١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل مشركي مكة، مكروا بالرسل وكادوا لهم وكفروا بهم. {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} أي هو مخلوق له مكر الماكرين، فلا يضرّ إلا بإذنه. وقيل؛ فللَّهِ خير المكر؛ أي يجازيهم به. {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من خير وشر، فيجازي عليه. {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ} كذا قراءة نافع وٱبن كثير وأبي عمرو. الباقون: «الْكُفَّارُ» على الجمع. وقيل: عنى (به) أبو جهل. {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} أي عاقبة دار الدنيا ثواباً وعقاباً، أو لِمن الثواب والعقاب في الدّار الآخرة؛ وهذا تهديد ووعيد. قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً} قال قَتَادة: هم مشركو العرب؛ أي لست بنبيّ ولا رسول، وإنما أنت متقوِّل؛ أي لما لم يأتهم بما ٱقترحوا قالوا ذلك. {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ} أي قل لهم يا محمد: {كَفَىٰ بِٱللَّهِ} أي كفى الله {شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} بصدقي وكذبكم. {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} وهذا احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب ـ من آمن منهم ـ في التفاسير. وقيل: كانت شهادتهم قاطعة لقول الخصوم؛ وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سَلاَم وسَلْمان الفارسيّ وتميم الداريّ والنجاشيّ وأصحابه؛ قاله قَتَادة وسعيد بن جُبَير. وروى الترمذيّ عن ابن أخي عبد الله بن سَلاَم قال: لما أريد (قتل) عثمان جاء عبد الله بن سَلاَم فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نُصرتك؛ قال: ٱخرج إلى الناس فاطردهم عني، فإنك خارج خير لي من داخل؛ (قال) فخرج عبد الله بن سَلاَم إلى الناس فقال: أيها الناس! إنه كان ٱسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ونزلت فيّ آيات من كتاب الله؛ فنزلت فيّ: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 10] ونزلت فيّ: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} الحديث. وقد كتبناه بكماله في كتاب «التذكرة». وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وكان اسمه في الجاهلية حصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقال أبو بشر: قلت لسعيد بن جُبَيْر {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}؟ قال: هو عبد الله بن سَلاَم. قلت: وكيف يكون عبد الله بن سَلاَم وهذه السورة مكية وٱبن سَلاَم ما أسلم إلا بالمدينة؟ٰ ذكره الثعلبي. وقال القُشَيري: وقال ٱبن جُبَير السورة مكية وٱبن سَلاَم أسلم بالمدينة بعد هذه السورة؛ فلا يجوز أن تحمل هذه الآية على ابن سَلاَم؛ فمن عنده علم الكتاب جبريل؛ وهو قول ٱبن عباس. وقال الحسن ومجاهد والضّحاك: هو الله تعالى؛ وكانوا يقرؤون «ومِن عِندِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ» وينكرون على من يقول: هو عبد الله بن سَلاَم وسَلْمان؛ لأنهم يَرَوْن أن السورة مكية، وهؤلاء أسلموا بالمدينة. ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «ومِنْ عِندِه عِلم الكِتابِ» وإن كان في الرواية ضعف، وروى ذلك سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وروى محبوب عن إسماعيل بن محمد اليمانيّ أنه قرأ كذلك ـ «ومِن عِندِهِ» بكسر الميم والعين والدال «عُلم الكِتابُ» بضم العين ورفع الكتاب. وقال عبد الله بن عطاء: قلت لأبي جعفر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سَلاَم فقال: إنما ذلك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وكذلك قال محمد بن الحنفية. وقيل: جميع المؤمنين، والله أعلم. قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما من قال إنه عليّ فعوّل على أحد وجهين: إما لأنه عنده أعلم المؤمنين وليس كذلك؛ بل أبو بكر وعمر وعثمان أعلم منه. