر المتكرر، فكأنه لم يمت. والآخر: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ؛ والذي في علم الله ثابت لا تبدّل له، كما قال: «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ». وقيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أحبّ أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله ولْيَصِلْ رَحمَه» تفسير : كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله عز وجل: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} تفسير : [الأنعام: 2]. فالأجل الأوّل أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني ـ يعني المسمى عنده ـ من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البَرْزخ لا يعلمه إلا الله؛ فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحِمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البَرْزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أَجَل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البَرْزَخ؛ فإذا تحتم الأَجل في علمه السابق ٱمتنع الزيادة والنقصان؛ لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [يونس: 61] فتوافق الخبر والآية؛ وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأَجَل على ظاهر اللفظ، في ٱختيار حبر الأمة، والله أعلم. وقال مجاهد: يُحكم الله أمر السَّنَة في رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة؛ وقد مضى القول فيه. وقال الضّحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحَفَظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب؛ وروى معناه أبو صالح عن ٱبن عباس. وقال الْكَلْبِي: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سئل الكَلْبِي عن هذه الآية فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. وقال قَتَادة وٱبن زيد وسعيد بن جُبَيْر: يمحو الله ما يشاء من الفرائض والنوافل فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أمّ الكتاب؛ ونحوه ذكره النحاس والمهدويّ عن ابن عباس؛ قال النحاس: وحدّثنا بكر بن سهل، قال حدّثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، «يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ» يقول: يبدل الله من القرآن ما يشاء فينسخه، «ويثبت» ما يشاء فلا يبدله، «وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» يقول: جملة ذلك عنده في أمّ الكتاب، الناسخ والمنسوخ. وقال سعيد بن جُبَير أيضاً: يغفر ما يشاء ـ يعني ـ من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره. وقال عِكرمة: يمحو ما يشاء ـ يعني بالتوبة ـ جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات (قال تعالى): {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [مريم: 25] الآية. وقال الحسن: «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ» من جاء أجله، «وَيُثْبِتُ» من لم يأت أجله. وقال الحسن: يمحو الآباء، ويثبت الأبناء. وعنه أيضاً: يُنْسى الحفظة من الذنوب ولا يُنْسَى. وقال السدّي: «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ» يعني: القمر، «وَيُثْبِتُ» يعني: الشمس؛ بيانه قوله: {أية : فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} تفسير : [الإسراء: 12] وقال الربيع بن أنس: هذا في الأرواح حالة النوم، يقبضها عند النوم، ثم إذا أراد موته فجأة أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته وردّه إلى صاحبه؛ بيانه قوله:{أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] الآية. وقال عليّ بن أبي طالب يمحو الله ما يشاء من القرون، كقوله: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} تفسير : [يۤس: 31] ويثبت ما يشاء منها، كقوله: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} تفسير : [المؤمنون: 31] فيمحو قَرْناً، ويثبت قرناً. وقيل: هو الرجل يعمل الزمن الطويل بطاعة الله، ثم يعمل بمعصية الله فيموت على ضلاله؛ فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله الزمان الطويل ثم يتوب، فيمحوه الله من ديوان السيئات، ويثبته في ديوان الحسنات؛ ذكره الثعلبيّ والماورديّ عن ٱبن عباس. وقيل: يمحو الله ما يشاء ـ يعني الدنيا ـ ويثبت الآخرة. وقال قيس بن عُبَاد في اليوم العاشر من رجب: هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما يشاء، ويثبت فيه ما يشاء؛ وقد تقدّم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان. وقال ٱبن عباس: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام، من درّة بيضاء، لها دَفّتان من ياقوتة حمراء للَّهِ فيه كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء. وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله سبحانه يفتح الذكر في ثلاث ساعات يَبقين من الليل فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء». تفسير : والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله؛ وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء، وقد تقدّم أن من القضاء ما يكون واقعاً محتوماً، وهو الثابت؛ ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب، وهو الممحوّ، والله أعلم. الغزنوِيّ: وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة؛ فيحتمل التبديل؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال؛ وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدّل. {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي أصل ما كتب من الآجال وغيرها. وقيل: أمّ الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يبدّل ولا يغير. وقد قيل: إنه يجري فيه التبديل. وقيل: إنما يجري في الجرائد الأخر. وسئل ٱبن عباس عن أمّ الكتاب فقال: عِلْم الله ما هو خالق. وما خلْقُه عاملون؛ فقال لعلمه: كن كتاباً، ولا تبديل في علم الله، وعنه أنه الذِّكْر؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [الأنبياء: 105] وهذا يرجع معناه إلى الأوّل؛ وهو معنى قول كعب. قال كعب الأحبار: أمّ الكتاب عِلم الله تعالى بما خَلَق وبما هو خالق.

البيضاوي

تفسير : {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاءُ} ينسخ ما يستصوب نسخه. {وَيُثْبِتُ} ما تقتضيه حكمته. وقيل يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها. وقيل يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ويترك غيره مثبتاً أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه. وقيل يمحو قرناً ويثبت آخرين. وقيل يمحو الفاسدات الكائنات. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي {وَيُثَّبتُ} بالتشديد. {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَمْحُو ٱللَّهُ } منه {مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } - بالتخفيف والتشديد - فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ } أصله الذي لا يتغير منه شيء وهو ما كتبه في الأزل.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ} من أمور الخلق فيغيرها إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران "ع"، أو له كتابان أحدهما أم الكتاب لا يمحو منه شيئاً، والثاني يمحو منه ما يشاء ويثبت كلما أراد أن ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، أو يمحو ما جاء أجله ويثبت من لم يأت أجله، أو يمحو ما يشاء من الذنوب بالمغفرة ويثبت ما يشاء فلا يغفره، أو يختم للرجل بالشقاء فيمحو ما سلف من طاعته أو يمحو بخاتمته من السعادة ما تقدم من معصيته"ع" (أم الكتاب) حلاله وحرامه، أو جملة الكتاب، أو علم الله ـ تعالى ـ بما خلق وما هو خالق، أو الذكر "ع" أو الكتاب الذي لا يبدل، أو أصل الكتاب في اللوح المحفوظ.

النسفي

تفسير : {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء } ينسخ ما يشاء نسخه {وَيُثَبِّتُ} بدله ما يشاء أو يتركه غير منسوخ أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء ويثبت غيره أو يمحو كفر التائبين ويثبت إيمانهم أو يميت من حان أجله وعكسه {ويثبّت} مدني وشامي وحمزة وعلي {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } فيما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ } أرض الكفرة {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة، والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } لا راد لحكمه والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقبه أي يقفيه أي بالرد والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس، ومحل {لا معقب لحكمه} النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه كما تقول: جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة له تريد حاسراً {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ...}: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه. قال * ع *: وأصوَبُ ما يفسَّر به {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ }: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ؛ قال نحوه قتادة، وقوله سبحانه: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ }: «إِن»: شرطٌ دخلَتْ عليها «ما»، وقوله: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ }، «أو» عاطفةٌ، وقوله: {فَإِنَّمَا }: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ }: عائد على كفَّار قريش؛ كالذي في {نَعِدُهُمْ }. وقوله: {نَأْتِي}: معناه: بالقُدْرة والأمر. و{ٱلأَرْضَ }: يريد بها ٱسْم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضاً؛ قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيَّةٌ، ومَنْ قال: إِن الأَرْضَ ٱسْمُ جنسٍ، جعل ٱنتقاصَ الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل: ٱلانتقاصُ بمَوْت البشر، ونقْصِ الثمار والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ؛ قاله ابن عباس أيضاً، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها؛ وعن وكيع نحوه. وقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين. قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضاً حسن. انتهى. وقوله سبحانه: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا }: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكراً على عُرْفِ تسمية العقوبة بٱسْمِ الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً }: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ؛ ويقولون: لستَ مرسلاً. {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا }: أي: شاهداً بيني وبينكم، {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ }: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصَحْبِهِ وسلَّم تسليماً.

