١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : سورة إبراهيم عليه السلام خمسون وآيتان مكية بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد. ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة وقوله: {الر كِتَابٌ } معناه أن السورة المسماة بالر كتاب أنزلناه إليك لغرض كذا وكذا فقوله: {الر } مبتدأ وقوله: {كِتَابٌ } خبره وقوله: {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ } صفة لذلك الخبر وفيه مسائل: المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلاً من عند الله تعالى. قالت المعتزلة: النازل والمنزل لا يكون قديماً. وجوابنا: أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: اللام في قوله: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ } لام الغرض والحكمة، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح. أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلاً لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزاً عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر. المسألة الثالثة: إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته. المسألة الرابعة: قال القاضي: هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات: أحدها: أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب. وثانيها: أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة والسلام إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول: إنك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع، فلهم أن يقولوا: إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج. وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالماً قادراً حكيماً ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم، ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه. والجواب عن الكل أن نقول: الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر، والأول: باطل، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم، وحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال. والثاني: عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال، وإن لم يكن منه بل من الله تعالى، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله تعالى وذلك هو المطلوب والله أعلم. المسألة الخامسة: احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } فإن معنى الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم، والمراد بهذا الإذن إما الأمر، وإما العلم، وإما المشيئة والخلق. وحمل الإذن على الأمر محال، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل، فإن الجهل متميز عن العلم والباطل متميز عن الحق، وأيضاً حمل الإذن على العلم محال، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة والتخليق، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف. قلنا: لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصل القول فيه فنقول: المراد بالإذن إما أن يكون أمراً يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر ألبتة، فامتنع أن يقال: إنه مما حصل بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم. وقد دللنا في «الكتب العقلية» على أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا، والله أعلم. المسألة السادسة: القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام، احتجوا عليه بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم. وجوابنا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه، وأما المعرفة فهي إنما تحصل بالدليل، والله أعلم. المسألة السابعة: الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة وأن طريق الخير ليس إلا الواحد، لأنه تعالى قال: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهداية بالنور وهو لفظ مفرد، وذلك يدل على أن طرق الجهل كثيرة، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا الواحد. المسألة الثامنة: في قوله تعالى: {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } وجهان الأول: أنه بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل كقوله: { أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } تفسير : [الأعراف: 75] الثاني: يجوز أن يكون على وجه الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور فقيل: {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }. المسألة التاسعة: قالت المعتزلة: الفاعل إنما يكون آتياً بالصواب والصلاح، تاركاً للقبيح والعبث إذا كان قادراً على كل المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، فإنه إن لم يكن قادراً على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز، وإن لم يكن عالماً بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل، وإن لم يكن غنياً عن كل الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة، أما إذا كان قادراً على الكل عالماً الكل غنياً عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل القبيح، فقوله: {ٱلْعَزِيزِ } إشارة إلى كمال القدرة، وقوله: {ٱلْحَمِيدِ } إشارة إلى كونه مستحقاً للحمد في كل أفعاله، وذلك إنما يحصل إذا كان عالماً بالكل غنياً عن الكل فثبت بما ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفاً بكونه شريفاً رفيعاً عالياً لكونه صراطاً مستقيماً للإله الموصوف بكونه عزيزاً حميداً، فلهذا المعنى: وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام. المسألة العاشرة: إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد، لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه تعالى قادراً، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً، ثم بعد ذلك العلم بكونه غنياً عن الحاجات، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني، فلما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً بالكل غنياً عن الكل لا جرم قدم الله ذكر العزيز على ذكر الحميد، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} تقدّم معناه. {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} أي بالكتاب، وهو القرآن، أي بدعائك إليه. {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم؛ وهذا على التمثيل؛ لأن الكفر بمنزلة الظلمة؛ والإسلام بمنزلة النور. وقيل: من البدعة إلى السُّنة، ومن الشك إلى اليقين؛ والمعنى متقارب. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بتوفيقه إياهم ولطفه بهم، والباء في «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» متعلقة بـ«ـتخرج» وأضيف الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الداعي والمنذر الهادي. {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} هو كقولك: خرجت إلى زيد العاقِل الفاضِل من غير واو، لأنهما شيء واحد؛ والله هو العزيز الذي لا مثل له ولا شبيه. وقيل: «الْعَزِيز» الذي لا يغلبه غالب. وقيل: «الْعَزِيزِ» المنيع في ملكه وسلطانه. «الْحَمِيدِ» أي المحمود بكل لسان، والممجد في كل مكان على كل حال. وروى مِقْسَم عن ٱبن عباس قال: كان قوم آمنوا بعيسى ابن مريم، وقوم كفروا به، فلما بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر الذين آمنوا بعيسى؛ فنزلت هذه الآية، ذكره الماورديّ.
البيضاوي
تفسير : وهي آياتها اثنتان وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {الر كِتَابٌ} أي هو كتاب. {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ } بدعائك إياهم إلى ما تضمنه. {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ } من أنواع الضلال. {إِلَى ٱلنُّورِ } إلى الهدى. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } بتوفيقه وتسهيله مستعار من الاذن الذي هو تسهيل الحجاب، وهو صلة {لِتُخْرِجَ } أو حال من فاعله أو مفعوله. {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } بدل من قوله: {إِلَى ٱلنُّورِ } بتكرير العامل أو استئناف على أنه جواب لمن يسأل عنه، وإضافة الصراط إلى الله تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له وتخصيص الوصفين للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سابله.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور {كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ} أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض؛ إلى جميع أهلها؛ عربهم وعجمهم {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب؛ لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ} تفسير : [البقرة: 257] الآية. وقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [الحديد: 9] الآية. وقوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره، يهديهم {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ}، أي: العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، {ٱلْحَمِيدِ} أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره. وقوله: {أية : ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 158] قرأ بعضهم مستأنفاً مرفوعاً، وقرأ آخرون على الإتباع صفة للجلالة، كقوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 158] الآية. وقوله: {وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك، ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها، ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهي اتباع الرسل {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجاً مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم والحالة هذه صلاح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {الر } اللّهُ أعلم بمراده بذلك، هذا القرآن {كِتَابٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ } يا محمد {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ } الكفر {إِلَى ٱلنُّورِ } الإيمان {بِإِذُنِ } بأمر {رَّبُّهُمْ } ويبدل من.«إلى النور» {إِلَىٰ صِرٰطِ } طريق {ٱلْعَزِيزِ } الغالب {ٱلْحَمِيدِ } المحمود.
الشوكاني
تفسير : قوله: {الر } قد تقدم الكلام في أمثال هذا، وبيان قول من قال إنه غير متشابه، وهو إما مبتدأ خبره كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، ويكون {كِتَابٌ } خبراً لمحذوف مقدّر، أو خبراً ثانياً لهذا المبتدأ، أو يكون {الر } مسروداً على نمط التعديد فلا محلّ له، و {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ } صفة لكتاب: أي أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، ومعنى {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور الإيمان والعلم والهداية. جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة النور على طريق الاستعارة، واللام في {لتخرج} للغرض والغاية، والتعريف في الناس للجنس، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم يخرج بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ما صاروا إليه من النور. وقيل: إن الظلمة مستعارة للبدعة، والنور مستعار للسنّة. وقيل: من الشك إلى اليقين. ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور، والباء في {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلقة بـ "تخرج"، وأسند الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الداعي والهادي والمنذر. قال الزجاج: بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } هو بدل من {إلى النور} بتكرير العامل كما يقع مثله كثيراً، أي: لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وهو طريقة الله الواضحة التي شرعها لعباده، وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها، ويجوز أن يكون مستأنفاً بتقدير سؤال، كأنه قيل: ما هذا النور الذي أخرجهم إليه؟ فقيل: صراط العزيز الحميد، والعزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في استحقاق الحمد. {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } قرأ نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الله المتصف بملك ما في السمٰوات وما في الأرض، وقرأ الجمهور بالجرّ على أنه عطف بيان لكونه من الأعلام الغالبة، فلا يصح وصف ما قبله به؛ لأن العلم لا يوصف به. وقيل: يجوز أن يوصف به من حيث المعنى. وقال أبو عمر: إن قراءة الجرّ محمولة على التقديم والتأخير، والتقدير: إلى صراط الله العزيز الحميد. وكان يعقوب إذا وقف على {الحميد} رفع، وإذا وصل خفض. قال ابن الأنباري: من خفض وقف على وما في الأرض. ثم توعد من لا يعترف بربوبيته فقال: {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } قد تقدم بيان معنى الويل، وأصله النصب. كسائر المصادر، ثم رفع للدلالة على الثبات. قال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهلكة، فدعا سبحانه وتعالى بذلك على من لم يخرج من الكفار بهداية رسول الله صلى الله عليه وسلم له بما أنزله الله عليه من العذاب الشديد الذي صاروا فيه. ثم وصف هؤلاء الكفار بقوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } أي: يؤثرونها لمحبتهم لها {عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ } الدائمة والنعيم الأبدي. وقيل: إن الموصول في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين. وقيل: الموصول مبتدأ وخبره أولئك، وجملة {وَيَصُدُّونَ } وكذلك {ويبغون} معطوفتان على {يستحبون}، ومعنى الصدّ {عن سبيل الله} صرف الناس عنه ومنعهم منه، وسبيل الله دينه الذي شرعه لعباده {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي: يطلبون لها زيغاً وميلاً لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، والعوج بكسر العين في المعاني وبفتح العين في الأعيان، وقد سبق تحقيقه. والأصل: يبغون لها. فحذف الحرف وأوصل الفعل إلى الضمير، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق فقال: {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } والإشارة إلى الموصوفين بتلك الصفات القبيحة والبعد وإن كان من صفة الضال لكنه يجوز وصف الضلال به مجازاً لقصد المبالغة. ثم لمّا منّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسل ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان قومه فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } أي: متلبساً بلسانهم، متكلماً بلغتهم؛ لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول، ولا يفهمون ما يخاطبهم به، حتى يتعلموا ذلك اللسان دهراً طويلاً، ومع ذلك فلا بدّ أن يصعب عليهم فهم ذلك بعض صعوبة؛ ولهذا علل سبحانه ما امتن به على العباد بقوله: {لِيُبَيّنَ لَهُمُ } أي: ليوضح لهم ما أمرهم الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة. وقد قيل: في هذه الآية إشكال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس جميعاً، بل إلى الجنّ والإنس ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة. وأجيب بأنه وإن كان صلى الله عليه وسلم مرسلاً إلى الثقلين كما مرّ لكن لما كان قومه العرب، وكانوا أخصّ به وأقرب إليه كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم، ويوضحونه حتى يصير فإهماً له كفهمهم إياه، ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم، وبينه رسول الله لكل قوم بلسانهم لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحاً لباب التنازع؛ لأن كل أمة قد تدّعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، وربما كان ذلك أيضاً مفضياً إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوي الباطلة التي يقع فيها المتعصبون. وجملة {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } مستأنفة أي: يضلّ من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلاً للأوّل فالرفع على الاستئناف هو الوجه، فيكون معنى هذه الآية: وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها، ومع ذلك فإن المضلّ والهادي هو، الله عزّ وجلّ، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلاّ إذا جعله الله سبحانه واسطة وسبباً، وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدّم عليها، إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغالبه مغالب {ٱلْحَكِيمُ } الذي يجري أفعاله على مقتضى الحكمة. ثم لما بيّن أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلاّ ذلك، وخصّ موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدّمة على هذه الأمة المحمدية فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } أي: متلبساً بها، والمراد بالآيات: المعجزات التي لموسىٰ، ومعنى {أَنْ أَخْرِجْ } أي: أخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول، ويجوز أن يكون التقدير بأن أخرج، والمراد بقومه بنو إسرائيل بعد ملك فرعون. {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ } من الكفر أو من الجهل الذي قالوا بسببه: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138]. {إِلَى ٱلنُّورِ} إلى الإيمان، أو إلى العلم {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } أي: بوقائعه. قال ابن السكيت: العرب تقول الأيام، في معنى الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي: بوقائعها. وقال الزجاج: أي ذكرهم بنعم الله عليهم وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي: في التذكير بأيام الله، أو في نفس أيام الله {لآيَاتٍ } لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة {لّكُلّ صَبَّارٍ } أي: كثير الصبر على المحن والمنح {شَكُورٍ } كثير الشكر للنعم التي أنعم الله بها عليه. وقيل: المراد بذلك كل مؤمن، وعبَّر عنه بالوصفين المذكورين؛ لأنهما ملاك الإيمان، وقدّم الصبار على الشكور؛ لكون الشكر عاقبة الصبر. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } قال: من الضلالة إلى الهدى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {يَسْتَحِبُّونَ } قال: يختارون. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمداً على أهل السماء وعلى الأنبياء، قيل: ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 29] وقال لمحمد: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2]. فكتب له براءة من النار. قيل: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}، وقال لمحمد: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ: 28] فأرسله إلى الإنس والجنّ. وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن عفان {إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } قال: نزل القرآن بلسان قريش. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } قال: بالآيات التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } قال: من الضلالة إلى الهدى. وأخرج النسائي، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: حديث : {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } قال: "بنعم الله وآلائه"تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } قال: نعم الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } قال: وعظهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: بوقائع الله في القرون الأولى. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } قال: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر.
الماوردي
تفسير : {الر كتاب أنزلناه إليك}يعني القرآن. {لتُخرِجَ الناسَ مِن الظلماتِ إلى النُّور}فيه أربعة أوجه: أحدها: من الشك إلى اليقين. الثاني: من البدعة إلى السنّة. الثالث: من الضلالة إلى الهدى الرابع: من الكفر إلى الإيمان {بإذن ربهم} فيه وجهان: أحدهما: بأمر ربهم، قاله الضحاك. الثاني: بعلم ربهم. {إلى صراط العزيز الحميد} فروى مِقْسم عن ابن عباس قال: كان قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى، فنزلت هذه الآية. قوله عز وجل:{الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة}فيه وجهان: أحدهما: يختارونها على الآخرة، قاله أبو مالك. الثاني: يستبدلونها من الآخرة، ذكره ابن عيسى، والاستحباب هو التعرض للمحبة. ويحتمل ما يستحبونه من الحياة الدنيا على الآخرة وجهين: أحدهما: يستحبون البقاء في الحياة الدنيا على البقاء في الآخرة. الثاني: يستحبون النعيم فيها على النعيم في الآخرة. {ويصدون عن سبيل الله}قال ابن عباس: عن دين الله. ويحتمل: عن محمد صلى الله عليه وسلم. {ويبغونها غِوَجاً}فيه وجهان: أحدهما: يرجون بمكة غير الإسلام ديناً، قاله ابن عباس. الثاني: يقصدون بمحمد صلى الله عليه وسلم هلاكاً، قاله السدي. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن معناه يلتمسون الدنيا من غير وجهها لأن نعمة الله لا تستمد إلا بطاعته دون معصيته. والعِوَج بكسر العين: في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائماً. والعوج بفتح العين: في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور والاختلاف في ذلك. و {كتاب} رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب، وهذا على أكثر الأقوال في الحروف المقطعة، وأما من قال فيها، إنها كناية عن حروف المعجم، فـ {كتاب} مرتفع بقوله: {الر} أي هذه الحروف كتاب أنزلناه إليك، وقوله: {أنزلناه} في موضع الصفة للكتاب. قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما: إن الإنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى جبريل عليه السلام من الكلام. وقوله: {لتخرج} أسند الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث له فيه المشاركة بالدعاء والإنذار، وحقيقته إنما هي لله تعالى بالاختراع والهداية. وفي هذه اللفظة تشريف للنبي عليه السلام. وعم {الناس} إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق، ثبت ذلك بآيات القرآن التي اقترن بها ما نقل تواتراً من دعوته العالم كله، ومن بعثته إلى الأحمر والأسود علم الصحابة ذلك مشاهدة، ونقل عنهم تواتراً، فعلم قطعاً والحمد لله. واستعير {الظلمات} للكفر، و {النور} للإيمان، تشبيهاً. وقوله: {بإذن ربهم}، أي بعلمه وقضائه به وتمكينه لهم.. و {إلى} في قوله: {إلى صراط} بدل من الأولى في قوله: {إلى النور} أي إلى المحجة المؤدية إلى طاعة الله وللإيمان به ورحمته، فأضافها إلى الله بهذه التعلقات. و {العزيز الحميد} صفتان لائقتان بهذا الموضع، فالعزة من حيث الإنزال للكتاب، وما في ضمن ذلك من القدرة، واستيجاب الحمد من جهة بث هذه النعم على العالم في نصب هدايتهم. وقرأ نافع وابن عامر "اللهُ الذي" برفع اسم الله على القطع والابتداء وخبره "الذي"، ويصح رفعه على تقدير هو الله الذي. وقرأ الباقون بكسر الهاء على البدل من قوله: {العزيز الحميد}، وروى الأصمعي وحده هذه القراءة عن نافع. وعبر بعض الناس عن هذا بأن قال: التقدير: إلى صراط الله العزيز الحميد، ثم قدم الصفات وأبدل منها الموصوف. قال القاضي أبو محمد: وإذا كانت هكذا فليست بعد بصفات على طريقة صناعة النحو، وإن كانت بالمعنى صفاته، ذكر معها أو لم يذكر. وقوله: {وويل} معناه: وشدة وبلاء ونحوه. أي يلقونه من عذاب شديد ينالهم الله به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد في الدنيا، هذا معنى قوله: {وويل}. وقال بعض: "ويل" اسم واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار. قال القاضي أبو محمد: وهذا خبر يحتاج إلى سند يقطع العذر، ثم لو كان هذا لقلق تأويل هذه الآية لقوله: {من عذاب} وإنما يحسن تأوله في قوله: {أية : ويلٌ للمطففين} تفسير : [المطففين: 1] وما أشبهه، وأما هنا فإنما يحسن في "ويل" أن يكون مصدراً، ورفعه على نحو رفعهم: سلام عليك وشبهه. و {الذين} بدل من الكافرين وقوله: {يستحبون} من صفة الكافرين الذين توعدهم قبل، والمعنى: يؤثرون دنياهم وكفرهم وترك الإذعان للشرع على رحمة الله وسكنى جنته، وقوله {يصدون} يحتمل أن يتعدى وأن يقف، والمعنى على كلا الوجهين مستقل، تقول: صد زيد وصد غيره، ومن تعديته قول الشاعر: [الوافر] شعر : صددتِ الكأس عنا أمَّ عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا تفسير : و {سبيل الله} طريقة هداه وشرعه الذي جاء به رسوله. وقوله: {ويبغونها عوجاً} يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: أظهرها أن يريد: ويطلبونها في حالة عوج منهم. ولا يراعى إن كانوا بزعمهم على طريق نظر وبسبيل اجتهاد واتباع الأحسن، فقد وصف الله تعالى حالهم تلك بالعوج، وكأنه قال: ويصدون عن سبيل الله التي هي بالحقيقة سبيله، ويطلبونها على عوج في النظر. والتأويل الثاني أن يكون المعنى: ويطلبون لها عوجاً يظهر فيها، أي يسعون على الشريعة بأقوالهم وأفعالهم. فـ {عوجاً} مفعول. والتأويل الثالث: أن تكون اللفظة من المعنى، على معنى: ويبغون عليها أو فيها عوجاً، ثم حذف الجار، وفي هذا بعض القلق. وقال كثير من أهل اللغة: العِوج - بكسر العين - في الأمور وفي الدين، وبالجملة في المعاني، والعَوج - بفتح العين - في الأجرام. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا القانون بقوله تعالى: {أية : فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} تفسير : [طه: 107] وقد تتداخل اللفظة مع الأخرى، ووصف "الضلال" بالبعد عبارة عن تعمقهم فيه. وصعوبة خروجهم منه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الظُّلُمَاتِ} الضلالة والكفر، و {النُّورِ} الإيمان والهدى {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} بأمره. آمن بعيسى قوم وكفر به آخرون فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فنزلت "ع".
النسفي
تفسير : مكية: اثنتان وخمسون آيه {آلر كِتَابٌ } هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب يعني السورة، والجملة التي هي {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ } في موضع الرفع صفة للنكرة {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ } بدعائك إياهم {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من الضلالة إلى الهدى {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } بتيسيره وتسهيله مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب وذلك ما يمنحهم من التوفيق {إِلَىٰ صِرٰطِ } بدل من {النور} بتكرير العامل {ٱلْعَزِيزُ } الغالب بالانتقام {ٱلْحَمِيدِ} المحمود على الإنعام {ٱللَّهِ } بالرفع مدني وشامي على هو «الله» وبالجر غيرهما على أنه عطف بيان للعزيز الحميد {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } خلقاً وملكاً. ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل وهو نقيض الوأل وهو النجاة وهو اسم معنى كالهلاك فقال: {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وهو مبتدأ وخبر، وصفة {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ } يختارون ويؤثرون {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلأخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللهِ} عن دينه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجاً والأصل ويبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل. {الذين} مبتدأ خبره {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } عن الحق. ووصف الضلال بالبعد من الإسناد والمجازي والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن طريق الحق فوصف به فعله كما تقول جد جده، أو مجرور صفة للكافرين، أو منصوب على الذم أو مرفوع على أعني الذين أوهم الذين .
