Verse. 1747 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

وَاِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِيْ نَعِدُہُمْ اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَاِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلٰغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ۝۴۰
Wain ma nuriyannaka baAAda allathee naAAiduhum aw natawaffayannaka fainnama AAalayka albalaghu waAAalayna alhisabu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «نرينك بعض الذي نعدهم» به من العذاب من حياتك وجواب الشرط محذوف أي فذاك «أو نتوفينك» قبل تعذيبهم «فإنما عليك البلاغ» ما عليك إلا التبليغ «وعلينا الحساب» إذا صاروا إلينا فنجازيهم.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المعنى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } من العذاب: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك، والمعنى: سواء أريناك ذلك أو توفيناك قبل ظهوره، فالواجب عليك تبليغ أحكام الله تعالى وأداء أمانته ورسالته وعلينا الحساب. والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالسراج والأداء.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} «ما» زائدة، والتقدير: وإن نرِينك بعض الذي نعدهم، أي من العذاب لقوله: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وقوله: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} أي إن أريناك بعض ما وعدناهم {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} فليس عليك إلا البلاغ؛ أي التبليغ؛ {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} أي الجزاء والعقوبة. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني أهل مكة، {أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} أي نقصدها. {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} اختلف فيه؛ فقال ابن عباس ومجاهد: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} موت علمائها وصلحائها. قال القُشَيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف؛ وقد قال ٱبن الأعرابي: الطَّرَف والطَّرْف الرجل الكريم؛ ولكن هذا القول بعيد، لأن مقصود الآية: أنا أريناهم النقصان في أمورهم، ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز؛ إلا أن يحمل قول ابن عباس على موت أحبار اليهود والنصارى. وقال مجاهد أيضاً وقتادة والحسن: هو ما يغلب عليه المسلمون مما في أيدي المشركين؛ وروي ذلك عن ٱبن عباس، وعنه أيضاً هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها؛ وعن مجاهد: نقصانها خرابها وموت أهلها. وذكر وكيع بن الجرّاح عن طلحة بن عُمَير عن عطاء بن أبي رَبَاح في قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. قال أبو عمر بن عبد البر: قول عطاء في تأويل الآية حسن جدّاً؛ تلقاه أهل العلم بالقبول. قلت: وحكاه المهدويّ عن مجاهد وابن عمر، وهذا نص القول الأوّل نفسه؛ روى سفيان عن منصور عن مجاهد، «نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا» قال: موت الفقهاء والعلماء؛ ومعروف في اللغة أن الطَّرف الكريمُ من كل شيء؛ وهذا خلاف ما ٱرتضاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم من قول ٱبن عباس. وقال عِكْرِمة والشّعبيّ: هو النقصان وقبض الأنفس. قال أحدهما: ولو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حَشّك. وقال الآخر: لضاق عليك حشٌّ تتبرز فيه. قيل: المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك أرضهم بعدهم؛ والمعنى: أو لم تر قريش هلاك من قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟ٰ أفلا يخافون أن يحلّ بهم مثل ذلك؛ وروي ذلك أيضاً عن ٱبن عباس ومجاهد وٱبن جُرَيج. وعن ٱبن عباس أيضاً أنه نقص بركات الأرض وثمارها وأهلها. وقيل: (نقصها) بِجَوْرِ وُلاَتها. قلت: وهذا صحيح معنى؛ فإن الجور والظلم يخرب البلاد، بقتل أهلها وٱنجلائهم عنها، وترفع من الأرض البركة، والله أعلم. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغيير. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمن. وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى رَوِيّة قلب، ولا عقد بَنَان؛ حسب ما تقدّم في «البقرة» بيانه.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } وكيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم أو توفيناك قبله. {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } لا غير. {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } للمجازاة لا عليك فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون له وهذا طلائعه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ} يا محمد، بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} أي: قبل ذلك، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} أي: حسابهم وجزاؤهم؛ كقوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلاَْكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية:21-26]، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} قال ابن عباس: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض، وقال في رواية: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية. وقال مجاهد وعكرمة: ننقصها من أطرافها، قال: خرابها. وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقال العوفي عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها. وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض. وقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حُشُّك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات، وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكاناً تقعد فيه، ولكن هو الموت. وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضاً: هو موت العلماء، وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان: حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد الرقي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة قال: أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه:شعر : الأرضُ تَحْيا إذا ما عاشَ عالِمُها مَتى يَمُتْ عالِمٌ منها يَمُتْ طَرَفْ كالأرض تَحْيا إذا ما الغَيْثُ حَلَّ بِها وإنْ أَبى عادَ في أَكْنافِها التَّلَفْ تفسير : والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية؛ كقوله: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [الأحقاف: 27] الآية، وهذا اختيار ابن جرير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف: أي فذاك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَكَ } قبل تعذيبهم { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ } لا عليك إلا التبليغ {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } إذا صاروا إلينا فنجازيهم.

الشوكاني

تفسير : {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } "ما" زائدة وأصله: وإن نرك {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } من العذاب كما وعدناهم بذلك بقولنا: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} وبقولنا: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} والمراد أريناك بعض ما نعدهم قبل موتك، أو توفيناك قبل إراءتك لذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أي: فليس عليك إلاّ تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم لما بلغته إليهم {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك. وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به، وليس عليه غيره، وأن من لم يجب دعوته، ويصدّق نبوّته فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترأ عليه من ذلك. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني أهل مكة، والاستفهام للإنكار، أي: أولم ينظروا {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أي: نأتي أرض الكفر كمكة ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها شيئاً فشيئاً. قال الزجاج: أعلم الله أن بيان ما وعد المشركين من قهرهم قد ظهر، يقول: أولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، فكيف لا يعتبرون؟ وقيل: إن معنى الآية: موت العلماء والصلحاء. قال القشيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف. وقد قال ابن الأعرابي: الطرف الرجل الكريم. قال القرطبي: وهذا القول بعيد؛ لأن مقصود الآية: أنا أريناهم النقصان في أمرهم ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز إلاّ أن يحمل على موت أحبار اليهود والنصارى. وقيل: المراد من الآية خراب الأرض المعمورة حتى يكون العمران في ناحية منها. وقيل: المراد بالآية هلاك من هلك من الأمم. وقيل: المراد نقص ثمرات الأرض. وقيل: المراد جور ولاتها حتى تنقص. {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } أي: يحكم ما يشاء في خلقه، فيرفع هذا ويضع هذا، ويحيـي وهذا ويميت هذا، ويغني هذا، ويفقر هذا، وقد حكم بعزّة الإسلام وعلوّه على الأديان. وجملة {لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } في محل نصب على الحال. وقيل: معترضة. والمعقب: الذي يكرّ على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يقفيه بالردّ والإبطال. قال الفراء: معناه لا رادّ لحكمه، قال: والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد عليه، والمراد من الآية أنه لا يتعقب أحد حكم الله سبحانه بنقص ولا تغيير. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته على السرعة {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } أي: قد مكر الكفار الذين من قبل كفار مكة بمن أرسله الله إليهم من الرسل؛ فكادوهم وكفروا بهم، وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله سبحانه، ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم، وأن المكر كله لله، فقال: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } لا اعتداد بمكر غيره، ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون غيره، فقال: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } من خير وشرّ فيجازيها على ذلك. ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها كان المكر كله له؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون. وقال الواحدي: إن مكر الماكرين مخلوق فلا يضرّ إلاّ بإرادته. وقيل: المعنى فللّه جزاء مكر الماكرين {وَسَيَعْلَمْ * ٱلْكَـٰفِرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ }. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو "الكافر" بالإفراد، وقرأ الباقون {الكفار} بالجمع، أي: سيعلم جنس الكافر لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا، أو في الدار الآخرة، أو فيهما. وقيل المراد بالكافر، أبو جهل. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً } أي: يقول المشركون أو جميع الكفار: لست يا محمد مرسلاً إلى الناس من الله، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فهو يعلم صحة رسالتي، وصدق دعواتي، ويعلم كذبكم {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي: علم جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل، فإن أهلهما العالمين بهما يعلمون صحة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري ونحوهم، وقد كان المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب ويرجعون إليهم، فأرشدهم الله سبحانه في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك. وقيل: المراد بالكتاب القرآن، ومن عنده علم منه هم المسلمون. وقيل: المراد من عنده علم اللوح المحفوظ، وهو الله سبحانه، واختار هذا الزجاج وقال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قال: "ذهاب العلماء"تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية قال: موت العلماء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: يعني أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان ينتقص له ما حوله من الأرضين ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون. وقال الله في سورة الأنبياء: {أية : نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الأنبياء: 44]. بل نبي الله وأصحابه هم الغالبون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: نقصان أهلها وبركتها. وأخرج ابن المنذر عنه قال: إنما ننقص الأنفس والثمرات وأما الأرض فلا تنقص. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: أولم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } ليس أحد يتعقب حكمه فيردّه كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل تجدني في الإنجيل؟ قال: لا، فأنزل الله: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ }»تفسير : يقول عبد الله بن سلام. وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب قال: جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضاضتي باب المسجد، ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أني الذي أنزلت فيّ: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ }؟ قالوا: اللهم نعم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في الآية قال: كان قوم من أهل الكتاب يشهدون بالحق ويعرفونه، منهم عبد الله بن سلام، والجارود، وتميم الداري، وسلمان الفارسي. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، وابن عديّ بسندٍ ضعيف عن ابن عمر، أن النبيّ قرأ: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: "ومن عند الله علم الكتاب". وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } يقول: ومن عند الله علم الكتاب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } أهو عبد الله بن سلام؟ قال: كيف؟ وهذه السورة مكية.. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: ما نزل في عبد الله بن سلام شيء من القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: جبريل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: هو الله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{أوَلم يروا أنا نأتي الأرض ننقُصُها من أطرافها}فيه أربعة تأويلات: أحدها: بالفتوح على المسلمين من بلاد المشركين، قاله قتادة. الثاني: بخراجها بعد العمارة، قاله مجاهد. الثالث: بنقصان بركتها وتمحيق ثمرتها، قاله الكلبي والشعبي. الرابع: بموت فقهائها وخيارها، قاله ابن عباس. ويحتمل خامساً: أنه بجور ولاتها.

