Verse. 1748 (AR)

١٣ - ٱلرَّعْد

13 - Ar-Ra'd (AR)

اَوَلَمْ يَرَوْا اَنَّا نَاْتِي الْاَرْضَ نَنْقُصُہَا مِنْ اَطْرَافِہَا۝۰ۭ وَاللہُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِہٖ۝۰ۭ وَہُوَسَرِيْعُ الْحِسَابِ۝۴۱
Awalam yaraw anna natee alarda nanqusuha min atrafiha waAllahu yahkumu la muAAaqqiba lihukmihi wahuwa sareeAAu alhisabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو لم يروْا» أي أهل مكة «أنا نأتي الأرض» نقصد أرضهم «ننقصها من أطرافها» بالفتح على النبي صلى الله عليه وسلم «والله يحكم» في خلقه بما يشاء «لا مُعَقّب» لا راد «لحكمه وهو سريع الحساب».

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك، بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت. وقوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } فيه أقوال: القول الأول: المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهراً وجبراً فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله تعالى ينجز وعده. ونظيره قوله تعالى: { أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الأنبياء: 44] وقوله: { أية : سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ } تفسير : [فصلت: 53]. والقول الثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } المراد: موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء والأخيار، وقال الواحدي: وهذا القول، وإن احتمله اللفظ، إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول. ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضاً لا يليق بهذا الموضع، وتقريره أن يقال: أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عز، ونقص بعد كمال، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله، وقيل: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع؟ ثم قال تعالى مؤكداً لهذا المعنى: {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } معناه: لا راد لحكمه، والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب. فإن قيل: ما محل قوله: {لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ }. قلنا: هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه خالياً عن المدافع والمعارض والمنازع. ثم قال: {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني أن حسابه للمجازاة بالخير والشر يكون سريعاً قريباً لا يدفعه دافع. أما قوله: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني أن كفار الأمم الماضية قد مكروا برسلهم وأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى، واليهود مكروا بعيسى. ثم قال: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } قال الواحدي: معناه أن مكر جميع الماكرين له ومنه، أي هو حاصل بتخليقه وإرادته، لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، وأيضاً فذلك المكر لا يضر إلا بإذن الله تعالى ولا يؤثر إلى بتقديره، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم، كأنه قيل له: إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره من الممكور به أيضاً من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى وأن لا يكون الرجاء إلا من الله تعالى، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم. قال الواحدي: والأول أظهر لقولين بدليل قوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله تعالى. قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية وهي قوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } دلت على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة، ولو كان حدوث الفعل بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد كسب. وجوابه: أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد. ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال: {وَسَيَعْلَمْ ٱلْكَـٰفِرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {وَسَيَعْلَمْ ٱلْكَـٰفِرُ } على لفظ المفرد والباقون على الجمع قال صاحب «الكشاف» قرىء: (الكفار، والكافرون، والذين كفروا، والكفر) أي أهله قرأ جناح بن حبيش: (وسيعلم الكافر) من أعلمه أي سيخبر. المسألة الثانية: المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 2] والمعنى: إنهم وإن كانوا جهالاً بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة، وذلك كالزجر والتهديد. والقول الثاني: وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون. والقول الثالث: وهو قول ابن عباس يريد أبا الجهل. والقول الأول هو الصواب.

البيضاوي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ} أرض الكفرة. {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بما نفتحه على المسلمين منها. {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} لا راد له وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإِبطال، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفو غريمه بالاقتضاء، والمعنى أنه حكم للإِسلام بالاقبال وعلى الكفر بالإِدبار وذلك كائن لا يمكن تغييره، ومحل {لا } مع المنفي النصب على الحال أي يحكم نافذاً حكمه. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والاجلاء في الدنيا. {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } بأنبيائهم والمؤمنين به منهم. {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } إذ لا يؤبه بمكر دون مكره فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره. {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } فيعد جزاءها. {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ } من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم في غفلة منه، وهذا كالتفسير لمكر الله تعالى بهم، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة. مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكافر على إرادة الجنس، وقرىء «الكافرون» و «الذين كفروا» و «الكفر» أي أهله وسيعلم من أعلمه إذا أخبره. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً } قيل المراد بهم رؤساء اليهود. {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها. {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز، أو علم التوراة وهو ابن سلام وأضرابه، أو علم اللوح المحفوظ وهو الله تعالى، أي كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيداً بيننا فيخزي الكاذب منا، ويؤيده قراءة من قرأ {وَمَنْ عِندَهُ } بالكسر و {عِلْمِ ٱلْكِتَـٰبِ} وعلى الأول مرتفع بالظرف فإنه معتمد على الموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره وهو متعين على الثاني. وقرىء {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } على الحرف والبناء للمفعول. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة من الموفين بعهد الله».

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } أي أهل مكة {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ } نقصد أرضهم {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بالفتح على النبي صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ } في خلقه بما يشاء {لاَ مُعَقِّبَ } لا رادَّ {لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَنقُصُهَا} بالفتوح على المسلمين من بلاد المشركين، أو بخرابها بعد عمارتها، أو بنقصان بركتها وبمحيق ثمرتها أو بموت فقهائها وخيارها "ع".