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا مدينة العلم وعليّ بابها»تفسير : وهو حديث باطل؛ النبيّ صلى الله عليه وسلم مدينة علم وأصحابه أبوابها؛ فمنهم الباب المنفسح، ومنهم المتوسط، على قدر منازلهم في العلوم. وأما من قال إنهم جميع المؤمنين فصدق؛ لأن كل مؤمن يَعْلَم الكتاب، ويُدرك وجه إعجازه، ويشهد للنبيّ صلى الله عليه وسلم بصدقه. قلت: فالكتاب على هذا هو القرآن. وأما من قال هو عبد الله بن سَلاَم فعوّل على حديث الترمذيّ؛ وليس يمتنع أن ينزل في عبد الله بن سَلاَم شيئاً ويتناول جميع المؤمنين لفظاً؛ ويعضده من النظام أن قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني قريشاً؛ فالذين عندهم علم الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى، الذين هم إلى معرفة النبوّة والكتاب أقرب من عبدة الأوثان. قال النحاس: وقول من قال هو عبد الله بن سَلاَم وغيره يحتمل أيضاً؛ لأن البراهين إذا صحت وعرفها من قرأ الكتب التي أنزلت قبل القرآن كان أمراً مؤكداً؛ والله أعلم بحقيقة ذلك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين؛ كقوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]، وقوله تعالى: { أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ} تفسير : [النمل:50-52] الآيتين. وقوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي: إنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله {وسَيَعْلَمُ الكافِرُ}، والقراءة الأخرى: الكفار، {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} أي: لمن تكون الدائرة والعاقبة؛ لهم، أو لأتباع الرسل؟ كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم بأنبيائهم كما مكروا بك {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } وليس مكرهم كمكره، لأنه تعالى {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } فيُعدُّ لها جزاءه، وهذا هو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون {وَسَيَعْلَمْ ٱلْكَٰفِرُ } المراد به الجنس. وفي قراءة «الكفار» {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ } أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، ألهم أم للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{ويقول الذين كفروا لست مُرْسلاً}قال قتادة: هم مشركو العرب. {قلْ كفى بالله شهيداً بيني وبينكم}أي يشهد بصدقي وكذبكم. {ومن عنده علم الكتاب}فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم عبدالله بن سلام وسلمان وتميم الداري، قاله قتادة. الثاني: أنه جبريل، قاله سعيد بن جبير. الثالث: هو الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد والضحاك. وكانوا يقرأون{ومِن عنده علم الكتاب}أي من عِنْد الله علم الكتاب، وينكرون على من قال هو عبد الله بن سلام وسلمان لأنهم يرون السورة مكية، وهؤلاء أسلموا بالمدينة، والله تعالى أعلم بالصواب.
ابو السعود
تفسير : {وَقَدْ مَكَرَ} الكفار {ٱلَّذِينَ} خلَوا {مِن قَبْلِهِمُ} من قبل كفار مكةَ بأنبـيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاءِ، وهذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا عبرةَ بمكرهم ولا تأثير، بل لا وجود له في الحقيقة ولم يصرّح بذلك اكتفاءً بدلالة القصرِ المستفادِ من تعليله أعني قوله تعالى: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ} أي جنسُ المكر {جَمِيعاً} لا وجودَ لمكرهم أصلاً، إذ هو عبارةٌ عن إيصال المكروهِ إلى الغير من حيث لا يشعُر به وحيث كان جميع ما يأتون وما يذرون بعلم الله تعالى وقدرتِه ـ وإنما لهم مجردُ الكسب من غير فعلٍ ولا تأثير حسبما يبـيّنه قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} ومن قضيته عصمةُ أوليائِه وعقابُ الماكرين بهم توفيةً لكل نفس جزاءَ ما تكسِبه ـ ظهر أنْ ليس لمكرهم بالنسبة إلى مَن مكروا بهم عينٌ ولا أثرٌ وأن المكرَ كله لله تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرُهم من حيث لا يحتسبون، أو لله المكرُ الذي باشروه جميعاً لا لهم عل معنى أن ذلك ليس مكراً منهم بالأنبـياء بل هو بعينه مكرٌ من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيث لا يحيق المكرُ السيِّـيءُ إلا بأهله {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ} حين يقضي بمقتضىٰ علمه فيوفِّي كلَّ نفس جزاءَ ما تكسبه {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} أي العاقبةُ الحميدةُ من الفريقين وإن جهِلوا ذلك يومئذ، وقيل: السينُ لتأكيد وقوعِ ذلك وعلمِهم به حينئد، وقرىء سيعلم الكافرُ على إدارة الجنسِ والكافرون والكفرُ أي أهله والذين كفروا وسيُعلم على صيغة المجهول من الإعلام أي سيُخبر.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} [الآية: 42]. قال ابن عطاء: المكر حقيقة، ما مكر الحق بهم حتى توهموا أنهم يمكرون، ولم يعلموا أنه مكر بهم حيث سهل عليهم سبيل المكر. قال الحسين: لا مكر أبين من مكر الحق بعباده، حيث أوهمهم أن لهم سبيلاً إليه بحال أو للحدث اقترابه مع القدم فى وقت، فالحق بائن وصفاته بائنة إن ذكروا فبأنفسهم وإن شكروا فلأنفسهم، وإن أطاعوه فلنجاة أنفسهم ليس للحق منهم شىء لأنه الغنى القهار.