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: القرآن {كتاب أنزلناه إليك} يعني هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد والكتاب هو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {لتخرج الناس من الظلمات الى النور} يعني بهذا القرآن والمراد من الظلمات الكفر والضلالة والجهل، والمراد بالنور: الإيمان. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: وفيه دليل على أن طرق الكفر والبدع كثيرة وطريق الحق ليس إلا واحداً لأنه تعالى قال: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور فعبر عن الجهل والكفر والضلال بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهدى بالنور وهو لفظ مفرد وذلك يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا واحد {بإذن ربهم} يعني بأمر ربهم وقيل: يعلم ربهم {إلى صراط العزيز الحميد} يعني إلى دين الإسلام وهو دينه الذي أمر به عباده، والعزيز هو الغالب الذي لا يغلب والحميد المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد {الله} قرىء بالرفع على الاستئناف وخبره ما بعده وقرىء بالجر نعتاً للعزيز الحميد فقال أبو عمرو قراءة الخفض على التقديم والتأخير تقديره إلى صراط الله العزيز الحميد {الذي له ما في السموات وما في الأرض} يعني ملكاً وما فيهما عبيده {وويل للكافرين} يعني الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض، وعبدوا من لا يملك شيئاً البتة بل هو مملوك لله لأنه من جملة خلق الله، ومن جملة ما في السموات وما في الأرض {من عذاب شديد} يعني معد لهم في الآخرة ثم وصفهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {الله الذي} بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل. الباقون بالجر مطلقاً {وعيدي} بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل. الوقوف: {الر} قف كوفي {الحميد} ه ط لمن قرأ {الله} بالرفع. {وما في الأرض} ط {شديد} ه لا بناء على أن {الذين} صفة الكافرين {عوجاً} ط بناء على ما قلنا أو على أن {الذين} منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل {الذين} مبتدأ خبره {أولئك في ضلال} فلا وقف على {عوجاً} ولك أن تقف على {شديد} للآية {بعيد} ه {ليبين لهم} ط لأن قوله: {فيضل} حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال {ويهدي من يشاء} ط {الحكيم} ه {بأيام الله} ط {شكور} ه ط {نساءكم} ط {عظيم} ه {لشديد} ه {جميعاً} لا لأن ما بعده جزاء {حميد} ه {وثمود} ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على {من بعدهم} ط {إلا الله} ط {مريب} ه {والأرض} ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار {مسمى} ط لتقدير همزة الاستفهام في {تريدون}. {مبين} ه {من عباده} ط {وبإذن الله} ط {المؤمنون} ه {سبلنا} ط {آذيتمونا} ط {المتوكلون} ه {في ملتنا} ط {من بعدهم} ط {وعيد} ه {عنيد} ه لا لأن ما بعده وصف {صديد} ه لا لذلك {يميت} ط {غليظ}ه. التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان. قوله: {ألر كتاب} أي السورة المسماة بـ{ألر} كتاب {أنزلناه إليك} لغرض كذا وإن كان {الر} مذكوراً على جهة التعديد فقوله: {كتاب} خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب. والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق. واللام في {لتخرج} للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة. واللام في {الناس} للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته صلى الله عليه وسلم عامة. ومعنى إخراج النبي صلى الله عليه وسلم {من الظلمات إلى النور} أنه سبحانه جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته صلى الله عليه وسلم إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن {بإذن ربهم} أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له. والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان. احتج بالآية من قال: إن معرفة الله تعالى لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله {إلى صراط العزيز الحميد} بدل من قوله: {إلى النور} بتكرير العامل الجار. وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد. وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك. ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح. قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: {الله الذي} مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله. ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ {الله} جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة. ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: {وويل للكافرين} وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء. قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: {من عذاب شديد} بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه. {الذين يستحبون} أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال. وقوله: {ويصدون عن سبيل الله} إشارة إلى الضلال. وقوله:{ويبغونها عوجاً} أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق. ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم. احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال. قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} أي بلغتهم لزم الدور. أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور. وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم. والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا صلى الله عليه وسلم لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: {أية : قل لئن اجتمع الإنس والجن}تفسير : [الإسراء: 88] وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد. وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: {لتخرج الناس} ووسطها وهو قوله: {ليبين لهم} فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله {الحكيم} فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال. وقالت الأشاعرة. قوله: {بإذن ربهم} وقوله: {فيضل الله من يشاء} وقوله: {العزيز} فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا. أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر. ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: {أية : لنبين لكم ونقر}تفسير : [الحج: 5] بالرفع نظيره في الآية قوله: {فيضل} بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها. ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً. وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة. ومعنى {أن أخرج} أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج. ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم. ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها. وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب {إن في ذلك} التذكير والتنبيه دلائل {لكل صبار} على الضراء {شكور} على السراء. وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها. ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك. وقوله: {عليكم} إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: {إذ أنجاكم} ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب {إذ أنجاكم} بـ {عليكم} وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة. ومن جملة النعم قوله: {وإذ تأذن} أي واذكروا حين آذن {ربكم} إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات. وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله تعالى به عليه فيما أعطاه لأجله. ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود سبحانه تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: {ولئن كفرتم} يعني كفران النعم {إن عذابي لشديد} ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله تعالى غني عن ذلك كله فقال: {إن تكفروا أنتم} الآية. وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً. وقوله: {ألم يأتكم} يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم. والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم تحذيراً لهم عن مخالفته. وقوله: {والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: {والذين من بعدهم} معطوفاً على قوم نوح فقوله: {لا يعلمهم إلا الله} وحده اعتراض. ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد. ونظير الآية قوله: {أية : وقروناً بين ذلك كثيراً}تفسير : [الفرقان: 38] {أية : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}تفسير : [غافر: 78] قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة. ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما {جاءتهم رسلهم بالبينات} أتوا بأمور أحدها {فردوا أيديهم في أفواههم} وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: {أية : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}تفسير : [آل عمران: 119]. قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم {إنا كفرنا بما أرسلتم به} أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: {وقالوا} على قوله: {فردّوا} الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة. أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول. القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز. عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل. ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه. فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به. والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: {وإنا لفي شك} وقد مر مثله في سورة هود. فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟ قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم. ثم إنه سبحانه حكى جواب الرسل وذلك قولهم: {أفي الله شك فاطر السموات والأرض} أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك. قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين. إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين. والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله سبحانه: {أفي الله شك} فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً. فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته. الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته. ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج. فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة. وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط. أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه. وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن. وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع. وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع. فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود. ومن شك في وجود ما وجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة. وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة. فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه. وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى. وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا. فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله. فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح. وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه. وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟ وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}تفسير : [لقمان: 25] ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود. وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً. وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس. من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء. ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق تعالى شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر. وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور. لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً. فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا. وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته. ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار تعالى شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم. هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان. قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي. أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟! وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟ وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى. وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه. وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟! وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بان أن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط. ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: {يدعوكم} أي إلى الإيمان {ليغفر لكم من ذنوبكم} استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله تعالى في موضع آخر: {أية : إن الله يغفر الذنوب جميعاً}تفسير : {الزمر: 53]. وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف. وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف {أية : يغفر لكم ذنوبكم}تفسير : [الآية: 12] بغير "من". وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم. وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب. وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير. وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر. فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة. وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً. وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه. وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه تعالى قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب. ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: {يدعوكم} أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟. الغاية الثانية قوله: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام". ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك. الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق. وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة. ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله. أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها. وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها {وما كان لنا} أي ما صح منا {أن نأتي بآية} اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله. والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} إلى قوله: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته. وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. وفي قولهم: {وقد هدانا سبلنا} إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه تعالى يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد. وفي قولهم. {ولنصبرن على ما آذيتمونا} دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات. أما قول الكفار للرسل: {أو لتعودن في ملتنا} فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب. وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من آذى جاره ورّثه الله داره " تفسير : {ذلك} الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق {لمن خاف مقامي} يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: {أية : أفمن هو قائم على كل نفس}تفسير : [الرعد: 33] أو قيامي بالعدل والصواب مثل {أية : قائماً بالقسط}تفسير : [آل عمران: 18] أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: {وخاف وعيد} قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد. قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. قوله: {واستفتحوا} الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل. وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود. {وخاب كل جبار عنيد} معاند. وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر. قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا. فوضع الأعم موضع الأخص. والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم {من ورائه} أي من بين يديه. يقال: الموت وراء كل أحد. وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما. وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر. وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف. قال جار الله: قوله: {ويسقى} معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى {ويسقى من ماء صديد} أي من ماء بيانه أو صفته هذا. والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله. وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة. {يتجرعه} يتكلف جرعه {ولا يكاد يسيغه} أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: {أية : يصهر به ما في بطونهم}تفسير : [الحج: 20] وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي. قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: {ويصهر} - لا تدل على الحصول لقوله قبله: {أية : يصب من فوق رؤوسهم الحميم}تفسير : [الحج: 19]. {ويأتيه الموت من كل مكان} من جسده حتى من إبهام رجله. وقيل: من أصل كل شعرة. وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: {ومن ورائه عذاب غليظ} عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا. والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار. وعلى هذا التفسير يكون قوله: {واستفتحوا} كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم. التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا. إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة. قوله: {الر} أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة. {بإذن ربهم} الذي يربيهم هو لا أنت. وفي قوله: {إلى صراط} إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف. وفي الاختتام بقوله: {الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله. {وويل للكافرين} من شدة ألم الانقطاع عن الله. ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل. {إلا بلسان قومه} أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.{ولقد أرسلنا} بواسطة جبريل الجذبة {موسى} القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص. {أن أخرج قومك} وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي {وذكرهم بأيام الله} التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم {إن في ذلك} التذكير {لآيات} في نفي الوجود {لكل صبار} بالله مع الله من غير الله {شكور} لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي {ولئن شكرتم} بالطاعة {لأزيدنكم} في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، {ولئن كفرتم} نعمتي في المعاملات كلها {إن عذابي} قطيعتي {لشديد} {وقال موسى} القلب {إن تكفروا أنتم} أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة. {يدعوكم} من المكونات إلى الملكوت {ليغفر لكم} بصفة الغفارية {من ذنوبكم} التي أصابتكم من حجب عالم الخلق {ويؤخركم} في التخلق بأخلاقه {إلى أجل مسمى} هو وقت الفناء في الذات {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه. {لمن خاف مقامي} وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار {وخاف وعيد} القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى. {من وراثه} أي قدام النفس في متابعة الهوى {جهنم} الصفات الذميمة {ويسقى من ماء صديد} هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة {يتجرعه} بالتكلف {ولا يكاد يسيغه} لأنه ليس من شربه {يأتيه} أسباب {الموت من كل مكان} من كل فعل مذموم {ومن ورائه عذاب غليظ} هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: { الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} قال القاضِي ابنُ الطَّيب، وأبو المعالى وغيرهما: إِن الإِنزال لم يتعلَّق بالكلامِ القَدِيمِ الذي هو صفةُ الذاتِ، لكَنْ بالمعاني التي أفْهَمَهَا اللَّهُ تعالَى جِبْرِيلِ عليه السلام من الكَلاَم. وقوله: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ }: في هذه اللفظةِ تشريفٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وعَمَّ الناس؛ إِذ هو مبعوثٌ إِلى جميعِ الخَلْق، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ: «اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» برفع ٱسمِ اللَّه؛ على القطْعِ والابتداءِ، وقرأ الباقون بخَفْضِ الهَاء، {وَوَيْلٌ }: معناه: وشدَّةٌ وبَلاَءٌ، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} يجوز أن يرتفع "كِتابٌ" على أنَّه خبر لـ "الر":إن قلنا: إنَّها مبتدأ، والجملة بعده صفة، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا، وأن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة بعده، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنَّها موصوفة تقديراً، تقديره: كتاب، أي: كتاب يعني عظيماً من بين الكتب السماوية. قالت المعتزلة: النَّازلُ، والمنزلُ لا يكون قديماً. والجواب: أنَّ الموصوف بالمنزل هو هذه الحروف وهي محدثةٌ. قوله: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} متعلق بـ"أنْزَلناهُ". وقرىء (ليَخْرُجَ الناس) بفتح الياءِ وضمِّ الراء، من خَرَجَ يَخْرُجُ. "النَّاسُ" رفعاً على الفاعليَّة. قالت المعتزلة: اللاَّم في "لِتُخْرِجَ" لام الغرض والحكمة، تدلُّ على أنه ـ تعالى ـ إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، فدل على أنَّ أقوال الله ـ تعالى ـ وأفعاله معللة برعاية المصالح. وأجيب: بأن من فعل فعلاً لأجل شيءٍ أخر، فهذا إنَّما يفعله إذا كان عاجزاً عن تحصيل ذلك المقصود إلاَّ بهذه الواسطة، وذلك محالٌ في حقِّ الله ـ تعالى ـ، وإذا ثبت بالدَّليل منع تعليل أفعال الله ـ تعالى ـ وأحكامه بالعلل؛ ثبت أنَّ كل ظاهر أشعر به فهو مؤول على معنى آخر. فصل قوله تعالى: {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: لتدعوهم من ظلمات [الضَّلال] إلى نُورِ الإيمان. قال القاضي ـ رحمه الله ـ: هذه الآية تبطل القول بالجبر من جهات: أحدها: أنَّه ـ تعالى ـ لو خلق الكفر في الكافر، فكيف يصحُّ إخراجه منه بالكتاب. وثانيها: أنَّه ـ تعالى ـ أضاف الإخراج من الظُّلمات إلى النور إلى الرَّسُول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإن كان خالق الكفر هو الله ـ تعالى ـ فكيف يصحُّ من الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إخراجهم منه، وكان للكافر أن يقول: إنَّك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصحُّ منك أن تخرجنا؟. فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظُّلماتِ التي هي كفر مستقبل لا واقع فلهم أن يقولوا: إنه كان الله سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج، وإن لم يخلقه الله فنحن خارجون منه بلا إخراج. وثالثها: أنه ـ صلواتُ الله وسلامه عليه ـ إنَّما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليه ليتدبروهن؛ ولينظروا فيه فيعلموا بالنَّظر، والاستدلال كونه ـ تعالى ـ عالماً قادراً حكيماً، ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فحينئذ يقبلوا منه كلَّ ما جاءهم من الشَّرائع، وذلك إنَّما يكون إذا كان الفعل ويقع باختيارهم، ويصحُّ منهم أن يقدموا عليه ويتصرَّفوا فيه. والجواب عن الكل: أن يقال: الفعل الصادر من العبد. إمَّا أن يصدر عنه حال استواء الدَّاعي إلى الفعل والترك. أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر. والأول باطل؛ لأنَّ صدور الفعل يقتضي رجحان جانب الوجودِ على جانب العدم وحصول الرُّجحان حال حصول الاستواء محال، والثاني عين قولنا؛ لأنَّه يمتنع صدور الفعل عنه إلاَّ بعد حصول الرجحان، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال، وإن لم يكن منه بل من الله، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله ـ تعالى ـ وهو المطلوب. قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} يجوز أن يتعلق بالإخراج، أي: بتيسيره وتسهيله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حالٌ من فاعل: "يُخْرِجُ" أي: مأذوناً لك. وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد مخلوق لله تعالى، فإنَّ قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} معناه: أنَّ الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا يمكنه إخراج النَّاس من الظلمات إلى النُّور إلا بإذن الله تعالى. والمراد بهذا الإذن: إما الأمر وإما العلم وإما المشيئة والخلق، وحمل الإذن على الأمر محالٌ، لأنَّ الإخراج من الجهلِ إلى العلم لا يتوقف على الأمر فإنَّهُ سواء حصل الأمر أم لم يحصل، فإنَّ الجهل متميزٌ على العلم، والباطل متميزٌ عن الحقّ. وأيضاً: حمل الإذن على العلم محال؛ لأنَّ العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلمُ بالخروج من الظُّلماتِ إلى النُّور تابع لذلك الخروج، ولا يمتنع أن يقال: إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج، ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن المراد من الإذن: المشيئة، والتخليق، وذلك يدلُّ على أن الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا يمكنه إخراج النَّاس من الظللماتِ إلى النُّور إلاَّ بمشيئة الله ـ تعالى. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف؟. فالجواب: لفظ الإذن مجمل، ونحن نفصل القول فيه. فنقول: المراد بالإذن إمَّا أن يكون أمراً يقتضي رجحان جانب الوجود على جانب العدم، أو لا يقتضي ذلك، فإنَّ كان الثاني لم يكن له فيه أثر ألبتة، وامتنع أن يقال: إنه إنَّما حصل بسببه، ولأجله فبقي الأول، وهو أنَّ المراد من الإذن معنى يقتضي رجحان ترجيح جانب الوجود على جانب العدم، ومتى حصل الرجحان فيه حصل الوجود ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو قولنا. فصل دلّت الآية على أنَّ طرق الكفر، والضلالات كثيرة، وأنَّ طريق الحقّ ليس إلاَّ واحداً؛ لأنَّ الله ـ تعالى ـ عبر عن الجهلِ، والكفر بالظلمات، وهي صيغة جمع، وعبَّر عن الإيمان والهداية بالنُّور وهو لفظ مفردٌ. قوله: {إِلَىٰ صِرَاطِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه بدلٌ من قوله "إلى النُّورِ" بإعادة العامل، ولا يضر الفصل بالجارّ؛ لأنه من معمولات العامل في المبدل منه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنَّه جواب سؤال مقدَّر، كأنه قيل: إلى أيِّ نورٍ؟ فقيل: "إلى صِرَاطِ"، والمراد بالصِّراط: الدّين والعزيز هو الغالب و"الحَمِيدِ" المستحق للحمد. وقدم ذكر العزيز على ذلك الحميدِ؛ لأنَّ أول العلم بالله العلم بكونه ـ تعالى ـ قادراً، ثمَّ بعد ذلك يعلم كونه عالماً، ثمَّ بعد ذلك يعلم كونه غنيًّا عن جميع الحاجات والعزيز هو القادر، والحميدُ هو العالم الغنيّ؛ فلذلك قدّم ذكر "العَزيز" على ذكر "الحَمِيد". قوله: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي} قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر برفع الجلالة والباقون بالجر ورواها الأصمعي، وكان يعقوب إذا وصل خفض. وأما الرفع فعلى وجهين: أحدهما: أنه مبتدأ خبره الموصول بعده، أو محذوف، تقديره: الله الذي له ما في السموات، وما في الأرض العزيز الحميد، حذف لدلالة ما تقدَّم. والثاني: أنَّه خبر لمبتدأ مضمر، أي: هو الله، وذلك على المدح، وأمَّا الجرّ فعلى البدلِ عند أبي البقاءِ، والحوفي، وابن عطيَّة والبيان عند الزمخشري قال: "لأنه جرى مجرى الأسماء لغلبته على المعبود بحقّ، كالنَّجم للثُّريَّا". قال أبو حيان: "وهذا التعليل لا يتمُّ إلاَّ أن يكون أصله "الإله" ثم فعل فيه ما تقدم أول الكتاب". وقال ابن عصفور: "لا تقدّم صفة على موصوف إلاَّ حيث سمع" وهو قليل، وللعرب فيه وجهان: أحدهما: أن تتقدم الصفة بحالها، وفيه إعرابان للنحويين: أحدهما: أن يعرب صفة متقدمة. والثاني: أن يجعل الموصوف بدلاً من صفته. والثاني ـ من الأولين ـ أن تضيف الصفة إلى الموصوف، فعلى هذا يجوز أن يعرب "العَزيزِ الحَميدِ" صفة متقدمة. ومن مجيء تقديم الصفة قوله: [البسيط] شعر : 3189ـ والمُؤمِنِ العَائذَاتِ الطَّيْر يَمْسحُهَا رُكْبَانُ مكَّة بَيْنَ الفيْلِ والسَّعَدِ تفسير : وقل الآخر: [الرجز] شعر : 3190ـ وبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرا تفسير : يريد: الطير العائذات، وبالعمر الطويل. قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: "وهذا فيما لم يكن الموصوف نكرة، أمَّا إذا كان نكرة فتنصب تلك الصفة على الحال". قال ابن الخطيب: "اللهُ" اسم علم لذاته المخصوصة وإذا كان كذلك، فإذا أردنا أن نذكر الصفات ذكرنا أولاً قولنا: "اللهُ"، ثم وصفناه كقوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الحشر:22] الملك القدُّوسُ، ولا يمكننا أن نعكس الأمر فنقول: هو الرحمن الرحيم الله، فعلمنا أنَّ "اللهَ" اسم علم للذَّات المخصوصة، وسائر الألفاظ دالة على الصِّفات. وإذا ظهرت هذه المقدمة فالترتيب الحسن: أن يذكر الاسم ثم يذكر عقيبه الصفات، كقوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ}تفسير : [الحشر:24] فأمَّا أن تعكس فتقول: هو الخالق المصور البارىء الله؛ فذلك غير جائز، وإذا ثبت هذا فنقول: الذين قرؤوا برفع الجلالة على أنَّه مبتدأ، وما بعده خبر هو الصحيح، والذين قرءوا بالجرِّ إتباعاً لقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} مشكل لما بيَّنا من أنَّ الترتيب الحسن أن يقال: الله الخالق، وعند هذا اختلفوا في الجواب: فقال أبو عمرو بن العلاء: القراءةُ بالخفض على التَّقديم، والتَّأخير، والتقدير: صراط الله العزيز الحميدِ الذي له ما في السموات [والأرض]. وقيل: لا يبعد أن تذكر الصفة أولاً ثمَّ يذكر الاسم، ثم تذكر الصِّفة مرة أخرى كما يقال: الإمام الأجلّ محمد الفقيه، وهو بعينه نظير قوله: {صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. وتحقيق القول فيه: أنَّا بيَّنا أن الصِّراط إنَّما يكون ممدوحاً محموداً إذا كانا صراطاً للعالم القادر الغنيّ، والله تعالى عبَّر عن هذه الأمور الثلاثة بقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} فوقعت الشبهة في أن ذلك: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} من هو؟ فعطف عليها قوله {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إزالة لتلك الشُّبهة. قوله: "وَويْلٌ" مبتدأ، وجاز الابتداء به؛ لأنه دعاء كـ"سَلامٌ عَليكُمْ"، و"لِلْكافِرينَ" خبره، و"مِنْ عذَابٍ" متعلِّق بالويلِ. ومنعه أبو حيَّان؛ لأنَّه يلزمُ منه الفصل بين المصدر ومعموله، وهو ممنوعٌ حيث يتقدَّم المصدر بحرف مصدري وفعل، وقد تقدم. ولذلك جوزوا تعلق "بِمَا صَبرْتُمْ" بـ {أية : سَلاَمٌ}تفسير : [الرعد:24]، ولم يعترضوا عليه بشيءٍ، ولا فرق بين الموضعين. وقال الزمخشريُّ: "فإن قلت: ما وجه اتِّصالِ قوله: {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} بالويل؟ قلت: لأنَّ المعنى يولولون من عذاب شديد". قال أبو حيان: فظاهره يدلُّ على تقدير عامل يتعلق به {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}. ويجوز أن يتعلق بمحذوفٍ؛ لأنه صفة للمبتدأ، وفيه سلامة من الاعتراض المتقدم ولا يضر الفصل بالخبر. فصل والمعنى: أنَّهم لما تركوا عبادة الله المالك للسموات، والأرض، وكل ما فيها وعبدوا ما لا يملك نفعاً، ولا ضرَّا، ويُخلَقُ، ولا يَخْلِقُ، ولا إدراك له، فالويل كل الويل لمن هو كذلك، وإنما خصهم بالويل، لأنهم يولولون من عذابٍ شديدٍ، ويقولون: يا ويلاه نظيره قوله تعالى: {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}تفسير : [الفرقان:13] ثم وصفهم الله تعالى بثلاثة أنواع: الأول: قوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} يجوز أن يكون مبتدأ، خبره: "أوْلئِكَ" وما بعده. وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هم الَّذينَ. وأن يكون منصوباً بإضمار فعل على [المدح] فيهما. وأن يكون مجروراً على البدل، أو البيان، أو النعت، قاله الزمخشريُّ، وأبو البقاء والحوفي وغيرهم. ورده أبو حيان: بأن فيه الفصل بأجنبيّ، وهو قوله ـ جل ذكره ـ {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال: "ونظيره إذا كان صفة أن تقول: الدَّارُ لِزيدِ الحَسنةُ القُرشِي وهذا لا يجوز، لأنك فصلت بين "زَيْدٍ" وصفته بأجنبي منهما، وهو صفة الدَّار وهو لا يجوز، والتركيب الصحيح أن تقول: الدَّارُ الحسنةُ لزيدٍ القُرشيِّ، أو الدَّارُ لزَيدٍ القُرشي الحَسنَةُ". و"يَسْتحِبُّونَ" استفعل فيه بمعنى أفْعَلَ، كاسْتَجابَ بمعنى أجَابَ، أو يكون على بابه، وضمن معنى الإيثار، ولذلك تعدّى بـ "عَلَى". وقرأ الحسن: "يُصدُّونَ" بضم الياء من "أصَدَّ"، و"أصَدَّ" منقولٌ من "صَدَّ" اللازم، والمفعول محذوف، أي: غيرهم أو أنفسهم، ومنه قوله: [الطويل] شعر : 3191ـ أنَاسٌ أصَدُّوا النَّاسَ بالسَّيْفِ عَنهُمْ ......................... تفسير : {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} تقدم مثله [آل عمران:99]. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} فيه إضمار تقديره: يستحبّون الحياة الدنيا، ويؤثرونها على الآخرة؛ فجمع ـ تعالى ـ بين هذين الوصفين ليبين بذلك أن الاستحباب للدُّنيا وحده لا يكون مذموماً إلاَّ أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة، [وأما] من أحبَّها ليصل بها إلى منافع النَّفس بثوابِ الآخرة؛ فذلك لا يكونُ مذموماً. والنوع الثاني من أوصاف الكفار: قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: يمنعوا النَّاس من قبول دين الله. والنوع الثالث من تلك الصفات قوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}. واعلم أنَّ الإضلال على مرتبتين. الأولى: أن يسعى في صدّ الغير. والثانية: أن يسعى في إلقاء الشُّكوكِ، والشبهات في المذهب الحق، ويحاول تقبيح الحق بكل ما يقدر عليه من الحيلِ، وهذا هو النهاية في الضلال، والإضلال، وإليه أشار بقوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}. قال الزمخشريُّ: "الأصل في الكلام أن يقال: ويبغون لها عوجاً؛ فحذف الجار وأوصل الفعل". وقيل: الهاء راجعة إلى الدُّنيا معناه: يطلبون الدُّنيا على طريق الميل عن الحق، أي: بجهة الحرام. ولما ذكر الله ـ تعالى ـ هذه المراتب قال في وصفهم: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} وإنَّما وصف الله ـ تعالى ـ هذا الضلال بالبعد لوجوهٍ: الأول: أنَّ أقصى مراتب الضلال هو البعد عن الطريق الحقّ، فإنَّ شرط الضدين أن يكونا في غاية التَّباعدِ كالسَّواد، والبياض. الثاني: أن المراد بعد ردّهم عن الضَّلال إلى الهدى. الثالث: أن المراد بالضَّلال: الهلاك، والتقدير: أولئك في هلاك يطُولُ عليهم فلا ينقطع، وأراد بالبعد: امتداده وزوال انقطاعه.