ابن عطية

تفسير : {إن} شرط دخلت عليها {ما} مؤكدة، وهي قبل الفعل فصارت في ذلك بمنزلة اللام المؤكدة في القسم التي تكون قبل الفعل في قولك: والله لنخرجن، فلذلك يحسن أن تدخل النون الثقيلة في قولك: {نرينك} لحلولها هنا محل اللام هنالك، ولو لم تدخل {ما} لما جاز ذلك إلا في الشعر، وخص "البعض" بالذكر إذ مفهوم أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار مما توعد به الكفار. وكذلك أعطي الوجود، ألا ترى أن أكثر الفتوح إنما كان بعد النبي عليه السلام و {أو} عاطفة. وقوله: {فإنما} جواب الشرط. ومعنى الآية: إن نبقك يا محمد لترى أو نتوفينك، فعلى كلا الوجهين إنما يلزمك البلاغ فقط. وقوله: {نعدهم} محتمل أن يريد به المضار التي توعد بها الكفار، فأطلق فيها لفظة الوعد لما كانت تلك المضار معلومة مصرحاً بها، ويحتمل أن يريد الوعد لمحمد في إهلاك الكفرة، ثم أضاف الوعد إليهم لما كان في شأنهم. والضمير في قوله: {يروا} عائد على كفار قريش وهم المتقدم ضميرهم في قوله: {نعدهم}. وقوله: {نأتي} معناه بالقدرة والأمر، كما قال الله تعالى: {أية : فأتى الله بنيانهم من القواعد} تفسير : [النحل: 26] و {الأرض} يريد به اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفار المذكورين. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الاختلاف في قوله: {ننقصها من أطرافها}. وقرأ الجمهور: "نَنقصها" وقرأ الضحاك "نُنقصها". وقوله: {من أطرافها} من قال: إنها أرض الكفار المذكورين - قال: معناه، ألم يروا أنا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك في القبائل، والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضاً، كما فعلنا بمجاوريهم - قاله ابن عباس والضحاك. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الاختلاف في قوله: {ننقصها من أطرافها} القول لا يتأتى إلا بأن نقدر نزول هذه الآية بالمدينة، ومن قال: إن {الأرض} اسم جنس جعل الانتقاص من الأطراف بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفرة - هذا قول ابن عباس أيضاً ومجاهد. وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت البشر وهلاك الثمرات ونقص البركة، قاله ابن عباس أيضاً والشعبي وعكرمة وقتادة. وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت العلماء والأخيار - قال ذلك ابن عباس أيضاً ومجاهد - وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية. و"الطرف" من كل شيء خياره، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العلوم أودية في أي واد أخذت منها حسرت فخذوا من كل شيء طرفاً. يعني خياراً. وجملة معنى هذه الآية: الموعظة وضرب المثل، أي ألم يروا فيقع منهم اتعاظ. وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد. وقوله: {لا معقب} أي لا راد ولا مناقض يتعقب أحكامه، أي ينظر في أعقابها أمصيبة هي أم لا؟ وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة ليست بعدد. و {المكر}: ما يتمرس بالإنسان ويسعى عليه - علم بذلك أو لم يعلم - فوصف الله تعالى الأمم التي سعت على أنبيائها - كما فعلت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم - بـ {المكر}. وقوله: {فلله المكر جميعاً} أي العقوبات التي أحلها بهم. وسماها "مكراً" على عرف تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى: {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة: 15] ونحو هذا. وفي قوله تعالى: {يعلم ما تكسب كل نفس} تنبيه وتحذير في طي إخبار ثم توعدهم تعالى بقوله: {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار}. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "الكافر" بالإفراد، وهو اسم الجنس، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "الكفار"، وقرأ عبد الله بن مسعود "الكافرون"، وقرأ أبي بن كعب: "الذين كفروا". وتقدم القول في {عقبى الدار} قبل هذا. وقوله تعالى: {ويقول الذين كفروا} الآية، المعنى: ويكذبك يا محمد هؤلاء الكفرة ويقولون: لست مرسلاً من الله وإنما أنت مدع، قل لهم: {كفى بالله شهيداً}. و {بالله} في موضع رفع، التقدير: كفى الله. و"شهيد" بمعنى: شاهد، وقوله: {ومن عنده علم الكتاب} قيل: يريد اليهود والنصارى الذين عندهم الكتب الناطقة برفض الأصنام وتوحيد الله تعالى، وقال قتادة: يريد من آمن منهم كعبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي، الذين يشهدون بتصديق محمد، وقال مجاهد: يريد عبد الله بن سلام خاصة، قال هو: فيّ نزلت {ومن عنده علم الكتاب}. قال القاضي أبو محمد: وهذا القولان الأخيران لا يستقيمان إلا أن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية - قاله سعيد بن جبير، وقال: لا يصح أن تكون الآية في ابن سلام لكونها مكية وكان يقرأ: "ومِن عنده عُلم الكتاب". وقيل: يريد جنياً معروفاً، حكاه النقاش، وهو قول شاذ ضعيف. وقيل: يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذكره بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم. ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض. ويحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: أعدل وأمضى قولاً، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ {شهيداً} ويراد بذلك الله تعالى. وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والحكم وغيرهم "ومِن عندِه علم الكتاب" بكسر الميم من "من" وخفض الدال، قال أبو الفتح: ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ علي بن أبي طالب أيضاً والحسن وابن السميفع "ومِن عنده عُلم الكتابُ" بكسر الميم من "من" وضم العين من "علم" على أنه مفعول لم يسم فاعله، ورفع الكتاب، وهذه القراءات يراد فيها الله تعالى، لا يحتمل لفظها غير ذلك. والله المعين برحمته.