القشيري
تفسير : مكرُهم إظهارُ الموافقة مع إسرارهم الكُفْرَ، ومكرُ الله بهم تَوَهُّمُهُم أنهم مُحْسِنون في أعمالهم، وحسبانهم أنهم سَنأْمَنُ أحوالُهم، وظَنُّهم أنه لا يحيق بهم مكرُهم، وتخليتُه إياهم - مع مَكِرهم - مِنْ أَعْظَم مَكْرِه بهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} كل قصاراه منتهى لانه سقط من مكره ومكره قائم على كل مكر وله تعالى بكل قوم مكر فمكره بالمريدين ان يزين لهم اعمال الطاعات ويجعلهم مسرورين بها ومكره بالمحبين سكوتهم الى راحات مواجيدهم فيجعلهم مستلذين بها فيصيروا محجوبين عما رأوها من مكاشفات جمال الحق ومكره بالعارفين ان يؤقفهم على ما وجدوا حتى ظنوا انهم واصلون الى الكل ومكره بالموحدين ان يغرقهم فى بحر البقاء ومشاهدة الابدية ولا يطرق عليهم سطوات عزة القدم التى توجب الفناء فى النكرة والفناء فى نكرة النكرة ومن وقع فى بحر النكرة فمكره اياسه عن الرجوع الى البقاء المذكور والكل فى مكره ومكرهم من مكره ومكره واراء مكرهم يحتالون ان يخرجوا من مكره بمكرهم ولا يخرجون من مكره الا بمكره قال الحسين لا كمرابين من من مكر الحق بعباده حيث اوهمهم ان لهم سبيلا اليه بحال او للحدث اقتران مع القديم فى وقت والحق بائن وصفاته بائنة ان ذكروا فبانفسهم وان شكروا فلانفسهم وان اطاعوا فلنجاة انفسهم ليس للحق منهم شئ بحال لانه الغنى القهار قال ابن عطا المكر حقيقة ما كمر بهم الحق حتى توهموا انه يمكرون ولم يعرفوا انهم مكر بهم حيث سهل عليهم سبيل المكر قوله.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقد مكر الذين من قبلهم} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى مكر الذين قبل مشركى مكة بانبيائهم والمؤمنين بهم كما مكر اهل مكة بمحمد عليه السلام ومكرهم ما اخفوه من تدبير القتل والايذاء بهم مكر نمرود بابراهيم عليه السلام وبنى الصرح وقصد السماء ليقتل رب ابراهيم ومكر فرعون بموسى عليه السلام واليهود بعيسى عليه السلام وثمود بصالح عليه السلام كما قالوا لنبيتنه واهله اى لنقتلهم ليلا ومكر كفار مكة فى دار الندوة حين ارادوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم {فلله المكر جميعا} مكر الله اهلا كهم من حيث لا يشعرون شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. وفى الكواشى اسباب المكر وجزاؤه بيد الله لا يغلبه احد على مراده فيجازيهم جزاء مكرهم وينصر انبياءه ويبطل مكر الكافرين اذا هو من خلقه فالمكر جميعا مخلوق له ليس يضر منه شئ الا باذنه ثم بين قوة مكره وكماله بقوله {يعلم ما تكسب كل نفس} من خير وشر فيعد جزاءها. وفى التأويلات النجمية فى اهل كل زمان وقرن مكروهم يمكرون به فلله المكر جميعا فانه مكر بهم ليمكروا بمكره مكرا مع اهل الحق ليبتليهم الله بمكرهم ويصبروا على مكرهم ثقة بالله انه هو خير الماكرين: وفى المثتوى شعر : مرضعيفا نرا توبى خصمى مدان از نبة اذ جاء الله بخوان كردخود جون كرم بيله برمتن بهر خودجه ميكنى اندازه كن كرتوبيلى خصم تواز تورميد نك جزا طيرا ابابيلت رسيد كرضعيفى درزمين خواهدامان غلغل افتد درسياه آسمان كربدندانش كزى برخون كنى درددندانت بكيرد جون كنى تفسير : {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} من الفريقين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم فى غفلة منه واللام تدل على ان المراد بالعقبى العاقبة المحمودة والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها ان يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت ودخول الجنة. قال سعدى المفتى ثم لا يبعد ان يكون المراد والله اعلم وسيعلم الكفار من يملك الدنيا آخرا فاللام للمك انتهى. فينبغى للمؤمن ان يتوكل على المولى ويعتمد على وعده ويوافقه باستعجال ما عجله واستئجال ما اجله وكما انه تعالى نصر رسوله فكان ما كان كذلك ينصر من نصر رسوله فى كل عصر وزمان فيجعله غالبا على اعدائه الظاهرة والباطنة - روى - حديث : انه عليه السلام امر فى غزوة بدر ان يطرح جيف الكفار فى القليب وكان اذا ظهر على قوم اقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان اليوم الثالث امر عليه السلام براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه اصحابه حتى وقف على شفة القليب وجعل يقول "يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فانى وجدت ما وعدنى الله حقا" فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله كيف تكلم اجسادا لا روح فيها فقال عليه السلام "ما انتم باسمع لما اقول منهم" تفسير : وفى رواية "حديث : لقد سمعوا ما قلت غير انهم لا يستطيعون ان يردوا شيئا " تفسير : وعن قتادة رضى الله عنه احياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة وكان ابو لهب قد تأخر فى مكة وعاش بعد ان جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر اياما قليلة ورمى بالعدسة وهى بثرة تشبه العدسة من جنس الطاعون فقتله فلم يحفروا له حفيرة ولكن اسندوه الى حائط وقذفوا عليه الحجارة خلف الحائط حتى واروه لان العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ويرون انها تعدى اشد العدوى فلما اصابت ابا لهب تباعد عنه بنوه وبقى بعد موته ثلاثا لا يقرب جنازته ولا يحاول دفنه حتى انتن فلما خافوا السبة اى سب الناس لهم فعلوا به ما ذكر وفى رواية حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه فوجد جزاء مكره برسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عائشة رضى الله عنها اذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها قال فى النور وهذا القبر الذي يرجم خارج باب شبيكة الآن ليس بقبر ابى لهب وانما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة وذلك فى دولة بنى العباس فان الناس اصبحوا ووجدوا الكعبة ملطخة بالعذرة فرصدوا للفاعل فامسكوهما بعد ايام فصلبا فى ذلك الموضع فصارا يرجمان الى الآن فهذا جزاؤهما فى الدنيا وقد مكر الله بهما بذلك فقس على هذا جزاء من استهزأ بدين الله واهل دينه من العلماء الاخيار والاتقياء الابرار وقد مكر بعض الوزراء بحضرة شيخى وسندى فى اواخر عمره فاماته الله قبله بايام فرؤى فى المنام وهو منكوس الرأس لا يرفعها حياء مما صنع بحضرة الشيخ اللهم احفظنا واعصمنا من سوء الحال وسيآت الاعمال
الطوسي
تفسير : قرأ كثير وابو عمرو ونافع "الكافر" على لفظ الواحد. الباقون {الكفار} على لفظ الجمع. قال ابو علي الفارسي في قوله {وسيعلم الكفار} هو المتعدّي الى مفعولين؛ بدلالة تعليق وقوع الاستفهام بعده، تقول: علمت لمن الغلام، فتعلقه مع الجار كما تعلقه مع غير الجار في قوله {أية : فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} تفسير : وموضع الجار مع المجرور نصب من حيث سد الكلام - الذي هو الاستفهام - مسدّ المفعولين، لان من حيث حكمت في نحو مررت بزيد، فان موضعه نصب، ولكن الباء الجارّة كانت متعلقة في الاصل بفعل فصار مثل علمت بمن تمر في أن الجارة تتعلق بالمرور، والجملة التي هي منها في موضع نصب، وقد علّق الفعل عنها. ومن قرأ على لفظ الفاعل، وأنه جعل الكافر اسماً شائعاً كإِنسان في قوله {أية : إن الإنسان لفي خسر}تفسير : وزعموا أنه لا أالف فيه وهذا الحذف إِنما يقع في (فاعل) نحو خالد، وصالح ولا يكاد يحذف في (فعال) فهذا حجتهم. وزعموا أن في بعض الحروف {وسيعلم الذين كفروا}، وقرأ ابن مسعود {وسيعلم الكافرون} فهذا يقوي الجمع. ومن قرأ على لفظ الجمع، فلأن التهديد متوجّه الى جميع الكفار، ولا إِشكال فيه. اخبر الله تعالى أن الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء الكفار، مكروا بالمؤمنين واحتالوا في كفرهم. والمكر هو الفتل عن البغية بطريق الحيلة، تقول مكر يمكر فهو ماكر مكراً، وقال أبو علي: المكر ضرر ينزل بصاحبه من حيث لا يشعر به. ثم اخبر تعالى ان له المكر جميعاً، ومعناه لله جزاء مكرهم، لانهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله أن وبال مكرهم عليهم بمجازاة الله لهم. وقوله تعالى: {يعلم ما تكسب كل نفس} معناه أنه لا يخفى عليه ما يكسبه الانسان من خير وشر وغير ذلك؛ لأنه عالم بجميع المعلومات {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} تهديد للكفار بأنهم سوف يعلمون لمن تكون عاقبة الجنة للمطيعين أو العاصين، فإِن الله تعالى وعد بذلك المؤمنين دون الكفار والظالمين.