النسفي

تفسير : {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي كفار الأمم الخالية بأنبيائهم والمكر إرادة المكروه في خفية ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } ثم فسر ذلك بقوله {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ } يعني العاقبة المحمودة لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة عما يراد بهم الكافر. على إرادة الجنس حجازي وأبو عمرو {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً } المراد بهم كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود قالوا: لست مرسلاً ولهذا قال عطاء هي مكية إلا هذه الآية {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } بما أظهر من الأدلة على رسالتي والباء دخلت على الفاعل و{شهيداً} تمييز {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } قيل هو الله عز وجل، والكتاب: اللوح المحفوظ دليله قراءة من قرأ {ومن عنده علم الكتاب} أي ومن لدنه علم الكتاب لأن علم من علمه من فضله ولطفه، وقيل ومن هو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم وقال ابن سلام: فيّ نزلت هذه الآية وقيل هو جبريل عليه السلام و{من} في موضع الجر بالعطف على لفظ {الله} أو في موضع الرفع بالعطف على محل الجار والمجرور إذ التقدير كفى الله وعلم الكتاب يرتفع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلاً لأن الظرف صلة لـ «من» و«من» هنا بمعنى الذي والتقدير من ثبت عنده علم الكتاب وهذا لأن الظرف إذا وقع صلة يعمل عمل الفعل «نحو مررت بالذي في الدار أخوه» فأخوه فاعل كما تقول «بالذي استقر في الدار أخوه» وفي القراءة بكسر ميم «من» يرتفع العلم بالابتداء.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} الآية. لما وعد رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بأن يريه بعض ما وعده أو يتوفاه قبل ذلك، بين ههنا أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت، فقال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني أن أهل مكة الذين يسألون محمداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ الآيات {أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} أكثر المفسرين على أن المراد: فتح ديار الشرك فإن ما زاد من دار الإسلام قد نقص من دار الشرك؛ لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهراً وجبراً، فانتقاض أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات على أن الله ـ تبارك وتعالى ـ ينجز وعده فلا يعتبرون بهذا ونظيره قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الأنبياء:44] وقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت:53]. وقال قوم: هو خراب الأرض، أي: أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها، ونهلك أهلها، أفلا تخافون أن يفعل بكم ذلك؟ وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أيضاً: ننقصها من أطرافها، المراد موت كبرائها وأشرافها وعلمائها وذهاب الصلحاء. قال الواحدي: "وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول، ويمكن أن يقال: هذا الوجه أيضاً لا يليق بهذا الموضع؛ لأن قوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أنا نحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة، وموت بعد حياة، وذل بعد عز، ونقص بعد كمال، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم أن الله يقلب الأمر على هؤلاء الكفرة ويصيرهم ذليلين بعد عزهم ومقهورين بعد قهرهم، فناسب هذا الكلام ما قبله". قوله "نَنْقُصهَا" حال إما من فاعل "نَأتِي" أو من مفعوله. وقرأ الضحاك "نُنَقِّصها" بالتضعيف، عداه بالتضعيف. قوله: "لا مُعَقِّبَ" جملة حالية، وهي لازمة. والمعقب: هو الذي يكرّ على الشيء فيبطله، قال لبيد: [الكامل] شعر : 3188ـ................. طَلبُ المُعقِّبِ حَقَّهُ المظْلُومُ تفسير : والمعنى: والله يحكم لا رادَّ لحكمه. والمعقب: هو الذي يعقبه بالرد والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب؛ لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه خالياً عن المدافع والمعارض والمنازع {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} قال بان عباس رضي الله عنه: الانتقام. قوله: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني من قبل مشركي مكة والمكر: إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} أي: عند الله جزاء مكرهم. قال الواحدي ـ رحمه الله ـ: يعني أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته لأنه ـ تعالى ـ هو الخالق لجميع العباد والمكر لا يضر إلا بإذنه، ولا يؤثر إلا بتقديره وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمانٌ له من مكرهم، فكأنه قيل: إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره في المأمور به من الله ـ تعالى ـ وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله. ثم قال ـ جل ذكره ـ {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ}، أي: أن اكتساب العباد معلوم لله ـ تعالى ـ وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله ـ تعالى ـ. قالت المعتزلة: الآية الأولى إن دلت على قولكم، فقوله {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} دليل على قولنا، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة، ولو كان حدوث الفعل [بخلق] الله ـ تعالى ـ لم تكن لقدرة العبد فيه أثر، فوجب أن لا يكون للعبد فيه كسب. والجواب: أن جميع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد. ثم إنه ـ تعالى ـ أكد ذلك التهديد فقال ـ جل ذكره ـ {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ} قرأ ابن عامر والكوفيون "الكُفَّار" جمع تكسير والباقون: "الكَافِرُ" بالإفراد ذهاباً إلى الجنس. وقرأ عبد الله "الكَافِرُونَ" جمع سلامة. قال الزمخشري: "قرىء: الكَّفارُ والكَافرُون والذين كفرُوا، والكَافِرُ". قال المفسرون: والمراد بالكافر: الجنس، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر:2]. وقال عطاء رحمه الله تعالى: يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: يريد أبا جهل، والأول هو الصواب. قوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} الآية لما حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولاً من عند الله احتج عليهم بأمرين: الأول: شهادة الله ـ تعالى ـ على نبوته، والمراد من تلك الشهادة ـ تعالى ـ أظهر المعجزات على صدقه في ادعاء الرسالة، وهذا أعظم مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن، وإظهار المعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولاً من عند الله، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة. والثاني: قوله {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} العامة على فتح ميم "مَنْ" وهي موصولة، وفي محلها أوجه: أحدها: أنها مجرورة المحل نسقاً على لفظ الجلالة، أي: بالله وبمنْ عِندْهُ علمُ الكتابِ كعبد الله بن سلام ونحوه. والثاني: أنها في محل رفع عطفاً على محل الجلالة، إذ هي فاعلة، والباء مزيدة فيها. والثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أي: ومن عنده علم الكتاب أعدل وأمضى قولاً، و{عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} يجوز أن يكون الظرف صلة و"عِلْمُ" فاعل به، واختاره الزمخشري وتقدم تقريره. وأن يكون مبتدأ، وما قبله الخبر، والجملة صلة لـ"مَنْ". والمراد بمن عنده علم الكتاب: ابن سلام، أو جبريل عليه الصلاة والسلام. قال ابن عطية: "ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف ولا يجوز وإنما يعطف الصفات". فاعترض أبو حيان عليه: بأن "مَنْ" لا يوصف بها ولا بغيرها من الموصولات إلا ما استثني، وبأن عطف الصفات بعضها على بعض لا يجوز إلا بشرط الاختلاف. قال شهاب الدين: إنما عنى ابن عطية الوصف المعنوي لا الصناعي، وأما شرط الاختلاف فمعلوم. وقرأ أبيّ وعلي وابن عباس وعكرمة وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك وابن أبي إسحاق ومجاهد ـ رضوان الله عليهم ـ في خلق كثير {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} جعلوا "من" حرف جر، و"عنده" مجرور بها، وهذا الجار خبر مقدم، و"عِلْمُ" مبتدأ مؤخر، و"منْ" لابتداء الغاية أي: ومن عند الله حصل علم الكتاب. وقرأ علي أيضاً والحسن وابن السميفع {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} يجعلون "من" جارة، و"عُلِمَ" مبنياً للمفعول و"الكِتابُ" رفع به. وقرىء كذلك؛ إلا أنه بتشديد "عُلِّمِ" والضمير في "عِنْده" على هذه القراءات لله تعالى فقط. وقرىء أيضاً: "وبِمَن" بإعادة الباء الداخلة على "مَنْ" عطفاً على ["باللهِ"]. فصل على هذه القراءة الأولى المراد: شهادة مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري. وقال أبو البشر: قلت لسعيد بن جبير: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} أهو عبد الله بن سلام؟، فقال: وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية، وهو ممن آمنوا بالمدينة بعد الهجرة؟. وأجيب: بأن هذه السورة وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية مدنية. ويعترض هذا أيضاً: بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع كونهما غير معصومين لا يجوز. وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والزجاج {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ. وقال الأصم: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} أي: ومن عنده علم القرآن. والمعنى: أن الكتاب الذي جئتكم به معجز قاهر، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزاً إلا لمن علم ما فيه من الفصاحة والبلاغة واشتماله على الغيوب وعلى العلوم الكثيرة فمن عرف هذا الكتاب من هذا الوجه دل على كونه معجزاً. وقيل: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} أي: الذي حصل عنده علم التوراة والإنجيل يعني كل من كان عالماً بهذين الكتابين علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإذا أنصف ذلك العالم ولم يكذبه كان ذلك شاهداً على أن محمداً رسول حق من عند الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. وأما معنى القراءة الثانية: أي: أن أحداً لا يعلم الكتاب إلا من فضله وإحسانه وتعليمه، والمراد العلم الذي هو ضد الجهل. وأما القراءة على ما لم يسم فاعله، فالمعنى: أنه ـ تعالى ـ لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بشهادة الله على نبوته، وكان لا معنى لشهادة الله على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه، ولا يعلم كون القرآن معجزاً إلا بعد الإحاطة بمعاني القرآن وأسراره، بين الله تعالى ـ أن هذا العلم لا يحصل إلا من عند الله، والمعنى: أن الوقوف على كون القرآن معجزاً لا يحصل إلا لمن شرفه الله من عباده بأن يعلمه علم القرآن. روى ابن عباس عن أبي بن كعب ـ رضي الله عنهم ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ الرَّعدِ أعْطيَ مِنَ الأجْرِ عَشْر حَسنَاتٍ بِوزْنِ كُلِّ سَحابٍ مَضَى وكُلِّ سَحابِ يكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكَانَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُوفِينَ بِعهْدِ اللهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ سُبحَانهُ ـ لا إلهَ إلاَّ هُوَ المَلِكُ الحقُّ المُبِينُ ".