ابو السعود

تفسير : {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء} أي ينسخ ما يشاء نسخَه من الأحكام لما تقتضيه الحكمةُ بحسب الوقت {وَيُثَبّتْ} بدلَه ما فيه المصلحةُ أو يبقيه على حاله غيرَ منسوخ أو يثبتُ ما شاء إثباتَه مطلقاً أعمَّ منهما ومن الإنشاء ابتداءً، أو يمحو من ديوان الحفَظةِ الذين ديدنُهم كَتْبُ كلِّ قولٍ وعملِ ما لا يتعلق به الجزاءُ ويثبت الباقيَ، أو يمحو سيئاتِ التائبِ ويثبت مكانها الحسنةَ أو يمحو قَرْناً ويثبت آخرين أو يمحو الفاسداتِ من العالم الجُسماني ويثبت الكائناتِ، أو يمحو الأجل أو السعادة والشقاوة، وبه قال ابن مسعود وابنُ عمر رضى الله عنهم والقائلون به يتضرعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداءَ وهذا رواه جابر عن النبـي عليه الصلاة والسلام، والأنسبُ تعميمُ كل من المحو والإثبات ليشمل الكل، ويدخلُ في ذلك موادُّ الإنكار دخولاً أولياً وقرىء بالتشديد {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} أي أصلُه وهو اللوحُ المحفوظُ إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوبٌ فيه كما هو. {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} أصلُه إنْ نُرِكَ وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ومن ثمةَ أُلحقت النون بالفعل {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ} أو وعدناهم من إنزال العذابِ عليهم، والعدولُ إلى صيغة المضارع لحكاية الحالِ الماضيةِ أو نعدهم وعداً متجدداً حسبما تقتضيه الحكمةُ من إنذار، وفي إيراد البعض رمزٌ إلى إراءة بعض الموعودِ {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} أي تبليغُ أحكام الرسالةِ بتمامها لا تحقيقُ مضمون ما بلّغته من الوعيد الذي هو من جملتها {وَعَلَيْنَا} لا عليك {ٱلْحِسَابِ} محاسبةُ أعمالهم السيئةِ والمؤاخذةُ بها أي كيفما دارت الحالُ أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي أو لم نُرِكَه فعلينا ذلك وما عليك إلا تبليغُ الرسالة فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتمّ ما وعدناك من الظفر ولا يُضجِرْك تأخرُه فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفيةِ ثم طيَّب نفسَه عليه الصلاة والسلام بطلوع تباشيره فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} استفهامٌ إنكاري والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزولَ ما وعدناهم أو أشكّوا أو ألم ينظرُوا في ذلك ولم يرَوا {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ} أي أرضَ الكفر {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بأن نفتحها على المسلمين شيئاً فشيئاً ونُلحقَها بدار الإسلام ونُذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاءِ أليس هذا من ذلك؟ ومثلُه قوله عز سلطانه: { أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [الأنبياء: 44] وقوله: ننقُصها حالٌ من فاعل نأتي أو من مفعوله، وقرىء نُنَقصها بالتشديد وفي لفظ الإتيان المؤذِن بالاستواء المحتوم والاستيلاءِ العظيم من الفخامة ما لا يخفى كما في قوله عز وجل: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً}. تفسير : [الفرقان: 23] {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ} ما يشاء وقد حكم للإسلام بالعزة والإقبال، وعلى الكفر بالذلة والإدبار حسبما يشاهَد من المخايل والآثار، وفي الالتفات من التكلم إلى الغَيبة وبناءِ الحُكم على الاسم الجليل من الدِلالة على الفخامة وتربـية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى، وهي جملة اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها وقوله تعالى: {لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ} اعتراضٌ في اعتراض لبـيان علوّ شأن حكمِه جل جلاله، وقيل: نصبٌ على الحالية، كأنه قيل: والله يحكمُ نافذاً حكمُه، كما تقول: جاء زيد لا عمامةٌ على رأسه أي حاسراً، والمعقّب من يكُرّ على الشيء فيبطله وحقيقتُه مِن يعقّيه ويقفّيه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقّب لأنه يقفّي غريمَه بالاقتصاء والطلب {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} فعما قليلٍ يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بأفانينِ العذاب غِبّ ما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاءِ حسبما يُرى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سريعُ الانتقام.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}[39] قال: يمحو الله ما يشاء من الأسباب، ويثبت الأقدار، وعنده أم الكتاب. قال: القضاء المبرم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} [الآية: 39]. قال الواسطى: منهم من جَدَّ بهم الحق ومحاهم عن نفوسهم بنفسه وقال: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} فمن فنى عن الحق بالحق لقيام الحق بالحق فنى عن الربوبية فضلاً عن العبودية، وقيل: يمحُو الله ما يشاء من شواهد العبد حتى لا يكون على سره غير ربه، ويثبت من يشاء فى ظلمات شاهده حتى يكون غائبًا أبدًا عن ربه. وقال ابن عطاء: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} عن رسوم الشواهد، والأعراض، وكلما يورد على سره من عظمته وحرمته وهيبته ولو غاب أنواره، فمن أثبته فقد أحضره ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوعه لا يعدوه. قال الواسطى: يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم فى شواهدهم ويمحوهم عن شواهدهم، ويثبتهم فى شاهد الحق، ويمحو رسوم نفوسهم عن نفوسهم، ويثبتهم برسمه. قال ذو النون: العامة فى قصص العبودية إلى أبد الأبد، ومنهم من هو أرفع منهم درجة، غلبت عليهم مشاهدة الربوبية ومنهم من أرفع منهم درجة جد بهم الحق ومحاهم عن نفوسهم وأثبتهم عنده، لذلك قال: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}. قال سهل: يمحو الله ما يشاء ويثبت الأسباب، وعنده أم الكتاب القضاء المبرم الذى لا زيادة فيه ولا نقصان. قال محمد بن الفضل: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} من نسخ محكم الشرائع وإثباتها، وقال أيضًا: يمحُو الإيمان من سِرّ من يشاء، ويثبته فى سر من يشاء. قال ابن عطاء: يمحُو الله أوصافهم ويثبت أسرارهم لأنه موقع المشاهدة. سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت الشبلى يقول فى قوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قال: يمحو ما يشاء من شهود العبودية، وأوصافها، ويثبت ما يشاء من شهود الربوبية ودلائلها. وقال سهل: يمحو الله ما يشاء من الأسباب ويثبت الأقدار. قال بعضهم: يمحو الله ما يشاء يكشفه عن قلوب أهل محبته إخوان الشوق إليه، ويثبت بتجلّيه لها، السرور والفرح به. وقال بعضهم: يمحو الله من قلوب أعدائه آثار حكمته وأنوار بره، ويثبت فى قلوب أوليائه ما أجرى عليها من معرفة نعوته، فهم المقدمون فى الأوقات والقائمون بحقوق الله تعالى من غير كلفة ولا شك. سمعت منصور بن عبد الله: يقول: سمعت أبا القاسم السكندرى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول عن على بن موسى الرضا عن أبيه: عن جعفر بن محمد قوله: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} قال: يمحو الكفر ويثبت الإيمان، ويمحو النكرة ويثبت المعرفة، ويمحو الغفلة ويثبت الذكر، ويمحو البغض ويثبت المحبة، ويمحو الضعف ويثبت القوة، ويمحو الجهل ويثبت العلم، ويمحو الشك ويثبت اليقين، ويمحو الهوى ويثبت العقل على هذا الشق ودليله {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن: 29] محو أو إثبات. قوله عز وجل: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الآية: 39]. قال جعفر: الكتاب الذى قدر فيه الشقاء والسعادة فلا يزاد فيه ولا ينقص منه {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} تفسير : [ق: 29] والأعمال، أعلام فمن قدَّر له السعادة ختم له بالسعادة، ومن قدَّر عليه الشقاوة ختم له بها. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون ما بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه، وبينها إلا ذراع، فيختم عليه الكتاب السابق فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ".