الهواري
تفسير : قوله: { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل مشركي هذه الأمة، فكان مكرهم في تباب، أي: في خسار. قال الله: { فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعاً} فمَكَر بِهِم؛ أهلكهم أحسن ما كانوا في دنياهم حالاً وأعزَّه. وقال في آية أخرى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَة} أي: مكان الشدة الرخاء{حَتَّى عَفَوا}أي: حتى كثروا {وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} أي: قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيء. قال الله: {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي: فجأة (أية : وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) تفسير : [الأعراف:94-95]. قوله: { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي: ما تعمل كل نفس { وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} أي: لمن الجنة. قوله: { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: يقولون لمحمد { لَسْتَ مُرْسَلاً} أي: لستَ برسول الله. { قُلْ} يا محمد { كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ} أي: إني مرسل. وهو كقوله: (أية : الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) تفسير : [سورة البقرة:146] أي: يعرفون أن محمداً رسول الله؛ بل معرفتهم لمحمد أنه رسول الله، لِمَا جَاءتهم به أنبياؤهم وما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل، أثبتُ؛ لأن أبناءهم لا يدرون ما أحدثت نساؤهم فيهم؛ ومحمد لا يشكّون أنه رسول الله، بما جاءتهم به أنبياؤهم من عند الله، وبما وجدوا في كتبهم التي أنزلها الله عليهم. ذكروا عن عبد الله بن سلام قال: فيّ نزلت هذه الآية: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ}. قال الحسن: هو الله. وقال بعضهم: علم الكتاب أي: أصل الكتاب وجِماعه. وبعضهم يقرأ هذا الحرف: {وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ} يقول: من عند الله علم الكتاب. وقال بعضهم: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسِلاً} يعني مشركي العرب. {قُلْ} يا محمد {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ} قال: قد كان من أهل الكتاب قوم يهدون بالحق ويعرفونه؛ منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وكعب.
اطفيش
تفسير : {وقَدْ مَكر الَّذين مِنْ قَبْلهم} قبل مشركى مكة من الأمم الماضية، أوصلوا المكروه بأنبيائهم والمؤمنين، كما فعل نمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى {فللَّهِ المكْرُ جَميعاً} على الحقيقة ليس منه شئ بيد غيره، فليس مكر غيره بضار إلا بإرادته، واإن لم يرد فليس بضار، كما لم يضر إبراهيم وموسى وعيسى مكر نمرود وفرعون واليهود، فليس مكر غيره مما يكترث به العقلاء، فكل مكر تأثر بيد مخلوق فبإذن الله تعالى، فلتأثره بإذنه وخلقه إياه نسب إليه، أو مكر الله جزاؤه، سمى للمناسبة فيكون ذلك تسمية للعقوبة باسم الذنب، فإن المكر ذنب، وتضمنت الآية تهديد الكفار بمكر الله، وأن مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ضائع لا يؤثر فيه، وراجع وباله عليهم، وإن مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره، وفسر مكر الله عز وجل بقوله: {يعْلَم ما تَكسِبُ كلُّ نفْسٍ} فيعد جزاءها، فإنه لا مكر أعظم من مكر من يعلم ما تكسب كل نفس، ويعد لها جزاءها فيجازيها وقت غفلتها فى الدنيا، ويجازيها أيضا فى الآخرة، والحال أنها لا تعلم اليوم بعذاب الآخرة، لعدم إيمانها، بل تعلم بعدمه كما قال: {وسَيَعْلم الكفَّار} جنس الكفار، كما تدل عليه قراءة الكوفيين: وابن عامر: وسيعلم الكفار، وقراءة بعضهم: وسيعلم الكفارون، وبعضهم: وسيعلم الذين كفروا. وقيل: المراد فى قراءة الأفراد، وقراءة الجمع الخمسة المستهزئون، وعن ابن عباس: الكافر أبو جهل، ومعلوم أن غيره مثله، وقرأ بعضهم: وسيعلم الكفر بإسكان الفاء مبالغة، أو بتقدير مضاف، أى ذو الكفر، أو ذوو الكفر، أو بالتأويل بالوصف، أى كافرا، والكفار، وقرأ جناح بن جيش: وسيعلم الكافر بضم الياء وفتح اللام من أعلمه إذا أخبره بشئ وصيره عالما {لمنْ عُقْبى الدَّار} ألهم أم للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والتعريف فى عقبى الدار بإضافة عقبى إلى المعرف بأل التعريف عهد، فالمراد الجنة كما هى المراد فى فنعم عقبى الدار.