البقاعي

تفسير : ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء لمن أراد: ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة؟ عطف عليه قوله: {أولم يروا أنا} أي بما لنا من العظمة {نأتي الأرض} التي هؤلاء الكفرة بها، فكأنه قيل: أي إتيان؟ فقيل: إتيان البأس إذا أردنا، والرحمة إذا أردنا {ننقصها} والنقص: أخذ شيء من الجملة تكون به أقل {من أطرافها} بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما نعلمه حكمة من تدبير الأمور وتقليبها حالاً إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ثواب أو عقاب، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} فيفتحونها أولاً فأولاً حتى دان العرب كلهم طوعاً أو كرهاً بعد قتل السادة وذل القادة - ولله غالب على أمره؛ والطرف: المنتهى، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء، وأطراف الأرض: جوانبها، وكان يقال: الأطراف: منازل الأشراف، يطلبون القرب على الأضياف؛ ثم أثبت لنفسه تعالى أمراً كلياً يندرج ذلك فيه، فقال لافتاً الكلام من أسلوب التكلم بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة بالاسم الأعظم: {والله} أي الملك الأعلى {يحكم} ما يريد لأنه {لا معقب} أي أراد، لأن التعقيب: رد الشيء بعد فصله {لحكمه} وقد حكم للإسلام بالغلب والإقبال، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار، وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس بحاكم، وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته {وهو} مع تمام القدرة {سريع الحساب *} جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته شيء فلا بد من لقاء جزائه، وكل ما هو آت سريع، وهو مع ذلك يعد لكل عمل جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره، لا يحتاج إلى زمان ينظر فيه ما جزاءه؟ ولا: هل عمل أو لا؟ لأنه لا تخفى عليه خافية؛ والسرعة: عمل في قلة المدة على ما تحده الحكمة، والإبطاء: عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة، والسرعة محمودة، والعجلة مذمومة، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا كالقاطعين بأنهم يغلبون، لما لهم من القوة والكثرة، مع جودة الآراء وحدة الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم، فهو لا يغني عنهم شيئاً، فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علواً {وقد مكر الذين} ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال: {من قبلهم} أي بالرسل وأتباعهم، فكان مكرهم وبالاً عليهم، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله، ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله { وقد} وطوى في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في { أولم يروا} فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز. ولما كان ذلك كذلك، تسبب عنه أن يقال: {فلله} أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة {المكر جميعاً} والمكر: الفتل عن البغية بطريق الحيلة، ويلزمه الستر - كما مضى بيانه، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى: فلا طريق لهم إلى علمها إلا من جهته سبحانه، وسمي فعله مكراً مجازاً لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {يعلم} ويجوز أن يكون تفسيراً لما قبله، لأن علم المكر من الماكر مكن حيث لا يشعر أدق المكر {ما تكسب كل نفس} أي من مكر وغيره، فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسبباً يكون ضد ما أرادوا، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين {وسيعلم الكُفَّارُ} أي كل كافر بوعد لا خلف فيه، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس {لمن عقبى الدار *} حين نأتيهم ضد مرادهم؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع أو دفع الضر. ولما تقدم قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية} عطف عليه - بعد شرح ما استتبعه - قوله: {ويقول الذين كفروا} أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب، قولاً على سبيل التكرار: {لست مرسلاً} لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوماً: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال: {قل كفى} والكفاية: وجود الشيء على مقدار الحاجة؛ ومعنى الباء في {بالله} أي الذي له الإحاطة الكاملة - التأكيد، لأن الفعل جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين: جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة {شهيداً} أي بليغ العلم في شهادته بلاطلاع على ما ظهر وما بطن {بيني وبينكم} يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب، ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزاً، وهذا على مراتب الشهادة، لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو {ومن عنده علم الكتاب} مما أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان يكون على نحو من الأساليب ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء، وأبكم البلغاء، وأبهت الحكماء، وهو الله تعالى، تأييداً وتحقيقاً لدعواي، ويؤيد أن المراد به "الله" قراءة {من} على أنها جارة، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع النفس بهزّها إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين، فهو إذن كدعوى الشيء مقروناً بدليله، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم لا يؤمنون - والله الموفق.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهحديث : {ننقصها من أطرافها} قال: ذهاب العلماء . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ننقصها من أطرافها} قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن مجاهد - رضي الله عنهما - في قوله {ننقصها من أطرافها} قال: موت علمائها وفقهائها وذهاب خيار أهلها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ننقصها من أطرافها} قال: موت العلماء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: كان عكرمة يقول: هو قبض الناس. وكان الحسن يقول: هو ظهور المسلمين على المشركين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} يعني بذلك ما فتح الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك نقصانها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: يعني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان ينتقص له ما حوله من الأرضين، فينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون، وقال الله في سورة الأنبياء عليهم السلام {أية : ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون} تفسير : [الأنبياء: 44] قال: بل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الغالبون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عطية - رضي الله عنه - في الآية قال: نقصها الله من المشركين للمسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي - رضي الله عنه - في قوله {ننقصها من أطرافها} قال: نفتحها لك من أطرافها. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك - رضي الله عنه {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم أرضاً بعد أرض؟ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ننقصها من أطرافها} يقول: نقصان أهلها وبركتها. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال: إنما تنقص الأنفس والثمرات، وأما الأرض فلا تنقص. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الشعبي - رضي الله عنه - في الآية قال: لو كانت الأرض تنقص، لضاق عليك حشك، ولكن، تنقص الأنفس والثمرات. وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - في الآية قال: هو الموت. لو كانت الأرض تنقص، لم تجد مكاناً تجلس فيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها؟ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ننقصها من أطرافها} قال: خرابها. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن أبي مالك - رضي الله عنه - {ننقصها من أطرافها} قال: القرية تخرب ناحية منها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - {والله يحكم لا معقب لحكمه} ليس أحد يتعقب حكمه فيرده، كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده. أما قوله تعالى: {فلله المكر جميعاً}. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: "حديث : رب أعني ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسر الهدى إليّ، وانصرني على من بغى عليّ ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الآية: 41]. قال محمد بن على: يخرب الأرضين بذهاب أهل الولاية من بينهم فلا يكون لهم مرجع إلىَّ، ولى فى نوائبهم ومحنهم فيتواتر عليهم المحن والنائبات فلا يكون فيهم من يكشف الله تعالى عنهم. برعاية فتخرب. قال أبو عثمان: هم الذين ينصحون عباد الله. ويحملونهم على طاعته فإذا ماتوا مات بموتهم من يصحبهم. قال أبو بكر الشاشى: يُسبغ عليهم الرزق، ويرفع عنهم البركة. قوله عز وجل: {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الآية: 41]. قال ابن عطاء: أحكام الحق ماضية على عباده فيما ساء وسرَّ ونفع وضر فلا ناقض لما أبرم ولا مضل لمن هدى.