الخازن

تفسير : {وإن ما نرينك} يعني يا محمد {بعض الذي نعدهم} يعني من العذاب {أو نتوفينك} يعني قبل أن نريك ذلك {فإنما عليك البلاغ} يعني ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ {وعلينا الحساب} يعني وعلينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} يعني أو لم ير كفار مكة الذين سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم الآيات أنا نأتي الأرض يعني أرض الشرك ننقصها من أطرافها. قال أكثر المفسرين: المراد منه فتح دار الشرك فإن ما زاد في دار الإسلام فقد نقص في دار الشرك والمعنى أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنفتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم أرضاً بعد أرض حوالى أراضيهم أفلا يعتبرون، فيتعظون وهذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين: وذلك أن المسلمين إذا استولوا على بلاد الكفار قهراً وتخريباً كان ذلك نقصاناً في ديارهم، وزيادة في ديار المسلمين، وقوتهم وكان ذلك من أقوى الدلائل على أن الله تعالى ينصر عبده ويعز جنده ويظهر دينه، وينجز له ما وعده. وقيل: هو خراب الأرض والمعنى أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها ونهلك أهلها أفلا يخافون أن نفعل بهم مثل ذلك، وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة والشعبي نحوه وهذا القول قريب من الأول وقال عطاء وجماعة من المفسرين نقصانها موت العلماء وذهب الفقهاء (ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس"تفسير : ، وفي رواية "حديث : من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا"تفسير : قال الحسن قال عبد الله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار، وقال عبد الله أيضاً: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله، وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر فإذا هلك الأول ولم يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك العلماء. فعلى هذا القول فالمراد بالأطراف العلماء، والأشراف من الناس: حكى الجوهري عن ثعلب قال: الأطراف الأشراف. واستدل الواحدي لهذه اللغة بقول الفرزدق: شعر : واسأل بنا وبكم إذا وردت مني أطراف كل قبيلة من يتبع تفسير : قال: يريد أشراف كل قبيلة. قال الواحدي: والتفسير على القول الأول أولى لأن هذا وإن صح فلا يليق بهذا الموضع. قال الإمام فخر الدين الرازي: ويمكن أن يقال أيضاً إن هذ الوجه لا يليق بهذا الموضع وتقديره أن يقال: أو لم يروا أن كل ما يحدث في الدنيا من الاختلاف خراب بعد عمارة وموت بعد حياة وذل بعد عز ونقص بعد كمال وإذا كانت هذه التغييرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة، فيجعلهم ذليلين بعدما كانوا عزيزين ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وعلى هذا الوجه أيضاً يجوز إيصال الكلام بما قبله. وقوله تعالى {والله يحكم لا معقب لحكمه} يعني لا رادّ لحكمه ولا ناقض لقضائه، والمعقب هو الذي يعقب غيره بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقب، لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب. والمعنى: والله يحكم نافذاً حكمه خالياً من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب حكمه أحد غيره بتغيير، ولا نقض {وهو سريع الحساب} قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام ممن حاسبه للمجازاة بالخير والشر فمجازاة الكفار بالانتقام منهم، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدم بسط الكلام في معنى سريع الحساب قبل هذا {وقد مكر الذين من قبلهم} يعني من قبل مشركي مكة من الأمم الماضية، الذين مكروا بأنبيائهم والمكر إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر مثل ما مكر نمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى، {فلله المكر جميعاً} يعني عند الله جزاء مكرهم. وقال الواحدي: يعني جميع مكر الماكرين له ومنه أي هو من خلقه وإرادته فالمكر جميعاً مخلوق له بيده الخير والشر وإليه النفع والضر. والمعنى أن المكر لا يضر إلا بإذنه وإرادته، وفي هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم كأنه قيل: قد فعل من كان قبلهم من الكفار مثل فعلهم وصنعوا مثل صنيعهم، فلم يضروا إلا من أراد الله ضره، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله لا من أحد من المخلوقين {يعلم ما تكسب كل نفس} يعني أن جميع اكتساب العباد وتأثيراتها معلومة لله هو خالقها أو خلاف المعلوم ممتنع الوقوع وإذا كان كذلك فكل ما علم وقوعه فهو واجب الوقوع وكل ما علم عدمه كان ممتنع الوقوع وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله ولا يحصل ضرراً إلا بإذنه وإرادته، وفيه وعيد للكفار الماكرين {وسيعلم الكافر} على التوحيد وقرىء وسيعلم الكفار على الجمع. قال ابن عباس: يعني أبا جهل. وقيل: أراد المستهزئين وهم خمسة نفر من كفار مكة {لمن عقبى الدار} والمعنى أنهم وإن كانوا جهالاً بالعواقب فسيعلمون أن العاقبة الحميدة للمؤمنين، ولهم العاقبة المذمومة في الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة قوله تعالى {ويقول الذين كفروا لست مرسلاً} لما أنكر الكفار كون محمد رسولاً من عند الله أمره الله بقوله {قل} أي قل: يا محمد لهؤلاء الكفار الذين أنكروا نبوتك {كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} المراد بشهادة الله على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما أظهر على يديه من المعجزات الباهرات والآيات القاهرات الدالة على صدقه، وكونه نبياً مرسلاً من عند الله {ومن عنده علم الكتاب} يعني ومن عنده علم الكتاب أيضاً يشهد على نبوتك يا محمد وصحتها. واختلفوا في الذي عنده علم الكتاب من هو فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء اليهود والنصارى، والمعنى أن كل من كان عالماً من اليهود بالتوراة ومن النصارى بالإنجيل علم أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل من الله لما يجد من الدلائل الدالة على نبوته فيهما شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم، وقيل: إنهم مؤمنو أهل الكتاب يشهدون أيضاً على نبوته. قال قتادة: هو عبد الله بن سلام، وأنكر الشعبي هذا وقال: هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام بالمدينة المنورة وقال يونس لسعيد بن جبير ومن عنده علم الكتاب أهو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية؟ وقال الحسن ومجاهد ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى. وعلى هذا القول يكون المعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيداً بيني وبينكم. قال الزجاج: الأشبه أن الله لا يشهد على صحة حكمه لغيره. وهذا قول مشكل لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزاً إلا أنه خلاف الأصل. فلا يقال شهد بهذا زيد والفقيه. بل يقال: شهد بهذا زيد الفقيه لكن يشهد لصحة هذا القول قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب بكسر الميم والدال، وهي قراءة ابن عباس وغيره على البناء للمفعول والمعنى ومن عند الله علم الكتاب ودليل هذه القراءة قوله {أية : وعلمناه من دلنا علماً} تفسير : [الكهف: 65] وقيل: معناه إن من علم أن القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب، وعن الأمم الماضية فمن علم بهذه الصفة كان شهيداً بيني وبينكم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب قبل وفاتك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} ليس عليك إلا ذلك {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} والجزاء يوم القيامة. قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} جواب للشرط قبله. قال أبو حيان: "والذي تقدم شرطان، لأن المعطوف على الشرط شرط، فأما كونه جواباً للشرط الأول فليس بظاهر؛ لأنه لا يترتب عليه، إذ يصير المعنى: وإما نرينك بعض ما نعدهم من العذاب {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} وأما كونه جواباً للشرط الثاني وهو {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} فكذلك لأنه يصير التقدير: إنما نتوفينك فإنما عليك البلاغ ولا يترتب جواب التبليغ عليه وعلى وفاته صلى الله عليه وسلم لأن التكليف ينقطع [عند الوفاة] فيحتاج إلى تأويل، وهو أن يقدر لكل شرط ما يناسب أن يكون جزاء مترتباً عليه، والتقدير: وإما نرينك بعض الذي نعدهم به من العذاب فذلك شافيك من أعدائك أو نتوفينك قبل حلوله بهم، فلا لوم عليك ولا عتب".