القشيري

تفسير : المشيئة لا تتعلق بالحدوث، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث. فصفات ذات الحق - سبحانه - من كلامه وعلمه، وقوْلِه وحُكْمِه لا تدخل تحت المحو والإثبات، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله؛ المحوُ يرجع إلى العَدَم، والإثباتُ إلى الإحداثِ، فهو يمحو من قلوب الزُّهاد حُبَّ الدنيا ويُثْبِتُ بَدَلَه الزهدَ فيها، كما في خبر حارثَةَ: "عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حَجَرُها وذهَبُها". ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظَ، ويُثْبِتُ بدلها حقوقَه تعالى، ويمحو عن قلوب المُوحِّدين شهودَ غير الحق ويثبت بَدَلَه شهود الحق، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية. ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم، ويثبتهم بشاهد الحق. ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقِّ فيكون محواً عن الخْلق مثبتاً بالحق للحق. ويقال يمحو العبد فلا يجري عليه حكم التدبير، ويكون محواً بحسب جريان أحكام التقدير، ويثبت سلطانَ التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء. ويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذِكْرَ الحق, ويثبت بَدَلَه غلبات الغفلةِ وهواجِمَ النسيان. ويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة، ويثبت بدلها الرجوعَ إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة. ويقال يمحو أوضارَ الزَّلَّة عن نفوس العاصين، وآثار العصيان عن ديوان المذنبين (ويثبت) يدل ذلك لَوْعَةَ النَّدم، وإنكسار الحَسْرَةِ، والخمودَ عن متابعة الشهوة. ويقال يمحو عن ذنوبهم السيئةَ، ويثبت بدلها الحسنة، قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]. ويقال يمحو الله نضارةَ الشباب ويثبت ضعفَ المشيب. ويقال يمحو عن قلوب الراغبين في مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار صحبتهم، ويثبت بدلاً منه الزهد في صحبتهم والاشتغال بعِشْرَتِهِم. ويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صَفَتْ من الغيب، وليالٍ كانت مُضاءةً بالزلفة والقربة ويثبت بدلاً منه ذلك أياماً في أشدُّ ظلاماً من الليالي الحنادس، وزمانا يجعل سَعَةَ الدنيا عليهم محابِس. ويقال يمحو العارفين بكشف جلاله، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله. ويقال يمحوهم إذا تجلَّى لهم، ويثبتهم إذا تعزَّز عليهم. ويقال يمحوهم إذا ردّهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار والانكسار، ويثبتهم إذا تجلَّى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار، ويشهدون بحكم الافتخار. قوله جلّ ذكره {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}. قيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق به عِلْمُه وحُكْمُه مما لا تبديلَ ولا تغييرَ فيه. ويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يمحو الله ما يشاء} محوه {ويثبت} ما يشاء اثباته فينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما هو خير منه او مثله ويترك ما يقتضيه حكمته غير منسوخ. او يمحو سيآت التائب ويثبت الحسنات مكانها. او يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة وذلك لانهم مأمورون بكتب جميع ما يقول الانسان ويفعل فاذا كان يوم الاثنين والخميس يعارض ما كتبه الحفظة لما فى اللوح المحفوظ فينفى من كتاب الحفظة مالا جزاء له من ثواب وعقاب ويثبت ماله جزاء من احدهما ويترك مكتوبا كما هو فان كان فى اول الديوان وآخره خير يمحو الله ما بينهما من السيآت وان لم يكن فى اوله وآخره حسنات اثبت ما فيه من السيآت. واختلف هل يكتب الملك ذكر القلب فسئل سفيان بن عيينة هل يعلم الملكان الغيب فقال لا فقيل له فكيف يكتبان ما لا يقع من عمل القلب فقال لكل عمل سيما يعرف بها كالمجرم يعرف بسيماه اذا هم العبد بحسنة فاح من فيه رائحة المسك فيعلمون ذلك فيثبتونها واذا هم بسيئة واستقر عليها قلبه فاح منه ريح منتنة. وجعل النووى هذا اى كونهم يكتبون عمل القب اصح. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الملك لا سبيل له الى معرفة باطن البد فو قول اكثرهم انتهى. ويؤيده ما فى ريحان القلوب ان الذكر الخفى هو ما خفى عن الحفظة لا ما يخفض به الصوت وهو خاص به صلى الله عليه وسلم ومن له اسوة حسنة انتهى. يقول الفقير يحتمل ان الانسان الكامل لكونه حامل امانة الله ومظهر اسراره وخير البرية لا يطلع عليه الملك ويطلع على حال غيره لعلامات خفية عن البشر الزاما واحصاء لعمله كما قال تعالى {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها} تفسير : او يمحو ويثبت فى السعادة والشقاوة والرزق والاجل -روى- عن عمر رضى الله عنه انه كان يطوف بالبيت وهو يبكى ويقول اللهم ان كنت كتبتنى فى اهل السعادة فاثبتنى فيها وان كنت كتبتنى فى اهل الشقاوة فامحنى واثبتنى فى اهل السعادة والمغفرة لانك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ام الكتاب. وفى الاثر ان الرجل يكون قد بقى من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيرد الى ثلاثة ايام ويكون قد بقى من عمره ثلاثة ايام فيصل الى رحمه فيرد الى ثلاثين سنة. قال فى التأويلات النجمية لاجل اهل المشيئة والارادة فى حركاتهم وقت معين لوقوع الفعل فيه وكذا لاهل الاذن والرضى ثم يمحو الله ما يشاء لاهل السعادة من افاعيل اهل الشقاوة ويثبت لهم من افاعيل اهل السعادة ويمحو ما يشاء لاهل الشقاوة من افاعيل اهل السعادة ويثبت لهم من افاعيل اهل الشقاوة وعنده ام الكتاب الذى مقدر فيه حاصل امر كل واحد من الفريقين وخاتمتهم فلا يزيد ولا ينقص انتهى. يقول الفقير ان التغير والتبدل والمحو والاثبات انما هو بالنسبة الى السعادة والشقاوة العارضتين فانهما تقبلان ذلك بخلاف الاصليتين كما روى انه عليه السلام قال "حديث : اذا مضت على النطفة خمس واربعون ليلة يدخل الملك على تلك النطفة فيقول يا رب أشقى ام سعيد فيقضى الله ويكتب الملك فيقول يا رب أذكر ام انثى فيقضى الله ويكتب الملك فيقول عمله ورزقه فيقضى الله ويكتب الملك ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها" تفسير : فعلم ان بطن الام ناظر الى لوح الازل فلا يتغير ابدا واما عالم الحس فناظر الى اللوح وعلى هذا يحمل قول بعضهم {ان الله يمحو ما يشاء ويثبت} الا الشقاوة والسعادة والموت والحياة والرزق والعمر والاجل والخلق والخلق: كما قال السعدى قدس سره شعر : خوى بد در طبيعتى كه نشست نرهد جز بوقت مرك ازدست تفسير : فمعنى زيادة العمر بصلة الرحم ان يكتب ثواب عمله بعد موته فكأنه زيد فى عمره او هو من باب التعليق او الفرض والتقدير ويمحو الاحوال ويثبت اضدادها من نحو تحويل النطفة علقة ثم مضغة الى آخرها ويمحو الاعمال اذا كان كافرا ثم اسلم فى آخر عمره محيت الاعمال التى كانت فى حال كفره فابدلت حسنات كما قال تعالى {أية : الا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} تفسير : واذا كان مسلما ثم كفر فى آخر عمره محيت اعماله الصالحة فلم ينتفع بها كما قال تعالى {أية : وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} تفسير : فالله تعالى يمحو الكفر ويثبت الايمان ويمحو الجهل ويثبت العلم والمعرفة ويمحو الغفلة والنسيان ويثبت الحضور والذكر ويمحو البغض ويثبت المحبة ويمحو الضعف ويثبت القوة ويمحو الشك ويثبت اليقين ويمحو الهوى ويثبت العقل ويمحو الرياء ويثبت الاخلاص ويمحو البخل ويثبت الجود ويمحو الحسد ويثبت الشفقة ويمحو التفرقة ويثبت الجمع على هذا النسق ودليله {أية : كل يوم هو فى شأن} تفسير : محوا واثبا. قال الكاشفى [ابو درداء رضى الله عنه از حضرت نقل ميكندكه جون سه ساعت ازشب باقى ماند حق سبحانه وتعالى نظر ميكند در كتابى كه غير ازو هيجكس دران اطلاع نمى كند هرجه خواهد ازومحو كند وهرجه خواهد ثبت كند در فصول آورده كه محو كند رقوم انكارازقلوب ابرار واثبات كند بجاى آن رموز واسرار]. وقال الشبلى رحمه الله يمحو ما يشاء من شهود العبودية واوصافها ويثبت ما يشاء من شهود الربوبية ودلائلها. وقال ابن عطاء يمحو الله اوصافهم ويثبت اسرارهم لانها موضع المشاهدة. وفى التأويلات النجمية {يمحو الله ما يشاء} من الاخلاق الذميمة النفسانية {ويثبت} ما يشاء من الاخلاق الحميدة الروحانية للعوام ويمحو من الاخلاق الروحانية ويثبت من الاخلاق الربانية للخواص ويمحو آثار الوجود ويثبت آثار الجود لاخص الخواص كل شيء هالك الا وجهه [امام قشيرى ميفرمايد كه محو حظوظ نفسانى ميكند واثبات حقوق ربانى يا شهود خلق ميبرد وشهود حق مى آرد يا آثار بشريت محو ميكند وانوار احديت ثابت ميسازد ازان بنده مى كاهد وازان خود مى افزايد تاجنانجه باول خود بود بآخرهم خود باشد. شيخ الاسلام فرموده كه الهى جلال وعزت توجاى اشارت نكذاشت محو واثبات توراه اضافت برداشت ازان من كاست وازان تو مى فزود بآخر همان شدكه باول بود] شعر : محنت همه درنهاد آب وكل ماست بيش ازدل وكل جه بود آن حاصل ماست در عالم نيست خانه داشته ايم رفتيم بدان خانه كه سر منزل ماست تفسير : {وعنده} تعالى {ام الكتاب} العرب تسمى كل ما يجرى مجرى الاصل اما ومنه ام الرأس للدماغ وام القرى لمكة اى اصله الذى لا يتغير منه شيء وهو ما كتبه فى الازل وهو العلم الازلى الابدى السرمدى القائم بذاته وقد احاط بكل شيء علما بلا زيادة ولا نقصان وكل شيء عنده بمقدار وهو لوح من القضاء السابق فان الالواح اربعة لوح القضاء السابق الخالى عن المحو والاثبات وهو لوح العقل الاول ولوح القدر اى لوح النفوس الناطقة الكلية التى يفصل فيها كليات اللوح الاول ويتعلق باسبابها وهو المسمى باللوح المحفوظ ولوح النفوس الجزئية السماوية التى ينتقش فيها كل ما فى هذا العالم بشكله وهيآته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال العالم كما ان الاول بمثابة روحه والثانى بمثابة قلبه ثم لوح الهيولى القابل للصور فى عالم الشهادة. وفى الواقعات المحمودية اعلم ان اللوح معنوى وصورى. فالصورى ثمانية عشر الفا اصغرها فى هذا التعين وهو قابل للتغير والتبدل وقوله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويثبت} ناظر اليه. واما المعنوى فلا يقبل التغير والتبدل وليس له زمان ولا حجم وما ذكروا من ان اللوح ياقوتة حمراء اطرافه من زبرجد فهو اللوح الصورى. واما المعنوى ففى علم الله تعالى الازلى وهو لا يتغير ابدا وقد وقع الكل بارادة واحدة. وفى الوجود الانسانى ايضا لوحان جزئيان معنوى وصورى فالمعنوى الجزئى باب اللوح المعنوى الكلى والصورى للصورى فالصورى ينكشف لاكثر الاولياء واما المعنوى فلا يحصل الا لواحد بعد واحد. وفى موضع آخر منها جميع ما سوى الله تعالى مما كان وما سيكون من ارادة واحدة ازلية لا تكثر فيها ولا تغير ولا تبدل وهى المراد من قوله {أية : ما يبدل القول لدى} تفسير : واما قوله {يمحو الله ما يشاء ويثبت} فناظر الى تعلقات تلك الارادة الازلية التى هى من الصفات الحقيقية بالمحدثات على ما تقتضيه حكمته ومن جملتها افعال العبودية فتصدر منهم بارادتهم الحادثة واختبارهم الجزئى بمعنى انهم يصرفون اختيارهم الى جانب افعالهم فيخلقها الله سبحانه فالكسب منهم والخلق من الله فلا يلزم الجبر والاعمال اعلام فمن قدر له السعادة ختم بالسعادة ومن قدر له الشقاوة ختم بالشقاوة وفى الحديث "حديث : ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها" تفسير : وقوله عليه السلام فى الحديث "حديث : فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" تفسير : وقوله "حديث : فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" تفسير : تنبيه على سببية العمل فى الجانبين حيث لم يقل فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار او الجنة بل ذكر العمل ايضا كما لا يخفى على المتفطن. واعلم ان الله تعالى علق كثيرا من العطايا على الاعمال الصالحة وامر العباد بها وفى الحديث "حديث : الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل " تفسير : وفى الاحياء ان قيل ما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له قلنا ان من جملة القضاء كون الدعاء سببا لرد البلاء واستجلاب الرحمة وصار كالترس فانه لما كان لرد السهم لم يكن حمله مناقضا للاعتراف بالقضاء فكذا الدعاء فقدر الله الامر وقدر سببه. قال الحسن البصرى طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال علامة الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل فعلى العاقل ان يجتهد فى اعمال البر ويكف النفس عن الهوى الى ان يجيئ الاجل: قال الكمال الخجندى قدس سره شعر : بكوش تابكف آرى كليد كنج وجود كه بى طلب نتوان يافت كوهر مقصود