القشيري

تفسير : في التفاسير: بموت العَلماء، وفي كلام أهل المعرفة بموت الأولياء، الذين إذا أصاب الناسَ بلاءٌ ومحنةٌ فزعوا إليهم فيدعون الله ليكشف البلاَءَ عنهم. ويقال هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشِدٌ في طريق الله لم يجد مَنْ يهديه إلى الله. ويقال: في كل زمان لسانٌ ينطق عن الحقِّ سبحانه, فإذا وَقَعَتْ فترةٌ سكنَ ذلك اللسانُ - وهذا هو النقصان في الأطراف الذي تشير إليه الآية, وأنشد بعضهم: شعر : طوى العصران ما نشراه مني وأبلى جدتي نشرٌ وطيُّ أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ولا يبقى مع النقصان شيءُ تفسير : ويقال ينقصها مِنْ أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار، وانتشار الإسلام، قال تعالى: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [الفتح: 28]. ويقال ينقصها من أطرافها بخرابِ البلدان، قال تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88] وقال: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}تفسير : [الرحمن: 26] فموعودُ الحقِّ خرابُ العَالَمِ وفناءُ أهلِه، ووعدُه حقٌّ لأن كلامَه صِدْقٌ، واللَّهُ يحكم لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه، ولا ناقِضَ لما أبرمه، ولا مُبْرِمَ لِمَا نَقَضَه، ولا قابل لِمَنْ رَدَّه، ولا رادَّ لِمَنْ قَبِلَه ولا مُعِزَّ لِمَنْ أهانه، ولا مُذِلَّ لمن أعَزَّه. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [الرعد:41]: لأن ما هو آتٍ فقريب. ويقال {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [الرعد: 41] في الدنيا؛ لأَنَّ الأولياءَ إذا ألموا بشيءٍ، أو هَمُّوا لمزجورٍ عُوتِبُوا في الوقت، وطولِبوا بِحُسْنِ الرُّجعي.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} ظاهر الاية معروف بفتح الامصار لاهل الاسلام ولكن فيه اشارة عجيبة انه تعالى اذا اراد بجلاله ان يزور عارفا من عرفائه ومحبا من احبائه تجلى من ذاته وصفاته له فيقع آثار تجليه بنعت العظمة والكبرياء على الارض فتتروى الارض من هيبة جلاله حى تصير كخردلة وذلك من غيبة من الخلق قال تعالى واشرقت الارض بنور ربها يا ليت للمشتاقين لو يرون ذلك لطاروا من الفرح به كما قيل لو علمنا ان الزيادة حق لغرسنا الطريق بالياسمين وايضا ينقصها من اطرافها لان اوليائه واوتاده فى طراف الارض فاذا قبضهم نقص اطراف الارض بقبضهم عنها الا ترى الى قوله عليه السلام فى اخر الزمان لا يبقى صاحب موافق الا فى اطراف الارض ولكل واحد منهم فى كل يوم اجر مايتى شهيد واذا اراد خراب الارض اوى اولياؤه اليه منها ليهلك اهلها بعدهم لان دعاءهم وبركتهم اثبت اهل الارض فى عوافى وذلك من غيرة الله ولا مدفع لغيرته بقوله {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} قال محمد بن على تخرب الارضين بذهاب اهل الولاية من بينهم فلا يكون لهم مرجع الى ولى فى نوائبهم ومحنهم ويتواتر عليهم المحن والنائبات فلا يكون فيهم من يكشف الله عنهم بدعائه فتخرب وقال ابو عثمان هم الذين ينصحون عباد الله ويحملونهم علىطاعة الله فاذا ماتوا مات بموتهم من يصحبهم وقال ابو بكر الشاشى يسبغ عليهم الرزق ويرفع عنهم البركة وقال ابن عطا فى قوله لا معقب لحكمه احكام الحق ماضية على عباده فيما ساء وسر ونفع وضر فلا ناقص لما ابرم ولا مضل لمن هدى وقال الاستاذ فى قوله او لم يروا انا ناتى الارض تننقصها من اطرافها فى كلام اهل المعرفة بموت الاولياء ويقال هو ذهاب اهل المعرفة حتى اذا جاء مسترشد فى طريق الله لم يجد من يهديه الى الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {أو لم يروا انا نأتى الارض} اى يأتى امرنا ارض الكفرة {ننقصها من اطرافها} حال من فاعل نأتى او من مفعوله اى نفتح ديار الشرك بمحمد والمؤمنين به فما زاد فى بلاد الاسلام باستيلائهم عليها جبرا وقهرا نقص من ديار الكفرة والله تعالى اذا قدر على جعل بعض ديار الكفرة للمسلمين فهو قادر على ان يجعل الكل لهم أفلا يعتبرون {والله يحكم لا معقب لحكمه} محل لا مع المنفى النصب على الحال اى يحكم نافذا حكمه خاليا عن المعارض والمناقض وحقيقته الذى يعقب الشيء بالرد والابطال. والمعنى انه حكم للاسلام بالغلبة والاقبال وعلى الكفر بالادبار والانتكاس وذلك كائن لا يمكن تغييره {وهو سريع الحساب} فيحاسبهم عما قليل فى الآخرة بعد عذاب الدنيا من القتل والاجلاء. يقول الفقير نقص الارض انما يكون بالفتح المبنى على الامر بالجهاد وانما فرض بالمدينة فالاظهر ان الآية مدنية لا مكية كما لا يخفى وكون السورة مكية لا ينافيه وقد تعرض من ذهب الى كونها مكية لاستثناء آيتين كما اشير اليهما فى عنوان السورة ولم يتعرض لهذه الآية والحق ما قلنا. وقال بعضهم نقص الارض ذهاب البركة او خراب النواحى او موت الناس او موت العلماء والفقهاء والخيار وفى الحديث "حديث : ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فافتوا بغير علم فضلوا واضلوا" تفسير : وفى ذكر اذا دون ان اشارة الى انه كائن لا محالة بالتدريج. وقال سلمان رضى الله عنه لا يزال الناس بخير ما بقى الاول حتى يتعلم الآخر فاذا هلك الاول ولم يتعلم الآخر هلك الناس. وقال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الامة الا من قبل الخواص وهم خمسة العلماء والغزاة والزهاد والتجار والولاة اما العلماء فهم ورثة الانبياء واما الزهاد فعماد الارض واما الغزاة فجند الله فى الارض واما التجار فامناء الله فى الامة واما الولاة فهم الرعاة فاذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا فبمن يقتدى الجاهل واذا كان الزاهد فى الدنيا راغبا فبمن يقتدى التائب واذا كان الغازى طامعا فكيف يظفر بالعدو واذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الامانة واذا كان الراعى ذئبا فكيف تحصل الرعاية شعر : نكند جور يبشه سلطانى كه نيايد ذكرك جوبانى تفسير : والاشارة {أو لم يروا انا نأتى الارض} البشرية {ننقصها من اطرافها} من اوصافها بالازدياد فى اوصاف الروحانية وارض الروحانية ننقصها من اخلاقها بالتبديل بالاخلاق الربانية وارض العبودية ننقصها من آثار الخليقة باظهار انوار الربوبية {والله يحكم} من الازل الى الابد {لا معقب} لا مقدم ولا مؤخر ولا مبدل {لحكمه وهو سريع الحساب} فيما قدر ودبر وحكم فلا يسوغ لاحد تغيير حكم من احكامه

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار على وجه التنبيه لهم على الاعتبار بأفعال الله، أو ما يرون أنَّا ننقص الارض من أطرافها؟ وقيل في معناه أربعة أقوال: قال ابن عباس والحسن والضحاك: ما فتح على المسلمين من أرض المشركين. وقال مجاهد، وقتادة: وننقصها بموت اهلها. وفي رواية أخرى عن ابن عباس ومجاهد: بموت العلماء. وفي رواية أخرى عنهما: بخرابها. ثمّ أخبر أن الله تعالى يحكم ويفصل الأمر ولا احد يعقّب حكمه، ولا يقدر على ذلك، وأنه سريع المجازاة على افعال العباد، على الطاعات بالثواب، وعلى المعاصي بالعقاب. والنقص أخذ الشيء من الجملة، وفي فلان نقص أي نقص منزلة عن منزلة عظيمة في المقدور أو المعلوم، والثاني للامور. والطرف منتهى الشيء، وهو موضع من الشيء ليس وراءه ما هو منه. وأطراف الأرض نواحيها. والتعقيب ردّ الشيء بعد فصله، ومنه عقَّب العقاب على صيده إِذ أردّ الكرور عليه بعد فصله عنه قال لبيد: شعر : حتى تهجّر في الرواح وهاجه طلب المعقّب حقه المظلوم تفسير : والسرعة عمل الشيء في قلة المدة، على ما تقتضيه الحكمة، وضده الابطاء، والسرعة محمودة والعجلة مذمومة.

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} والمراد بالاتيان اتيان الملائكة المأمورين لذلك او اتيان امره تعالى، ونقصها من اطرافها ذهاب اهلها تدريجاً، وقد فسّر نقصها من اطرافها بفقد العلماء امّا لانّ العلماء لمّا كانوا من عالم الارواح ونزلوا الى الارض فبذهابهم تنقص الارض وامّا غيرهم فلكونهم مخلّدين الى الارض لا ينقص ذهابهم شيئاً من الارض، او لانّ الاطراف جمع الطّرف بالتّحريك او الطّرف بالسّكون بمعنى الشّريف ويجرى الآية فى العالم الصّغير، ونقصان العالم الصّغير اظهر من العالم الكبير {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} لا رادّ ولا دافع {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} بانبيائهم (ع) ومن آمن معهم كما يمكر قومك فلا يفتروا بمكرهم {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} من حيث انّه يقدر على جميع اسبابه وعلى انفاذه بحسب مشيّته بخلاف غيره لانّ الغير ان هيّأ بعض اسباب المكر فات عنه بعضها وان نفذ مكره بعض النّفوذ لم ينفذ بتمامه على وفق مراده، والمكر منه تعالى ابراز الاساءة فى صورة الاحسان استدراجاً {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} فى مقام التّعليل او تأكيد للتّهديد المستفاد من قوله: فلله المكر جميعاً {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} للماكر او المخلص وهو تهديد بسوء العاقبة كما انّ سابقه تهديد بالمؤاخذة فى الحال.