البقاعي
تفسير : {كتاب} أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير هذا الوصف، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير: {أنزلناه} أي بما لنا من العظمة {إليك} بلسان قومك لتبين لهم. ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول السورة المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه فقال: {لتخرج الناس} أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي اضطراب {من الظلمات} التي هي أنواع كثيرة من الضلالات التي أدت إليها الجهالات {إلى النور} الذي هو واحد، وهو سبيل الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم بياناً شافياً، فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة، وتوضح لهم من البراهين القاطعة، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة، وتحكم لهم من الأدلة الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم، وكشف عن أغطية قوبهم، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان إلى نور الإيمان الذي هو سبيله {أية : ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} تفسير : [الأنعام:153] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور، لأنه عصمة العقل من الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق الحسي، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس {بإذن ربهم} أي المحسن إليهم؛ والإذن: الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن، هذا أصله - قاله الرماني. ولما كان النور مجملاً، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل فقال: {إلى صراط العزيز} الذي تعالى عن صفات النقص فعز عن أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه، أو يتعرض أحد إلى سالكه بغير إذنه {الحميد} المحيط بجميع الكمال، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال، فكيف إذا سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل!. ولما أضاف طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق، بينهما باسمه الشريف العَلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع. وعلى أنه عطف بيان في قراءة الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لاختصاصه بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده، فقال: {الله} أي المحيط علماً وقدرة {الذي له ما في السماوات} أي الأجسام العالية من الأراضي وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده، أكد بإعادة الموصول مع صلته فقال: {وما في الأرض} أي فويل لمن أشرك به شيئاً منهما أو فيهما، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكاً لا يصلح لأن يكون شريكاً. ويجوز أن يكون التقدير: فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من ظلمات الكفر {وويل} مصدر بمعنى الهلاك، ينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة أن معنى الهلاك - وهو ضد الوأل الذي هو النجاة - ثابت {للكافرين} الذين ستروا أدلة عقولهم {من عذاب شديد} تتضاعف آلامه وقوته؛ والشدة: تجمع يصعب معه التفكيك.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} قال: من الضلالة إلى الهدى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك - رضي الله عنه - في قوله {يستحبون} قال: يختارون. وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قيل: ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء {أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم} تفسير : [الأنبياء: 29] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] فكتب له براءة من النار، قيل له: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى يقول {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس} تفسير : [سبأ: 28] فأرسله إلى الانس والجن. وأخرج أحمد عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم يبعث الله نبياً إلا بلغة قومه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان جبريل عليه السلام يوحى إليه بالعربية، وينزل هو إلى كل نبي بلسان قومه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} قال: بلغة قومه، إن كان عربياً فعربياً، وإن كان عجمياً فعجمياً، وإن كان سريانياً فسريانياً، ليبين لهم الذي أرسل الله إليهم، ليتخذ بذلك الحجة عليهم. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} قال: أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بلسان قومه عربي. وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - {إلا بلسان قومه} قال: نزل القرآن بلسان قريش. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: نزل القرآن بلسان قريش. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري - رضي الله عنه - قال: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم يترجم كل نبي لقومه بلسانهم. قال: ولسان يوم القيامة السريانية، ومن دخل الجنة تكلم بالعربية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر - رضي الله عنه - قال: لا تأكلوا ذبيحة المجوس ولا ذبيحة نصارى العرب، أترونهم أهل الكتاب؟ فإنهم ليسوا بأهل كتاب. قال الله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وإنما أرسل عيسى عليه السلام بلسان قومه، وأرسل محمد صلى الله عليه وسلم بلسان قومه عربي، فلا لسان عيسى عليه السلام أخذوا، ولا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم اتبعوا، فلا تأكلوا ذبائحهم، فإنهم ليسوا بأهل كتاب.
ابو السعود
تفسير : {الر} مر الكلامُ فيه وفي محله غيرَ مرة وقوله تعالى: {كِتَابٌ} خبرٌ له على تقدير كون آلر مبتدأً أو لمبتدإٍ مضمرٍ على تقدير كونِه خبراً لمبتدأ محذوف، أو مسروداً على نمط التعديد، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً لهذا المبتدأ المحذوف، وقوله تعالى: {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ} صفةٌ له وقوله تعالى: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} متعلقٌ بأنزلناه أي لتخرجَهم كافةً بما في تضاعيفه من البـينات الواضحة المفصحةِ عن كونه من عند الله عز وجل الكاشفةِ عن العقائد الحقةِ، وقرىء ليخرِج الناسَ {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي ليُخرج به الناسَ من عقائد الكفر والضلال التي كلُّها ظلماتٌ محضةٌ وجهالاتٌ صِرْفة {إِلَى ٱلنُّورِ} إلى الحق الذي هو نورٌ بحتٌ لكن لا كيفما كان، فإنك لا تهدي من أحببت بل {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} أي بتيسيره وتوفيقِه وللإنباء عن كون ذلك منوطاً بإقبالهم إلى الحق كما يفصح عنه قوله تعالى: { أية : وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} تفسير : [الرعد: 27] استُعير له الإذنُ الذي هو عبارةٌ عن تسهيل الحجابِ لمن يقصِد الورودَ، وأضيف إلى ضميرهم اسمُ الربِّ المفصحِ عن التربـية التي هي عبارةٌ عن تبليغ الشيءِ إلى كماله المتوجّه إليه، وشمولُ الإذن بهذا المعنى للكل واضحٌ وعليه يدور كونُ الإنزال لإخراجهم جميعاً، وعدمُ تحققِ الإذن بالفعل في بعضهم ـ لعدم تحققِ شرطِه المستند إلى سوء اختيارِهم ـ غيرُ مخلٍ بذلك والباء متعلقةٌ بتخرج أو بمضمر وقع حالاً من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربِّهم، وجعله حالاً من فاعله يأباه إضافةُ الربِّ إليهم لا إليه وحيث كان الحقُّ مع وضوحه في نفسه وإيضاحه لغيره موصلاً إلى الله عز وجل استُعير له النورُ تارة والصراطُ أخرى، فقيل: {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} على وجه الإبدالِ بتكرير العامل كما في قوله تعالى: { أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ} تفسير : [الأعراف: 75] وإخلالُ البدل والبـيانِ بالاستعارة إنما هو في الحقيقة لا في المجاز كما في قوله سبحانه: { أية : حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} تفسير : [البقرة: 187] وقيل: هو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال، كأنه قيل: إلى أي نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد، وإضافةُ الصراط إليه تعالى لأنه مقصِدُه أو المبـينُ له، وتخصيصُ الوصفين بالذكر للترغيب في سلوكه ببـيان ما فيه من الأمن والعاقبةِ الحميدة. {ٱللَّهِ} بالجر عطفُ بـيان للعزيز الحميد لجريانه مَجرى الأعلامِ الغالبة بالاختصاص بالمعبود بالحق كالنجم في الثريا. وقرىء بالرفع على (تقدير) هو الله، أي العزيزِ الحميد الذي أضيف إليه صراط الله {ٱلَّذِى لَهُ} مُلكاً ومِلكاً {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ما وُجد فيهما داخلاً فيهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما كما مر في آية الكرسي، ففيه على القراءتين بـيانٌ لكمال فخامة شأنِ الصراط وإظهارٌ لتحتم سلوكه على الناس قاطبةً، وتجويزُ الرفع على الابتداء بجعل الموصول خبراً مبناه الغفولُ عن هذه النكتة وقوله عز وجل: {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ} وعيدٌ لمن كفر بالكتاب ولم يخرجْ به من الظلمات إلى النور بالويل وهو نقيضُ الوال وهو النجاةُ وأصله النصبُ كسائر المصادر ثم رفع رفعها للدلالة على الثبات كسلامٌ عليك {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} متعلق بويل على معنى يولّون ويضِجون منه قائلين: يا ويلاه، كقوله تعالى: { أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}.تفسير : [الفرقان: 13].
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [الآية: 1]. قال جعفر: عهد خصصت به فيه بيان هلاك سالف الأمم ونجاة أمتك، أنزلناه إليك لتخرجهم به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البدعة إلى أنوار السنة، ومن ظلمات النفوس إلى أنوار القلوب. قال أبو بكر: من ظلمات الظنِّ إلى أنوار الحقيقة. قال أبو عثمان: من ظلمات الشرك إلى أنوار الهدى. قال أبو حفص: الظلمة رؤية الفعل والنور رؤية الفضل.
القشيري
تفسير : أقسم بهذه الحروف: إنَّه لَكِتَابٌ أُنْزِل إليك لتُخرِجَ الناسَ به من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومِنْ ظُلماتِ الشَّكِّ إلى نور اليقين، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير، ومن ظلمات الابتداع إلى نور الاتباع، ومن ظلمات دَعَاوَى النَّفْسِ إلى نورِ معارفِ القلب، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجَمْعِ - بإذن ربهم - وبإرادته ومشيئته، وسابقِ حُكْمِه وقضائه إلى صراط رحمته، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد.
البقلي
تفسير : {الۤر} الألف ثلاثة احرف الف ولام وفاء والاشارة فيها الى الفته لقلوب اوليائه واللام لام الولاية كانه اليف اوليائه والراء اشارة الى رحمة السابقة فى اصطفائيتهم كانه قال بالالف انا وباللام الازال اى انا فى الازل رحمة اوليائى واصطفيتهم لروية جمالى وراحة وصالى ولهذه الصفات التى سبقت فى اصطفائيتك واصطفائية امتك واخبرتك بمحبتك ومحبة امتك وما اخبرت باشارة {كِتَابٌ} ان هذا كتاب محبق {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} لتعلم فضيلتك وفضيلة امتك {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} اذا عرفناهم سبق عنايتى لهم تخرجهم بنور كلامى واخبارى عن كرمى ورحمتى عليهم عن ظلمات طبيعتهم وغواشى غفلتهم الى سعة فضاء كرمى ونور بسطى وانبساطى ويضا لتخرجهم من ظلمات الظنون الى نور اليقين وايضا من ظلمات العدم الى نور القدم ومن ظلمات النفس الامارة الى نور المشاهدة ومن ظلمات المجاهدة الى نور المكاشفة ومن ظلمات رؤية غيرى الى نور روية قربى قال جعفر فى قوله كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس عهد خصصت به فيه بيان سالف الامم ونجاة امتك انزلناه اليك ليخرجهم من ظلمات الكفر الى نور الايمان ومن ظلمات البدعة الى انوار السنة ومن ظلمات النفوس الى انوار القلوب قال ابو بكر بن طاهر من ظلمات الظن الى انوار الحقيقة قال ابو حفص الظلمة روية الفعل والنور روية الفضل قال الاستاذ من ظلمات الجهل الى نور العلم ومن ظلمات التدبير الى فضاء شهود التقدير ومن ظلمات التفرقة الى انوار الجمع ثم اخرج الهداية من علة الكسب بقوله {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} ثم بين ذلك النور بان هذا {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} وهو طريق العبودية الذى اصطفاه الحق لعرفان الربوبية على قدرهم لا على قدره فانه عزيز ممتنع عن مطالعة الحدث حقائق قدمه وهو محمود فى افعاله وذاته وصفاته بالسنة احبائه بما انالهم عبوديته وهداهم الى ربوبيته ثم وصف نفسه بالالوهية التى بدأ منه الكل واليه يرجع الكل وما كان وما سيكون وما هو حاضر من الملك والملكوت فى تصرفه وتدبيره يهدى به فيه ويهدى به وبما فيه من دلائل صنعه وربوبيته عارفيه الى مشاهدة جلاله وعظيم كبريائه بقوله {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فيه اشارة الى احبائه اى ان الكون وما فيه لى من اراد ذلك فليسال منى لا من غيرى ومن ارادنى فلا يلتفت الى ما لى قال الواسطى الكون كله له فمن طلب الكون فاته المكون ومن طلب الحق وحده سخر له الكون بما فيه قوله تعالى {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} وصف الله المرائين الذين يوثرون جاه الدنيا ورياستها على طلب الولاية وشرفها ويصدون المريدين عن طريق القاصدين الى الله ويصرفون وجوههم اليهم {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} فى ظلمات القهر ولا مخرج لهم منها ابداً قال ابو على الجوزجانى من احب الدنيا حرم عليه طريق الاخرة ومن طلب الاخرة حرم عليه طلب طريق نجاته ومن طلب طريق النجاة حرم عليه الوصول الى التفضل.
اسماعيل حقي
تفسير : {الر} يشير بالالف الى القسم بآلائه ونعمائه وباللام الى لطفه وكرمه وبالراء الى القرآن يعنى قسما بآلائى ونعمائى ان صفة لطفى وكرمى اقتضت انزال القرآن وهو كتاب الخ كما فى التأويلات النجمية. وقال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره اهل السلوك يعرفون المتشابهات على قدر مرتبتهم فمثل قوله تعالى {أية : ق} تفسير : و {أية : ن} تفسير : اشارة الى مرتبة واحدة فى ملك وجوده ومثل {أية : حم} تفسير : اشارة الى مرتبتين ومثل {أية : الم. الر} تفسير : اشارة الى ثلاث مراتب ومثل {أية : كهيعص. وحمعسق} تفسير : اشارة الى خمس مراتب. وفى البعض اشارة الى سبع مراتب فقوله عليه السلام "حديث : ان للقرآن ظهرا وبطنا" تفسير : لا يعرفه غير اهل السللوك وما ذكره العلماء تأويله لا تحقيقه فمثل القاضى وصاحب الكشاف سلوكهم من جهة اللفظ لا المعنى وكان فى تفسير القاضى روحانية لكنه بدعاء عمر النسفى صاحب تفسير التيسير والمنظومة فى الفقه وكان هو مدرس الثقلين - روى - ان شخصا رأى الامام عمر النسفى بعد موته فى المنام فقال كيف كان سؤال منكر ونكير فقال رد الله الى روحى فسألانى لهما اخبركما فى رد الجواب نظما او نثرا فقالا قل نظما فقلت شعر : ربى الله لا اله سواه ونبيى محمد مصطفاه دينى الاسلام وفعلى ذميم اسأل الله عفوه وعطاه تفسير : فانتبه ذلك الشخص من المنام وقد حفظ البيتين. يقول الفقير علم الحروف المقطعة من نهايات علوم الصوفية المحققين فانهم انما يصلون الى هذا العلم الجليل بعد اربعين سنة من اول السلوك بل اول الفتح فهو من الاسرار المكتوبة ولا بد لطالبه من الاجتهاد الكثير على يدى انسان كامل: قال الكمال الحنجدى قدس سره شعر : كرت دانستن علم حروفست آرزو صوفى نخست افعال نيكوكن جه سوداز خواندن اسما بنا اهل ارنشان دادى كمال ازخاك دركاهش كشيدى كحل بنيانى ولى درجسم نابينا تفسير : قال الكاشفى [درشرح تأويلات ازامام ما تريدى مذكوراست كه حروف مقطعه ابتلاست مرتصديق مؤمن وتكذيب كافررا وخداى تعالى بندكانرا بهرجه ميخواهد امتحان كند] {كتاب} اى القرآن المشتمل على هذه السورة وغيرها فهو خبر مبتدأ محذوف. وفى تفسير الكاشفى [جمعى برآنندكه اين حروف اسامى قرآنندوبدين وجه توان كفت كه الريعنى قرآن كتاب] {انزلناه اليك} يا محمد بواسطة جبرائيل حال كونه حجة على رسالتك باعجازه يناسب قوله تعالى فيما بعد {أية : ولقد ارسلنا موسى بآياتنا} تفسير : ثم بين المصلحة فى انزال الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله {لتخرج الناس} كافة بدعائك وارشادك اياهم الى ما تضمنه الكتاب من العقائد الحقة والاحكام النافعة {من الظلمات الى النور} اى من انواع الضلالة الى الهدى ومن ظلمة الكفر والنفاق والشك والبدعة الى نور الايمان والاخلاص واليقين ومن ظلمة الكثرة الى نور الوحدة ومن ظلمة حجب الافعال واستار الصفات لى نور وحدة الذات ومن ظلمة الخلقية الى نور تجلى صفة الربوبية وذلك ان الله تعالى خلق عالم الآخرة وهو عالم الارواح من النور وجعل زبدته روح الانسان وخلق عالم الدنيا وهو عالم الاجسام وجعل زبدته جسم الانسان وكما انه تعالى جعل عالم الاجسام حجابا لعالم الارواح جعل ظلمات صفات جسم الانسان حجابا لنور صفات روح الانسان وجعل العالمين بظلماتهما وانوارهما حجابا صفة الوهيته كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفت لاحترقت سبحات وجه ما انتهى اليها بصره" تفسير : وما جعل الله لنوع من انواع الموجودات استعدادا للخروج من هذه الحجب الا للانسان لا يخرج منها احد الا بتخريجه اياه منها واختص المؤمن بهذه الكرامة كما قال اله تعالى {أية : الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور} تفسير : فجعل النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن من اسباب تخريج المؤمنين من حجب الظلمات الى النور {باذن ربهم} اى بحوله وقوته اى لا سبيل له الى ذلك الا به وانما قال ربهم لانه تعالى مربيهم وما قال باذن ربك ليعلم ان هذه التربية من الله لا من النبى عليه السلام كذا فى التأويلات النجمية. وقال اهل التفسير الباء متعلق بتخرج اى تخرج منها اليه لكن لا كيف ما كان فانك لا تهدى من احببت بل باذن ربهم فانه لا يهتدى مهتد الا باذن ربه اى بتيسيره وتسهيله ولما كان الاذن من اسباب التيسير اطلق عليه فان التصرف فى ملك الغير متعذر فاذا اذن تسهل وتيسر. واعلم ان الدعوة عامة والهداية خاصة كما قال تعالى {أية : والله يدعو الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم} تفسير : واذن الله شامل لجميع الناس فى الظلمات اذ المقصود من ايجاد العوالم وانشاء النشآت كلها ظهور الانسان الكامل وقد حصل وهو الواحد الذى كالالف وهو السواد الاعظم فى تقتضى الحكمة اتفاق الكل على الحق لان الله تعالى جمالا وجلالا لا بد لكليهما من اثر شعر : دركارخانه عشق ز كفرنا كزيرست آتش كرا بسوزد كر بولهب نباشد تفسير : {الى صراط العزيز الحميد} بدل من قوله الى النور بتكرير العامل واضافة الصراط الى العزيز وهو الله على سبيل التعظيم له والمراد دين الاسلام فانه طريق موصل الى الجنة والقربة ووالوصلة والعزيز الغالب الذى ينتقم لاهل دينه من اعدائهم والحميد المحمود الذى يستوجب بذلك الحمد من عباده. وفيه اشارة الى ان العبور على الظلمات الجسمانية والانوار الروحانية هو الطريق الى الله تعالى وهو العزيز الذى لا يصل العبد اليه الا بالخروج من هذه الحجب وهو الحميد الذى يستحق من كمالية جماله وجلاله ان يحتجب بحجب العزة والكبرياء والعظمة
ابن عجيبة
تفسير : {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤر...} الألف: آلاؤه، واللام: لطفه، والراء: رحمته. فكأنه يقول: بآلائنا ولطفنا ورحمتنا أنزلنا إليك كتابنا، ولذلك رتَّب عليه قوله: {... كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} قلت: (كتاب): خبر، أي: هذا كتاب، و(بإذن): متعلق بتُخرج، أو حال من فاعله، أو مفعوله. و(إلى صراط): بدل من (النور). (الله الذي)؛ من رفعه فعلى الابتداء، والموصول خبره، أو خبر عن محذوف، ومن خفضه فبدل من (العزيز)، و(الذين يستحبون): صفة للكافرين أو نصب، أو رفع على الذم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المحبوب، هذا {كتابٌ أنزلناه إليك لتُخرج الناس} بدعائك إياهم إلى العمل به، {من الظلمات إلى النورِ}؛ من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الهداية والعلم، {بإذنِ ربهم}؛ بتوفيقه وهدايته وتسهيله، {إلى صراطِ العزيزِ الحميد} أي: لتخرجهم إلى نور العلم الذي هو سلوك طريق العزيز الحميد، التي توصل إلى رضوانه ومعرفته. وفي ذكر الوصفين إشارة إلى أنه لا يذل سالكه، ولا يخيب سائله، بل تحمد عاقبته. ثم ذكر الموصوف بهما بقوله: {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} أي: الموصوف بالعزة والحمد هو الله الذي استقر له ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وعبيداً. ثم ذكر وعيد من كفر بكتابه أو به، فقال: {وويلٌ للكافرين} بكتابه، ولم يخرجوا به من ظلمات كفرهم، {من عذابٍ شديد}، والويل: كلمة عذاب تقال لمن استحق الهلاك، أي: هلاك لهم من أجل عذاب شديد يلحقهم. وقيل: وادٍ في جهنم. ثم ذكر وجه استحقاقهم العذاب بقوله: {الذين يستحبون الحياةَ الدنيا}؛ يختارونها {على الآخرةِ}، فإنَّ من أحب شيئاً اختاره وطلبه، {ويصُدُّون} الناس {عن سبيل الله}؛ بتعويقهم عن الإيمان، {ويبغونها عوجاً} أي: ويبغون لها زيغاً، ونُكُوباً عن الحق، ليتوصلوا للقدح فيها، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، {أولئك في ضلال بعيد} أي: في تلف بعيد عن الحق؛ بحيث ضلوا عن الحق، وبعدوا عنه بمراحل. والبُعد في الحقيقة: للضال، ووُصف به فعله؛ للمبالغة. الإشارة: قد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته من ظلمات عديدة إلى نوار متعددة؛ أولها: ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والإسلام، ثم من ظلمة الجهل والتقليد إلى نور العلم والتحقيق، ثم من ظلمة الذنوب والمعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور اليقظة والمجاهدة، ثم من ظلمة الحظوظ والشهوات إلى نور الزهد والعفة، ثم من ظلمة رؤية الأسباب، والوقوف مع العوائد، إلى نور شهود المسبب، وخرق العوائد، ثم من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات إلى نور شهود المعبود، ثم من ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى شهود أسرار المعاني الباطنة، فيغيب عن الأكوان بشهود المكون، وهذا آخر ظلمة تبقى في النفس، فتصير حينئذٍ روحاً وسراً من أسرار الله، ويصير صاحبها روحانياً ربانياً عارفاً بالله، ولا يبقى حينئذٍ إلا التراقي في شهود الأسرار ابداً سرمداً. وهذا محل القطبانية والتهيؤ للتربية النبوية، ويصير ولياً محمدياً، يُخرج الناس من هذه الظلمات إلى هذه الأنوار. وأما من لم يبلغ هذا المقام، فإنه له الإخراج من أحد هذه الأشياء؛ فالغزاة والمجاهدون يُخرجون من ظلمة الكفر إلى نورِ الإيمان، والعلماء يُخرجون من ظلمة الجهل إلى نور العلم، والعُباد والزهاد يُخْرِجونَ من صَحِبَهم من الذنوب إلى التوبة والاستقامة. وأما ما بقي من الظلمات فلا يُخْرج منها إلا الربانيون الروحانيون. أهل التربية النبوية، بإذن ربهم، يدلهم على صراط العزيز الحميد، الموصل إلى العز المديد. وويل لمن أنكر هؤلاء، واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، واستحبَّ حياة دنياه على أخراه، أولئك في ضلال عن حضرة الحق ببعيد. وبالله التوفيق. ولما كان الإخراج من هذه الظلمات لا يكون إلا بالمقال والحال
الطوسي
تفسير : ثلاث آيات في المدنيين آخر الاولى. قوله {إلى النور} وآيتان عند الباقين. قرأ ابن عامر ونافع {الله الذي} بالرفع. الباقون بالخفض. قال ابوعلي: من قرأ بالجر جعله بدلاً من الحميد، ولم يكن صفة، لان الاسم وان كان في الأصل مصدراً، والمصادر يوصف بها كما يوصف بأسماء الفاعلين، وكذلك كان هذا الاسم في الاصل (الألاه) ومعناه ذو العبادة اي تجب العبادة، قال ابو زيد: يقال تألّه الرجل إِذا نسك وأنشد لرؤبة: شعر : سبحن واسترجعن من تألُّهي تفسير : فهذا في أنه في الاصل مصدر قد وصف به مثل السلام والعدل، الا ان هذا الاسم غلب حتى صار في الغلبة وكثرة الاستعمال كالعلم، وقد يغلب ما في اصله الصفة فيصير بمنزلة العلم مثل قول الشاعر: شعر : والتيم ألأم من يمشي وألأمهم ذهل بن تيم بنو السود المدانيس تفسير : يجوز أن يكون جعل التيم جمع تيميّ كيهودي ويهود. وعلى هذا قال تعالى وقالت اليهود، ألا ترى أن (يهود) قد جرى في كلامهم إِسماً للقبيلة، كما أن (مجوس) كذلك، فلولا أن المراد بهما الجمع، لم يدخلهما الألف واللام، كما لا يدخل المعارف في نحو زيد وعمرو، إِلا انه جمع بحذف اليائين اللتين للنسب، كما جمع شعير وشعيرة بحذف التاء، ومثله (رومي) وروم و (زنجي) وزنج. ومن رفع قطع عن الاول، ورفعه بالابتداء، وجعل (الذي) الخبر، او جعله صفة وأضمر الخبر. وقد بيّنا معاني الحروف المقطعة في أوائل السور في أول البقرة، وذكرنا اختلاف المفسرين فيه، فلا فائدة في اعادته. وقوله {كتاب أنزلناه إِليك} رفع على انه خبر الابتداء، ومعناه هذا كتاب يعني القرآن أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {ليخرج الناس من الظلمات إِلى النور} أي ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة الى نور الايمان والهداية. والظلمة في الأصل سواد الجو المانع من الرؤية تقول أظلم إظلاماً وظلاماً وظلمة. والظلمة ذهاب الضياء بما يستره، والنور بياض شعاعيّ تصح معه الرؤية، ويمنع معه الظلام, ومنه النار لما فيها من النور. والنور والضياء واحد. وقال قتادة {من الظلمات إلى النور} من الضلالة الى الهدى {بإِذن ربهم} اي باطلاق الله ذلك، وأمره به نبيه صلى الله عليه وسلم {إلى صراط العزيز الحميد} أي يخرجهم من ظلمات الكفر إِلى طريق الله المؤدي إِلى معرفة الله {العزيز} يعني القادر على الأشياء الممتنع بقدرته من أن يضام، المحمود في أفعاله التي أنعم بها على عباده، الذي له التصرف في جميع ما في السماوات والأرض، على وجه ليس لأحد الاعتراض عليه. ثم اخبر تعالى أن الويل للكافرين الذين يجحدون نعم الله ولا يعترفون بوحدانيته. والاقرار بنبيه صلى الله عليه وسلم {من عذاب شديد} وهو ما تتضاعف آلامه، والشدة تجمع يصعب معه التفكك، شدّه يشدّه شدّاً وشدّة. وفي الآية دلالة على ان الله يريد الايمان من جميع المكلفين، لأنه ذكر أنه أنزل كتابه ليخرج الناس من ظلمات الكفر الى نور الايمان، لأن اللام لام الغرض، ولا يجوز أن يكون لام العاقبة، لانها لو كانت كذلك، لكان الناس كلهم مؤمنين والمعلوم خلافه.