الطوسي

تفسير : وجه اتصال هذه الآية بما تقدم هو أنه لما قال {لكل أجل كتاب} اقتضى ان يدخل فيه اعمال العباد، فبين ان الله يمحو ما يشاء، ويثبت، لئلا يتوهم ان المعصية مثبتة بعد التوبة، كما هي قبل التوبة. وقيل: ان مما يمحا ويثبت الناسخ والمنسوخ. وقيل يمحو ما يشاء، ويثبت، مما يثبته الملكان، لأنه لا يثبت الا الطاعات والمعاصي دون المباحات. وقيل معناه يمحو ما يشاء من معاصي من يريد التفضل عليه باسقاط عقابه، ويثبت معاصي من يريد عقابه. والحسنة يثبتها الله قبل فعلها، بمعنى أنهم سيعملونها، فاذا عملوها أثبتها بأنهم عملوها، فلذلك أثبت في الحالين، والوجه في اثباته ما يكون فيه من المصلحة والاعتبار لمن يفكر فيه بأن ما يحدث، على كثرته وعظمه، قد أحصاه الله وكتبه، وذلك لا سبيل اليه الا من جهة علام الغيوب الذى يعلم ما يكون قبل أن يكون، واعتبار المشاهدة له من الملائكة إِذا قابل ما يكون بما هو مكتوب، مع أنه أهول في الصدور، وأعظم في النفوس مما يتصور معه، حتى كان المفكر فيه مشاهد له. و (المحو) إِذهاب أثر الكتابة محاه يمحوه محواً وإِمحاء أيضاً، وأمَّحا إمّحاء وامتحا امتحاء. والاثبات الاخبار بوجود الشيء، ونقيضه النفي، وهو الاخبار بعدم الشيء. وقال ابن عباس ومجاهد: إنه تعالى لا يمحو الشقاء والسعادة، وهذا مطابق لقول اصحاب الوعيد. وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود: هما يمحيان مثل سائر الأشياء، وهذا مطابق لقول المرجئة من وجه. وقوله {وعنده أم الكتاب} معناه أصل الكتاب، لانه يكتب أولاً: سيكون كذا وكذا، لكل ما يكون، فاذا وقع كتب أنه قد كان ما قيل أنه سيكون. وقيل: أصل الكتاب، لان الكتب التي أنزلت على الانباء منه نسخت وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم و {يثبت} خفيفة. الباقون مشدَّدة. قال أبو علي: المعنى يمحو الله ما يشاء ويثبته، فاستغني بتعدية الاول من الفعلين عن تعدية الثاني، كما قال {أية : والحافظين فروجهم والحافظات}تفسير : وزعم سيبويه أن من العرب من يعمل الاول من الفعلين، ولا يعمل الثاني في شيء، كقولهم متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً، قال الشاعر: شعر : بأي كتاب ام بأية سنة ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب تفسير : فلم يعمل الثاني. وقالوا {أم الكتاب} هو الذكر المذكور في قوله {أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذِّكر}تفسير : قال فحجة من شدّد قوله {أية : وأشدّ تثبيتاً} تفسير : وقرأ {ويثبّت} لان تثبيت مطاوع ثبت وحجة من قال بالتخفيف ما روي عن عائشة: أنه كان إِذا صلى صلاة أثبتها، قال: وثابت مطاوع ثبت، كما أن يثبت مطاوع ثبت.