الهواري

تفسير : قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}. ذكروا عن عكرمة أنه قال: ينقصها من أطرافها بالموت. وقال بعضهم: موت الناس. وقال مجاهد: موت أهلها؛ وهو واحد. وذكر ابن عباس قال: موت فقهائها وعلمائها. وقال الحسن: ننقصها من أطرافها بالفتوح على النبي عليه السلام؛ ألا تراه يقول في الآية الأخرى: (أية : أَفَهُمُ الغَالِبُونَ) تفسير : [الأنبياء:44] أي: أنهم ليسوا بالغالبين، ولكن رسول الله وأصحابه هم الغالبون. وتفسير الكلبي: ننقصها من أطرافها بالقتل والسبي، موافقاً لقول الحسن. وذكر الحسن أن الله يبعث ناراً قبل يوم القيامة تطرد الناس إلى الشام، تنزل معهم إذا نزلوا، وترتحل معهم إذا ارتحلوا، تطردهم إلى الشام، ثم تقوم عليهم الساعة بالشام. ذكر بعضهم قال: ما ينقص من الأرضين يزداد في الشام، وما ينقص من الشام يزداد في فلسطين. قوله: { وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي: لا راد لحكمه { وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ} إذا أراد الله أن يعذّب قوماً كان عذابه إياهم أسرع من الطرف، يعني الذين كذبوا رسله. يخوف بذلك المشركين.

اطفيش

تفسير : {ألمَ يَروْا أنَّا نأتى} نقصد بالقدرة والأمر، أو يأتى أمرنا {الأرْض} أرض الكفرة المجاورة لهم {ننقُصهُا} بدل اشتمال من نأتى وقرئ بفتح النون الثانية، وكسر القاف مشددة {مِنْ أطْرافها} بفتحها للمسلمين بالقتال والسبى والصلح، فتزيد فى أرض الإسلام، وتنقص من أرض الكفر، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم ونزيد أرضهم إلى أرض المسلمين، وهذا قول ابن عباس، والحسن، والكلبى، وقتادة، على أن الآية مدنية. وقيل: الأرض أرض الكفرة مطلقا، والآية مكية، شملت الفتح فتح مكة وغيره من الفتوحات، وقيل: المراد بنقص الأرض إخراب ديار الكفرة على يد النبى صلى الله عليه وسلم ومن معه، وفى ذلك تنفيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وتطييب لأنفسهم، وتبشير بطلائع الظفر، كما أن فى قوله:{أية : وإما نرينك بعض الذى}تفسير : الخ تطييبا لنفوسهم بالانتقام من الكفرة إما عاجلا وإما آجلا. وقيل: المراد بنقص الأرض تخريب أرض الأمم السابقة لإهلاك أهلها الكفرة، كأنه قيل: أفلا تخافون أن نفعل بكم مثل ذلك من إخراب بعد عمارة، وذلك بعد عز، وموت بعد حياة. وقال عكرمة، ومجاهد: نقصها موت أهلها وتغيير أحوالهم إلى ذل وخراب، ونقص الثمرات والبركة، أفلا يتعظون بذلك. وعن ابن عباس، وعطاء وغيرهما: نقصها من أطرافها إماتة علمائها وفقهائها وخيار أهلها، واختاره أبو عمرو بن عبد البر، وعليه فالمراد بالأطراف الإشراف كما أثبت الجوهرى عن بعض أن الأطراف يرد بمعنى الإشراف. قلت: هذا القول ضعيف من حيث ضعف كون الأطراف بمعنى الإشراف، ومن حيث بُعد ذلك المعنى عن المقام، لأنهم لم يشاهدوا موت الفقهاء والعلماء والأخيار، ولو ثبت فى الحديث أن الله يقبض العلم بقبض العلماء، فيرأس على الناس جهال يَضِلون ويُضِلون. وثبت عن ابن مسعود: أن موت العالم ثلمة لا تسد ما اختلف الليل والنهار. وثبت عن سلمان: لا يزال الناس بخير ما بقى الأول حتى تعلم الآخر، وإذا ذهب الأول قبل تعلم الأخير هلك الناس، لأن ذلك لا يصح تفسير الآية، كما لا يصح تفسيراً لها، وقول بعض إنما ينقص من الأرض يزداد فى الشام، وما ينقص من الشام يزداد فى فلسطين. {والله يحْكُم} فى خلقه بما يشاء {لا مُعقِّب} لا راد {لحُكمه} فقد حكم للإسلام للإقبال، وعلى الكفر بالإدبار حكما لا يأتى أحد عقبه بالإبطال والتغيير يقال: عقبت الشئ، أى أتيت عقبه بالإبطال أو غيره، ولذا يقال لصاحب الحق، معقب، لأنه يقفو غريمه بطلب حقه، والجملة حال من المستتر فى يحكم، والمعنى يحكم نافذ حكمه. {وهُو سَريعُ الحِسابِ} أى سريع الجزاء بعقاب الكفرة، وإثابة المؤمنين، أو قرب وقت حسابه يعذبهم عما قليل فى الآخرة بعد ما عذبهم فى الدنيا بالقتل والإخراج من البلدان.