الجنابذي
تفسير : {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمات الكفر، ولمّا كان الكفر ذا ظلماتٍ كثيرةٍ متباينةٍ بحسب ما تنتزع الظّلمات منه جمع الظّلمات معرّفةً باللاّم، بخلاف النّور فانّه حقيقة واحدة به وحدة المتكثّرات ولذا افرده فقال {إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} فى اخراجك حتّى يصير طاعتهم لك طاعة لله ولا يكون شركاً بالله او فى خروجهم حتّى يكون اخراجك موافقاً لاذن الله ومسبّباً عنه {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} بدل من قوله الى النّور. اعلم، انّ الانسان فى اوّل خلقته طبع محض وله قوّة واستعداد بصيرورته نباتاً، ثمّ يصير نباتاً بالفعل وحيواناً بالقوّة، ثمّ يصير حيواناً بالفعل وانساناً بالقوّة، وما زال يشتدّ تلك القوّة الى اوان التّميز الانسانىّ واستعداد ادراك الكلّيّات البديهيّة الّتى لا يدركها سائر الحيوان، وحينئذٍ يحصل له انسانيّة ما بالفعل بحيث يصحّ اطلاق اسم الانسان عليه، وما زال يشتدّ ويتقوّى الى اوان البلوغ والرّشد وتعلّق التّكليف به وحينئذٍ يصير انساناً ممتازاً عن الحيوان نحو امتيازٍ اقوى من امتيازه السّابق، لانّه حينئذٍ يدرك الخير والشّرّ الانسانيّين وطريق تحصيل الخير ودفع الشّرّ، لكنّه لمّا لم يخرج بعد من تحت حكومة النّفس والنّفس لا ترى خيراً الاّ ما يلائم قواها الشّهويّة والغضبيّة والشّيطانيّة ولا شرّاً الاّ ما يضادّ تلك القوى، فهو وقع فى ظلمة الطّبع والشّهوة والغضب والشّيطنة ومن كلٍّ ينشأ ظلمات بعضها فوق بعضٍ؛ فان ساعده التّوفيق ودخل تحت حكومة نبىٍّ بالبيعة العامّة او ولىٍّ بالبيعة الخاصّة ينجيه ذلك النّبىّ او الولىّ من حكومة النّفس ويخرجه تدريجاً من ظلماته، وان لم يدخل تحت حكومة خلفاء الله يبقى فى تلك الظّلمات ابد الآباد، اعاذنا الله منها. فارسال الرّسل وانزال الوحى والاحكام عليهم ليس الاّ لاخراج العباد بالتّدريج من ظلماتهم التّى كانوا فيها الى نور القلب ومن جهنّام انفسهم الّتى هى سنخ جهنّم الآخرة الى ذروة القلب الّذى هو سنخ جنان الآخرة، والاذن فى الاخراج عبارة عن امره تعالى للرّسل (ع) بتبليغ الاحكام، والاذن فى الخروج عبارة عن استعداد الخلق للسّلوك والخروج من هذه الجهنّام الى تلك الجنان وعن امره التّكوينىّ والتّكليفىّ على السنة الخلفاء بالخروج، ولمّا كان القلب صراطاً الى العقل والعقل صراطاً الى الحقّ العزيز ابدل من قوله الى النّور قوله الى صراط العزيز الحميد.
الأعقم
تفسير : {الر} قد تقدم الكلام عليه، وقيل: انه اسم السورة {كتاب أنزلناه اليك} يعني القرآن أنزله جبريل (عليه السلام) {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} أي من الضلال إلى الهدى، وقيل: من الكفر إلى الايمان {بإذن ربهم} أي بأمره {إلى صراط العزيز الحميد} المحمود على كل حال {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقاً وملكاً يعني أن الرسول يدعوكم إلى الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض {وويل للكافرين من عذاب شديد}، قيل: الويل اسمٌ للعذاب الأليم، وقيل: هو نداء لكل مكروب، وقيل: هو واد في جهنم {الذين يستحبون الحياة الدنيا} قيل: يؤثرونها ويختارونها {على الآخرة ويصدون عن سبيل الله}، قيل: يمنعون الناس عن دين الله تعالى، وقيل: يعرضون عن دين الله وهو الاسلام {ويبغونها عوجاً} قيل: يطلبون بها العوج وذلك يوصلهم إلى تحريف الدين {أولئك في ضلال بعيد} عن الحق {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} أي بلغة قومه، قيل: كان المشركون يتعجبون من بشر يدعي أنه رسول وهو يتكلم بلسانهم فأنزل الله الآية مبيّنة أن عادة الله تعالى كذلك يعني كما أرسلناك إلى العرب بلغتهم كذلك أرسلنا كل رسول بلغة قومه فأما نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو مبعوث إلى الكل فالمراد به هاهنا قومه الذين ولد فيهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا قومه الذين بعث إليهم لأنه مبعوث إلى الخلق كافة، وقيل: تقدير الآية وما أرسلنا قبلك رسولاً إلاَّ بلسان قومه إلى قومه وأنه مبعوث وأنت مبعوث بلسان قومك إلى الخلق جميعاً، قال في الغرائب والعجائب: ان الله بعث جميع الكتب إلى جبريل (عليه السلام) بالعربية وأمره أن يأتي رسول كل قوم بلغتهم وهذا ليس بصحيح لأن قوله: {ليبين لهم} ضمير القوم وهو العرب فيؤدي أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، قالوا: وهذا معنى فاسد، وقوله تعالى: {ليبين لهم} ما هو مبعوث به، يعني ليظهر لهم الدين {فيضل الله من يشاء} يعاقب ويهلك {ويهدي من يشاء}، قيل: يلطف بمن يشاء ممن له لطف.
الهواري
تفسير : تفسير سورة إبراهيم عليه السلام، وهي مكية كلها { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: { الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ} يعني من أراد الله أن يهديه { مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى. { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بأمر ربهم { إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ} أي: إلى طريق العزيز { الحَمِيدِ} وهو الإِسلام، طريق إلى الجنة. وتفسير العزيز، أي: العزيز في نقمته. والحميد المستحمد إلى خلقه؛ استوجب عليهم أن يحمدوه. بلغنا أن عبد الله بن مسعود أو ابن عمر قال: ترك النبي صلى الله عليه وسلم طرف الصراط عندنا وطرفه في الجنة. {اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} أي: في الآخرة. { الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} أي: يختارون { الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الأَخِرَةِ} أي: لا يقرون بالآخرة { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يبغون السبيل أي: الطريق، عوجاً، أي: الشرك {أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الر} تقدم مثله. {كِتَابٌ} خبر لمحذوف أى هذا كتاب وقولُه {أنزَلْناه إلَيْكَ} خبر كان أو نعت لكتاب أو كتاب مبتدأ أى كتاب عظيم وجملة أنزلناه خبره وهو القرآن وقيل السورة {لِتُخْرِجَ النَّاسَ} بدعائك إياهم إلى ما تضمنهم وعم الناس لأنه مبعوث إلى الخلق جميعاً وقرئ ليخرج الناس بمثناة تحتية مفتوحة وضم الراء ورفع الناس أو بضم التحتية وكسر الراء ونصب الناس أى ليخرج الكتاب الناس. {مِنَ الظُّلُمَاتِ} أنواع الكفر والمعاصى. {إلى النُّورِ} الإِيمان جمع الظلمة لأَن طرق الكفر والمعاصى كثيرة وأفرد النور لأَن طريق الحق واحد وهو الإِيمان. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} بتسهيله وتوفيقه ومن ذلك إذن صاحب الدار لمريد الدخول، وإذن حاجب الملك لمريد الدخول عليه ونحو ذلك فإنه تسهيل للحجاب وقيل يأمره وماصدقهما واحد وقيل بعلمه وهو ضعيف ولو صح من حيث ما فى الحقيقة والباء متعلقة بتخرج أو بمحذوف حال من المستتر فى نخرج أو حال من الناس. والآية تتضمن تشريف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ كان خروج الناس من الظلمات إلى النور جارياً على يده وتشريف القرآن إذ به خروجهم، {إلى صِرَاطِ} طريق {الْعَزِيزِ} الغالب. {الحَمِيدِ} المحمود على كل حال والمستحق لجميع المحامد والمستوجب على خلقه أن يحمدوه وصراطه دين الإِسلام. قال ابن مسعود وابن عمر ترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طرف الصراط عندنا وطرفه فى الجنة وأضاف الصراط إلى الله لأَنه شئ أمر به الله وقصده بالإِيجاب ولأَنه أظهره الله وخص وصف العزة ووصف الحمد تنبيهاً على أن من مشى فى ذلك الصراط لا يذل ولا يخيب والجار والمجرور من قوله إلى النور بدل الشىء أو متعلق بمحذوف مستأْنف جواب لسؤال مقدر كأَنه قيل إلى أى نور يخرجهم فقال يخرجهم إلى صراط العزيز الحميد.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر} مر مثله أَو هذه الرا، أَى هذه سورة تسمى الرا أَو اقرأْ هذه السورة المسماة الرا، وكذا هو اسم لمثل هذه السورة. {كِتَابٌ} أَى هذا كتاب، أَو هذه السورة المسماة الر كتاب، وقوله: أَنزلناه إِليك نعت كتاب، أَو الرا تعديد للحروف، وقرع للعصا ولا إِعراب له على هذا كأَنه قيل: تنبه فإِننا ننزل عليك كلاما معجزا، أَو مبتدأٌ نكر للتعظيم خبره قوله عز وجل {أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ} وفى إسناد الإِخراج إليه صلى الله عليه وسلم مع إِسناد الإنزال إلى الله عز وجل تفخيم {النَّاسَ} بدعائِك به الناس إلى ما فيه الهدى كما قال: {مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} من أنواع الكفر إلى التوحيد والإِسلام، جمع الظلمة لكثرة طرق المعاصى، وأَفرد النور؛ لأَن طريق العلم والإِيمان واحد {بإِذْنِ رَبِّهِمْ} بتوفيقه، والإِذن موضوع لتسهيل الحجاب والدخول متعذر وإِذا رفع المنع صح الدخول، وذلك مجاز مرسل لعلاقة اللزوم، أَو استعارة شبه توفيق الله عز وجل بالإِذن، والجامع إِزالة المانع، وهو متعلق بتخرج، أَو حال من ضمير تخرج أَى ثابتا بإِذن ربك، والمعنى ما زودنا لك، ومقتضى الظاهر بإذننا، لكن أَضيف إِلى الرب إِشعارا بالتربية واللطف {إِلَى صِرَاطِ} بدل من إِلى النور، ولا حاجة إلى قولهم صراط بدل من النور بترك اعتبار الجار فى الإِبدال وهو خطأ شائِع فلا تهم، أَو متعلق بتخرج محذوفا على الاستئناف البيانى كأَنه قيل: إِلى أَى نور يخرجهم؟ فقيل: يخرجهم إلى صراط {الْعَزِيزِ} الغالب {الْحَمِيدِ} المحمود حمد نفسه وحمده خلقه، وهو أَهل لأَن يحمده ما سواه، وأَضاف الصراط إِلى الله لأَنه الشارع له والمظهر له، وكان المضاف إليه بلفظ العزة تنبيها على أَن الخارج إلى هذا الصراط فى حمى من لا غالب له فلا يلحقه ذل، وبلفظ الحمد تنيها على أَنه لا يخيب من الخير فإِنه تعالى محمود بإِحسانه إلى الخلق كلهم، وقدم العزة لأَنها قدرة على الإِنزال وعلى غيره عامة تستحق الحمد؛ ولأَن التخلية قبل التحلية.
الالوسي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ الۤر} مر الكلام فيما يتعلق به {كِتَـٰبٌ} جوز فيه أن يكون خبراً ـ لألر ـ على تقدير كونه مبتدأ أو لمبتدأ مضمر على تقدير كونه خبراً لمبتدأ محذوف أو مفعولاً لفعل محذوف أو مسروداً على نمط التعديد، وجوز أن يكون خبراً ثانياً للمبتدأ الذي أخبر عنه ـ بألر ـ وأن يكون مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه موصوفاً في التقدير أي كتاب عظيم، وقوله تعالى: {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ} إما في موضع الصفة أو الخبر وهو مع مبتدآته قيل في موضع التفسير، وفي إسناد الإنزال إلى ضمير العظمة ومخاطبته عليه الصلاة والسلام مع إسناد الإخراج إليه صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } ما لا يخفى من التفخيم والتعظيم، واللام متعلقة بأنزلناه، والمراد من الناس جميعهم أي أنزلناه إليك لتخرجهم كافة بما في تضاعيفه من البينات الواضحة المفصحة عن كونه من عند الله تعالى الكاشفة عن العقائد الحقة من عقائد الكفر والضلال وعبادة الله عز وجل من الآلهة المختلفة كالملائكة وخواص البشر والكواكب والأصنام التي كلها ظلمات محضة وجهالات صرفة إلى الحق المؤسس على التوحيد الذي هو نور بحت وقرىء {ليخرج الناس} بالياء التحتانية في {يخرج} ورفع {الناس} به. {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } أي بتيسيره وتوفيقه تعالى وهو مستعار من الإذن الذي يوجب تسهيل الحجاب لمن يقصد الورود، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم، وقال محي السنة: إذنه تعالى أمره، وقيل: علمه سبحانه وقيل: إرادته جل شأنه وهي على ما قيل متقاربة، ومنع الإمام أن يراد بذلك الأمر أو العلم وعلله بما لا يخلو عن نظر. وفي الكلام على ما ذكر أولاً ثلاث استعارات. إحداها ما سمعت في الإذن والأخريان في {ٱلظُّلُمَـٰتِ} و {ٱلنُّورِ} وقد أشير إلى المراد منهما، وجوز العلامة الطيبـي أن تكون كلها استعارة مركبة تمثيلية بتصوير الهدى بالنور والضلال بالظلمة والمكلف المنغمس في ظلمة الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الايمان إلا بتفضل الله تعالى بإرسال رسول بكتاب يسهل عليه ذلك كمن وقع في تيه مظلم ليس منه خلاص فبعث ملك توقيعاً لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل: {كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ} إلى آخره، وكان الظاهر ـ بإذننا ـ إلا أنه وضع ذلك الظاهر موضع الضمير، وقيل: {رَّبِّهُمْ} للإشعار بالتربية واللطف والفضل وبأن الهداية لطف محض، وفيه أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون إذن الله تعالى كما قال سبحانه: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] اهـ، وما ذكره من الاستعارة التمثيلية مع بلاغته وحسنه لا يخلو عن بعد، وكأنه للإنباء عن كون التيسير والتوفيق منوطين بالإقبال إلى الحق كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } تفسير : [الرعد: 27] استعير لذلك الإذن الذي هو ما علمت، وأضيف إلى ضمير الناس اسم الرب المفصح عن التربية التي هي عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجه إليه، وشمول/ الإذن بذلك المعنى للكل واضح وعليه يدور كون الإنزال لإخراجهم جميعاً، وعدم تحقق الإذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقق شرطه المستند إلى سوء اختيارهم ورداءة استعدادهم غير مخل بذلك، ومن هنا فساد قول الطبرسي: إن اللام لام الغرض لا لام العاقبة والإ لزام أن يكون جميع الناس مؤمنين والواقع بخلافه. وذكر الإمام أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى تعلل برعاية المصالح، ثم ساق دليل أصحابه على امتناع ذلك وذكر أنه إذا ثبت الامتناع يلزم تأويل كل ما أشعر بخلافه، وتأويله بحمل اللام على لام العاقبة ونحوها، ونُقِلَ عن ابن القيم وغيره القول بالتعليل وأنه مذهب السلف وأن في الكتاب والسنة ما يزيد على عشرة آلاف موضع ظاهرة في ذلك وتأويل الجميع خروج عن الإنصاف، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانة على وجه يضطر معه إلى التأويل، وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض "رسائله" كلام نفيس في هذا الغرض سالم فيما أرى عن العلة إن أردته فارجع إليه، والباء متعلقة ـ بتخرج ـ على ما هو الظاهر، وجوز أن يكون متعلقاً بمضمر وقع حالاً من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم، ومنهم من جوز كونه حالاً من فاعله أي ملتبساً بإذن ربهم. وتعقب بأنه يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه صلى الله عليه وسلم. وردَّ بما رد فتأمل. واستدل بالآية القائلون بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر فيها أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي يخرج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وأجيب بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كالمنبه وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل، واستدل بها أيضاً كل من المعتزلة وأهل السنة على مذهبه في أفعال العباد وتفصيل ذلك في "تفسير الإمام" [الرازي]. {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما تقدم أعني قوله تعالى: {إِلَى ٱلنُّورِ} وقال غير واحد: إن {صِرٰطِ} بدل من {ٱلنُّورِ} وأعيد عامله وكرر لفظاً ليدل على البدلية كما في قوله تعالى: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } تفسير : [الأعراف: 75] ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بما قبله لأنه غير أجنبـي إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه على كل حال. واستشكل هذا مع الاستعارة السابقة بأن التعقيب بالبدل لا يتقاعد عن التعقيب بالبيان في مثل قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [البقرة: 187] وأجيب بأن الصراط استعارة أخرى للهدى جعل نوراً أولاً لظهوره في نفسه واستضاءة الضلال في مهواة الهوى به، ثم جعل ثانياً جادة مسلوكة مأمونة لا كبنيات الطرق دلالة على تمام الإرشاد. وفي "الإرشاد" ((أن إخلال البيان والبدل بالاستعارة إنما هو في الحقيقة لا في المجاز)) وهو ظاهر، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف على أنه جواب سائل يسأل إلى أي نور؟ فقيل: {إِلَىٰ صِرٰطِ} إلى آخره، وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه مقصده أو المبين له، وتخصيص الوصفين الجليلين بالذكر للترغيب في سلوكه إذ في ذلك إشارة إلى أنه يعز سالكه ويحمد سابله، وقال أبو حيان: النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا يقدر عليه سواه، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر. وقال الإمام: ((إنما قدم ذكر {ٱلْعَزِيزِ} على ذكر {ٱلْحَمِيدِ} لأن الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه تعالى قادراً ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً ثم بعد ذلك العلم بكونه غنياً عن الحاجات، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً بالكل غنياً عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر/ الحميد)) اهـ ولم نر تفسير {ٱلْحَمِيدِ } بما ذكر لغيره، وفي "المواقف" و "شرح أسماء الله تعالى الحسنى" لحجة الإسلام الغزالي وغيرهما أن {ٱلْحَمِيدِ } هو المحمود المثنى عليه وهو سبحانه محمود بحمده لنفسه أزلاً وبحمد عباده له تعالى أبداً، وبين هذا وما ذكره الإمام بعد بعيد، وأما ما ذكره في {ٱلْعَزِيز} فهو قول لبعضهم؛ وقيل: هو الذي لا مثل له. وربما يقال على هذا: إن التقديم للاعتناء بالصفات السلبية كما يؤذن به قولهم: التخلية أولى من التحلية وكذا قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } تفسير : [الشورى: 11] ولعل كلامه قدس سره بعد لا يخلو عن نظر.