الجنابذي

تفسير : {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} فلا تتركوا الدّعاء والصّدقات وصلة الارحام {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} الّذى فيه كلّ شيءٍ من غير تغييرٍ حتّى محو المثبت واثبات ما لم يكن، وكتاب المحو والاثبات فى مقام العلم هو النّفوس الجزئيّة المتقدّرة بالاشباح النّوريّة المعبّر عنها بعالم المثال، وكتاب المحو والاثبات العينىّ هو عالم الطّبع.

اطفيش

تفسير : {يمحُوا الله ما يشاء} وحذفت الواو فى الخط شذوذا كما حذفت نطقا {اللّهُ ما يشاءُ} من الشرائع والفرائض بالنسخ {ويُثبتُ} ما يشاء أن لا ينسخه، أو يثبت ما يشاء بدل ما نسخ لحسب المصلحة، قاله سعيد بن جبير، وقتادة، وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو بإسكان المثلثة وتخفيف الموحدة وتفسير المحو والتثبيت بالنسخ والإحكام بكسر الهمزة هو الصحيح، كما يدل عليه عبارة الكشاف. قال البوصيرى فى الرد على أهل الكتاب فى إنكار النسخ: وأراهم من يجعل الواحد القهار فى الخلق فاعلا ما يشاء، أى لامتناع النسخ عليه يستلزم قهره وعجزه، قال: جوزوا النسخ مثل ما جوزوا النسخ عليهم، ولأنهم فقهاء، أى لو كانوا فهماء لجوزوا نسخ كتاب بآخر، ونسخ بعض كتاب بالبعض الآخر، كما أقروا بمسخ طائفة منهم قردة وخنازير، قال: هو إلا أن يرفع الحكم بالحكم، وخلق فيه وأمر سواء، أى وخلق فى المسخ للصورة الثانية بعد إذهاب صورته الأولى، وأمر أى تصرف بمنع الحكم الأول، وإيجاد الثانى فى النسخ، فالمسخ والنسخ سواء، قال الشاعر: شعر : ولحكم من الزمان انتهاء ولحكم من الزمان ابتداء تفسير : وقال الحسن: يمحو الله أجل من انقضى أجله من الكتاب، ويثبت فيه أجل من لم ينقض أجله، ويثبت أجل من حدث، وكذلك الحيوان والجمادات، وقيل: يكتب المكان كل ما فعل المكلف، فإذا كان يوم الاثنين والخميس محى من كتاب ما لا ثواب ولا عقاب عليه، وأثبت ما عليه ثواب أو عقاب، وهو قول الضحاك والكلبى. وقال عكرمة: يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم، ويبدل السيئات حسنات فيثبتها فى مكان السيئات. وقال ابن عباس: يمحو حسنات من مات على الضلالة، ويثبت حسنات من مات فى الطاعة. وفى رواية عن الحسن: يمحو ذنوب من يشاء، ويثبت ذنوب من يشاء، وقيل: يمحو ما ظهر للملائكة أنه ذنب، وليس ذنبا عند الله تعالى، لاطلاعه على ما فى القلب، ويثبت ما عمل بقلبه من خير ولم تعلم به الملائكة. وقيل: يمحو أحكام السنة الماضية، ويثبت أحكام المستقبلة، وذلك أول السنة، أو ليلة النصف من شعبان قولان أصحهما الثانى وقال مجاهد: ليلة القدر، وقال الربيع: يمحو روح النائم بإمساكها فيموت، ويثبت روح الآخر بإرسالها إليه. وقيل: يثبت توجيه المصيبة إلى أحد، وقد لم أنه لا تصيبه، ثم يمحوها بالدعاء والصدقة، مثل أن يقصدك ظالم أو أسد فينجيك الله منه بدعاء أو صدقه. وقيل: يمحو قرنا ويثبت آخرين، وقال السدى: يمحو القمر بإزالة نوره شيئا فشيئا، ويثبت الشمس. وأخرج الطبرانى بسند ضعيف، عن ابن عمر، حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يمحو الله ما يشاء إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت تفسير : ،وكذا فى رواية عن ابن عباس بزيادة الرزق فى الاستثناء مع الأجل. قيل: الآية عامة فى كل شئ حتى الخمسة المذكورة، ونسب لعمرو ابن مسعود: قيل: كانا يطوفان ويبكيان ويقولان: اللهم إن كنت كتبتنى من أهل السعادة فاثبتنى فيها، وإن كنت كتبتنى فى أهل الشقاوة فامحنى منها، واثبتنى فى أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك امّ الكتاب. وعن عمر أنه كان يطوف ويقول: اللهم إن كنت كتبت على ذنبا أو إثما أو ضغثا أى لغو فامحه عنى، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه"تفسير : فإن صح هذا فقد مر توجيه الزيادة، وأما النقص فبأن يكتب الله فى الأزل بلا أول: إن أجل فلان أو رزقه قليل. وأخرج أيضا، عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يمحو الله ما يشاء ويثبت كل ليلة القدر، يرفع ويجير ويرزق غير الحياة والموت والشقاء والسعادة فإن ذلك لا يبدل"تفسير : فإن صح المعنى أن ذلك لا ينقضى فى كل سنة فضلا عن أن يبدل مكانه مثله، بخلاف الرزق والرفع ونحوهما مما يصرف لكل سنة بقدر مخصوص. وأخرج أيضا حديث : عن على أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: "لأقرنَّ عينيك بتفسيرها، ولأقرنَّ عين أمتى من بعدى بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف، وتحول الشقاء سعادة، وتزيد فى العمر"تفسير : فإن صح هذا عنه صلى الله عليه وسلم فقد مر توجيه الزيادة فى العمر، وأما تحويل الشقاء سعادة، فبحسب الظاهر، والأمارة مثل أن يكثر الإنسان من الكبائر، ومثل أن يكون مشركا مسرفا، ثم يتم له بالتوبة فيموت تائبا، وقد كتبه الله سعيدا فى الأزل، ولكن يظهر لنا منه أمارة الشقاوة، فإذا تاب فكأنه تحول منها إلى السعادة وكذا فى العكس. ولا يعترض ذلك بأنه لا تقر عين علىّ والأمانة به، لأنا لا نقول تقر بأن الإنسان ولو بلغ ما بلغ من الكبائر والشرك لا يقنط، ويدل على ذلك التأويل ونحوه، ما رواه حذيفة وابن مسعود وغيرهما: أن الشقاوة والسعادة لا تبدلان، وما تقدم عن ابن مسعود وعمر من تبديلهما إن صح عنهما، فالمراد بكتابتهما شقين كتابتهما فى أهل الذنوب، وهكذا لا يتبدل الرزق والأجل وغيرهما عما قضاه الله، قال جل جلاله: {أية : ما يبدل القول لدىَّ}تفسير : وزعمت الرافضة أنه تبدو له البداوات، متمسكين بهذه الآية قبحهم الله، ولزم عليهم نسبة الجهل والعجز إليه تعالى. {وعنْدهُ أم الكتاب} أصل الكتاب، والمراد بالكتاب الجنس، وأمه اللوح المحفوظ، فإن أصل من كتب الله كلها، ولكل ما يكتب لأن فيه كل شئ من كتب الله وغيرها، ومنه نسخت، وتتولد منه العلوم كلها، ولأنه لا يغير كما يغير كتب الحفظة، وكتب الله غير القرآن، وهو مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوت، إذا أراد الله وحياء جاء اللوح حتى يقع مقابلة وجه إسرافيل، وهو أقرب الملائكة إلى ما هنالك، فيرى الآخر مكتوبا فينادى جبريل فيقول: بكذا أمرت، فلا يهبط فى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيوحى به إلى نبى، قيل: لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة أى قضية، كل قضية تشتمل على قضايا كثيرة، وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب ما هو خالق وما خلقه عاملون.