القشيري

تفسير : نفي عنه الاستعجال أمراً، و (....) في قلوبهم أنه يوشك أن يجعل الموعود جهراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {واما نرينك} فى حياتك يا افضل الرسل واصله وان نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ومن ثمة الحقت النون بالفعل {بعض الذى نعدهم} اى مشركى مكة من العذاب والزلازل والمصائب والجواب محذوف اى فذاك شافيك من اعدائك شعر : بس از مرك آنكس نبايد كريست كه روزى بس ازمرك دشمن بزيست تفسير : {او نتوفينك} اى نبض روحك الطاهرة قبل اراءة ذلك فلا تحزن {فانما عليك البلاغ} اسم اقيم مقام التبليغ كالاداء مقام التأدية اى تبليغ الرسالة واداء الامانة لا غير {وعلينا الحساب} اى مجازاتهم يوم القيامة لا عليك فننتقم منهم اشد الانتقام فلا يهمنك اعراضهم ولا تستعجل بعذابهم ونظيره قوله تعالى {أية : فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون} تفسير : يعنى لا يتخلصون من عذاب الله مت او بقيت حيا. وفى التأويلات النجمية {واما نرينك} بالكشف والمشاهدة {بعض الذى نعدهم} وعندنا من العذاب والثواب قبل وفاتك كما كان صلى الله عليه وسلم يخبر عن العشرة المبشرة وغيرهم بدخولهم الجنة حديث : وقد اخبر السائل عن ابيه حين قال اين ابى قال "ابى وابوك فى النار" وقال صلى الله عليه وسلم "رأيت الجنة وفيها فلان ورأيت النار وفيها فلان" تفسير : {او نتوفينك} قبل ان نريك من احوالهم {فانما عليك البلاغ} فيما امرناك بتبليغه ولا عليك القبول فيما تقول {وعلينا الحساب} فى الرد والقبول انتهى وكأن الكفرة قالوا اين ما وعد ربك ان يريك فقال تعالى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إما): شرطية، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية؛ للتأكيد، والجواب: (فإنما...) إلخ. أو: فلا تحتفل فإنما... إلخ، و(لا معقب): في موضع الحال، أي: يحكم نافذاً حكمه، كقوله: جاء زيد لا سلاح معه، أي: خاسراً. و(من عنده): عطف على (بالله). يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ تسكيناً له: {وإما نُرِيَنَّكَ بعضَ الذي نَعدهُم} من العذاب الذي استعجلوه، {أو نَتوفَّينك} قبل أن ترى ذلك، فلا تحتفل بشأنهم، {فإنما عليك البلاغُ} للرسالة لا غير، {وعلينا الحسابُ}: المجازاة. والمعنى: كيفما دار الحال دُرْ معه، أريناك بعض ما أوعدناهم في حياتك، أو توفيناك قبله، فلا تهتم بإعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم؛ فإنا فاعلون ذلك لا محالة، وهذا طلائعه، فقد فتحنا عليك كثيراً من بلادهم ونقصناها عليهم. {أوَ لَم يروا أنا نأتي الأرضَ} أي: أرض الكفرة، {ننقُصُها من أطرافِها} بما نفتحه على المسلمين منها، فيخافون أن نُمَكّنك من أرضهم، وتنزل بساحتهم، منصوراً عليهم، فإذا نزلتَ بساحتهم، ولم يخضعوا لك، فساء صباح المنذرين. وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك. وذلك مقدمات العذاب الذي حَكَمَ به عليهم، {واللهُ يحكُمُ لا مُعقبَ لحُكْمِهِ}: لا راد له. والمعقب: الذي يعقب الشيء بالأبطال، ومنه قيل لصاحب الدَيْن: معقب؛ لأنه يعقب غريمه للاقتضاء، والمعنى: أنه حكم للأسلام بالإقبال، وعلى الكفرة بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. {وهو سريعُ الحساب} فيحاسبهم عما قليل في الآخرة، وبعدما عذَّبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. {وقد مَكَرَ الذين من قَبلهم} بأنبيائهم، وبمن تبعهم، {فللَّهِ المكر جميعاً}، إذ لا يُؤبه بمكرٍ دون مكره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه ودون غيره. سَمَّى العقوبة باسم الذنب؛ للمشاكلة، {يعلم ما تكسب كل نفس} فينفذ جزاؤها. {وسيعلم الكافر} أي: جنس الكافر، بدليل قراءة: "الكفار"، {لِمَنْ} هي {عُقْبَى الدار} أي: لمن تكون العاقبة في الدارين، دار الفناء، ودار البقاء، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار؟. قال البيضاوي: وهذا كالتفسير لمكر الله بهم، واللام تدل على أن المراد بالعُقبى العاقبة المحمودة، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. هـ. {ويقول الذين كفروا} من رؤساء اليهود: {لستَ مرسلاً}، ولم نجد لك ذكراً في كتابنا، ولا ما يشهد لك عندنا. قال تعالى: {قل} لهم: {كفى بالله شهيداً بيني وبينكم}؛ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها منكم، ولا من غيركم. {و} يشهد لي أيضاً: {مَنْ عنده عِلمُ الكتاب} الأول؛ العلم الحقيقي، كعبد الله بن سلام، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن، وما احتوى عليه من النظم المعجز، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم. أو علم اللوح المحفوظ إلا هو، شهيداً بيننا. ويؤيده قراءة من قرأ: "ومَنْ عِنْدِهِ"؛ بكسر الميم. وعلم الكتاب، على الأول: مرفوع بالظرف؛ فإنه معتمد على الموصول. ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف خبره. وهو متعين على الثاني. قاله البيضاوي. الإشارة: قد قال تعالى في الحديث القدسي: "حديث : مَنْ آذَى لي وَلِيّاً فَقَد آذَنَ بالحَرْب"تفسير : . وجرت عادة الله تعالى أن ينتقم لأوليائه، ويغار عليهم، ولو بعد حين، فإذا أُوذي أحدُهم، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} قبل ذلك، فليس الأمر بيدك، فإنما عليك بلاغ ما جاء به نبيك؛ من نصح العباد، وإرشادهم إلى معالم دينهم، وتصفية بواطنهم، وعلينا الحساب؛ فنُجازي مَنْ أقَْبَلَ ومَنْ أدْبَرَ. ومن جملة الانتقام: حَبسُ الأمطار، ونقص الثمار، وتخريب البلاد، وكثرة موت العباد، فتنقص الأرض من أطرافها. أفلم يعتبروا بذلك، ويقصروا عن مكرهم بأولياء الله؟. وقد مكر الذين من قبلهم بأولياء زمانهم، فلم يغنوا شيئاً، فَمَكَرَ الله بهم، وخذلهم عن طاعته، وسيعلم أهل الإنكار لِمن تكون عاقبة الدار. ويقول الذين كفروا بخصوصية وليّ من أولياء الله: لست وليّاً. فيقول لهم: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم، ومن عنده علم الخصوصية، وهم: السادات الصوفية، فلا يعرف الوليَّ إلا وليُّ مثله، ولا يعرف أهلَ الخصوصية إلا مَنْ له الخصوصية. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى له إِنا ان اريناك بعض الذي نعد الكفار من العقوبة على كفرهم، ونصر المؤمنين حتى يظفروا بهم، فيقتلوهم ويستذلّوا باقيهم إن لم يؤمنوا، فنبقيك الى أن ترى ذلك، أو نميتك قبل أن ترى ذلك. وقيل: ان نفعله بهم، لانه ليس ذلك مما لا بدّ ان تراه لا محالة، فلا تنتظر كونه على ذلك بأن يكون في ايامك. وانما عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به اليهم، وتقوم في ذلك بما أمرك الله به، وعلينا نحن حسابهم، ومجازاتهم والانتقام منهم، إما عاجلا أو آجلاً، وذلك كائن لا محالة على ما قلناه. وكسرت الالف من قوله {وإِما نرينَّك} لأنه من التخيير، والتقدير، وإِما نرينَّك نقمتنا وأنت حي، وإِما نتوفَّينَّك.

الجنابذي

تفسير : {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} اى ان نرك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} فلا بأس عليك ولا تحزن عليه {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} وقد بلّغت {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} ونحاسب لا محالة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} في تفسير الحسن أن الله أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم أن له في أمته نقمة، ولم يخبره أفي حياته تكون أم بعد موته. قال: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} وفيها إضمار. وإضمارها: {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمَونَِ}. وهي مثل الآية الأخرى: (أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) تفسير : [الزخرف:41-42]. ذكروا عن الحسن في تفسير هذه الآية أنه قال: كانت نقمته شديدة؛ أكرم الله نبيّه أن يريه ما كان في أمته من النقمة بعده. قوله: { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ} أي: إنما عيك أن تبلغهم، {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}، أي: أن تكرههم على الإِيمان، كقوله: (أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) تفسير : [يونس:99]. قوله: { وَعَلَيْنَا الحِسَابُ} أي: يوم القيامة. ثم أمر بقتالهم على الإِيمان. ولا يستطيع أن يكرههم على الإِيمان. إنما يقاتلهم عليه. وإنما يؤمن من شاء الله أن يؤمن.

اطفيش

تفسير : {وإنْ ما} إن الشرطية ادغمت نونها فى ميم ما التى هى صلة للتأكيد ولذلك ساغ توكيد الفعل بعد النون {نُرينَّك بَعْضَ الَّذِى نَعدُهم} من العذاب، والهاء لكفار قريش {أو نُتوفينَّك} أى سواء أريناك بعض الوعيد أو أمتناك قبله {فإنما عليْكَ البلاغُ} لا غير، وهو اسم مصدر بمعنى التبليغ، وهذا جواب إن، وقيل: الفاء للتعليل، والجواب محذوف، أى فإنا المنتقمون، لأنه ما عليك إلا تبليغ الوحى، وقيل: جواب إن محذوف، أى فإما نرينك بعض الذى نعدهم فذلك، وجواب نتوفينك تقديره: فإنَّا المنتقمون، لأنه ما عليك إلا البلاغ، أو هو فإنما عليك البلاغ، واستحق جوابا لعطفه على الشرط. {وعَليْنا} لا عليك {الحِسابُ} يوم القيامة للجزاء، فلا تهتم بهم، ولا تستعجل فما هم بفائتينا، قيل: الآية نهى عن القتال، فهى منسوخة بآية السيف، قلت: ليست نهيا عنه، فضلا عن أن تنسخ، وأما لحصر فى {فإنما عليك البلاغ} فأضافى منظور فيه إلى الهداية، أى إنما عليك البلاغ لا الهداية، أو البلاغ لا الحساب، كما يدل عليه السياق، وادعى بعضهم الإجماع على نسخها، وليس كذلك كما نص عليه السيوطى.