سيد قطب
تفسير : {ألر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وويل للكافرين من عذاب شديد. الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، أولـئك في ضلال بعيد. وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو العزيز الحكيم}.. {ألف لام. را.. كتاب أنزلناه إليك}.. هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف كتاب أنزلناه إليك. لم تنشئه أنت. أنزلناه إليك لغاية: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}.. لتخرج هذه البشرية من الظلمات. ظلمات الوهم والخرافة. وظلمات الأوضاع والتقاليد. وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين.. لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور. النور الذي يكشف هذه الظلمات. يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير. ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد. والإيمان بالله نور يشرق في القلب، فيشرق به هذا الكيان البشري، المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة روح الله. فإذا ماخلا من إشراق هذه النفخة، وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة. طينة من لحم ودم كالبهيمة، فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها. لولا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله، يرقرقها الإيمان ويجلوها، ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم، ويشف بها هذا الكيان المعتم. والإيمان بالله نور تشرق به النفس، فترى الطريق. ترى الطريق واضحة إلى الله، لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب. غبش الأوهام وضباب الخرافات. أو غبش الشهوات وضباب الأطماع. ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار. والإيمان بالله نور تشرق به الحياة، فإذا الناس كلهم عباد متساوون. تربط بينهم آصرتهم في الله وتتمحض دينونتهم له دون سواه، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة. وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة. معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه. فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه. والإيمان بالله نور. نور العدل. ونور الحرية. ونور المعرفة. ونور الأنس بجوار الله، والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السراء والضراء. ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء. والإيمان بالله وحده إلهاً ورباً. منهج حياة كامل لا مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور.. منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده، والدينونة لربوبيته وحده، والتخلص من ربوبيات العبيد، والاستعلاء على حاكمية العبيد.. وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشرية، ومع الحاجات الحقيقية لهذه الفطرة، ما يملأ الحياة سعادة ونوراً وطمأنينة وراحة. كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصماً من التقلبات والتخبطات التي تتعرض لها المجتمعات التي تخضع لربوبية العبيد، وحاكمية العبيد، ومناهج العبيد في السياسة والحكم وفي الاقتصاد والاجتماع، وفي الخلق والسلوك، وفي العادات والتقاليد.. وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشرية أن تبذل في تأليه العبيد، والطبل والزمر للطواغيت!!! وإن وراء هذا التعبير القصير: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور..} لآفاقاً بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب. وفي عالم الحياة والواقع، لا يبلغها التعبير البشري ولكنه يشير! {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.. بإذن ربهم}.. فليس في قدرة الرسول إلا البلاغ، وليس من وظيفته إلا البيان. أما إخراج الناس من الظلمات إلى النور، فإنما يتحقق بإذن الله، وفق سنته التي ارتضتها مشيئته، وما الرسول إلا رسول! {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم}.. {إلى صراط العزيز الحميد}.. فالصراط بدل من النور. وصراط الله: طريقه، وسنته، وناموسه الذي يحكم الوجود وشريعته التي تحكم الحياة. والنور يهدي إلى هذا الصراط، أو النور هو الصراط. وهو أقوى في المعنى. فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون. هو السنة. هو الناموس. هو الشريعة. والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك ولا تخطئ التصور ولا تخطئ السلوك. فهي على صراط مستقيم.. {صراط العزيز الحميد}.. مالك القوة القاهر المسيطر المحمود المشكور. والقوة تبرز هنا لتهديد من يكفرون، والحمد يبرز لتذكير من يكفرون، ثم يعقبها التعريف بالله سبحانه. إنه مالك ما في السماوات وما في الأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه ومن فيه: {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض}.. فمن خرج واهتدى فذاك. ولا يذكر عنه شيئاً هنا، إنما يمضي السياق إلى تهديد الكافرين ينذرهم بالويل من عذاب شديد. جزاء كفرهم هذه النعمة. نعمة إرسال الرسول بالكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور. وهي النعمة الكبرى التي يقوم لها شكر إنسان. فكيف بالكفران: {وويل للكافرين من عذاب شديد}.. ثم يكشف عن صفة تحمل معنى العلة لكفر الكافرين بنعمة الله التي يحملها رسوله الكريم: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة}.. {ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً، أولـئك في ضلال بعيد}.. فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان؛ ويتعارض مع الاستقامة على الصراط. وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة، لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلاً، ويراعى فيه وجه الله. فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة. إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا ـ كما يقوم في الأخيلة المنحرفة ـ فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا. والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض. وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها. إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظاراً للآخرة، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله، وتمهيداً للآخرة.. هذا هو الإسلام. فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم.. لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه. ومن ثم يصدون عن سبيل الله. يصدون أنفسهم ويصدون الناس، ويبغونها عوجاً لا استقامة فيها ولا عدالة. وحين يفلحون في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله، وحين يتخلصون من استقامة سبيله وعدالتها، فعندئذ فقط يملكون أن يظلموا وأن يطغوا وأن يغشوا وأن يخدعوا وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستئثار بخيرات الأرض، والكسب الحرام، والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار. إن منهج الإيمان ضمانة للحياة وضمانة للأحياء من أثرة الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، واستئثارهم بخيرات هذه الحياة. {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}. وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة. فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم، ليبين لهم وليفهموا عنه، فتتم الغاية من الرسالة. وقد أرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلسان قومه ـ وإن كان رسولاً إلى الناس كافة ـ لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر. وعمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ محدود. وقد أمر ليدعو قومه أولاً حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام. ومن ثم تكون مهداً يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض. والذي حدث بالفعل ـ وهو من تقدير الله العليم الخبير ـ أن اختير الرسول إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة، وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة، الذي توفي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يتحرك بعد.. وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام، تصديقاً لرسالته إلى الناس كافة. ولكن الذي قدره الله له، والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود، أن يبلغ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه بلسانهم، وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى الأصقاع.. وقد كان.. فلا تعارض بين رسالته للناس كافة، ورسالته بلسان قومه، في تقدير الله، وفي واقع الحياة. {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}.. {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}.. إذ تنتهي مهمة الرسول ـ كل رسول ـ عند البيان. أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال، فلا قدرة له عليه، وليس خاضعاً لرغبته، إنما هو من شأن الله. وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة. فمن سار على درب الضلال ضل، ومن سار على درب الهدى وصل.. هذا وذلك يتبع مشيئة الله، التي شرعت سنته في الحياة. {وهو العزيز الحكيم}.. القادر على تصريف الناس والحياة، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافاً بلا توجيه ولا تدبير. وكذلك كانت رسالة موسى. بلسان قومه. {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا: أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور، وذكرهم بأيام الله. إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. وإذ قال موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وإذ تأذن ربكم: لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. وقال موسى: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد}.. والتعبير يوحد بين صيغة الأمر الصادر لموسى والصادر لمحمد ـ عليهما صلاة الله وسلامه ـ تمشياً مع نسق الأداء في السورة ـ وقد تحدثنا عنه آنفاً ـ فإذا الأمر هناك: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}.. والأمر هنا: {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور}.. الأولى للناس كافة والثانية لقوم موسى خاصة، ولكن الغاية واحدة: {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور}.. {وذكرهم بأيام الله}.. وكل الأيام أيام الله. ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو فيها للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو بالنقمة؛ كما سيجيء في حكاية تذكير موسى لقومه. وقد ذكرهم بأيام لهم، وأيام لأقوام نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم. فهذه هي الأيام. {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}.. ففي هذه الأيام ما هو بؤسى فهو آية للصبر، وفيها ما هو نعمى فهو آية للشكر. والصبار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات، ويدرك ما وراءها، ويجد فيها عبرة له وعظة؛ كما يجد فيها تسرية وتذكيراً. وراح موسى يؤدي رسالته، ويذكر قومه: {وإذ قال موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.. إنه يذكرهم بنعمة الله عليهم. نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون، يسامونه سوماً، أي يوالون به ويتابعون، فلا يفترعنهم ولا ينقطع. ومن ألوانه البارزة تذبيح الذكور من الأولاد واستحياء الإناث، منعاً لتكاثر القوة المانعة فيهم واستبقاء لضعفهم وذلهم. فإنجاء الله لهم من هذه الحال نعمة تذكر. وتذكر لتشكر. {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.. بلاء بالعذاب أولاً، لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم على الخلاص والعمل له. فليس الصبر هو احتمال الذل والعذاب وكفى. ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية، واستمرار العزم على الخلاص، والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان. وإلا فما هو صبر مشكور ذلك الاستسلام للذل والهوان.. وبلاء بالنجاة لامتحان الشكر، والاعتراف بنعمة الله، والاستقامة على الهدى في مقابل النجاة. ويمضي موسى في البيان لقومه. بعد ما ذكرهم بأيامه. ووجههم إلى الغاية من العذاب والنجاة. وهي الصبر للعذاب والشكر للنجاة.. يمضي ليبين لهم ما رتبه الله جزاء على الشكر والكفران: {وإذ تأذن ربكم: لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}.. ونقف نحن أمام هذه الحقيقة الكبيرة: حقيقة زيادة النعمة بالشكر، والعذاب الشديد على الكفر. نقف نحن أمام هذه الحقيقة تطمئن إليها قلوبنا أول وهلة لأنها وعد من الله صادق. فلا بد أن يتحقق على أية حال.. فإذا أردنا أن نرى مصداقها في الحياة، ونبحث عن أسبابه المدركة لنا، فإننا لا نبعد كثيراً في تلمس الأسباب. إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية. فالخير يشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي، في الفطرة المستقيمة.. هذه واحدة.. والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته، تراقبه في التصرف بهذه النعمة. بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد. وهذه وتلك مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها؛ ويرضي الناس عنها وعن صاحبها، فيكونون له عوناً؛ ويصلح روابط المجتمع فتنمو فيه الثروات في أمان. إلى آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة. وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن، أدرك الأسباب أولم يدركها، فهو حق واقع لأنه وعد الله. والكفر بنعمة الله قد يكون بعدم شكرها. أو بإنكار أن الله واهبها، ونسبتها إلى العلم والخبرة والكد الشخصي والسعي! كأن هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله! وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكبر على الناس واستغلالها للشهوات والفساد.. وكله كفر بنعمة الله.. والعذاب الشديد قد يتضمن محق النعمة. عيناً بذهابها. أو سحق آثارها في الشعور. فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها ويحسد الخالين! وقد يكون عذاباً مؤجلاً إلى أجله في الدنيا أو في الآخرة كما يشاء الله. ولكنه واقع لأن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء. ذلك الشكر لا تعود على الله عائدته. وهذا الكفر لا يرجع على الله أثره. فالله غني بذاته محمود بذاته، لا بحمد الناس وشكرها على عطاياه. {وقال موسى: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد}.. إنما هو صلاح الحياة يتحقق بالشكر، ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله، وتستقيم بشكر الخير، وتطمئن إلى الاتصال بالمنعم، فلا تخشى نفاد النعمة وذهابها، ولا تذهب حسرات وراء ما ينفق أو يضيع منها. فالمنعم موجود، والنعمة بشكره تزكو وتزيد. ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه. ولكنه يتوارى عن المشهد لتبرز المعركة الكبرى بين أمة الأنبياء والجاهليات المكذبة بالرسل والرسالات. وذلك من بدائع الأداء في القرآن، لإحياء المشاهد، ونقلها من حكاية تروى إلى مشهد ينظر ويسمع، وتتحرك فيه الشخوص، وتتجلى فيه السمات والانفعالات.. والآن إلى الساحة الكبرى التي يتلاشى فيها الزمان والمكان: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم، قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله؟ جاءتهم رسلهم بالبينات، فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب}.. هذا التذكير من قول موسى. ولكن السياق منذ الآن يجعل موسى يتوارى ليستمر في عرض قصة الرسل والرسالات في جميع أزمانها. قصة الرسل والرسالات وحقيقتها في مواجهة الجاهلية، وعاقبة المكذبين بها على اختلاف الزمان والمكان.. وكأن موسى "رواية" يبدأ بالإشارة الى أحداث الرواية الكبرى. ثم يدع أبطالها يتحدثون بعد ذلك ويتصرفون.. وهي طريقة من طرق العرض للقصة في القرآن، تحول القصة المحكية إلى رواية حية كما أسلفنا. وهنا نشهد الرسل الكرام في موكب الإيمان، يواجهون البشرية متجمعة في جاهليتها. حيث تتوارى الفواصل بين أجيالها وأقوامها. وتبرز الحقائق الكبرى مجردة عن الزمان والمكان، كما هي في حقيقة الوجود خلف حواجز الزمان والمكان: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم: قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله؟}.. فهم كثير إذن، وهناك غير من جاء ذكرهم في القرآن. ما بين ثمود وقوم موسى. والسياق هنا لا يعنى بتفصيل أمرهم، فهناك وحدة في دعوة الرسل ووحدة فيما قوبلت به: {جاءتهم رسلهم بالبينات}.. الواضحات التي لا يلتبس أمرها على الإدراك السليم. {فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به؛ وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب}.. ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل من يريد تمويج الصوت ليسمع عن بعد، بتحريك كفه أمام فمه وهو يرفع صوته ذهاباً وإياباً فيتموج الصوت ويُسمع. يرسم السياق هذه الحركة التي تدل على جهرهم بالتكذيب والشك، وإفحاشهم في هذا الجهر، وإتيانهم بهذه الحركة الغليظة التي لا أدب فيها ولا ذوق، إمعاناً منهم في الجهر بالكفر. ولما كان الذي يدعوهم إليه رسلهم هو الاعتقاد بألوهية الله وحده، وربوبيته للبشر بلا شريك من عباده.. فإن الشك في هذه الحقيقة الناطقة التي تدركها الفطرة، وتدل عليها آيات الله المبثوثة في ظاهر الكون المتجلية في صفحاته، يبدو مستنكراً قبيحاً. وقد استنكر الرسل هذا الشك. والسماوات والأرض شاهدان. {قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟}.. أفي الله شك والسماوات والأرض تنطقان للفطرة بأن الله أبدعهما أبداعاً وأنشأهما إنشاء؟ قالت رسلهم هذا القول، لأن السماوات والأرض آيتان هائلتان بارزتان، فمجرد الإشارة إليهما يكفي، ويرد الشارد إلى الرشد سريعاً، ولم يزيدوا على الإشارة لأنها وحدها تكفي؛ ثم أخذوا يعددون نعم الله على البشر في دعوتهم إلى الإيمان، وفي إمهالهم إلى أجل يتدبرون فيه ويتقون العذاب: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض. يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم}. والدعوة أصلاً دعوة إلى الإيمان، المؤدي إلى المغفرة. ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرة للمغفرة، لتتجلى نعمة الله ومنته. وعندئذٍ يبدو عجيباً أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة! {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم}.. {ويؤخركم إلى أجل مسمى}.. فهو ـ سبحانه ـ مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم بالإيمان فور الدعوة، ولا يأخذكم بالعذاب فور التكذيب. إنما يمن عليكم منة أخرى فيؤخركم إلى أجل مسمى. إما في هذه الدنيا وإما إلى يوم الحساب، ترجعون فيه إلى نفوسكم، وتتدبرون آيات الله وبيان رسلكم. وهي رحمة وسماحة تحسبان في باب النعم.. فهل هذا هو جواب دعوة الله الرحيم المنان؟! هنا يرجع القوم في جهالتهم إلى ذلك الاعتراض الجهول: {قالوا: إن أنتم إلا بشر مثلنا، تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا}.. وبدلاً من أن يعتز البشر باختيار الله لواحد منهم ليحمل رسالته، فإنهم لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار، ويجعلونه مثار ريبة في الرسل المختارين؛ ويعللون دعوة رسلهم لهم بأنها رغبة في تحويلهم عما كان يعبد آباؤهم. ولا يسألون أنفسهم: لماذا يرغب الرسل في تحويلهم؟! وبطبيعة الجمود العقلي الذي تطبعه الوثنيات في العقول لا يفكرون فيما كان يعبد آباؤهم: ما قيمته؟ ما حقيقته؟ ماذا يساوي في معرض النقد والتفكير؟! وبطبيعة الجمود العقلي كذلك لا يفكرون في الدعوة الجديدة، إنما يطلبون خارقة ترغمهم على التصديق: {فأتوا بسلطان مبين}.. ويرد الرسل.. لا ينكرون بشريتهم بل يقررونها، ولكنهم يوجهون الأنظار إلى منة الله في اختيار رسل من البشر، وفي منحهم ما يؤهلهم لحمل الأمانة الكبرى: {قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولـكن الله يمن على من يشاء من عباده}.. ويذكر السياق لفظ {يمن} تنسيقاً للحوار مع جو السورة. جو الحديث عن نعم الله. ومنها هذه المنة على من يشاء من عباده. وهي منة ضخمة لا على أشخاص الرسل وحدهم. ولكن كذلك على البشرية التي تشرف بانتخاب أفراد منها لهذه المهمة العظمى. مهمة الاتصال والتلقي من الملأ الأعلى. وهي منة على البشرية بتذكير الفطرة التي ران عليها الركام لتخرج من الظلمات إلى النور؛ ولتتحرك فيها أجهزة الاستقبال والتلقي فتخرج من الموت الراكد إلى الحياة المتفتحة.. ثم هي المنة الكبرى على البشرية بإخراج الناس من الدينونة للعباد إلى الدينونة لله وحده بلا شريك؛ واستنقاذ كرامتهم وطاقتهم من الذل والتبدد في الدينونة للعبيد.. الذل الذي يحني هامة إنسان لعبد مثله! والتبدد الذي يسخر طاقة إنسان لتأليه عبد مثله! فأما حكاية الإتيان بسلطان مبين، وقوة خارقة، فالرسل يبينون لقومهم أنها من شأن الله. ليفرقوا في مداركهم المبهمة المظلمة بين ذات الله الإلهية، وذواتهم هم البشرية، وليمحصوا صورة التوحيد المطلق الذي لا يلتبس بمشابهة في ذات ولا صفة، وهي المتاهة التي تاهت فيها الوثنيات كما تاهت فيها التصورات الكنسية في المسيحية عندما تلبست بالوثنيات الإغريقية والرومانية والمصرية والهندية. وكانت نقطة البدء في المتاهة هي نسبة الخوارق إلى عيسى ـ عليه السلام ـ بذاته واللبس بين ألوهية الله وعبودية عيسى عليه السلام! {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله}.. وما نعتمد على قوة غير قوته: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. يطلقها الرسل حقيقة دائمة. فعلى الله وحده يتوكل المؤمن، لا يتلفت قلبه إلى سواه، ولا يرجو عوناً إلا منه، ولا يرتكن إلا إلى حماه. ثم يواجهون الطغيان بالإيمان، ويواجهون الأذى بالثبات؛ ويسألون للتقرير والتوكيد: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا؟ ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون}.. {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا}.. إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه. المالئ يديه من وليه وناصره. المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد أن ينصر وأن يعين. وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟ والقلب الذي يحس أن يد الله ـ سبحانه ـ تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده ـ سبحانه ـ وألوهيته القاهرة المسيطرة؛ وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق، أياً كانت العقبات في الطريق، وأياً كانت قوى الطاغوت التي تتربص في هذا الطريق. ومن ثم هذا الربط في رد الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت؛ ثم إصرارهم على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد. وهذه الحقيقة ـ حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله وبين بديهية التوكل عليه ـ لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلاً في مواجهة طاغوت الجاهلية؛ والتي تستشعرها في أعماقها يد الله ـ سبحانه ـ وهي تفتح لها كوى النور فتبصر الآفاق المشرقة وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة، وتحس الأنس والقربى.. وحينئذ لا تحفل بما يتوعدها به طواغيت الأرض؛ ولا تملك أن تستجيب للإغراء ولا للتهديد؛ وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل. وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد؟! {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا}.. {ولنصبرن على ما آذيتمونا}. لنصبرن؛ لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نهن، ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد.. {وعلى الله فليتوكل المتوكلون}.. وهنا يسفر الطغيان عن وجهه. لا يجادل ولا يناقش ولا يفكر ولا يتعقل، لأنه يحس بهزيمته أمام انتصار العقيدة، فيسفر بالقوة المادية الغليظة التي لا يملك غيرها المتجبرون: {وقال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا}! هنا تتجلى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية.. إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها. ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها. وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها. فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل، وهذا ما لا تطيقه الجاهلية. لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم؛ ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم، وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي، وأن يذوبوا في مجتمعهم فلا يبقى لهم كيان مستقل. وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله، وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه، فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى.. وعندما تسفر القوة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة، ولا يبقى مجال لحجة؛ ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهلية.. إن التجمع الجاهلي ـ بطبيعة تركيبه العضوي ـ لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي، ولتوطيد جاهليته! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي، والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع. هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره.. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها.. وهنا تتدخل القوة الكبرى فتضرب ضربتها المدمرة القاضية التي لا تقف لها قوة البشر المهازيل، وإن كانوا طغاة متجبرين: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكننـكم الأرض من بعدهم. ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}. ولا بد أن ندرك أن تدخل القوة الكبرى للفصل بين الرسل وقومهم إنما يكون دائماً بعد مفاصلة الرسل لقومهم.. بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها.. وبعد أن يصروا على تميزهم بدينهم وبتجمعهم الإسلامي الخاص بقيادته الخاصة. وبعد أن يفاصلوا قومهم على أساس العقيدة فينقسم القوم الواحد إلى أمتين مختلفتين عقيدة ومنهجاً وقيادة وتجمعاً.. عندئذ تتدخل القوة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة، ولتدمر على الطواغيت الذين يتهددون المؤمنين، ولتمكن للمؤمنين في الأرض، ولتحقق وعد الله لرسله بالنصر والتمكين.. ولا يكون هذا التدخل أبداً والمسلمون متميعون في المجتمع الجاهلي، عاملون من خلال أوضاعه وتشكيلاته، غير منفصلين عنه ولا متميزين بتجمع حركي مستقل وقيادة إسلامية مستقلة.. {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين}.. نون العظمة ونون التوكيد.. كلتاهما ذات ظل وإيقاع في هذا الموقف الشديد. لنهلكن المتجبرين المهددين، المشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسول وللناس بهذا التهديد.. {ولنسكننكم الأرض من بعدهم}.. لا محاباة ولا جزافاً، إنما هي السنة الجارية العادلة: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}.. ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي، فلم يتطاول ولم يتعال ولم يستكبر ولم يتجبر. وخاف وعيد، فحسب حسابه، واتقى أسبابه، فلم يفسد في الأرض، ولم يظلم في الناس، فهو من ثم يستحق الاستخلاف، ويناله باستحقاق. وهكذا تلتقي القوة الصغيرة الهزيلة ـ قوة الطغاة الظالمين ـ بالقوة الجبارة الطامة ـ قوة الجبار المهيمن المتكبر ـ فقد انتهت مهمة الرسل عند البلاغ المبين والمفاصلة التي تميز المؤمنين من المكذبين. ووقف الطغاة المتجبرون بقوتهم الهزيلة الضئيلة في صف، ووقف الرسل الداعون المتواضعون ومعهم قوة الله ـ سبحانه ـ في صف. ودعا كلاهما بالنصر والفتح.. وكانت العاقبة كما يجب أن تكون: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ}.. والمشهد هنا عجيب. إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد. مشهد الخيبة في هذه الأرض. ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها، وهو يُسقى من الصديد السائل من الجسوم. يُسقاه بعنف فيتجرعه غصباً وكرهاً، ولا يكاد يسيغه، لقذارته ومرارته، والتعزز والتكره باديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت، ليستكمل عذابه. ومن ورائه عذاب غليظ.. إنه مشهد عجيب، يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروّع الفظيع. وتشترك كلمة {غليظ} في تفظيع المشهد، تنسيقاً له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين. وفي ظل هذا المصير يجيء التعقيب مثلاً مصوراً في مشهد يضرب الذين كفروا؛ ولفتة إلى قدرة الله على أن يُذهب المكذبين ويأتي بخلق جديد.. ذلك قبل أن يتابع مشاهد الرواية في الساحة الأخرى، وقد أسدل الستار على فصلها الأخير في هذه الأرض، مخايلاً بالساحة الأخرى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. لا يقدرون مما كسبوا على شيء. ذلك هو الضلال البعيد}.. ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلاً. يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بدداً. هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار. فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان، ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث، وتصل الباعث بالله.. مفككة كالهباء والرماد، لا قوام لها ولا نظام. فليس المعول عليه هو العمل، ولكن باعث العمل. حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية. وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة، وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر. ويلتقي معهما التعقيب: {ذلك هو الضلال البعيد}.. فهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف.. إلى بعيد!! ثم يلتقي مع مشهد الرماد المتطاير ظل آخر في الآية التالية، التي يلتفت فيها السياق من مصائر المكذبين السابقين إلى المكذبين من قريش، يهددهم بإذهابهم والإتيان بخلق جديد: {ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز}.. والانتقال من حديث الإيمان والكفر، ومن قضية الرسل والجاهلية إلى مشهد السماوات والأرض.. هو انتقال طبيعي في المنهج القرآني.. إن بين فطرة الكائن الإنساني وبين هذا الكون لغة سرية مفهومة!.. إن فطرته تتلاقى مباشرة مع السر الكامن وراء هذا الكون بمجرد الاتجاه إليه والتقاط إيقاعاته ودلالاته! والذين يرون هذا الكون ثم لا تسمع فطرتهم هذه الإيقاعات وهذه الإيحاءات هم أفراد معطلو الفطرة. في كيانهم خلل تعطلت به أجهزة الاستقبال الفطرية. كما تصاب الحواس بالتعطل نتيجة لآفة تصيبها.. كما تصاب العين بالعمى، والأذن بالصمم، واللسان بالبكم!.. إنهم أجهزة تالفة لا تصلح للتلقي؛ ومن باب أولى لا تصلح للقيادة والزعامة!.. ومن هؤلاء كل أصحاب التفكير المادي ـ الذي يسمونه "المذاهب العلمية" كذباً وافتراء.. إن العلم لا يتفق مع تعطل أجهزة الاستقبال الفطرية وفساد أجهزة الاتصال الإنسانية بالكون كله! إنهم الذين يسميهم القرآن بالعمْي.. وما يمكن أن تقام الحياة الإنسانية على مذهب أو رأي أو نظام يراه أعمى!!! إن خلق السماوات والأرض بالحق يوحي بالقدرة كما يوحي بالثبات. فالوحي ثابت مستقر حتى في جرسه اللفظي.. ذلك في مقابل الرماد المتطاير إلى بعيد. وفي مقابل الضلال البعيد. وفي ضوء مصير المعاندين الجبارين في معركة الحق والباطل يجيء التهديد: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد}.. والقادر على خلق السماوات والأرض، قادر على استخلاف جنس غير هذا الجنس في الأرض. واستخلاف قوم مكان قوم من أقوام هذا الجنس. وظل الذهاب بالقوم يتسق من بعيد مع ظل الرماد المتطاير الذاهب إلى الفناء. {وما ذلك على الله بعزيز}.. وخلق السماوات والأرض شاهد. ومصارع المكذبين من قبل شاهدة. والرماد المتطاير شاهد من بعيد! ألا إنه الإعجاز في تنسيق المشاهد والصور والظلال في هذا القرآن! ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق الإعجاز في التصوير والأداء والتنسيق. فلقد كنا منذ لحظة مع الجبارين المعاندين. ولقد خاب كل جبار عنيد. وكانت صورته في جهنم تخايل له من ورائه وهو بعد في الدنيا. فالآن نجدهم هناك، حيث يتابع السياق خطواته بالرواية الكبرى ـ رواية البشرية ورسلها ـ في المشهد الأخير. وهو مشهد من أعجب مشاهد القيامة وأحفلها بالحركة والانفعال والحوار بين الضعفاء والمستكبرين. وبين الشيطان والجميع: {وبرزوا لله جميعاً ـ فقال الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً. فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟ قالوا: لو هدانا الله لهديناكم. سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. وقال الشيطان لما قضي الأمر: إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم؛ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنتم بِمُصْرِخِيّ. إني كفرت بما أشركتمون من قبل. إن الظالمين لهم عذاب أليم.} {وأُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها بإذن ربهم، تحيتهم فيها سلام}. لقد انتقلت الرواية.. رواية الدعوة والدعاة، المكذبين والطغاة.. انتقلت من مسرح الدنيا إلى مسرح الآخرة: {وبرزوا لله جميعاً}.. الطغاة المكذبون وأتباعهم من الضعفاء المستذلين. ومعهم الشيطان.. ثم الذين آمنوا بالرسل وعملوا الصالحات.. برزوا {جميعاً} مكشوفين. وهم مكشوفون لله دائماً. ولكنهم الساعة يعلمون ويحسون أنهم مكشوفون لا يحجبهم حجاب، ولا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق.. برزوا وامتلأت الساحة ورفع الستار، وبدأ الحوار: {فقال الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً. فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟}.. والضعفاء هم الضعفاء. هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه؛ وجعلوا أنفسهم تبعاً للمستكبرين والطغاة. ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذراً، بل هو الجريمة؛ فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفاً، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله. وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعاً عن نصيبه في الحريه ـ التي هي ميزته ومناط تكريمه ـ أو أن ينزل كارهاً. والقوة المادية ـ كائنة ما كانت ـ لا تملك أن تستعبد إنساناً يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية. فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال! من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعاً للمستكبرين في العقيدة، وفي التفكير، وفي السلوك؟ من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله، والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة. فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة، ولا لأنهم أقل جاهاً أو مالاً أو منصباً أو مقاماً.. كلا، إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفاً يلحق صفة الضعف بالضعفاء. إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان! إن المستضعفين كثرة، والطواغيت قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة؟ وماذا الذي يخضعها؟ إنما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة، وقلة النخوة، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان! إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير. فهي دائماً قادرة على الوقوف لهم لو أرادت. فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان! إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء.. وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة!! والأذلاء هنا على مسرح الآخرة في ضعفهم وتبعيتهم للذين استكبروا يسألونهم: {إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء}؟.. وقد اتبعناكم فانتهينا إلى هذا المصير الأليم؟! أم لعلهم وقد رأوا العذاب يهمون بتأنيب المستكبرين على قيادتهم لهم هذه القيادة، وتعريضهم إياهم للعذاب؟ إن السياق يحكي قولهم وعليه طابع الذلة على كل حال! ويرد الذين استكبروا على ذلك السؤال: {قالوا: لو هدانا الله لهديناكم! سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص!}.. وهو رد يبدو فيه البرم والضيق: {لو هدانا الله لهديناكم}.. فعلام تلوموننا ونحن وإياكم في طريق واحد إلى مصير واحد؟ إننا لم نهتد ونضللكم. ولو هدانا الله لقدناكم إلى الهدى معنا، كما قدناكم حين ضللنا إلى الضلال! وهم ينسبون هداهم وضلالهم إلى الله. فيعترفون الساعة بقدرته وكانوا من قبل ينكرونه وينكرونها، ويستطيلون على الضعفاء استطالة من لا يحسب حساباً لقدرة القاهر الجبار. وهم إنما يتهربون من تبعة الضلال والإضلال برجع الأمر لله.. والله لا يأمر بالضلال كما قال سبحانه: {إن الله لا يأمر بالفحشاء}.. ثم هم يؤنبون الضعفاء من طرف خفي، فيعلنونهم بأن لا جدوى من الجزع كما أنه لا فائدة من الصبر. فقد حق العذاب، ولا راد له من صبر أو جزع، وفات الأوان الذي كان الجزع فيه من العذاب يجدي فيرد الضالين إلى الهدى؛ وكان الصبر فيه على الشدة يجدي فتدركهم رحمة الله. لقد انتهى كل شيء، ولم يعد هنالك مفر ولا محيص: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}! لقد قضي الأمر، وانتهى الجدل، وسكت الحوار.. وهنا نرى على المسرح عجباً. نرى الشيطان.. هاتف الغواية، وحادي الغواة.. نراه الساعة يلبس مسوح الكهان، او مسوح الشيطان! ويتشيطن على الضعفاء والمستكبرين سواء، بكلام ربما كان أقسى عليهم من العذاب: {وقال الشيطان ـ لما قضي الأمر - إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم. وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم. ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنتم بمصرخيّ. إني كفرت بما أشركتمون من قبل. إن الظالمين لهم عذاب أليم}. الله! الله! أما إن الشيطان حقاً لشيطان! وإن شخصيته لتبدو هنا على أتمها كما بدت شخصية الضعفاء وشخصية المستكبرين في هذا الحوار... إنه الشيطان الذي وسوس في الصدور، وأغرى بالعصيان، وزين الكفر، وصدهم عن استماع الدعوة.. هو هو الذي يقول لهم وهو يطعنهم طعنة أليمة نافذة، حيث لا يملكون أن يردوها عليه ـ وقد قضي الأمر ـ هو الذي يقول الآن، وبعد فوات الأوان: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم}! ثم يخزهم وخزة أخرى بتعييرهم بالاستجابة له، وليس له عليهم من سلطان، سوى أنهم تخلوا عن شخصياتهم، ونسوا ما بينهم وبين الشيطان من عداء قديم، فاستجابوا لدعوته الباطلة وتركوا دعوة الحق من الله: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}! ثم يؤنبهم، ويدعوهم لتأنيب أنفسهم. يؤنبهم على أن أطاعوه!: {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم}! ثم يخلي بهم، وينفض يده منهم، وهو الذي وعدهم من قبل ومناهم، ووسوس لهم أن لا غالب لهم؛ فأما الساعة فما هو بملبيهم إذا صرخوا، كما أنهم لن ينجدوه إذا صرخ: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ}.. وما بيننا من صلة ولا ولاء! ثم يبرأ من إشراكهم به ويكفر بهذا الإشراك: {إني كفرت بما اشركتمون من قبل}! ثم ينهي خطبته الشيطانية بالقاصمة يصبها على أوليائه: {إن الظالمين لهم عذاب أليم}! فيا للشيطان! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه؛ ودعاهم الرسل إلى الله فكذبوهم وجحدوه! وقبل أن يسدل الستار نبصر على الضفة الأخرى بتلك الأمة المؤمنة، الأمة الفائزة، الأمة الناجية: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها بإذن ربهم، تحيتهم فيها سلام}.. ويسدل الستار.. فيا له من مشهد! ويا لها من خاتمة لقصة الدعوة والدعاة مع المكذبين والطغاة! وفي ظل هذه القصة بفصولها جميعاً. في الدنيا حيث وقفت أمة الرسل في مواجهة الجاهلية الظالمة: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ}.. وفي الآخرة حيث شاهدنا ذلك المشهد الفريد: مشهد الذين استكبروا والضعفاء والشيطان، مع ذلك الحوار العجيب.. في ظل تلك القصة ومصائر الأمة الطيبة، والفرقة الخبيثة، يضرب الله مثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، لتصوير سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة؛ فتكون خاتمة كتعليق الراوية على الرواية بعد إسدال الستار: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}.. {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ ويضل الله الظالمين؛ ويفعل الله ما يشاء}.. إن مشهد الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.. والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة، اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.. هو مشهد مأخوذ من جو السياق، ومن قصة النبيين والمكذبين، ومصير هؤلاء وهؤلاء بوجه خاص. وشجرة النبوة هنا وظل إبراهيم أبي الأنبياء عليها واضح، وهي تؤتي أكلها كل فترة، أكلاً جنياً طيباً.. نبياً من الأنبياء.. يثمر إيماناً وخيراً وحيوية.. ولكن المثل ـ بعد تناسقه مع جو السورة وجو القصة ـ أبعد من هذا آفاقاً، وأعرض مساحة، وأعمق حقيقة. إن الكلمة الطيبة ـ كلمة الحق ـ لكالشجرة الطيبة. ثابتة سامقة مثمرة.. ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل؛ ولا تقوى عليها معاول الطغيان ـ وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان ـ سامقة متعالية، تطل على الشر والظلم والطغيان من عل ـ وإن خيل إلى البعض أحياناً أن الشر يزحمها في الفضاء ـ مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آناً بعد آن.. وإن الكلمة الخبيثة ـ كلمة الباطل ـ لكالشجرة الخبيثة؛ قد تهيج وتتعالى وتتشابك؛ ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى. ولكنها تظل نافشة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض.. وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض، فلا قرار لها ولا بقاء. ليس هذا وذلك مجرد مثل يضرب، ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع. إنما هو الواقع في الحياة، ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان. والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق.. والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به ـ فقلما يوجد الشر خالص ـ وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير فلا تبقى فيه منه بقية، فإنه يتهالك ويتهشم مهما تضخم واستطال. إن الخير بخير! وإن الشر بشر! {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون}.. فهي أمثال مصداقها واقع في الأرض، ولكن الناس كثيراً ما ينسونه في زحمة الحياة. وفي ظل الشجرة الثابتة، التي يشارك التعبير في تصوير معنى الثبات وجوه، فيرسمها: أصلها ثابت مستقر في الأرض، وفرعها سامق ذاهب في الفضاء على مد البصر، قائم أمام العين يوحي بالقوة والثبات. في ظل الشجرة الثابتة مثلاً للكلمة الطيبة: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}.. وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار ولا ثبات: {ويضل الله الظالمين}.. فتتناسق ظلال التعبير وظلال المعاني كلها في السياق! يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة بكلمة الإيمان المستقرة في الضمائر، الثابتة في الفطر، المثمرة بالعمل الصالح المتجدد الباقي في الحياة. ويثبتهم بكلمات القرآن وكلمات الرسول؛ وبوعده للحق بالنصر في الدنيا، والفوز في الآخرة.. وكلها كلمات ثابتة صادقة حقة، لا تتخلف ولا تتفرق بها السبل، ولا يمس أصحابها قلق ولا حيرة ولا اضطراب. ويضل الله الظالمين بظلمهم وشركهم (والظلم يكثر استعماله في السياق القرآني بمعنى الشرك ويغلب) وبعدهم عن النور الهادي، واضطرابهم في تيه الظلمات والأوهام والخرافات واتباعهم مناهج وشرائع من الهوى لا من اختيار الله.. يضلهم وفق سنته التي تنتهي بمن يظلم ويعمى عن النور ويخضع للهوى إلى الضلال والتيه والشرود. {ويفعل الله ما يشاء}.. بإرادته المطلقة، التي تختار الناموس، فلا تتقيد به ولكنها ترضاه. حتى تقتضي الحكمة تبديله فيتبدل في نطاق المشيئة التي لا تقف لها قوة، ولا يقوم في طريقها عائق؛ والتي يتم كل أمر في الوجود وفق ما تشاء. وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات. وقد استغرقت الشطر الأول والأكبر من السورة المسماة باسم إبراهيم أبي الأنبياء، والشجرة الظليلة الوارفة المثمرة خير الثمرات، والكلمة الطيبة المتجددة في الأجيال المتعاقبة، تحتوي دائماً على الحقيقة الكبرى.. حقيقة الرسالة الواحدة التي لا تتبدل، وحقيقة الدعوة الواحدة التي لا تتغير، وحقيقة التوحيد لله الواحد القهار. والآن نقف وقفات قصيرة أمام الحقائق البارزة التي تعرضها قصة الرسل مع الجاهلية. وهي الحقائق التي أشرنا إليها إشارات سريعة في أثناء استعراض السياق القرآني، ونرى انها تحتاج إلى وقفات أخرى أمامها مسقلة: * إننا نقف من هذه القصة على حقيقة أولية بارزة يقصها علينا الحكيم الخبير.. إن موكب الإيمان منذ فجر التاريخ الإنساني موكب واحد موصول، يقوده رسل الله الكرام، داعين بحقيقة واحدة، جاهرين بدعوة واحدة، سائرين على منهج واحد.. كلهم يدعو إلى ألوهية واحدة، وربوبية واحدة، وكلهم لا يدعو مع الله أحداً، ولا يتوكل على أحد غيره، ولا يلجأ إلى ملجأ سواه، ولا يعرف له سنداً إلا إياه. وأمر الاعتقاد في الله الواحد ـ إذن ليس كما يزعم "علماء الدين المقارن" أنه تطور وترقى من التعديد إلى التثنية إلى التوحيد؛ ومن عبادة الطواطم والأرواح والنجوم والكواكب إلى عبادة الله الواحد؛ وأنه تطور وترقى كذلك بتطور وترقي التجربة البشرية والعلم البشري، وبتطور وترقي الأنظمة السياسية وانتهائها إلى الأوضاع الموحدة تحت سلطان واحد.. إن الاعتقاد في الله الواحد جاءت به الرسالات منذ فجر التاريخ؛ ولم تتغير هذه الحقيقة ولم تتبدل في رسالة واحدة من الرسالات؛ ولا في دين واحد من الأديان السماوية. كما يقص علينا الحكيم الخبير. ولو قال أولئك "العلماء": إن قابلية البشرية لعقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل كانت تترقى من عهد رسول إلى عهد رسول؛ وإن الوثنيات الجاهلية كانت تتأثر بعقائد التوحيد المتوالية التي كان موكب الرسل الكرام يواجه بها هذه الوثنيات حيناً بعد حين. حتى جاء زمان كانت عقيدة التوحيد أكثر قبولاً لدى جماهير الناس مما كانت، بفعل توالي رسالات التوحيد؛ وبفعل العوامل الأخرى التي يفردونها بالتأثير.. لو قال أولئك "العلماء" قولاً كهذا لساغ.. ولكنهم إنما يتأثرون بمنهج في البحث يقوم ابتداء على قاعدة من العداء الدفين القديم للكنيسة في أوروبا ـ حتى ولو لم يلحظه العلماء المعاصرون! ـ ومن الرغبة الخفية ـ الواعية أو غير الواعية ـ في تحطيم المنهج الديني في التفكير؛ وإثبات أن الدين لم يكن قط وحياً من عند الله؛ إنما كان اجتهاداً من البشر، ينطبق على تطورهم في التفكير والتجربة والمعرفة العلمية سواء بسواء.. ومن ذلك العداء القديم ومن هذه الرغبة الخفية ينبثق منهج علم الأديان المقارن؛ ويسمى مع ذلك "علماً" ينخدع به الكثيرون! وإذا جاز أن يخدع أحد بمثل هذا "العلم" فإنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بدينه، ويحترم منهج هذا الدين في تقرير مثل هذه الحقيقة أن يخدع لحظة واحدة؛ وأن يدلي بقول يصطدم اصطداماً مباشراً مع مقررات دينه، ومع منهجه الواضح في هذا الشان الخطير.. * هذا الموكب الكريم من الرسل واجه البشرية الضالة ـ إذن ـ بدعوة واحدة، وعقيدة واحدة. وكذلك واجهت الجاهلية ذلك الموكب الكريم، وهذه الدعوة الواحدة بالعقيدة الواحدة، مواجهة واحدة ـ كما يعرضها السياق القرآني مغضياً عن الزمان والمكان، مبرزاً للحقيقة الواحدة الموصولة من وراء الزمان والمكان ـ وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل، فكذلك مواجهة الجاهلية لم تتبدل! إنها حقيقة تستوقف النظر حقاً!.. إن الجاهلية هي الجاهلية على مدار الزمان.. إن الجاهلية ليست فترة تاريخية؛ ولكنها وضع واعتقاد وتصور وتجمع عضوي على أساس هذه المقومات.. والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد؛ ومن تأليه غير الله. أو من ربوبية غير الله ـ وكلاهما سواء في إنشاء الجاهلية ـ فسواء كان الاعتقاد قائماً على تعدد الآلهة؛ أو كان قائماً على توحيد الإله مع تعدد الأرباب ـ أي المتسلطين ـ فهو ينشئ الجاهلية بكل خصائصها الثانوية الأخرى! ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة، وإخلاص الدين لله ـ أي إخلاص الدينونة لله وإفراده سبحانه بالربوبية، أي الحاكمية والسلطان ـ ومن ثم تصطدم اصطداماً مباشراً بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية؛ وتصبح بذاتها خطراً على وجود الجاهلية. وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص، يأخذ أفراده من التجمع الجاهلي؛ وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد، ومن ناحية القيادة، ومن ناحية الولاء.. الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان.. وعندما يشعر التجمع الجاهلي ـ بوصفه كياناً عضوياً واحداً متسانداً ـ بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية؛ كما يتهدد وجوده ذاته بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجهه له.. فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام! إنها معركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام! المعركة بين تجمعين عضويين كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تماماً للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر. فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة، أو تعدد الأرباب، ومن ثم يدين فيه العباد للعباد. والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية؛ ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد.. ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي، في أول الأمر وهو في دور التكوين، ثم بعد ذلك لا بد له من مواجهة التجمع الجاهلي لتسليم القيادة منه، وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده.. لما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح، فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام.. ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام!.. إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح؛ ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد! * وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام!..إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة؛ وكذلك لم يخدع الرسل الكرام ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة.. {وقال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنـكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا}.. فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص. إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم، ويندمجوا في تجمعهم، ويذوبوا في هذا التجمع. أو أن يطردوهم بعيداً وينفوهم من أرضهم.. ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي، ولا أن يذوبوا فيه، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص.. هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي.. ولم يقولوا ـ كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام.. ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات ـ: حسناً! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم!!! إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي، لا بد ان يتبعه حتماً تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه.. وليس في ذلك اختيار.. إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات.. هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساساً بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده؛ وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسطان. كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في الجاهلية خادماً للتجمع الجاهلي لا خادماً لإسلامه كما يظن الأغرار! ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال. وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين؛ والفصل بينهم وبين قومهم بالحق، لا يقع ولا يكون، إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم؛ وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم.. فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي، ذائبون في أوضاعه عاملون في تشكيلاته.. وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد الله بالنصر والتمكين.. وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى الله، وهم واعون مقدرون.. * وأخيراً.. نقف أمام الجمال الباهر الذي يعرض فيه القرآن الكريم موكب الإيمان، وهو يواجه الجاهلية الضالة على مدار الزمان.. جمال الحق الفطري البسيط الواضح العميق، الواثق المطمئن، الرصين المكين: {قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض، يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسـمـى}... {قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم، ولـكن الله يمن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. ما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون}.. وهذا الجمال الباهر إنما ينشأ من هذا العرض الذي يجعل الرسل موكباً موحداً في مواجهة الجاهلية الموحدة؛ ويصور الحقيقة الباقية من وراء الملابسات المتغيرة؛ ويبرز المعالم المميزة للدعوة التي يحملها الرسل وللجاهلية التي تواجههم، من وراء الزمان والمكان، ومن وراء الأجناس والأقوام! ثم يتجلى هذا الجمال في كشف الصلة بين الحق الذي تحمله دعوة الرسل الكرام، والحق الكامن في كيان هذا الوجود: {قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟}.. {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا؟}.. {ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز}.. وهكذا تتجلى العلاقة العميقة بين الحق في هذه الدعوة، والحق الكامن في الوجود كله. ويبدو أنه حق واحد موصول بالله الحق، ثابت وطيد عميق الجذور: {كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}.. وأن ما عداه هو الباطل الزائل {كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}.. كذلك يتمثل ذلك الجمال في شعور الرسل بحقيقة الله ربهم؛ وفي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب تلك العصبة المختارة من عباده: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون}.. وكلها لمحات من ذلك الجمال الباهر لا يملك التعبير البشري إلا أن يشير إليها كما يشار إلى النجم البعيد، لا تبلغ الإشارة مداه، ولكنها فقط تلفت العين إلى سناه...
ابن عاشور
تفسير : {الۤر}. تقدم الكلام عى الحروف المقطعة في فاتحة سورة البقرة وعلى نظير هذه الحروف في سورة يونس. {كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} الكلام على تركيب {الۤر كتاب أنزلته إليك} كالكلام على قوله تعالى: { أية : المص كتاب أنزل إليك } تفسير : [سورة الأعراف: 1 - 2] عدا أن هذه الآية ذكر فيها فاعل الإنزال وهو معلوم من مادة الإنزال المشعرة بأنه وارد من قبل العالم العلوي، فللعلم بمنزله حذف الفاعل في آية سورة الأعراف، وهو مقتضى الظاهر والإيجاز؛ ولكنه ذكر هنا لأن المقام مقام الامتنان على الناس المستفاد من التعليل بقوله: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}، ومن ذكر صفة الربوبية بقوله: {بإذن ربهم}، بخلاف آية سورة الأعراف فإنها في مقام الطمأنة والتصبير للنبيء ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ المنزل إليه الكتاب، فكان التعرض لذكر المنزل إليه والاقتصار عليه أهم في ذلك المقام مع ما فيه من قضاء حق الإيجاز. أما التعرض للمنزل إليه هنا فللتنويه بشأنه، وليجعل له حظ في هذه المنة وهو حظ الوساطة، كما دل عليه قوله: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}، ولما فيه من غم المعاندين والمبغضين للنبيء صلى الله عليه وسلم. ولأجل هذا المقصد وقع إظهار صفات فاعل الإنزال ثلاث مرات في قوله: {بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} بعد أن كان المقام للإضمار تبعاً لقوله: {أنزلناه}. وإسناد الإخراج إلى النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ لأنه يبلغ هذا الكتاب المشتمل على تبيين طرق الهداية إلى الإيمان وإظهار فساد الشرك والكفر، وهو مع التبليغ يبين للناس ويقرب إليهم معاني الكتاب بتفسيره وتبيينه، ثم بما يبنيه عليه من المواعظ والنذر والبشارة. وإذ قد أسند الإخراج إليه في سياق تعليل إنزال الكتاب إليه عُلِم أن إخراجه إياهم من الظلمات بسبب هذا الكتاب المنزل، أي بما يشتمل عليه من معاني الهداية. وتعليل الإنزال بالإخراج من الظلمات دل على أن الهداية هي مراد الله تعالى من الناس، وأنه لم يتركهم في ضلالهم، فمن اهتدى فبإرشاد الله ومن ضلّ فبإيثار الضال هوى نفسه على دلائل الإرشاد، وأمرُ الله لا يكون إلا لحِكم ومصالح بعضها أكبر من بعض. والإخراج: مستعار للنقل من حال إلى حال. شبه الانتقال بالخروج فشبه النقل بالإخراج. و{الظلماتُ والنور} استعارة للكفر والإيمان، لأن الكفر يجعل صاحبه في حيرة فهو كالظلمة في ذلك، والإيمان يرشد إلى الحق فهو كالنور في إيضاح السبيل. وقد يستخلص السامع من ذلك تمثيل حال المنغمس في الكفر بالمتحير في ظلمة، وحال انتقاله إلى الإيمان بحال الخارج من ظلمة إلى مكانٍ نيّر. وجمع {الظلمات} وإفراد {النور} تقدم في أول سورة الأنعام (1). والباء في {بإذن ربهم} للسببية، والإذنُ: الأمر بفعل يتوقف على رضَى الآمر به، وهو أمر الله إياه بإرساله إليهم لأنه هو الإذن الذي يتعلق بجميع الناس، كقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}. ولما كان الإرسال لمصلحتهم أضيف الإذن إلى وصف الربّ المضاف إلى ضمير الناس، أي بإذن الذي يدبر مصالحهم. وقوله: { أية : إلى صراط العزيز الحميد } تفسير : [سورة إبراهيم: 1] بدل من {النور} بإعادة الجار للمبدل منه لزيادة بيان المبدل منه اهتماماً به، وتأكيد للعامل كقوله تعالى: { أية : قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم } تفسير : في سورة الأعراف (88). ومناسبة الصراط المستعار للدين الحق، لاستعارة الإخراج والظلمات والنور ولما يتضمنه من التمثيل، ظاهرة. واختيار وصف {العزيز الحميد} من بين الصفات العُلى لمزيد مناسبتها للمقام، لأن العزيز الذي لا يُغلب. وإنزال الكتاب برهان على أحقية ما أراده الله من الناس فهو به غالب للمخالفين مقيمٌ الحجة عليهم. والحميد: بمعنى المحمود، لأن في إنزال هذا الكتاب نعمة عظيمة ترشد إلى حمده عليه، وبذلك استوعبَ الوصفان الإشارة إلى الفريقين من كل منساق إلى الاهتداء من أول وهلة ومن مجادل صائر إلى الاهتداء بعد قيام الحجة ونفاد الحيلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم: 1] الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب العظيم ليخرج به الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [الحديد: 9] وقوله {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257] الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه وقد بين تعالى هنا أنه لا يخرج أحداً من الظلمات إلى النور إلا بإذنه جل وعلا في قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} الآية وأوضح ذلك في آيات أخر كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 64] الآية وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [يونس: 100] الآية إلى غير ذلك من الآيات.
الواحدي
تفسير : {الر} أنا الله أرى. هذا {كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} من الشِّرك إلى الإِيمان {بإذن ربهم} بقضاء ربِّهم؛ لأنَّه لا يهتدي مهتدٍ إلاَّ بإذن الله سبحانه، ثمَّ بيَّن ما ذلك النُّور فقال: {إلى صراط العزيز الحميد}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- ألف. لام. راء: فى الابتداء بهذه الحروف تنبيه إلى إعجاز القرآن، مع أنه مكون من حروف يتكلمون بها، وتنبيه للاستماع. هذا المذكور فى السورة كتاب منزل إليك يا محمد من عندنا، لتخرج الناس كافة من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم بتيسير ربهم. وذلك النور هو طريق الله الغالب بالإنتقام المحمود على الأنعام 2- طريق الله الذى له كل ما فى السموات وما فى الأرض - خلْقاً ومُلْكاً - إذا كان هذا هو حال الإله الحق، فالهلاك بعذاب شديد للكافرين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الۤر: هذا أحد الحروف المقطعة تكتب الۤر وتقرأ ألف لاَمْ رَا والتفويض فيها أسلم وهو قول الله أعلم بمراده بذلك. كتاب: أي هذا كتاب عظيم. أنزلناه إليك: يا محمد صلى الله عليه وسلم. من الظلمات: أي من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان. العزيز الحميد: أي المحمود بآلائه. عن سبيل الله: أي الإِسلام. عوجاً: أي معوجَّة. بآياتنا: أي المعجزات التسع: العصا، اليد، الطوفان، الجراد، القمل، الضفادع، الدم، والطمس والسنين ونقص الثمرات. وذكرهم بأيام الله: أي ببلائه ونعمائه. معنى الآيات: قوله تعالى: {الۤر} الله أعلم بمراده وقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ} أي هذا كتاب عظيم القدر أنزلناه إليك يا رسولنا لتخرج الناس من الظلمات أي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم الشرعي، وذلك {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بتوفيقه ومعونته {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي إلى طريق العزيز الغالب الحميد أي المحمود بآلائه وافضلاته على عباده وسائر مخلوقاته {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وتصريفاً وتدبيراً، هذا هو الله صاحب الصراط الموصل إلى الإِسعاد والإِكمال البشري، والكافرون معرضون بل ويصدون عنه فويل لهم من عذاب شديد، الكافرون {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي يفضلون الحياة الدنيا فيعملون للدنيا ويتركون العمل للاخرة لعدم إيمانهم بها {وَيَصُدُّونَ} أنفسهم وغيرهم أيضاً {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي الإِسلام {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي معوجة إنهم يريدون من الإِسلام أن يوافقهم في أهوائهم وما يشتهون حتى يقبلوه ويرضوا به دينا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} إنهم بهذا السلوك المتمثل في إيثار الدنيا على الآخرة والصد عن الإِسلام، ومحاولة تسخير الإِسلام لتحقيق أطماعهم وشهواتهم في ضلال بعيد لا يمكن لصاحبه أن يرجع منه إلى الهدى، وقوله تعالى في الآية [4] من هذا السياق {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي بلغتهم التي يتخاطبون بها ويتفاهمون لحكمة أن يبين لهم، والله بعد ذلك يضل من يشاء إضلاله حسب سنته في الإِضلال ويهدي من يشاء كذلك {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب الذي لا يمانع في شيء أراده {ٱلْحَكِيمُ} الذي يضع كل شيء في موضعه فلذا هو لا يضل إلا من رغب في الإِضلال وتكلف له وأحبه وآثره، وتنكر للهدى وحارب المهتدين والداعين إلى الهدى، وليس من حكمته تعالى أن يضل من يطلب الهدى ويسعى إليه ويلتزم طريقه ويحبه ويحب أهله، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ} أي موسى نبي بني إسرائيل {بِآيَاتِنَآ} أي بحججنا وأدلتنا الدالة على رسالته والهادية إلى ما يدعو إليه وهي تسع آيات منها اليد والعصى {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي أخرج قومك من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي وقلنا له: ذكرهم بأيام الله وهي بلاؤه ونعمه إذ أنجاهم من عذاب آل فرعون وأنعم عليهم بمثل المن والسلوى، وذلك ليحملهم على الشكر لله بطاعته وطاعة رسوله، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي إن في ذلك التذكير بالبلاء والنعماء لدلالات يستدل بها على إفضال الله وإنعامه الموجب للشكر، ولكن الذين يجدون تلك الدلالات في التذكير هم أهل الصبر والشكر بل هم الكثيروا الصبر والشكر، وأما غيرهم فلا يرى في ذلك دلالة ولا علامة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إقامة الحجة على المكذبين بالقرآن الكريم، إذ هو مؤلف من الحروف المقطعة مثل الۤر وطسۤمۤ والۤـمۤ وحـمۤ، ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله بل بسورة مثله. 2- بيان أن الكفر ظلام، والإِيمان نور. 3- بيان الحكمة في إرسال الله تعالى الرسل بلغات أقوامهم. 4- تقرير أن الذي يخلق الهداية هو الله وأما العبد فليس له أكثر من الكسب. 5- فضيلة التذكير بالخير والشر ليشكر الله ويتقى. 6- فضيلة الصبر والشكر.