اطفيش
تفسير : {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} احتال الكفار قبلهم على أَنبيائِهم والمؤمنين بالسوءِ كما احتال عيك قومك وعلى المؤمنين فتسل، ولم يؤَثر احتيالهم، كذلك لا يؤثر احتيال قومك فلا عبرة به؛ لأَن المكر لله جميعاً كما قال: {فَلِلَّهِ المْكْرُ جَمِيعاً} لا شىء من تأْثيره لغيره فلا يؤثر ما لم يرد الله أَن يؤثر، أَو لله المجازاة على المكر، أَو المكر التأْثير نفسه لأَنه مسببه، والأَول أَولى، وقد مكر نمروذ بإِبراهيم عليه السلام وفرعون بموسى عليه السلام واليهود بعيسى عليه السلام، وما أَثر فى بعض الأَنبياءِ والمؤمنين فبقضاءِ الله. {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} لا يخفى عنه شىءٌ، والكفار غافلون، فيحضر لهم العقاب من حيث لا يعلمون، وهذا من أَشد المكر، للمؤمنين فى ذلك ثواب صبرهم وأَعمالهم يجدونه أَحوج ما يكونون إِليه، وظهور عقاب الكافرين أَيضا كأَنه مكر من المؤمنين يتشفون به {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} عقباها الجنة للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أَم لهم.
الالوسي
تفسير : {وَقَدْ مَكَرَ} الكفار {ٱلَّذِينَ } خلوا {مِن قَبْلِهِمْ} من قبل كفار مكة بأنبيائهم وبالمؤمنين كما فعل هؤلاء، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا عبرة بمكرهم ولا تأثير بل لا وجود له في الحقيقة، ولم يصرح سبحانه بذلك اكتفاءً بدلالة القصر المستفاد من تعليله أعني قوله تعالى: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ } أي جنس المكر {جَمِيعاً } لا وجود لمكرهم أصلاً، إذ هو عبارة عن إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يشعر به وحيث كان جميع ما يأتون ويذرون بعلمه وقدرته سبحانه وإنما لهم مجرد الكسب من غير فعل ولا تأثير حسبما يبينه قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } ومن قضيته عصمة أوليائه سبحانه وعقاب الماكرين بهم توفية لكل نفس جزاء ما كسبت ظهر أن ليس لمكرهم بالنسبة إلى من مكروا بهم عين ولا أثر وإن المكر كله لله تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرهم من حيث لا يحتسبون، كذا قاله شيخ الإسلام، وقد تكلف قدس سره في ذلك ما تكلف، وحمل الكسب على ما هو الشائع عند الأشاعرة والله تعالى لا يفرق بينه وبين الفعل وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون واللغويون؛ وقيل: وجه الحصر أنه لا يعتد بمكر غيره سبحانه لأنه سبحانه هو القادر بالذات على إصابة المكروه المقصود منه وغيره تعالى إن قدر على ذلك فبتمكينه تعالى وإذنه فالكل راجع إليه جل وعلا. وفي «الكشاف» ((أن قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } الخ تفسير لقوله سبحانه: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا } لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعدَّ لها جزاءها (فهو له المكر) لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة مما يراد بهم))، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي فلله جزاء المكر. وجوز في أل أن تكون للعهد أي له/ تعالى المكر الذي باشروه جميعاً لا لهم، على معنى أن ذلك ليس مكراً منهم بالأنبياء بل هو بعينه مكر من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيث لا يحيق المكر السيء إلا بأهله. {وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ } حين يأتيهم العذاب {لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ } أي العاقبة الحميدة من الفريقين وإن جهل ذلك قبل، وقيل: السين لتأكيد وقوع ذلك وعلمه به حينئذٍ، والمراد من الكافر الجنس فيشمل سائر الكفار، وهذه قراءة الحرميين وأبـي عمرو، وقرأ باقي السبعة {وسيعلم الكفار} بصيغة جمع التكسير. وقرأ ابن مسعود {الكافرون} بصيغة جمع السلامة، وقرأ أبـي {الذين كفروا} وقرأ {الكفر} أي أهله، وقرأ جناح بن حبيس {وسيعلم} بالبناء للمفعول من أعلم أي سيخبر واللام للنفع، وجوز أن تكون للملك على معنى سيعلم الكفرة من يملك الدنيا آخراً، وفسر عطاء {ٱلْكَـٰفِرُ } بالمستهزئين وهم خمسة والمقسمين وهم ثمانية وعشرون، وقال ابن عباس: يريد بالكافر أبا جهل، وما تقدم هو الظاهر، ولعل ما ذكر من باب التمثيل.