الالوسي

تفسير : {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء} أي ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت {وَيُثَبّتُ} بدله ما فيه الحكمة أو يبقيه على حاله غير منسوخ أو يثبت ما يشاء إثباته مطلقاً أعم منهما ومن الإنشاء ابتداء، وقال عكرمة: يمحو بالتوبة جميع الذنوب ويثبت بدل ذلك حسنات كما قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] وقال ابن جبير: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء فلا يغفره، وقال: يمحو ما يشاء ممن حان أجله ويثبت ما يشاء ممن لم يأت أجله، وقال علي كرم الله تعالى وجهه: يمحو ما يشاء من القرون لقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } تفسير : [يس: 31] ويثبت ما يشاء منها لقوله سبحانه: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءاخَرِينَ } تفسير : [المؤمنون: 42] وقال الربيع: هذا في الأرواح حالة النوم يقبضها الله تعالى إليه فمن أراد موته فجأة أمسك روحه فلم يرسلها ومن أراد بقاءه أرسل روحه، بيانه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] الآية، وعن ابن عباس والضحاك يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا بسيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت ما هو حسنة أو سيئة، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسي وسائر الحيوانات والنباتات والأشجار وصفاتها وأحوالها، وقيل: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة، وقال الحسن وفرقة: ذلك في آجال بني آدم يكتب سبحانه في ليلة القدر، وقيل: في ليلة النصف من شعبان آجال الموتى فيمحو أناساً من ديوان الأحياء ويثبتهم في ديوان الأموات، وقال السدي: يمحو القمر ويثبت الشمس بيانه قوله تعالى: {أية : فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً } تفسير : [الإسراء: 12] وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمحو الله تعالى ما يشاء من أمور عباده ويثبت إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنها لا محو فيها، ورواه عنه مرفوعاً ابن مردويه. وقيل: هو عام في الرزق والأجل والسعادة والشقاوة ونسب إلى جماعة من الصحابة والتابعين وكانوا يتضرعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء، فقد أخرج ابن أبـي شيبة في «المصنف» وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلا وسع عليه في معيشته يا ذا المن ولا يمن عليه يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاوة وأثبتني عندك سعيداً وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروماً مقتراً عليَّ رزقي فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ }. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: وهو يطوف بالبيت: اللهم/ إن كنت كتبت عليّ شقوة أو ذنباً فامحه واجعله سعادة ومغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وأخرج ابن جرير عن شقيق أبـي وائل أنه كان يكثر الدعاء بهذه الدعوات اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. واخرج ابن سعد وغيره عن الكلبـي أنه قال: يمحو الله تعالى من الرزق ويزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبـي صلى الله عليه وسلم. وأبو حيان يقول: إن صح شيء من ذلك ينبغي تأويله فمن المعلوم أن السعادة والشقاوة والرزق والأجل لا يتغير شيء منها، وإلى التعميم ذهب شيخ الإسلام قال بعد نقل كثير من الأقوال: والأنسب تعميم كل من المحو والإثبات ليشمل الكل ويدخل في ذلك مواد الإنكار دخولاً أولياً؛ وما أخرجه ابن جرير عن كعب من أنه قال لعمر رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله تعالى لأنبئنك بما هو كائن إلى يوم القيامة قال: وما هي؟ قال قوله تعالى: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء } الآية يشعر بذلك، وأنت تعلم أن المحو والإثبات إذا كانا بالنسبة إلى ما في أيدي الملائكة ونحوه فلا فرق بين السعادة والشقاوة والرزق والأجل وبين غيرها في أن كلاً يقبل المحو والإثبات، وإن كانا بالنسبة إلى ما في العلم فلا فرق أيضاً بين تلك الأمور وبين غيرها في أن كلاً لا يقبل ذلك لأن العلم إنما تعلق بها على ما هي عليه في نفس الأمر وإلا لكان جهلاً وما في نفس الأمر مما لا يتصور فيه التغير والتبدل، وكيف يتصور تغير زوجية الأربعة مثلاً وانقلابها إلى الفردية مع بقاء الأربعة أربعة هذا مما لا يكون أصلاً ولا أظنك في مرية من ذلك، ولا يأبـى هذا عموم الأدلة الدالة على أنه ما شاء الله تعالى كان لأن المشيئة تابعة للعلم والعلم بالشيء تابع لما عليه الشيء في نفس الأمر فهو سبحانه لا يشاء إلا ما عليه الشيء في نفس الأمر. قيل: ويشير إلى أن ما في العلم لا يتغير قوله سبحانه: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } بناءً على أن {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } هو العلم لأن جميع ما يكتب في صحف الملائكة وغيرها لا يقع حيثما يقع إلا موافقاً لما ثبت فيه فهو أم لذلك أي أصل له فكأنه قيل: يمحو ما يشاء محوه ويثبت ما يشاء إثباته مما سطر في الكتب وثابت عنده العلم الأزلي الذي لا يكون شيء إلا على وفق ما فيه، وتفسير {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } بعلم الله تعالى مما رواه عبد الرزاق وابن جرير عن كعب رضي الله تعالى عنه، والمشهور أنها اللوح المحفوظ قالوا: وهو أصل الكتب إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوب فيه كما هو. والظاهر أن المراد الذاهب والثابت مما يتعلق بالدنيا لا مما يتعلق بها وبالآخرة أيضاً لقيام الدليل العقلي على تناهي الإبعاد مطلقاً والنقلي على تناهي اللوح بخصوصه، فقد جاء أنه من درة بيضاء له دفتان من ياقوت طوله مسيرة خمسمائة عام وامتناع ظرفية المتناهي لغير المتناهي ضروري، ولعل من يقول بعموم الذاهب والثابت يلتزم القول بالإجمال حيث يتعذر التفصيل. وقد ذهب بعضهم إلى تفسير {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } بما هو المشهور، والتزم القول بأن ما فيه لا يتغير وإنما التغير لما في الكتب غيره، وهذا قائل بعدم تغير ما في العلم لما علمت. ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل كانت عندي وفقدت في حادثة بغداد ألفت في هذه المسألة وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي واستدل لذلك بأمور: منها أنه قد صح من حديث : دعائه / صلى الله عليه وسلم في القنوت: «وقني شر ما قضيت» تفسير : وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأزلي ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه. ومنها ما صح «حديث : في حديث التراويح من عذره صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليها، وقد اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها"»تفسير : فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض وإن سبق القضاء بأنها لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا غير فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل. ومنها ما صح «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشديد حتى أنه لا ينام وكان يقول في ذلك: "أخشى أن تقوم الساعة"»تفسير : فإنه لا معنى لهذه الخشية أيضاً مع إخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم يوجود إذ ذاك كظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يستدعي تحققه زماناً طويلاً فلو لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أن القضاء يمكن تغييره وإن ما قضى من أشراطها يمكن تبديله ما خشي صلى الله عليه وسلم من ذلك. ومنها أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفاً من النار حتى أن منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: لو نادى مناد كل الناس في الجنة إلا واحداً لظننت أني ذلك الواحد، وهذا مما لا معنى له مع إخبار الصادق وتبشيره له بالجنة والعلم بأن القضاء لا يتغير. ومنها أنه لولا إمكان التغيير للغا الدعاء إذ المدعو به إما أن يكون قد سبق القضاء بكونه فلا بد أن يكون وإلا فمحال أن يكون، وطلب ما لا بد أن يكون أو محال أن يكون لغو مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى وكفى بذلك فائدة يأباه ظاهر قوله تعالى: {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وأيضاً أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: "لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر"، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر «حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء} الآية فقال له عليه الصلاة والسلام: لأقرن عينك بتفسيرها ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف محول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء»تفسير : وهذا لا يكاد يعقل على تقدير أن القضاء لا يتغير. وفي الأخبار والآثار مما هو ظاهر في إمكان التغير ما لا يحصى كثرة، ولعل من ذلك الدعاء المار عن ابن مسعود، ثم إن القضاء المعلق يرجع في المآل إلى القضاء المبرم عند مثبته فلا يفيده التعلق بذلك في دفع ما يرد عليه، ودفع ما يرد على القول بالتغير من أنه يلزم منه التغير في ذاته تعالى لما أنه ينجر إلى تغير العلم وهو يوجب التغير في ذاته تعالى من صفة إلى أخرى أو يلزم من ذلك الجهل، وهذا مأخوذ من الشبهة التي ذكرها جمهور الفلاسفة في نفي علم الله تعالى بالجزئيات المتغيرة فإنهم قالوا: إنه تعالى إذا علم مثلاً أن زيداً في الدار الآن ثم خرج عنها فإما أن يزول ذلك العلم ولا يعلم سبحانه أنه في الدار أو يبقى ذلك العلم بحاله، والأول يوجب التغير في ذاته سبحانه، والثاني يوجب الجهل وكلاهما نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه بما دفعوا به تلك الشبهة، وهو ما ذكر في "المواقف" و "شرحه" من منع لزوم التغير فيه تعالى بل التغير إنما هو في الإضافات لأن العلم عندنا إضافة مخصوصة وتعلق بين العالم والمعلوم، أو صفة حقيقية ذات إضافة، فعلى الأول يتغير نفس العلم، وعلى الثاني يتغير إضافاته فقط، وعلى التقديرين لا يلزم تغير في صفة موجودة/ بل في مفهوم اعتباري وهو جائز. وأجاب كثير من الأشاعرة والمعتزلة بأن العلم بأن الشيء وجد والعلم بأنه سيوجد واحد فإن من علم أن زيداً سيدخل البلد غداً فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم بأنه دخل البلد الآن إذا كان علمه هذا مستمراً بلا غفلة مزيله له؛ وإنما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدد يعلم به أنه دخل الآن لطريان الغفلة عن الأول، والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة فكان علمه سبحانه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد فلا يلزم من تغير المعلوم تغير في العلم؛ ونهاية كلامه في هذا المقام أنه يجوز أن يتغير ما في علم الله تعالى وإلا لتعين عليه سبحانه الفعل أو الترك وفيه من الحجر عليه جل جلاله ما لا يخفى، ولا يلزم من ذلك التغير سوى التغير في التعلقات وهو غير ضار، واعترض بأنه على هذا القول لا يبقى وثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر وكذا لا يبقى وثوق بالأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه لكنه سبحانه لم يخبر ولا نقص في الإخبار الأول لأنه إخبار عما كان متعلق العلم إذ ذاك، وأيضاً يلزم من ذلك نفي نفس الأمر أو نفي كون تعلق العلم على وفقه وكلا النفيين كما ترى. بقي الجواب عما تمسك به وهو عن بعض ظاهر وعن بعض يحتاج إلى تأمل فتأمل. واستدل بالآية بعض الشيعة القائلين بجواز البداء على الله سبحانه وفيه ما فيه. هذا ويخطر لي في الآية معنى لم أر من ذكره وهو أن يراد بقوله سبحانه: {يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } ما ذكرناه أولاً قبل حكاية الأقوال وهو مما رواه البيهقي في "المدخل" وغيره عن ابن عباس، وابن جرير عن قتادة ويخصص ذلك بالأحكام الفرعية، ويراد بأم الكتاب الأحكام الأصلية فإنها مما لا تقبل النسخ وهي أصل لكل كتاب باعتبار أن الأحكام الفرعية التي فيه إنما تصح ممن أتى بها لكن لا يساعد على هذا المأثور عن السلف. نعم هو مناسب للمقام كما لا يخفى، وزعم الضحاك والفراء أن في الآية قلباً والأصل لكل كتاب أجل. وتعقب بأنه لا يجوز ادعاء القلب إلا في ضرورة الشعر على أنه لا داعي إليه هنا بل قد يدعي فساد المعنى عليه؛ وأياً ما كان فأل في الكتاب للجنس فهو شامل للكثير، ولهذا فسره غير واحد بالجمع. وقرأ نافع وابن عامر {ويثبت} بالتشديد.