القطان
تفسير : {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}. الف. لام. را. لقد أنزلنا اليك يا محمد هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف لتخرجَ به البشريةَ من ظلمات الكفر والجهل الى نور الإيمان والعلم، وذلك بإذن الله وتوفيقه ولطفه بهم، وتقودهم الى الطريق الى الله. {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}. إن العزيزَ الحميد هو الله، مالكُ ما في السماوات وما في الأرض، الغنيُّ عن الناس، والمسيطر على الكون وما فيه، والويل والعذاب للكافرين يوم القيامة لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الرسول الكريم. ثم وصف الله أولئك الكافرين بصفات ثلاث. الأولى: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ}. يختارون الحياة الدنيا ومتعها ولذّاتِها دون ان يعملوا لآخرتهم شيئا. والثانية: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّه} يمنعون الناس عن شريعة الله. والثالثة: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} ويريدون ان تكون الشريعة معوجّة لا استقامة فيها لينفّروا الناس منها. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} اولئك الموصوفون بهذه الصفات قد ضلّوا عن الحق، وبعُدوا عن الطريق المستقيم. قراءات: قرأ نافع وابن عامر: "الله" بالرفع، والباقون" الله" بالجر كما هو في المصحف. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. وفي ذلك نعمةٌ من الله واحسانٌ إلى عباده، فهو يرسل كل رسول الى قومه بلسانهم الذي يفهمونه، وليس على الرسول هدايتُهم، فالله تعالى يضلّ من يشاء لعدم استعداده، ويهدي من يشاء لحسن استعداده، وهو العزيز الحكيم، فلا يهدي ولا يُضل الا لحكمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابٌ} {أَنزَلْنَاهُ} {ٱلظُّلُمَاتِ} {صِرَاطِ} (1) - أَلِفْ. لاَمْ. رَا. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هذا القُرْآنُ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لِتُخْرِجَ بِهِ النَّاسَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ وَالضَّلالِ، إِلَى نُورِ الهُدَى وَالرَّشَادِ وَالإِيمَانِ، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ وَتَوْفِيقِهِ، فَمَنْ قَدَّرَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ أَرْسَلَ نُوراً يَهْدِي قَلْبَهُ فَيَهْتَدِي إِلى طَرِيقِ اللهِ العَزِيزِ الذِي لاَ يُمَانَعُ وَلاَ يُغَالَبُ، المَحْمُودِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَشَرْعِهِ، الصَّادِقِ فَي خَبَرِهِ. بِإِذْنِ رَبِّهِمْ - بِتَيْسِيرِهِ وَتَوْفِيقِهِ لَهُمْ، أَوْ بِأَمْرِهِ. العَزِيزِ - الغَالِبِ الذِي لاَ مَثِلَ لَهُ. الحَمِيدِ - المَحْمُودِ المُثْنَى عَلَيهِ.
الثعلبي
تفسير : {الۤر} ابتدأ {كِتَابٌ} خبره وإن قلت هذا كتاب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} يا محمد يعني القرآن {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} لتدعوهم [إليه] {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ} الضلالة والجهالة {إِلَى ٱلنُّورِ} العلم والإيمان {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} بتوفيق ربهم إياهم ولطفه بهم {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. قرأ أهل المدينة والشام: الله، برفع الهاء على الاستئناف وخبره: «الذي» وقرأ الآخرون: بالخفض نعتاً للعزيز الحميد. وقال أبو عمر: بالخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. كقول القائل مررت بالظريف عبد الله شعر : لو كنت ذانبل وذا شريب ماخفت شدات الخبيث الذيب تفسير : وكان يعقوب بن إسحاق الحضرمي إذا وقف على الحميد رفع قوله {ٱللَّهِ} وإذا وصل خفض على النعت {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} يختارون الحياة الدنيا {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ويضربون ويميلون الناس عن دين الله {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} ويطلبونها زيغاً وقيلا، والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرض كلا لم يكن قائماً. والعوج بفتح العين في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ونحوهما {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} بلغتهم ليفهموا لبنية، بيانه قوله {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} بالدعوة {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}. قال ابن عباس وأُبي بن كعب ومجاهد وقتادة: بنعم الله. قال مقاتل: بوقائع الله في الأُمم السالفة وما كان في أيام الله الخالية من النقمة والمحنة فاجتزأ بذكر الأيام عنه؛ لأنها كانت معلومة عندهم. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. قال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن؛ لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين وأفعالهم إلى قوله تعالى {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}. قال الفراء: العلّة الجالبة لهذه الواو إن الله تعالى أخبرهم إن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير الذبح والتذبيح وإن طرح الواو في قوله ويذبحون ويقتلون فإنه أراد تفسير صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يتركونهن حبالى لأنفسهنّ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم"تفسير : أي دعوا شبانهم أحياء {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} أي أعلم ودليله قراءة عبد الله بن مسعود وإذ قال ربكم به وأذن ويأذن بمعنى واحد مثل أوعد وتوعد. {لَئِن شَكَرْتُمْ} نعمتي وآمنتم وأطعتم {لأَزِيدَنَّكُمْ} في النعمة قال ابن عيينة: الشكر بقاء النعمة ومن الزيادة ومرضاة المؤمن، وقيل الشكر قيد للموجود وقيد للمفقود. {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} نعمتي فصددتموها ولم تشكروها. {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} إلى قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ} عن خلقه {حَمِيدٌ} محمود في أفعاله لأنه فيها سيفصل أو يعدل.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هكذا يستهل الحق سبحانه هذه السورة بالحروف المقطعة "ألف" "لام" "راء"، وسبق أن قلنا: إنها حروف توقيفية بلَّغها رسول الله لنا كما سمعها من جبريل عليه السلام. إلا أن المُلاحَظ أن هذه الحروف التوقيفية المُقطَعة لم تَأْتِ وحدها في هذه السورة كآية منفصلة؛ مثل قوله في أول سورة ق: {أية : قۤ} تفسير : [ق: 1]. وهي آية بمفردها، وكما جاء في غير ذلك من السور بحروف مقطعة وأثبتها كآيات. وهنا تأتي الحروف التوقيفية المقطعة كجزء من الآية. ويقول الحق سبحانه: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ..} [إبراهيم: 1]. كلمة "كتاب" إذا أطلقت انصرف معناها إلى القرآن؛ فهو يُسمَّى كتاباً؛ ويُسمَّى قرآناً، ويُسمَّى تنزيلاً، وله أسماء كثيرة. وكلمة "كتاب" تدل على أنه مكتوب، وكلمة "قرآن" تدل على أنه مقروء، وهذان الاسمان هما العُمْدة في أسماء القرآن؛ لأنه كتاب مكتوب ومقروء. فكان الصحابي الذي يجمع القرآن لا يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة، ووجدها مَقْروءة عن اثنين من الصحابة؛ فالقرآن كتاب يملك الدليل على كتابته من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو مَقْروء كما تدلُّ كلمة "قرآن". وقوله الحق: {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ..} [إبراهيم: 1]. يدلُّ على أنه جاء من عُلُوٍّ. ويقول الحق سبحانه في موقع آخر عن القرآن: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [النحل: 89]. ويقول في موقع آخر: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} تفسير : [الإسراء: 105]. ومرة يسند النزول إلى مَنْ جاء به؛ ومرة ينسب النزول إلى الكائن الذي أرسله الحق بالقرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل عليه السلام. فقوله: {أَنزَلْنَاهُ ..} [إبراهيم: 1] للتعدي من منطقة اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود، وعِلِّيّة إنزال القرآن إليك يا محمد هي: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..} [إبراهيم: 1]. ونلحظ هنا أن القرآن نزل للناس كافَّة، ولم يَقُلِ الحقُّ سبحانه ما قاله للرسُل السابقين على رسول الله؛ حيث كانت رسالة أيٍّ منهم مُحدَّدة بقوم مُعيَّنين، مثل قوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ..} تفسير : [الأعراف: 65]. وقوله الحق: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ..} تفسير : [الأعراف: 85]. وكذلك قوله سبحانه لموسى: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ..} تفسير : [آل عمران: 49]. وهكذا كان كُلُّ رسول إنما يبعثه الله إلى بُقْعة خاصة، وإلى أُنَاسٍ بعينهم، وفي زمن خاصٍّ، إلا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فقد بعثه الله إلى الناس كَافَّة. والمثل أمامنا حين حكم صلى الله عليه وسلم بالحق بين مسلم ويهودي؛ وأنصف اليهودي: لأن الحق كان معه؛ والحق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أعزُّ عليه مِمَّنْ ينتسب إلى الإسلام. وهكذا نرى أن قوله الحق: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..} [إبراهيم: 1]. دليل على عمومية الرسالة، ويُعزِّزها قوله: {أية : إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ..} تفسير : [الأعراف: 158]. وبذلك تبطل حُجَّة مَنْ قالوا إنه مُرْسَلٌ للعرب فقط. ونجد هنا اصطفاءين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. الاصْطفاء الأول: أن الحق سبحانه قد اختاره رسولاً؛ فمجرد الاختيار لتلك المهمة: فهذه منزلة عالية. والاصْطفاء الثاني: أنه رسولٌ للناس كَافَّة؛ وهذه منزلة عالية أخرى؛ لأنها تستوعب المكان والزمان، والألسنة والأقوام. ثم يأتي الإعجاز في قوله: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..} [إبراهيم: 1]. ولم يَقُلْ من الظلمات إلى الأنوار، وشاء أنْ يأتي بالظلمات كجمْع؛ وأنْ يأتي بالنور كالمفرد، لأن النور واحد لا يتعدد؛ أما الظلمات فمتعددة بتعدُّد الأهواء؛ ظُلْمة هنا وظُلْمة هناك. وحين يُخرِجنا الحقُّ سبحانه من الظلمات المتعددة حَسْب أهواء البشر؛ فهذا فَضْلٌ منه ونعمة؛ لأننا نخرج إلى النور الواحد. وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يُجلي المعاني بالمُحسَّات التي يدركها الجميع، فلا شك أن الظُّلْمة تستر الأشياء التي قد يصطدم بها الإنسان فيمتنع عن السير مطمئناً؛ لأنه إنِ اصطدم بشيء فقد يُحطِّم الشيء أو يُحطِّمه هذا الشيء؛ وهكذا تمنع الظُّلْمة الإنسان من أن يهتدي إلى ما يريد. أما النور فهو يوضح الأشياء، ويستطيع الإنسان أن يُميِّز بين الطرق ويتجنب الضار ويتجه إلى النافع؛ ويكون على بصيرة من الهداية؛ ذلك هو الأمر الحِسيّ؛ وكُلٌّ من النور والظلمة أمرٌ حِسي. وهكذا يُجلِّي الله لنا المعاني، والحياة لا تحتاج فقط إلى ما يُجلي المظاهر المادية بالنور؛ بل تحتاج أيضاً إلى نور يُجلي المظاهر المعنوية؛ من حقد وحسد، وخوف وأمن، واطمئنان، وأمانة ووفاء؛ وغير ذلك. فالحياة كلها فيها الشيء وما يقابله؛ لذلك لا بُدَّ أن تُجْلَي المعاني أيضاً. والنور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجلي الحِسّ والمعنى في آنٍ واحد؛ لنتجنب الأشياء التي تطمسها الظُّلْمة؛ ولنسير على بينة من المعاني، فلا نصطدم بالعقبات. ولذلك يُفسِّر لنا الحق سبحانه الأمر المعنوي، فيقول: {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]. وهذا هو الصراط المستقيم الذي يُخرجنا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الظلمات إلى نوره. ويريد الحق سبحانه أنْ يُجلي لنا الطريق إلى هذا الصراط، لأنه قد يكون مُتعِباً للبعض؛ فيريد سبحانه أن يجمع لنا بين أمرين؛ طريق متضح واضح يَصِل فيه الإنسان إلى الغاية بِيُسْر؛ وطريق آخر غير واضح لا تتجلى فيه الأشياء. وجاء بالظلمات والنور ليوضح لنا هذا المعنى؛ حيث يكون الطريق المستقيم هو أقصر وسيلة للغاية المَرجُوّة من الحياة الدنيا والآخرة؛ ويكون طريق الظلمات هو الطريق غير الآمن. وينسب الحق سبحانه الطريق الذي يُخرِجنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]. والعزيز هو الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب. والحميد هو مَنْ ثبتت له صفة الحمد من الغير، وإنْ لَم يصدر حَمْدٌ من الغير؛ فهو حميد في ذاته، ويجب أن يُحمد رغم أنك إن حمدتَه أو لم تحمده فهو حميد. ولله المَثلُ الأعلى، وسبحانه مُنَزَّه عن كل مثيل أو شبيه؛ نجد في حياتنا الدنيا مَنْ يُقال عنه إنه حميد الخصال؛ وإنْ لم يوجد مَنْ يمدحه؛ لكنه في كُلِّ ما يصدر عنه يراعي أن يكون محموداً. ولكن البشر يكون المحمود منهم حَدثاً؛ أما المحمود من الحق فهو مُطْلق، ولا تكون الذاتُ محمودة أو حميدة إلا إذا كان لها من الصفات ما يجعلها أهلاً للإنعام الذي يجب على الإنسان أن يحمده. والفطرة السليمة في الإنسان تستقبل هذا الكون المُعَدّ من قَبْل أنْ يوجد لاستقباله، وتحب أن تحمد مَنْ صنع هذا الكون، رغم أن حَمْد الإنسان أو عدم حَمْده لا يضيف شيئاً لِمَنْ أعدَّ هذا الكون وخلقه؛ فهو محمود في ذاته. وإن حمدته فهذا لمصلحتك؛ وفي هذا هداية إلى صراط العزيز الذي لا يُغْلب، والحميد الذي يستحق الحمد؛ وإنْ لم يوجد حامد له؛ لأن صفاته سبحانه أزلية. فالله خالق قبل أن يخلق الخلق؛ وهو الرازق قبل أن يُخْلق المرزوق، وهو مُعِز قبل أن يوجد مَنْ يُعِزه؛ محمود قبل أنْ يوجد مَنْ يحمده؛ توَّاب قبل أن يوجد مَنْ يتوب عليه. فهو سبحانه بالصفة يفعل؛ أما الإنسان فلا يفعل إلا إذا فعل الصفة، فأنت لا تعرف أن فلاناً كريم؛ إلا لأنك تراه يعطي عن جُودٍ وسَخاء، أما الله فهو الكريم من قبل أن يوجد مَنْ يُكرمه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {وَيْلٌ} هلاكٌ ودمار {يَسْتَحِبُّونَ} يختارون ويفضّلون {يَسُومُونَكُمْ} يذيقونكم يقال: سامه الذلُّ أي أذاقه الذل {تَأَذَّنَ} أعلم إِعلاماً لا شبهة فيه {نَبَأُ} النبأ: الخبر وجمعه أنباء {سُلْطَانٍ} حجة وبرهان {فَاطِرِ} مبدع ومخترع {ٱسْتَفْتَحُواْ} استنصروا على أعدائهم {جَبَّارٍ} الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحدٍ عليه حقاً {عَنِيدٍ} العنيد: المعاند للحق والمجانب له الذي يذهب عن طريق الحق، تقول العرب: شرُّ الإِبل العَنُود {صَدِيدٍ} الصديد: القيح الذي يسيل من أجساد أهل النار {يَتَجَرَّعُهُ} أي يتحسّاه ويتكلف بلعه بمرارة {يُسِيغُهُ} يبتلعه. التفسِير: {الۤر} هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة فأتوا بمثله إِن استطعتم {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أي هذا القرآن كتاب أنزلناه عليك يا محمد، لم تنشئْه أنت وإِنما أوحيناه نحن إِليك {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إِلى نور العلم والإِيمان {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره وتوفيقه {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي لتهديهم إلى طريق الله العزيز الذي لا يُغالب، المحمود بكل لسان، الممجَّد في كل مكان {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي المالك لما في السماوات والأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال الزجاج: {وَيْلٌ} كلمة تُقال للعذاب والهلكة، أي هلاك ودمارٌ للكافرين ويا ويلهم من عذاب الله الأليم، ثم وضّح صفات أولئك الكفار بقوله {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} أي يفضّلون ويؤثرون الحياة الفانية على الحياة الآخرة الباقية {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يصرفون الناس ويمنعونهم عن دين الإسلام {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي يطلبون أن تكون دين الله معوجَّة لتوافق أهواءهم {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة في ضلالٍ عن الحق مبين، لا يُرجى لهم صلاح ولا نجاح {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي وما أرسلنا في الأمم الخالية رسولاً من الرسل إِلا بلغة قومه {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} أي ليبيّن لهم شريعة الله ويفهمهم مراده، لتتمَّ الغاية من الرسالة {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي وليست وظيفة الرسل إلا التبليغ وأما أمر الهداية والإِيمان فذلك بيد الله يضلُّ من يشاء إِضلاله، ويهدي من يشاء هدايته على ما سبق به قضاؤه المحكم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} أي أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أن تفسيرية بمعنى أيْ والمعنى أي أخرج بني إِسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إِلى نور الإِيمان والتوحيد قال أبو حيان: وفي قوله {قَوْمَكَ} خصوصٌ لرسالة موسى إِلى قومه بخلاف قوله لمحمد {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} مما يدل على عموم الرسالة {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي ذكّرهم بأياديه ونعمه عليهم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي في التذكير بأيام الله لعبراً ودلالات لكل عبد منيب صابر على البلاء، شاكر للنعماء {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا نعم الله الجليلة عليكم {إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي حين نجاكم من الذل والاستعباد من فرعون وزبانيته {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي يذيقونكم أسوأ أنواع العذاب {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} أي يذبحون الذكور ويستبقون الإِناث على قيد الحياة مع الذل والصغار {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} أي وفي تلك المحنة ابتلاءٌ واختبار لكم من ربكم عظيم قال المفسرون: وكان سبب قتل الذكور أن الكهنة قالوا لفرعون إِنَّ مولوداً يولد في بني إِسرائيل يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل كل مولود {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} هذا من تتمة كلام موسى أي واذكروا أيضاً حين أعلم ربكم إِعلاماً لا شبهة فيه لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أي ولئن جحدتم نعمتي بالكفر والعصيان فإِن عذابي شديد، وعدَ بالعذاب على الكفر، كما وعَدَ بالزيادة على الشكر {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي وقال موسى لبني إِسرائيل بعد أن أيس من إِيمانهم لئن كفرتم أنتم وجميع الخلائق فلن تضروا اللهَ شيئاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي هو غنيٌّ عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته وهو المحمود وإِن كفره من كفره {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} أي ألم يأتكم أخبار من قبلكم من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ماذا حلَّ بهم لما كذبوا بآيات الله؟ {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} أي والأمم الذين جاءوا بعدهم {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يحصي عددهم إلا الله {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج الواضحات، والدلائل الباهرات {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} أي وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيباً لهم وقال ابن مسعود: عضوا أصابعهم غيظاً {وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي في شك عظيم من دعوتكم، وقلق واضطراب من دينكم {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ} أي أجابهم الرسل بقولهم: أفي وجود الله ووحدانيته شك؟ والاستفهام للإِنكار والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة ولهذا لفتوا الانتباه إِلى براهين وجوده بقولهم {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي يدعوكم إِلى الإِيمان ليغفر لكم ذنوبكم {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} أي إِن آمنتم أمدَّ في أعماركم إِلى منتهى آجالكم ولم يعاقبكم في العاجل فيهلككم {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي ما أنتم إِلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} أي تريدون أن تصرفونا عن عبادة الأوثان التي كان عليها آباؤنا {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي فأتونا بحجة ظاهرة على صدقكم {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي قالت الرسل: نحن كما قلتم بشر مثلكم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي يتفضل على من يشاء بالنبوة والرسالة قال الزمخشري: لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم وسلّموا لقولهم وأنهم بشرٌ مثلُهم في البشرية وحدها، فأمّا ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي وما ينبغي لنا أن نأتيكم بحجة وآية مما اقترحتموه علينا إِلا بمشئية الله وإِذنه {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي على الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} أي قالت الرسل: أيُّ شيء يمنعنا من التوكل على الله؟ {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي والحال أنه قد بصّرنا طريق النجاة من عذابه {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} أي ولنصبرنَّ على أذاكم قال ابن الجوزي: وإِنما قُصَّ هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} ليس هذا تكراراً وإِنما معناه الثبات على التوكل أي فليدوموا وليثبتوا على التوكل عليه وحده، وهنا يسفر الطغيان عن وجهه متبجحاً بالقوة المادية التي يملكها المتجبرون {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي قال الكفار للرسل الأطهار والله لنطردنكم من ديارنا أو لترجعنَّ إِلى ديننا {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ} أي أوحى الله إِلى الرسل لأهلكنَّ أعداءكم الكافرين المتجبرين {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} أي ولأمنحنكم سكنى أرضهم بعد هلاكهم {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} أي ذلك النصر للرسل وإِهلاك الظالمين لمن خاف مقامه بين يديَّ وخاف عذابي ووعيدي قال في البحر: ولما أقسموا على إِخراج الرسل أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إِهلاكهم، وأي إِخراجٍ أعظم من الإِهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إِليها أبداً {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي واستنصر الرسل بالله على قومهم وخسر وهلك كل متجبر معاند للحق {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي من وراء ذلك الكافر جهنم ويسقى فيها من ماءٍ صديد هو من قيح ودمٍ {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته، ولا يكاد يستسيغه لقبحه وكراهته {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي يأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنَّه لا يموت ليستكمل عذابه {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي ومن بين يديه عذابٌ أشدُّ مما قبله وأغلظ. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة أنواعاً من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة في {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} حيث استعار الظلمات للكفر والضلال، والنور للهدى والإِيمان، وكذلك {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ} استعارة عن غواشي الكروب وشدائد الأمور، فقد يوصف المغموم بأنه في غمرات الموت مبالغة في عظيم ما يغشاه وأليم ما يلقاه. 2- الطباق بين {يُضِلُّ ويَهْدِي} وبين {شَكَرْتُمْ وكَفَرْتُمْ} وبين {نُخْرِجَنَّ وتَعُودُنَّ}. 3- صيغة المبالغة في {صَبَّارٍ شَكُورٍ} وفي {جَبَّارٍ عَنِيدٍ}. 4- جناس الاشتقاق في {أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} وفي {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}. 5- السجع في {شَدِيدٍ}، {بَعِيدٍ}، {عَنِيدٍ} الخ. فَائِدَة: ذكر تعالى في البقرة {أية : يُذَبِّحُونَ}تفسير : [الآية: 49] بغير واوٍ وهنا {وَيُذَبِّحُونَ} بالواو، والسرُّ في ذلك أنه في سورة البقرة جاء اللفظ تفسيراً لما سبق من قوله {أية : سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [البقرة: 49] فكأنه قال يسومونكم سوء العذاب ثم فسره بقوله {أية : يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}تفسير : [البقرة: 49] أما في هذه السورة فهو غير تفسير لأن المعنى أنهم يعذبونهم بأنواع من العذاب وبالتذبيح أيضاً فهو نوع آخر من العذاب غير الأول والله أعلم.