الالوسي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الخ، والاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا في ذلك ولم يروا {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ} أي أرض الكفرة {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } من جوانبها بأن نفتحها شيئاً فشيئاً ونلحقها بدار الإسلام ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا مقدمة لذاك. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلاْرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الأنبياء: 44] وروي ذلك عن ابن عباس والحسن والضحاك وعطية والسدي وغيرهم، وروي عن ابن عباس أيضاً وأخرجه الحاكم عنه وصححه أن انتقاص الأرض موت أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها. وفي رواية عن أبـي هريرة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الأخير، وروي أيضاً عن مجاهد، فالمراد من الأرض جنسها، والأطراف كما قيل بمعنى الأشراف، ومجىء ذلك بهذا المعنى محكي عن ثعلب، واستشهد له الواحدي بقول الفرزدق:شعر : واسأل بنا وبكم إذا وردت مني أطراف كل قبيلة من يمنع تفسير : وقريب من ذلك قول ابن الأعرابـي: الطرف والطرف الرجل الكريم. وقول بعضهم: طرف كل شيء خياره، وجعلوا من هذا قول علي كرم الله تعالى وجهه: العلوم أودية في أي واد أخذت منها خسرت فخذوا من كل شيء طرفاً قال ابن عطية: أراد كرم الله تعالى وجهه خياراً؛ وأنت تعلم أن الأظهر جانباً، وادعى الواحدي أن تفسير الآية بما تقدم هو اللائق. وتعقبه الإمام بأنه يمكن القول بلياقة الثاني، وتقرير الآية عليه أو لم يروا أنا نحدث في الدنيا من الاختلافات خراباً بعد عمارة وموتاً بعد حياة وذلاً بعد عز ونقصاً بعد كمال وهذه تغييرات مدركة بالحس فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله تعالى الأمر عنهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين وهو كما ترى، وقيل: نقصها هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وخراب أرضهم أي ألم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم فكيف يأمنون من حلول ذلك بهم، والأول أيضاً أوفق بالمقام منه، ولا يخفى ما في التعبير بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23] وفي «الحواشي الشهابية» أن المعنى يأتيها أمرنا وعذابنا، وجملة {نَنقُصُهَا } في موضع الحال من فاعل {يَأْتِىَ } أو من مفعوله؛ وقرأ الضحاك {ننقصها} مثقلاً من نقص/ عداه بالتضعيف من نقص اللازم على ما في «البحر». {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ } ما يشاء كما يشاء وقد حكم لك ولأتباعك بالعز والإقبال وعلى أعدائك ومخالفيك بالقهر والإذلال حسبما يشاهده ذوو الأبصار من المخائل والآثار، وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى، وهي جملة اعتراضية جىء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها، وقوله سبحانه: {لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ} اعتراض أيضاً لبيان علو شأن حكمه جل وعلا، وقيل: هو نصب على الحال كأنه قيل: والله تعالى يحكم نافذاً حكمه كما تقول: جاء زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة أي حاسراً وإليه ذهب الزمخشري، قيل: وإنما أول الجملة الاسمية بالمفرد لأن تجردها من الواو إذا وقعت حالاً غير فصيح عنده ولا يخفى عليك أن جعلها معترضة أولى وأعلى، والمعقب من يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإبطال، ومنه يسمى الذي يطلب حقاً من آخر معقباً لأن يعقب غريمه ويتبعه للتقاضي، قال لبيد:شعر : حتى تهجر بالرواح وهاجها طلب المعقب حقه المظلوم تفسير : وقد يسمى الماطل معقباً لأنه يعقب كل طلب برد، وعن أبـي علي عقبني حقي أي مطلني، ويقال للبحث عن الشيء تعقب، وجوز الراغب أن يراد هذا المعنى هنا على أن يكون الكلام نهياً للناس أن يخوضوا في البحث عن حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم، ويكون ذلك من نحو النهي عن الخوض في سر القدر. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فعما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاء في الدنيا حسبما يرى، وكأنه قيل: لا تستبطىء عقابهم فإنه آت لا محالة وكل آت قريب، وقال ابن عباس: المعنى سريع الانتقام.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وإما نرينك بعض الذي نعدهم } تفسير : [الرعد: 40] المتعلقة بجملة {لكل أجل كتاب}. عقبت بهذه الجملة لإنذار المكذبين بأن ملامح نصر النبي صلى الله عليه وسلم قد لاحت وتباشير ظَفَره قد طلعت ليتدبروا في أمرهم، فكان تعقيب المعطوف عليها بهذه الجملة للاحتراس من أن يتوهموا أن العقاب بطيء وغيرُ واقع بهم. وهي أيضاً بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله مظهر نصره في حياته وقد جاءت أشراطه،فهي أيضاً احتراس من أن ييأس النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية نصره مع علمه بأن الله متم نوره بهذا الدّين. والاستفهام في {أولم يروا أنا} إنكاري، والضمير عائد إلى المكذبين العائد إليهم ضمير {نعدهم}. والكلام تهديد لهم بإيقاظهم إلى ما دب إليهم من أشباح الاضمحلال بإنقاص الأرض، أي سكانها. والرؤية يجوز أن تكون بصرية. والمراد: رؤية آثار ذلك النقص؛ ويجوز أن تكون علمية، أي ألم يعلموا ما حل بأرضي الأمم السابقة من نقص. وتعريف {الأرض} تعريف الجنس، أي نأتي أية أرض من أرضي الأمم. وأطلقت الأرض هنا على أهلها مجازاً، كما في قوله تعالى: { أية : واسأل القرية } تفسير : [سورة يوسف: 82] بقرينة تعلق النقص بها، لأن النقص لا يكون في ذات الأرض ولا يرى نقص فيها ولكنه يقع فيمن عليها. وهذا من باب قوله تعالى: { أية : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } تفسير : [سورة محمد: 10]. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بـ {الأرض} أرض الكافرين من قريش فيكون التعريف للعهد، وتكون الرؤية بصرية، ويكون ذلك إيقاظاً لهم لما غلب عليه المسلمون من أرض العدوّ فخرجت من سلطانه فتنقص الأرض التي كانت في تصرفهم وتزيد الأرض الخاضعة لأهل الإسلام. وبنوا على ذلك أن هذه الآية نزلت بالمدينة وهو الذي حمل فريقاً على القول بأن سورة الرعد مدنية فإذا اعتبرت مدنية صح أن تفسر الأطراف بطرفين وهما مكة والمدينة فإنهما طرفا بلاد العرب، فمكة طرفها من جهة اليَمن، والمدينة طرف البلاد من جهة الشام، ولم يزل عدد الكفار في البلدين في انتقاص بإسلام كفارها إلى أن تمحضت المدينة للإسلام ثم تمحضت مكة له بعد يوم الفتح. وأيّاً ما كان تفسير الآية وسبب نزولها ومكانه فهي للإنذار بأنهم صائرون إلى زوال وأنهم مغلوبون زائلون، كقوله في الآية الأخرى في سورة الأنبياء: { أية : أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } تفسير : [سورة الأنبياء: 51]، أي ما هم الغالبون. وهذا إمهال لهم وإعذار لعلهم يتداركون أمرهم. وجملة { أية : والله يحكم لا معقب لحكمه } تفسير : [سورة الرعد: 41] عطف على جملة {أولم يروا أنا} مؤكدة للمقصود منها، وهو الاستدلال على أن تأخير الوعيد لا يدل على بطلانه، فاستدل على ذلك بجملة {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} ثم بجملة {أولم يروا أنا نأتي الأرض} ثم بجملة {والله يحكم}، لأن المعنى: أن ما حكم الله به من العقاب لا يبطله أحد وأنه واقع ولو تأخر. ولذلك فجملة {لا معقب لحكمه} في موضع الحال، وهي المقيدة للفعل المراد إذ هي مصب الكلام إذ ليس الغرض الإعلام بأن الله يحكم إذ لا يكاد يخفى، وإنما الغرض التنبيه إلى أنه لا معقب لحكمه. وأفاد نفي جنس المعقب انتفاء كل ما من شأنه أن يكون معقباً من شريك أو شفيع أو داع أو راغب أو مستعصم أو مفتد. والمعقب: الذي يعقب عملاً فيبطله، مشتق من العَقِب، وهو استعارة غلبت حتى صارت حقيقة. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : له معقبات } تفسير : [سورة الرعد: 11] في هذه السورة، كأنه يجيء عقب الذي كان عمل العمل. وإظهار اسم الجلالة بعد الإضمار الذي في قوله: {أنا نأتي الأرض} لتربية المهابة، وللتذكير بما يحتوي عليه الاسم العظيم من معنى الإلٰهية والوحدانية المقتضية عدم المنازع، وأيضاً لتكون الجملة مستقلة بنفسها لأنها بمنزلة الحكمة والمثل. وجملة {وهو سريع الحساب} يجوز أن تكون عطفاً على جملة {والله يحكم} فتكون دليلاً رابعاً على أن وعده واقع وأن تأخره وإن طال فما هو إلا سريع باعتبار تحقق وقوعه؛ ويجوز أن يكون عطفاً على جملة الحال. والمعنى: يحكم غير منقوص حكمه وسريعاً حسابه. ومآل التقديرين واحد. والحساب: كناية عن الجزاء والسرعة: العجلة، وهي في كل شيء بحسبه.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - أَيَشُكُّ المُشْرِكُونَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، بِصِدْقِكَ فِيمَا أَنْذَرْتَهُمْ بِهِ؟ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّنَا نَفْتَحُ لَكَ الأَرْضَ بَعْدَ الأَرْضِ، وَنُظْهِرُ الإِسْلاَمَ عَلَى الشِّرْكِ، فَتَضِيقُ الدُّنْيا عَلَى المُشْرِكِينَ، وَيَتَحَقَّقُ مَا وَعَدَكَ اللهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ وَالغَلَبَةِ، وَاللهُ يَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى أَحْكَامِهِ، وَلاَ مُبَدِّلَ لَهَا، وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ. لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ - لاَ رَادَّ وَلاَ مُبْطِلَ لِحُكْمِهِ.