اطفيش

تفسير : {وإِنَ مَّا} إِن الشرطية وما المؤكدة لربط الجواب بالشرط {نُرِيَنَّكَ} يا محمد {بعْض الَّذِى نَعِدُهُمْ} من العذاب فى حياتك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل تعذيبهم والجواب محذوف أَى فلا لوم عليك ما أَنت بملوم، ناب عنه علته وهو قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ} أَى لأَنه ليس عليك إِلا البلاغ أَى تحصيل البلاغ، وقد حصلته، أَو البلاغ اسم مصدر بمعنى التبليغ، ولأَنه لا حساب إِلا على الله كما قال {وَعَلَيْنا} لا عليك ولا على غيرك {الحِسَابُ} للمجازاة عليهم ولك، ولا يهمنك شأَنهم، والعذاب يصيبهم لا محالة، والإِسلام يعلو الكفر وعدا لا يتخلف، وما تقدم أَولى من تقدير الجواب للفعل الأَول على حدة هكذا، فإِما نرينك بعض الذى نعدهم فذاك شافيك من أَعدائِك أَو نتوفينك فلا لوم عليك، ولا بد من عذابهم وهذه طلايعه مذكورة فى قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِى الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} ومكة وسطها، أَشكوا ولم يروا أَو أَنكروا ولم يروا أَنا نقصد أَرض المشركين بالفتح لبلد بعد بلد نقصاً من أَطراف المشركين وزيادة فى أَطراف المؤمنين، وجملة ننقصها حال من ضمير نأْتى أَو من الأَرض، أَو ننقص بلاد الأُمم السابقة بكفرهم، أَفلا تخافون أَن تهلكوا مثلهم لكفركم، ويضعف ما قيل عن ابن عباس: ننقصها بموت الأَشراف والكبراء والعلماء والصالحين، ولعل هذا لم يصح عن ابن عباس إِذ ليس المهام له، اللهم إِلا أَن يقال: أَلم يروا أَنا أَهلكنا قبلهم من هو أَشرف منهم فكيف هم مع كفرهم {واللهُ يَحْكُمُ} فى الخلق بما يشاءُ، ومقتضى الظاهر ونحن نحكم، وجعل الظاهر موضع المضمر لتربية المهابة بلفظ الجلالة وتحقيق الخبر لكونه من الجليل الذى اسمه الله {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} لا يأْتى أَحد عقب حكمه بما يبطل حكمه، أَو ينقضه أَو يضعفه، وقد حكم للإِسلام بالإِقبال، وللكفر بالإِدبار، فلا بد من وقوعه خارجاً بالمعاينة، والجملة حال من ضمير يحكم {وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} قريب عذابهم بعد الموت، أَو حسابهم يوم البعث بأَن يناقشهم بعد عذابهم فى الدنيا بالذل والخوف والقتل والجلاء من ديارهم وغير ذلك، وكل آت قريب، ويجوز عود الحساب إلى ثواب المؤمنين وعقاب الكافرين.

الالوسي

تفسير : {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ} أصله إن نريك و {مَا} مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ومن ثمة ألحقت النون بالفعل، قال ابن عطية: ولو كانت {إن} وحدها لم يجز إلحاق النون، وهو مخالف لظاهر كلام سيبويه، قال ابن خروف: أجاز سيبويه الإتيان ـ بما ـ وعدم الإتيان بها والإتيان بالنون مع {مَا } وعدم الإتيان بها، والإراءة هنا بصرية والكاف مفعول أول وقوله سبحانه: {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } مفعول ثان، والمراد بعض الذي وعدناهم من إنزال العذاب عليهم، والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو نعدهم وعداً متجدداً حسب ما تقتضيه الحكمة من إنذار عقيب إنذار، وفي إيراد البعض رمز على ما قيل إلى إراءة بعض الموعود {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أي تبليغ أحكام ما أنزلنا عليك وما تضمنه من الوعد والوعيد لا تحقيق مضمون الوعيد الذي تضمنه ذلك، فالمقصور عليه البلاغ ولهذا قدم الخبر، وهذا الحصر مستفاد من {إِنَّمَا} لا من التقديم وإلا لانعكس المعنى. وقوله تعالى: {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} الظاهر أنه معطوف على ما في حيز {إِنَّمَا } فيصير المعنى إنما علينا محاسبة أعمالهم السيئة والمؤاخذة بها دون جبرهم على اتباعك أو إنزال ما اقترحوه عليك من الآيات. واعتبر الزمخشري عطفه على جملة {إِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } فيصير المعنى وعلينا لا عليك محاسبة أعمالهم، قيل: وهو الظاهر ترجيحاً للمنطوق على المفهوم إذا اجتمع دليلا حصر، وحاصل معنى الآية كيفما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي أو لم نركه فعلينا ذلك وما عليك إلا التبليغ فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك به من الظفر ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية. وفي «البحر» عن الحوفي أنه قد تقدم في الآية شرطان نرينك ونتوفينك لأن المعطوف على الشرط شرط، وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} لا يصلح أن يكون جواباً للشرط الأول ولا للشرط الثاني لأنه لا يترتب على شيء منهما وهو ظاهر فيحتاج إلى تأويل، وهو أن يقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون جزاء مترتباً عليه، فيقال والله تعالى أعلم: وإما نرينك بعض الذين نعدهم فذلك شافيك من أعدائك ودليل صدقك وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب، ويكون قوله تعالى: {فَإِنَّمَا} الخ دليلاً عليهما، والواقع من الشرطين هو الأول كما في بدر. ثم إنه سبحانه طيب نفسه عليه الصلاة والسلام بطلوع تباشير الظفر فقال جل شأنه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ...}

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : يمحوا الله ما يشاء ويثبت } تفسير : [الرعد: 39] باعتبار ما تفيده من إبهام مراد الله في آجال الوعيد ومواقيت إنزال الآيات، فبينت هذه الجملة أن النبي ليس مأموراً بالاشتغال بذلك ولا بترقبه وإنما هو مبلّغ عن الله لعباده والله يعلم ما يحاسب به عباده سواء شهد النبي ذلك أم لم يشهده. وجعل التوفي كناية عن عدم رؤية حلول الوعيد بقرينة مقابلته بقوله: {نرينك}. والمعنى: ما عليك إلا البلاغ سواء رأيت عذابهم أم لم تره. وفي الإتيان بكلمة {بعض} إيماء إلى أنه يرى البعض. وفي هذا إنذار لهم بأن الوعيد نازل بهم ولو تأخر؛ وأن هذا الدين يستمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان الوعيد الذي أمر بإبلاغه واقعاً ولو بعد وفاته فبالأولى أن يكون شرعه الذي لأجله جاء وعيد الكافرين به شرعاً مستمراً بعده، ضرورة أن الوسيلة لا تكون من الأهمية بأشدّ من المقصد المقصودة لأجله. وتأكيد الشرط بنون التوكيد و {مَا} المزيدة بعد {إنْ} الشرطية مراد منه تأكيد الربط بين هذا الشرط وجوابه وهو {إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}. على أن نون التوكيد لا يقترن بها فعل الشرط إلاّ إذا زيدت {ما}؛ بعد {إن} الشرطية فتكون إرادة التأكيد مقتضية لاجتلاب مؤكدين، فلا يكون ذلك إلا لغرض تأكيد قويّ. وقد أرى الله نبيئه بعض ما توعد به المشركين من الهلاك بالسيف يوم بدر ويوم الفتح ويوم حنين وغيرها من أيام الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُرِهِ بعضه مثل عذاب أهل الردة فإن معظمهم كان من المكذبين المبطنين الكفر مثل: مسيلمة الكذاب. وفي الآية إيماء إلى أن العذاب الذي يحل بالمكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم عذاب قاصر على المكذبين لا يصيب غير المكذب لأنه استئصال بالسيف قابل للتجزئة واختلاف الأزمان رحمةً من الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم. و{على} في قوله: {عليك البلاغ وعلينا الحساب} مستعملة في الإيجاب والإلزام، وهو في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز في الوجوب لله بالتزامه به. و{إنما} للحصر، والمحصور فيه هو البلاغ لأنه المتأخر في الذكر من الجملة المدخولة لِحرف الحصر، والتقدير: عليك البلاغ لا غيره من إنزال الآيات أو من تعجيل العذاب، ولهذا قدم الخبر على المبتدأ لتعيين المحصور فيه. وجملة {وعلينا الحساب} عطف على جملة {عليك البلاغ} فهي مدخولة في المعنى لحرف الحصر. والتقدير: وإنما علينا الحساب، أي محاسبتهم على التكذيب لا غير الحساب من إجابة مقترحاتهم.