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} الآية، هذه السورة مكية كلها في قول الجمهور وعن ابن عباس وقتادة هي مكية إلا من قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ}تفسير : [إبراهيم: 28] إلى النار. وارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح جداً لأنه ذكر فيها ولو ان قرآناً ثم قال: وكذلك أنزلناه حكماً عربياً، ومن عنده علم الكتاب فناسب هذا قوله: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ}. وأيضاً فإِنهم لما قالوا على سبيل الاقتراح لولا أنزل عليه آية من ربه وقيل له: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} تفسير : [الرعد: 27] أنزل: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} كأنه قيل: أو لم يكفهم من الآيات كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات هي الضلال إلى النور وهو الهدى. كتاب خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا كتاب أنزلناه جملة في موضع الصفة لتخرج متعلق بأنزلناه وهي لام العلة من الظلمات متعلق بتخرج إلى النور متعلق بتخرج أيضاً. {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} بدل من قوله: إلى النور وأعيد معه حرف الجر وهو إلى كما تقول: مررت بزيد بأخيك وقرىء: الله بالجر على البدل أو عطف بيان وقرىء: بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ أي هو الله. وويل مبتدأ خبره للكافرين ومن عذاب في موضع الصفة لويل ولا يضر الفصل بالخبر بين الصفة والموصوف ولا يجوز أن يكون متعلقاً بويل لأنه مصدر ولا يجوز الفصل بين المصدر وما يتعلق به الخبر ويظهر من كلام الزمخشري أنه ليس في موضع الصفة قال: فإِن قلت ما وجه اتصال قوله: من عذاب شديد، بالويل قلت: لأن المعنى أنهم يولون من عذاب شديد ويضجون منه ويقولون: يا ويلاه لقوله تعالى: {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}تفسير : [الفرقان: 13]. "انتهى". فظاهره يدل على تقدير عامل يتعلق به من عذاب شديد ويحتمل هذا العذاب أن يكون واقعاً بهم في الدنيا أو واقعاً بهم في الآخرة والاستحباب الإِيثار والاختيار وهو استفعال من المحبة لأن المؤثر للشىء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من الآخر ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب وأجاب ولما ضمن معنى الإِيثار عدي بعلى وجوزوا في إعراب الذين ان يكون مبتدأ خبره أولئك في ضلال بعيد وان يكون مقطوعاً على الذم أما خبره مبتدأ محذوف أي هم الذين واما منصوباً بإِضمار فعل تقديره أذم وان يكون صفة للكافرين ونص على هذا الوجه الأخير الحوفي والزمخشري وأبو البقاء وهو لا يجوز لأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي منهما وهو قوله: من عذاب شديد سواء أكان من عذاب شديد في موضع الصفة لويل أم متعلقاً بفعل محذوف أي يضجون ويولولون من عذاب شديد وتقدم الكلام على ويبغونها عوجاً، آل عمران. وعلى وصف الضلال بالبعد. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} الآية، سبب نزولها أن قريشاً قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي فنزلت والظاهر أن قوله: وما أرسلنا من رسول العموم فيندرج فيه الرسول عليه السلام فإن كانت الدعوة عامة للناس كلهم أو اندرج في اتباع ذلك الرسول من ليس من قومه كان من لم تكن لغته لغة ذلك الرسول موقوفاً على تعلم تلك اللغة حتى يفهمها أو يرجع في تفسيرها إلى من يعلمها. و{أَنْ أَخْرِجْ} يحتمل أن تكون ان مفسرة بمعنى أي وان تكون أن مفسرة بمعنى أي تكون مصدرية وفي قوله: قومك خصوص لرسالته إلى قومه بخلاف قوله: لتخرج الناس. والظاهر أن قومه هم بنو إسرائيل. {وَذَكِّرْهُمْ} معطوف على قوله: اخرج قومك والإِشارة بقوله: ان في ذلك إلى التذكير بأيام الله وصبار وشكور صفتا مبالغة وهما مشعرتان بأن أيام الله المراد بها بلاؤه ونعماؤه أي صبار على بلائه شكور لنعمائه. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} الآية، لما تقدم أمره تعالى لموسى عليه السلام بالتذكير بأيام الله ذكرهم بما أنعم عليهم من نجاتهم من آل فرعون وفي ضمنها تعداد شىء مما جرى عليهم من نقمات الله وتقدم إعراب إذ في نحو هذا التركيب في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً}تفسير : [آل عمران: 103] وتقدم تفسير نظير هذه الآية إلى أن هنا ويذبحون بالواو وفي البقرة بغير واو وفي الأعراف يقتلون، فحيث لم يؤت بالواو جعل الفعل تفسيراً لقوله: يسومونكم، وحيث أتى بها دل المغايرة وان سوء العذاب كان بالتذبيح وبغيره، وحيث جاء يقتلون جاء باللفظ المطلق المحتمل للتذبيح ولغيره من أنواع القتل. وتقدم شرح تأذن وتلقيه بالقسم في قوله في الأعراف: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الآية: 167]، واحتمل إذ أن يكون معطوفاً على إذ أنجاكم لأن هذا الاعلام بالمزيد على الشكر من نعمه تعالى والظاهر أن متعلق الشكر هو الانعام أي لئن شكرتم انعامي لأزيدنكم ولئن كفرتم أي نعمتي فلم تشكروها رتب العذاب الشديد على كفر نعمه تعالى ولم يبين محل الزيادة فاحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما وجاء التركيب على ما عهد في القرآن من أنه إذا ذكر الخير أسند إليه تعالى وإذا ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته إليه فقال: لأزيدنكم، ونسب الزيادة إليه تعالى وقال: إن عذابي لشديد، ولم يأت التركيب لأعذبنكم وصرح في لأزيدنكم بالمفعول وهنا لم يذكر وان كان المعنى عليه أي ان عذابي لكم شديد وجواب ان تكفروا محذوف لدلالة المعنى عليه التقدير فإِنما ضرر كفركم لاحق بكم والله تعالى متصف بالغنى المطلق والحمد سواء كفروا أم شكروا وفي خطابه لهم تحقير لشأنهم وتعظيم لله تعالى وكذلك في ذكر هاتين الصفتين. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية، الظاهر أن هذا خطاب موسى عليه السلام لقومه وقيل ابتداء خطاب من الله لهذه الأمة وخبر قوم نوح وعاد وثمود قد قصه الله في كتابه وتقدم في الاعراف وهود الهمزة في ألم للتقرير والتوبيخ والظاهر أن والذين في موضع خفض عطفاً على ما قبله أما على قوم نوح وعاد وثمود. قال الزمخشري: والجملة من قوله: لا يعلمهم إلا الله اعتراض والمعنى أنهم في الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. "انتهى". وليست الجملة اعتراض لأن جملة الاعتراض تكون بين جزءين يطلب أحدهما الآخر. وقال أبو البقاء تكون هذه الجملة حالاً من الضمير في من بعدهم فإِن عني من الضمير المجرور في من بعدهم فلا يجوز لأنه حال مما جر بالإِضافة وليس له محل إعراب من رفع أو نصب وان عني من الضمير المستقر في الجار والمجرور النائب عن العامل أمكن. وقال أبو البقاء أيضاً: ويجوز أن يكون مستأنفاً وكذلك جاءتهم. وأجاز الزمخشري وتبعه أبو البقاء أن يكون والذين مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلا الله. وقال الزمخشري: والجملة من المبتدأ والخبر وقعت اعتراض. "انتهى". وليست باعتراض لأنها لم تقع بين جزءين يطلب أحدهما الآخر والضمير في جاءتهم عائد على الذين من قبلكم والجملة تفسيرية للنبأ والظاهر أن الأيدي هي الجوارح وأن الضميرين في أيديهم وفي أفواههم عائدان على الذين جاءتهم الرسل. وقالوا: وإنا كفرنا بادروا أولاً إلى الكفر وإلى التكذيب المحض ثم أخبروا أنهم في شك وهو التردد كأنهم نظروا بعض نظر اقتضى ان انتقلوا من التكذيب المحض إلى التردد أو هما قولان من طائفتين طائفة بادرت بالتكذيب والكفر وطائفة شكت والشك في مثل ما جاءت به الرسل عليهم السلام كفر. ومريب صفة توكيدية ودخلت همزة الاستفهام الذي معناه الإِنكار على الظرف على الجار الذي هو خبر على المبتدأ لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه وقدر مضاف فقيل أفي إلاهيته أو في وحدانيته ثم نبههم على الوصف الذي يقتضي أن لا يقع فيه شك البتة وهو كونه منشىء العالم وموجده فقال: {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وفاطر صفة لله ولا يجوز الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ فيجوز أن تكون في الدار زيد الحسنة وان كان أصل التركيب في الدار الحسنة زيد ولما ذكر تعالى أنه موجد العالم ونبه على الوصف الذي لا يناسب أن يكون معه في شك ذكره ما هو عليه من اللطف بهم والإِحسان إليهم فقال: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ} أي يدعوكم إلى الإِيمان كما قال: إذ تدعون إلى الإِيمان أو يدعوكم لأجل المغفرة نحو دعوته لينصرني وتقدم الكلام في طرف من هذا في الاعراف في قوله: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} تفسير : [الأعراف: 34]، وقيل هنا: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} قبل الموت ولا يعاجلكم بالعذاب ومعنى مسمى أي قد سماه وبين مقداره. {إِنْ أَنتُمْ} أي ما أنتم. {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} لافضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا والظاهر أن طلبهم السلطان المبين وقد أتتهم الرسل بالبينات إنما هو على سبيل التعنت والاقتراح وإلا فما أتوا به من الدلائل والآيات كان لمن استبصر ولكنهم قلدوا آباءهم فيما كانوا عليه من الضلال ألا ترى انهم لما ذكروا أنهم مماثلوهم قالوا: {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا} عما كان يعبد آباؤنا أي ليس مقصودكم إلا أن نكون لكم تبعاً ونترك ما نشأنا عليه من دين آبائنا. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ} الآية، سلموا لهم في أنهم مماثلوهم في البشرية وحدها وأما ما سوى ذلك من الأوصاف التي اختصوا بها فلم يكونوا مثلهم ولم يذكروا ما هم عليه من الوصف الذي تميزوا به تواضعاً منهم ونسبة ذلك إلى الله تعالى لم يصرحوا بمنّ الله عليهم وحدهم ولكن أبرزوا ذلك في عموم من يشاء من عباده والمعنى عين بالنبوة على من يشاء تنبئته ومعنى بإِذن الله بتسويغه وإرادته أي الآية التي اقترحوها ليس لنا الاتيان بها ولا هي في استطاعتنا ولذلك كان التركيب وما كان لنا وإنما ذلك أمر متعلق بالمشيئة وفليتوكل أمر منهم للمؤمنين بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً وأمروها به كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجري علينا منكم الا ترى إلى قولهم وما لنا إلا نتوكل على الله ومعناه وأي عذر لنا في أن لا نتوكل على الله وقد هدانا فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل واحد منا سبيله الذي يجب سلوكه في الدين والأمر الأول وهو قوله: فليتوكل المؤمنون لاستحداث التوكل. والثاني للثبات على ما استحدثوا من توكلهم. {وَلَنَصْبِرَنَّ} جواب قسم ويدل على ما سبق ما يجب في الصبر وهو الأذى وما مصدرية وجوزوا أن يكون بمعنى الذي والضمير محذوف أي ما آذيتموناه وكان أصله به فهل حذف به أو الباء فوصل الفعل إلى الضمير قولان. {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ} أقسموا على أنه لا بد من إخراجهم أو عودهم في ملتهم كأنهم قالوا: ليكونن أحد هذين ولما أقسموا هم على إخراج الرسل أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إهلاكهم وأي إخراج أعظم من الإِهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إليها أبداً وعلى إسكان الرسل ومن آمن بهم وذرياتهم أرض أولئك المقسمين على إخراج الرسل والإِشارة بذلك إلى توريث الأرض الأنبياء ومن آمن بهم بعد إهلاك الظالمين كقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الأعراف: 128] . ومقام يحتمل المصدر أي قيامي عليه بالحفظ لأعماله ومراقبتي إياه كقوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الرعد: 33]. والظاهر أن الضمير في واستفتحوا عائد على الأنبياء أي استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}تفسير : [الأنفال: 19]. ويجوز أن يكون من الفتاحة وهي الحكومة أي استحكموا الله طلبوا منه القضاء بينهم واستنصار الرسل في القرآن كثير. {وَخَابَ} معطوف على محذوف تقديره فنصروا وظفروا وخاب كل جبار عنيد وهم قوم الرسل وتقدم شرح جبار والعنيد المعاند كالخليط بمعنى المخالط. {مِّن وَرَآئِهِ} ذكر ما يؤول إليه حال الجبار العنيد في الآخرة ووراء من الأضداد ينطلق على خلف وعلى أمام كأنه قيل من أمامه وبين يديه جهنم. {وَيُسْقَىٰ} معطوف على محذوف تقديره يدخلها ويسقى والظاهر إرادة حقيقة الماء وصديد. قال مجاهد وغيره: وهو ما يسيل من أجساد أهل النار. وقال الزمخشري: صديق عطف بيان لما قال ويسقى من ماء فأبهمه ابهاماً ثم بينه بقوله صديد. "انتهى". والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات وأجازه الكوفيون وتبعهم الفارسي فأعرب زيتونة عطف بيان لشجرة مباركة فعلى رأي البصريين لا يجوز أن يكون قوله: صديد عطف بيان وتجرع تفعل والظاهر أنها للتكلف نحو تحلم أي يأخذه شيئاً فشيئاً والظاهر هنا انتفاء مقاربة اساغته وإذا انتفت الإِساغة فيكون كقوله: {أية : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} تفسير : [النور: 40]. أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها والحديث جاء بأنه يشربه فإِن صح الحديث كان المعنى ولا يكاد يسيغه قبل أن يشربه ثم شربه كما جاء فذبحوها وما كادوا يفعلون أي وما كادوا يفعلون قبل الذبح. {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ} أي أسبابه. والظاهر أن قوله: من كل مكان معناه من الجهات الست وذلك تفظيع لما يصيبه من الآلام. {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} لتطاول شدائد الموت وامتداد سكراته. و{وَمِن وَرَآئِهِ} الخلاف في من ورائه هنا كالحلاف في من ورائه جهنم. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} الآية, ارتفاع مثل على الابتداء وخبره محذوف تقديره عند سيبويه فيما يتلى عليكم أو يقص. قال ابن عطية: وقيل هو مبتدأ وأعمالهم ابتداء ثان وكرماد خبر الثاني والجملة خبر الأول وهذا عندي أرجح الأقوال وكأنك قلت المتحصل مثالاً في النفس للذين كفروا هذه الجملة المذكورة وهي أعمالهم في فسادها وقت الحاجة وتلاشيها كالرماد الذي تذروه الرياح وتفرقه بشدتها حتى لا يبقى له أثر ولا يجتمع منه شىء انتهى هذا القول الذي رجحه ابن عطية قاله الحوفي: وهو لا يجوز لأن الجملة الواقعة خبراً عن المبتدأ الأول الذي هو مثل عارية من رابط يعود على المثل وليست نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى رابط والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وأعمالهم كرماد جملة مستأنفة على تقدير سؤال كأنه قيل كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد كما تقول صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول ووصف اليوم بقوله: عاصف وان كان من صفة الريح على سبيل التجوز كما قالوا يوم ماطر وليل نائم. {لاَّ يَقْدِرُونَ} يوم القيامة. {مِمَّا كَسَبُواْ} من أعمالهم. {عَلَىٰ شَيْءٍ} أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير بالرياح على شىء. {ذٰلِكَ} إشارة إلى كونهم بهذه الحال وعلى مثل هذا الغرر والبعيد الذي يعمق فيه صاحبه وأبعد عن طريق النجاة أو البعيد عن الحق والثواب وفي البقرة لا يقدرون على شىء مما كسبوا على شىء من التفنن في الفصاحة والتغاير في التقديم والتأخير والمعنى واحد. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} الظاهر أن قوله: يذهبكم خطاب عام للناس وعن ابن عباس خطاب للكفار. {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} الظاهر أن يكون المعنى ان يشأ يذهبكم أيها ويأت بناس آخرين من جنسكم آدميين.
الجيلاني
تفسير : {الۤر} أيها الإنسان الكامل الأحق الأليق للوامع لوائح رموزات رقائق الربوبيية بأن تنزل على قلبك بطريق الوحي والإلهام، فتذيعه بين الأنام على سبيل الإرشاد والتكميل هذا {كِتَابٌ} جامع لجميع لوامع رقائق الربوبية ودقائق لوائح الألوهية، مناسب مطابق لمرتبتك الجامعة {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} تأييداً لك في أمرك {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} الناسين المقام الأصلي والمنزل الحقيقي {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ} الإمكانية الطبيعية الهيولانية {إِلَى ٱلنُّورِ} البحت الخالص عن شوب المادة والمدة، وليس إخراجك إياهم إلا {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} الذي رباهم في أصل استعداداتهم وفطرتهم بأنواع اللطف والكرم، ووفقهم على قبول ما جئت به من عند ربهم ليوصلهم {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ} الغالب في أمره على مقتضى قدرته وإرادته على الوجه الأقوم الأعدل {ٱلْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] في فعله؛ لخلوه عن كلا طرفي الإفراط والتفريط. وكيف لا يكون صراطه مستقيماً وأفعاله معتدلاً مقتصداً؛ إذ هو {ٱللَّهِ} المستجمع لجميع الكمالات {ٱلَّذِي لَهُ} تكوين {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الكواكب السيارات والثوابت على النمط البديع والتركيب العجيب {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} من العناصر والمركبات على أقوم الأزمجة وأعدله {وَوَيْلٌ} أي: طرد وتبعيد عن مرتبة التوحيد {لِّلْكَافِرِينَ} الساترين شمس الحق الظاهر بالعدالة التامة والاستحقاق بغيوم الأظلال الباطلة والعكوس العاطلة {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2] هو مسخهم وتبديلهم عن كما مظهرية الحق وخلافته إلى مرتبة الحيواناا العجم، بل إلى مربتة الجمادات التي هي أنزل المراتب {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف: 179]. وهم {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} المستعارة التي لا مداد لها ولا قرار؛ إذ هي أظلال في ظلمة عكوس عاطلة {عَلَى ٱلآخِرَةِ} أي: على الحياة الأخروية التي هي بقاء سرمدي وحياة أزلية لا انقضاء لها أصلاً {وَ} هم مع اختيارهم وترجيحهم الحياة الفانية على الباقية {يَصُدُّونَ} ويصرفون الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو الإيمان بالله وبرسوله وكتابه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يطلبون أن يحدثوا فيها مع استقامتها انحرافاً {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن طريق الحق، الساعو في الباطل مكبارة وعناداً {فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3] عن الهداية بمراحل بحيث لا يرجى هدياتهم أصلاً؛ لأنهم مجبولون على الضلالة الغواية في أصل فطرتهم. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} من الرسل على أمة من الأمم {إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي: ما أرسلنا إلا للغة موافقة بلغة قومه؛ ليفقهوا حديثه ويفهموا لسانه {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} طريق التوحيد، وبجنبهم عن خلافه وما عليه، وفي وسعه إلا البلاغ {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ} المضل المذل لعباده {مَن يَشَآءُ} إضلاله وإذلاله على مقتضى قهره وجلاله {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته على مقتضى لطفه وجماله {وَهُوَ} في ذاته {ٱلْعَزِيزُ} الغالب على ما أراد وشاء إرادة واختيار {ٱلْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] المتقن في فعله على مقتضى إرادته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {الۤر} [إبراهيم: 1] يشير بالألف إلى القسم بآلائه ونعمائه، وباللام إلى لطفه وكرمه، وبالراء إلى القرآن؛ يعني: أقسم آلائي ونعمائي أن صفة لطفي وكرمي اقتضت إنزال القرآن وهو {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} بدلالة القرآن وتعليمه ونوره وخلقه وهداه {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ} وهي ظلمات الخلقية {إِلَى ٱلنُّورِ} وهو نور تجلي صفة الربوبية، وذلك أن الله تعالى خلق عالم الأجساد وجعل زبدته جسم الإنسان حجاباً بالنور صفات روح الإنسان وهي ظلمات الخليقة الإنسانية، وجعل العالمين بظلماتها وأنوارها حجاباً لنور صفة الألوهية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله سبعين ألف حجاب من نور الظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره"تفسير : وما جعل الله لنوع من أنواع الموجودات استعداد الخروج من هذه الحجب إلا للإنسان، ولا يخرج منها أحد إلا بتخريجه إياه منها، واختص المؤمن بهذه الكرامة، كما قال: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257] فجعل القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم من أسباب يخرج المؤمن بهما من حجب الظلمات إلى النور {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بحوله وقوته لا سبيل له إلى ذلك الآية، وإنما قال ربهم لأنه تعالى هو مربيهم، وما قال بإذن ربك ليعلم أن هذه التربية من الله لا من النبي. ويشير بقوله: {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} إلى أن العبور على الظلمات الجسمانية والأنوار الروحانية هو الطريق لله، وهو العزيز الذي لا يصل العبد إليه إلا بالخروج عن هذه الحجب، وهو الحميد الذي يستحق من كمالية جماله وجلاله أن يحتجب بحجب العزة والكرامة والعظمة. وبقوله: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [إبراهيم: 2] يشير إلى أن سير السائرين إلى الله لا ينتهي بالسير في الصفات وهي العزيز الحميد، وإنما ينتهي السير في الذات وهو الله فالمكونات أفعاله، فمن بقي في أفعاله فلا يصل إلى صفاته، فمن بقي في صفاته لا يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته وصولاً بلا اتصال ولا انفصال بل وصولاً بالخروج عن أنانيته إلى هويته تعالى يبقى به في صفاته وأفعاله، ثم قال: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} هو شدة ألم الانقطاع عن الله والبعد عنه. ثم وصفهم ليعلم أن الكافر الحقيقي من هو ولا يرضى العبد باسم الانقطاع ولا يقنع بالإيمان التقليدي فقال: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} [إبراهيم: 3] بالجد والاجتهاد في طلب الدنيا وشهواتها وترك الآخرة بإهمال السعي في طلبها، واحتمال الكفلة والمشقة في مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع في تربية القلب والسير إلى الله {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ويصرفون وجوه الطالبين عن طلب الله، ويقطعون عليهم طريق الحق في صورة النصيحة، ويلزمون الطلاب على ترك الدنيا والعزلة والغربة والانقطاع عن الخلق للتوبة إلى الحق {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: ويطلبون الآخرة بالاعوجاج عن طريقهما {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: طلوا عن طريق الحق وبعدوا عنه. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] أي: ليتكلم معهم بلسان عقولهم {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} الطريق إلى الله طريق الخروج عن كلمات أنانيتهم إلى نور هويته {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ} بأنانيته {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} بالخروج إلى هويته {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: هو أعز من أن يهدي كل أحد إلى هويته {ٱلْحَكِيمُ} بأن يهدي من هو المستحق للهداية إليه. فمن هنا تحقق أنه تعالى هو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور وغيره. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} [إبراهيم: 5] أي: أرسلنا جبريل الجذبة إلى موسى القلب بعصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص في استعمالها {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} وهم الروح والسر والخفي {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي بالمداومة على الذكر ونفي الوجود المجازي وإتيان الوجود الحقيقي {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} التي كان الله ولم يكن معه شيء لا من أيام الدنيا ولا من أيام الآخرة، وكانوا في مكنون علم الله وهو يحبهم بلا هم ويحبونه {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التذكير والذكر {لآيَاتٍ} في الخروج عن الوجود المجازي {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} يصير بالله مع الله عن غير الله شكور لنعمة الوجود الحقيقي ببذل الوجود المجازي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، وقوله: { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } أي: لا يحصل منهم المراد المحبوب لله، إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم. ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب فقال: { إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } أي: الموصل إليه وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به، وفي ذكر { العزيز الحميد } بعد ذكر الصراط الموصل إليه إشارة إلى أن من سلكه فهو عزيز بعز الله قوي ولو لم يكن له أنصار إلا الله، محمود في أموره، حسن العاقبة. وليدل ذلك على أن صراط الله من أكبر الأدلة على ما لله من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأن الذي نصبه لعباده، عزيز السلطان، حميد في أقواله وأفعاله وأحكامه، وأنه مألوه معبود بالعبادات التي هي منازل الصراط المستقيم، وأنه كما أن له ملك السماوات والأرض خلقا ورزقا وتدبيرا، فله الحكم على عباده بأحكامه الدينية، لأنهم ملكه، ولا يليق به أن يتركهم سدى، فلما بيَّن الدليل والبرهان توعد من لم ينقد لذلك، فقال: { وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } لا يقدر قدره، ولا يوصف أمره، ثم وصفهم بأنهم { الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ } فرضوا بها واطمأنوا، وغفلوا عن الدار الآخرة. { وَيَصُدُّونَ } الناس { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } التي نصبها لعباده وبينها في كتبه وعلى ألسنة رسله، فهؤلاء قد نابذوا مولاهم بالمعاداة والمحاربة، { وَيَبْغُونَهَا } أي: سبيل الله { عِوَجًا } أي: يحرصون على تهجينها وتقبيحها، للتنفير عنها، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. { أُولَئِكَ } الذين ذكر وصفهم { فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ } لأنهم ضلوا وأضلوا، وشاقوا الله ورسوله وحاربوهما، فأي ضلال أبعد من هذا؟!! وأما أهل الإيمان فبعكس هؤلاء يؤمنون بالله وآياته، ويستحبون الآخرة على الدنيا ويدعون إلى سبيل الله ويحسنونها مهما أمكنهم، ويبينون استقامتها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):