القطان

تفسير : الاطراف: الجوانب. لا معقب لحكمه: لا راد له. ام الكتاب: أصله. {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}. ينسَخُ الله ما يشاء من الشرائع، ويُحِلُّ محلَّها ما يشاء ويثبته، وعنده أصلُ الشرائع الذي لا يتغيّر، فما انقضَتْ حكمتُه يمحوه، وما هو نافعٌ يثبته حسبما تقتضيه حكمتُه، ولا رادَّ لقضائه. {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ}. ولئن أَرَيْناك ايها الرسول بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العقاب، او توفَّيناك قبل ان نُريَك ذلك، فليس عليك الا تبليغُ رسالةِ ربك، لا طَلَبَ صلاحِهم، وعلينا محاسبتُهم ومجازاتهم باعمالهم. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. ألم يروا ان قوةَ الله فوق كل شيء، فهي تأتي الأممَ القوية الغنية حين تَبْطَر وتكفر وتفسِد فَتُنقِص من قوتها ومن ثرائها وقدرتها، وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد ان كانت ذات سلطان وحكم وامتداد! وإذا حكَمَ الله عليها بالنقص والتدهور فلا رادَّ لحكمه، وهو سريع الحساب. وللمفسرين القدماء آراء كثيرة ومتعددة، وكذلك لبعض المفسّرين المعاصرين تأويل عن سرعة دوران الارض وما ينتج عنها من تفلطح ونقص في طرفيها، وكل ذلك حَدْس وخبط. وبعدَ ذلك بَيّن اللهُ ان قومَ النبيّ عليه الصلاة والسلام ليسوا ببِدْعٍ في الأمم، فقد مكر كثيرٌ ممن قبلَهم بأنبيائهم فأخذَهم اللهُ فقال: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ}. وقد مكر كثير من كفار الأمم الماضية بانبيائهم، ثم دارت الدائرة على الظالمين، وأهلك الله المفسدين، ولله سبحانه تدبير الامر كله في حاضر الكافرين ومستقبلهم، وهو يعلم ما تعمله كل نفس، وسيعلمون يوم القيامة لمن تكون العاقبة الحسنة. وفي هذا تسلية للرسول الكريم وتعبير بان العاقبة له لا محالة، وقد حقق الله له وعده. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له الرسول الكريم، هل تجِدني في الإنجيل رسولا؟ قال: لا فنزلت هذه الآية، وتكون ختام سورة الرعد بإنكار الكفار للرسالة، وقد بدأها الله تعالى بإثبات الرسالة، فيلتقي البدءُ والختام بقوله تعالى: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} اي حسْبي الله شاهدا بتأييد رسالتي {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَاب} وهو من اسلم من اليهود والنصارى وغيرهم. اخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: كان من أهلِ الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبدُ الله بن سلام والجارودُ وتميم الداري وسلمان الفارسّي رضي الله عنهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَمْحُواْ} {أُمُّ ٱلْكِتَابِ} (39) - يَنْسَخُ اللهُ تَعَالَى مَا يَشَاءُ مِنَ الأَقْدَارِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا فِي أُمِّ الكِتَابِ المَحْفُوظِ. وَقَدْ أُثِر عَنِ الفُقَهَاءِ المُسْلِمينَ أَقْوَالٌ عِدَّةٌ فِي تَفْسِيرِ هذِهِ الآيَةِ مِنْهَا: - يَمْحُو اللهُ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ، وَيُثَبِتُ مَنْ بَقِيَ أَجَلُهُ. - يَمْحُو اللهُ القَمَرَ وَيُثْبِتُ الشَّمْسَ. - يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ بِالنَّسْخِ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ. أُمُّ الكِتَابِ - اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمَحْو كما نعلم هو الإزالة، والتثبيت أي: أن يُبقِي الحق ما يراه ثابتاً. وقد فهم بعض الناس - خطأ - أن كل حُكْم في القرآن قد جاء ليثبُتَ وسيظلّ هكذا أبدَ الدهر؛ ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الأحكام يقتضي تغييرها يغيرها الله لحكمة فيها خير البشرية. ونقول: لا، لم يحدث ذلك، ولكن كانت هناك أحكام مَرْحلية؛ ولها مُدَّة مُحدَّدة؛ ولذلك جاء قول الحق سبحانه: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 39]. أي: عنده اللوح المحفوظ الذي تحدَّدتْ فيه الأحكام التي لها مُدَّة مُحدّدة؛ وما أن تنتهي إلا وينزل حُكْم آخر مكانها، وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد نَسْخٌ للأحكام، لأن معنى النَّسْخ أن يُزحزِحَ حُكْماً عن زمانه؛ وهنا لم نجد حُكْماً يتزحزحُ عن زمانه؛ لأن كل حُكْم موقوتٌ بوقت محدود؛ وما أن ينتهي الوقت حتى يبدأ حُكْم جديد. أقول ذلك كي أنبِّه العلماء إلى ضرورة أنْ يجلسوا معاً لدراسة ذلك، حتى لا يختلف العلماء: أهناك نَسْخ أم لا، وأقول: فَلْنُحدد النَّسْخ أولاً، لأن البعض يظن أن هناك حكماً كان يجب أن ينسحب على كل الأزمنة، ثم جاء حُكْم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها مصلحة البشرية والمراد لله منها. ولا يوجد حُكْم أنهى حُكْماً وطرأ عليه ساعة الإنهاء؛ بل كل الأحكام كانت مُقدَّرة أَزلاً؛ وعلى ذلك فلا يوجد نَسْخ لأيِّ حُكْم، ولكن هناك أحكام ينتهي وقتها الذي قدّره الله لها؛ ويأتي حُكْم سبق تقديره أزلاً ليواصل الناسُ الأخذ به؛ وما دام الأمر كذلك فلا يوجد نسخ. ولنَنْظُر إلى قول الحق سبحانه: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ..} تفسير : [البقرة: 106]. ويتضح من منطوق الآية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي الله بمثله أو خير منه. إذن: ليس هناك نسخ وإنما هناك أحكام تؤدي مهمتها في زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في الحكم، ولكنه يوافق المصالح المرسلة مع مراد الله. ولقائل أنْ يقول: ما دام سيأتي بخير من الآية المنسوخة أو المُنْسَأة فذلك أفضل، ولكن لماذا يأتي بالمِثْل؟ وأقول: لأنك إنْ جاءك ما هو خَيْر منها قد تَسْتسِيغه، ولكن حين ننتقل إلى مِثْل ما جاءْت به الآية؛ فهذا مَحَكُّ الإيمان. والمثل هو التوجُّه في الصلاة إلى بيت المقدس في أول الدعوة؛ ثم مَجِيء الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة؛ فلا مشقَّة في ذلك. ولكن هنا يتم اختبار الالتزام الإيماني بالتكليف، وهنا الانصياعُ للحكم الذي يُنزِله الله، وهو حُكم مقَّدر أزَلاً؛ وفي هذا اختبار لليقين الإيمانيّ في إدارة توجيه المُدبِّر لهذا السير. وكذلك في الحج يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم لِيُقبِّل الحجر الأسود؛ ثم يرجم الحجر الذي يرمز لإبليس، ونحن نفعل ذلك أُسْوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما حجر، ولكِنَّنا نمتثل لأمره صلى الله عليه وسلم. فتقبيل الحجر الأسود ورجم الحجر الذي يشير إلى رمزية إبليس، كل هذا استجابة لأمر الآمر. وحين يقول الحق سبحانه: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 39]. فهو يعني أنه سبحانه يُنهِي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أُمِّ الكتاب أي اللوح المحفوظ؛ ثم يأتي الحكم الجديد. والمثال: هو حكم الخمر؛ وقد عالجها الحق سبحانه أولاً بما يتفق مع قدرة المجتمع؛ وكان المطلب الأول هو تثبيت العقيدة؛ ثم تجيء الأحكام من بعد ذلك. وهناك فرق بين العقيدة - وهي الأصل - وبين الأحكام، وهي تحمل أسلوب الالتزام العقديّ، وكان الحكم في أمر العقيدة مُلزِماً ومستمراً. أما الأحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في تحريمها بما يتناسب مع إلْف الناس؛ واعتيادهم؛ فقلَّل الحق سبحانه زمن صُحْبة الخمر؛ ثم جاء التحريم والأمر بالاجتناب، وعدم القُرْب منها. والمثل في حياتنا؛ حيث نجد مَنْ يريد أن يمتنع عن التدخين وهو يُوسِّع من الفجوة الزمنية بين سيجارة وأخرى، إلى أن يقلع عنها بلطف، وينفيها من حياته تماماً. ونجد القرآن يقول في الخمر: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ..} تفسير : [النحل: 67]. وهنا يمتنُّ الله عليهم بما رزقهم به؛ ولكن أهل الذَّوْق يلتفتون إلى أنه لم يَصِف الخمر بأنها من الرزق الحسن؛ ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن؛ لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده. وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك، ثم يُنزِل الحق سبحانه عظة تقول: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..} تفسير : [البقرة: 219]. وهكذا أوضح الحق سبحانه ميْل الخمر والميسر إلى الإثم أكثر من مَيْلهما إلى النفع، ثم جاء من بعد ذلك قوله بحكم مبدئي: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ..} تفسير : [النساء: 43]. ومعنى ذلك أن تتباعد الفترات بين تناول الخمر، فلا يحتسي أحدٌ الخمر طوال النهار وجزء من الليل، وفي ذلك تدريب على الابتعاد عن الخمر. ثم يأتي التحريم الكامل للخمر في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90]. وهكذا أخذ الحكم بتحريم الخمر تدرّجه المناسب لعادات الناس، وتمَّ تحريم الخمر بهوادة وعلى مراحل. وهكذا نفهم النَّسْخ على أنه انتهاء الحكم السابق زمناً وبداية الحكم الجديد، وهذا يعني أن الحكم الأول لم يكن مُنْسحِباً على كل الزمن ثم أزلناه وجئنا بحكم آخر؛ ولكن توقيت الحكم الأول - أزلاً - قد انتهى؛ وبدأ الحكم الجديد. وهكذا لا يوجد مجال للاختلاف على معنى النسخ، ذلك أن الحق سبحانه أرجع المَحْو والإثبات إلى أم الكتاب؛ ففيها يتحدد ميعاد كل حكم وتوقيته؛ وميعاد مجيء الحكم التالي له. وما دام كل أمر مرسوم أزلاً؛ فعلى مَنْ يقولون أن البَدَاء محرم على الله أن ينتبهوا إلى أن هذا المحو والإثبات ليس بَداءً؛ لأن البداء يعني أن تفعل شيئاً، ثم يبدو لك فسادُه فتُغيِّره. والحق سبحانه لم يظهر له فساد ما أنزل من أحكام أو آيات؛ بل هو قدَّر كل شيء أزلاً في أم الكتاب، وجعل لكل حكم ميقاتاً وميلاداً ونهاية. ويصح أن يتسع معنى قول الحق سبحانه: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 39]. ليشمل نسخ رسالة برسالة أخرى؛ فيكون قد محا شيئاً وأثبت شيئاً آخر، وكل شيء فيه تغيير إلى الخير يصِحّ فيه المَحْو والإثبات، وهو من عند الرقيب العتيد: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. أي: أنه القادر على أن يأمر الرقيب العتيد بأن يُثبتا الواجبات والمحرمات، وأنْ يتركا الأمور المباحة، وهو القادر على أنْ يمحوَ ما يشاء من الذنوب، ويُثبت ما يشاء من التوبة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ} فيقالُ: إِنْ أَعمالُ العِبادِ تُرفَعُ إِلى الله صَغِيرُها وكَبِيرُها فَيُثْبِتُ مَا كَانَ مِنهَا ثَوابٌ وعِقَابٌ، ويَمْحُو مَا سِوى ذَلِكَ. ويقالُ يَمحُو مَا يَشاءُ مِن المَنْسوخِ ويُثْبِتُ النَاسِخَ {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} [أي] كِتابه الذِي لا يُتَبدَّلُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 459 : 27 : 2 - سفين عن بن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} غير الشقاء والسعادة والموت والحياة. [الآية 42].

همام الصنعاني

تفسير : 1386- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}: [الآية: 39]، قال ابن عباس: هو القرآن، كان الله يمحو ما يشاء ويثبت وينسى نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء، وينسخ ما شاء ويثبت ما شاء وهو المحكم، {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}: [الآية: 39]، قال: جملة الكتاب وأصله. 1387- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}: [الآية: 39]، قال: إلا الشقوة والسعادة والحياة والموت. 1388- عبد الرزاق، عن معتمر، عن أبيه عن عكرمة قال: الكتاب: كتابان، كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده الأصل أم الكتاب. 1389- عبد الرزاق، عن معتمر، عن أبيه قال: سُئِلَ ابن عباس عن أم الكتاب فقال: قال كعب: خلق الله الخلق وعلم ما هم عاملون، ثم قال لعلمه: كن كتاباً فكان كتاباً. 1390- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن طَاوسٍ، عن أبيه قال: لَقِيَ عيسى ابن مريم إبليس، فقال: أما عَلِمْتَ أنه لا يُصيبكَ إلاَّ مَا قُدِّرَ لَكَ، قال: نَعَمْ، فقالَ إبليس: فارق بِذرْوَةِ هذا الجبل فتَردَّ مِنْهُ فانظر: أتعيش أمْ لا؟ قال ابن طَاوس عن أبيه فقال: أما علمت أن الله قال: لا يُجَرِّبني عَبدي فإني أفعل ما شئت، قال: وأما الزهري فقال: إنَّ العَبْدَ لا يَبْتَلي ربَّه، ولكنَّ الله يبتلي عبده، قال: فخصمه. 1391- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، قال: مَنْ كَذَّبَ بالقَدرِ فقد كذَّب بالقرآن.