الواحدي

تفسير : {وإن مَّا نرينك بعض الذي نعدهم} من العذاب {أو نتوفينك} قبل ذلك {فإنما عليك البلاغ} يريد: قد بلَّغت {وعلينا الحساب} إليَّ مصيرهم فأجازيهم، أَيْ: ليس عليك إلاَّ البلاغ كيف ما صارت حالهم. {أَوَلَمْ يروا} يعني: مشركي مكَّة {أَنَّا نأتي الأرض} نقصد أرض مكَّة {ننقصها من أطرافها} بالفتوح على المسلمين. يقول: أولم ير أهل مكَّة أنَّا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم ما حولها من القرى، أفلا يخافون أن تنالهم يا محمد {والله يحكم} بما يشاء {لا معقب لحكمه} لا أحدٌ يتتبع ما حكم به فيغيِّره، والمعنى: لا ناقض لحكمه ولا رادَّ له {وهو سريع الحساب} أَي: المجازاة. {وقد مكر الذين من قبلهم} يعني: كفَّار الأمم الخالية، مكروا بأنبيائهم {فلله المكر جميعاً} يعني: إنَّ مكر الماكرين له، أَيْ: هو من خلقه، فالمكر جميعاً مخلوق له ليس يضرُّ منه شيءٌ إلاَّ بإذنه {يعلم ما تكسب كلُّ نفس} جميع الأكساب معلومٌ له {وسيعلم الكُفَّار} وهو اسم الجنس {لمن} العاقبة بالجنَّة، وقوله تعالى: {ومن عنده علم الكتاب} هم مؤمنو أهل الكتابين، وكانت شهادتهم قاطعةً لقول أهل الخصوم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نعدهم: أي من العذاب. أو نتوفينك: أي قبل ذلك. ننقصها من أطرافها: أي بلداً بعد بلد بالفتح ودخول الإِسلام فيها وانتهاء الشرك منها. لا معقب لحكمه: أي لا راد له بحيث لا يتعقب حكمه فيبطل. ومن عنده علم الكتاب: من مؤمني اليهود والنصارى. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} أي إن أريتك بعض الذي نعد قومك من العذاب فذاك، وإن توفيتك قبل ذلك فليس عليك إلا البلاغ فقد بلغت وعلينا الحساب فسوف نجزيهم بما كانوا يكسبون، فلا تأس أيها الرسول ولا تضق ذرعاً بما يمكرون، وقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي المشركون الجاحدون الماكرون المطالبون بالآيات على صدق نبوة نبينا {أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} أي نفتحها للإِسلام بلداً بعد بلد أليس ذلك آية دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة دعوته، وقوله: {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي والله جل جلاله يحكم في خلقه بما يشاء فيعز ويذل ويعطي ويمنع وينصر ويهزم، ولا معقب لحكمه أي ليس هناك من يعقب على حكمه فيبطله فإذا حكم بظهور الإِسلام وإدبار الكفر فمن يرد ذلك على الله، وقوله: {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} إذا حاسب على كسب فحسابه سريع يجزي الكاسب بما يستحق دون بطء ولا تراخ وقوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي وقد مكرت أقوام قبل قريش وكفار مكة فكيف كان عاقبة مكرهم؟ إنها دمارهم أجمعين، أما يخشى رؤساء الكفر في مكة من عاقبة كهذه؟ وقوله: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} أي إذاً فلا عبرة بمكرهم ولا قيمة له فلا يرهب ولا يلتفت إليه وقوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من خير وشر فأين مكر من لا يعلم من مكر من يعلم كل شيء فسوف يصل بالممكور به إلى حافة الهلاك وهو لا يشعر، أفلا يعي هذا كفار قريش فيكفوا عن مكرهم برسول الله ودعوته، وقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} أي سيعلم المشركون خصوم التوحيد يوم القيامة لمن عقبى الدار أي العاقبة الحميدة لمن دخل الجنة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه أو لمن دخل النار وهم دعاة الشرك والكفر وأتباعهم، وقوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} أي يواجهونك بالإِنكار عليك والجحود لنبوتك ورسالتك قل لهم يا رسولنا الله شهيد بيني وبينكم وقد شهد لي بالرسالة وأقسم لي عليها مرات في كلامه مثل {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [يسۤ: 1-3] وكفى بشهادة الله شهادة، {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} الأول التوراة والإِنجيل وهم مؤمنوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي وتميم الداري وغيرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- انتصار الإِسلام وانتشاره في ظرف ربع قرن أكبر دليل على أنه حق. 2- أحكام الله تعالى لا ترد، ولا يجوز طلب الاستئناف على حكم من أحكام الله تعالى في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. 3- شهادة الله أعظم شهادة، فلا تطلب بعدها شهادة إذا كان الخصام بين مؤمنين. 4- فضل العالم على الجاهل، إذ شهادة مؤمني أهل الكتاب تقوم بها الحجة على من لا علم لهم من المشركين.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَإِن مَّا} {ٱلْبَلاَغُ} (40) - وَإِنْ أَرَيْنَاكَ، يَا مُحَمَّدُ، بَعْضَ الذِي أَوْعَدْنَا بِهِ أَعْدَاءَكَ مِنَ الخِزْيَ وَالنّكَالِ فِي الدُّنيا، أَوْ تَوَفَّيْنَاكَ قَبْلَ ذلِكَ، فَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَةَ اللهِ، وَقَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَجَزَاؤُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ، وَسَيَجْزِي اللهُ المُؤْمِنينَ بِالجَنَّةِ، وَيَجْزِي الكَافِرِينَ بِالخِزِيِ، فِي الدُّنْيا، وَبِالعَذَابِ الدَّائِمِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية تُحدِّد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يُبلِّغ منهج الله، فمَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر، إلا أن قول الحق سبحانه في رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. جعله هذا القول متعلقاً بهداية قومه جميعاً، وكان يرجو أن يكون الكل مهتدياً؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله في موقع آخر: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. أي: أنك لستَ مسئولاً عن إيمانهم، وعليك ألاَّ تحزن إنْ لم ينضمُّوا إلى الموكب الإيماني، وكُلُّ ما عليك أن تدعوهم وتُبلِّغهم ضرورة الإيمان؛ والحق سبحانه هو الذي سوف يحاسبهم إما في الدنيا بالمحو والإذهاب، أو في الآخرة بأن يَلْقَوْا عذاب النار. وحين يقول الحق سبحانه: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} [الرعد: 40]. فنحن نعلم أن كل دعوة من دعوات الخير تكبُر يوماً بعد يوم؛ ودعوات الشر تبهت يوماً بعد يوم. ومَنْ يدعو إلى الخير يُحِب ويتشوق أنْ يرى ثمار دعوته وقد أينعتْ، ولكن الأمر في بعض دعوات الخير قد يحتاج وَقْتاً يفوق عمر الداعي. ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ..} [الرعد: 40]. أي: اغرس الدعوة، ودَعْ مَنْ يقطف الثمرة إلى ما بعد ذلك، وأنت حين تتفرَّغ للغَرْس فقط؛ ستجد الخير والثمار تأتي حين يشاء الله؛ سواء شاء ذلك إبَّان حياتك أو من بعد موتك. وأنت إذا نظرتَ إلى الدعوات التي تستقبلها الحياة تجد أن لكل دعوة أنصاراً أو مؤيدين، وأن القائمين على تلك الدعوات قد تعجَّلوا الثمرة؛ مع أنهم لو تمهَّلوا ليقطفها مَنْ يأتي بعدهم لنَجحتْ تلك الدعوات. ونحن في الريف نرى الفلاح يغرس؛ ومن خلال غَرْسه نعرف مراداته، هل يعمل لنفسه، أو يعمل من أجل من يأتي بعده؟ فَمنْ يغرس قمحاً يحصد بسرعة تفوق سرعة مَنْ يغرس نخلة أو شجرة من المانجو، حيث لا تثمر النخلة أو شجرة المانجو إلا بعد سنين طويلة، تبلغ سبع سنوات في بعض الأحيان، وهذا يزرع ليؤدي لِمَنْ يجئ ما أداه له مَنْ ذهبَ. ونحن نأكل من تَمْرٍ زَرَعه لنا غيرنا مِمَّنْ ذهبوا، ولكنهم فكّروا فيمَنْ سيأتي من بعدهم، ومَنْ يفعل ذلك لا بُدَّ وأن يكون عنده سِعَة في الأرض التي يزرعها؛ لأن مَنْ لا يملك سِعَة من الأرض فهو يفكر فقط فيمَنْ يعول وفي نفسه فقط؛ لذلك يزرع على قَدْر ما يمكن أن تعطيه الأرض الآن. أما مَنْ يملك سِعَة من الأرض وسِعَة في النفس؛ فهو مَنْ وضع في قلبه مسئولية الاهتمام بمَنْ سيأتون بعده. وأنْ يردّ الجميل الذي أسداه له مَنْ سبقوه، بأن يزرع لغيره ممَّنْ سيأتون من بعده. ودعوة محمد - عليه الصلاة والسلام - شِهدتْ له بأنه لم يبحثْ لنفسه عن ثمرة عاجلة؛ بل نجد الدعوة وهي تُقابل الصِّعاب تِلْو الصعاب، ويَلْقى صلى الله عليه وسلم ما تلقَّى من العنت والإرهاق والجهد؛ بعد أنْ جهر بالدعوة في عشيرته الأقربين. ثم ظلَّتْ الدعوة تتسع في بعض العشائر والبطون إلى أن دالت عاصمة الكفر؛ وصارت مكة بيت الله الحرام كما شاء الله، وأسلمتْ الجزيرة كلها لمنهج الله، وأرسل صلى الله عليه وسلم الكتب إلى الملوك والقياصرة، وكلها تتضمن قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أسلم تسلم ". تفسير : ودَلَّتْ هذه الكتب على أن الدعوة الإسلامية هي دعوة مُمتدَّة لكل الناس؛ تطبيقاً لِمَا قاله الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه: "حديث : رسول للناس كَافَّة ". تفسير : قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ..} تفسير : [سبأ: 28]. وفَهِم الناس الفَارِق بين رسالته صلى الله عليه وسلم وبين كَافّة الرسالات السابقة، فإلى قوم عاد أرسل هوداً عليه السلام. يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ..} تفسير : [الأعراف: 65]. وقال عن أهل مَدْين: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ..} تفسير : [الأعراف: 85]. وقال عن بَعْثة موسى: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ..} تفسير : [آل عمران: 49]. وهكذا حدَّد الحق سبحانه زمان ومكان القوم في أيِّ رسالة سبقتْ رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. لكن الأمر يختلف حين أرسل سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً وجعله للناس كَافَّة، فقد علم سبحانه أزلاً أن هذا هو الدين الخاتم؛ لذلك أرسل رسول الله إلى حُكَّام العالم - المعاصرين له - دعوةً لدخول الدين الخاتم. وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المهمة لمَنْ يخلفونه، ودعا صلى الله عليه وسلم الجزيرة العربية تحت لواء "لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" بعد أن كانت قبائل متعددة. كل قبيلة كانت لا تُلزِم نفسها بعبادة إله القبيلة الأخرى؛ وكل قبيلة لا تلزم نفسها بتقنين القبيلة الأخرى، ولم يجمعهم أبداً شَمْل، ولا استيطانَ لهم إلا في بعض القُرَى، ذلك أن أغلبهم من البَدْو الرُّحَّل؛ كل واحد منهم يحمل بيته - الخيمة - على ظهر بعيره، ويمشي بحثاً عن الكلأ والماء لأغنامه وماشيته. فلم يكن عندهم انتماء وطني؛ فضلاً عن القبائل التي كانت تتقاتل فيما بينها في تارات عنيفة، وامتدت الحرب فيما بين بعض القبائل إلى أربعين عاماً في بعض الأحيان. استطاع صلى الله عليه وسلم أن يُوظِّف ما كانوا عليه من تدريب وعَتَاد وعُدَّة لِنُصْرة دين الله؛ فحين إعداده للغزوات أو اختياره للسرايا كان يجد المقاتلين في كامل لياقتهم. وحين استدعاهم إلى الحرب لم يُجْر لهم تدريبات؛ فقد كان الكل مُدرَّباً على القتال. وهكذا صارتْ القبائل أمة واحدة بعد أن جمعهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وحدة التكامل العقدي تحت راية الإسلام، وهذه الأمة الأمية، قال فيها الحق سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ..} تفسير : [الجمعة: 2]. وكانت هذه الأمية شرفاً لهم كَيْلا يُقََال: إنهم أصحاب قَفْزة حضارية من أمة مُتمدينة. وكانت هذه الأمية مُلْفتة، لأن ما جاء في تلك الأمة من تشريعات وقفتْ أمامه الأمم الأُخرى إلى زماننا هذا باندهاش وتقدير. وشاء الحق سبحانه لهذه الأمة أن تحمِلَ رسالة السماء لكل الأرض، وبعد أن نزل قول الحق سبحانه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..} تفسير : [المائدة: 3]. فَهِم بعض الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينعِي نفسه لأمته. ومن بعد رحيله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى انساح صحابته بالدين الخاتم في الدنيا كلها، وخلال نصف قرن من الزمان صار للإسلام جناحان؛ جناح في الشرق، وجناح في الغرب. وهزم اكبر إمبراطوريتين متعاصرتين له؛ هما إمبراطورية فارس بحضارتها وإمبراطورية الروم. وكانت البلاد تتخطَّف الإسلامَ كمنهج حياة، حدث ذلك بعد أن حارب الإسلامُ الإمبراطوريتين في آنٍ واحد، وأقبل الناس على الإسلام لِيتحقَّقوا من معجزته التي لَمسُوها في خُلُق مَنْ سمِعوا القرآن وحَملوا رسالته؛ ثم في اكتشافهم لعدالة القرآن في إدارة حركة الحياة. وهكذا اكتشفوا أن معجزة الإسلام عقلية؛ وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم الذي لم يَأْتِ لهم بمعجزة حِسِّية، وإذا كان القرآن معجزة في اللغة للقوم الذين نزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالقرآن لِمَنْ لم يعرفوا لغة القرآن كان معجزة في العدالة والقيم النابعة منه. وكان الناس يندفعون إلى الإسلام بقوة دَفْع من المؤمنين به، وبقوة جَذْب من غير المؤمنين؛ حين يروْنَ ألاَّ فَرْق بين الأمير وأصغر فَرْد تحت رايته، وحين يلمسون عدالته ومساواته بين البشر. ولم يكن الإسلام معجزة لقومه فقط؛ بل لكل الدنيا، ويتحقق دائماً قول الحق سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. ونجد مُفكّراً كبيراً من الغرب المعاصر يعلن إسلامه، رغم أنه لم يقرأ القرآن؛ بل نظر فقط في المبادئ التي قَنَّنها الإسلام، وكيف تحمل حلولاً لِمَا عجزتْ عنه الحضارات المتعاقبة وأهل القوانين في كل بلاد الأرض. ويعرف أن تلك القوانين قد جاءتْ لرسول ينتمي لأمة لم تبرعْ إلا في البلاغة والأدب، وتضع تلك القوانين حلولاً لمشاكل تعاني منها الدنيا كلها. ورأينا كيف بحثَ رجل عن أعظم مائة في تاريخ البشرية، وكيف جعل محمداً صلى الله عليه وسلم أولهم، وهذا الباحث لم يقرأ القرآن؛ ولكنه درسَ آثار تطبيق القرآن، وبعد أنْ يُعجبَ بالمنهج القرآني نجده يُعجب بالنص القرآني. والمثل: هو دراسة الألمان لعملية إدراكات الحِسِّ؛ وكيف يشعر الإنسان بالألم؟ وكيف يلمس الإنسان بِبَشْرته بمَلْمسٍ ناعم فيُسَرّ منه، ثم يلمس شيئاً خشناً فيتأذى منه. واستمر الألمان يدرسون ذلك لسنوات؛ كي يعرفوا مناطَ الإحساس وموقعه في الإنسان، هل هو في المُخِّ أم أين؛ إلى أن انتهوْا إلى منَاطَ الإحساس في كُلِّ إنسان هو في الجِلْد، وأنها خلايا مُنبسطة تحت الجِلْد مباشرة؛ بدليل أن الإبرة حين نغرزها في جسم الإنسان؛ فهو يتألم فقط في منطقة دخولها؛ وليس أكثر. ولفتَ ذلك نظر أحد العلماء؛ فقال: لقد تحدث القرآن عن ذلك حين قال: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 56]. ولو أن تلك الجلود قد احترقتْ؛ فالعذاب سينتهي؛ لذلك يُبدِّل الله جلودهم ليستمر العذاب، وهذا مَثَلٌ واحد من أمثلة ما كشف عنه القرآن. ومن الأمثلة المعاصرة في العلوم الجنائية قصة شاب مسلم من سوهاج سافر إلى ألمانيا ليُعد رسالة الدكتوراه في القانون، ووجدهم يقفون عند قضية التعسُّف في استعمال الحق، ويعتبرونها من أهم الإنجازات القانونية في القرن العشرين. فأوضح لهم هذا الشاب أن الإسلام قد سبقهم في تقدير هذه المسألة ووضع الحكم المناسب فيها من أربعة عشر قرناً من الزمان. حديث : "وروى لهم أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: إن لفلان عندي في ساحة بيتي نخلة، وهو يدخل بيتي كل ساعة بحجة رعاية تلك النخلة؛ مرة بدعوى تأبيرها؛ وأخرى بدعوى جَنْي ثمارها. وثالثة بدعوى الاطمئنان عليها حتى جعل النخلة شُغله الشاغل. وشكا الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يتأذى هو وأهل بيته من اقتحام الرجل للحياة الخاصة له، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى صاحب النخلة وقال له: أنت بالخيار بين ثلاثة مواقف: إما أن تهبه النخلة - وتلك منتهى الأريحية -، وإما أنْ تبيعها له، وإما قطعناها ". تفسير : وهكذا وضع صلى الله عليه وسلم قواعد للتعامل فيما يسمى "التعسُّف في استعمال الحق". وفي إنجلترا وجدوا أن القانون التجاري مليء بالثغرات، ومثال هذا أن التعامل في السوق قد يتطلب بعضاً من المرونة بين التجار؛ فهذا يرسل لذلك طالباً من الآخر ألفاً من الجنيهات؛ وفلان يردُّ ما أخذه أو يقايضه. واصطدم الواقع بأن بعض التجار لا يعترفون ببعض الديون التجارية التي عليهم، وقديماً كان إذا أراد تاجر أن يقترض من زميل له؛ فهو يكتب الدَّيْن في كمبيالة أو إيصال أمانة؛ وذلك لتوثيق الدَّيْن. ولكن الأمر اليومي في السوق قد يختلف؛ فهذا يحتاج نقوداً لأمر عاجل، وزميله يثق في قدرته على الردِّ والتسديد؛ لأنه قد يحتاج هو الآخر لنقود عاجلة، ويثق أن مَنْ يقرضه الآن، سيقرضه فيما بعد؛ ولذلك أنشأوا ما يُسمَّى بالدَّيْن التجاري، فيفتحون "دفتراً" يُسجِّلون في الديون التجارية؛ لتحكم الدفاتر فيما يعجز عن تذكّره الأشخاص. وذهب شاب مسلم لبعثة دراسية هناك؛ وأوضح لهم أن قضية الدّين أخذت اهتمام الإسلام؛ لدرجة أن أطول آية في القرآن هي الآية التي تحدد التعامل مع الديون؛ وأخذ يترجم لهم قول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 282]. وظاهر الأمر أنه يحمي الدائن، ولكن الحقيقة أنه يحمي المدين أيضاً؛ لأن المدين إنْ علم أنَّ الدَّيْن مُوثَّق؛ فهو سيسعى جاهداً أن يؤديه في موعده، وأيضاً كي لا يأخذ النصَّابون فرصة للهرب من السداد، وبذلك حمى القرآنُ الدائن والمدين معاً كي لا تقف حركة التعامل بين الناس. ومع هذا فإنه لم يمنع الأريحية الإيمانية والمروءة أن تسلك طريقها في عالم الود والإخاء المؤمن؛ فإنْ كان لك قريب أو إنسان لك به صِلَة، وأنت تأمنه على ما اقترض منك؛ يقول لك الحق سبحانه: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ ..} تفسير : [البقرة: 283]. وبهذا القول يشعر مَنْ يحمل أمانة من الغير بالخجل؛ فيعمل على رَدِّها. ثم يضيف الحق سبحانه: {أية : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 282]. وهكذا جاء الإسلام بقوانين لا يمكن أن تخرج من أمة أُميِّة؛ لأنها قوانين تسبق العصور، وهي قوانين تنبع من دين سماوي خاتم. ولذلك عندما سألوني عن موقف الإسلام من التقدمية والرجعية، قلت لهم: إن القياس خاطئ؛ لأنك لن تستطيع أن تقيس فِكْر بشر بما أنزله رَبُّ كل البشر، وإذا كان العالم بشَرْقه وغَرْبه يهتدي إلى أيِّ خير تنتظم به حياته؛ ويجد جذوراً لذلك الخير في الإسلام؛ فهذا دليل على أن العالم يتجه إلى الوسطية. وكان المثل في الشيوعية التي قامت ثورتها الدموية في عام 1917؛ وقالوا: إنها مُقدّمة للشيوعية؛ وسقطتْ الشيوعية من بعد أن أصيب المجتمع الروسي بالتيبُّس والجمود، والخوف من أسلوب حُكْم الحزب الشيوعي. ونجد الرأسمالية الشرسة، وهي تُهذِّب من شراستها؛ وتعطي العامل حقَّه وتُؤمِّن عليه، وهكذا يتجه العالم إلى الوسطية التي دعا لها الإسلام. وقد نزل الإسلام من قِبَل عالمٍ عليمٍ بكل الأهواء وبكل المراحل. ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يُطمئِنُ رسوله صلى الله عليه وسلم إنْ آذاه أحدٌ في المنهج الذي جاء به؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن لِيأبه بمَنْ يحاول أن يُؤذِيَه في شخصه، وكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه؛ ولكن إنْ تعرَّض أحد للمنهج فغضبه صلى الله عليه وسلم يظهر جَلياً. ومَنْ وقفوا ضد الدين قابلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة؛ فمَنْ آمن منهم نال حلاوة الإيمان؛ ومَنْ لم يؤمن فقد توالتْ عليه المصائب من كل جانب، منهم مَنْ رأى النبي صلى الله عليه وسلم مصارعه. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} تفسير : [الزخرف: 41-42]. أي: أنه جَلَّ وعلاَ إما أن يُلحِق رسوله بالرفيق الأعلى، وينتقم من الذين وقفوا ضده؛ أو يُريه عذابهم رَأْى العين. وكأن هذا القول هو الذي يشرح قوله سبحانه هنا: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} [الرعد: 40]. وعذاب الدنيا - كما نؤمن - مَهْما بلغ فلن يصلَ إلى مرتبة عذاب الآخرة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: لا تفرح يا أكمل الرسل {إِن مَّا نُرِيَنَّكَ} أي: إن تحقق إراءتنا لك {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من الإهلاك والإجلاء والقهر والغلبة {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} أي: لا تغتم أيضاً أن تحقق توفينا لك قبل رؤيتك بما نعدهم من العذاب والنكال بل {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ} أي: ليس في وسعك وطاقتك {ٱلْبَلاَغُ} بما أُمرت بتبليغه {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} [الرعد: 40] والجزاء بمقتضاه عاجلاً وآجلاً. {أَ} ينكرون حسابنا إياهم وانتقامنا عنهم {وَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} التي شاعتب فيها كفرهم {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} وأرجائها حتى ضاقت عليهم بإظهار دين الإسلام وإكثار أهله {وَٱللَّهُ} المدبر على مقتضى الحكمة {يَحْكُمُ} بحكم مبرم {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أصلاً ليبدله ويغيره {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [الرعد: 41] صعب الانتقام على من أراد تغيير حكمه وتبديله. {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} مع أنبيائهم المبعوثين إليهم مثل مكر هؤلاء المكارين معك يا أكمل الرسل، فلحقهم ما لحقهم وهم غافلون عن مكر الله {فَلِلَّهِ} المطلع لعواقب الأمور {ٱلْمَكْرُ} المعتد به {جَمِيعاً} إذ {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من خير وشر ونفع وضر، فينتقم هو عنها على مقتضى علمه {وَ} هم وإن غفلوا من مكر الله وما يترتب عليه من الوبال {سَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ} المصرون على الكفر والضلال {لِمَنْ} من الفريقين {عُقْبَى ٱلدَّارِ} [الرعد: 42] أي: العاقبة الحميدة في النشأة الأخرى. {وَ} من شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بدينك وكتابك؛ أي: رؤساؤهم وصناديدهم: {لَسْتَ مُرْسَلاً} من عند الله مثل سائر الرسل؛ لذلك ما نتبعك ونؤمن بك وبكتابك {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي: كفى الله بى شاهد لإثبات رسالتي وادعائي النبوة؛ إذ أيدني بالمعجزات القاطعة والبراهين الساطعة {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} [الرعد: 43] من أصحاب اللسن والفصاحة وأرباب الفطنة والذكاء، المتأملين في مرموزات الكتاب، المتنعمين في استكشاف سرائره، لو تأملوا فيه حق تأمل وتدبر، لم يبق لهم شائبة شك وتردد في أنه ما هو من جنس كلام البشر، بل ما هو إ لا وحي يوحى {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. خاتمة السورة عليك أيها الطالب القاصد لاستكشاف سرائر المرتبة الجامعة المحمدية التي اتحد عندها قوسا الوجوب والإمكان، واتصل دوننها الغيب والشهادة أن تتأمل في القرآن المنزل عليه من عند ربه على مقتضى نشأته وكمال استعداده وعزة شأنه، وتتدبر حق التدبر في مرموزاته بقدر وسعك وطاقتك، وإن كان الاطلاع على غوره من المستحيلات سيما بالنسبة إلى ذوي الاستعدادات الضعيفة حتى يشهد لك ذوقك ووجدانك برسالته وبنوبته وهدايته إلى توحيد ربه وإرشاده إلى سبيل الحق، ولا يتيسر لك هذا إلا بعد تصفية ظاهرك عن الشواغل الحسية والعلائق الدنياوية مطلقاً، وباطنك عن التقليدات والتخمينات الموروثة لدرن الجهالات ورين الخيالات الموقعة لأنواع الشبهات والترردات. وبالجملة: لا يحصل لك هذا إلا بعد تحققك في مرتبة الموت الأرادي وخروجك عن مقتضى هويتك مطلقاً. جعلنا الله ممن أيده الحق لسلوك طريق توحيده، ووفقه إلى سواء سبيله بمنِّه وجوده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعجل عليهم بإصابة ما يوعدون به من العذاب، فهم إن استمروا على طغيانهم وكفرهم فلا بد أن يصيبهم ما وعدوا به، { إمَا نُرِيَنَّكَ } إياه في الدنيا فتقر بذلك عينك، { أو نتوفينك } قبل إصابتهم فليس ذلك شغلا لك { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ } والتبيين للخلق. { وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } فنحاسب الخلق على ما قاموا به، مما عليهم، وضيعوه، ونثيبهم أو نعاقبهم. ثم قال متوعدا للمكذبين { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قيل بإهلاك المكذبين واستئصال الظالمين، وقيل: بفتح بلدان المشركين، ونقصهم في أموالهم وأبدانهم، وقيل غير ذلك من الأقوال. والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها، ويحل القوارع بأطرافها، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص، ويوقع الله بهم من القوارع ما لا يرده أحد، ولهذا قال: { وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي. فهذه الأحكام التي يحكم الله فيها، توجد في غاية الحكمة والإتقان، لا خلل فيها ولا نقص، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها، بخلاف حكم غيره فإنه قد يوافق الصواب وقد لا يوافقه، { وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } أي: فلا يستعجلوا بالعذاب فإن كل ما هو آت، فهو قريب.