الثعلبي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني أهل مكة الذين يسألون محمداً الإيمان {أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} نقصدها {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} يفتحها لمحمّد صلى الله عليه وسلم أرضاً بعد أرض حوالي أرضهم فلا يخافون أن نفتح أرضهم كما فتحنا له غيرها، وبنحو ذلك قال أهل التأويل. روى صالح بن عمرو عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: ظهور المسلمين على المشركين. وروى وكيع عن سلمة بن سبط عن الضحاك قال: ما تغلب عليه محمد صلى الله عليه وسلم من أرض العدو. جبير عن الضحاك قال: أو لم ير أهل مكة إنا نفتح لمحمد ما حوله من القرى. وروى إسحاق بن إبراهيم السلمي عن مقاتل بن سليمان قال: الأرض مكة وننقصها من أطرافها غلبة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليها وانتقاصهم وازدياد المسلمين. فكيف لا يعتبرون وقال قوم: معناه أو لم يروا إلى الأرض ننقصها أفلا تخافون إن جعل بهم بأرضهم مثل ذلك فيهلكهم ويخرب أرضهم. ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: خراب الأرض وقبض أهلها. يزيد الخوي عن عكرمة قال: يعني قبض الناس. وقال: لو نقصت الأرض لصارت مثل هذه وعقد بيده سويتين. عثمان بن السنّاج عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} قال: موت أهل الأرض. طلحة بن أبي طلحة القناد عن الشعبي: قبض الأنفس والثمرات. علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نقصان أهلها وتركها. عثمان بن عطاء عن أبيه: قال ذهاب علمائها وفقهائها. قال الثعلبي: أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه السرخسي قال: حدثنا أبو لبيد بن محمد بن إدريس البسطامي حدثنا سعد بن سعيد حدثنا أبي حدثنا أبو حفص عن محمد بن عبد الله عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا العلم قبل أن يذهب ". تفسير : قلنا: وكيف يذهب العلم والقرآن بين أظهرنا قد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نقرأه ونقرئه أولادنا فأنصت ثم قال هل ظلت اليهود والنصارى الا والتوراة بين أظهرهم ذهاب العلم ذهاب العلماء. وحدثنا الأُستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب لفظاً في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة في آخرين. قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبو ضمرة وأنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ". تفسير : وحدثنا أبو القاسم أخبرنا محمد بن أحمد بن سعيد حدثنا العباس بن حمزة حدثنا [.........] السدي حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن عبد الله بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجنيد عن أبي الدرداء أنه قال: يا أهل حمص مالي أرى أنّ علماؤكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون، فأراكم قد أقبلتم على ما يكفل لكم، وضيعتم ما وكلتم به اعلموا قبل أن يرفع العلم فإن رفع العلم ذهاب العلماء. وأخبرنا أبو القاسم حدثنا عبد الله بن المأمون بهرات حدثنا أبي حدثنا خطام بن الكاد بن الجراح عن أبيه عن جويبر عن الضحاك قال: قال علي (رضي الله عنه): إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كفٌ لم تعد. حدثنا أبو القاسم حدثنا أبي حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد الرازي الزعفراني حدثنا عمر بن مدرك البلخي، أبو حفص حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا هشام بن حيان عن الحسين قال: قال عبد الله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار. ومنه عن الرازي حدثنا عمرو بن تميم الطبري. أخبرنا محمد بن الصلت. حدثنا عباد بن العوام عن هلال عن حيان قال: قلت لسعيد بن جبير ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم، ونظير هذه الآية في سورة الأنبياء عليهم السلام. {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} لا راد لحكمه، والمعقب في كلام العرب الذي يكرّ على الشيء ويتبعه. قال لبيد: شعر : حتى تهجر في الرواح وهاجه طلب المعقب حقه المظلوم تفسير : {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ * وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني من قبل مشركي مكة {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} يعني له أسباب المكر وبيده الخير والشر وإليه النفع والضر فلا يضر مكر أحد أحداً إلاّ من أراد الله ضره، وقيل: معناه له جزاء إليكم. {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ} سيعلم: قرأ ابن كثير وأبو عمر: الكافر على الواحد، والباقون على الجمع. {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} عاقبة الدار الآخرة ممن يدخلون النار ويدخل المؤمنون الجنة {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} إني رسوله إليكم، {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِِ} أيضاً يشهدون على ذلك. هم مؤمنو أهل الكتاب. وقرأ الحسين وسعيد بن جبير: {وَمَنْ عِندَهُ} بكسر الميم والدال. علم الكتاب مبني على الفعل المجهول. وروى أبو عوانة عن أبي الخير قال: قلت لسعيد بن جبير {وَمِنْ عِندِهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِِ} أهو عبد الله بن سلام؟ قال: كيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية. وكان سعيد يقرأها {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِِ}، ودليل هذه القراءة قوله {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}تفسير : [الكهف: 65] وقوله {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2]. وأخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بابويه أخبرنا أبو رجاء محمد بن حامد بن محمد المقرئ بمكة حدثنا محمد بن حدثنا عبد الله بن عمر حدثنا سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها ومن عنده علم الكتاب. وبه عن السمري حدثنا أبو توبه عن الكسائي عن سليمان عن الزهري عن نافع عن ابن عمر قال: قال: وذكر الله أشدّ فذكر إنه حيث جاء إلى الدار ليسلم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِِ} بكسر الميم وسمعه في الركعة الثانية يقرأ {أية : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ}تفسير : [العنكبوت: 49] الآية. أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد الفاسي حدثنا القاضي الحسين بن محمد بن عثمان النصيبي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين السميعي بحلب حدثني الحسين بن إبراهيم بن الحسين الجصاص. أخبرنا الحسين بن الحكم حدثنا سعيد بن عثمان عن أبي مريم وحدثني بن عبد الله ابن عطاء قال: كنت جالساً مع أبي جعفر في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلام جالساً في ناحية فقلت لأبي جعفر: زعموا أنّ الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام. فقال: إنما ذلك علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). وفيه عن السبيعي: حدثنا عبد الله بن محمد بن منصور بن الجنيد الرازي عن محمد بن الحسين بن الكتاب. أحمد بن مفضل حدثنا مندل بن علي عن إسماعيل بن سلمان عن أبي عمر زاذان عن ابن الحنفية {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِِ} قال: هو علي بن أبي طالب.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و {يَرَوْاْ} هنا بمعنى "يعلموا"، ولم يَقُلْ ذلك؛ لأن العلم قد يكون عِلْماً بغيب، ولكن "يروا" تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية عِلْم مشهد ورؤية واضحة، وليس مع العين أَيْن. وإذا جاء قول الحق سبحانه ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل؛ ووجدنا فيه فعل الرؤية؛ فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مَشْهدٍ، لأن قوله سبحانه أوثق من الرؤية، وعلمه أوثق من عينيك. وسبق أن قال الحق سبحانه لرسوله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وُلِد في عام الفيل، ولا يمكن أن يكون قد رأى ما حدث لأصحاب الفيل، ولكنه صَدَّق ما جاء به القول الحق وكأنه رؤيا مَشْهدية. وقال الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ..} تفسير : [الفرقان: 45]. وحين يُعبِّر القرآن عن أمر غيبي يأتي بفعل "يرى" مثل قوله الحق: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ..} تفسير : [السجدة: 12]. وحين يتكلم القرآن عن أمر معاصر يقول: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ ..} تفسير : [الأنبياء: 44]. وهنا يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} [الرعد: 41]. وهذا قول للحاضر المعاصر لهم. وتعريف الأرض هنا يجعلها مجهولة، لأننا حين نرغب في أن نُعرِّف الأرض؛ قد يتجه الفكر إلى الأرض التي نقف عليها؛ وبالمعنى الأوسع يتجه الفكر إلى الكرة الأرضية التي يعيش عليها كل البشر. وقد تُنسَبُ الأرض إلى بقعة خاصة وقع فيها حَدَثٌ ما؛ مثل قول الحق سبحانه عن قارون: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [القصص: 81]. ويقول الحق سبحانه عن الأرض كلها: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النور: 55]. وبطبيعة الحال هم لن يأخذوا كل الأرض، ولكن ستكون لهم السيطرة عليها. وسبحانه يقول أيضاً: {أية : فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأعراف: 73]. وهكذا نفهم أن كلمة "الأرض" تطلق على بُقعة لها حَدث خاص، أما إذا أُطلقتْ؛ فهي تعني كل الأرض، مثل قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. ومثل قوله تعالى لبني إسرائيل: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [الإسراء: 104]. مع أنه قد قال لهم في آية أخرى: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ..} تفسير : [المائدة: 21]. فبعد أنْ حَدَّد لهم الأرض بموقع معين عاد فأطلق الكلمة، ليدل على أنه قد شاء ألاَّ يكون لهم وَطَن، وأنْ يظلُّوا مُبعْثرين، ذلك أنهم رفضوا دخول الموقع الذي سبق وأنْ حَدَّده لهم وقالوا: {أية : إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ..} تفسير : [المائدة: 24]. ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ..} تفسير : [الأعراف: 168]. أي: جعلنا كل قطعة بما تحويه من تماسك متفرقة عن القطعة الأخرى، وهذا هو حال اليهود في العالم؛ حيث يُوجَدُونَ في أحياء خاصة بكل بلد من بلاد العالم؛ فلم يذوبوا في مجتمع ما. وقوله الحق هنا: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} [الرعد: 41]. مُوجَّه إلى قريش، فقد كانت لهم السيادة ومركزها مكة، ثم من بعد ذلك وجدوا أن الموقف يتغيَّر في كُلِّ يوم عن اليوم الآخَرِ؛ ففي كل يوم تذهب قبيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لِتعلِنَ إسلامها وتبايعه. وهكذا تنقص أمام عيونهم دائرة الكفر، إلى أن أعلنوا هم أنفسهم دخولهم في الإسلام. وهكذا شاء الحق سبحانه أن نقصتْ أرضُ الكفر، وازدادتْ أرض الإيمان، ورَأَوْا ذلك بأنفسهم ولم يأخذوا عِبْرةً بما رَأَوْه أمام أعينهم من أن الدعوة مُمْتدة، ولن تتراجع أبداً، حيث لا تزداد أرض إلا بمكين فيها. والمكين حين ينقص بموقعه من معسكر الكفر فهو يُزيد رُقْعة الإيمان؛ إلى أنْ جاء ما قال فيه الحق سبحانه: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}تفسير : [النصر: 1-3]. وهناك أناس مُخْلِصون لدين الله، ويحاولون إثبات أن دين الله فيه أشياء تدلُّ على المعاني التي لم تُكتشَفْ بعد، فقالوا على سبيل المثال فَوْر صعود الإنسان إلى القمر: لقد أوضح الحق ذلك حين قال: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ..} تفسير : [الرحمن: 33]. وقالوا: إنه سلطان العلم. ولكن ماذا يقولون في قوله بعدها: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} تفسير : [الرحمن: 35]. فهل يعني ذلك أنه أباح الصعود بسلطان العلم كما تقولون؟ ولهؤلاء نقول: نحن نشكر لكم محاولة رَبْطكم للظواهر العلمية بما جاء بالقرآن، ولكن أين القمر بالنسبة لأقطار السماوات والأرض؟ إنه يبدو كمكان صغير للغاية بالنسبة لهذا الكون المُتَّسع، فأين هو من النجم المسمَّى بالشِّعْرى، أو بسلسلة الأجرام المُسمَّاة بالمرأة المُسلْسلَة؟ بل أين هو من المَجَرَّات التي تملأ الفضاء؟ وحين تنظر أنت إلى النجوم التي تعلوك تجد أن بينك وبينها مائة سنة ضوئية، ولو كنت تقصد أن تربط بين سلطان العلم وبين القرآن، فعليك أنْ تأخذ الاحتياط، لأنك لو كنت تنفذُ بسلطان العلم لما قال الحق سبحانه بعدها: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ ..} تفسير : [الرحمن: 35]. وإنْ سألتَ: وما فائدة الآية التي تحكي عن هذا السلطان؛ فهي قد جاءتْ لأن الرسول قد أخبر القوم أنه صعدَ إلى السماء وعُرِج به، أي: أنه صُعِد وعُرِج به بسلطان الله. وهنا يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} [الرعد: 41]. وكلمة "أطراف" تدلنا على أن لكل شيء طُولاً وعَرْضاً تتحدد به مساحته؛ وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه. ونحن نعرف أن أيَّ طول له طرفان، وإنْ كان الشيء على شكل مساحي تكون أطرافه بعدد الأضلاع. ومادام الحق سبحانه يقول هنا: {مِنْ أَطْرَافِهَا ..} [الرعد: 41]. أي: من كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر طرفاً. ومعنى ذلك أنه سبحانه قد شاء أنْ تضيق أرض الكفار، وأنْ يُوسِّع أرض المؤمنين من كل جهة تحيط بمعسكر الكفر، وهذا القول يدل على أنه عملية مُحْدَثة، ولم تكن كذلك من قبل. ويتابع سبحانه من بعد ذلك: {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ..} [الرعد: 41]. أي: أن الموضوع قد بُتَّ فيه وانتهى أمره .. ونحن في حياتنا اليومية نقول: "هذا الموضوع قد انتهى؛ لأن الرئيس الكبير قد عقَّب على الحكم فيه". ونحن في القضاء نجد الحكم يصدر من محكمة الدرجة الابتدائية، ثم يأتي الاستئناف ليؤيد الحكم أو يرفضه، ولا يقال: إن الاستئناف قد عقَّب على الحكم الابتدائي؛ بل يُقال: إنه حكم بكذا إما تأييداً أو رَفْضاً؛ فما بالنا بحكم مَنْ لا يغفل ولا تخفى عنه خافية، ولا يمكن أن يُعقِّب أحد عليه؟ والمَثلُ في ذلك ما يقوله الحق سبحانه عن سليمان وداود عليهما السلام: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..} تفسير : [الأنبياء: 78-79]. وأَصْل الحكاية أن خلافاً قد حدث بسبب أغنام يملكها إنسان؛ واقتحمتْ الأغنامُ زراعةَ إنسانٍ آخر؛ فتحاكموا إلى داود عليه السلام؛ فقال داود: إن على صاحب الأغنام أن يتنازل عنها لصاحب الأرض. وكان سيدنا سليمان - عليه السلام - جالساً يسمع أطراف الحديث فقال: لا، بل على صاحب الأغنام أن يتنازل عن أغنامه لصاحب الأرض لفترة من الزمن يأخذ من لبنها ويستثمرها، وينتفع بها إلى أن يزرع له صاحب الغنم مثلَ ما أكلتْ الأغنام من أرضه. وقال الحق سبحانه: {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..} تفسير : [الأنبياء: 79]. وهذا هو الاستئناف، ولا يعني الاستئناف طَعْنَ قاضٍ في القاضي الأول؛ لكنه بَحْثٌ عن جوهر العدل؛ ولعل القضية إنْ أُعيدَتْ لنفس القاضي الأول لَحكَم نفس الحكم الذي حكم به الاستئناف بعد أن يستكشف كل الظروف التي أحاطتْ بها. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ ..} [الرعد: 41]. ولحظة أن يُصدِر الله حُكْماً؛ فلن يأتي له استئناف، وهذا معنى قوله الحق: {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ..} [الرعد: 41]. وكأن هذا القول الحكيم يحمل التنبؤ بما أشار به القضاء بإنشاء الاستئناف؛ ولا أحد يُعقِّب على حُكْم الله؛ لأن المُعقِّب يفترض فيه أن يكون أيقظَ من المُعقَّب عليه؛ وعنده قدرةُ التفاف إلى ما لم يلتفت إليه القاضي الأول، ولا يوجد قَيُّوم إلا الله، ولا أحدَ بقادر على أن يعلم كل شيء إلا هو سبحانه. وآفة كل حُكْم هو تنفيذه؛ ففي واقعنا اليومي نجد مَنِ استصدر حُكْماً يُعاني من المتاعب كي يُنفِّذه؛ لأن الذي يُصدِر الحكم يختلف عَمَّنْ ينفذه، فهذا يتبع جهة، وذاك يتبع جهة أخرى. ولكن الحُكْم الصادر من الله؛ إنما يُنفَّذ بقوته سبحانه، ولا يوجد قويٌّ على الإطلاق سِوَاه، ولذلك يأتي قوله الحق: {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [الرعد: 41]. فكأن الله يُنبِّهنا بهذا القول إلى أن الحكم بالعدل يحتاج إلى سرعة تنفيذ. ونحن نرى في حياتنا اليومية: كيف يُرْهق مَنْ له حكم بحقٍّ عادل؛ ولو أننا نُسرِع بتنفيذ الأحكام لَسادَتْ الطمأنينةُ قلوبَ أفراد المجتمع. ونحن نجد استشراء العصبيات في الأخذ بالثأر إنما يحدث بسبب الإبطاء في نظر القضايا؛ حيث يستغرق نظر القضية والحكم فيها سنواتٍ؛ مِمَّا يجعل الحقدَ يزداد. لكن لو تَمَّ تنفيذ الحكم فَوْرَ معرفة القاتل، وفي ظل الانفعال بشراسة الجريمة؛ لَمَا ازدادتْ عمليات الثأر ولَهدأَت النفوس. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} معناهُ نُذهبُ بِعلمائِها وعُبادِها. تفسير : وقوله تعالى: {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} معناهُ لاَ رادَّ ولاَ تَغيُّرَ.

همام الصنعاني

تفسير : 1392- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قولِهِ تعالى: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}: [الآية: 41]، قال: كان عكرمة يقول: هُوَ قبض النَّاس. 1393- قال معمر: وقال الحسن: هو ظهور المسلمين عَلَى المشركين. 1394- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهدك {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}: [الآية: 41]، قال: الموت مَوْتُ علمائها وفقهائها.