ابن عاشور
تفسير : لما كان قوله: { أية : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } تفسير : [سورة الرعد: 41] تهديداً وإنذاراً مثل قوله: { أية : فقد جاء أشراطها } تفسير : [محمد: 18] وهو إنذار بوعيد على تظاهرهم بطلب الآيات وهم يضمرون التصميم على التكذيب والاستمرار عليه. شبه عملهم بالمكر وشبه بعمل المكذبين السابقين كقوله: { أية : ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } تفسير : [سورة الأنبياء: 6]. وفي هذا التشبيه رمز إلى أن عاقبتهم كعاقبة الأمم التي عَرفوها. فنقص أرض هؤلاء من أطرافها من مكر الله بهم جزاء مكرهم، فلذلك أعقب بقوله: {وقد مكر الذين من قبلهم} أي كما مكر هؤلاء. فجملة {وقد مكر الذين من قبلهم} حال أو معترضة. وجملة {فللَّه المكر جميعاً} تفريع على جملة { أية : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } تفسير : [الرعد: 41] وجملة { أية : والله يحكم لا معقب لحكمه } تفسير : [الرعد: 41]. والمعنى: مكَرَ هؤلاء ومكرَ الذين من قبلهم وحل العذاب بالذين من قبلهم فمكر الله بهم وهو يمكر بهؤلاء مكراً عظيماً كما مكر بمن قبلهم. وتقديم المجرور في قوله: {فللَّه المكر جميعاً} للاختصاص، أي له لا لغيره، لأن مكره لا يدفعه دافع فمكر غيره كلاَ مكر بقرينة أنه أثبت لهم مكراً بقوله: {وقد مكر الذين من قبلهم}. وهذا بمعنى قوله تعالى: {والله خير الماكرين}. وأكد مدلول الاختصاص بقوله: {جميعاً} وهو حال من المكر. وتقدم في قوله تعالى: {إليه مرجعكم جميعاً في [سورة يونس: 4]. وإنما جعل جميع المكر لله بتنزيل مكر غيره منزلة العدم، فالقصر في قوله: {فللَّه المكر} ادعائي، والعموم في قوله: {جميعاً} تنزيليّ. وجملة {يعلم ما تكسب كل نفس} بمنزلة العلة لجملة {فللَّه المكر جميعاً}، لأنه لما كان يعلم ما تكسب كل نفس من ظاهر الكسب وباطنه كان مكره أشد من مكر كل نفس لأنه لا يفوته شيء مما تضمره النفوس من المكر فيبقى بعض مكرهم دون مقابلة بأشد منه فإن القوي الشديد الذي لا يعلم الغيوب قد يكون عقابه أشد ولكنه قد يفوقه الضعيف بحيلته. وجملة {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} عطف على جملة {فللَّه المكر جميعاً}. والمراد بالكافر الجنس، أي الكفار، و{عقبى الدار} تقدم آنفاً، أي سيعلم عقبى الدار للمؤمنين لا للكافرين، فالكلام تعريض بالوعيد. وقرأ الجمهور: {وسيعلم الكافر} بإفراد الكافر. وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة والكسائي، وخلف {وسيعلم الكفار} بصيغة الجمع. والمفرد والجمع سواء في المعرف بلام الجنس.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 42- وقد دبَّر الذين من قبلهم التَّدبير السيئ لرسلهم، ولله سبحانه تدبير الأمر كله فى حاضر الكافرين وقابلهم، وسيكون الجزاء على ما يصنعون، وهو يعلم ما تعمله كل نفس. وإذا كانوا يجهلون أن العاقبة الحسنة للمؤمنين، فسيعلمون يوم القيامة - بالرؤية - لمن تكون العاقبة الحسنة بالإقامة فى دار النعيم. 43- والغاية من المراء الذى يقوم به الذين جحدوا ولم يذعنوا للحق أن يقولوا لك - أيها النبى - لست مرسلا من عند الله، فقل لهم: حسبى أن الله هو الذى يحكم بينى وبينكم، والذى يعلم حقيقة القرآن، وما يدل عليه من إعجاز باهر تُدركه العقول السليمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكُفَّارُ} (42) - وَقَدْ مَكَرَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِهِمْ بِرُسُلِهِمْ، وَأَرَادُوا إِخْرَاجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، فَمَكَرَ اللهُ بِهِمْ وَأَبْطَلَ مَكْرَهُمْ، وَجَعَلَهُم الأَسْفَلِينَ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَاللهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ؛ وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، لِمَنْ تَكُونُ العَاقِبَةُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ لأَِتْبَاعِ الرُّسُلِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله، وأيُّ سامع لهذا البلاغ يستقرئ موكب الرسالات السابقة؛ وسيجد أن كُلَّ أمة أُرسِل لها رسول مكرتْ به وكادتْ له كي تبطل دعواه، ولم ينفع أي أمة أيّ مكر مَكرتْه أو أيّ كَيْدٍ كَادَتْهُ، فكُلُّ الرسالات قد انتصرتْ. فسبحانه القائل: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ..} تفسير : [المجادلة: 21]. وهو القائل: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. والحق سبحانه حين يُورِد حُكْماً فبالقرآن؛ وهو الذي حفظ هذا القرآن؛ فلن تأتي أيُّ قضية كونية لتنسخ الحكم القرآني. وأنت إذا استقرأتَ مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماماً؛ كما أثبتها الحق سبحانه في القرآن المحفوظ؛ وما حفظه سبحانه إلا لوثوقه بأن الكونيات لا يمكن أن تتجاوزه. وبالفعل فقد مكرتْ كُلُّ أمة برسولها؛ ولكن الحق سبحانه له المكر جميعاً؛ ومَكْر الله خَيْرٌ للبشرية من مَكْر كل تلك الأمم؛ ومَكْره سبحانه هو الغالب، وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين عليك يا رسول الله؛ فالأمر معك لا بُدَّ أنْ يختلفَ لأنك مُرْسَلٌ إلى الناس جميعاً، ولا تعقيبَ يأتي من بعدك. وكُلُّ تلك الأمور كانت تطمئنه صلى الله عليه وسلم؛ فلا بُدَّ من انتصاره وانتصار دعوته؛ فسبحانه محيط بأيِّ مَكْر يمكره أيُّ كائن؛ وهو جَلَّ وعلاَ قادر على أنْ يُحبِط كل ذلك. ويتابع سبحانه في نفس الآية: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} [الرعد: 42]. والحق سبحانه يعلم ما يخفى عن الأعين في أعماق الكائنات؛ خَيْر هو أو شَرٌّّ، ويحمي مَنْ شاءَ من عباده من مَكْر الماكرين، ويُنزِل العقاب على أصحاب المَكْر السيء بالرسل والمؤمنين. ولَسوفَ يعلم الكافرون أن مصيرهم جهنم، وبئس الدار التي يدخلونها في اليوم الآخر؛ فَضْلاً عن نُصْرة رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وخِزْيهم فيها. وهكذا يكونون قد أخذوا الخِزْي كجزاءٍ لهم في الدنيا؛ ويزدادون عِلْماً بواقع العذاب الذي سَيلقََوْنَهٌ في الدار الآخرة. ويُنهي الحق سبحانه سورة الرعد بهذه الآية: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } برسلهم وبالحق الذي جاءت به الرسل، فلم يغن عنهم مكرهم ولم يصنعوا شيئا فإنهم يحاربون الله ويبارزونه، { فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا } أي: لا يقدر أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه، وتحت قضائه وقدره، فإذا كانوا يمكرون بدينه فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم، فإن الله { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } أي: همومها وإراداتها وأعمالها الظاهرة والباطنة. والمكر لا بد أن يكون من كسبها فلا يخفى على الله مكرهم، فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحق وأهله ويفيدهم شيئا، { وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } أي: ألهم أو لرسله؟ ومن المعلوم أن العاقبة للمتقين لا للكفر وأعماله. { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا } أي: يكذبونك ويكذبون ما أرسلت به، { قُلْ } لهم -إن طلبوا على ذلك شهيدا: { كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما قوله فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه مما يثبت به رسالته. وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد. وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس باتباعه، فمن اتبعه فله رضوان الله وكرامته، ومن لم يتبعه فله النار والسخط وحل له ماله ودمه والله يقره على ذلك، فلو تقول عليه بعض الأقاويل لعاجله بالعقوبة. { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } وهذا شامل لكل علماء أهل الكتابين، فإنهم يشهدون للرسول من آمن واتبع الحق، صرح بتلك الشهادة التي عليه، ومن كتم ذلك فإخبار الله عنه أن عنده شهادة أبلغ من خبره، ولو لم يكن عنده شهادة لرد استشهاده بالبرهان، فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة. وإنما أمر الله باستشهاد أهل الكتاب لأنهم أهل هذا الشأن، وكل أمر إنما يستشهد فيه أهله ومن هم أعلم به من غيرهم، بخلاف من هو أجنبي عنه، كالأميين من مشركي العرب وغيرهم، فلا فائدة في استشهادهم لعدم خبرتهم ومعرفتهم والله أعلم. تم تفسير سورة الرعد ، والحمد لله رب العالمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):